والهزء. والمعنى: أنّ المكر حاق بهم، والهزء صار بهم.
وأمّا قوله سبحانه: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [الآية ١٠] فمن فخّم، نصب الزاي، فقال: فَزادَهُمُ «١» ومن أمال كسر الزّاي فقال: (زادهم) «٢» لأنها من «زدت» أوّلها مكسور. فناس من العرب يميلون ما كان من هذا النحو، وهم بعض أهل الحجاز، ويقولون أيضا (ولمن خاف مقام ربّه) «٣» و (فانكحوا ما طاب لكم من النّساء) «٤» و (وقد خاب) «٥» ولا يقولون (قال) ولا (زار) لأنّه يقول (قلت) و (زرت) فأوّله مضموم. فإنّما يفعلون هذا في ما كان أوّله من «فعلت» مكسورا إلّا أنّهم ينحون الكسرة كما ينحون الياء في قوله وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ [الإنسان: ٢١] . وقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) [الشمس] «٦» . ويقرأ جميع ذلك بالتفخيم وما كان من نحو هذا من بنات الواو، وكان ثالثا نحو وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) [الشمس] «٧» ونحو وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) [الشمس] «٨» فإنّ كثيرا من العرب يفخّمه، ولا يميله، لأنّها ليست بياء فتميل إليها، لأنّها من
стр. 142
«طحوت» و «تلوت» . فإذا كانت رابعة فصاعدا أمالوا، وكانت الإمالة هي الوجه، لأنّها حينئذ قد انقلبت الى الياء. ألا ترى أنك تقول «غزوت» و «أغزيت» ومثل ذلك وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) [الشمس] «١» وقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) [الأعلى] «٢» ووَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) [الليل] «٣» أمالها لأنّها رابعة، و «تجلّى» فعلت منها بالواو، لأنها من «جلوت» و «زكا» من «زكوت يزكو» ووَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) [الشمس] «٤» من «الغشاوة» .
وقد يميل ما كان منه بالواو نحو (تلاها) و (طحاها) ناس كثير «٥» ، لأنّ الواو تنقلب الى الياء كثيرا، مثل قولهم في (حور) (حير) وفي «مشوب» «مشيب» وقالوا «أرض مسنيّة» إذا كان يسنوها المطر. فأمالوها الى الياء، لأنّها تنقلب إليها.
وأمالوا كلّ ما كان نحو «فعلى» و «فعلى» نحو «بشرى» و «مرضى» و «سكرى» ، لان هذا لو ثنّي كان بالياء فمالوا إليها.
وأمّا قوله تعالى بِما كانُوا يَكْذِبُونَ [الآية ١٠] ، وبها نقرأ. فيعني «يكذبون على الله وعلى الرسل» . جعل السياق «ما» والفعل اسما للمصدر، كما جعل «أن» والفعل اسما للمصدر في قوله «أحبّ أن تأتيني» ، وأمّا المعنى فإنّما هو «بكذبهم» و «تكذيبهم» . وأدخلت «كان» ، لتخبر أنه كان فيما مضى، كما تقول: «ما أحسن ما كان عبد الله» فأنت تتعجّب من عبد الله لا من «كونه» . وإنّما وقع التعجّب في اللفظ على كونه وبعضهم «٦» قرأ: (بما
стр. 143
كانوا يكذّبون) على معنى يجحدون، لأن الجحود كفر. وقال فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤] وليس هذا في معنى «فاصدع بالذي تؤمر به» . لو كان هذا المعنى لم يكن كلاما حتى تجيء ب «به» ولكن «اصدع بالأمر» جعل «ما تؤمر» اسما واحدا. وقال لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا [آل عمران: ١٨٨] يقول «بالإتيان» يجعل «ما» و «أتوا» اسما للمصدر. وإن شئت قلت: «أتوا» ها هنا «جاءوا» كأنه يقول: «بما جاءوا» يريد «جاءوه» كما تقول «يفرحون بما صنعوا» أي «بما صنعوه» ومثل هذا في القرآن كثير. وتقديره «بكونهم يكذبون» ف «يكذبون» «١» مفعول ل «كان» كما تقول: «سرني زيد بكونه يعقل» أي:
بكونه عاقلا.
وأما قوله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ [الآية ١١] فمنهم من يضمّ أوله، لأنّه في معنى «فعل» فيريد أن يترك أوله مضموما ليدل على معناه «٢» ، ومنهم من يكسره، لأنّ الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم والكسر القياس «٣» .
ومنهم من يقول في الكلام: «قد قول له» و «قد بوع المتاع» إذا أراد «قد بيع» و «قيل» . جعلها واوا حين ضمّ ما قبلها، لأنّ الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم. ومنهم من يروم الضمّ في «قيل» مثل رومهم الكسر في «ردّ» ، لغة لبعض العرب ان يقولوا «ردّ» فيكسرون الراء ويجعلون عليها حركة الدال التي في موضع العين. وبعضهم لا يكسر الراء ولكنه يشمّها الكسر، كما يروم في «قيل» الضم. وقال
стр. 144
الفرزدق «١» [من الطويل وهو الشاهد الثالث والعشرون] :
وما حلّ من جهل حبا حلمائنا ... ولا قائل المعروف فينا يعنّف «٢»
سمعناه ممّن ينشده من العرب هكذا.
وأمّا قوله تعالى أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ [الآية ١٣] فقد قرأ هما قوم مهموزتين جميعا «٣» ، قرءوا: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ «٤» [الآية ٦] وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣] «٥» وقرءوا أَإِذا «٦» أَإِنَّا «٧» كل هذا، يهمزون فيه همزتين وكل هذا، ليس كلام العرب، إلّا شاذا «٨» . ولكن إذا اجتمعت همزتان شتّى ليس بينهما شيء فان إحداهما تخفّف في جميع كلام العرب إلّا في هذه اللغة الشاذة القليلة، وذلك أنّه إذا اجتمعت همزتان في كلمة
стр. 145
واحدة، أبدلوا الاخرة منهما أبدا، فجعلوها، إن كان ما قبلها مفتوحا، ألفا ساكنة، نحو «آدم» و «آخر» و «آمن» وإن كان ما قبلها مضموما، جعلت واوا، نحو «أوزز» إذا أمرته ان يؤز، وإن كان ما قبلها مكسورا، جعلت ياء، نحو «ايت» وكذلك إن كانت الاخرة متحركة، بأي حركة كانت، والأولى مضمومة، او مكسورة، فالآخرة تتبع الأولى نحو «أن أفعل» من «أأب» فتقول «أووب» . ونحو «جاء» في الرفع والنصب والجر. فاما المفتوحة، فلا تتبعها الاخرة إذا كانت متحركة، لأنها لو تبعتها جعلت همزة مثلها. ولكن تكون على موضعها، فإن كانت مكسورة، جعلت ياء، وإن كانت مضمومة جعلت واوا، وان كانت مفتوحة جعلت أيضا واوا لأنّ الفتحة تشبه الألف. وأنت إذا احتجت إلى حركتها، جعلتها واوا، ما لم يكن لها أصل في الياء معروف، فهذه الفتحة ليس لها أصل في الياء فجعلت الغالب عليها الواو، نحو «آدم» و «أوادم» .
فلذلك جعلت الهمزتان إذا التقتا، وكانتا من كلمتين شتّى، مخففة إحداهما، ولم يبلغ من استثقالهما، ان تجعلا مثل المجتمعتين في كلمة واحدة. ولأن اللتين في كلمة واحدة، لا تفارق إحداهما صاحبتها، وهاتان تتغيران عن حالهما وتصير كلّ واحدة منها على حالها أثقل منهما كلمتين لأنّ ما في الكلمتين: كلّ واحدة على حالها، فتخفيف الاخرة أقيس كما أبدلوا الاخرة حين اجتمعتا في كلمة واحدة، وقد تخفف الاولى. فمن خفف الاخرة في قوله كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا قال (السفهاء ولا) فجعل الألف في (ألا) واوا «١» . ومن خفّف الأولى، جعل الألف التي في (السفهاء) كالواو، وهمز ألف (ألّا) «٢» .
وأمّا أَأَنْذَرْتَهُمْ فإنّ الأولى لا تخفّف، لأنّها أوّل الكلام.
والهمزة، إذا كانت أوّل الكلام لم تخفّف، لأن المخفّفة ضعفت، حتى صارت كالساكن، فلا يبتدأ بها. وقد
стр. 146
قرأ بعض العرب: (ءاإذا) «١» و (ءاأنذرتهم) «٢» «ءاأنا قلت لك كذا وكذا» ، فجعل ألف الاستفهام، إذا ضمت الى همزة، يفصل بينها وبينها بألف، لئلّا تجتمع الهمزتان. كل ذا قد قيل، وكل ذا قد قرأه الناس. وإذا كانت الهمزة ساكنة، فهي في لغة هؤلاء الذين يخفّفون، ان كان ما قبلها مكسورا ياء، نحو (أنبيهم بأسمائهم) «٣» ونحو (نبّينا) «٤» . وإن كان مضموما جعلوها واوا نحو «جونه» «٥» ، وان كان ما قبلها مفتوحا جعلوه ألفا نحو «راس» و «فاس» . وإن كانت همزة متحرّكة بعد حرف ساكن، حرّكوا الساكن بحركة ما بعده، وأذهبوا الهمزة يقولون في «في الأرض» : (فلرض) «٦» وفي ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ [الأعراف: ٥١] : «٧» : (منلاه) «٨» يحرّكون الساكن بالحركة التي كانت في الهمزة، أيّ حركة كانت، ويحذفون الهمزة.
وإذا اجتمعت همزتان من كلمتين شتّى، والأولى مكسورة، والاخرة مكسورة، فأردت ان تخفّف الاخرة، جعلتها بين الياء الساكنة وبين الهمزة، لأنّ الياء الساكنة تكون بعد المكسورة، نحو «هؤلاء يماء الله» ، تجعل الاخرة بين بين والأولى محققة. وان كانت الاخرة مفتوحة، نحو «هؤلاء أخواتك» ، أو مضمومة، نحو «هؤلاء أمّهاتك» لم تجعل بين بين، وجعلت
стр. 147
ياء خالصة، لانكسار ما قبلها، لأنّك إنّما تجعل المفتوح، بين الألف الساكنة وبين الهمزة، والمضموم بين الواو الساكنة وبين الهمزة، إذا أردت بين بين، وهذا لا يثبت بعد المكسور. وإن كان الأوّل مهموزا أو غير مهموز، فهو سواء إذا أردت تخفيف الاخرة، ومن ذلك قولهم «مئين» و «مئير» في قول من خفّف. وإن كان الحرف مفتوحا، بعد همزة مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، جعلت بين بين، لأن المفتوح تكون بعده الألف السّاكنة والياء الساكنة، نحو «البيع» ، والواو الساكنة نحو «القول» وهذا مثل يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ [النحل: ٤٨] ووَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ [الحج: ٦٥] «١» و (آاذا) و (آانا) إذا خففت الاخرة في كل هذا جعلتها بين بين. والذي نختاره تخفيف الاخرة إذا اجتمعت همزتان، إلّا أنّا نحقّقهما في التعليم كلتيهما، نريد بذلك الاستقصاء. وتخفيف الاخرة قراءة أهل المدينة، وتحقيقهما جميعا قراءة أهل الكوفة، وبعض أهل البصرة. ومن زعم أنّ الهمزة لا تتبع الكسرة إذا خففت وهي متحركة، وإنّما تجعل في موضعها، دخل عليه ان يقول «هذا قارو» و «هؤلاء قاروون» و (يستهزوون) «٢» ، وليس هذا كلام من خفّف من العرب، وإنّما يقرءون (يستهزئون) و (قارئون) .
وإذا كان ما قبل الهمزة مضموما، وهي مضمومة، جعلتها بين بين. وان كانت مكسورة أو مفتوحة، لم تكن بين بين، وما قبلها مضموم، لأن المفتوحة بين الألف الساكنة والهمزة، والمكسورة بين الياء الساكنة والهمزة.
وهذا لا يكون بعد المضموم، ولكن تجعلها واوا بعد المضموم، إذا كانت مكسورة أو مفتوحة فتجعلها واوا خالصة لأنّهما يتبعان ما قبلهما نحو «مررت بأكمو» و «رأيت أكموا» و «هذا غلاموبيك» تجعلها واوا، إذا أردت التخفيف، إلّا أن تكون المكسورة مفصولة، فتكون على موضعها لأنها قد بعدت.
والواو قد تقلب الى الياء مع هذا،
стр. 148
وذلك نحو «هذا غلاميخوانك» و (لا يحيق المكر السيّئ يلّا) «١» .
وإذا كانتا في معنى «فعل» ، والهمزة في موضع العين، جعلت بين بين، لأنّ الياء الساكنة تكون بعد الضمة، ففي «قيل» يقولون «قيل» ، ومثل ذلك «سيل» و «ريس» ، فيجعلها بين بين إذا خففت، ويترك ما قبلها مضموما. وأمّا «روس» فليست «فعل» ، وإنّما هي «فعل» ، فصارت واوا، لأنها بعد ضمة معها في كلمة واحدة.
وقوله وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [الآية ١٤] فأذهب الواو لأنه كان حرفا ساكنا لقي اللام وهي ساكنة، فذهبت لسكونه، ولم تحتج إلى حركته، لأنّ فيما بقي دليلا على الجمع. وكذلك كل واو ما قبلها مضموم تكون من هذا النحو. فإذا كان ما قبلها مفتوحا، لم يكن بد من حركة الواو، لأنك لو التقيتها لم تستدل على المعنى نحو اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ [الآية ١٦] «٢» وحرّكت الواو بالضم لأنك لو قلت «اشتر الضلالة» فألقيت الواو لم تعرف أنّه جمع، وإنّما حركتها بالضم لأنّ الحرف الذي ذهب من الكلمة مضموم، فصار يقوم مقامه. وقد قرأ قوم، وهي لغة لبعض العرب (اشتروا الضلالة) «٣» لمّا وجدوا حرفا ساكنا، قد لقي ساكنا، كسروا كما يكسرون في غير هذا الموضع، وهي لغة شاذة.
وأمّا قوله وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [الآية ١٤] فإنّك تقول «خلوت الى فلان في حاجة» «٤» كما تقول: «خلوت بفلان» إلّا أنّ «خلوت بفلان» له معنيان: أحدهما هذا، والاخر سخرت به. وتكون «إلى» في موضع «مع» نحو مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] «٥»
стр. 149
كما كانت «من» في معنى (على) في قوله تعالى وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ [الأنبياء:
٧٧] اي: على القوم، وكما كانت الباء في معنى «على» في قوله «مررت به» و «مررت عليه» . وفي كتاب الله مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ [آل عمران:
٧٥] يقول «على دينار» . وكما كانت «في» في معنى «على» نحو فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] . ويقول «على جذوع النخل» . وزعم يونس «١» ان العرب تقول: «نزلت في أبيك» تريد «عليه» وتقول: «ظفرت عليه» أي «به» و «رضيت عليه» أي: «عنه» قال الشاعر «٢» [من الوافر وهو الشاهد الرابع والعشرون] :
إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
وأما قوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) فهو في معنى «ويمدّ لهم» كما قالت العرب: «الغلام يلعب الكعاب» تريد «يلعب» «٣» بالكعاب» وذلك أنهم يقولون «قد مددت له» و «أمددته» في غير في هذا المعنى، وهو قوله جلّ ثناؤه وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ [الطور: ٢٢] وقال وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) [الكهف] . وقرأ بعضهم (مدادا) و (مدّا) من «أمددناهم» وتقول «مدّ النهر فهو مادّتها» و «أمدّ الجرح فهو ممدّ» . وقال يونس: «ما كان من الشرّ فهو «مددت» وما كان من الخير فهو «أمددت» «٤» . فتقول كما فسرت له، فإذا أردت أنّك تركته قلت: «مددت له» «٥» وإذا أردت أنك أعطيته، قلت:
«أمددته» «٦» .
стр. 150
وقوله تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [الآية ١٦] فهذا على قول العرب: «خاب سعيك» وإنّما هو الذي خاب، وإنّما يريد «فما ربحوا في تجارتهم» ومثله بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ «١» وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [الآية ١٧٧] إنّما هو «ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله» «٢» وقال الشاعر «٣» [من المتقارب وهو الشاهد الخامس والعشرون] :
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب «٤»
وقال الشاعر «٥» [من الطويل وهو الشاهد السادس والعشرون] :
وشرّ المنايا ميّت وسط أهله ... كهلك «٦» الفتاة أسلم الحيّ حاضره «٧»
إنما يريد «وشر المنايا منية ميّت وسط أهله» ، ومثله: «أكثر شربي الماء» و «أكثر أكلي الخبز» وليس أكلك بالخبز ولا شربك بالماء. ولكن تريد أكثر أكلي أكل الخبز وأكثر شربي شرب الماء. قال تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] يريد: «أهل القرية» ، وَالْعِيرَ [يوسف: ٨٢] أي: «واسأل اصحاب العير» . وقال تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ [الآية ١٧١] فكأنّه يريد- والله أعلم- «مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به» . فحذف هذا الكلام، ودلّ ما بقي على معناه. ومثل هذا في القرآن كثير. وقد قال بعضهم وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ يقول «مثلهم في دعائهم الالهة كمثل الذي ينعق بالغنم» لان- آلهتهم لا تسمع ولا تعقل، كما لا تسمع الغنم ولا تعقل.
وقوله تعالى
стр. 151
كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [الآية ١٧] فهو في معنى «أو قد» ، مثل قوله «فلم يستجبه» أي «فلم يجبه» وقال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد السابع والعشرون] :
وداع دعا يا من يجيب الى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي: «فلم يجبه» .
قال تعالى وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) فكان (الذي) بمعنى جميعا فقال وَتَرَكَهُمْ لأن «الذي» في معنى الجميع، كما يكون «الإنسان» في معنى «الناس» .
وقال تعالى وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) فرفع على تأويل: «هم صمّ بكم عمي» رفعه على الابتداء ولو كان على أوّل الكلام لكان النصب فيه حسنا.
وأما حَوْلَهُ [الآية ١٧] فانتصب على الظرف، وذلك أنّ الظرف منصوب.
والظرف هو ما يكون فيه الشيء، كما قال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد الثامن والعشرون] :
هذا النهار بدا لها من همّها ... ما بالها بالليل زال زوالها
نصب «النهار» على الظرف وإن شاء رفعه وأضمر فيه. وأما «زوالها» فإنه كأنه قال: «أزال الله الليل زوالها» .
وأما يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ [الآية ٢٠] فمنهم من قرأ (يخطف) «٣» من «خطف» ، وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف «٤» . وقد رواها يونس (يخطّف) «٥» بكسر الخاء لاجتماع
стр. 152
الساكنين. ومنهم من قرأ (يخطف) «١» على «خطف يخطف» وهي الجيدة «٢» ، وهما لغتان. وقال بعضهم (يخطّف) «٣» وهو قول يونس من «يختطف» ، فأدغم التاء في الطاء، لأنّ مخرجها قريب من مخرج الطاء. وقال بعضهم (يخطّف) فحوّل الفتحة على الذي كان قبلها «٤» ، والذي كسر، كسر لاجتماع الساكنين، فقال (يخطّف) «٥» ومنهم من قال (يخطّف) «٦» كسر الخاء لاجتماع الساكنين ثم كسر الياء، أتبع الكسرة وهي قبلها وذلك في كلام العرب كثير، فهم يتبعون الكسرة في هذا الباب الكسرة، يقولون «قتلوا» و «فتحوا» يريدون: «اقتلوا» و «افتحوا» «٧» . وقال ابو النجم «٨» [من الرجز وهو الشاهد التاسع والعشرون] :
تدافع الشّيب ولم تقتّل «٩»
وسمعناه من العرب مكسورا كلّه، فهذا مثل «يخطف» إذا كسرت ياؤها (لكسرة خائها) وهي بعدها فأتبع الاخر الاول.
وقوله تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ [الآية ٢٠] فمنهم، من يدغم
стр. 153
ويسكن الباء الاولى لأنهما حرفان مثلان «١» . ومنهم، من يحرّك فيقول (لذهب بّسمعهم) «٢» وجعل «السمع» في لفظ واحد، وهو جماعة، لأنّ «السمع» قد يكون جماعة و «قد يكون واحدا، ومثله قوله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [الآية ٧] ومثله قوله تعالى لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [ابراهيم:
٤٣] وقوله تعالى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [القمر: ٤٥] ومثله وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [النساء: ٤] .
وقوله فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [الآية ٢٢] فقطع الألف، لأنه اسم تثبت الألف فيه في التصغير، فإذا صغّرت قلت: «أنيدادا» . وواحد «الأنداد» :
ندّ. و «الندّ» : المثل.
وقوله تعالى الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [الآية ٢٤] ف «الوقود» :
الحطب. و «الوقود» الاتّقاد وهو الفعل. يقرأ الْوَقُودِ «٣» و (الوقود) «٤» ويكون أن يعني بها الحطب، ويكون أن يعني بها الفعل. ومثل ذلك «الوضوء» وهو: الماء، و «الوضوء» وهو الفعل، وزعموا أنهما لغتان في معنى واحد «٥» .
وقوله تعالى: أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الآية ٢٥] فجرّ «جنات» وقد وقعت عليها «أنّ» ، لأنّ كلّ جماعة في آخرها تاء زائدة، تذهب في الواحد، وفي تصغيره، فنصبها جرّ، ألا ترى أنّك تقول: «جنّة» فتذهب التاء. وقال أيضا خَلْقِ السَّماواتِ [الأنعام: ١] «٦» و «السماوات» جرّ،
стр. 154
و «الأرض» نصب، لأنّ التاء زائدة. ألا ترى أنك تقول: «سماء» ، ووَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا [الأحزاب:
٦٧] «١» لان هذه، ليست تاء، إنّما هي هاء، صارت تاء بالاتصال، وإنّما تكون تلك في السكوت، ألا ترى أنّك تقول: «رأيت ساده» فلا يكون فيها تاء. ومن قرأ (أطعنا ساداتنا) «٢» جرّ لأنّك إذا قلت: «ساده» ذهبت التاء.
وتكون في السكت فيها تاء، تقول:
«رأيت سادات» ، وإنّما جرّوا هذا في النصب، ليجعل جرّه ونصبه واحدا، كما جعل تذكيره في الجر والنصب واحدا، تقول: «مسلمين و «صالحين» نصبه وجره بالياء. وقوله تعالى بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ [النور: ٢٧] ولا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ [الحجرات: ٢] فإن التاء من اصل الكلمة تقول «صوت» و «صويت» فلا تذهب التاء، و «بيت» و «بويت» فلا تذهب التاء. وتقول: «رأيت بويتات العرب» فتجرّ، لأن التاء الاخرة زائدة، لأنّك تقول: «بيوت» ، فتسقط التاء الاخرة. وتقول: «رأيت ذوات مال» لأن التاء زائدة، وذلك لأنك لو سكتّ على الواحدة لقلت: «ذاه» ولكنها وصلت بالمال فصارت تاء لا يتكلّم بها إلا مع المضاف اليه.
وقوله تعالى هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [الآية ٢٥] لأنه في معنى «جيئوا به» ، وليس في معنى «أعطوه» . فأمّا قوله: مُتَشابِهاً فليس أنّه أشبه بعضه بعضا، ولكنّه متشابه في الفضل.
أي: كل واحد له من الفضل في نحوه، مثل الذي للآخر في نحوه.
وقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ [الآية ٢٦] ف «يستحيي» لغة أهل الحجاز «٣» بياءين وبنو تميم يقولون
стр. 155
«يستحي» بياء واحدة «١» ، والأولى هي الأصل، لأنّ ما كان من موضع لامه معتلا، لم يعلّوا عينه. ألا ترى أنّهم قالوا: «حييت» و «جويت» فلم تعلّ العين. ويقولون: «قلت» و «بعت» فيعلّون العين، لمّا لم تعتلّ اللام، وإنّما حذفوا لكثرة استعمالهم هذه الكلمة، كما قالوا «لم يك» و «لم يكن» و «لا أدر» و «لا أدري» .
وقال تعالى مَثَلًا ما بَعُوضَةً [الآية ٢٦] «٢» لأن «ما» زائدة في الكلام، وإنّما هو «إنّ الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا» . وناس من بني تميم يقولون (مثلا مّا بعوضة) «٣» يجعلون (ما) بمنزلة «الذي» ويضمرون «هو» كأنهم قالوا: «لا يستحيي أن يضرب مثلا، الذي هو بعوضة» يقول: «لا يستحي أن يضرب الذي هو بعوضة، مثلا» .
وقوله تعالى فَما فَوْقَها [الآية ٢٦] قال بعضهم: «أعظم منها» وقال بعضهم: كما تقول: «فلان صغير» فيقول: «وفوق ذلك» يريد: «أصغر من ذلك» .
وقوله تعالى ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [الآية ٢٦] فيكون «ذا» بمنزلة «الذي» . ويكون «ماذا» اسما واحدا، إن شئت بمنزلة «ما» ، كما قال تعالى:
ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [النحل: ٣٠] فلو كانت «ذا» بمنزلة «الذي» ، لقالوا «خير» ، ولكان الرفع وجه الكلام. وقد يجوز فيه النصب، لأنّه لو قال: «ما الذي قلت» ، فقلت «خيرا» أي: «قلت خيرا» ، لجاز. ولو قلت: «ما قلت» :
стр. 156
«فقلت» : «خير» أي: «الذي قلت خير» ، لجاز غير أنّه ليس على اللفظ الأول، كما يقول بعض العرب، إذا قيل له: «كيف أصبحت» ؟ قال:
«صالح» أي: «أنا صالح» . ويدلّك على أنّ «ماذا» اسم واحد، قول الشاعر «١» [من الوافر وهو الشاهد الثلاثون] :
دعي ماذا عملت، سأتّقيه ... ولكن بالمغيّب نبّئيني
فلو كانت «ذا» ها هنا بمعنى (الذي) لم يكن كلاما.
وأمّا قوله تعالى عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الآية ٢٧] ف «أن يوصل» بدل من الهاء، في «به» كقولك «مررت بالقوم بعضهم» .
وأمّا «ميثاقه» ، فصار مكان «التوثّق» ، كما قال تعالى أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) [نوح] والأصل «إنباتا» ، وكما قال «العطاء» في مكان «الإعطاء» .
وقوله تعالى وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الآية ٢٨] فإنّما يقول كنتم ترابا ونطفا فذلك ميّت. وهو سائغ في كلام العرب، تقول للثوب: «قد كان هذا قطنا» و «كان هذا الرّطب بسرا» . ومثل ذلك، قولك للرجل: «اعمل هذا الثوب» إنّما معك غزل.
هذا باب من المجاز
وأمّا قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ [الآية ٢٩] وهو إنما ذكر سماء واحدة، فهذا لأنّ ذكر «السماء» ، قد دلّ عليهنّ كلّهنّ. وقد زعم بعض المفسّرين، أنّ «السماء» جميع، مثل «اللبن» . فما كان لفظه لفظ الواحد، ومعناه الجماعة، جاز أن يجمع، فقال فَسَوَّاهُنَّ فزعم
стр. 157
بعضهم، أنّ قوله السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزّمّل: ١٨] جمع مذكر ك «اللّبن» .
ولم نسمع هذا من العرب، والتفسير الأول جيد.
وقال يونس «١» : السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ذكر كما يذكر بعض المؤنث، كما قال الشاعر «٢» [من المتقارب وهو الشاهد الحادي والثلاثون] :
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
وقوله «٣» [من المتقارب وهو الشاهد الثاني والثلاثون] :
فإمّا تري لمّتي بدّلت ... فإنّ الحوادث أودى بها
وقد تكون «السماء» ، يريد به الجماعة، كما تقول: «هلك الشاة والبعير» ، يعني كل بعير، وكل شاة.
وكما قال تعالى خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] أي: من الأرضين.
وأمّا قوله ﷻ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [الآية ٢٩] ، فإنّ ذلك لم يكن من الله ﵎ لتحوّل، ولكنه يعني فعله، كما تقول: «كان الخليفة في أهل العراق يوليهم ثم تحوّل الى أهل الشام» انما تريد «٤» تحوّل فعله.
وأمّا قوله سبحانه، حكاية على لسان الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [الآية ٣٠] ، فلم يكن ذلك إنكارا منهم، على ربّهم، إنّما سألوا ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم، أنّهم يسبّحون ويقدّسون. أو قالوا ذلك، لأنّهم كرهوا أن يعصى الله، لأنّ الجنّ، قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت.
وأما قوله تعالى نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
стр. 158
وَنُقَدِّسُ لَكَ [الآية ٣٠] ، وقال وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥] وقال أيضا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر: ٣] فذلك لان الذكر كلّه، تسبيح وصلاة. تقول:
«قضيت سبحتي من الذكر والصلاة» فقال «سبّح بالحمد» . أي: «لتكن سبحتك بالحمد لله» . وقوله تعالى أَتَجْعَلُ فِيها جاء على وجه الإقرار كما قال الشاعر «١» [من الوافر وهو الشاهد الثالث والثلاثون] :
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
أي: أنتم كذلك.
وقوله جلّ شأنه الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ [الآية ٣١] ، فيريد عرض عليهم أصحاب الأسماء، ويدلّك على ذلك قوله أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ [الآية ٣١] ، فلم يكن ذلك، لأنّ الملائكة ادّعوا شيئا، إنما أخبر عن جهلهم بعلم الغيب، وعلمه بذلك، وفعله، فقال تعالى: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) أي كما يقول الرجل للرجل: «أنبئني بهذا إن كنت تعلم» ، وهو يعلم أنه لا يعلم، يريد أنه جاهل.
فأعظموه عند ذلك، فقالوا: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا [الآية ٣٢] بالغيب على ذلك. ونحن نعلم أنه لا علم لنا بالغيب» ، إخبارا عن أنفسهم، بنحو ما خبّر الله عنهم. وقوله سبحانه سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا فنصب «سبحانك» لأنه أراد «نسبّحك» ، جعله بدلا من اللفظ بالفعل، كأنه قال: «نسبّحك بسبحانك» ، ولكن «سبحان» مصدر لا ينصرف. و «سبحان» في التفسير: براءة وتنزيه قال الشاعر «٢» [من السريع وهو الشاهد الرابع والثلاثون] :
أقول لمّا جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
يقول: براءة منه.
هذا باب الاستثناء
وقوله تعالى فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [الآية ٣٤] ، فانتصب، لأنّك شغلت
стр. 159
الفعل بهم عنه، فأخرجته من الفعل من بينهم. كما تقول: جاء القوم إلّا زيدا» ، لأنّك لمّا جعلت لهم الفعل، وشغلته بهم، وجاء غيرهم، شبّهته بالمفعول به بعد الفاعل، وقد شغلت به الفعل.
هذا باب الدعاء
وهو قوله تعالى يا آدَمُ اسْكُنْ [الآية ٣٥] ويا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ [الآية ٣٣] ويا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ [الأعراف: ١٠٤] فكلّ هذا إنّما ارتفع، لأنّه اسم مفرد، والاسم المفرد مضموم في الدعاء، وهو في موضع نصب، ولكنه جعل كالأسماء التي ليست بمتمكّنة. فإذا كان مضافا انتصب لأنه الأصل. وإنّما يريد «أعني فلانا» و «أدعو» ، وذلك مثل قوله تعالى يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا [يوسف: ١١] ورَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣] ، إنّما يريد: «يا ربّنا ظلمنا أنفسنا» وقوله رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا [الآية ١٢٧] .
هذا باب الفاء
قوله سبحانه وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [الآية ٣٥] فهذا الذي يسميه النحويون «جواب الفاء» . وهو ما كان جوابا للأمر والنهي، والاستفهام، والتمنّي، والنفي، والجحود. ونصب ذلك كلّه، على ضمير «١» «أن» ، وكذلك الواو. وإن لم يكن معناها مثل معنى الفاء.
وإنما نصب هذا، لأنّ الفاء والواو من حروف العطف، فنوى المتكلم أن يكون ما مضى من كلامه اسما، حتى كأنه قال «لا يكن منكما قرب الشجرة» ، ثم أراد أن يعطف الفعل اسما، على اسم، وهذا تفسير جميع ما انتصب من الواو والفاء. ومثل ذلك قوله جلّ شأنه لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [طه: ٦١] »
، هذا جواب النهي ولا يُقْضى عَلَيْهِمْ
стр. 160
فَيَمُوتُوا [فاطر: ٣٦] جواب النفي.
والتفسير ما ذكرت لك.
وقد يجوز، إذا حسن، أن تجري الاخر على الأوّل، أن تجعله مثله، نحو قوله تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) [القلم] أي: «ودّوا لو يدهنون» . ونحو قوله تعالى وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ [النساء: ١٠٢] جعل الأول فعلا، ولم ينو به الاسم، فعطف الفعل على الفعل، وهو التمني، كأنه قال «ودّوا لو تغفلون ولو يميلون» وقال تعالى: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) [المرسلات] أي «ولا يؤذن لهم ولا» يعتذرون» . وما كان بعد هذا، جواب المجازاة بالفاء والواو، فإن شئت أيضا نصبته على ضمير «أن» ، إذا نويت بالأوّل، أن تجعله اسما، كما قال أيضا: إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ [الشورى: ٣٣] أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ [الشورى] فنصب «١» ، ولو جزمه على العطف كان جائزا «٢» ، ولو رفعه على الابتداء، جاز أيضا «٣» . وقال تعالى:
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [الآية ٢٨٤] فتجزم فَيَغْفِرُ، إذا أردت العطف «٤» ، وتنصب إذا أضمرت «إن» ، ونويت أن يكون الأوّل اسما «٥» ، وترفع
стр. 161
على الابتداء «١» وكلّ ذلك من كلام العرب وقال تعالى: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٤] ثم قال وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ [التوبة: ١٥] فرفع وَيَتُوبُ لأنّه كلام مستأنف ليس على معنى الاول.
ولا يريد «قاتلوهم: «يتب الله عليهم» ولو كان هذا لجاز فيه الجزم لما ذكرت وقال الشاعر «٢» [من الوافر وهو الشاهد الخامس والثلاثون] :
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشّهر الحرام
ونمسك بعده بذناب عيش ... أجبّ الظهر ليس له سنام
فنصب «ونمسك» على ضمير «أن» ، ونرى أن يجعل الأوّل اسما، ويكون فيه الجزم أيضا على العطف، والرفع على الابتداء. قال الشاعر «٣» [من الطويل وهو الشاهد السادس والثلاثون] :
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرّا ومسحبا «٤»
ومن يغترب عن قومه لا يجد له ... على من له رهط حواليه مغضبا «٥»
وتدفن منه المحسنات وإن يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا «٦»
ف «تدفن» يجوز فيه الوجوه كلها.
قال الشاعر «٧» [من الطويل وهو الشاهد السابع والثلاثون] :
стр. 162
فإن يرجع النّعمان نفرح ونبتهج ... ويأت معدّا ملكها وربيعها «١»
وإن يهلك النّعمان تعر مطيّة ... وتخبأ في جوف العياب قطوعها «٢»
وقال ﵎ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة: ٩٥] فهذا لا يكون إلّا رفعا، لأنّه الجواب الذي لا يستغنى عنه.
والفاء إذا كانت جواب المجازاة، كان ما بعدها أبدا مبتدأ، وتلك فاء الابتداء لا فاء العطف. ألا ترى أنك تقول «ان تأتني فأمرك عندي على ما تحبّ» . فلو كانت هذه فاء العطف لم يجز السكون، حتى تجيء لما بعد «إن» بجواب. ومثلها وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [الآية ١٢٦] وقرأ بعضهم (فأمتعه ثم اضطرّه) «٣» ف أَضْطَرُّهُ إذا وصل الألف، جعله أمرا. وهذا الوجه، إذا أراد به الأمر، يجوز فيه الضم والفتح.
غير أنّ الألف ألف وصل، وإنّما قطعتها، «ثمّ» في الوجه الاخر، لأنّ كل ما يكون معناه «أفعل» ، فإنه مقطوع، من الوصل كان أو من القطع، قال تعالى: أَنَا آتِيكَ بِهِ [النمل: ٣٩- ٤٠] وهو من «أتى» «يأتي» وقال أيضا بقراءة من قرأ قوله سبحانه من الآية ٢٣ من سورة يس: (أتّخذ من دونه آلهة) فترك ألف التي بعد ألف الاستفهام، لأنّها ألف «أفعل» . وقال الله ﵎ فيما يحكي عن الكفّار: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) [المنافقون] فقوله تعالى فَأَصَّدَّقَ جواب للاستفهام، لأنّ لَوْلا ها هنا بمنزلة «هلّا» وعطف وَأَكُنْ على موضع فَأَصَّدَّقَ، لأنّ جواب الاستفهام، إذا ما لم يكن فيه فاء، جزم. وقد قرأ بعضهم (فأصدق وأكون) «٤» عطفها على ما بعد
стр. 163
الفاء، وذلك خلاف الكتاب. وقد قرئ قوله تعالى من الآية ١٨٦ من سورة الأعراف: (ومن يضلل الله فلا هادي له ويذرهم) بالجزم «١» . فجزم (يذرهم) ، على أنّه عطف على موضع الفاء، لأنّ موضعها يجزم، إذا كانت جواب المجازاة، ومن رفعها على أن يعطفها على ما بعد الفاء، فهو أجود، وهي القراءة المثبتة في المصحف الشريف «٢» . وقال تعالى وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ [الآية ٢٧١] جزم «٣» ورفع «٤» على ما فسّرت. وقد يجوز في هذا، وفي الحرف الذي قبله النصب «٥» لأنه قد جاء بعد جواب المجازاة، مثل وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا [الشورى:
٣٥] وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) [آل عمران] فانتصب
стр. 164
الاخر، لأنّ الأوّل نوى أن يكون بمنزلة الاسم، وفي الثاني الواو «١» . وإن شئت جزمت على العطف، كأنّك قلت «ولمّا يعلم الصابرين» «٢» . فإن قال قائل:
«ولمّا يعلم الله الصابرين» وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ فهو لم يعلمهم؟ قلت بل قد علم، ولكنّ هذا، فيما يذكر أهل التأويل، ليبيّن للناس، كأنّه قال «ليعلمه الناس» كما قال ﷻ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) [الكهف] وهو قد علم، ولكن ليبيّن ذلك. قد قرأ أقوام، أشباه هذا، في القرآن (ليعلم أيّ الحزبين) «٣» ولا أراهم قرءوه، إلّا لجهلهم بالوجه الاخر.
وممّا جاء بالواو وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [الآية ٤٢] إن شئت، جعلت وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ نصبا، إذا نويت أن تجعل الأول اسما، فتضمر مع تَكْتُمُوا «أن» ، حتّى تكون اسما. وإن شئت عطفتها، فجعلتها جزما على الفعل الذي قبلها. قال تعالى أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما [الأعراف: ٢٢] فعطف القول على الفعل المجزوم، فجزمه. وزعموا أنّه في قراءة ابن مسعود (وأقول لكما) «٤» على ضمير «أن» ، ونوى أن يجعل الأوّل اسما، وقال الشاعر «٥» [من الطويل وهو الشاهد الثامن والثلاثون] :
لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضّي لبانات ويسأم سائم «٦»
- ثواء وثواء أو ثواء رفع نصب وخفض- فنصب على ضمير «أن» لأنّ
стр. 165
التقضّي اسم، ومن قال «فتقضى» رفع «ويسأم» ، لأنه قد عطف على فعل.
وهذا واجب، وقال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد التاسع والثلاثون] :
فإن لم أصدق ظنّكم بتيقّن ... فلا سقت الأوصال منّي الرّواعد
ويعلم أكفائي من الناس أنّني ... أنّا الفارس الحامي الذمار المذاود «٢»
وقال الشاعر «٣» [من الوافر وهو الشاهد الأربعون] :
فإن يقدر عليك أبو قبيس ... نمطّ بك المنيّة في هوان «٤»
وتخضب لحية غدرت وخانت ... بأحمر من نجيع الجوف آن «٥»
فنصب هذا كلّه، لأنّه نوى أن يكون الأوّل اسما، فأضمر بعد الواو «أن» ، حتى يكون اسما مثل الأوّل، فتعطفه عليه. وأمّا قوله تعالى لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ [الآية ١٦٧] وفَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) [الشعراء] فهذا على جواب التمني، لأن معناه «ليت لنا كرّة» . وقال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والأربعون] :
فلست بمدرك ما فات منّي ... ب «لهف» ولا ب «ليت» ولا «لو أني» «٦»
فأنزل «لو أني» ، بمنزلة «ليت» ، لأنّ الرجل إذا قال: «لو أنّي كنت فعلت كذا وكذا» ، فإنما تريد «وددت لو كنت فعلت» . وإنما جاز ضمير «أن» في غير الواجب، لأنّ غير الواجب يجيء ما بعده، على خلاف ما قبله ناقضا له.
فلمّا حدث فيه خلاف لأوّله، جاز هذا الضمير. والواجب يكون آخره على أوّله، نحو قول الله
стр. 166
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [الحج: ٦٣] فالمعنى: «اسمعوا أنزل الله من السماء ماء» فهذا خبر واجب وأَ لَمْ تَرَ تنبيه. وقد تنصب الواجب في الشعر.
قال الشاعر «١» [من الوافر وهو الشاهد الثاني والأربعون] :
سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا «٢»
وهذا لا يكاد يعرف. وهو في الشعر جائز. وقال طرفة «٣» [من الطويل وهو الشاهد الثالث والأربعون] :
لها هضبة لا يدخل الذلّ وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما «٤»
واعلم أنّ إظهار ضمير «أن» ، في كلّ موضع أضمر فيه من الفاء، لا يجوز، ألا ترى أنّك إذا قلت: «لا تأته فيضربك» ، لم يجز أن تقول: «لا تأته فأن يضربك» وإنّما على «أن» فلا يحسن إظهاره، كما لا يجوز في قولك «عسى أن تفعل» : «عسى الفعل» ولا في قولك: «ما كان ليفعل» : «ما كان لأن يفعل» ، ولا إظهار الاسم الذي في قولك «نعم رجلا» فرب ضمير لا يظهر، لأنّ الكلام إنّما وضع على أن يضمر، فإذا ظهر، كان ذلك على غير ما وضع في اللفظ، فيدخله اللبس.
وأمّا قوله تعالى فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها [الآية ٣٦] ، فإنّما يعني «الزّلل» ، تقول: «زلّ فلان» و «أزللته» و: «زال فلان» و «أزاله فلان» ، والتضعيف القراءة الجيّدة، وبها نقرأ «٥» . وقال بعضهم: (فأزالهما) أخذها من «زال» .
стр. 167
تقول: «زال الرجل» و «أزاله فلان» «١» .
وقال سبحانه اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الآية ٣٦] «٢» فإنّما قال اهْبِطُوا والله أعلم، لأنّ إبليس كان ثالثهم، فلذلك جمع.
وقال تعالى فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [الآية ٣٧] فجعل آدم المتلقّي «٣» . وقد قرأ بعضهم (آدم) نصبا ورفع الكلمات، جعلهن المتلقّيات «٤» .
وقال تعالى فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ [الآية ٣٨] وذلك، أن «إمّا» في موضع المجازاة، وهي «إمّا» لا تكون «أمّا» وهي «إن» زيدت معها «ما» «٥» ، وصار الفعل الذي بعدها بالنون الخفيفة، او الثقيلة، وقد يكون بغير نون. وإنّما حسنت فيه النون، لمّا دخلته «ما» ، لأنّ «ما» نفي، وهو ما ليس بواجب، وهي من الحروف التي تنفي الواجب، فحسنت فيه النون، نحو قولهم «بعين مّا أرينّك» «٦» حين أدخلت فيها «ما» ، حسنت النون.
ومثل «إمّا» ها هنا قوله تعالى فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً (٢٦) [مريم] ، وقوله قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) [المؤمنون] فالجواب في قوله فَلا تَجْعَلْنِي. وأشباه هذا، في القرآن والكلام، كثير. وأمّا «إمّا» في غير هذا
стр. 168
الموضع، الذي يكون للمجازاة، فلا تستغني حتّى ترد «إمّا» مرتين، نحو قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) [الإنسان] ونحو قوله حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ [مريم: ٧٥] وإنّما نصب، لأنّ «إمّا» هي بمنزلة «أو» ، ولا تعمل شيئا، كأنّه قال «هديناه السبيل شاكرا أو كفورا» ، فنصبه على الحال و «حتّى رأوا ما يوعدون العذاب أو الساعة» ، فنصبه على البدل.
وقد يجوز الرفع بعد «إمّا» ، في كلّ شيء يجوز فيه الابتداء، ولو قلت:
«مررت برجل إمّا قاعد وإمّا قائم» جاز، وهذا الذي في القرآن، جائز أيضا، ويكون رفعا، إلا أنّه لم يقرأ.
وأمّا التي تستغني عن التثنية، فتلك تكون مفتوحة الألف أبدا نحو قولك «أمّا عبد الله فمنطلق» ، وقوله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى] ووَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [فصّلت: ١٧] فكلّ ما لم يحتج فيه الى تثنية «أمّا» ، فألفها مفتوحة، إلّا تلك التي في المجازاة.
و «أمّا» أيضا لا تعمل شيئا، ألا ترى أنّك تقرأ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) فتنصبه ب «تنهر» ، ولم تغيّر «أمّا» شيئا منه.
باب الاضافة
أمّا في قوله تعالى فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [الآية ٣٨] فانفتحت هذه الياء على كل حال، لأنّ الحرف الذي قبلها ساكن. وهي الألف التي في «هدى» . فلمّا احتجت الى حركة الياء، حرّكتها بالفتحة، لأنّها لا تحرّك إلّا بالفتح. ومثل ذلك قوله جل شأنه عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها [طه: ١٨] ولغة للعرب يقولون «عصيّ يا فتى» «١» ، و (هديّ فلا خوف عليهم) «٢» لما كان
стр. 169
قبلها حرف ساكن، وكان ألفا، قلبته الى الياء، حتّى تدغمه في الحرف الذي بعده، فيجرونها مجرّى واحدا وهو أخفّ عليهم. وأمّا قوله تعالى هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) [ق] وهذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر: ٤١] وثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [آل عمران: ٥٥ ولقمان: ١٥] .
فإنّما حركت بالإضافة، لسكون ما قبلها، وجعل الحرف الذي قبلها ياء ولم يقل «علاي» «١» ولا «لداي» كما تقول «على زيد» ، و «لدى زيد» ، ليفرّقوا بينه وبين الأسماء، لأن هذه ليست بأسماء. و «عصاي» ، و «هداي» ، و «قفاي» ، أسماء. وكذلك أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ [يوسف: ٤٣] و (يا بشراي هذا غلام) «٢» لأنّ آخر «بشرى» ساكن.
وقرأ آخرون قوله تعالى، من الآية ١٩ من سورة يوسف: قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ «٣» ، لا يريد الاضافة، وبه نقرأ.
فإذا لم يكن الحرف ساكنا، كنت في الياء بالخيار، إن شئت أسكنتها وإن شئت فتحتها، نحو: (إنّي أنا الله) «٤» وإِنِّي أَنَا اللَّهُ «٥» ، ووَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً [نوح: ٢٨] «٦»
стр. 170
و (بيتي) «١» وفَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً (٦) [نوح] «٢» و (دعائي) «٣» .
وكذلك إذا لقيتها ألف ولام زائدتان، فإن شئت حذفت الياء لاجتماع الساكنين، وإن شئت فتحتها، كيلا يجتمع حرفان ساكنان. إلّا أنّ أحسن ذلك الفتح، نحو قول الله ﵎ جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي [غافر: ٦٦] «٤» ونِعْمَتِيَ الَّتِي «٥» وأشباه ذا. وبه نقرأ.
وإن لقيته أيضا ألف وصل بغير لام، فأنت فيه أيضا بالخيار، إلّا أنّ أحسنه، في هذا، الحذف، وبه نقرأ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف: ١٤٤] «٦» وهارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) [طه] «٧» .
стр. 171
فإذا كان شيء من هذا الدّعاء، حذفت منه الياء، نحو يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) [الزمر] ورَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ [يوسف: ١٠١] ورَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) [المؤمنون] .
ومن العرب من يحذف هذه الياءات في الدّعاء وغيره، من كلّ شيء «١» .
وذلك قبيح، قليل، إلّا ما في رؤوس الآي، فإنّه يحذف الوقف، كما تحذف العرب في أشعارها من القوافي، نحو قول طرفة بن العبد [من الطويل وهو الشاهد الرابع والأربعون] :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض «٢»
وقوله «٣» [من الوافر وهو الشاهد الخامس والأربعون] :
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرين»
هذا إذا وقفوا، فإذا وصلوا قالوا:
«من بعضي» و «الأندرينا» ، وذلك في رؤوس الآي كثير، نحو قوله تعالى بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ [ص: ٨] وإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) . فإذا وصلوا أثبتوا الياء.
وقد حذف قوم الياء في السكوت والوصل وجعلوه على تلك اللغة القليلة، وهي قراءة العامّة، وبها نقرأ، لأنّ الكتاب عليها.
وقد سكت قوم بالياء ووصلوا بالياء «٥» ، وذلك على خلاف الكتاب، لأنّ الكتاب ليست فيه ياء، وهي اللغة الجيّدة «٦» . وقد سمعنا عربيّا فصيحا ينشد [من الطويل وهو الشاهد السادس والأربعون] :
فما وجد النّهديّ وجدا وجدته ... ولا وجد العذريّ قبل جميل «٧»
يريد «قبلي» فحذف الياء. وقد أعمل بعضهم «قبل» ، إعمال ما ليس فيه ياء،
стр. 172
فقال: «قبل جميل» وهو يريد «قبلي» .
كما قال بعض العرب «يا ربّ اغفر لي» فرفع وهو يريد «يا ربّي» .
وأمّا قوله سبحانه وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) [الأحزاب] وفَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) [الأحزاب] فتثبت فيه الألف لأنّهما رأس آية «١» ، لأنّ قوما من العرب، يجعلون أواخر القوافي إذا سكتوا عليها، على مثل حالها إذا وصلوها، وهم أهل الحجاز. وجميع العرب إذا ترنّموا في القوافي، أثبتوا في أواخرها الياء والواو والالف.
وأمّا قوله تعالى يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ [مريم: ٤٥] فأنّث هذا الاسم بالهاء، كقولك «رجل ربعة» و «غلام يفعة» . أو يكون أدخلها، لما نقص من الاسم عوضا «٢» . وقد فتح قوم، كأنّهم أرادوا «يا أبتا» ، فحذفوا الألف، كما يحذفون الياء «٣» ، كما قال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد الحادي والأربعون] :
ولست بمدرك ما فات منّي ... ب «لهف» ولا ب «ليت» ولا «لو أنّي»
يريد: «لهفاه» . وممّا يدلك على أنّ هذا الاسم أنّث بالهاء، قول الشاعر «٤» [من الطويل وهو الشاهد السابع والأربعون] :
تقول ابنتي لمّا رأتني شاحبا ... كأنّك فينا يا أبات غريب «٥»
فردّ الألف، وزاد عليها الهاء، كما أنّث في قوله «يا أمتاه» «٦» ، فهذه ثلاثة
стр. 173
أحرف. ومن العرب من يقول: «يا أمّ لا تفعلي» ، رخّم كما قال: «يا صاح» «١» . ومنهم من يقول «يا أميّ» و «يا أبي» ، على لغة الذين قالوا: «يا غلامي «٢» . ومنهم من يقول «يا أب» و «يا أمّ» ، وهي الجيّدة في القياس «٣» .
وأمّا قوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ [الآية ٤٠] ، فمن العرب من يهمز «٤» ومنهم من لا يهمز «٥» . ومنهم من يقول (إسرائل) يحذف الياء التي بعد الهمزة، ويفتح الهمزة «٦» ، ويكسرها «٧» .
باب المجازاة
فأمّا قوله تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [الآية ٤٠] فإنّما جزم الاخر، لأنّه جواب الأمر وجواب الأمر مجزوم مثل جواب ما، بعد حروف المجازاة، كأنه تفسير «إن تفعلوا» أوف بعهدكم «٨» وقال في موضع آخر ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ [الفتح: ١٥] . وقال ﷻ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) [الأنعام] ، فلم يجعله جوابا، ولكنه كأنهم كانوا يلعبون، فقال «ذرهم في حال لعبهم» وقال أيضا ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ [الحجر: ٣] وليس من أجل الترك يكون ذلك، ولكن قد علم الله أنه يكون، وجرى على الإعراب كأنّه قال: «إن تركتهم ألهاهم الأمل» «٩» ، وهم كذلك، تركهم أو لم يتركهم. كما أنّ بعض الكلام، يعرف لفظه والمعنى على خلاف ذلك، وكما أنّ بعضهم
стр. 174
يقول: «كذب عليكم الحجّ» «١» ف «الحجّ» مرفوع، وإنّما يريدون أن يأمروا بالحج. قال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد الثامن والأربعون] :
كذب العتيق وماء شنّ بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
وقال «٣» [من الوافر وهو الشاهد التاسع والأربعون] :
وذبيانيّة توصي بنيها ... ألا كذب القراطف والقروف «٤»
قال أبو عبد الله «٥» : «القراطف» ، واحدها «قرطف» : وهو كلّ ما له خمل من الثياب. و «القروف» ، واحدها «قرف» : وهو وعاء من جلود الإبل كانوا يغلون اللحم، ويحملونه فيه في أسفارهم. ويقولون: «هذا جحر ضبّ خرب» والخرب هو الجحر. ويقول:
أحدهم: «هذا حبّ رمّاني» . فيضيف الرمّان إليه وإنّما له الحبّ وهذا في الكلام كثير.
وقوله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية: ١٤] ووَ قُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: ٥٣] فأجراه على اللفظ حتى صار جوابا للأمر «٦» . وقد زعم قوم، أنّ هذا إنّما هو على «فليغفروا» و «قل لعبادي فليقولوا» ، وهذا لا يضمر كلّه، يعني الفاء واللام. ولو جاز هذا لجاز قول الرجل: «يقم زيد» ، وهو يريد
стр. 175
«ليقم زيد» . وهذه الكلمة أيضا أمثل، لأنّك لم تضمر فيها الفاء مع اللام.
وقد زعموا أنّ اللام قد جاءت مضمرة، قال الشاعر «١» [من الوافر وهو الشاهد الخمسون] :
محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا «٢»
يريد: «لتفد» ، وهذا قبيح. وقال:
«يتق الله امرؤ فعل كذا وكذا» ومعناه:
«ليتّق الله» . فاللفظ يجيء كثيرا، مخالفا للمعنى. وهذا يدلّ عليه. قال الشاعر «٣» في ضمير اللام [من الطويل وهو الشاهد الحادي والخمسون] :
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى «٤»
يريد «ليبك من بكى» فحذف، وسمعت من العرب من ينشد هذا البيت بغير لام [من الطويل وهو الشاهد الثاني والخمسون] :
فيبك على المنجاب أضياف قفرة ... سروا وأسارى لم تفكّ قيودها
يريد: «فلبيك» فحذف اللام.
باب تفسير أنا وأنت وهو
وأمّا قوله تعالى وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) ووَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) ، فتقرأ وَإِيَّايَ وقد شغلت الفعل، بالاسم المضمر، الذي بعده الفعل. لأنّ كلّ ما كان من الأمر والنهي في هذا النحو، فهو منصوب، نحو قولك: «زيدا فاضرب أخاه» . لأنّ الأمر والنهي، مما يضمران كثيرا، ويحسن فيهما الإضمار، والرفع أيضا جائز، على أن لا يضمر. قال الشاعر «٥» [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون] :
стр. 176
وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيّين خلو كما هيا
وأمّا قوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [النور: ٢] ووَ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] فزعموا- والله أعلم- أنّ هذا على الوحي، كأنّه يقول: «وممّا أقصّ عليكم الزّانية والزّاني، والسّارقة والسّارق» . ثمّ جاء بالفعل، من بعد ما أوجب الرفع، على الأوّل على الابتداء، وهذا على المجاز، كأنّه قال «أمر السّارق والسّارقة وشأنهما ممّا نقصّ عليكم» ومثله قوله مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [محمد: ١٥] ثمّ قال من الآية نفسها فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ كأنه قال: «وممّا أقصّ عليكم مثل الجنة» ، ثمّ أقبل يذكر ما فيها، بعد أن أوجب الرفع في الأوّل على الابتداء. وقد قرأها قوم نصبا «١» ، إذ كان الفعل يقع على ما هو من سبب الأوّل، وهو في الأمر والنهي. وكذلك ما وقع عليه حرف الاستفهام، نحو قوله ﷻ أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [القمر: ٢٤] .
وإنّما فعل هذا في حروف الاستفهام، لأنّه إذا كان بعده اسم وفعل، كان أحسن أن يبتدأ بالفعل قبل الاسم، فإن بدأت بالاسم، أضمرت له فعلا، حتى تحسّن الكلام به، وإظهار ذلك الفعل قبيح.
وما كان من هذا، في غير الأمر والنهي والاستفهام والنفي، فوجه الكلام فيه الرفع، وقد نصبه ناس من العرب كثير. وهذا الحرف قد قرئ نصبا ورفعا وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [فصلت: ١٧] » .
وأمّا قوله تعالى إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) [القمر]
стр. 177
فهو يجوز فيه الرفع «١» ، وهي اللغة الكثيرة غير أنّ الجماعة اجتمعوا على النصب «٢» ، وربّما اجتمعوا على الشيء، كذلك ممّا يجوز، والأصل غيره. لأنّ قولك: «إنّا عبد الله ضربناه» ، مثل قولك «عبد الله ضربناه» ، لأنّ معناهما في الابتداء سواء. قال الشاعر «٣» [من المتقارب وهو الشاهد الرابع والخمسون] :
فأمّا تميم بن مرّ ... فألفاهم القوم روبى نياما
وقال «٤» [من الطويل وهو الشاهد الخامس والخمسون] :
إذا ابن أبي موسى بلال بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
ويكون فيهما النصب. فمن نصب (وأمّا ثمود) ، نصب على هذا.
وأمّا قوله تعالى يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١) [الإنسان] وقوله أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) [النازعات] ثم قال وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النازعات] وقال الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) [الرحمن] ثم قال وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) [الرحمن] وقال وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) [الفرقان] فهذا، إنّما ينصب وقد سقط الفعل على الاسم بعده، لأنّ الاسم الذي قبله قد عمل فيه، فأضمرت فعلا، فأعملته فيه، حتّى يكون العمل من وجه واحد.
وكان ذلك أحسن، قال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون] :
نغالي اللّحم للأضياف نيئا ... ونرخصه إذا نضج القدور «٥»
يريد «نغالي باللّحم» فإن قلت
стр. 178
يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ ليس بنصب في اللفظ، فهو في موضع نصب قد عمل فيه كما فعلت: «مررت بزيد وعمرا ضربته» ، كأنك قلت: «مررت زيدا» وقد يقول هذا بعض الناس. قال الشاعر «١» [من المنسرح وهو الشاهد السابع والخمسون] :
أصبحت لا أحمل السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا «٢»
والذّيب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا
وكلّ هذا، يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب أجود وأكثر.
وأمّا قوله تعالى يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ «٣» .
فإنّما هو على معنى «يغشى طائفة منكم وطائفة في هذه الحال» .
وهذه واو ابتداء لا واو عطف، كما تقول: «ضربت عبد الله وزيد قائم» .
وقد قرئت نصبا «٤» ، لأنّها مثل ما ذكرنا، وذلك لأنّه قد يسقط الفعل، على شيء من سببها، وقبلها منصوب فعطفتها عليه، وأضمرت لها فعلها فنصبتها به. وما ذكرنا في هذا الباب من قوله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما، وقوله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [النور: ٢] ليس في قوله فَاقْطَعُوا وفَاجْلِدُوا خبر مبتدأ، لأنّ خبر المبتدأ هكذا، لا يكون بالفاء. فلو قلت «عبد الله فينطلق» لم يحسن. وإنّما الخبر، هو المضمر الذي فسّرت لك، من قوله «وممّا نقصّ عليكم» وهو مثل قول الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون] :
وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيّين خلو كما هيا
وكأنّه قال: «هؤلاء خولان» كما تقول: «الهلال فانظر إليه» كأنّك قلت:
«هذا الهلال فانظر اليه» فأضمر الاسم.
فأمّا قوله تعالى
стр. 179
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [النساء: ١٦] ، فقد يجوز أن يكون هذا خبر المبتدأ، لأنّ «الذي» إذا كان صلته فعل، جاز أن يكون خبره بالفاء، نحو قول الله إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٧] ثم قال، في الآية نفسها: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ [النساء:
٩٧] .
باب الواو
أمّا قوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [الآية ٤٥] ، فلأنّه حمل الكلام على «الصلاة» . وهذا كلام منه ما يحمل على الأوّل، ومنه ما يحمل على الاخر. وقال أيضا وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] فهذا يجوز على الأوّل والاخر وأقيس هذا، إذا ما كان بالواو، أن يحمل عليهما جميعا. تقول: «زيد وعمرو ذاهبان» . وليس هذا مثل «أو» ، لأنّ «أو» إنّما يخبر فيه عن أحد الشيئين.
وأنت في «أو» بالخيار، إن شئت جعلت الكلام على الأوّل، وإن شئت على الاخر وأن تحمله على الاخر أقيس، لأنّك إن تجعل الخبر على الاسم الذي يليه الخبر، فهو أمثل من أن تجاوزه الى اسم بعيد منه. قال تعالى وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١١] ، فحمله على الأول وقال في موضع آخر وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [القصص: ٧٣] وقال وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
[النساء:
١١٢] فحمله على الاخر. قال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد الثامن والخمسون] :
أمّا الوسامة أو حسن النّساء فقد ... أوتيت منه لو أنّ العقل محتنك
وقال ابن أحمر «١» [من الطويل وهو الشاهد التاسع والخمسون] :
رماني بداء «٢» كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل «٣» الطويّ رماني
стр. 180
وقال الاخر «١» [من المنسرح وهو الشاهد الستون] :
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرّأي مختلف
وهذا مثل قول البرجمي «٢» [من الطويل وهو الشاهد الحادي والستون] :
من يك أمسى بالمدينة داره ... فإنّي وقيّارا بها لغريب «٣»
باب اسم الفاعل
وقال تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [الآية ٤٦] ، فأضاف قوله مُلاقُوا رَبِّهِمْ، ولم يقع الفعل. وإنّما يضاف، إذا كان قد وقع الفعل، تقول:
«هم ضاربو أبيك» إذا كانوا قد ضربوه.
وإذا كانوا في حال الضرب، أو لم يضربوا، قلت: «هم ضاربون أخاك» ، إلّا أنّ العرب قد تستثقل النون، فتحذفها في معنى إثباتها، وهو نحو مُلاقُوا رَبِّهِمْ مثل كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥] «٤» ولم تذق بعد. وقد قرأ بعضهم: (ذائقة الموت) «٥» على ما فسّرت لك. وقال الله جلّ ثناؤه: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ [القمر: ٢٧] ، وهذا قبل الإرسال، ولكن حذفت النون استثقالا. وقال وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ [الكهف: ١٨] ، فأثبت التنوين، لأنه كان في الحال.
وقال إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا [الدخان: ١٥] ، على ذلك أيضا. وزعموا