بالغواية، ولأستقصين إهلاكهم بالضلال، لأن اتّباعهم غيّه وطاعتهم أمره، يؤولان بهم إلى موارد الهلاك، وعواقب البوار.
وقال الشاعر [بحر الرجز] :
نشكو إليك سنة قد أجحفت ... واحتنكت أموالنا وجلّفت «١»
أي أهلكت أموالنا.
ويقال احتنكه إذا استأصله. ومن ذلك قولهم: احتنك الجراد الأرض.
إذا أتى على نبتها.
وقيل أيضا: المراد بذلك، لأضيّقنّ عليهم مجاري الأنفاس من أحناكهم، بإيصال الوسوسة لهم، وتضاعف الإغواء عليهم. ويقال احتنك فلان فلانا إذا أخذ بمجرى النفس من حنكه.
فكان كالشّبا «٢» في مقلته والشّجا «٣» في مسعله. وقوله سبحانه: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [الآية ٧٨] وهذه استعارة. لأن الدّالك، المائل في كلامهم. فكأنه سبحانه أمر بإقامة الصلاة عند ميل الشمس. فقيل عند ميلها للزوال، وقيل عند ميلها للغرب والشمس على الحقيقة لا تميل عن موضعها، ولا تزول عن مركزها، وإنّما تعلو أو تنخفض، وترتفع بارتفاع الفلك وانخفاضه، وسيره وحركاته.
وقوله سبحانه وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) .
وهذه استعارة. لأنهم يقولون:
زهقت نفس فلان إذا خرجت. ومنه قوله تعالى وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) [التوبة] فالمراد، والله أعلم، وهلك الباطل إنّ الباطل كان هلوكا، تشبيها له بمن فاضت نفسه، وانتقضت بنيته لأنّ الباطل لا مساك لذمائه، ولا سماك لبنائه.
стр. 1227
وقوله سبحانه: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [الآية ٨٤] وهذه استعارة، لأن الأولى أن يكون المراد هاهنا بالشاكلة، والله أعلم، الطريقة التي تشاكل أخلاق الإنسان، وتوافق طبيعته. وذلك مأخوذ من الشاكلة، وجمعها شواكل، وهي الطرق المتّسعة المتشعّبة عن المحجّة العظمى. فكأنّ الدّنيا هاهنا مشبّهة بالطريق الأعظم، وعادات الناس فيها وطبائعهم التي جبلوا عليها مشبّهة بالطرق المختلجة من ذلك الطريق، الذي هو المعمود، وإليه الرجوع.
وقال بعضهم: الشاكلة العلامة، وأنشد [بحر البسيط] :
بدت شواكل حبّ كنت تضمره ... في القلب أن هتفت في الدّار ورقاء
فكأنه تعالى قال: كلّ يعمل على الدلالة التي نصبت لاستدلاله، والأمارة التي رفعت لاهتدائه. وقوله سبحانه: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ [الآية ١٠٠] وهذه استعارة، والمراد بالخزائن، هاهنا، المواضع التي جعلها الله ، جفنات لدرور الرزق ومنافع الخلق. وإلى تلك المواضع ترفع الأيدي عند السؤال، والرغبات، واستدرار الخير والبركات.
وقوله سبحانه: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [الآية ١٠٦] وهذه استعارة، ومعنى فرقناه: أي بيّناه للناس بنصوع مصباحه وشدوخ أوضاحه، حتّى صار كمفرق الفرس في وضوح مخطّه «١» أو كفرق الصبح في بيان منبلجه.
وقال بعضهم: معنى فرقناه أي فصّلناه سورا وآيات. وذلك بمنزلة فرق الشعر وهو تمييز بعض من بعض، حتى يزول التباسه، ويتخلص التفافه.
стр. 1228
سورة الكهف ١٨
стр. 1229
المبحث الأول أهداف سورة «الكهف» «١»
سورة مكية المشهور بين العلماء أن سورة الكهف مكّية كلها، وأنها من السور التي نزلت جملة واحدة كما جاء في الخبر الذي أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، عن أنس، عن النبي (ص) إذ يقول: «نزلت سورة الكهف جملة» .
وقد روى ذلك أيضا عن بعض الصحابة، واختاره الداني، ومشى عليه أكثر أهل التفسير والمتكلّمين في علوم القرآن. وهناك روايات أخرى تخالف هذا المشهور فتقرر أن السورة مكّية إلا بعض آياتها، فإنّه مدني.
وفي المصحف الفؤادي المطبوع بمصر، سورة الكهف مكّية إلا الآية ٣٨، ومن الآية ٨٣ إلى الآية ١٠١ فكلّها مدنية، وآياتها ١١٠ نزلت بعد الغاشية.
وقال الفيروزآبادي: «السورة مكية بالاتفاق، وفيها إحدى عشرة آية مختلف فيها بين مكّيتها ومدنيّتها، وهي الآيات: ١٣، ٢٢، ٢٣، ٣٢، ٣٥، ٨٤، ٨٥، ٨٦، ٨٩، ٩٢، ١٠٣» .
وينبغي أن يعلم أن كثيرا ممّا ذكر أنه مدني فتضمنته سورة مكية، أو مكّي فتضمنته سورة مدنية، هو موضع خلاف بين العلماء لاختلاف الرواية فيه، أو لبناء الحكم فيه على اجتهاد واستنباط من القائل به وفي ذلك يقول ابن الحصار فيما نقله عنه السيوطي في الإتقان: «كل نوع من المكّي والمدني
стр. 1230
منه آيات مستثناة، إلا أن من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل» .
القصص في سورة الكهف
القصص هو العنصر الغالب في هذه السورة، ففي أولها تجيء قصة أصحاب الكهف ، وبعدها قصة أصحاب الجنّتين، ثم إشارة إلى قصة آدم وإبليس. وفي وسطها تجيء قصّة موسى مع العبد الصالح. وفي نهايتها قصة ذي القرنين. ويستغرق هذا القصص معظم آيات السورة فهو وارد في إحدى وسبعين آية من عشر ومائة آية، ومعظم ما يتبقّى من آيات السورة هو تعليق على القصص أو تعقيب عليه.
ويلتقي هذا القصص حول فكرة أساسية للقرآن، وهي إثبات أن البعث حق، وأن المؤمن يكافأ بحسن الجزاء، وأن الكافر يلقى جزاء عنته وكفره في الدنيا أو الاخرة.
قصة أصحاب الكهف
في قصة أصحاب الكهف يتجلّى صدق الإيمان، وقوة العقيدة، والإعراض عن كل ما ينافيها إعراضا عمليّا صارما، لا تردّد فيه ولا مواربة:
فتية رأوا قومهم في الضّلال يعمهون، وفي ظلمات الشرك يخبطون، لا حجّة لهم ولا سلطان على ما يزعمون، أحسوا في أنفسهم غيرة على الحق لم يستطيعوا معها أن يظلوا في هذه البيئة الضالة بأجسامهم، ولو خالفوها بقلوبهم، فتركوا أوطانهم وتركوا مصالحهم واعتزلوا قومهم وأهليهم، وخرجوا فارّين مجتنبين الشطط وأهل الشطط، وآثروا كهفا يأوون إليه في فجوة منه، لا يراهم فيه أحد، ولا يؤنسهم في وحشتهم إلّا كلبهم.
ذلك هو مغزى القصة الخلقي، وفيه ما فيه من إرشاد وإيحاء، وتمجيد لأخلاق الشرف والرجولة والثبات على العقيدة والتضحية في سبيلها.
أما المعنى العام الذي تتلاقى فيه القصة مع غرض السورة، فهو إثبات قدرة الله على مخالفة السنن التي ألفها الناس، وظنوا أنها مستعصية عليه جل شأنه، أن تبدّل أو تحوّل كما هي مستعصية على كلّ مخلوق وشتّان ما بين قدرة الخالق والمخلوقين، وهذا ما
стр. 1231
تشير إليه القصة في ثناياها، إذ يقول الله :
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها [الآية ٢١] .
قصة موسى والخضر
أما قصة موسى وقتاده والعبد الصالح، فلبابها ومغزاها إثبات قصور الخلق مهما سمت عقولهم، وكثرت علومهم أمام إحاطة الله سبحانه وعلمه.
وهكذا، ترتبط في سياق السورة، قصة موسى والعبد الصالح، بقصة أصحاب الكهف في ترك الغيب لله الذي يدبر الأمر بحكمته، وفق علمه الشامل الذي يقصر عنه البشر الواقفون وراء الأستار، لا يكشف لهم عمّا وراءها من الأسرار إلّا بمقدار.
لقد وقف موسى (ع) خطيبا في بني إسرائيل فأجاد وأبدع في خطبته، فقال له أحد المستمعين: ما أفصحك يا نبيّ الله، هل في الأرض من هو أكثر علما منك؟ قال موسى: لا، فأخبره الله أن في الأرض من هو أكثر علما منه فقال موسى: يا ربّ دلّني عليه حتى أذهب إليه فأتعلّم منه.
وضرب موسى لنا مثلا رائعا في الرحلة لطلب العلم وتحمّل الصعاب والمشقّات بهمّة الرجال وعزيمة الأبطال.
إذا همّ ألقى همّه بين عينه ونكّب عن ذكر العواقب جانبا سار موسى مع تابع له هو يوشع بن نون ومعهما حوت في مكتل «١» ، وبلغ مجمع البحرين: بحر الروم وبحر القلزم. أي البحر الأبيض والبحر الأحمر، أو أنه مجمع خليجي العقبة والسويس في البحر الأحمر.
وفي المكان الذي أراد الله أن يلتقي فيه نبي إسرائيل بعبده الصالح، فقد موسى حوته، وعاد ليبحث عنه فوجد رجلا نحيل الجسم، غائر العينين، عليه دلائل الصلاح والتقوى، فسلم عليه موسى، وتلطّف معه في القول، وأبدى رغبته في اتّباعه ليتعلّم منه العلم، فاشترط الخضر على موسى الصبر والتريث، فقال موسى كما ورد في التنزيل:
стр. 1232
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) .
وانطلق موسى مع الخضر في سفينة جيّدة، وفي غفلة من أهلها أخذ الخضر لوحين من خشب السفينة فخلعهما، فذكّره موسى بأن هذا ظلم وفساد، فالتفت الخضر إليه، وقال، كما ورد في التنزيل، أيضا:
قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) .
فاعتذر موسى بالنسيان، ووعد أن يرافقه مع الصبر والسكوت. وسار الرجلان، ثم قتل الخضر غلاما بريئا في عمر الزهر فاحتج موسى، وذكره الخضر بالشرط فسكت.
وفي الجولة الثالثة دخل الرجلان قرية، وكان الجوع قد اشتدّ بهما فطلبا من أهلها طعاما، فأبوا إطعامهما ورأى الخضر جدارا متداعيا أوشك أن يقع، فطلب من موسى مساعدته حتّى بناه وأتم بناءه واعترض موسى على هذا العمل لأن أهل القرية لا يستحقون مثل هذا المعروف، فهم بخلاء لؤماء، فينبغي أن يأخذ الخضر أجرا على بناء الجدار لهم وافترق الرجلان بعد أن سمع موسى من الخضر سبب هذه الأعمال:
أمّا السفينة، فكانت ملكا لجماعة من المساكين يعتمدون عليها في كسب الرزق ووراءهم ملك ظالم يستولي «غضبا» على كلّ سفينة صالحة للعمل، فخرق الخضر السفينة ليراها الملك معيبة فيتركها ليستفيد بها أهلها، فهو عمل مؤلم في الظاهر، ولكنه مفيد في الحقيقة والواقع.
وأمّا الغلام، فقد كان مفسدا وسيشبّ على الفساد والإفساد، وكان أبواه مؤمنين فأراد الله أن يقبض الغلام إلى جواره، وأن يعوّض والديه بنتا صالحة تزوجت نبيّا، وأنجبت نبيّا.
وأمّا الجدار، فكان ملكا لغلامين يتيمين تحدّرا من رجل صالح كريم، وكان تحت الجدار كنز من المال، ولو سقط الجدار لتبدّد الكنز، فأراد الله أن يقام الجدار ويجدّد حتى يبلغا أشدّهما، ويستخرجا كنزهما حلالا طيّبا لهما..
ثم قال الخضر، كما ورد في التنزيل:
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) .
стр. 1233
وقد يتساءل الإنسان عن عمل الخضر ﵇، وهل هو مشروع على الإطلاق، وهل يجوز لمن علم، في حادثة مّا، مثل ما علمه العبد الصالح من حقيقة الأمر فيها، أن يخالف الظاهر؟
وقد اهتمّ بعض المفسّرين بترديد أمثال هذه الأسئلة والمناقشات والإجابة عنها، وتخريج ما يحتاج منها إلى تخريج كأن الأمر أحكام تشريعية أو بيان لموضوعات خلافية. والواقع أنه لم يقصد بهذه القصة إلا الإقناع بأن الإنسان، مهما اتّسع عقله، وسمت مداركه، وعلا منصبه، محدود في علمه، وأن كثيرا من الأمور يخفى عليه، وأن لله عبادا قد يخصّهم بنوع من العلم لا يبذله للناس جميعهم، ولا يستقيم حال الدنيا على بذله للناس جميعهم.
قصة ذي القرنين
تلك قصة عبد مكّن الله له في الأرض، وسخّر له العلم والقوة والآلات والمواصلات، وآتاه من كل شيء سببا. وقد استغلّ هذه الإمكانات في عمل مثمر نافع يعمّ، ويبقى أثره. وقد تحرّك ذو القرنين إلى المغرب غازيا فاتحا، محاربا مجاهدا، وسار النصر في ركابه حتى انتهى إلى عين اختلط ماؤها وطينها فتراءى له أن الشمس تغرب فيها وتختفي وراءها وظن أن ليس وراء هذه العين مكان للغزو، ولا سبيل للجهاد، ولكنه رأى عندها قوما هاله كفرهم، وكبر عليه ظلمهم وفسادهم، فخيّره الله بين قتالهم أو إمهالهم ودعوتهم للعدل والإيمان، فاختار إمهالهم وقام فيهم مدة ضرب فيها على يد الظالم، ونصر المظلوم، وأخذ بيد الضعيف، وأقام صرح العدل، ونشر لواء الإصلاح. وقد وضع لهم دستور الحكم العادل قال تعالى:
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) .
وقد عاد ذو القرنين إلى الشرق فسار غازيا مجاهدا حتى انتهى إلى غاية العمران في الأرض، وهناك وجد أقواما تطلع الشمس عليها، ولكن ليس لهم بيوت تسترهم، أو أشجار تظلّهم.
ولعلّهم كانوا على حال من الفوضى
стр. 1234
ونصيب من الجهل.. فبسط حكمه عليهم ونفّذ فيهم دستور العدل، ومكافأة المحسن، ومعاقبة المسيء الذي سبق ذكره، ثم تركهم إلى الشمال غازيا مجاهدا مظفّرا منصورا، حتى انتهى إلى بلاد بين جبلين يسكنها أقوام لا تكاد تعرف لغاتهم، أو يفهم في الحديث مرماهم، ولكنهم قد جاوروا يأجوج ومأجوج، وهم قوم مفسدون في الأرض، وأوزاع «١» من الخلق ضالّون مضلّون.
وقد لجأ الأقوام إلى ذي القرنين ليحول بينهم وبين المفسدين، وشرطوا على أنفسهم نولا يدفعونه إليه، وأموالا يضعونها بين يديه. ولكنّ ذا القرنين أجابهم إلى طلبهم، وردّ عطاءهم وقال لهم، كما روى القرآن ذلك، حكاية عنه:
ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الآية ٩٥] .
ثم طلب إليهم أن يعينوه على ما يفعل، فحشدوا له الحديد والنحاس، والخشب والفحم، فوضع بين الجبلين قطع الحديد وحاطها بالفحم والخشب، ثمّ أوقد النار، وأفرغ عليه ذائب النحاس، واستوى ذلك كله بين الجبلين سدّا منيعا قائما، ما استطاعت يأجوج ومأجوج أن تظهره لملاسته، أو تنقبه لمتانته وأراح الله منهم شعبا كان يشكو من أذاهم، ويألم من عدوانهم.
ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به، فلم يأخذه البطر والغرور، ولكنه ذكر الله فشكره، وردّ إليه العمل الصالح الذي وفّقه إليه، وتبرّأ من قوته إلى قوة الله، وأعلن عقيدته في البعث والحشر، وإيمانه بأنّ الجبال والحواجز والسدود ستدكّ قبل يوم القيامة، فتعود الأرض سطحا أجرد مستويا وهكذا تختم هذه القصة، بتأكيد قدرة الله سبحانه، على البعث قال تعالى:
قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) .
«وبذلك تنتهي قصة ذي القرنين، النموذج الطيّب للحاكم الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسّر له الأسباب، فيجتاح الأرض شرقا وغربا، ولكنه لا يتجبّر ولا يتكبّر، ولا يطغى ولا يتبطّر ولا يتّخذ من الفتوح وسيلة للغنم
стр. 1235
المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق، ولا يسخّر أهلها في أغراضه وأطماعه وإنّما ينشر العدل في كل مكان يحلّ به، ويساعد المتخلّفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل، ويستخدم القوة التي يسّرها الله له في التعمير والإصلاح ودفع العدوان، وإحقاق الحق. ثم يرجع كلّ خير يحقّه الله على يديه إلى رحمة الله وفضله، ولا ينسى، وهو في إبّان سطوته، قدرة الله وجبروته، وأنه راجع إلى الله» .
أهداف سورة الكهف
نزلت سورة الكهف بمكّة في وقت اشتدت فيه حملة القرآن على المنكرين المكذّبين بيوم الدين. وقد نزلت قبلها سورة الغاشية، وهي سورة تبدأ وتنتهي بحديث الساعة، وإياب الناس جميعا إلى الله، ليحاسبهم على ما قدّموا.
ونزلت، بعد سورة الكهف، سورة النحل وعدّة سور تحدّثت عن البعث والجزاء، وأثبتت وحدانيّة الله وقدرته، وذكرت عقوبته للمكذّبين، وأخذه على يد الظالمين. لقد كان كفّار مكّة ينكرون البعث، ويستبعدون وقوعه بعناد وإصرار، فتكفّل القرآن بمناقشتهم وتفنيد آرائهم، وأثبت قدرة الله على البعث والجزاء، وقدّم الأدلة على هذه القضية وساق في سورة الكهف عددا من الحجج والبراهين على حقيقتها، مبرزا ذلك بصورة واضحة قد اكتملت فيها عناصر القوة والروعة والإفحام. فالمحور الموضوعي لسورة الكهف هو تصحيح العقيدة، وتأكيد قدرة الله على البعث والجزاء، وتصحيح المفاهيم الخاطئة.
ونستطيع أن نجمل مظاهر ذلك فيما يأتي:
١- بدأت السورة بقوله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) .
وهي تتحدّث في هذا البدء عن الدار الاخرة وما فيها من بأس شديد يصيب أقواما، وأجر حسن يفوز به أقوام آخرون.
وختمت بقوله تعالى:
стр. 1236
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) .
وهي تتحدّث في هذا الختام، عن الدار الاخرة أيضا، وعمّن يرجو لقاء ربه، وما يجب عليه، أثرا لهذا الرجاء والإيمان، من عمل صالح، وتوحيد لله لا يخالطه إشراك.
وهكذا يتلاقى أول السورة وآخرها:
أولها يتحدث عن الاخرة بطريق التقرير لها، وبيان مهمة القرآن في إثبات ما يكون فيها من الجزاء إنذارا وتبشيرا، وآخرها يتحدث عن هذه الحقيقة التي تركزت وتقررت، ويحاكم الناس إليها في الإيمان والعمل الصالح.
وممّا يلاحظ أن آيات البدء، قد ذكر فيها أمر الذين قالوا اتّخذ الله ولدا، من إنذارهم وبيان كذبهم وتخليطهم وجهلهم على الله، وذلك هو قول الذين يشركون بالله، ويعتقدون ما ينافي وحدانيته وتنزيهه وأن آية الختام قررت أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وأنّ على من يؤمن به، ويرجو لقاءه ألّا يشرك بعبادته أحدا، فتطابق الأول والاخر في إثبات الوحدانية والتنزيه لله جلّ وعلا، كما تطابقا في أمر البعث والدار الاخرة.
٢- أمّا في أثناء السورة، وما بين بدئها وختامها، فقد جاء أمر البعث عدة مرات:
أ- جاء في مقدمة قصة أصحاب الكهف التي ساقها الله حقيقة من حقائق التاريخ الواقعية، ودليلا على قدرته، وتنظيرا لما ينكره الكافرون من أمر البعث والنشور:
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) ، وفي ثنايا هذه القصة:
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها [الآية ٢١] .
فهي تقرر أن أصحاب الكهف آية من آيات الله، وأنهم، مع غرابة أمرهم، لا يعدّون في جانب القدرة الإلهية عجبا، فإنما هم فتية آمنوا بربّهم، وأووا إلى الكهف فرارا بعقيدتهم، فضرب الله على آذانهم فيه مدة من الزمن، ثم بعثهم. فالله، إذن، قادر على أن يضرب على آذان الناس جميعا في هذه الدار بالموت، كما يضرب على آذانهم
стр. 1237
بالنوم، ثم يبعثهم إلى الدار الاخرة كما بعث هؤلاء الفتية، وما ذلك على الله بعزيز، ولا هو في قدرته بعجيب.
وتقرر هذه المقدمة أنّ العبرة من بعثهم والإعثار عليهم: أن يعلم الناس، أنّ وعد الله حقّ، وأنّ الساعة لا ريب فيها.
ب- وجاء أمر البعث مرة ثانية في هذه السورة حينما قررت أن الحق من الله، وأن كل امرئ مخيّر في الإيمان أو الكفر:
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الآية ٢٩] فهناك دار أخرى غير هذه الدار، يحاسب فيها كل امرئ، ويجزى بما يستحقه:
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [الآية ٢٩] وللذين آمنوا وعملوا الصالحات جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ [الآية ٣١] .
ج- وجاء أمر البعث في المثل الذي ضربه الله للناس عن صاحب الجنّتين وزميله، وما كان من إنكاره قدرة الله، وشكّه في الساعة، ونصح صاحبه له وتبرّئه منه، وأن الله قد أحال الجنتين صعيدا زلقا وحينئذ، تنبه الكافر فقال، كما ورد في التنزيل:
يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) .
د- وجاء أمر البعث، بعد هذا، في المثل الذي ضربه الله بالحياة الدنيا، يكون فيها نبات وزينة، ثمّ يصبح ذلك كلّه هشيما تذوره الرياح، وتنتهي الدنيا وما فيها. وقد عقّب الله سبحانه على هذا المثل بذكر الجبال وسيرها، والأرض وبروزها، والحشر وشموله، والعرض على الله، ووضع الكتاب، وإشفاق المجرمين ممّا فيه قال تعالى، حكاية عنهم:
يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) .
هـ- وجاء في السورة أيضا إشارة إلى قصّة آدم وإبليس، حيث طلب الله من إبليس أن يسجد لآدم فأبى، فتقررت بينهما العداوة منذ ذلك اليوم إلى أبد الدهر. وحذر الله أبناء آدم من أن يتخذوا الشيطان وذريته أولياء من دونه، مع هذه العداوة المتأصّلة. ثم ذكر لهم أمرا من أمور الاخرة بعد هذا التحذير من اتّخاذ الأولياء أو الشّركاء، حيث ينادى الشركاء فلا يجيبون،
стр. 1238
ويستجار بهم فلا يجيرون وتبرز الجحيم فيراها المجرمون ويظنون أنّهم مواقعوها، ولا يجدون عنها مصرفا.
في هذا الأسلوب، جمع بين المبدأ والمعاد، ووضع لقضية الخلق والبعث، مقترنتين بين يدي العقل، ليدرك الإنسان أنه، منذ أوّل نشأته، هدف لعدوّ مبين يحاول إضلاله ولفته عن الطريق المستقيم حسدا له وانتقاما منه وأن أخطر هذا الإضلال هو الوصول إلى حد الثقة بالعدوّ المبين، واتّخاذه وليّا من دون الله يتّبع أمره وينصر هواه وأن هذا العدوّ المخاتل، سيكون أمره يوم الجزاء كسائر الشركاء، يزيّنون الكفر والعصيان ما داموا في الدنيا. حتّى إذا جاء أمر الله، أعلنوا براءتهم ممّن اتّبعوهم وضلّوا بسببهم:
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) [الحشر] .
ووجاء في هذه السورة أيضا، مما يتصل ببراهين البعث، قصة موسى (ع) وفتاه والعبد الصالح. وهي قصة عظيمة حافلة بالفوائد والمعاني الجليلة. وفيها يساق الحديث على نحو يشعر معه كل سامع شعورا قويا، بأن لله سبحانه علما فوق علم الناس، وتصريفا للكون على سنن، منها ما هو معروف ومنها ما هو خفيّ. وإذا آمن الناس بهذا واطمأنّوا إليه، لم يعد هناك مجال للعجب من أمر الساعة. فما هي إلا تغيير يحدثه خالق الكون ومالك ناصيته. فإذا السنن المعروفة تحلّ محلّها سنن أخرى، ومن قدر على إنشاء السنن قدر على تغييرها. وبهذا يؤمن كل عاقل، بصدق ما أخبر به المعصوم من كل أمر يبدو أمام العقول عجيبا. وهو في قدرة الله غير عجيب.
ز- جاءت السورة أيضا، بعد هذه القصة، بقصة أخرى عن عبد مكّن الله له في الأرض وآتاه من كلّ شيء سببا، وسخّر له العلم والقوة وأسبابا أخرى كثيرة، ذلك هو «ذو القرنين» . وقد لجأ إليه قوم ليحول بينهم وبين المفسدين، فأنجدهم وأعانهم وجعل الله عمله في ذلك رحمة للناس، يبقى ما بقيت هذه الحياة فإذا جاء وعد الله ضاعت السدود والحوائل وأصبحت دكّا، وترك الناس مضطربين يموج بعضهم في
стр. 1239
بعض، ثم ينفخ في الصور فيجمعون كلّهم، وتعرض يومئذ للكافرين جهنّم عرضا، فيبصرون، وقد كانت أعينهم من قبل في غطاء، ويسمعون وقد كانت آذانهم من قبل في صمم. وهكذا نجد القصة قد انتهت إلى أمر البعث والدار الاخرة وما فيها، وتخلّصت إليه في براعة وقوة، مذكّرة به، منذرة بما هنا لك من الأهوال والشدائد.
ح- ثم تأخذ السورة بعد ذلك في تهديد الكافرين الذين اتّخذوا من دون الله أولياء، وتبيّن ما أعدّ لهم، وتوازن هؤلاء جميعا بالذين آمنوا وعملوا الصالحات وما أعدّ لهم ويأتي ختامها بعد إثبات القدرة والعظمة لله، وأنّ كلماته سبحانه لا تنفد ولو كانت مياه البحار كلها مدادا لها. والمراد آياته في الكون وتصريفه وآثار قدرته، فتذكر رسالة الرسول، وأنها عن وحي من هذا الخالق القادر الواحد وتتوجّه بعد ذلك إلى الناس جميعهم بصيغة من صيغ العموم، هي لفظ «من» فتقول:
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) .
بهذا، يتجلّى للناظر في السورة أنها منتظمة النسق، مطّردة السياق، واضحة الغرض، قويّة الأسلوب، متماسكة في أوّلها وآخرها وفي ثناياها، يجول فيها معنى واحد، تلتقي عليه الآيات والأمثال والقصص والوعد والوعيد والتذكير والبيان. ولذلك يقول الله في آية من آياتها:
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) .
стр. 1240
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الكهف» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الكهف بعد سورة الغاشية، وهي من السور التي نزلت بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة الكهف في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لذكر قصة أصحاب الكهف فيها، وتبلغ آياتها عشرا ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
قيل إن قريشا بعثت إلى أحبار اليهود بالمدينة يخبرونهم بأمر النبي (ص) ، ويسألونهم عنه، فقالوا: سلوه عن ثلاثة فتية ذهبوا في الدهر الأوّل: ما كان من أمرهم؟ وعن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها: ما كان نبأه؟
فسألوا النبي (ص) عن ذلك، فقال:
أخبركم بما سألتم عنه غدا. ولم يقل:
«إن شاء الله» . فمكث خمس عشرة ليلة لا يأتيه الوحي، حتّى أرجف أهل مكّة به، وقالوا: وعدنا محمّد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة. فشقّ هذا عليه، ثم نزل عليه جبريل بسورة الكهف، وفيها معاتبة له على حزنه لعدم إيمانهم بما أنزل إليه، وخبر أولئك الفتية، وذلك الرجل الطوّاف.
وقد افتتحت هذه السورة بمقدّمة في بيان الغرض من تنزيل القرآن، وهو
стр. 1241
إنذار الكافرين وتبشير المؤمنين فليس على النبي (ص) إلا أن ينذرهم ويبشّرهم، ولا يصحّ له أن يحزن لعدم إيمان قومه ورؤسائهم به، لأنه لا قيمة لما عندهم من أمر الدنيا. وقد مهّد بهذا لذكر قصة أصحاب الكهف، لأنهم آثروا دينهم على دنيا قومهم، واعتزلوهم في الكهف حينما خافوا منهم على دينهم، ثم ذيّل قصة أصحاب الكهف بما يناسب الغرض من ذكرها ثم ذكر قصة الرجل الطوّاف وهو ذو القرنين، وذيّلها بما ذيّلها به إلى آخر السورة.
وقد ذكرت هذه السورة بعد سورة الإسراء لأنها، مثلها، تنوّه بشأن القرآن، ولأنّ سورة الإسراء جاء في ختامها تنزيه الله عن الولد، وقد جاء في أوّل سورة الكهف إنذار للذين قالوا اتّخذ الله ولدا.
المقدمة الآيات [١- ٨]
قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) ، فذكر أنه أنزل عليه القرآن كاملا في ذاته، مكمّلا لغيره، لينذر الكافرين عامّة بأسا شديدا من لدنه، ويبشّر المؤمنين بأنّ لهم أجرا حسنا، وينذر الذين قالوا إنّ الله اتّخذ ولدا ثم ذكر للنبي (ص) أنه لعلّه باخع نفسه أسفا، لأنّ قومه لم يؤمنوا بما أنزل عليه، وأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلوهم أيّهم أحسن عملا:
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) .
قصة أصحاب الكهف الآيات [٩- ٨٢]
ثم قال تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) فذكر للنبي (ص) أنه حسب أنّ أصحاب الكهف والرقيم (اسم كلبهم) كانوا عجبا من آياته وأمره أن يذكر إذ أووا إلى الكهف طالبين منه أن يرحمهم ويرشدهم إلى رضاه، فضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا، ثم بعثهم ليظهر أيّ الحزبين المختلفين في
стр. 1242
مدّة لبثهم بالكهف أحصى لها أمدا ثم فصّل هذا الإجمال، فذكر أنهم فتية آمنوا به سبحانه، وزادهم هدى، وأنه ربط على قلوبهم، إذ قاموا بين يدي ملكهم فصرّحوا له بإيمانهم وخالفوه وقومه في عبادة آلهتهم ثم ذكر أنهم اتفقوا حينما اعتزلوا قومهم، أن يأووا إلى كهف بجبل قريب من مدينتهم.
فلمّا ذهبوا إليه، وضرب على آذانهم فناموا، كانت الشمس، إذا طلعت، تميل عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تميل عنه ذات الشّمال، ليصون أجسامهم من الفساد بضوء الشمس ثم ذكر أنه كان يقلّبهم ذات اليمين وذات الشّمال لئلا تبلى أجسامهم، وأنّ كلبهم وقع في النوم معهم وهو باسط ذراعيه بباب الكهف ليحرسهم ثم ذكر أنه، ﷻ ، بعثهم من نومهم ليتساءلوا بينهم عن مدة لبثهم، وأنهم بعثوا أحدهم بورقهم ليشتري لهم طعاما من مدينتهم، وأمروه أن يتلطّف في أمره حتى لا يشعر أحد بهم فيرجموهم أو يعيدوهم في ملّتهم ثم ذكر أنه أعثر قومهم عليهم، ليعلموا أنّ وعده سبحانه، بالبعث حقّ، لأنّ قيام أصحاب الكهف بعد ذلك النوم الطويل يشبه البعث من الموت. ثم ذكر أن قومهم تنازعوا في أمرهم، لأنه أماتهم بعد إعثارهم عليهم، فقال بعضهم:
الأولى أن نسدّ باب الكهف فلا يدخل عليهم أحد، ولا يقف على أحوالهم إنسان. وقال آخرون: بل الاولى أن نبني على باب الكهف مسجدا نعبد الله فيه، ونستبقي آثار أصحاب الكهف به.
ثم ذكر ما كان من اختلافهم في عددهم، وأمر النبي (ص) أن يذكر لهم أنّ الله أعلم به، وأنه لا يعلمه إلّا قليل ممّن آثره بعلمه، ونهاه أن يجادلهم في أمرهم إلّا جدالا ظاهرا، فلا يكذّبهم فيما يعيّنونه من عدد، بل يذكر لهم أنّ هذا التعيين لا دليل عليه، فيجب التوقف في أمره وترك القطع به. ثم نهاه أن يستفتي أحدا منهم فيهم لأنهم لا علم عندهم بهم، وألّا يقدم على شيء من ذلك وغيره إلّا بإذنه ومشيئته، فلا يرجم بالغيب كما يرجمون في أمر أصحاب الكهف. ثم ذكر اختلافهم
стр. 1243
أيضا في مدّة لبثهم، وأنّ بعضهم يذهب إلى أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين، وبعضهم يزيد على ذلك تسع سنين، وأمره أن يذكر لهم أن الله أعلم بمدة لبثهم: لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦) .
وذيّلت نهاية هذه القصة بما يناسبها، فأمر سبحانه رسوله (ص) أن يتلو ما أوحي إليه فيها، لأنه هو الحق الذي لا تبديل فيه، ولن يجد من دونه ملتحدا يلجأ في علم شيء إليه ثم أمره أن يصبر نفسه مع الذين آمنوا به، ونهاه أن تعدو عيناه عنهم إلى أهل الدنيا من رؤساء قومه وأغنيائهم، وأن يطيع هؤلاء الرؤساء والأغنياء في طرد من آمن به ليؤمنوا هم به، فيكون له بهذا أسوة بأصحاب الكهف ثم أمره أن يذكر لهم أنّ الحق منه وهو غنيّ عنهم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فمن كفر فله عذابه الذي أعدّ له، ومن آمن فلن يضيع عليه عمله: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ [الآية ٣١] .
ثم أمره أن يضرب لهم أربعة أمثال تبيّن لهم خطأهم في تعاليهم بغناهم على فقراء المؤمنين، لأن الافتخار يجب أن يكون بالعمل الصالح لا بالمال:
الأول: مثل رجلين جعل الله لأحدهما جنّتين من أعناب محفوفتين بنخل، وجعل بينهما زرعا، وقد آتى كلّ منهما ثمره كاملا غير منقوص، فافتخر بذلك على صاحبه، وظنّ أنه باق له لا يفنى، وأنه ليس هناك معاد يخاف حسابه. ولئن كان هناك معاد، ليكوننّ فيه أحسن حالا ممّا هو عليه في الدنيا، فأنكر عليه صاحبه أن يكفر بالله ولا يقابل نعمته بشكره عليها.
وذكر له أنه إذا كان يفخر عليه بذلك، فعسى أن يؤتيه الله خيرا منه، ويرسل على جنّته صواعق من السماء فتبيدها وكان أنّ الله أرسل عليها ذلك، فأبادها وأصبح يقلّب كفيه على ما أنفق فيها، ويتمنّى أن لو كان آمن بربه، ولم يجد من ينصره من دون الله، وما
стр. 1244
كان منتصرا: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤) .
والثاني: مثل الحياة الدنيا في حقارتها وقلّة بقائها، فهي كماء أنزله الله من السماء فاختلط به نبات والأرض، ولم يلبث أن جفّ وتكسّر وأصبح هشيما تذوره الرياح. وما يفتخر به أولئك المشركون على فقراء المؤمنين من المال والبنين، هو من زينة الحياة الدنيا، فهو سريع الزوال مثلها والأعمال الصالحة الباقية، خير منه ثوابا ثم ذكر لهم يوم يسيّر الجبال وتبرز الأرض ويحشرهم جميعا، وأنهم يعرضون عليه وليس معهم شيء من أموالهم وأولادهم ويوضع أمامهم كتاب أعمالهم، فيشفقون مما فيه:
وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) .
والثالث: مثل آدم وإبليس، لأنّ إبليس لعنه الله، إنما تكبّر على آدم، لأنه افتخر بأصله ونسبه، وكان من الجن ففسق عن أمر ربه وقد نهاهم عن الاقتداء به في ذلك، واتخاذه وذرّيّته أولياء من دونه، وهم لهم عدوّ، والعاقل لا يتّخذ عدوّه وليّا له، ومثلهم لا يصح أن يكون شريكا بالله، وهو لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، وهم مضلّون لا يمكن أن يتّخذ الله له عضدا منهم. ثم ذكر أنه إذا جاء يوم القيامة أمرهم أن ينادوا أولئك الشركاء الذين اتخذوهم أولياء، فيدعونهم فلا يستجيبون لهم، ولا ينفعونهم بشيء ممّا كانوا يزعمونه فيهم. ثم ذكر أنه جلّت قدرته، ضرب تلك الأمثال لهم ليعتبروا بها، ويرتدعوا عن افتخارهم بكثرة أتباعهم وأموالهم على فقراء المسلمين ولكنّ هذه الأمثال لا تؤثّر فيهم، بل يمضون فيما جبلوا عليه من الجدال والشغب، ويطلبون أن تأتيهم سنّة الأوّلين من عذاب الاستئصال، أو تتوالى عليهم ضروب العذاب وهم أحياء والله ﷻ لم يرسل المرسلين إلا مبشّرين ومنذرين ليؤمن الناس طوعا لا كرها ولكنهم يجادلون
стр. 1245
بالباطل، ليدحضوا به الحق، ولا يريدون الإيمان إلّا بما يقترحونه من تلك الآيات وإنّما يتّخذون ما جاءهم من الآيات، وما أنذروا به منها لعبا وهزوا وليس أظلم ممّن ذكّر بآيات ربه فأعرض عنها، ونسي ما قدّمت يداه. ثم ذكر أن سبب إعراضهم، أنه جعل في قلوبهم أكنّة تمنعهم من فهمها، وأنه جعل في آذانهم وقرا يمنعهم من سماعها ثم ذكر أنه لو يؤاخذهم بذلك لعجّل لهم ما طلبوه من العذاب، ولكنّ عذابهم له موعد لن يجدوا من دونه موئلا: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩) .
والرابع مثل موسى وبعض علماء عصره، فقد بلغ موسى من علوّ المنصب ما بلغ ولكنه تواضع لذلك العالم الذي آثره الله بعلم لم يعلمه موسى، وسافر إليه لطلب ذلك العلم، وكان أن ذكر لفتاه أنّه لا يبرح عن السّير حتّى يبلغ مجمع البحرين، فيجد عنده هذا العالم فلمّا بلغ ذلك المكان، نسي فتاه حوتا كان معهما، فانساب في البحر وكان هذا علامة مكان العالم الذي يطلبه، ولكن فتاه لم يخبره بذلك، حتّى جاوزا ذلك المكان، وطلب منه غداءهما، فأخبره بأنه نسي حوتهما إذ أويا إلى الصخرة فانساب في البحر، فذكر له أنّ هذا هو ما كان يطلبه فارتدّا إلى ذلك المكان، فوجدا عنده ذلك العالم، فطلب منه موسى أن يتبعه على أن يعلّمه ممّا آثره به ربّه، فأخبر موسى بأنه لن يستطيع الصبر على تعلّم ذلك العلم الذي لا يحيط به، وتخفى عليه أسراره فأخبره موسى بأنه سيجده صابرا على ذلك إن شاء الله تعالى، فطلب منه ألّا يسأله عن شيء حتى يحدّثه عنه ويعرّفه حقيقته.
فانطلقا، حتّى ركبا في سفينة، فعمد ذلك العالم إليها فخرقها، فأنكر موسى عليه أن يخرقها ليغرق أهلها، فذكّره بما أخبره به، من أنه لن يستطيع الصبر معه، فاعتذر له موسى بأنه نسي وطلب منه ألّا يؤاخذه على ذلك النسيان فانطلقا، حتّى وجدا غلاما، فعمد ذلك العالم إليه فقتله، فأنكر موسى عليه
стр. 1246
ذلك أيضا، فعاد إلى تذكيره بما أخبره به من أنه لن يستطيع الصبر معه، فذكر له موسى أنه إن سأله عن شيء بعد ذلك فلا يصاحبه، لأنه قد بلغ منه العذر فانطلقا حتى أتيا أهل قرية، فطلبا من أهلها طعاما فأبوا أن يطعموهما، فوجد ذلك العالم فيها جدارا يوشك أن يسقط فأقامه، فأنكر عليه موسى أن يقيمه من غير أجر لقوم أبوا أن يطعموهما، فذكر له أنه لا يمكنه أن يصاحبه بعد هذا، وأنه سيخبره بتأويل ما أنكره عليه من هذه الأمور الثلاثة فذكر له أن السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر، وكان هناك ملك يغصب كلّ سفينة صحيحة، فخرقها ليعيبها فلا يغصبها وأنّ الغلام كان أبواه مؤمنين ولو بقي لشبّ على الطغيان والكفر، وفتن به أبواه فكفرا مثله وأن الجدار كان لغلامين يتيمين، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا، فأقامه لهما، حتّى يبلغا أشدّهما، ويستخرجا كنزهما: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) .
قصة ذي القرنين الآيات [٨٣- ١٠٨]
ثم قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) فذكر، سبحانه، أنهم سألوا الرسول (ص) عن ذي القرنين وأن الرسول (ص) أجابهم بأنه سيتلو عليهم بعض أخباره وفصّل السياق ذلك بأنه ﷻ مكّن له في الأرض، وأعطاه من العلم والقدرة والعدّة ما يتوصّل به إلى مقصوده. فلما أراد أن يوسّع ملكه جهة الغرب، سار حتى بلغ أوائل بلاد المغرب، فوجد هناك عينا حمئة، ووجد عندها قوما لا يكادون يفقهون قولا، فدعاهم إلى الدخول في طاعته، فمن أبى عذّبه عذابا شديدا في الدنيا، إلى ما سيناله من عذاب الله في الاخرة، ومن دخل في طاعته جازاه بالحسنى، ويسّر عليه زكاته وخراجه وغيرهما ثم أراد أن يوسّع ملكه جهة الشرق فسار حتى بلغ أوائل بلاد الشرق الأقصى، فوجد هناك قوما كالأوّلين، لا يسترون أجسامهم
стр. 1247
من الشمس، فقضى فيهم ما قضاه سابقا من تعذيب من لم يدخل في طاعته، والإحسان إلى من دخل فيها ثم سار من هناك حتى بلغ بين السّدّين، فوجد هناك قوما كالأوّلين أيضا، وهم قوم يأجوج ومأجوج من قبائل التّرك وكانوا مفسدين في الأرض، فشكاهم إليه من دخل في طاعته من أهل تلك البلاد، وطلبوا منه أن يقيم سدّا يمنع غاراتهم عليهم، فأجابهم إلى ما طلبوه من ذلك السدّ، وأمرهم أن يأتوه بقطع الحديد فوضع بعضها على بعض حتى سدّت ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافخ عليها حتّى إذا صارت كالنار صبّ النحاس المذاب عليها، فالتصق بعضها ببعض حتى صارت جبلا صلدا، فلم يقدروا أن يظهروه «١» أو ينقبوه ولما تمّ له ذلك، ذكر أنه رحمة من الله بعباده، وأنه إذا جاء وعد الله بخروجهم سّواه بالأرض، فيخرجون منه، يموج بعضهم في بعض، ويعيثون فسادا في الناس، وذلك من أمارات يوم القيامة وبعد هذا ينفخ في الصور فيجمعون وسائر الناس للحساب، وتعرض جهنّم للكافرين الذين عموا وصمّوا عما يذكّرهم بذلك اليوم.
ثم وبّخهم على ظنّهم أن ينتفعوا بمن اتخذوهم أولياء من دونه، مع إعراضهم عن تدبّر ما ذكّروا به وذكر سبحانه، أنه أعدّ لهم جهنّم نزلا فلا يصرفهم أحد عنها ثم ذكر من قبيح صفاتهم، أنهم قد ضلّ سعيهم في الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، إلى غير ذلك مما ذكره من وعيدهم ثمّ أتبع وعيدهم بوعد المؤمنين على عادته في الجمع بين الترهيب والترغيب، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨) .
الخاتمة الآيات [١٠٩- ١١٠]
ثمّ قال تعالى:
стр. 1248
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) .
فختم السورة بالتنويه بشأن ما جاء فيها من ذلك القصص العجيب، وذكر ﷻ أن كلماته في هذا الشأن العجيب لا تنفد، وأنه لو كان البحر مدادا لها لنفد قبل نفادها ثمّ أمر الرسول (ص) أن يذكر لهم أنّ مثله لا يقدر على مثل هذا، فقال: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) .
стр. 1249
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الكهف» «١»
قال بعضهم: مناسبة وضعها بعد سورة الإسراء: افتتاح تلك بالتسبيح، وهذه بالتحميد «٢» ، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام بحيث يسبق التسبيح التحميد، نحو: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [الحجر: ٩٨] ونحو وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٥٥ ق: ٣٩ الطور: ٤٨] .
وسبحان الله وبحمده.
قلت: مع اختتام ما قبلها بالتحميد أيضا «٣» ، وذلك من وجوه المناسبة بتشابه الأطراف. ثم ظهر لي وجه آخر أحسن في الاتصال. وذلك: أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا النبي (ص) عن ثلاثة أشياء: عن الروح، وعن قصّة أصحاب الكهف، وعن قصّة ذي القرنين «٤» . وقد ذكر جواب السؤال الأول في آخر «الإسراء» ، فناسب اتصالها بالسورة التي اشتملت على جواب السؤالين الآخرين.
فإن قلت: لماذا لم يجمع الثلاثة في سورة واحدة؟
стр. 1250
قلت: لمّا لم يقع الجواب عن الأول بالبيان «١» ، ناسب فصله في سورة.
ثم ظهر لي وجه آخر: وهو أنه لما قال سبحانه فيها: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، والخطاب لليهود، واستظهر على ذلك بقصة موسى (ع) في بني إسرائيل مع الخضر (ع) ، التي كان سببها ذكر العالم والأعلم «٢» ، وما دلت عليه معلومات الله التي لا تحصى من الإحاطة، فكانت هذه السورة كإقامة الدليل على ما ذكر من الحكم.
وقد ورد في الحديث أنه لما نزل في سورة الإسراء: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) ، قال اليهود: قد أوتينا التوراة، فيها علم كل شيء، فنزل في هذه السورة «٣» : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) . فهذا وجه آخر في المناسبة. وتكون السورة من هذه الجهة جوابا عن شبهة الخصوم، فيما قدّر بتلك.
وأيضا، فلما قيل هناك: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤) [الإسراء] شرح ذلك هنا، وبسط، بقوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ [الآية ٩٨] إلى قوله جلّ وعلا: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) . وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) فهذه وجوه عديدة في الاتصال.
стр. 1251
المبحث الرابع مكنونات سورة «الكهف» «١»
١- أَصْحابَ الْكَهْفِ [الآية ٩] .
قال أبو جعفر: كان أصحاب الكهف صيارفة.
قال مجاهد: كانوا أبناء عظماء أهل مدينتهم.
وقال ابن إسحاق: الكهف في جبل يقال له: بنجلوس.
وقال مجاهد: بين جبلين.
أخرج ذلك كلّه ابن أبي حاتم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن الرّقيم واد [بين عسفان وأيلة وهو] «٢» قريب من أيلة.
وأخرج عن شعيب الجبائي أن اسم جبل الكهف: «بنجلوس» «٣» واسم الكهف: «حرم» «٤» .
٢- وَكَلْبُهُمْ [الآية ١٨] .
قال الحسن: اسمه قطمير.
وقال مجاهد: قطمورا.
وقال شعيب الجبائي: حمران «٥» .
وقال كثير النّوّاء «٦» : كان أصفر.
стр. 1252
وقال رجل يقال له عبيد: أحمر.
أخرج ذلك كلّه ابن أبي حاتم، إلّا قول شعيب فابن جرير.
وفي «العجائب» للكرماني: قيل: إن الرّقيم: اسم كلبهم.
قلت: أخرجه ابن أبي حاتم عن أنس.
٣- فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ [الآية ١٩] .
هو تمليخا. قاله ابن إسحاق.
٤- إِلَى الْمَدِينَةِ [الآية ١٩] .
قال مقاتل «١» : هي منبج. أخرجه ابن جرير.
٥- سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ [الآية ٢٢] .
قاله اليهود.
٦- وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ [الآية ٢٢] . قاله النّصارى، قاله السّدّيّ وغيره.
٧- ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ.
قال ابن عبّاس: أنا من أولئك القليل وهم سبعة «٢» .
وفي رواية عنه: وهم ثمانية.
أخرجهما ابن أبي حاتم. وأخرج عن ابن مسعود أيضا قال: أنا من القليل كانوا سبعة. وسمّاهم ابن إسحاق:
تمليخا، ومكسميلينا، ومحسملينا ومرطونس، وكسوطونس، وبيورس، وبكرنوس، ونطسوس، وقالوس «٣» .
فائدة:
أكثر العلماء على أنّ أصحاب الكهف كانوا بعد عيسى (ع) . وذهب ابن قتيبة «٤» إلى أنّهم كانوا قبله، وأنه أخبر قومه خبرهم، وأن يقظتهم بعد رفعه زمن الفترة. وحكى ابن أبي
стр. 1253
خيثمة «١» أنهم يبعثون «٢» في أيام عيسى (ع) إذا نزل، ويحجّون البيت.
٨- مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الآية ٢٨] .
تقدّم بيانهم في سورة الأنعام.
٩- مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ [الآية ٢٨] .
قال خبّاب «٣» : يعني عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس «٤» .
وقال ابن بريدة «٥» : هو عيينة. أخرج ذلك ابن أبي حاتم. وأخرج عن الرّبيع أنه أميّة بن خلف. وكذا أخرجه ابن مردويه «٦» عن ابن عبّاس. ١٠- وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [الآية ٣٢] .
قال الكرماني في «العجائب» :
قيل: كانا من أهل مكة، أحدهما مؤمن وهو: أبو سلمة، زوج أم سلمة.
وقيل: كانا أخوين في بني إسرائيل، أحدهما مؤمن اسمه: تمليخا.
وقيل: يهوّذا والاخر كافر اسمه:
فطروس وهما المذكوران في سورة الصافات «٧» .
١١- وَذُرِّيَّتَهُ [الآية ٥٠] .
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ولد إبليس خمسة: ثبر، والأعور، وزلنبور، ومسوط «٨» ،
стр. 1254
وداسم «١» . فمسوط: صاحب الصّخب. والأعور وداسم لا أدري ما يعملان. وثبر: صاحب المصائب.
وزلنبور: الذي يفرّق بين الناس، ويبصّر الرجل عيوب أهله «٢» .
وأخرج ابن جرير «٣» عنه قال:
زلنبور: صاحب الأسواق، يضع رايته في كل سوق [ما بين السماء والأرض] «٤» وثبر: صاحب المصائب.
والأعور: صاحب الزنا. ومسوط:
صاحب الأخبار، يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس، ولا يجدون لها أصلا.
وداسم: الذي إذا دخل الرجل بيته، ولم يسلم، ولم يذكر الله بصّره من المتاع ما لم يرفع. وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه.
١٢- وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [الآية ٦٠] .
قال ابن عبّاس وغيره: هو يوشع بن نون. أخرجه ابن أبي حاتم «٥» . وفي «العجائب» للكرماني: كان أخا ليوشع.
١٣- مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ [الآية ٦٠] .
قال قتادة: هما بحرا المشرق والمغرب بحرا فارس والروم. وكذا قال الرّبيع.
وقال السّدّي: هما الكرّ والرّس «٦» حيث يصبّان في البحر.
وقال محمد بن كعب: مجمع البحرين بطنجة «٧» .
وقال أبيّ بن كعب: بإفريقية. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
١٤- فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا [الآية ٦٥] .
стр. 1255
هو الخضر، كما في «الصحيح» «١» وغيره.
واسمه: بليا. وقيل: اليسع. وقيل:
إلياس. حكاه الكرماني في «عجائبه» .
١٥- لَقِيا غُلاماً [الآية ٧٤] .
قال شعيب الجبائي: اسمه:
جيسورا «٢» أخرجه ابن أبي حاتم.
١٦- أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الآية ٧٧] .
قال ابن سيرين: هي الأبلّة «٣» .
وقال السّدّيّ: باجروان «٤» . أخرجه ابن أبي حاتم. وأخرج من طريق قتادة عن ابن عبّاس، قال: هي أبرقة.
قال: وحدّثني رجل أنّها: أنطاكية.
وقيل: هي قرطبة. حكاه ابن عسكر. ١٧- وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الآية ٧٩] .
اسمه هدد بن بدد. كما في «البخاري» «٥» .
وقيل: الجلندا «٦» . حكاه ابن عسكر.
١٨- أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ [الآية ٨٠] .
اسم الأب: كازبرا، والأم:
سهوي «٧» .
١٩- فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ [الآية ٨١] .
قال ابن عبّاس: أبدلا جارية ولدت نبيّا. أخرجه ابن أبي حاتم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السّدّيّ، قال: ولدت جارية، ولدت نبيّا وهو الذي كان بعد موسى، الذي قالت له
стр. 1256
بنو إسرائيل: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ٢٤٦] وكان اسمه: شمعون، وكان اسمها: حنّة.
٢٠- لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ [الآية ٨٢] .
هما صريم، وأصرم، ابنا كاشح وأمّهما دنيا.
٢١- وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً [الآية ٨٦] كافرين. ٢٢- وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ [الآية ٩٠] .
قال قتادة: يقال إنهم الزنج. أخرجه عبد الرزاق.
٢٣- بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الآية ٩٦] .
قال الضّحّاك: هما من قبل أرمينية وأذربيجان «١» . أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
стр. 1257
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الكهف» «١»
١- وقال تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) .
الباخع: القاتل المهلك، يقال: بخع نفسه يبخعها بخعا وبخوعا، قال ذو الرمّة:
ألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر أقول: والبخع من الكلم القديم الذي افتقدناه منذ عصور.
٢- وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) .
قالوا: الرّقيم اسم كلبهم، قال أمية بن أبي الصّلت:
وليس بها إلّا الرّقيم مجاورا وصيدهم والقوم في الكهف همد وقيل: هو لوح من رصاص، رقمت فيه أسماؤهم، جعل في باب الكهف.
وقيل: إنّ الناس رقموا حديثهم نقرا في الجبل.
وقيل: هو الوادي الذي فيه الكهف، وقيل: الجبل، وقيل: مكانهم بين غضبان وأيلة دون فلسطين.
أقول: الذي أراه أن «الرّقيم» هو «المرقوم» ، ولعله كتابهم أو كتابتهم، وما سطروه ونقشوه.
وما زال «الرّقم» في العربية يشير إلى الكتابة والنقش والإشارة.
٣- وقال تعالى: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ١٤] .
стр. 1258
وقوله: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ، أي:
قوّيناها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدّين إلى بعض الغيران «١» ، وجسّرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام.
أقول: والربط على القلوب، كناية جميلة عن تقويتها بالصبر والجلد على الصعاب.
٤- وقال تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ [الآية ١٧] .
قوله تعالى: تَتَزاوَرُ أي: تتمايل، والأصل تتزاور.
وقرئ: تزورّ وتزوارّ بوزن تحمر وتحمارّ، وكلّها من الزّور وهو الميل، ومنه زاره إذا مال إليه.
وهذا يدلنا على أن «الزيارة» من الزّور، وهو الميل الحسّي الذي تحوّل إلى زيارة، وذهاب فيهما ميل جسدي، وآخر معنويّ عاطفيّ.
٥- وقال تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الآية ١٨] . انظر: [آل عمران: ٩] . ٦- وقال تعالى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الآية ١٩] .
«الورق» : الفضّة مضروبة كانت أو غير مضروبة، وقرئ بسكون الراء والواو مكسورة أو مفتوحة، وكذلك الرّقة، وقالوا: إنها الدراهم.
أقول: وهذا من الكلم القديم الذي بقي في النصوص القديمة.
٧- وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [الآية ٢١] .
أي: وكذلك أعثرنا عليهم (أي:
أهل الكهف) أهل المدينة.
و «أعثر» في الآية فعل متعد، حذف مفعوله، تقديره: أهل المدينة.
وقد جاء هذا الفعل في الآية: ١٠٧ من المائدة، ببناء الثلاثي وهو قوله تعالى: فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما.
أقول: وعلى هذا، يكون استعمال المعاصرين صحيحا حين يقولون:
عثرنا على هذه المسألة، مثلا.
стр. 1259
وجاء في معجمات العربية: وعثر على الأمر: اطّلع عليه.
ولا حجّة لمن ذهب إلى خطأ هذا القول من المعاصرين.
٨- وقال تعالى: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي [الآية ٢٤] .
أقول: إن الاكتفاء بالحركة القصيرة بعد النون، يهيّئ مناسبة أن يجيء بعدها حركة طويلة في قوله تعالى:
رَبِّي، ولو أنك أطلت في الأولى وقرأت «يهديني» لما حسن الأداء من الناحية الصوتية، ألا ترى إلى قوله سبحانه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الآية ١٧] .
فإن الْمُهْتَدِ جاء بالكسر، والأصل «المهتدي» ، ولكن لمّا حسن الوقف عليه اجتزئ بالكسر، توقّعا للسكون، الذي يتطلبه الوقف.
٩- وقال تعالى: وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) .
«الملتحد» بزنة اسم المفعول:
الملتجأ.
أقول: وليس لنا في عربيتنا المعاصرة إلّا الثلاثي، ومنه «اللّحد» . ١٠- وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) .
وقوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ، أي: احبسها معهم وثبّتها، قال أبو ذؤيب:
فصبرت عارفة لذلك حسرة ترسو إذا نفس الجبان تطلّع أقول: وهذا من معاني «الصبر» القديمة، التي عفا أثرها بسبب شيوع معنى «الصبر» المعروف، وهو الصبر على المحن والشدائد، وبهذا المعنى أصبح الفعل «صبر» من الأفعال اللازمة، وأصله التعدّي لأن المعنى هو الحبس في الأصل، فكأن «الصابر» على الشدّة من يحبس نفسه، فيحملها على الاحتمال.
قلت: لم يبق من هذا المعنى شيء إلّا ما اصطلح عليه أهل الشمال الإفريقي، الذين أخذوا المضاعف، وأطلقوه على ما يحبس من الفواكه والخضر واللحوم في الصفيح، وهو ما
стр. 1260
ندعوه في المشرق «المعلّبات» وعندهم يقال: «المصبّرات» .
أقول: وأهل إفريقية في هذه اللفظة، أفصح منا نحن عرب المشرق ذلك أن «المعلّبات» و «التعليب» قد جاء من «العلبة» ، وهي قدح ضخم من جلود الإبل، وقيل: العلبة من خشب، كالقدح الضخم يحلب فيها، وقيل:
إنها كهيئة القصعة من جلد، ولها طوق من خشب.
وهذه «العلبة» القديمة كان لنا في العراق شيء منها، ولا سيّما في بغداد، فهي وعاء من خشب، تضع فيه القرويات اللبن الخاثر، ويأتين به ليباع.
وجاء في الآية أيضا قوله تعالى:
وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ.
والمعنى: ولا تتجاوزهم عيناك وتتعدّياهم، أي: لا تتجاوز عيناك الفقراء، وتزوّرا عنهم.
أقول: وهذا استعمال جميل للفعل «عدا يعدو» .
وجاء في الآية نفسها: وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) .
والمعنى: كان أمره مجاوزا الحدّ. وهذا من الكلم الجميل الذي لا نعرفه الآن، وإن كنا نستعمل الإفراط والتفريط.
١١- وقال تعالى: بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) .
وقال أيضا: نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١) .
والمعنى: المرتفق هو المتّكأ من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله سبحانه: وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١) ، وإلّا فلا ارتفاق لأهل النار، ولا اتّكاء.
١٢- وقال تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [الآية ٣٣] .
أي: كلّ واحدة من الجنّتين آتت غلّتها، وأخرجت ثمرتها.
أقول: جاء الفعل مختوما بتاء التأنيث آتت، ولم يأت «آتتا» كما وردت في بعض القراآت.
فماذا يقال في هذه المسألة؟ قالوا:
إنّ «كلتا» مفرد، ولذلك حمل الفعل بعدها على اللفظ، ولو حمل على المعنى لقيل: آتتا.
كأن «كلتا» اسم مقصود مفرد، ولذلك فإنّ مراعاة لفظها أكثر وأفصح
стр. 1261
من مراعاة معناها، مثلها مثل «كلّ» فلفظها مفرد، وهو المحمول عليه أكثر مما يحمل على معناها ومثل هذا «من» و «ما» الموصوليّتان أو الشرطيّتان.
وقوله تعالى: وَلَمْ تَظْلِمْ، أي:
لم تنقص.
وإفادة «الظلم» لمعنى النقص معروف في العربية وهو كقول الشاعر:
أيظلمني مالي كذا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه أي: ينقصني مالي.
أقول: ولشيوع «الظلم» في دلالته المعروفة في عصرنا، أنسيت هذه الدلالة الأخرى التي وردت في الآية.
١٣- وقال تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الآية ٤٣] .
أقول: كنّا قد أشرنا إلى أن العربية قد تحمل على اللفظ كثيرا، فأشرنا إلى أن كلمة «كلّ» لفظها لفظ المفرد، وكذلك «ركب» ، و «وفد» ، و «قوم» ، و «شجر» ، و «طفل» وغير ذلك كثير.
وقد تحمل على المعنى في الكلمات التي أشرنا إليها، قال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [الحجرات:
١١] .
وفي غير هذه الكلمات.
وهذا يعني أننا لا نستطيع أن نقول:
إنّ هذا أفصح من ذاك.
وقد كنا عرضنا لكلمة «طائفة» ، وكيف وردت في الآيات الكريمة يراعى لفظها مرّة، كما يراعى معناها أخرى.
ومثل «طائفة» كلمة «فئة» ، ولنعرض الآيات التي وردت فيها هذه الكلمة:
قال تعالى: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:
٢٤٩] .
فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ [آل عمران: ١٣] .
وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ [الأنفال: ١٩] .
فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ [القصص: ٨١] .
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا [آل عمران: ١٣] .
أقول: ومجيء كلمة «فئة» في جملة هذه الآيات نظير ما ورد في كلمة
стр. 1262
«طائفة» وغيرها في لغة التنزيل.
١٤- وقال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الآية ٥٣] .
قوله تعالى: مُواقِعُوها أي:
مخالطوها واقعون فيها.
أقول: وهذا استعمال للفعل «واقع» يحقّ لنا أن نقف عليه.
١٥- وقال تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) .
أي: لقد جئت شيئا عظيما، وهو من أمر الأمر إذا عظم، قال داهية دهياء إدّا إمرا.
أقول: ما كان أحوجنا إلى أن تحتفظ عربيّتنا المعاصرة بهذا النوع من الكلم الثلاثي الجميل، وهو قريب منّا، ولا سيما أن مادة «أمر» كثيرة التداول.
١٦- وقال تعالى: فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [الآية ٧٧] . قوله تعالى: اسْتَطْعَما أَهْلَها، أي: طلبا الطعام.
وقوله سبحانه: أَنْ يُضَيِّفُوهُما وقرئ يضيفوهما. ويقال: ضافه إذا كان ضيفا.
وحقيقته: مال إليه، من ضاف السهم عن الغرض، ونظيره: زاره من الازورار.
وأضافه وضيّفه: أنزله وجعله ضيفه.
وفي قوله تعالى: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة.
أقول: كأن القول: يوشك أن ينقضّ. واستعارة الإرادة للمداناة والمشارفة لا نعرفها في العربية المعاصرة، ولكننا نجدها في العامّية الدارجة في العراق، فنقول في المناسبة نفسها في الحديث عن جدار آيل للسقوط: «يريد يسقط» .
стр. 1263
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الكهف» «١»
قال تعالى عِوَجاً (١) قَيِّماً [الآية ٢] أي: أنزل على عبده الكتاب قيّما، ولم يجعل له عوجا.
وقال سبحانه ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) بالنصب على الحال، على أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) [الآية ٢] .
وقوله تعالى كَبُرَتْ كَلِمَةً [الآية ٥] في معنى: أكبر بها كلمة.
وقال تعالى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الآية ٥٠] أي: «عن ردّ أمر ربّه» نحو قول العرب: «أتخم عن الطّعام» أي:
عن مأكله أتخم، ولما ردّ هذا الأمر فسق «٢» .
وقال تعالى: مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) أي: شيئا يرتفقون به.
وفي قوله تعالى تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ [الآية ١٧] «ذات الشّمال» نصب على الظرف.
وفي قوله تعالى فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً [الآية ١٩] فلم يوصل «فلينظر» الى «أيّ» لأنه من الفعل الذي يقع بعده حرف الاستفهام تقول: «انظر أزيد أكرم أم عمرو» .
وقال تعالى إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الآية ٢٤] أي: إلّا أن تقول: «إن شاء الله» فأجزأ من ذلك هذا وكذلك إذا طال الكلام أجزأ فيه، وصار شبيها بالإيماء، لأنّ بعضه يدلّ على بعض.
стр. 1264
وقال سبحانه أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [الآية ٢٦] أي: ما أبصره وأسمعه، كما تقول: «أكرم به» أي: ما أكرمه. وذلك أن العرب تقول: «يا أمة الله أكرم بزيد» فهذا معنى ما أكرمه، ولو كان يأمرها أن تفعل، لقال «أكرمي زيدا» .
وقال تعالى: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الآية ٢٢] أي: ما يعلمهم من الناس إلّا قليل. والقليل يعلمونهم.
وقال سبحانه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [الآية ٢٩] أي: قل هو الحقّ.
وقوله من الآية نفسها: وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) أي: وساءت الدار مرتفقا.
وقال تعالى وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [الآية ٣٢] ثم قال في الآية نفسها:
وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ [الآية ٣٤] وإنّما ذكر الرّجلين في المعنى وكان لأحدهما ثمر، فأجزأ ذلك من هذا «١» .
وقال تعالى كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [الآية ٣٣] بجعل الفعل واحدا، على اللفظ، لا على المعنى.
وقال تعالى وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الآية ٥٩] يعني:
أهلها كما قال وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أجري اللفظ على القوم وأجري اللفظ في «القرية» عليها، الى قوله تعالى الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف:
٨٢] وقال سبحانه أَهْلَكْناهُمْ [الآية ٥٩] ولم يقل «أهلكناها» حمله على القوم، كما قال «وجاءت تميم» وجعل الفعل ل «بني تميم» ولم يجعله ل «تميم» ولو فعل ذلك لقال: «جاء تميم» وهذا لا يحسن في نحو هذا، لأنه قد أراد غير تميم في نحو هذا الموضوع، فجعله اسما، ولم يحتمل إذا اعتل ان يحذف ما قبله كله، يعني التاء من «جاءت» مع «بني» وترك الفعل على ما كان، ليدل على أنه قد حذف شيئا قبل «تميم» .
وقال لا أَبْرَحُ [الآية ٦٠] أي: لا أزال. قال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الخامس والأربعون بعد المائتين] :
وما برحوا حتّى تهادت نساؤهم ... ببطحاء ذي قار عياب اللّطائم
стр. 1265
أي: ما زالوا.
وأمّا قوله تعالى فَخَشِينا [الآية ٨٠] فمعناه: كرهنا، لأنّ الله ﷻ لا يخشى «١» .
وفي قوله تعالى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الآية ٩٤] جعل الألف من الأصل، وجعل «يأجوج» من «يفعول» و «مأجوج» من «مفعول» » .
وفي قوله تعالى ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الآية ٩٥] رفع خَيْرٌ لأن ما مَكَّنِّي اسم مستأنف.
وقوله تعالى فَمَا اسْطاعُوا [الآية ٩٧] من «اسطاع» «يسطيع» أي «استطاع» «يستطيع» وهي لغة عند العرب «٣» .
وفي قوله تعالى أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي [الآية ١٠٢] جعلت «أن» التي تعمل في الأفعال، فاستغني بها، كما في قوله سبحانه إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما [البقرة: ٢٣٠] أو ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ [الآية ٣٥] استغني هاهنا بمفعول واحد، لأنّ معنى ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ:
ما أظنها أن تبيد.
وقال تعالى: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) ف «النزل» من نزول بعض الناس على بعض «٤» . أمّا «النزل» ف «الريع» تقول: «ما لطعامهم نزل» و «ما وجدنا عندهم نزلا» .
وقال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي [الآية ١٠٩] أي «مداد يكتب به» لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) كأن المعنى: «مدد لكم» وقال بعضهم أي:
جئنا بمثله مدادا تكتب به. ويعني بالمداد، أنه مدد للمداد يمدّ به ليكون معه.