← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

من مراعاة معناها، مثلها مثل «كلّ» فلفظها مفرد، وهو المحمول عليه أكثر مما يحمل على معناها ومثل هذا «من» و «ما» الموصوليّتان أو الشرطيّتان. وقوله تعالى: وَلَمْ تَظْلِمْ، أي: لم تنقص. وإفادة «الظلم» لمعنى النقص معروف في العربية وهو كقول الشاعر: أيظلمني مالي كذا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه أي: ينقصني مالي. أقول: ولشيوع «الظلم» في دلالته المعروفة في عصرنا، أنسيت هذه الدلالة الأخرى التي وردت في الآية. ١٣- وقال تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الآية ٤٣] . أقول: كنّا قد أشرنا إلى أن العربية قد تحمل على اللفظ كثيرا، فأشرنا إلى أن كلمة «كلّ» لفظها لفظ المفرد، وكذلك «ركب» ، و «وفد» ، و «قوم» ، و «شجر» ، و «طفل» وغير ذلك كثير. وقد تحمل على المعنى في الكلمات التي أشرنا إليها، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [الحجرات: ١١] . وفي غير هذه الكلمات. وهذا يعني أننا لا نستطيع أن نقول: إنّ هذا أفصح من ذاك. وقد كنا عرضنا لكلمة «طائفة» ، وكيف وردت في الآيات الكريمة يراعى لفظها مرّة، كما يراعى معناها أخرى. ومثل «طائفة» كلمة «فئة» ، ولنعرض الآيات التي وردت فيها هذه الكلمة: قال تعالى: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ٢٤٩] . فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ [آل عمران: ١٣] . وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ [الأنفال: ١٩] . فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ [القصص: ٨١] . قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا [آل عمران: ١٣] . أقول: ومجيء كلمة «فئة» في جملة هذه الآيات نظير ما ورد في كلمة

стр. 1262

«طائفة» وغيرها في لغة التنزيل. ١٤- وقال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الآية ٥٣] . قوله تعالى: مُواقِعُوها أي: مخالطوها واقعون فيها. أقول: وهذا استعمال للفعل «واقع» يحقّ لنا أن نقف عليه. ١٥- وقال تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) . أي: لقد جئت شيئا عظيما، وهو من أمر الأمر إذا عظم، قال داهية دهياء إدّا إمرا. أقول: ما كان أحوجنا إلى أن تحتفظ عربيّتنا المعاصرة بهذا النوع من الكلم الثلاثي الجميل، وهو قريب منّا، ولا سيما أن مادة «أمر» كثيرة التداول. ١٦- وقال تعالى: فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [الآية ٧٧] . قوله تعالى: اسْتَطْعَما أَهْلَها، أي: طلبا الطعام. وقوله سبحانه: أَنْ يُضَيِّفُوهُما وقرئ يضيفوهما. ويقال: ضافه إذا كان ضيفا. وحقيقته: مال إليه، من ضاف السهم عن الغرض، ونظيره: زاره من الازورار. وأضافه وضيّفه: أنزله وجعله ضيفه. وفي قوله تعالى: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة. أقول: كأن القول: يوشك أن ينقضّ. واستعارة الإرادة للمداناة والمشارفة لا نعرفها في العربية المعاصرة، ولكننا نجدها في العامّية الدارجة في العراق، فنقول في المناسبة نفسها في الحديث عن جدار آيل للسقوط: «يريد يسقط» .

стр. 1263

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الكهف» «١» قال تعالى عِوَجاً (١) قَيِّماً [الآية ٢] أي: أنزل على عبده الكتاب قيّما، ولم يجعل له عوجا. وقال سبحانه ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) بالنصب على الحال، على أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) [الآية ٢] . وقوله تعالى كَبُرَتْ كَلِمَةً [الآية ٥] في معنى: أكبر بها كلمة. وقال تعالى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الآية ٥٠] أي: «عن ردّ أمر ربّه» نحو قول العرب: «أتخم عن الطّعام» أي: عن مأكله أتخم، ولما ردّ هذا الأمر فسق «٢» . وقال تعالى: مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) أي: شيئا يرتفقون به. وفي قوله تعالى تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ [الآية ١٧] «ذات الشّمال» نصب على الظرف. وفي قوله تعالى فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً [الآية ١٩] فلم يوصل «فلينظر» الى «أيّ» لأنه من الفعل الذي يقع بعده حرف الاستفهام تقول: «انظر أزيد أكرم أم عمرو» . وقال تعالى إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الآية ٢٤] أي: إلّا أن تقول: «إن شاء الله» فأجزأ من ذلك هذا وكذلك إذا طال الكلام أجزأ فيه، وصار شبيها بالإيماء، لأنّ بعضه يدلّ على بعض.

стр. 1264

وقال سبحانه أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [الآية ٢٦] أي: ما أبصره وأسمعه، كما تقول: «أكرم به» أي: ما أكرمه. وذلك أن العرب تقول: «يا أمة الله أكرم بزيد» فهذا معنى ما أكرمه، ولو كان يأمرها أن تفعل، لقال «أكرمي زيدا» . وقال تعالى: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الآية ٢٢] أي: ما يعلمهم من الناس إلّا قليل. والقليل يعلمونهم. وقال سبحانه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [الآية ٢٩] أي: قل هو الحقّ. وقوله من الآية نفسها: وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) أي: وساءت الدار مرتفقا. وقال تعالى وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [الآية ٣٢] ثم قال في الآية نفسها: وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ [الآية ٣٤] وإنّما ذكر الرّجلين في المعنى وكان لأحدهما ثمر، فأجزأ ذلك من هذا «١» . وقال تعالى كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [الآية ٣٣] بجعل الفعل واحدا، على اللفظ، لا على المعنى. وقال تعالى وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الآية ٥٩] يعني: أهلها كما قال وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أجري اللفظ على القوم وأجري اللفظ في «القرية» عليها، الى قوله تعالى الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢] وقال سبحانه أَهْلَكْناهُمْ [الآية ٥٩] ولم يقل «أهلكناها» حمله على القوم، كما قال «وجاءت تميم» وجعل الفعل ل «بني تميم» ولم يجعله ل «تميم» ولو فعل ذلك لقال: «جاء تميم» وهذا لا يحسن في نحو هذا، لأنه قد أراد غير تميم في نحو هذا الموضوع، فجعله اسما، ولم يحتمل إذا اعتل ان يحذف ما قبله كله، يعني التاء من «جاءت» مع «بني» وترك الفعل على ما كان، ليدل على أنه قد حذف شيئا قبل «تميم» . وقال لا أَبْرَحُ [الآية ٦٠] أي: لا أزال. قال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الخامس والأربعون بعد المائتين] : وما برحوا حتّى تهادت نساؤهم ... ببطحاء ذي قار عياب اللّطائم

стр. 1265

أي: ما زالوا. وأمّا قوله تعالى فَخَشِينا [الآية ٨٠] فمعناه: كرهنا، لأنّ الله ﷻ لا يخشى «١» . وفي قوله تعالى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الآية ٩٤] جعل الألف من الأصل، وجعل «يأجوج» من «يفعول» و «مأجوج» من «مفعول» » . وفي قوله تعالى ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الآية ٩٥] رفع خَيْرٌ لأن ما مَكَّنِّي اسم مستأنف. وقوله تعالى فَمَا اسْطاعُوا [الآية ٩٧] من «اسطاع» «يسطيع» أي «استطاع» «يستطيع» وهي لغة عند العرب «٣» . وفي قوله تعالى أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي [الآية ١٠٢] جعلت «أن» التي تعمل في الأفعال، فاستغني بها، كما في قوله سبحانه إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما [البقرة: ٢٣٠] أو ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ [الآية ٣٥] استغني هاهنا بمفعول واحد، لأنّ معنى ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ: ما أظنها أن تبيد. وقال تعالى: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) ف «النزل» من نزول بعض الناس على بعض «٤» . أمّا «النزل» ف «الريع» تقول: «ما لطعامهم نزل» و «ما وجدنا عندهم نزلا» . وقال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي [الآية ١٠٩] أي «مداد يكتب به» لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) كأن المعنى: «مدد لكم» وقال بعضهم أي: جئنا بمثله مدادا تكتب به. ويعني بالمداد، أنه مدد للمداد يمدّ به ليكون معه.

стр. 1266

وقال تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) وذلك نحو قولهم: «بئس في الدّار رجلا» . وفي قوله تعالى حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ [الآية ٧٤] قيل فَقَتَلَهُ لأن اللّقاء كان علّة للقتل. وفي قوله تعالى: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الآية ٩٨] أي: هذا الرّدم رحمة من ربي.

стр. 1267

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الكهف» «١» إن قيل: قوله تعالى: قَيِّماً [الآية ٢] يعني مستقيما، وقوله وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) مغن عن قوله قَيِّماً لأنه متى انتفى العوج ثبتت الاستقامة، لأنّ العوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد به هنا نفي الاختلاف والتناقض في معانيه، وأنه لا يخرج منه شيء عن الصواب والحكمة. وقيل في الآية تقديم وتأخير، تقديره: «الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا» . قلنا: قال الفراء: معنى قوله تعالى قَيِّماً قائما على الكتاب السماوية كلها، مصدّقا لها، شاهدا بصحّتها، ناسخا لبعض شرائعها. فعلى هذا لا تكرار فيه. وعلى القول المشهور، يكون الجمع بينهما للتأكيد سواء أقدّر «قيّما» مقدّما أو أقر في مرتبته، ونصب بفعل مضمر تقديره: ولكن جعله قيّما. ولا بد من هذا الإضمار، أو من التقديم والتأخير، وإلّا صار المعنى: ولم يجعل له عوجا مستقيما، والعوج لا يكون مستقيما. فإن قيل: اتّخاذ الله تعالى ولدا محال، فلم قال سبحانه: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [الآية ٥] ؟ وإنما يستقيم أن يقال فلان ماله علم بكذا، إذا كان ذلك الشيء ممّا يعلمه غيره أو ممّا يصحّ أن يعلم، كقولنا زيد ما له علم بالعربية أو بالحساب أو بالشعر، ونحو ذلك. قلنا: معناه ما لهم به من علم، لأنه ليس ممّا يعلم لاستحالته، وهذا لأنّ

стр. 1268

انتفاء العلم بالشيء تارة يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وتارة يكون لاستحالة العلم به، لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلّق العلم به. وما نحن فيه من هذا القبيل. فإن قيل: لم قال تعالى ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) وهو أعلم بذلك في الأزل؟ قلنا: معناه لنعلم ذلك علم المشاهدة، كما علمناه علم الغيب. فإن قيل: لم قال تعالى فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ [الآية ١٩] ولم يقل «واحدكم» ؟ قلنا: لأنه أراد فردا منهم أيّهم كان، ولو قال «واحدكم» لدلّ على بعث رئيسهم ومقدّمهم، فإن العرب تقول: رأيت أحد القوم: أي فردا منهم، ولا تقول: رأيت واحدا لقوم إلا إذا أرادت المقدّم المعظّم. فإن قيل: لم جيء بسين الاستقبال في الفعل الأول دون الآخرين في قوله تعالى سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ [الآية ٢٢] . قلنا: أريد دخول الفعلين الآخرين في حكم الأوّل بمقتضى العطف، فاقتصر على ذكر السين في الأول إيجازا، كما يقال: زيد قد يخرج ويركب، أي وقد يركب. فإن قيل: لم دخلت الواو في الجملة الثالثة دون الأوليين، وفي قوله تعالى: وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الآية ٢٢] . قلنا: قال بعض المفسّرين: هي واو الثمانية، وقد ذكرنا مثلها في آخر سورة التوبة. وقال الزجّاج: دخول هذه الواو وخروجها سواء في صفة النكرة، وجاء القرآن بهما. وقال غيره: الواو مرادة في الجملتين الأوليين، وإنما حذفت فيهما تخفيفا، وأتي بها في الجملة الثالثة دلالة على إرادتها فيهما ويردّ على هذا القول: أنه لو كان كذلك لكانت مذكورة في الجملة الأولى، محذوفة في الجملة الثانية والثالثة، ليدل ذكرها أوّلا على حذفها بعد ذلك كما سبق في سين الاستقبال. وقال الزمخشري وغيره: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الصفة الواقعة حالا من المعرفة، تقول: جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف، ومنه قوله تعالى وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) [الحجر] ، وفائدتها توكيد اتصال الصفة بالموصوف، والدلالة على أنّ اتّصافه

стр. 1269

بها أمر ثابت مستقر وهذه الواو هي التي أذنت بأن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم، قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم، والدليل عليه أن الله تعالى أتبع القولين الأولين قوله رَجْماً بِالْغَيْبِ [الآية ٢٢] وأتبع القول الثالث قوله سبحانه ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الآية ٢٢] . وقال ابن عباس: وقعت الواو لقطع العدد: أي لم يبق بعدها عدد يلتفت إليه، ويثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والبتات. وقال الثعلبي: هذه واو الحكم والتحقيق، كأنّ الله تعالى حكى اختلافهم، فتمّ الكلام عند قوله سبعة، ثم حكى بأنّ ثامنهم كلبهم باستئنافه الكلام، فحقّق ثبوت العدد الأخير لأن الثامن لا يكون إلا بعد السبعة، فعلى هذا يكون قوله وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الآية ٢٢] من كلام الله تعالى حقيقة أو تقديرا. ويردّ على هذا، أن قوله تعالى بعد هذه الواو: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ [الآية ٢٢] وقوله تعالى: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الآية ٢٢] يدل على بقاء الإبهام وعدم زوال اللبس بهذه الواو. فإن قيل: لم قال تعالى: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [الآية ٢٧] وقال في موضع آخر وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [النحل: ١٠١] ويلزم من تبديل الآية بالآية، تبديل الكلمات فكيف الجمع بينهما؟ قلنا: معنى الأول لا مغيّر للقرآن من البشر، وهو جواب لقولهم للنبي (ص) : ائت بقرآن غير هذا أو بدّله. الثاني: أنّ معناه لا خلف لمواعيده ولا مغيّر لحكمه، ومعنى الثاني النسخ والتبديل من الله تعالى فلا تنافي بينهما. فإن قيل: قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الآية ٢٩] إباحة وإطلاق للكفر؟ قلنا: قال ابن عبّاس ﵄: معناه: فمن شاء ربكم فليؤمن ومن شاء ربكم فليكفر، يعني لا إيمان ولا كفر إلّا بمشيئته. الثاني: أنّه تهديد ووعيد. الثالث: أنّ معناه لا تنفعون الله بإيمانكم ولا تضرّونه بكفركم، فهو إظهار للغنى، لا إطلاق للكفر. فإن قيل: لبس الأساور في الدنيا عيب للرجال، ولهذا لا يلبسها من يلبس الذهب والحرير من الرجال، فكيف وعدها الله سبحانه المؤمنين في

стр. 1270

الجنة، في قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الآية ٣١] ؟ قلنا: كانت عادة ملوك الفرس والروم لبس الأساور والتيجان مخصوصين بها دون من عداهم، فلذلك وعدها الله تعالى المؤمنين لأنهم ملوك الاخرة. فإن قيل: لم أفرد لفظ الجنة بعد التثنية، في قوله تعالى: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ [الآية ٣٥] ؟ قلنا: أفردها ليدل على الحصر، معناه: ودخل ما هو جنته، لا جنة له غيرها ولا نصيب له في الجنة التي وعد المتقون، بل ما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد جنّة معينة منهما، بل جنس ما كان له. فإن قيل: لم قال الأخ المؤمن لأخيه، كما ورد في التنزيل لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وهذا تعريض بأنّ أخاه مشرك، وليس في كلام أخيه ما يقتضي الشّرك، بل الكفر، وهو قوله، كما ورد في القرآن ذلك حكاية عنه وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً [الآية ٣٦] ؟ قلنا: إشراك أخيه الذي عرض له به، هو اعتقاده أنّ زكاة جنّته ونماءها بحوله وقوّته، ولهذا قال له، كما ورد في التنزيل: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الآية ٣٩] ولهذا قال هو أيضا لمّا أصبح يقلّب كفيه على ما أنفق فيها، وهي خاوية على عروشها، كما ورد في القرآن: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) فاعترف بالشرك. فإن قيل: ما الحكمة في إيراد «أنا» في قوله تعالى: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ [الآية ٣٩] ؟ قلنا: «أنا» في مثل هذا الموضع تفيد حصر الخبر في المخبر عنه، ومنه قوله تعالى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: ١٢] وقوله ﷻ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ [طه: ١٤] ونظائره كثيرة. فإن قيل: ما معنى قوله تعالى وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الآية ٤٣] وكذلك ما أشبهه مما جاء في القرآن العزيز وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) [مريم] ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) [العنكبوت] الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ [العنكبوت: ٤١] ، وكيف تحقيق معناه؟

стр. 1271

قلنا: «دون» يستعمل في كلام العرب بمعنى «غير» كقولهم لفلان: مال دون هذا، ومن دون هذا: أي غير هذا. ونظيره قوله تعالى وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ [المؤمنون: ٦٣] أي من غيره، وتستعمل أيضا بمعنى «قبل» كقولهم: المدينة دون مكّة: أي قبلها، ومن دونه خرط القتاد. ولا أقوم من مجلسي دون أن تجيء، ولا أفارقك دون أن تعطيني حقي، وما أعلم أنها جاءت في القرآن العزيز بمعنى «قبل» بل بمعنى «غير» فقط؟ فإن قيل: لم قال تعالى هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الآية ٤٤] يعني في يوم الاخرة أو في يوم القيامة، والولاية بكسر الواو السلطان والملك، وبفتح الواو التولّي والنصرة، وكل ذلك لله تعالى في الدنيا والاخرة يعزّ من يشاء ويخذل من يشاء، وينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، وبتولّى من يشاء بحراسته وحفظه، فما الحكمة في تخصيص يوم القيامة؟ قلنا: الحكمة فيه أن الدعاوى المجازية كثيرة في الدنيا ويوم القيامة تنقطع كلّها، ويسلم الملك لله تعالى عن كل منازع، وقد سبق نظير هذا السؤال في سورة الأنعام في قوله تعالى قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [الأنعام: ٧٣] . فإن قيل: لم قال تعالى هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤) أي عاقبة، وغير الله تعالى لا يثيب ليكون الله خيرا منه ثوابا؟ قلنا: هذا على الفرض والتقدير، معناه: لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل، ولكانت طاعته أحمد عاقبة وخيرا من طاعة غيره. فإن قيل: لم قال الله تعالى وَحَشَرْناهُمْ [الآية ٤٧] بلفظ الماضي وما قبله مضارعان، وهو قوله تعالى وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [الآية ٤٧] أي لا شيء عليها يسترها كما كان في الدنيا؟ قلنا: للدلالة على أن حشرهم كان قبل التسيير، وقبل البروز، ليعاينوا تلك الأهوال والعظائم كأنّ المعنى: وحشرناهم قبل ذلك. فإن قيل: لم قال تعالى مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الآية ٤٩] مع أنه أخبر أن الصغائر تكفّر باجتناب الكبائر، بقوله

стр. 1272

تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ( [النساء: ٣١] . قلنا: الآية الأولى في حق الكافرين، بدليل قوله تعالى: فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ [الآية ٤٩] والمراد بهم هنا الكافرون، كذا قال مجاهد، وقال غيره: كل مجرم في القرآن. فالمراد به الكافر والآية الثانية، المراد بها المؤمنون لأن اجتناب الكبائر لا يكون متحقّقا مع وجود الكفر. الثاني: لو ثبت أن المراد بالمجرم مطلق المذنب، لم يلزم التناقض، لجواز أن تكتب الصغائر ليشاهدها العبد يوم القيامة، ثم تكفّر عنه، فيعلم قدر نعمة العفو، فإن أكثر ذنوب العبد ينساها، خصوصا الصغائر. فإن قيل: قوله تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [الآية ٥٠] يدلّ على أنه من الجن، وقوله تعالى في موضع آخر وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [الآية ٥٠] يدلّ على أنه من الملائكة، فكيف الجمع بينهما؟ قلنا: فيه قولان: أحدهما أنه من الجنّ حقيقة، عملا بظاهر هذه الآية، ولأن له ذرية قال تعالى أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [الآية ٥٠] والملائكة لا ذرّيّة لهم، ولأنه أكفر الكفرة وأفسق الفسقة، والملائكة معصومون عن الكبائر لأنهم رسل الله، وعن المعاصي مطلقا، لأنهم عقول مجردة بغير شهوة، ولا معصية إلّا عن شهوة ويؤيّده قوله تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) [التحريم] . وقال تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) [الأنبياء] ، وفي قوله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ يعني الملائكة فكيف يكون إبليس منهم ويؤمر بالسجود فيمتنع، فعلى هذا يكون استثناؤه من الملائكة استثناء من غير الجنس أو يكون استثناء من جنس المأمورين بالسجود، لا من جنس الملائكة، ويكون التقدير: وإذ قلنا للملائكة وإبليس اسجدوا لآدم فسجدوا إلّا إبليس كما تقول: أمرت إخوتي وعبدي بكذا، فأطاعوني إلا عبدي، والعبد ليس من الإخوة ولا داخلا فيهم إلّا من حيث شمله الأمر بالفعل معهم، فهذا كذلك. القول الثاني: أنه كان من الملائكة قبل أن

стр. 1273

يعصي الله تعالى، فلمّا عصاه مسخه شيطانا. روي عن ابن عبّاس ﵄، فيكون معنى قوله تعالى كانَ مِنَ الْجِنِّ [الآية ٥٠] لمخالفته، فتكون «كان» بمعنى صار. وقيل معناه: أنه كان من الجن في سابق علم الله تعالى وهذان القولان يدلّان على أنه كان من الملائكة قبل المعصية. وروي عنه أيضا أنه كان من خزّان الجنة، وهم جماعة من الملائكة يسمّون الجن فعلى هذا يكون قوله تعالى مِنَ الْجِنِّ أي من الملائكة الذين هم خزّان الجنة فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الآية ٥٠] بمخالفته فيكون استثناء من الجنس. وقال الزمخشري في سورة البقرة في قوله تعالى فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: ٣٤] : وهو استثناء متصل، لأنه كان جنّيّا واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم، فغلّبوا عليه في قوله فَسَجَدُوا. قلت: وفي هذا التعليل نظر، ثم قال بعده: ويجوز أن يجعل منقطعا. فإن قيل: لم قال تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [الآية ٥٠] والأولياء: الأصدقاء والأحباب وهم ضد الأعداء، ويؤيّده قوله تعالى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الآية ٥٠] وليس من الناس أحد يحب إبليس وذريته ويصادقهم؟ قلنا: المراد بالموالاة هنا، إجابة الناس لهم فيما يأمرونهم به من المعاصي، ويوسوسون في صدورهم وطاعتهم إيّاهم فالموالاة مجاز عن هذا، لأنه من لوازمها. فإن قيل: قال تعالى هنا: وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الآية ٥٢] : أي فلم يجب الأصنام المشركين، فنفى عن الأصنام النطق، وقال تعالى في سورة النحل: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) [النحل] يعني فكذّبتهم الأصنام فيما قالوا، فأثبت لهم النطق فكيف الجمع بينهما؟ قلنا: المراد بقوله تعالى نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [الآية ٥٢] أي نادوهم للشفاعة لكم أو لدفع العذاب عنكم، فدعوهم فلم يجيبوهم لذلك، فنفى عنهم النطق بالإجابة إلى الشفاعة ودفع العذاب عنهم. وفي سورة

стр. 1274

النحل، أثبت لهم النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم، فلا تناقض بين المنفي والمثبت. فإن قيل: لم قال تعالى: شُرَكائِيَ وقال في سورة النحل شُرَكاءَهُمْ؟ قلنا: قوله تعالى شُرَكائِيَ معناه: في زعمكم واعتقادكم، ولهذا قال شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ وأخرجه مخرج التهكّم بهم، كما قال المشركون للنبي (ص) وفاقا، لما ورد في التنزيل يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) [الحجر] ، وقوله تعالى شُرَكاءَهُمْ يعني آلهتهم التي جعلوها شركاء، فإضافتها إلى الله تعالى لجعلهم إيّاها شركاء والإضافة تصحّ بأدنى ملابسة لفظية أو معنوية، فصحّت الإضافتان. فإن قيل: لم قال تعالى نَسِيا حُوتَهُما [الآية ٦١] والناسي إنّما كان يوشع وحده، بدليل قوله تعالى فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [الآية ٦٣] أي قصّة الحوت وخبره وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الآية ٦٣] ؟ قلنا: أضيف النسيان إليهما مجازا، والمراد أحدهما. قال الفرّاء: نظيره قوله تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن] وإنما يخرج من الملح لا من العذب وقيل نسي موسى ﵇ تفقّد الحوت ونسي يوشع أن يخبره خبره، وذلك أنه كان حوتا مملوحا في مكتل «١» قد تزوّداه فلما أصابه من ماء عين الحياة رشاش حيي وانسلّ وكان قد ذهب القضاء حاجة، فعزم يوشع أن يخبره بما رأى من أمر الحوت، فلما جاء موسى نسي أن يخبره، ونسي موسى تفقّد الحوت، والسؤال عنه. فإن قيل: هذا التفسير يدلّ على أن النسيان من يوشع، أو منهما، كان بعد حياة الحوت وذهابه في البحر، وظاهر الآية يدل على أن النسيان كان سابقا على ذهابه في البحر، متّصلا ببلوغ مجمع البحرين، لقوله تعالى فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) . قلنا: في الآية تقديم وتأخير تقديره:

стр. 1275

فلما بلغا مجمع بينهما اتخذ الحوت سبيله في البحر سربا، فنسيا حوتهما. فإن قيل: كيف نسي يوشع مثل هذه الأعجوبة العظيمة قي مدة يسيرة بل في لحظة، واستمر به النسيان يومه ذلك وليلته إلى وقت الغداء من اليوم الثاني، ومثل ذلك لا ينسى مع تطاول الزمان كيف كان ذلك، وقد كان الله تعالى جعل فقدان الحوت علامة لهما على وجدان الخضر (ع) ، على ما نقل أن موسى (ع) سأل الله تعالى علامة على موضع وجدانه، فأوحى إليه أن خذ معك حوتا في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ؟ قلنا: سبب نسيانه أنه كان قد اعتاد مشاهدة المعجزات من موسى (ع) واستأنس بها فكان إلفه لمثلها من خوارق العادات، سببا لقلة اهتمامه بتلك الأعجوبة، وعدم اكتراثه بها. فإن قيل: لم قال تعالى حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها [الآية ٧١] بغير فاء وحَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ [الآية ٧٤] بالفاء؟ قلنا: جعل خرقها جزاء للشرط فلم يحتج إلى الفاء كقولك إذا ركب زيد الفرس عقره، وجعل قتل الغلام من جملة الشرط فعطفه عليه بالفاء. فإن قيل: لم خولف بين القصّتين؟ قلنا: لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقتل الغلام تعقّب لقاءه. فإن قيل: لم قال الله تعالى في قصّة الغلام لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) وفي قصة السفينة لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) ؟ قلنا: قيل «إمرا» معناه «نكرا» ، فعلى هذا لا فرق في المعنى. لأن الإمر والنّكر بمعنى واحد. وقيل الإمر العجب أو الداهية وخرق السفينة كان أعظم من قتل نفس واحدة، لأن في الأول هلاك كثيرين. وقيل النّكر أعظم من الإمر فمعناه: جئت شيئا أنكر من الأول، لأن ذلك كان يمكن تداركه بالسدّ، وهذا لا يمكن تداركه. فإن قيل: لم قال تعالى في قصة السفينة أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ [الآية ٧٢] وفي قصة الغلام أَلَمْ أَقُلْ لَكَ [الآية ٧٥] ؟ قلنا: لقصد زيادة المواجهة بالعتاب على رفض الوصيّة مرّة ثانية، والتنبيه على تكرّر ترك الصبر والثبات. فإن قيل: ما الحكمة في إعادة ذكر

стр. 1276

الأهل، في قوله تعالى اسْتَطْعَما أَهْلَها [الآية ٧٧] بعد أن سبق ذكر الأهل مرّة؟ قلنا: الحكمة فيه، فائدته في إعادة التأكيد. فإن قيل: لم قال تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الآية ٧٧] نسب الإرادة إلى الجماد وهي من صفات من يعقل؟ قلنا: هذا مجاز بطريق المشاهدة، لأنّ الجدار بعد مشارفته ومداناته للانقضاض والسقوط شابه من يعقل، وفي تهيّئه للسقوط فظهر منه هيئة السقوط كما تظهر ممّن يعقل ويريد، فنسبت إليه الإرادة مجازا بطريق المشابهة في الصورة، وقد أضافت العرب أفعال العقلاء إلى ما لا يعقل مجازا قال الشاعر: يريد الرّمح صدر أبي براء ويعدل عن دماء بني عقيل وقال حسّان: إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل لزمان يهمّ بالإحسان ومن أمثالهم «تمرّد مارد وعزّ الأبلق» ومنه قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [الأعراف: ١٥٤] وقوله جلّ شأنه فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [محمد: ٢١] وقوله جلّ شأنه قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) [فصلت] ونظائره كثيرة. فإن قيل: لأي سبب لم يفارقه الخضر (ع) عند الاعتراض الأوّل والثاني، وفارقه عند الثالث؟ قلنا لوجهين: أحدهما أن موسى (ع) شرط على الخضر (ع) ترك مصاحبته على تقدير وجود الاعتراض الثالث، وقد وجد، فكان راضيا به. الثاني، أنّ اعتراض موسى (ع) في المرة الأولى والثانية كان تورّعا وصلابة في الدين واعتراضه في المرة الثالثة لم يكن كذلك. فإن قيل: قوله تعالى فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [الآية ٧٩] علّته خوف الغصب، فكان حقّه أن يتأخّر عن علّته، فلم قدّم عليها؟ قلنا: هو متأخّر عنه، لأن علة تعييبها أو علّة إرادته تعييبها خوف الغصب وخوف الغصب سابق، لأنه الحامل للخضر (ع) على ما فعله. فإن قيل: الشمس في السماء

стр. 1277

الرابعة، وهي بقدر كرة الأرض مائة وستين مرة، وقيل مائة وخمسين، وقيل مائة وعشرين، فكيف تسعها عين في الأرض، حتى أخبر الله تعالى عن ذي القرنين، أنه وجدها تغرب في عين حمئة؟ قلنا: المراد بقوله تعالى وجدها: أي في زعمه وظنّه كما يرى راكب البحر إذا لجّج فيه، وغابت عنه الأطراف والسواحل، أن الشمس تطلع من البحر، وتغرب فيه فذو القرنين انتهى إلى آخر البنيان في جهة المغرب فوجد عينا حمئة واسعة، عظيمة فظنّ أنّ الشمس تغرب فيها. فإن قيل: ذو القرنين كان نبيّا أو تقيّا حكيما على اختلاف القولين، فكيف خفي عليه هذا، حتى وقع في الظنّ المستحيل الذي لا يقبله العقل؟ قلنا: الأنبياء والأولياء والحكماء ليسوا معصومين عن ظنّ الغلط أو الخطأ، وإن كانوا معصومين عن الكبائر. ألا ترى إلى ظن موسى (ع) فيما أنكره على الخضر (ع) في القضايا الثلاث وظنّه أنه يرى الله تعالى في الدنيا وهو من كبار الأنبياء، وكذلك يونس (ع) على ما أخبر الله تعالى عنه، بقوله: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] وكان الواقع بخلاف ظنّه. الثاني: أن الله تعالى قادر على تصغير جرم الشمس، وتوسيع العين الحمئة وكرة الأرض، بحيث تسع عين الماء عين الشمس فلم لا يجوز أن يكون قد وقع ذلك ولم نعلم به لقصور علمنا عن الإحاطة بذلك؟ فإن قيل: قوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) يدل على أنه كان نبيّا، لأن الله تعالى خاطبه. قلنا: من قال إنه ليس نبيّا يقول هذا الخطاب له كان بواسطة النبيّ الموجود في زمانه، كما في قوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ وما أشبه. فإن قيل: لم قال الله تعالى في حقّ الكفّار: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) أي فلا ننصب لهم ميزانا، لأنّ الميزان إنّما ينصب لتوزن به الحسنات بمقابلة السيّئات، والكافر لا حسنة له، ولا طاعة، لقوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ

стр. 1278

هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان] وقوله في موضع آخر وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) [القارعة] أي فمسكنه النار، فأثبت له ميزانا. قلنا: معنى قوله تعالى فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) أي لا يكون لهم عندنا قدر ولا خطر لخسّتهم وحقارتهم ولو كان معناه ما ذكر، ثم يكون المراد بقوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) من غلبت سيئاته على حسناته من المؤمنين، فإنه يستكين في النار، ولكن لا يخلد فيها، بل بقدر ما يمحّص عنه ذنوبه فلا تنافي بينهما.

стр. 1279

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الكهف» «١» قوله سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ. وهذه استعارة. لأن حقيقة العوج، أن يكون فيما يصحّ عليه أن ينصاب أو يميل ويضطرب ويستقيم. وهذه من صفات الأجسام، لا من صفات الكلام. فنقول: إنّما وصف القرآن- والله أعلم- بأنه قيّم لا عوج فيه، ذهابا إلى نفي الاختلاف عن معانيه، والتناقض في أوضاعه ومبانيه. وأنه غير ناكب عن المنهاج، ولا مستمرّ على الاعوجاج. وقوله سبحانه: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً (٥) . ووصف الكلمة هاهنا بالكبر استعارة. والمراد أنّ معناها فظيع، وفحواها عظيم. وتقدير الكلام: كبرت الكلمة كلمة. وللنصب هاهنا وجهان: أحدهما أن يكون على تفسير المضمر. مثل قولهم: نعم رجلا زيد، وبئس صاحبا عمرو. والوجه الاخر أن يكون على التمييز في الفعل المنقول، نحو: وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) [الآية ٢٩] ، وتصبّب عرقا. وقوله سبحانه: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) . وهذه استعارة. لأن المراد بالجرز هاهنا الأرض التي لا نبات فيها، وذلك مأخوذ من قولهم:

стр. 1280

ناقة جروز، إذا كانت كثيرة الأكل، لا يكاد لحياها يسكنان من قضم الأعلاف، ونشط «١» الأعشاب. ومن ذلك قولهم: سيف جراز، إذا كان يبري المفاصل، ويقطّ الضرائب. وإنما سمّيت تلك الأرض جرزا، إذ كانت كأنّها تأكل نبتها، فلا تدع منه نابغة، ولا تترك طالعة. ونظير ذلك قولهم: أرض جدّاء: لا ماء فيها. تشبيها بالناقة التي لا لبن فيها، وهي الجدّاء «٢» . وقوله سبحانه: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) . وهذه استعارة. لأن المراد بها منع آذانهم من استماع الأصوات، وهمس الحركات. قال بعضهم: وذلك كالضّرب على الكتاب لتشكّل حروفه، فتمتنع على القارئ قراءته. وإنما دلّ تعالى على عدم الإحساس بالضّرب على الآذان، دون الضرب على الأبصار، لأن ذلك أبلغ في الغرض المقصود، من حيث كانت الأبصار قد يضرب عليها من غير عمى، ولا يبطل إدراك بقية الحواس جملة، وذلك عند تغميض الإنسان عينيه. وليس كذلك منع الاستماع من غير صمم، لأنه إذا ضرب عليها من غير صمم، بالنوم الذي هو السهو على صفة، دل ذلك على عدم الإحساس من كل جارحة يصحّ بها الإدراك. ولأنّ الأذن، لمّا كانت طريقا إلى الأنباء ثم ضرب عليها، لم يكن سبيل إلى الانتباه، فبطل استماعهم. وفي هذا القول بعض التخليط. والذي أذهب اليه في ذلك، هو أن يكون المراد بقوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ والله أعلم، أي أخذنا أسماعهم. ويكون ذلك من قول القائل: قد ضرب فلان على مالي. أي أخذه وحال بيني وبينه، فأما تشبيه ذلك بالضرب على الكتاب حتى تشكل حروفه على المتأمّل، ففيه بعد وتعسّف. وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك: وضربناهم على آذانهم، من الضرب الحقيقي، تشبيها بمن ضرب

стр. 1281

على سماخه «١» ، فهو موقوذ «٢» مأموم «٣» ، ومشدوه «٤» مغمور. وقوله سبحانه: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ١٤] . وهذه استعارة: لأنّ الربط هو الشدّ. يقال: ربطت الأسير. إذا شددته بالحبل والقدّ «٥» . والمراد بذلك: شددنا على قلوبهم كما تشدّ الأوعية بالأوكية «٦» ، فتنضمّ على مكنونها، ويؤمن التبدّد على ما استودع فيها. أي فشددنا على قلوبهم لئلا تنحلّ معاقد صبرها وتهفو عزائم جلدها. ومن ذلك قول القائل لصاحبه: ربط الله على قلبك بالصبر. وقوله سبحانه: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) . وفي هذه الآية استعارتان: إحداهما قوله تعالى: يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ والرحمة هاهنا بمعنى النعمة. ولم يكن هناك مطويّ فينشر، ولا مكنون فيظهر. وإنّما المراد بذلك: يسبغ الله عليكم نعمته، على وجه الظهور والشّيوع، دون الإخفاء والإسرار. فيكون ذلك كنشر الثوب المطويّ وإظهار الشيء الخفي، في شيوع الأمر، وانتشار الذكر. والاستعارة الأخرى قوله تعالى: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) . وأصل المرفق ما ارتفق به. وهو مأخوذ من المرفقة. وهي التي يرتفق عليها، أي يعتمد عليها بالمرفق. ويقال مرفق، ومرفق بمعنى واحد. وقد قرئ بهما جميعا بمعنى واحد. فكأنّ السّياق: يهيئ لكم من أمركم ما تعتمدون عليه وتستندون إليه، ويكون لظهوركم عمادا، ولأعضادكم سنادا. وقوله سبحانه: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ [الآية ١٧] . وفي هذه الآية

стр. 1282

استعارتان: أولاهما قوله تعالى في ذكر الشمس: تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ لأنّ التزاور أصله الميل، وهو مأخوذ من الزّور، وهو الصدر. فكأنه سبحانه قال: إن الشمس تميل عن هذا الموضع، كما يميل المتزاور عن الشيء بصدره ووجهه. والاستعارة الأخرى قوله تعالى: وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ. وفي ذلك قولان: أحدهما أن يكون المراد أنها تقرضهم في ذات الشمال، أي أنها تجوزهم عادلة بمطرح شعاعها عنهم. من قولهم: قرضت الشيء بالمقراض إذا قطعته به. والمقراض متجاوز لأجزائه أوّلا حتى ينتهي إلى آخره. والقول الثاني: أن يكون المراد أنها تعطيهم القليل من شعاعها عند مرّها بهم، ثم تسترجعه عند انصرافها عنهم تشبيها بقرض المال الذي يعطيه المعطي ليستردّه، ويقدمه ليرتجعه. ومعنى قرض المال أيضا مأخوذ من القطع، لأن المقرض يعطي للمقترض شقة من ماله، وقطعة من حاله. وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [الآية ٢١] . وهذه استعارة. والمراد- والله أعلم- وكذلك أطلعنا عليهم. إلا أن في لفظ الإعثار فائدة، وهي مصادفة الشيء عن غير طلب له، ولا إحساس به، وهو «أفعلنا» من الإعثار. وأصله أن الساعي في طريقه إذا صدّ قدمه، أو نكب إصبعه شيء، ففي الأغلب أنه يقف عليه متأمّلا له، وناظرا إليه. فكأنّه استفاد علم ذلك من غير أن تتقدم معرفته به. ومن ذلك قول القائل لغيره: لأعثرنّ عليك بخطيئة فأعاقبك. أي لأقفنّ على ذلك منك. وعلى هذا قوله سبحانه: فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً [المائدة: ١٠٧] . أي اطّلع على ذلك منهما، واستفيد العلم به من باطن أمرهما. وقوله سبحانه: وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ [الآية ٢٢] . وهذه استعارة لأنّ الرّجم هاهنا هو القذف بالظّنّ، والقول بغير علم. ومن عادة العرب أن تسمي القائل بالظّنّ راجما وقاذفا، و. تسمي السّابّ الشاتم، راميا راجما. ويقولون: هذا الأمر غيب مرجّم. أي يرمي الناس بظنونهم، ويقدرونه بحسابهم.

стр. 1283

ومرجّم إنما جاء لتكثير العمل، كأنه يرمي من هاهنا، ومن هاهنا. وإنما سمّي الظّانّ راجما، لأنه يوجّه الظّنّ إلى غير جهة مطلوبة، بل يظنّ هذا، ويظنّ هذا، كالراجم الذي لا يعلم مواقع أحجاره إذا رمى بها في الجهات. فتارة تقع يمينا، وتارة تقع شمالا. وقوله سبحانه: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) وهذه استعارة. على أحد التأويلات في هذه الآية. وهو أن يكون المراد بذلك: أننا تركنا قلبه غفلا من السّمات التي تتّسم بها قلوب المؤمنين، فتدلّ على زكاء أعمالهم، وصلاح أحوالهم. كقوله سبحانه: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢] وذلك تشبيه بالبعير إذا أغفل فترك بلا سمة يعرف بها، على عادة العرب في إقامة السّمات مقام العلامات المميّزة بين أموالهم، في الموارد والمراعي، وتعريف الضوالّ. وفي هذه الآية أقوال أخر، والقول الذي قدمناه أدخلها في باب الاستعارة. منها أن معنى أَغْفَلْنا قَلْبَهُ أي نسبناه الى الغفلة كقول القائل: أكفرت فلانا، إذا نسبته إلى الكفر، وأبخلته إذا نسبته إلى البخل. ومنها أن يكون المراد: سمّيناه غافلا، بتعرّضه للغفلة، فكأن المعنى: حكمنا عليه بأنه غافل. كما يقول القائل: قد حكمت على فلان بأنه جاهل. أي لمّا ظهر الجهل منه، وجب هذا القول فيه. ومنها أن يكون ذلك من باب المصادفة. فيكون المعنى: صادفنا قلبه غافلا. كقول القائل أحمدت فلانا، أي وجدته محمودا. وذلك يؤول إلى معنى العلم. فكأنّه تعالى قال: علمناه غافلا. وعلى هذا قول عمرو بن معد يكرب «١»

стр. 1284

لبني سليم: (لله درّكم يا بني سليم! والله لقد قاتلناكم فما أجبنّاكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم، وسألناكم فما أبخلناكم) أي لم نصادفكم على هذه الصفات، من الجبن عند النزال، والبخل عند السؤال، والعيّ عند المقال «١» . وعلى ذلك قول نافع «٢» بن خليفة الغنويّ: سألنا فأحمدنا ابن كلّ مرزّأ جواد وأبخلنا ابن كلّ بخيل أي وجدنا هذا محمودا، ووجدنا هذا بخيلا مذموما. وفيما علقته عن قاضي القضاة أبي الحسين عبد الجبّار «٣» بن أحمد- أدام الله توفيقه- عند قراءتي عليه كتابه الموسوم «بتقريب الأصول» في أخريات من الكلام في التعديل والتحوير، أنه لو لم يكن الأمر على ما قلناه في إغفال القلب، من أنّ المراد بذلك مصادفته غافلا وكان على ما قاله الخصوم، من أنه تعالى صدف به عن أمره، وصرفه عن ذكره، لوجب أن يقول سبحانه: «فاتّبع هواه» . لقول القائل: أعطيته فأخذ، وبسطته فانبسط، وأكرهته فأذلّ. أي كانت هذه الأفعال منه مسببة عن أفعالي به. لأن هذا وجه الكلام في الأغلب الأعرف. فلما جاء بالواو صار كأنه قال: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا، واتّبع هواه. لأنه إذا وجد غافلا فهو الذي غفل، والفعل حينئذ له، ومنسوب إليه. وقوله سبحانه: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) .

стр. 1285

وفي هذه الآية استعارتان: أولاهما قوله تعالى: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها والسرداق هو الفسطاط المحيط به. فوصف- سبحانه- النار بالإحاطة والاشتمال فلا ينجو منها ناج، ولا يطلق منها عان. وذلك كقوله تعالى: وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) [الإسراء] أي حبسا تحصرهم، وطولا تقصرهم، ومثل قوله سبحانه أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها قوله: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) [الهمزة] والمؤصدة: المغلقة المطبقة. من قولهم أوصدت الباب وأصّدته «١» . إذا أغلقته وأطبقته. وقرئ: عمد وعمد. والمراد بقوله سبحانه: فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) مثل المراد في قوله: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها تشبيها بتمديد الأخبية والسرادقات بالأطناب، وإقامتها على الأعماد. والاستعارة الأخرى قوله تعالى: وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) والمرفق: المتّكأ، وهو ما يعتمد عليه بالمرفق، ومنه المرفقة وهي المخدّة. وذلك نظير قوله سبحانه: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) [الرعد: ١٨] «٢» فلما جاء سبحانه بذكر السرادق جاء بذكر المرافق، ليتشابه الكلام. وروي عن بعضهم أنه قال: معنى مرتفقا، أي مجتمعا، كأنه ذهب إلى معنى: وساءت مرافقه. والمرافقة لا تكون إلا بالاجتماع جماعة. وهذا القول يخرج الكلام عن حدّ الاستعارة، فيدخله في باب الحقيقة. والوجه الأول أقوى. ويشهد له قوله سبحانه: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١) فجاء بذكر الارتفاق لمّا قدّم ذكر الاتكاء. وهذا أوضح مشاهد. وقوله سبحانه: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [الآية ٣٣] . وهذه استعارة. لأن الظلم هاهنا ليس على أصله في اللغة، ولا على عرفه في الشريعة. لأنه في اللغة اسم لوضع

стр. 1286

الشيء في غير موضعه. وفي الشريعة اسم للضرر المفعول، لا على وجه الاستحقاق، ولا فيه استجلاب نفع، ولا دفع ضرر. والمراد بقوله تعالى: وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً أي لم تمنع منه شيئا. وإنما حسن أن يعبّر عن هذا المعنى باسم الظلم، من حيث كان ثمر تلك الجنة التي هي البستان كالمستحقّ لمالكها. فإذا أخذ حقه على كماله وتمامه حسن أن يقال: إنها لم تظلم منه شيئا. أي لم تمنع منه مستحقّا، فتكون في حكم الظالم إذ أضرّت بمالكها في نقصان زروعها، وإخلاف ثمارها. ومما يقوّي ذلك قوله سبحانه: آتَتْ أُكُلَها. أي أعطت أكلها. فلما جاء بلفظ الإعطاء حسن أن يجيء بلفظ الظلم. ومعناه هاهنا المنع. فكأنه تعالى قال: أعطت ما استحقّ عليها، ولم تمنع منه شيئا. وقوله تعالى: وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الآية ٥٦] وهذه استعارة. وأصل الدّحض الزّلق. ومكان دحض: أي مزلق. فكأنه سبحانه قال: ليزلّوا الحقّ بعد ثباته، ويزيلوه عن مستقرّاته. فيكون كالكسير بعد قوته، والمائل بعد استقامته. وقوله سبحانه وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [الآية ٥٧] . وهذه استعارة. لأنّ المراد بذكر اليدين هاهنا ما كسبه الإنسان من العمل الذي يجرّ العقاب، ويوجب النّكال. ومثله في القرآن كثير. كقوله سبحانه: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [آل عمران: ١٨٢] . وذلك على طريقة للعرب معروفة. وهو أن يقولوا للجاني المعاقب: هذا ما جنت يداك. وهذا ما كسبت يداك. وإن لم تكن جنايته عملا بيد، بل كانت قولا بفم. لأن الغالب على أفعال الفاعلين أن يفعلوها بأيديهم، فحمل الأمر على الأعرف، وخرج على الأكثر وعلى هذا المعنى تسمّى النعمة يدا، لأن المنعم في الأغلب يعطي بيده ما ينعم به، وإن لم يقع ذلك في كل حال، وإنما الحكم للأظهر، والقول على الأكثر. وقوله سبحانه: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [الآية ٧٧] وهذه استعارة. لأن الإرادة على حقيقتها لا تصح على الجماد. والمعنى: يكاد أن ينقضّ، أي يقارب أن ينقضّ. على

стр. 1287

التشبيه بحال من يريد أن يفعل في الباني، لأنه لما ظهرت فيه أمارات الانقضاض، من ميل بعد انتصاب، واضطراب بعد ثبات، حسن أن يطلق عليه إرادة الوقوع، على طريق الاتساع. وترد في كلامهم «كاد» بمعنى «أراد» ، «وأراد» بمعنى «كاد» . وجاء في القرآن العظيم قوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ [يوسف: ٧٦] أي أردنا ليوسف. وقوله سبحانه. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [طه: ١٥] معناه- على أحد الأقوال- أريد أخفيها. ومما ورد في أشعارهم شاهدا على ذلك، قول عمر بن أبي ربيعة: كادت وكدت، وتلك خيرا إرادة لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى «١» فقال: وتلك خير إرادة، والإشارة إلى كادت، وكدت. وأوضح من هذا قول الأفوه الأودي «٢» : فإن تجمّع أوتاد وأعمدة وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا أي الذي أرادوا. فأمّا قول الشاعر «٣» : يريد الرّمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل.

стр. 1288

فليس يصح حمله على مقاربة الفعل، كما قلنا في قوله سبحانه: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ لأنه لا يستقيم على الكلام أن يقول: يكاد الرمح صدر أبي براء. وإنما ذلك على سبيل الاستعارة، لأن صاحب الرمح إذا أراد ذلك كان الرّمح كأنه مريد له. فأما قول الراعي يصف الإبل: في مهمه فلقت به هاماتها ... فلق الفؤوس إذا أردن نصولا «١» فإنه بمعنى مقاربة الفعل، لأنّ الفؤوس إذا فلقت في نصبها قاربت أن تسقط، فجعل ذلك كالإرادة منها. والنّصول هاهنا مصدر نصل نصولا، مثل وقع وقوعا. وهذا البيت من أقوى الشواهد على الآية. وقوله سبحانه: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الآية ٩٩] وهذه استعارة. لأنّ أصل الموجان من صفات الماء الكثير وإنما عبّر سبحانه بذلك عن شدة اختلافهم، ودخول بعضهم، في بعض لكثرة أضدادهم، تشبيها بموج البحر المتلاطم، والتفاف الدّبا «٢» المتعاظل. وقوله سبحانه: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الآية ١٠١] . وهذه استعارة. وليس المراد، أن عيونهم على الحقيقة كانت في غطاء يسترها، وحجاز يحجزها. وإنما المعنى: أنّهم كانوا ينظرون فلا يعتبرون، أو تعرض لهم العبر فلا ينظرون. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: عَنْ ذِكْرِي لأن الأعين لا توصف بأنها في غطاء عن ذكر الله تعالى، لأن ذلك من صفات ذوي العيون. وإنما المراد، أنّ أعينهم كانت تذهب صفحا عن مواقع العبر، فلا يفكّرون فيها، ولا يعتبرون بها، فيذكرون الله سبحانه عند إجالة أفكارهم، وتصريف خواطرهم. وهذا من غرائب القرآن وعجائبه، وغوامض هذا الكلام ومناسبه. وقوله سبحانه:

стр. 1289

الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) وهذه استعارة. أصل الضّلال ذهاب القاصد عن سنن طريقه. فكأنّ سعيهم لمّا كان في غير الطريق المؤدّية إلى رضا الله سبحانه، حسن أن يوصف بالضّلال، والعدول عن سنن الرشاد. وقوله سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) . وفي هذه الآية استعارتان إحداهما قوله سبحانه: بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ وتأويل لقائه هاهنا على وجهين: أحدهما أن يكون فيه مضاف محذوف. فكأنه تعالى قال: ولقاء ثوابه وعقابه، أو جنّته وناره. والوجه الاخر أن يكون معنى ذلك رجوعهم إلى دار لا أمر فيها لغير الله سبحانه. فيصيرون إليها، من غير أن يكون لهم عنها محيص، أو دونها محيد. وذلك مأخوذ من مقابلتك الشيء من غير أن تصرف عنه وجهك يمينا ولا شمالا. يقول القائل: لقيت فلانا. أي قابلته بجملتي. وتقول: داري تلقاء دار فلان. أي مقابلتها. فكانت كل واحدة منهما كالمقبلة على الأخرى. فلمّا كان لا أحد يوم القيامة يستطيع انصرافا عن الوجهة التي أمر الله سبحانه بجمع الناس إليها، وحشرهم نحوها، سمّي ذلك لقاء الله سبحانه على السّعة والمجاز. والاستعارة الأخرى قوله سبحانه: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) والمراد بذلك- والله أعلم- أنّا لا نجد لهم أعمالا صالحة تثقل بها موازينهم يوم القيامة. والميزان إذا كان ثقيلا سمّي مستقيما، وقائما. وإذا كان خفيفا سمّي عادلا، ومائلا. وقد يجوز أن يكون معنى ذلك أنهم لا اعتداد بهم، ولا نباهة لذكرهم في يوم القيامة. كما يقال في التحقير للشيء: هذا لا وزن له ولا قيمة. وكما تقول: فلان عندي بالميزان الراجح، إذا كان كريما عليك، أو حبيبا إليك.

стр. 1290

سورة مريم ١٩

стр. 1291

المبحث الأول أهداف سورة «مريم» «١» سورة مريم سورة مكية نزلت بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة وقبل الإسراء. وكانت الهجرة إلى الحبشة في السنة السابعة من البعثة، وكان الإسراء في السنة الحادية عشرة للبعثة، قبل الهجرة إلى المدينة بسنة وشهرين. أي أن سورة مريم نزلت بعد السنة السابعة من البعثة، وقبل السنة الحادية عشرة. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لذكر قصة مريم فيها، وعدد آياتها: ٩٨ آية، وعدد كلماتها: ١١٩٢ كلمة. أهداف السورة الأهداف الأساسية لسورة مريم: تنزيه الله عن الولد والشريك، وإثبات وحدانية الله، والإلمام بقضية البعث القائمة على التوحيد. هذه هي الأهداف الأساسية للسورة. كالشأن في السور المكّية غالبا، والقصص هو مادة هذه السورة. فهي تبدأ بقصّة زكريا ويحيى (ع) ، فقصّة مريم ومولد عيسى (ع) ، فطرف من قصة إبراهيم (ع) مع أبيه.. ثم تعقبها بإشارات إلى النبيّين: إسحاق ويعقوب، وموسى، وهارون، وإسماعيل، وإدريس، وآدم، ونوح ويستغرق هذا القصص حوالى ثلثي السورة، ويستهدف إثبات الوحدانيّة والبعث، ونفي الولد والشريك وبيان منهج المهتدين ومنهج الضالين من أتباع النبيين.

стр. 1292

ومن ثم بعض مشاهد القيامة، وبعض الجدل مع المنكرين للبعث، واستنكار للشّرك ودعوى الولد، وعرض لمصارع المشركين والمكذّبين في الدنيا وفي الاخرة، وكلّه يتناسق مع اتجاه القصص في السورة، ويتجمّع حول محورها الأصيل. «وللسورة كلّها جوّ خاصّ يظلّلها ويشيع فيها ويتمشّى في موضوعاتها» . إنّ سياق هذه السّورة معرض للانفعالات والمشاعر القوية، الانفعالات والمشاعر القوية، الانفعالات في النفس البشرية، وفي «نفس» الكون من حولها. فهذا الكون الذي نتصوّره جمادا لا حسّ له، يعرض في السياق ذا نفس وحسّ ومشاعر وانفعالات، تشارك في رسم الجوّ العامّ للسورة، حيث نرى السماوات والأرض والجبال تغضب وتنفعل، حتى لتكاد تنفطر وتنشقّ وتنهدّ، استنكارا: أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) . «أما الانفعالات في النفس البشرية، فتبدأ مع مفتتح السورة وتنتهي مع ختامها. والقصص الرئيس فيها حافل بهذه الانفعالات في مواقفه العنيفة العميقة، وبخاصة في قصة مريم وميلاد عيسى» (ع) . القصص في سورة مريم القصص في سورة مريم امتداد للقصص في سورة الكهف. فهناك ظهرت قدرة الله البالغة في حفظ أصحاب الكهف وإحيائهم بعد موتهم، وفي إعطاء الرحمة والعلم للخضر ﵇، وفي منح ذي القرنين أسباب الملك والسلطان والسيادة وهنا تظهر رحمة الله وفضله على زكريّا، إذ يمنحه يحيى على كبر وشيخوخة، وتظهر قدرة الله البالغة في خلق عيسى من أم دون أب، ثم نعمته السابغة على الأنبياء والرسل ورعاية الله لهم حتّى يؤدوا رسالتهم. ويظهر ذلك في قصة إبراهيم مع أبيه، وقصة موسى مع قومه، وقصة إسماعيل الصادق الوعد، وقصة إدريس الصّدّيق النبيّ. ذكرت حلقة من هذه القصة في سورة آل عمران، ولكنها في سورة مريم تخالف ما سبق منها في أسلوبها وسياقها، وما فيها من زيادة ونقص. إنّ السّمة الغالبة هنا، سمة الرحمة والرّضا والاتصال، فهي تبدأ بذكر

стр. 1293

رحمة الله لعبده زكريّا، وهو يناجي ربه نجاء خفيا. فتصوّر أحاسيس ذلك الشيخ الهرم ورغبته في الذّرّيّة والولد ودعاءه لله خفية، بعيدا عن زوجته وعن الناس. ثم ترسم لحظة الاستجابة في رعاية وعطف ورضيّ. فالله ينادي عبده من الملأ الأعلى يا زَكَرِيَّا، ويعجّل له البشرى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ. ويغمره بالعطف فيختار له اسم الغلام الذي بشّره به اسْمُهُ يَحْيى [الآية ٧] . وهو اسم فذّ غير مسبوق: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) . وكأنما أفاق زكريّا، من غمرة الرغبة وحرارة الرجاء، على هذه الاستجابة القريبة للدعاء، فإذا هو يواجه الواقع: إنه رجل شيخ، بلغ من الكبر عتيّا، ووهن عظمه واشتعل شيبه، وامرأته عاقر لم تلد في فتوّته وصباه: فكيف سيكون له غلام؟ قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) . ثم يأتيه الجواب عن سؤاله: بأنّ هذا أمر هيّن يسير أمام قدرة الله، فهو سبحانه الخالق الفعّال لما يريد. وهو سبحانه الذي جعل العاقر لا تلد. وجعل الشيخ الفاني لا ينسل. وهو قادر على إصلاح العاقر، وإزالة سبب العقم، وتجديد قوّة الإخصاب في الرجل، وهو على كلّ شيء قدير. وتمّت ولادة يحيى، وكبر وترعرع، وأحكم الله عقله، وهيّأه لرعاية ميراث أبيه في حزم وعزم ولم يكن هذا الميراث مالا أو عقارا، وإنما كان رسالة الهدى، ودعوة الإيمان وناداه الله سبحانه: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ [الآية ١٢] . والكتاب هو التوراة كتاب بني إسرائيل من بعد موسى (ع) ، وعليه كان يقوم أنبياؤهم، يعملون به ويحكمون. وقد نودي يحيى (ع) ليحمل العبء وينهض بالأمانة في قوة وعزم. لا يضعف ولا يتهاون ولا يتراجع عن تكاليف الوراثة. وقد زود الله يحيى بالحكمة في صباه، ووهبه الحنان والعطف لتأليف القلوب واجتذابها إلى الخير، وآتاه الطهارة والتقوى فكان موصولا بالله،

стр. 1294

عابدا له، مجاهدا في سبيله، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ولا يخشى في الله لومة لائم. حكمة خلق عيسى (ع) انتقلت السورة من قصّة ميلاد يحيى (ع) إلى قصّة ميلاد عيسى (ع) وقد تدرّج السياق من القصة الأولى، ووجه العجب فيها ولادة العاقر من بعلها الشيخ، إلى الثانية، ووجه العجب فيها ولادة العذراء من غير بعل، وهي أعجب وأغرب. وإذا نحن تجاوزنا حادث خلق الإنسان أصلا، وإنشائه على هذه الصورة فإن حادث ولادة عيسى بن مريم يكون أعجب ما شهدته البشرية في تاريخها كله، ويكون حادثا فذّا لا نظير له من قبله ولا من بعده. والبشرية لم تشهد خلق نفسها. وهو الحادث العجيب الضخم في تاريخها. إنها لم تشهد خلق الإنسان الأول من غير أب ولا أم. وقد مضت القرون بعد ذلك الحادث، فشاءت الحكمة الإلهية أن تبرز العجيبة الثانية، في مولد عيسى من غير أب، على غير السّنّة التي جرت منذ وجد الإنسان على هذه الأرض، ليشهدها البشر، ثمّ تظلّ في سجل الحياة الإنسانية بارزة فذّة، تتلفّت إليها الأجيال، إن عزّ عليها أن تتلفّت إلى العجيبة الأولى، التي لم يشهدها إنسان! لقد جرت سنّة الله في امتداد الحياة، بالتناسل من ذكر وأنثى في جميع الفصائل بلا استثناء. حتى المخلوقات التي لا ذكر منها وأنثى، تتجمّع في الفرد الواحد منها خلايا التذكير والتأنيث. جرت هذه السّنّة أحقابا طويلة حتى استقرّ في تصوّر البشر أن هذه هي الطريقة الوحيدة، ونسوا الحادث الأوّل. حادث وجود الإنسان، لأنه خارج عن القياس. فأراد الله سبحانه أن يضرب لهم مثل عيسى بن مريم (ع) ليذكّرهم بحرّيّة القدرة وطلاقة الإرادة، وأنها لا تحتبس داخل النواميس التي تختارها ولم يتكرر حادث عيسى (ع) ، لأن الأصل هو أن تجري السنة التي وضعها الله، وأن ينفذ الناموس الذي اختاره. وهذه الحادثة الواحدة تكفي لتبقى أمام أنظار البشرية معلما بارزا على حرّيّة المشيئة، وعدم احتباسها داخل حدود النواميس:

стр. 1295

وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [الآية ٢١] . ونظرا لغرابة الحادث وضخامته، فقد عزّ على فرق من الناس أن تتصوّره على طبيعته، وأن تدرك الحكمة في إبرازه. فجعلت تضفي على عيسى بن مريم (ع) ، صفات الألوهية، وتعكس الحكمة من خلقه على هذا النحو العجيب، وهي إثبات القدرة الإلهية المطلقة، تعكسها فتشوّه عقيدة التوحيد. والقرآن في هذه السورة، يقصّ كيف وقعت هذه العجيبة ويبرز دلالتها الحقيقية، وينفي تلك الخرافات والأساطير. قصة ميلاد عيسى (ع) وهب الله مريم التقوى واليقين، ورزقها من فضله بغير حساب. وفي يوم مّا اعتكفت مريم كعادتها. وتوارت من أهلها، واحتجبت عن أنظارهم. وبينما هي في خلوتها، مطمئنّة إلى انفرادها، ظهر أمامها رجل مكتمل سويّ الخلقة، فانتفضت انتفاضة العذراء المذعورة يفجأها رجل في خلوتها، فتلجأ إلى الله تستعيذ به، وتستنجد، وتستشير مشاعر التقوى في نفس الرجل، والخوف من الله، والتحرّج من رقابته في هذا المكان الخالي. ولكنّ الرجل السّويّ هدّأ من روعها، وأعاد إليها طمأنينتها، وأخبرها أنه ملاك أرسله الله إليها، لحكمة إلهية، وفضل ربّاني: قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) . وتدرك مريم شجاعة الأنثى المهدّدة في عرضها! فتسأل في صراحة وحجّة: قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) . فهي لم تخالط رجلا في نكاح ولا في سفاح. فأخبرها الملاك، أنّ هذا الحمل سيكون بقدرة الله وحده، وهو أمر هيّن أمام هذه القدرة التي تقول للشيء كن فيكون. وقد أراد الله سبحانه أن يجعل هذا الحادث آية للناس، وعلامة على وجوده وقدرته وحرّيّة إرادته. قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) . ثم مضى الملاك واختفى. وت الحمل بقدرة الله، وجلست مريم حائر

стр. 1296

تفكّر في أمر نفسها، وتخيّلت ما سيقوله الناس عن عذراء تحمل وتلد من غير أن يكون لها بعل وفي حدّة الألم ومرارة الخوف نظرت إلى الطفل في حسرة واكتئاب، وجعلت تتمنّى لو ضمّها القبر وفارقت العالم، قبل أن تصير أمّا من غير أن تتزوّج، فقالت كما ورد في التنزيل: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) . ولكنها ما لبثت أن سمعت صوت وليدها، فبدّد مخاوفها، وكفكف دموعها، وناداها من تحتها كما روى القرآن ذلك، حكاية عنه: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) . أي جدولا يجري ماؤه في تلك البقعة الجرداء، والأرجح أنه جرى للحظته من ينبوع، أو تدفّق من مسيل ماء في الجبل. وهذه النخلة التي تستندين إليها هزّيها فتتساقط عليك رطبا. فهذا طعام وذاك شراب، والطعام الحلو مناسب للنّفساء. والرّطب والتّمر من أجود طعام النّفساء: فَكُلِي وَاشْرَبِي [الآية ٢٦] هنيئا وَقَرِّي عَيْناً [الآية ٢٦] . واطمأني قلبا، لما ترين من قدرة الله التي اخضرّ بها جذع النخلة اليابسة. وطيبي نفسا بما حباك الله من جريان الماء في تلك البقعة المقفرة. واطمأنت مريم إلى فضل الله، وأنّه لن يتركها وحدها، أنّ حجّتها معها، هذا الطفل الذي ينطق في المهد. ورجعت مريم إلى قومها وعشيرتها تحمل ولدها على كتفها، وسرعان ما شاع أمرها، وعرف خبرها. وجاء أقاربها يؤنّبونها بألسنة التقريع والتأنيب، ويلومونها على هذه الفعلة المنكرة، ويذكّرونها بشرف أسرتها وكرم أصلها. والتزمت مريم الصمت، وأشارت إليهم أن كلّموا هذا الوليد، إن أردتم الوقوف على حقيقة الأمر: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) ؟ كيف نكلم وليدا، لم تكتمل أدوات نطقه. ولم تتحرّك شفته إلى ثدي أمّه؟ فانطلق الوليد يجيبهم في بيان وحجّة وبرهان:

стр. 1297

قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) . وهكذا يعلن عيسى (ع) عبوديّته لله سبحانه. فليس هو ابنه كما تقول فرقة، وليس هو إلها كما تقول فرقة، وليس هو ثالث ثلاثة كما تقول فرقة ثالثة ويعلن أن الله جعله نبيّا لا ولدا ولا شريكا، وأن الله أوصاه بالصلاة والزكاة مدّة حياته. أسلوب القرآن نحسّ في كلمات هذه السورة السهولة واليسر، والرضا واللطف، فهي كلمات معبّرة عن معانيها فمعاني السورة تدور حول فضل الله على زكريّا ومريم، وغيرهما من الأصفياء. ويتمثّل الرّضا والسلاسة واليسر في معاني السورة، كما يتمثّل في ألفاظها وفواصلها، وهي: رضيّا، سريّا، حفيّا، نجيّا ... فأمّا المواضع التي تقتضي الشدّة والعنف، فتجيء فيها الفاصلة مشدّدة على حرف الدال في الغالب: مدّا، ضدّا، إدّا، هدّا، أو زايا: عزّا، أزّا، ركزا. ويتنوّع الإيقاع والفاصلة بتنوّع الجو والموضوع في هذه السورة، فهي تبدأ بقصّة زكريّا ويحيى، فتسير الفاصلة والقافية هكذا: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) وتليها قصّة مريم وعيسى فتسير الفاصلة على النظام نفسه: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) وتليها قصّة مريم وعيسى فتسير الفاصلة على النظام نفسه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) . إلى أن ينتهي القصص، ويجيء التعقيب، لتقرير حقيقة عيسى بن مريم، وللفصل في قضية بنوّته، فيختلف نظام الفواصل. تطول الفاصلة وتنتهي بحرف الميم أو النون المستقرّ الساكن، وكأنّما الآيات تعبّر عن حكم بعد نهاية القصّة، مستمدّ منها ولهجة الحكم تقتضي أسلوبا تعبيريّا غير أسلوب الاستعراض، وتقتضي ايقاعا قويّا رصينا، بدل إيقاع القصّة الرضيّ المسترسل، فيقول سبحانه:

стр. 1298

ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) . حتى إذا انتهى التقرير والفصل وعاد السياق إلى القصص، عاد الإيقاع الرّضي المديد: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) . حتّى إذا جاء ذكر المكذّبين، وما ينتظرهم من عذاب وانتقام، تغيّر الإيقاع والجرس: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) . وفي موضع الاستنكار، يشتدّ الجرس والنّغم بتشديد الدّال: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) . وهكذا يسير الإيقاع في السورة وفق المعنى والجو، ويشارك في إبقاء الأسلوب الذي يتناسق مع المعنى في ثنايا السورة، وفق انتقالات السياق من فكرة إلى فكرة، ومن معنى إلى معنى. المعالم الرئيسة في السورة يمكننا أن نلمح ثلاث مجموعات رئيسة في سورة مريم: المجموعة الأولى: تتضمّن قصّة زكريّا ويحيى، وقصّة مريم وعيسى، والتعقيب على هذه القصّة بالفصل في قضيّة عيسى التي كثر فيها الجدل، واختلفت فيها أحزاب اليهود والنصارى. المجموعة الثانية: تتضمّن حلقة من قصّة إبراهيم مع أبيه وقومه، واعتزاله لملّة الشّرك، وما عوّضه الله من ذرية نسلت بعد ذلك أمّة. ثمّ أشارت إلى قصص النبيّين، ومن اهتدى بهم ومن خلفهم من الغواة، ومصير هؤلاء وهؤلاء وتنتهي بإعلان الربوبية الواحدة التي تعبد بلا شريك: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) . والمجموعة الثالثة والأخيرة: تبدأ بالجدل حول قضية البعث، وتستعرض

стр. 1299

بعض مشاهد القيامة، وتعرض صورة من استنكار الكون كلّه لدعوى الشرك. وتنتهي بمشهد مؤثّر عميق، من مصارع القرون: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [الآية ٧٤] . أي أمة من الأمم الماضية، بتكذيبهم الرسل. هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) . وقد جاء تفسير الطبري لهذه الآية الأخيرة من سورة مريم بما معناه: يقول تعالى ذكره: وكثيرا أهلكنا يا محمّد، قبل قومك من مشركي قريش مِنْ قَرْنٍ يعني من جماعة من الناس، إذ سلكوا سبيل المعاصي والشرك: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ. يقول فهل تحس أنت منهم أحدا يا محمّد، فتراه وتعاينه أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) . يقول أو تسمع لهم صوتا، بل بادوا وهلكوا وخلت منهم دورهم، وأوحشت منهم منازلهم، وصاروا إلى دار لا ينفعهم فيها إلّا صالح من عمل قدّموه فكذلك قومك هؤلاء صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يعاجلوا التوبة قبل الهلاك. وهكذا تنتهي سورة مريم، بعد تقرير قدرة الله الفائقة، وحكمته البالغة في خلق يحيى وخلق عيسى (ع) ، وتقرير قدرته سبحانه على البعث والحشر والحساب والجزاء، ومكافأة المؤمنين ومعاقبة المعتدين.

стр. 1300

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «مريم» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة مريم بعد سورة فاطر. ونزلت سورة فاطر بعد تسع عشرة سورة من سورة النجم، وسيأتي أنّ سورة النجم نزلت عقب الهجرة الأولى للحبشة، وقد كانت الهجرة إلى الحبشة في السنة السابعة من البعثة، فتكون سورة مريم من السور التي نزلت بين هذه الهجرة وحادثة الإسراء. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لذكر قصة مريم فيها، وتبلغ آياتها ثماني وتسعين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة، ذكر نتف من قصص بعض الرسل للعظة والقدوة، تتميما لما ورد من ذلك القصص العجيب في سورة الكهف، وتقريرا لما ورد في ختامها من أن كلمات الله في ذلك لا نفاد لها، ولهذا ذكرت سورة مريم بعد سورة الكهف. وقد ذيّلت قصص أولئك الرسل ببيان انحراف أتباعهم عن سنّتهم، وما يستحقون من الجزاء على انحرافهم. نتف من قصص بعض الرسل الآيات [١- ٥٨] قال الله تعالى: كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) فذكر ست قصص من قصص الرسل:
следующие страницы →