تفكّر في أمر نفسها، وتخيّلت ما سيقوله الناس عن عذراء تحمل وتلد من غير أن يكون لها بعل وفي حدّة الألم ومرارة الخوف نظرت إلى الطفل في حسرة واكتئاب، وجعلت تتمنّى لو ضمّها القبر وفارقت العالم، قبل أن تصير أمّا من غير أن تتزوّج، فقالت كما ورد في التنزيل:
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) .
ولكنها ما لبثت أن سمعت صوت وليدها، فبدّد مخاوفها، وكفكف دموعها، وناداها من تحتها كما روى القرآن ذلك، حكاية عنه:
أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) .
أي جدولا يجري ماؤه في تلك البقعة الجرداء، والأرجح أنه جرى للحظته من ينبوع، أو تدفّق من مسيل ماء في الجبل. وهذه النخلة التي تستندين إليها هزّيها فتتساقط عليك رطبا. فهذا طعام وذاك شراب، والطعام الحلو مناسب للنّفساء.
والرّطب والتّمر من أجود طعام النّفساء: فَكُلِي وَاشْرَبِي [الآية ٢٦] هنيئا وَقَرِّي عَيْناً [الآية ٢٦] .
واطمأني قلبا، لما ترين من قدرة الله التي اخضرّ بها جذع النخلة اليابسة.
وطيبي نفسا بما حباك الله من جريان الماء في تلك البقعة المقفرة.
واطمأنت مريم إلى فضل الله، وأنّه لن يتركها وحدها، أنّ حجّتها معها، هذا الطفل الذي ينطق في المهد.
ورجعت مريم إلى قومها وعشيرتها تحمل ولدها على كتفها، وسرعان ما شاع أمرها، وعرف خبرها. وجاء أقاربها يؤنّبونها بألسنة التقريع والتأنيب، ويلومونها على هذه الفعلة المنكرة، ويذكّرونها بشرف أسرتها وكرم أصلها. والتزمت مريم الصمت، وأشارت إليهم أن كلّموا هذا الوليد، إن أردتم الوقوف على حقيقة الأمر:
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) ؟
كيف نكلم وليدا، لم تكتمل أدوات نطقه. ولم تتحرّك شفته إلى ثدي أمّه؟
فانطلق الوليد يجيبهم في بيان وحجّة وبرهان:
стр. 1297
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) .
وهكذا يعلن عيسى (ع) عبوديّته لله سبحانه. فليس هو ابنه كما تقول فرقة، وليس هو إلها كما تقول فرقة، وليس هو ثالث ثلاثة كما تقول فرقة ثالثة ويعلن أن الله جعله نبيّا لا ولدا ولا شريكا، وأن الله أوصاه بالصلاة والزكاة مدّة حياته.
أسلوب القرآن
نحسّ في كلمات هذه السورة السهولة واليسر، والرضا واللطف، فهي كلمات معبّرة عن معانيها فمعاني السورة تدور حول فضل الله على زكريّا ومريم، وغيرهما من الأصفياء.
ويتمثّل الرّضا والسلاسة واليسر في معاني السورة، كما يتمثّل في ألفاظها وفواصلها، وهي: رضيّا، سريّا، حفيّا، نجيّا ...
فأمّا المواضع التي تقتضي الشدّة والعنف، فتجيء فيها الفاصلة مشدّدة على حرف الدال في الغالب: مدّا، ضدّا، إدّا، هدّا، أو زايا: عزّا، أزّا، ركزا.
ويتنوّع الإيقاع والفاصلة بتنوّع الجو والموضوع في هذه السورة، فهي تبدأ بقصّة زكريّا ويحيى، فتسير الفاصلة والقافية هكذا:
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) وتليها قصّة مريم وعيسى فتسير الفاصلة على النظام نفسه:
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا
(٣) وتليها قصّة مريم وعيسى فتسير الفاصلة على النظام نفسه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) .
إلى أن ينتهي القصص، ويجيء التعقيب، لتقرير حقيقة عيسى بن مريم، وللفصل في قضية بنوّته، فيختلف نظام الفواصل. تطول الفاصلة وتنتهي بحرف الميم أو النون المستقرّ الساكن، وكأنّما الآيات تعبّر عن حكم بعد نهاية القصّة، مستمدّ منها ولهجة الحكم تقتضي أسلوبا تعبيريّا غير أسلوب الاستعراض، وتقتضي ايقاعا قويّا رصينا، بدل إيقاع القصّة الرضيّ المسترسل، فيقول سبحانه:
стр. 1298
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) .
حتى إذا انتهى التقرير والفصل وعاد السياق إلى القصص، عاد الإيقاع الرّضي المديد:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) .
حتّى إذا جاء ذكر المكذّبين، وما ينتظرهم من عذاب وانتقام، تغيّر الإيقاع والجرس:
قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) .
وفي موضع الاستنكار، يشتدّ الجرس والنّغم بتشديد الدّال:
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) .
وهكذا يسير الإيقاع في السورة وفق المعنى والجو، ويشارك في إبقاء الأسلوب الذي يتناسق مع المعنى في ثنايا السورة، وفق انتقالات السياق من فكرة إلى فكرة، ومن معنى إلى معنى.
المعالم الرئيسة في السورة
يمكننا أن نلمح ثلاث مجموعات رئيسة في سورة مريم:
المجموعة الأولى: تتضمّن قصّة زكريّا ويحيى، وقصّة مريم وعيسى، والتعقيب على هذه القصّة بالفصل في قضيّة عيسى التي كثر فيها الجدل، واختلفت فيها أحزاب اليهود والنصارى.
المجموعة الثانية: تتضمّن حلقة من قصّة إبراهيم مع أبيه وقومه، واعتزاله لملّة الشّرك، وما عوّضه الله من ذرية نسلت بعد ذلك أمّة. ثمّ أشارت إلى قصص النبيّين، ومن اهتدى بهم ومن خلفهم من الغواة، ومصير هؤلاء وهؤلاء وتنتهي بإعلان الربوبية الواحدة التي تعبد بلا شريك:
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) .
والمجموعة الثالثة والأخيرة: تبدأ بالجدل حول قضية البعث، وتستعرض
стр. 1299
بعض مشاهد القيامة، وتعرض صورة من استنكار الكون كلّه لدعوى الشرك.
وتنتهي بمشهد مؤثّر عميق، من مصارع القرون:
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [الآية ٧٤] .
أي أمة من الأمم الماضية، بتكذيبهم الرسل.
هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) .
وقد جاء تفسير الطبري لهذه الآية الأخيرة من سورة مريم بما معناه:
يقول تعالى ذكره: وكثيرا أهلكنا يا محمّد، قبل قومك من مشركي قريش مِنْ قَرْنٍ يعني من جماعة من الناس، إذ سلكوا سبيل المعاصي والشرك: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ.
يقول فهل تحس أنت منهم أحدا يا محمّد، فتراه وتعاينه أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) .
يقول أو تسمع لهم صوتا، بل بادوا وهلكوا وخلت منهم دورهم، وأوحشت منهم منازلهم، وصاروا إلى دار لا ينفعهم فيها إلّا صالح من عمل قدّموه فكذلك قومك هؤلاء صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يعاجلوا التوبة قبل الهلاك.
وهكذا تنتهي سورة مريم، بعد تقرير قدرة الله الفائقة، وحكمته البالغة في خلق يحيى وخلق عيسى (ع) ، وتقرير قدرته سبحانه على البعث والحشر والحساب والجزاء، ومكافأة المؤمنين ومعاقبة المعتدين.
стр. 1300
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «مريم» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة مريم بعد سورة فاطر.
ونزلت سورة فاطر بعد تسع عشرة سورة من سورة النجم، وسيأتي أنّ سورة النجم نزلت عقب الهجرة الأولى للحبشة، وقد كانت الهجرة إلى الحبشة في السنة السابعة من البعثة، فتكون سورة مريم من السور التي نزلت بين هذه الهجرة وحادثة الإسراء.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لذكر قصة مريم فيها، وتبلغ آياتها ثماني وتسعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة، ذكر نتف من قصص بعض الرسل للعظة والقدوة، تتميما لما ورد من ذلك القصص العجيب في سورة الكهف، وتقريرا لما ورد في ختامها من أن كلمات الله في ذلك لا نفاد لها، ولهذا ذكرت سورة مريم بعد سورة الكهف.
وقد ذيّلت قصص أولئك الرسل ببيان انحراف أتباعهم عن سنّتهم، وما يستحقون من الجزاء على انحرافهم.
نتف من قصص بعض الرسل الآيات [١- ٥٨]
قال الله تعالى: كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) فذكر ست قصص من قصص الرسل:
стр. 1301
الأولى قصّة زكريّا وابنه يحيى، وقد سبق ورودها في سورة آل عمران، وهي تخالف ما سبق منها في أسلوبها وسياقها وما فيها من زيادة ونقص، وقد ختمت بقوله تعالى في يحيى: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
(١٥) .
والثانية قصّة مريم وابنها عيسى، وقد سبقت أيضا في سورة آل عمران، وهي تخالف ما سبق منها في أسلوبها وسياقها، وما فيها من زيادة ونقص وقد ذكر سبحانه أن ما قصّه فيها من أنّ عيسى عبده لا ابنه، هو الحقّ وأمرهم تعالى أن يعبدوه وحده ولا يتّخذوا له شريكا من ولد أو غيره، ثم أوعدهم على ذلك بما أوعدهم به، وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠) .
والثالثة قصة إبراهيم مع أبيه، وقد سبقت في سورة الأنعام، وهي تخالف ما سبق من جهة أسلوبها وسياقها وما فيها من زيادة ونقص، وقد ذكر في آخرها أنه حين اعتزل قومه وما يعبدون من دونه وهب له سبحانه، إسحاق ويعقوب، وكلّا جعله نبيّا: وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) .
والرابعة قصّة موسى، وقد ذكر فيها أنه كان مخلصا وكان رسولا نبيّا، وأنه ناداه من جانب الطور الأيمن، وقرّبه نجيّا: وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) .
والخامسة قصّة إسماعيل، وقد ذكر فيها أنه كان صادق الوعد، وكان رسولا نبيّا وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) .
والسادسة قصّة إدريس، وقد ذكر فيها أنه كان صديقا نبيّا، وأنّه رفعه مكانا عليّا.
ثم أثنى عليهم عموما، بعد أن أثنى على كل واحد بخصوصه، فقال جلّ وعلا أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) .
انحراف خلفهم عن سننهم الآيات [٥٩- ٩٨]
ثم قال تعالى:
стр. 1302
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) فذكر سبحانه، أنّه خلف من بعد هؤلاء الرسل خلف انحرفوا عن سننهم فأضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات، وأنّهم سوف يلقون جزاء غيهم، واستثنى من ثاب منهم وآمن بالنبي (ص) ووعدهم بأنهم يدخلون الجنة إلخ ثم ذكر ﷻ أنهم لا يتنزّلون فيها إلّا بأمره، لأنه مالك كلّ شيء ممّا بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك، وما كان لينسى إحسان المحسن وإساءة المسيء فلا يجازيهما عليهما ثم ذكر بمناسبة هذا إنكارهم للمعاد الذي يكون فيه الثواب والعقاب، لاستبعادهم إحياء الإنسان بعد موته. وأجابهم بأنه خلق الإنسان من قبل موته ولم يك شيئا، فهو قادر على إعادته بعد موته من باب أولى ثم أقسم ليحشرنّهم والشياطين، وليحضرنّهم حول جهنّم باركين على ركبهم ولينزعنّ من بينهم من كان منهم أشدّ تمرّدا، ليذيقه عذابا أعظم من غيره، وهو أعلم بمن هو أولى بذلك من غيره، ولا بدّ من ورودهم لها جميعا على تفاوت عذابهم فيها ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) . ثم ذكر السبب في عدم إيمانهم بذلك، وهو اغترارهم بدنياهم، فذكر سبحانه أنهم إذا تتلى عليهم آياته في ذلك واضحات، ذكروا أنهم أحسن حالا من المؤمنين، ولو كانوا على الباطل لكانوا أسوأ حالا منهم ورد عليهم بأنه كم أهلك من قبلهم من قوم كانوا أحسن حالا منهم، وبأنه إنّما ينعم عليهم بذلك ليمدّ لهم في الضلالة ويقطع عنهم العذر، حتى إذا رأوا ما يوعدون في الدنيا أو الاخرة علموا أنهم شرّ مكانا وأضعف جندا وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) .
ثم خصّ شخصا منهم بلغ به الغرور مبلغه حتى قال استهزاء: لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً (٧٧) في المعاد كما أوتيت ذلك في الدنيا، وردّ عليه بأنه لم يطّلع على الغيب، ولم يتّخذ عنده بذلك عهدا ثم أوعده بأنه سيكتب ما قاله ويرث ماله وولده، حتى يأتيه يوم القيامة فردا.
ثم ذكر أنهم يعتمدون في ذلك على أنّ آلهتهم ستشفع لهم يوم القيامة، وردّ عليهم بأنهم سيكافرون فيه بعبادتهم
стр. 1303
ويكونون عليهم ضدّا ثم ذكر أن الشياطين استولت عليهم، فلا فائدة في نصحهم، ونهى النبي (ص) أن يعجّل عليهم العذاب، لأنه يعدّه لهم عدّا ثم ذكر أنه إذا أتى وقته يحشر المتّقين وفدا، ويسوق المجرمين إلى جهنّم، كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء، ولا يكون هناك شفاعة إلّا للمؤمنين الذين اتّخذوا عند الرحمن بذلك عهدا.
ثمّ ذكر أنّ فريقا يزعمون أنّ الملائكة بنات الله، فيعبدها ويزعمون أنها تشفع لهم يوم القيامة وردّ عليهم بأنهم قد جاءوا بهذا شيئا إدّا، وبأنه ما ينبغي له سبحانه أن يتّخذ ولدا ثم ذكر أن كل من في السماوات والأرض يأتيه يوم القيامة عبدا وأن كل واحد منهم يأتيه فردا، لا شفيع له من الملائكة، وغيرهم.
ثم ختمت السورة بإثبات الشفاعة للمؤمنين بعد أن نفيت عن غيرهم، فذكر سبحانه أنه سيجعل لهم يوم القيامة ودّا يشفع به بعضهم لبعض، ولا يقطع ما بينهم من تواصل كما قطع بين الكفّار ومن اتّخذوه من شريك وولد ثم ذكر سبحانه أنه إنما يسّر القرآن بلسان الرسول (ص) ، لأجل هذا التبشير والإنذار فقال جلّ وعلا:
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) .
стр. 1304
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «مريم» «١»
أقول: ظهر لي في وجه مناسبتها لما قبلها: أنّ سورة الكهف اشتملت على عدة أعاجيب: قصّة أصحاب الكهف، وطول لبثهم هذه المدة الطويلة بلا أكل ولا شرب، وقصة موسى مع الخضر ﵉، وما فيها من الخارقات، وقصّة ذي القرنين. وهذه السورة فيها أعجوبتان: قصّة ولادة يحيى بن زكريّا (ع) «٢» ، وقصّة ولادة عيسى (ع) ، فناسب تتاليهما. وأيضا قيل: إن أصحاب الكهف يبعثون قبل قيام الساعة، ويحجّون مع عيسى بن مريم حين ينزل «٣» . ففي ذكر سورة مريم بعد سورة أصحاب الكهف مع ذلك، إن ثبت، ما لا يخفى من المناسبة. وقد قيل أيضا: إنهم من قوم عيسى، وإنّ قصتهم كانت في الفترة، فناسب توالي قصتهم وقصة نبيّهم «٤» .
стр. 1305
المبحث الرابع مكنونات سورة «مريم» »
١- فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
[الآية ١٧] .
قال قتادة، وعطاء، والضّحّاك:
جبريل أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
٢- فَناداها مِنْ تَحْتِها [الآية ٢٤] .
قال البراء: ملك.
وقال ابن عبّاس وسعيد بن جبير، والضّحّاك: جبريل، وقال مجاهد والحسن: عيسى «٣» .
أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
٣- وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) . المكان العليّ، هو السماء الرابعة، كما في «الصحيح» «٤» ٤- وَيَقُولُ الْإِنْسانُ [الآية ٦٦] .
هو: أبيّ بن خلف «٥» .
وقيل: الوليد بن المغيرة.
وقيل: أميّة بن خلف.
٥- أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً (٧٧) .
نزلت في العاصي بن وائل السّهمي كما أخرجه البخاري عن خبّاب بن الأرتّ «٦» .
стр. 1306
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «مريم» «١»
قال تعالى: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) .
قوله تعالى عِتِيًّا (٨) أي: اليبس والجساوة في المفاصل والعظام، كالعود القاحل يقال: عتا العود وعسا من أجل الكبر والطّعن في السن العالية.
والفعل «عتا يعتو» مصدره عتوّ وعتيّ بمعنى استكبر وجاوز الحدّ وقرئ «عتيّا» بضم العين.
ومنه أيضا قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) .
أقول: وكأنّ بين اليبس والجساوة في المفاصل والعظام، وبين الاستكبار وتجاوز الحد قرابة وبشيء من اللطف، يصار من هذه الى تلك.
٢- وقال تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) .
قوله تعالى (ولم تك) حذف النون للتخفيف، وذلك إذا وليها حرف ذو حركة، فإن كان ساكنا امتنع الحذف وقد ورد في الشعر ضرورة، ومنه قول الشاعر:
إذا لم تك المرآة أبدت محاسنا فقد أبدت المرأة جبهة ضيغم ومثل الآية قوله تعالى أيضا:
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) .
٣- وقال تعالى: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ [الآية ٢٣] .
стр. 1307
وقوله تعالى: فَأَجاءَهَا فعل مزيد بالهمزة، والثلاثي «جاء» إلّا أنّ استعمال المزيد قد تغيّر بعد الزيادة إلى معنى الإلجاء، تقول: جئت المكان، وأجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته وأبلغنيه.
ونظيره «آتي» ، حيث لم يستعمل إلّا في الإعطاء. ولم تقل: أتيت المكان وآتانيه فلان.
أقول: وليس لنا في العربية المعاصرة الفعل المزيد «أجاء» .
٤- وقال تعالى: وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) .
وقرئ «نسيا» بكسر النون وفتحها، فمن قرأ بالكسر فمعناه: حيضة ملقاة، أي، خرقة الحيض، ومن قرأ بالفتح فمعناه شيئا منسيا.
والنّسي أيضا: ما نسي وما سقط في منازل المرتحلين من رذال أمتعتهم.
وتقول العرب إذا ارتحلوا من المنزل:
انظروا أنساءكم، جمع نسي وفي حديث عائشة- ﵂ «وددت أني كنت نسيا منسيا» أي شيئا حقيرا مطّرحا ولا يلتفت إليه. وقال تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) .
السّريّ: النهر، عن ثعلب، وهو الجدول الصغير يجري إلى النخل، والجمع أسرية وسريان.
وكذلك قال ابن عبّاس، وهو قول أهل اللغة.
وروي عن الحسن، أنّه كان يقول كان والله سريّا من الرجال، ويعني عيسى (ع) .
٦- وقال تعالى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) .
قال الفرّاء: الفريّ الأمر العظيم، أي: جئت شيئا عظيما.
وقيل: جئت شيئا فريّا، أي مصنوعا مختلقا.
وفلان يفري الفريّ، إذا كان يأتي بالعجب في عمله.
وقال النبي (ص) في عمر، ﵁، ورآه في منامه ينزع عن قليب «١» بغرب «٢» : فلم أر عبقريّا يفري فريّه.
стр. 1308
وأقول: وهذا من الكلم الجميل الذي أضعناه، وليس لنا منه شيء.
٧- وقال تعالى: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) .
قال الفرّاء: أي: طويلا.
والمليّ: الهويّ من الدهر، يقال أقام مليا من الدّهر، ومضى مليّ من النهار، أي ساعة طويلة.
ومرّ مليّ من الليل، أي من أوّله إلى ثلثه.
٨- وقال تعالى: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) .
الحفيّ: البليغ في البرّ والإلطاف، يقال حفي به وتحفّى به.
أقول: وليس لنا في هذا المعنى إلا الفعل «احتفى» يقال احتفى به، أي برّ وتلطّف وكرم.
٩- وقال تعالى: إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) .
قوله تعالى: وَبُكِيًّا (٥٨) أي:
باكين، وهو جمع باك مثل قاعد وقعود، وساجد وسجود.
وفي بعض القراآت «بكيّا» بكسر الباء، وهي قراءة من آثر كسرة الكاف لمكان الياء بعدها، وهذا كقوله تعالى:
ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) .
وقوله جلّ وعلا: وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) .
وقوله تعالى: جِثِيًّا جمع جاث، وكان يمكن أن تقرأ «جثيّا» بضم الجيم على قراءة من قرأ (بكيّا) ، وهي القراءة المشهورة ولكن جِثِيًّا بالكسر هي القراءة الغالبة.
١٠- وقال تعالى: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) .
والمعنى ثمّ لنحن أعلم بتصلية هؤلاء، وهم أولى بالصليّ من بين سائر الصالين.
والصّليّ: مصدر صلي. وصلي بالنار وصليها صليا وصليّا وصليّا وصلىّ وصلاء واصطلى بها وتصلّاها.
وقرئ: «صليّا» .
١١- وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) .
الأثاث: متاع البيت، وما جدّ من الفرش، وليس منه الخرثيّ «١» .
стр. 1309
أقول: والأثاث مفرد بخلاف ما يرد جمعا في لغة المعاصرين.
إن مادة «أثاث» تشير إلى ما يقابلها في اللغات السامية، وهي «ايث» كما في العبرانية، «ايت» في الآرامية، و «ايش» كما في العربية، ومنه أيضا «ايس» ، وكلها تشير إلى «شيء» المعروفة في العربية.
و «ايث» تعني الشيء والوجود والكينونة، ومن هنا كان من الحسن أن ننظر إلى «لات» التي قد تكون «لا أيت» أي لا شيء، ثم ركّبت على طريقة النحت فصارت «لات» النافية.
وقد أشرنا في غير هذا المختصر إلى مادة «ليس» وإنها «لا أيس» في الأصل، ضد الوجود وهو العدم.
ومن هنا كان «أيس» هو مادة «إنسان» كما في قولهم «إيسان» ثم إذا عرفنا أن «إيش» هو الرجل في العبرانية أدركنا القيم التاريخية لهذه الأصول العتيقة.
و (الرئي) : المنظر والهيئة، وهو على وزن «فعل» بمعنى مفعول نظير «ذبح» ، أي مذبوح أو كما أشرنا إلى هذا البناء الثلاثي في غير هذا المكان. ١٢- وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) .
الأزّ والاستفزاز متقاربان، والمعنى التهييج وشدّة الإزعاج.
أقول:
ليس شيئا من ذلك في اللغة المعاصرة، بل إن الفعل «أزّ» يفيد ضربا من الصوت، كأزيز القدر والمرجل ونحوهما.
١٣- وقال تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) .
أي: يوم نحشرهم وافدين، والوفد في الآية الركبان المكرّمون.
وكما يكون «الوفد» اسم جمع للوافد، فهو مصدر أيضا.
والوفد، في لغتنا المعاصرة جماعة يوفدون إلى أمر من الأمور، ولكثرة استعماله في الحياة المعاصرة جمع على «وفود» .
١٤- وقال تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) .
الإدّ بالكسر والفتح: العجب، وقيل: العظيم المنكر، والإدّة: الشّدّة، وأدّني الأمر وآدني: أثقلني وعظم عليّ.
стр. 1310
١٥- وقال تعالى: أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) .
الرّكز: الصّوت الخفي. وكأنّ أصل المعنى في «الرّكز» هو الخفاء، ومنه ركز الرّمح إذا غيّب طرفه في الأرض، والرّكاز: المال المدفون.
стр. 1311
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «مريم» «١»
قال تعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) أي: «ممّا نقصّ عليك ذكر رحمة ربّك» «٢» فانتصب العبد بالرحمة. وقد يقول الرجل «هذا ذكر ضرب زيد عمرا» «٣» .
وقال سبحانه: نِداءً خَفِيًّا (٣) بجعله من الإخفاء.
وقال: شَيْباً [الآية ٤] لأنه مصدر في المعنى ناب عن فعله «٤» . وليس هو مثل «امتلأت ماء» لأن ذلك ليس بمصدر.
وقوله تعالى: سَوِيًّا (١٠) على الحال «٥» ، كأنه أمر في الكفّ عن الكلام سويّا.
وقال: يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ [الآية ٤٤] فإذا وقفت قلت:
«يا آبه» وهي هاء زيدت كنحو قولك «يا أمّه» ثم تقول «يا أمّ» إذا وصلت، ولكنّه لما كان «الأب» على حرفين كان كأنه قد أخلّ به، فصارت الهاء لازمة وصارت الياء كأنها بعدها، فلذلك قيل «يا أبت أقبل» وجعلت التاء للتأنيث.
ويجوز الترخيم لأنه يجوز أن تدعو ما تضيف الى نفسك في المعنى
стр. 1312
مضموما، نحو قول العرب «يا ربّ اغفر لي» وتقف في القرآن يا أَبَتِ للكتاب وقد يقف بعض العرب على هاء التأنيث «١» .
وقال تعالى: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) نحو قولك «ملحفة جديد» «٢» .
وقال تعالى: لِسانَ صِدْقٍ [الآية ٥٠] نحو قولهم: «لساننا غير لسانكم» أي: لغتنا غير لغتكم. وإن شئت جعلت اللسان مقالهم كما تقول «فلان لساننا» .
وقال تعالى إِلَّا سَلاماً [الآية ٦٢] فهذا كالاستثناء الذي ليس من أوّل الكلام «٣» . وهذا على البدل، إن شئت كأنّه «لا يسمعون فيها إلّا سلاما» .
وقال تعالى: وَرِءْياً (٧٤) فالرّئي من الرؤية، وفسّروه من المنظر، فذاك يدلّ على أنه من «رأيت» .
وقال تعالى: لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ [الآية ٦٤] أي، والله أعلم، ما بَيْنَ أَيْدِينا قبل أن نخلق وَما خَلْفَنا بعد الفناء وَما بَيْنَ ذلِكَ حين كنّا «٤» .
وفي قوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [الآية ٢٥] زيدت الباء، وهي تزاد في كثير من الكلام، نحو قوله سبحانه: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: ٢٠] أي: تنبت الدهن.
وقال الشاعر «٥» [من الطويل وهو الشاهد السادس والأربعون بعد المائتين] :
بواد يمان ينبت السّدر صدره ... وأسفله بالمرخ والشّبهان «٦»
стр. 1313
يقول: «وأسفله ينبت المرخ والشبهان» ومثله: «زوجتك بفلانة» يريدون: «زوّجتكها» ويجوز أن يكون على معنى «هزّي رطبا بجذع النخلة» .
وفي قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [الآية ٩٠] فالمعنى يردن «١» لأنهنّ لا يكون منهنّ أن يتفطّرن، ولا يدنون من ذلك، ولكنهنّ هممن به إعظاما لقول المشركين ولا يكون على من همّ بالشيء أن يدنو منه، ألا ترى أنّ رجلا لو أراد أن ينال السماء لم يدن من ذلك، وقد كانت منه إرادة.
وفي قوله تعالى: كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) «العصيّ» : العاصي، كما تقول: «عليم» و «عالم» و «عريف» و «عارف» قال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد السابع والأربعون بعد المائتين] :
أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم «٣»
يقول: «عارفهم» وقال تعالى: أَطَّلَعَ [الآية ٧٨] فهذه ألف الاستفهام، وذهبت ألف الوصل لمّا دخلت ألف الاستفهام.
وقال تعالى وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) لأنّ «الضدّ» يكون واحدا وجماعة، مثل «الرصد» و «الأرصاد» ، ويكون الرّصد أيضا اسما للجماعة «٤» .
стр. 1314
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «مريم» «١»
إن قيل: النداء هو الصوت والصياح، يقال ناداه نداء: أي صاح به، فلم وصف النداء بكونه خفيّا، كما جاء في الآية ٣؟
قلنا: النداء هنا عبارة عن الدعاء، وإنما أخفاه ليكون أقرب إلى الإخلاص، أو لئلا يلام على طلبه الولد بعد الشيوخة، أو لئلا يعاديه بنو عمه، ويقولوا: كره أن نقوم مقامه بعده، فسأل ربّه الولد لذلك.
فإن قيل: لم قال تعالى: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [الآية ٦] ، والنبي لا يورث لقوله (ص) : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة» ؟ قلنا: المراد بقوله تعالى يَرِثُنِي:
أي يرثني العلم والنبوّة، ويرث من آل يعقوب الملك، وقيل الأخلاق فأجابه الله تعالى إلى وراثته العلم والنبوّة والأخلاق، دون الملك، والمراد بقوله (ص) «لا نورث» المال ويؤيده قوله (ص) «ما تركناه صدقة» . ويعقوب هنا والد يوسف ﵉، وقيل لا بل هو أخو زكريا، وقيل لا بل هو أخو عمران الذي هو أبو مريم.
فإن قيل لم قال تعالى: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ بتعدية الفعل في الأول بنفسه والثاني بحرف الجر، وهو واحد؟
قلنا: يقال ورثه وورث منه، فجمع السياق بين اللغتين. وقيل «من» هنا
стр. 1315
للتبعيض لا للتعدية، لأن آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء.
فإن قيل: كيف طلب الولد بقوله، كما ورد في التنزيل فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) . أي ولدا صالحا، فلمّا بشره الله تعالى بقوله: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ [الآية ٧] استبعد ذلك وتعجّب منه، وأنكره كما ذكر القرآن، بقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [الآية ٨] .
قلنا: لم يقل ذلك على طريق الإنكار والاستبعاد، بل ليجاب بما أجيب به عن طلبه الولد، وهو قوله تعالى: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى، فيزداد الموقنون إيقانا ويرتدع المبطلون، وإلّا فمعتقد زكريّا أولا وآخرا، كان على منهاج واحد في أنّ الله تعالى غنيّ عن الأسباب.
الثاني: أنه قال ذلك تعجّب فرح وسرور، لا تعجّب إنكار واستبعاد.
الثالث: قيل إنه قال ذلك استفهاما عن الحالة التي يهبه الله تعالى فيها الولد:
هل يهبه في حال الشيخوخة أم يردّه إلى حالة الشباب ثم يهبه، ولكن هذا الجواب لا يناسبه ما أجيب به زكريا (ع) بعد استفهامه. فإن قيل: لم قيل: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً [الآية ١٠] والآية العلامة، فعلام طلب العلامة على وجود الولد بعد ما بشّره الله تعالى به أكان عنده شكّ بعد بشارة الله تعالى في وجوده حتى طلب العلامة؟
قلنا: إنّما طلب العلامة على وجود الحمل ليبادر إلى الشكر ويتعجّل السرور فإن الحمل لا يظهر في أوّل العلوق بل بعد مدة، فأراد معرفته أوّل ما يوجد، فجعل الله آية وجود الحمل عجزه عن الكلام، وهو سويّ الجوارح ما به خرس ولا بكم.
فإن قيل: لم قالت مريم، كما ورد في التنزيل: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
(١٨) . وإنما يتعوّذ من الفاسق لا من التقيّ.
قلنا: معناه إن كنت ممّن يتقي الله ويخشاه فانته عنّي بتعوّذي به منك فمعنى أعوذ أحصل على ثمره التعوّذ.
وعن ابن عبّاس ﵄، أنه كان في زمانها رجل اسمه تقيّ، ولم يكن تقيّا بل كان فاجرا، فظنّته إيّاه فتعوّذت منه والقول الأول هو الذي عليه المحقّقون وقيل هو على المبالغة، معناه: إني أعوذ منك إن
стр. 1316
كنت تقيّا فكيف يكون حالي في القرب منك إلى الله تعالى إذا لم تكن تقيّا؟ قالوا: ونظير هذا ما جاء في الخبر «نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه» معناه: أنه إذا كان بحال لو لم يخف الله تعالى لا يوجد منه عصيان، فكيف يكون حاله إذا خاف الله تعالى. وفي قراءة أبي رجاء وابن مسعود (إلا أن تكون تقيّا) .
فإن قيل: اتّفق العلماء على أن الوحي لم ينزل على امرأة ولم يرسل جبريل (ع) برسالة إلى امرأة قطّ، ولهذا قالوا في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧] أنه كان وحي إلهام، وقيل وحي منام فلم قال تعالى فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
[الآية ١٧] وقال تعالى: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
[الآية ١٩] ؟
قلنا: لا نسلّم أنّ الوحي لم ينزل على امرأة قط، فإنّ مقاتلا قال في قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧] أنّه كان وحيا بواسطة جبريل (ع) ، وإنّما المتفق عليه بين العلماء أنّ جبريل (ع) لم ينزل بوحي الرسالة على امرأة لا بمطلق الوحي. وهنا لم ينزل على مريم بوحي الرسالة بل بالبشارة بالولد، ولهذا جاء على صورة البشر فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
(١٧) .
فإن قيل: ما وجه قراءة الجمهور:
لِأَهَبَ لَكِ
[الآية ١٩] والواهب للولد الله تعالى لا جبريل (ع) ؟
قلنا: قال ابن الأنباري: معناه إنّما أنا رسول ربّك، بقوله لك أرسلت رسولي إليك لأهب لك، فيكون حكاية عن الله تعالى لا عن قول جبريل (ع) ، فيكون فعل الهبة مسندا إلى الله تعالى لا إليه. الثاني: أنّ معناه لأكون سببا في هبة الولد بواسطة النفخ في الدرع، فالإضافة إليه بواسطة السببيّة.
فإن قيل: لم قالت كما ورد في القرآن: وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) . ولم تقل بغيّة، مع أنه وصف مؤنث؟
قلنا: قال ابن الأنباري: لما كان هذا الوصف غالبا على النساء، وقلّما تقول العرب رجل بغي، لم يلحقوا به علامة التأنيث إجراء له مجرى حائض وعاقر وقال الأزهري: لا يقال رجل بغيّ، بل هو مختصّ بالمؤنّث، ولام الكلم ياء، يقال بغت تبغي وهو فعول عند المبرّد أصلها بغوي، قلبت الواو ياء وأدغمت، وكسرت الغين اتباعا، فهو
стр. 1317
كصبور وشكور في عدم دخول التاء وقال ابن جنّي في كتابه التمام: هي فعيل، ولو كان فعولا لقيل بغو، كما قيل هو نهو عن المنكر، ثم قيل هي فعيل بمعنى فاعل، فهي كقوله تعالى إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) [الأعراف] وقال الأخفش: هي مثل «ملحفة جديد» ، فجعلها بمعنى مفعول. وقيل إنما لم يقل بغيّة مراعاة لبقية رؤوس الآيات.
فإن قيل: ما كان حزن مريم في قوله تعالى: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) ألفقد الطعام والشراب حتى تسلّت بالسّريّ والرّطب، أم كان لخوف أن يتهمها قومها بفعل الفاحشة؟
قلنا: كان حزنها لمجموع الأمرين، وهو ما ذكرتم، وجدب مكانها الذي ولدت فيه، فإنه لم يكن فيه طعام ولا شراب ولا ماء تتطهّر به وكان إجراء النهر في المكان اليابس الذي لم يعهد فيه ماء، وإخراج الرطب من الشجرة اليابسة دافع لجهتي الحزن. أما دفع الجدب فظاهر، وأما دفع حزن التهمة، فمن حيث أنهما معجزتان تدلان قومها على عصمتها وبراءتها من السوء، وأن الله تعالى قد خصّها بأمور إلهية خارجة عن العادة، خارقة لها فتبيّن لهم أنّ ولادتها من غير فحل ليس ببدع من شأنها، ولا بعيد في قدرة الله تعالى، المخرج في لحظة واحدة، الرّطب الجني من النخلة اليابسة، والمجري للماء بغتة، في مكان لم يعهد فيه.
فإن قيل: لم أمرها جبريل (ع) إذا رأت إنسانا أن تكلمه بعد النذر بالسكوت، في قوله تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) وذلك خلف في النذر؟
قلنا: إنّما أمرها بذلك لأنه تمام نذرها، فإنها لم تكن مأمورة بنذر مطلق السكوت حتى يتدرّج فيه الكفّ عن الذكر والتسبيح والدعاء ونحوها، بل بنذر السكوت عن تكليم الإنس، وإذا كان تمام نذرها كما ورد في قوله تعالى: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) لا تكون مكلمة لإنسي بعد تمام النذر.
فإن قيل: لم قال تعالى فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) وكل أحد كان في المهد صبيا؟
قلنا: كان هنا زائدة، وصبيا منصوب
стр. 1318
على الحال لا على أنه خبر كان، تقديره: كيف نكلم من في المهد في حال صباه. وقيل كان بمعنى وقع ووجد وصبيّا منصوب على الوجه الذي مرّ.
فإن قيل، خطاب التكليف في جميع الشرائع إنّما يكون بعد البلوغ أو بعد التمييز والقدرة على فعل المأمور به، وعيسى ﵇ كان رضيعا في المهد، فكيف خوطب بالصّلاة والزّكاة، في قوله تعالى: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) .
قلنا: تأخير الخطاب إلى غاية البلوغ وغيرها، إنما كان ليحصل العقل والتمييز، وعيسى (ع) كان واحد العقل والتمييز التام في تلك الحالة، فتوجه نحوه الخطاب أن يفعلهما إذا قدر على ذلك، ولهذا قيل إنه أعطي النبوة في صباه أيضا.
فإن قيل الزّكاة إنّما تجب على الأغنياء، وعيسى ﵇ لم يزل فقيرا لابس كساء مدة مقامه في الأرض، وعلم الله تعالى ذلك من حاله، فلم أوصاه بالزّكاة؟ قلنا: المراد بالزكاة هنا تزكية النفس وتطهيرها من المعاصي، لا زكاة المال.
فإن قيل: لم جاء السلام في قصّة يحيى ﵇ منكّرا، وفي قصة عيسى ﵇ معرّفا؟
قلنا: قد قيل إنّ النكرة والمعرفة في مثل هذا سواء لا فرق، بينهما في المعنى. الثاني: أنه سبق ذكره في قصة يحيى ﵇ مرّة، فلما أعيد ذكره أعيد معرفة، كقوله تعالى كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزّمّل] كأنّ ذلك السلام الموجّه إلى يحيى ﵇، في المواطن الثلاثة، موجّه إلى عيسى ﵊.
فإن قيل: كيف تكون الألف واللام في السلام للعهد، والأول سلام من الله تعالى على يحيى (ع) ، والثاني سلام من عيسى على نفسه؟
قلنا التعريف راجع إلى ماهيّة السلام ومواطنه، لا إلى كونه واردا من عند الله تعالى.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى وَاذْكُرْ
стр. 1319
فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ
[الآية ٤١] وما أشبهه.
ومثل هذا، إنّما يستعمل إذا كان المأمور مختارا في الذكر وعدمه كما تقول لصاحبك وهو يكتب كتابا:
اذكرني في الكتاب، أو اذكر فلانا في الكتاب والنبيّ (ص) ما كان على سبيل من الزيادة والنقصان في الكتابة، ليوصي بمثل ذلك؟
قلنا: هذا على طريق التأكيد في الأمر بالإبلاغ، كتأكيد الملك على رسوله بإعادة بعض فصول الرسالة وتخصيصها بالأمر بالإبلاغ.
فإن قيل: الاستغفار للكافر لا يجوز، فلم وعد إبراهيم أباه بالاستغفار له، في قوله تعالى: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [الآية ٤٧] مع أنه كافر؟
قلنا معناه: سأسأل الله تعالى لك توبة تنال بها مغفرته، يعني الإسلام والاستغفار للكافر بهذا الطريق جائز، وهو أن يقال: اللهم وفّقه للإسلام، أو:
اللهم تب عليه واهده وأرشده، وما أشبه ذلك. الثاني: أنه وعده ذلك، بناء على أنه يسلم فيستغفر له بعد الإسلام. الثالث: أنه وعده ذلك قبل تحريم الاستغفار للكافر فإنّ تحريم ذلك قضيّة شرعيّة، إنّما تعرف بالسمع، لا عقلية، فإن العقل لا يمنع ذلك.
فإن قيل: الطّور، وهو الجبل ليس له يمين ولا شمال، فلم قال تعالى:
مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ [الآية ٥٢] .
قلنا: خاطب الله تعالى العرب، بما هو معروف في استعمالهم، فإنهم يقولون عن يمين القبلة وشمالها، يعنون ما يلي يمين المستقبل لها وشماله، لأنّ القبلة لا يد لها لتكون لها يمين وشمال. وهذا اتساع منهم في الكلام لعدم اللّبس، فالمراد بالأيمن هنا، ما عن يمين موسى (ع) من الطّور. لأنّ النداء جاءه من قبل يمينه، هذا إن كان الأيمن ضد الأيسر من اليمين. وإن كان من اليمن، وهو البركة، من قولهم: يمن فلان قومه فهو يامن: أي كان مباركا عليهم، فلا إشكال، لأنه يصير معناه: من جانب الطّور المبارك.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وهارون كان أكبر من موسى (ع) فما معنى هبته له؟
стр. 1320
قلنا: معناه أن الله سبحانه أنعم على موسى ﵊، بإجابة دعوته فيه، كما ورد في قوله تعالى:
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) [طه] فكان الجواب: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ [القصص: ٣٥] فالمراد إذا، بالهبة أنه سبحانه جعله عضدا له وناصرا ومعينا كذا فسّره ابن عبّاس ﵄.
فإن قيل: لم وصف الله تعالى النبيّين المذكورين في قوله أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ [الآية ٥٨] بقوله تعالى إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) والمراد بآيات الرحمن القرآن، والقرآن لم يتل على أحد من الأنبياء المذكورين؟
قلنا آيات الرحمن غير مخصوصة بالقرآن، بل كل كتاب أنزله الله تعالى ففيه آياته ولو سلمنا أنّ المراد بها القرآن، فنقول: إن المراد بقوله تعالى:
وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا [الآية ٥٨] محمد (ص) وأمّته.
فإن قيل: قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ يدل على أن ترك الصلاة وإضاعتها كفر، والإيمان شرط في توبة مضيعها؟
قلنا: قال ابن عبّاس ﵄: المراد بهؤلاء الخلف هنا اليهود تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلّوا نكاح الأخت من الأب.
فان قيل: لم قال تعالى: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) ولم يقل آتيا، كما قال جلّ شأنه إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ [الأنعام: ١٣٤] .
قلنا المراد بوعده تعالى، هنا، موعده وهو الجنة، وهي مأتية يأتيها أولياؤه. الثاني: أن مفعولا هنا بمعنى فاعل، كما في قوله تعالى: حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) [الإسراء] أي ساترا.
فإن قيل: قوله تعالى تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) ، وقوله تعالى وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) [آل عمران] يدلّان من حيث المفهوم، على أنّ غير المتقين لا يدخلون الجنة؟
قلنا: المراد بالتقوى هنا التقوى من
стр. 1321
الشرك، وكل المؤمنين في ذلك سواء.
فإن قيل: ما معنى انفطار السماوات، وانشقاق الأرض، وخرور الجبال، من دعوتهم الولد لله تعالى ومن أين تؤثّر هذه الكلمة في الجمادات؟
قلنا: معناه أنّ الله تعالى يقول، كدت أفعل هذا بالسماوات والأرض والجبال، عند وجود هذه الكلمة غضبا على قائلها، لولا حلمي وإمهالي، وأن لا أعجّل العقوبة، كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: ٤١] يعني أن تخر على المشركين وتنشقّ الأرض بهم، ويدلّ على هذا، قوله تعالى في آخر الآية إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) [فاطر] . الثاني: أن يكون استعظاما لقبح هذه الكلمة، وتصويرا لأثرها في الدّين، من حيث هدم أركانه وقواعده وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات، أن يصيب هذه الأجسام العظيمة التي هي قوام العالم، ما تنفطر منه، وتنشق، وتخرّ.
فإن قيل: لم قال تعالى، هنا في صفة الشرك: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) . وهذا يدل على قوّة كلمة الشرك وشدّتها، وقال تعالى في سورة إبراهيم، صلوات الله عليه في صفة كلمة الشرك وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) [ابراهيم] والمراد بالكلمة الخبيثة كلمة الشرك، كذا قاله ابن عبّاس ﵄ وبالشجرة الخبيثة شجرة الحنظل، كذا قاله رسول الله (ص) وهذا يدل على ضعف كلمة الشرك وتلاشيها واضمحلالها، فكيف التوفيق بينهما؟
قلنا: وصفت كلمة الشرك في سورة إبراهيم (ع) بالضّعف، وهنا بالقبح، فهي في غاية الضّعف وفي غاية القبح والفظاعة، فلا تنافي بينهما.
فإن قيل: لم قال تعالى لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) والإحصاء العدّ على ما نقله الجوهري، أو الحصر على ما نقله بعض أئمة التفسير، كما سبق ذكره في سورة إبراهيم، صلوات الله عليه، في قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ابراهيم: ٣٤] فإن كان الإحصاء العدّ فهو تكرار، وإن كان الحصر، فذكره مغن عن ذكر العدّ
стр. 1322
لأنّ الحصر لا يكون إلّا بعد معرفة العدد؟
قلنا: الإحصاء قد جاء بمعنى العلم أيضا، ومنه قوله تعالى وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨) [الجن] أي علم عدد كلّ شيء قال الشاعر:
وكن للّذي لم تحصه متعلّما وأمّا الذي أحصيت منه فعلّم وهو المراد هنا فيصير المعنى لقد علمهم، أي علم أفعالهم وأقوالهم، وكل ما يتعلّق بذواتهم وصفاتهم وعددهم فلا تكرار، ولا استغناء عن ذكر العدّ.
стр. 1323
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «مريم» «١»
قوله سبحانه: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [الآية ٤] .
وهذه من الاستعارات العجيبة.
والمراد بذلك، التعبير عن تكاثر الشّيب في الرأس حتى يقهر بياضه، ويفصل سواده.
وفي هذا الكلام دليل على سرعة تضاعف الشيب وتزيّده وتلاحق مدده، حتى يصير في الإسراع والانتشار كاشتعال النار، يعجز مطفيه، ويغلب متلافيه.
وقوله سبحانه: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ [الآية ٢٣] . وهذه استعارة، والمعنى: فجاء بها المخاض، إلى جذع النخلة، لتجعله سنادا لها، أو عمادا لظهرها. وهي التي لجأت إلى النخلة ولكن ضرب المخاض، لمّا كان سببا لذلك، حسن أن ينسب الفعل إليه في إلجائها، والمجيء بها.
وقوله سبحانه: وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) .
وهذه استعارة. والمراد بذكر اللسان هاهنا، والله أعلم، الثناء الجميل الباقي في أعقابهم، والخالف في آبائهم «٢» والعرب تقول: جاءني لسان فلان،
стр. 1324
يريد مدحه أو ذمه. ولمّا كان مصدر المدح والذم عن اللّسان، عبروا عنهما باسم اللسان.
وإنمّا قال سبحانه: لِسانَ صِدْقٍ (٥٠) ، بإضافة اللّسان إلى أفضل حالاته، وأشرف متصرّفاته لأن أفضل أحوال اللّسان أن يخبر صدقا، أو يقول حقّا.
стр. 1325
سورة طه ٢٠
стр. 1326
المبحث الأول أهداف سورة «طه» «١»
نزلت سورة طه بعد سورة مريم، ونزلت سورة مريم فيما بين الهجرة إلى الحبشة وحادثة الإسراء، فيكون نزول سورة طه في ذلك التاريخ أيضا. أي بعد السنة السابعة من البعثة وقبل السنة الحادية عشرة من البعثة.
وفي المصاحف المطبوعة بالقاهرة، سورة طه مكّيّة إلّا الآيتين ١٣٠ و ١٣١، فهما مدنيّتان وآياتها ١٣٥ آية نزلت بعد مريم.
وقال الفيروزآبادي «السورة مكّيّة إجماعا، وكلماتها ١٣٤١ كلمة، ولها اسمان «طه» لافتتاح السورة بها، و «سورة موسى» لاشتمالها على قصّته مفصّلة.
معنى طه
قيل معناها يا رجل، وقيل معناها يا إنسان، وقال آخرون هي اسم من أسماء الله تعالى وقد أقسم سبحانه به، وقال آخرون هي حروف مقطّعة مكوّنة من الطاء والهاء يدل كلّ حرف منها على معنى. واختلفوا في ذلك المعنى اختلافهم في المص. وقد ذكرنا ذلك في التعريف بسورة الأعراف، قال ابن جرير الطبري «والذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه قول من قال: معناها: يا رجل، لأنها كلمة معروفة في عك، فيما بلغني، وأنّ معناها يا رجل» .
«وقيل أصله طأها، على أنه أمر لرسول الله (ص) بأن يطأ الأرض
стр. 1327
بقدميه، فإنه كان يقوم الليل، حتّى ورمت قدماه من طول القيام. وقد أبدلت الألف من الهمزة، والهاء كناية عن الأرض» .
والمعنى طأ الأرض بقدميك يا محمد، وهوّن على نفسك في القيام، وارأف بنفسك ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به تعبا، بل لتسعد به، وتذكّر به الناس.
أهداف السورة من أهداف سورة طه:
تيسير الأمر على رسول الله (ص) وبيان فضل الله الواسع على رسله وأصفيائه وبيان وظيفة الرسول، وحصرها في الدعوة والتذكرة والتبشير والإنذار تم ترك أمر الخلق بعد ذلك الى الله الواحد الذي لا إله غيره، المهيمن على ظاهر الكون وباطنه، الخبير بظواهر القلوب وخوافيها، الذي تعنو له الجباه، ويرجع إليه الناس:
طائعهم وعاصيهم.
ثم تعرض السورة قصة موسى (ع) ، من حلقة الرسالة إلى حلقة اتّخاذ بني إسرائيل للعجل بعد خروجهم من مصر مفصّلة مطوّلة، وبخاصة موقف المناجاة بين الله سبحانه وكليمه موسى، وموقف الجدل بين موسى وفرعون وموقف المباراة بين موسى والسحرة. وتتجلّى في غضون القصّة، رعاية الله لموسى، الذي صنعه على عينه واصطنعه لنفسه وقال له ولأخيه:
قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) .
ثم تعرض السورة قصة آدم (ع) سريعة قصيرة تبرز فيها رحمة الله لآدم بعد خطيئته، وهدايته له، وترك البشر من أبنائه لما يختارون من هدى أو ضلال بعد التذكير والإنذار.
وتحيط بقصة آدم مشاهد القيامة، وإنما هي تكملة لما كان أول الأمر في الملأ الأعلى من خلق آدم حيث يعود الطائعون من ذريته إلى الجنّة، ويذهب العصاة من ذريته إلى النار، تصديقا لما قيل لأبيهم آدم، وهو يهبط إلى الأرض بعد خروجه من الجنة.
ونلحظ أن السياق يمضي في هذه السورة في شوطين اثنين:
стр. 1328
الشوط الأول: يتضمّن مطلع السورة بالخطاب إلى الرسول (ص) .
طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) .
ثم تتبعه قصّة موسى نموذجا كاملا لرعاية الله سبحانه لمن يختارهم لإبلاغ دعوته، فلا يشقون بها وهم في رعايته.
والشوط الثاني: يتضمّن مشاهد القيامة، وقصّة آدم، وهما يسيران في اتجاه مطلع السورة، وقصّة موسى. ثم ختام السورة بما يشبه مطلعها، ويتناسق معه ومع جو السّورة.
وللسّورة ظلّ خاصّ، يغمر جوّها كلّه. ظلّ علويّ جليل تخشع له القلوب، وتسكن له النفوس، وتعنو له الجباه. إنّه الظلّ الذي يخلعه تجلّي الرحمن على عبده موسى بالوادي المقدّس، في تلك المناجاة الطويلة، والليل ساكن وموسى وحيد، والوجود كلّه يتجاوب بذلك النّجاء الطويل.
وهو الظلّ الذي يخلعه تجلّي القيّوم في موقف الحشر العظيم:
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (١٠٨) . وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [الآية ١١١] .
وإيقاع السورة كلّها يستطرد في مثل هذا الجو من مطلعها إلى ختامها، رخيّا شجيّا نديّا، بذلك المدّ الذاهب مع الألف المقصورة، في أواخر الفواصل كلّها تقريبا.
قصة موسى (ع) في القرآن
بدأت سورة طه بمقدّمة مؤثّرة عن القرآن، وعن صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى.
ثم قصّ الله على رسوله حديث موسى، نموذجا لرعايته للمختارين لحمل دعوته. وقصّة موسى، هي أكثر القصص ورودا في القرآن. وهي تعرض في حلقات تناسب السّورة التي تعرض فيها وجوّها وظلّها. وقد وردت حلقات منها حتى الآن في سورة البقرة، وسورة المائدة، وسورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة الإسراء، وسورة الكهف، وذلك غير الإشارات إليها في سور أخرى.
وما جاء منها في المائدة كان حلقة واحدة: حلقة وقوف بني إسرائيل أمام
стр. 1329
الأرض المقدّسة، لا يدخلون فيها لأنّ فيها قوما جبّارين.
وفي سورة الكهف كانت كذلك حلقة واحدة: حلقة لقاء موسى للعبد الصالح، وصحبته فترة. وقد سبق الحديث عنها في سورة الكهف، بعنوان قصّة موسى والخضر.
فأمّا في «البقرة» و «الأعراف» و «يونس» ، وفي هذه السورة، سورة طه، فقد وردت منها حلقات كثيرة، ولكن هذه الحلقات تختلف في سورة عنها في الأخرى. تختلف الحلقات المعروضة، كما يختلف الجانب الذي تعرض منه، تنسيقا له مع اتجاه السورة التي يعرض فيها.
في «البقرة» ، سبقتها قصّة آدم (ع) وخلقه وتكريمه في الملأ الأعلى.
فجاءت قصّة موسى وبني إسرائيل تذكيرا لبني إسرائيل بنعمة الله عليهم وعهده إليهم وإنجائهم من فرعون وملئه، واستسقائهم وتفجير الينابيع لهم، وإطعامهم المن والسلوى.
وذكرت عدوانهم في السبت، وقصّة البقرة، وفي «الأعراف» سبقها الإنذار وعواقب المكذّبين بالآيات قبل موسى ﵇، فجاءت قصّة موسى تعرض ابتداء من حلقة الرسالة، وتعرض فيها آيات العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع، وتعرض حلقة السحرة بالتفصيل، وخاتمة فرعون وملئه المكذّبين وفي يونس، سبقها عرض مصارع المكذبين ثم عرض منها حلقات ثلاث:
حلقة الرسالة وحلقة السحرة وحلقة غرق فرعون.
أما هنا، في سورة طه، فقد كان مطلع السورة يشفّ عن رحمة الله ورعايته لمن يصطفيهم لحمل رسالته وتبليغ دعوته فجاءت القصّة مظلّلة بهذا الظلّ، تبدأ بمشهد المناجاة، وتتضمّن نماذج من رعاية الله لموسى في طفولته وشبابه ورجولته وتثبيته وتأييده وحراسته وتعهده.
قصة موسى في سورة طه
ولد موسى في مصر، ونما وترعرع في بيت فرعون، ثم قتل رجلا من طريق الخطأ، فخرج هاربا إلى أرض مدين وهناك تزوج بنت نبيّ الله شعيب (ع) ، ومكث في أرض مدين عشر سنين، ثمّ عاد بأهله إلى مصر.
стр. 1330
وفي الطريق أدركته عناية الله ومنّ الله عليه بالرسالة والعناية. وناداه:
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) .
وهذا الوحي يتعلّق بثلاثة أمور مترابطة: الاعتقاد بالوحدانيّة والتوجّه بالعبادة والإيمان بالسّاعة وهي أسس رسالة الله الواحدة. ومن نداء الله لموسى:
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) .
وخص الله موسى بمعجزات ظاهرة، وآيات باهرة. أمره أن يلقي عصاه فألقاها، فإذا هي حية تسعى ثم نمّت وعظمت حتّى غدت في جلادة الثّعبان، وضخامة الجانّ. لمحها موسى، فاشتد خوفه، فناداه الله:
قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) ثم أدخل موسى يده تحت إبطه، فخرجت بيضاء بياضا يغلب نور الشمس، ليس فيها بهاق «١» أو برص «٢» أو مرض وتمّت لموسى معجزتان هما اليد والعصا، فرأى آيات الله الكبرى. واطمأنّ للنهوض بالتّبعة العظمى.
أمر الله موسى، أن يذهب إلى فرعون رسولا وداعيا إلى الهدى، ومبشّرا بالجنة، لمن أطاع الله، وبالنار لمن عصاه.
فطلب موسى من ربه أن يشرح له صدره، وأن ييسّر له أمره، وأن يحلّ حبسة في لسانه ليفقه الناس قوله، وأن يمنّ الله عليه بمعين من أهله، هو أخوه هارون.
واستجاب الله دعاء موسى وحباه بفضل زائد، وذكّره بإفضاله عليه صغيرا وناشئا، حيث نجّاه عند ما قتل قتيلا خطأ، وألقى عليه المحبّة، وربّاه برعايته، وصنعه بعين عنايته. قال سبحانه:
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) .
стр. 1331
وكانت عناية الله معه في شبابه حين نجّاه من كيد أتباع فرعون، وكانت عناية الله معه في رحلته إلى أرض مدين، ثم في عودته إلى أرض مصر، على موعد وتدبير إلهي. قال تعالى:
وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) .
وكلّف الله موسى أن يذهب مع أخيه هارون إلى فرعون، بعد أن طغى فرعون وتجبّر، ليقولا له قولا ليّنا، لا يهيّج الكبرياء الزائف ولا يثير العزّة بالإثم لعلّ قلبه، أن يتّعظ أو يتذكّر.
أدلّة موسى (ع) على وجود الله تعالى
توجه موسى وهارون إلى فرعون ليبلغاه رسالة الله رب العالمين، فقال فرعون، كما ورد في التنزيل:
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) .
فأجاب موسى، كما ورد في التنزيل أيضا:
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) . وهي إجابة تلخّص أكمل آثار الألوهيّة الخالقة المدبّرة لهذا الوجود:
هبة الوجود لكل موجود، وهبة خلقه على الصورة التي خلق بها، وهبة هدايته للوظيفة التي خلق لها.
وثنّى قرون بسؤال آخر:
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) .
ما شأن القرون التي مضت من النّاس؟ أين ذهبت؟ ومن كان ربّها؟
وما يكون شأنها، وقد هلكت لا تعرف إلهها هذا؟
وأجاب موسى: إنّ علمها عند الله الذي لا تخفى عليه خافية، وقد سجل عملها في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها.
وقد تفضّل الله على الناس بالنعم المتعدّدة فمهّد لهم الأرض، وذلّل سبلها، وأنزل الماء من السماء، فأجرى به نهر النيل وغيره من الأنهار، ليخرج الماء أزواجا متعدّدة من النباتات، يستفيد منها الإنسان والحيوان.
وقد خلق الإنسان من الأرض، ثم رزق من نباتها ومائها، ثم يعود إليها، ثم يبعث منها يوم القيامة.
стр. 1332
عرض موسى هذه الآيات الكونية أمام فرعون، وأراه المعجزات الظاهرة الملموسة، من اليد والعصا.
ولكنّ فرعون قابل هذه المعجزات الواضحة، والحجج البالغة، بالجحود والكنود «١» وأخذ فرعون يكيل التهم لموسى، ويسفّه دعوته، ويصفه بالطمع في الملك، ويصف معجزاته بأنها سحر ظاهر مبين.
موسى والسحرة
توعّد فرعون موسى بأن يجمع له السحرة من كلّ مكان، ليبطلوا سحره ويظهروا عجزه. وقبل موسى التحدّي، وحدّد يوم العيد واجتماع الناس في زينتها الجديدة موعدا للمبارزة، حتّى يشيع الحق ويظهر ظهور الشمس.
وجمع السحرة في يوم العيد، ولم يتخلّف واحد منهم فإذا بهم آلاف، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وخيّروا موسى: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) .
فترك لهم موسى فرصة البدء، واستبقى لنفسه الكلمة الأخيرة. فتقدّم السحرة وألقوا ما في أيديهم من حبال فتحركت الحبال وماجت بها الساحة، وسحرت عيون المشاهدين، وملأتهم بالرهبة والإجلال لهذا العمل العظيم.
وخشي موسى أن يخدع الناس عن الحق، وأدركه خوف الداعية على دعوته، فذكّره الله سبحانه، بأنه معه، وبأنه على الحق وعدوّه على الباطل، وبأنه رسول مؤيّد بالمعجزة وعدوّه ساحر، مضلّل مخادع:
قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) .
وألقى موسى عصاه، فابتلعت أعمال السحرة في سرعة مذهلة، وأدرك السّحرة أنّ عمل موسى ليس سحرا، ولكنه معجزة وبرهان من الله على صدق رسالته فإذا بهم يخرّون لله ساجدين توبة عما صنعوا، وخشوعا لهيبة الحقّ، وإكبارا لذلك الأمر الخطير، وإيمانا بالله ربّ العالمين.
وعندئذ غلت مراجل الحقد
стр. 1333
والحفيظة في صدر فرعون، ولام السحرة على إيمانهم بموسى، قبل أن يأذن لهم.
وقال: إنه أستاذكم وكبيركم الذي علّمكم السحر، فاتّفقتم معه على فعلكم ومؤامرتكم:
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) .
ولكن ذلك جاء بعد فوات الأوان.
بعد أن تخلل صدورهم نور الإيمان، فوصلهم بخالقهم فزهدوا في عرض الدنيا وسلطانها، وتطلّعت قلوبهم إلى مرضاة الله، وفضّلوا ثواب الاخرة على كل ما عداه:
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) .
غرق فرعون ونجاة موسى
استمرّ موسى في أداء رسالته وقيامه بواجب دعوته، وقد اشتد إيذاء فرعون وأتباعه للمؤمنين، فاستغاثوا بموسى، فخرج موسى بهم ليلا إلى الأرض المقدّسة، وقد سهّل الله إليها طريقهم، واعترض البحر سبيلهم، فاستغاثوا بموسى قائلين: البحر أمامنا وفرعون وراءنا. فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بعصاه، فتولّت قدرة الله أن تيسّر لهم في البحر اثني عشر طريقا يابسا ممهّدا للسير، فسار كل فريق في طريق، وحفظتهم عناية الله من فرعون وحينما حاول فرعون اللحاق بهم، أطبقت عليه وعلى جنوده مياه البحر، وأدركهم الغرق والهلاك. ونجّى الله المؤمنين، وأذلّ الكافرين. وجعل من ذلك عظة وعبرة لمن اعتبر، فمن آمن بالله وجاهد في سبيله كان في كنف الله ورعايته، ومن كفر بآيات الله وخرج عن طريق هدايته أعد الله له العذاب والنّكال. ونظر بنو إسرائيل في دهشة إلى مصرع الجبابرة العتاة، ثم نجّى الله فرعون ببدنه، ليكون آية لمن خلفه، ودليلا على أنّ الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته.
موسى والسامري
ترك موسى قومه وذهب لميعاد ربّه عجلا مشتاقا لمناجاته، وانتهز السامريّ الفرصة، فصنع لبني إسرائيل عجلا من
стр. 1334
الذهب، بطريقة فنية، تجعل الريح تمرّ فيه، فتحدث صوتا وخوارا.
وقال لهم: إنّ موسى لن يعود إليكم. لقد ذهب لمقابلة ربّه فضلّ الطريق إليه، وهذا هو إلهكم وإله موسى.
وفتن بنو إسرائيل بعبادة العجل، فقد ألفوا الذل وطاعة فرعون.
وعاد موسى غضبان أسفا يلوم هارون على تباطئه عن إخماد هذه الفتنة، فاعتذر له بأنه صبر حتّى يعود، فيلتئم الشمل وتعود الوحدة إلى الجماعة.
وتوعّد موسى السامريّ بالعذاب والنّكال، وأمر بطرده من محلّة بني إسرائيل. فخرج طريدا هو وأهله إلى البراري، ثم أتى موسى بالعجل فحرقه بالنار، ونسف رماده في اليمّ، ليبيّن لقومه أنّ مثل هذا لا يصح أن يتّخذ إلها:
أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) .
مشاهد القيامة وختام السورة
بدأت سورة طه بمقدّمة في بيان جلال الله وقدرته وعلمه الواسع في الآيات ١- ٨.
ثمّ تحدّثت عن رسالة موسى وجهاده في مصر، وجهوده مع بني إسرائيل في الآيات ٩- ٩٨.
وبعد قصة موسى تجيء الآيات ٩٩- ١١٤ تعقيبا على هذه القصّة ببيان فضل القرآن، وعاقبة من يعرض عنه وترسم الآيات هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة، تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا، وتتكشّف الأرض من جبالها وتعرى، وتخشع الأصوات للرحمن، وتعنو الوجوه للحيّ القيّوم لعلّ هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس، ويذكّرها بالله ويصلها به. وينتهي هذا المقطع، بإراحة بال الرسول (ص) من القلق من ناحية القرآن الذي ينزل عليه، فلا يعجل في ترديده خوف أن ينساه، ولا يشقى بذلك فالله ميسّره وحافظه، وإنّما يطلب من ربّه أن يزيده علما.
وفي مناسبة حرص الرسول (ص) على أن يردّد ما يوحى إليه قبل انتهاء الوحي خشية النسيان، تعرض الآيات ١١٥- ١٢٣ نسيان آدم لعهد الله وتنتهي بإعلان العداوة بينه وبين
стр. 1335
إبليس، وعاقبة من يتذكّرون عهد الله ومن يعرضون عنه من ولد آدم. وترسم الآيات هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة، كأنّما هو نهاية الرحلة التي بدأت في الملأ الأعلى، ثم تنتهي إلى هناك مرّة أخرى ... وفي ختام السورة تسلية للرسول (ص) عن إعراض المعرضين وتكذيب المكذّبين فلا يشقى بهم، فلهم أجل معلوم. ولا يحفل بما أوتوه من متاع في الحياة الدنيا فهو فتنة لهم، وينصرف إلى عبادة الله وذكره فترضى نفسه وتطمئنّ، ولقد هلكت القرون من قبلهم، وشاء الله سبحانه أن يعذر إليهم بالرسول الأخير، ليعلن إليهم: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) .
وبذلك تختم السورة التي حددت وظيفة القرآن في بدايتها:
إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) .
وأكّدت هذه الوظيفة في نهايتها، فهي التذكرة الأخيرة لمن تنفعه التذكرة وليس بعد البلاغ إلّا انتظار العاقبة، والعاقبة بيد الله.
وقد كانت قصة موسى ونهاية فرعون، خلال السورة، تحقيقا لهذا المعنى وتأكيدا لفوز المؤمنين ومصرع المكذّبين وبذلك يتناسق المطلع والختام، وتكون السورة أشبه بموضوع، له مقدّمة، ثمّ قصّة تؤيّد المقدّمة، ثم خاتمة تؤكّد الموضوع.
وظهر أنّ بين أجزاء السورة وحدة فكرية خلاصتها:
شمول فضل الله ورحمته وعطفه، لأحبابه المؤمنين، وإيقاع نقمته وعذابه بالكافرين والمكذّبين.