← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وكانت عناية الله معه في شبابه حين نجّاه من كيد أتباع فرعون، وكانت عناية الله معه في رحلته إلى أرض مدين، ثم في عودته إلى أرض مصر، على موعد وتدبير إلهي. قال تعالى: وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) . وكلّف الله موسى أن يذهب مع أخيه هارون إلى فرعون، بعد أن طغى فرعون وتجبّر، ليقولا له قولا ليّنا، لا يهيّج الكبرياء الزائف ولا يثير العزّة بالإثم لعلّ قلبه، أن يتّعظ أو يتذكّر. أدلّة موسى (ع) على وجود الله تعالى توجه موسى وهارون إلى فرعون ليبلغاه رسالة الله رب العالمين، فقال فرعون، كما ورد في التنزيل: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) . فأجاب موسى، كما ورد في التنزيل أيضا: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) . وهي إجابة تلخّص أكمل آثار الألوهيّة الخالقة المدبّرة لهذا الوجود: هبة الوجود لكل موجود، وهبة خلقه على الصورة التي خلق بها، وهبة هدايته للوظيفة التي خلق لها. وثنّى قرون بسؤال آخر: قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) . ما شأن القرون التي مضت من النّاس؟ أين ذهبت؟ ومن كان ربّها؟ وما يكون شأنها، وقد هلكت لا تعرف إلهها هذا؟ وأجاب موسى: إنّ علمها عند الله الذي لا تخفى عليه خافية، وقد سجل عملها في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها. وقد تفضّل الله على الناس بالنعم المتعدّدة فمهّد لهم الأرض، وذلّل سبلها، وأنزل الماء من السماء، فأجرى به نهر النيل وغيره من الأنهار، ليخرج الماء أزواجا متعدّدة من النباتات، يستفيد منها الإنسان والحيوان. وقد خلق الإنسان من الأرض، ثم رزق من نباتها ومائها، ثم يعود إليها، ثم يبعث منها يوم القيامة.

стр. 1332

عرض موسى هذه الآيات الكونية أمام فرعون، وأراه المعجزات الظاهرة الملموسة، من اليد والعصا. ولكنّ فرعون قابل هذه المعجزات الواضحة، والحجج البالغة، بالجحود والكنود «١» وأخذ فرعون يكيل التهم لموسى، ويسفّه دعوته، ويصفه بالطمع في الملك، ويصف معجزاته بأنها سحر ظاهر مبين. موسى والسحرة توعّد فرعون موسى بأن يجمع له السحرة من كلّ مكان، ليبطلوا سحره ويظهروا عجزه. وقبل موسى التحدّي، وحدّد يوم العيد واجتماع الناس في زينتها الجديدة موعدا للمبارزة، حتّى يشيع الحق ويظهر ظهور الشمس. وجمع السحرة في يوم العيد، ولم يتخلّف واحد منهم فإذا بهم آلاف، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وخيّروا موسى: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) . فترك لهم موسى فرصة البدء، واستبقى لنفسه الكلمة الأخيرة. فتقدّم السحرة وألقوا ما في أيديهم من حبال فتحركت الحبال وماجت بها الساحة، وسحرت عيون المشاهدين، وملأتهم بالرهبة والإجلال لهذا العمل العظيم. وخشي موسى أن يخدع الناس عن الحق، وأدركه خوف الداعية على دعوته، فذكّره الله سبحانه، بأنه معه، وبأنه على الحق وعدوّه على الباطل، وبأنه رسول مؤيّد بالمعجزة وعدوّه ساحر، مضلّل مخادع: قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) . وألقى موسى عصاه، فابتلعت أعمال السحرة في سرعة مذهلة، وأدرك السّحرة أنّ عمل موسى ليس سحرا، ولكنه معجزة وبرهان من الله على صدق رسالته فإذا بهم يخرّون لله ساجدين توبة عما صنعوا، وخشوعا لهيبة الحقّ، وإكبارا لذلك الأمر الخطير، وإيمانا بالله ربّ العالمين. وعندئذ غلت مراجل الحقد

стр. 1333

والحفيظة في صدر فرعون، ولام السحرة على إيمانهم بموسى، قبل أن يأذن لهم. وقال: إنه أستاذكم وكبيركم الذي علّمكم السحر، فاتّفقتم معه على فعلكم ومؤامرتكم: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) . ولكن ذلك جاء بعد فوات الأوان. بعد أن تخلل صدورهم نور الإيمان، فوصلهم بخالقهم فزهدوا في عرض الدنيا وسلطانها، وتطلّعت قلوبهم إلى مرضاة الله، وفضّلوا ثواب الاخرة على كل ما عداه: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) . غرق فرعون ونجاة موسى استمرّ موسى في أداء رسالته وقيامه بواجب دعوته، وقد اشتد إيذاء فرعون وأتباعه للمؤمنين، فاستغاثوا بموسى، فخرج موسى بهم ليلا إلى الأرض المقدّسة، وقد سهّل الله إليها طريقهم، واعترض البحر سبيلهم، فاستغاثوا بموسى قائلين: البحر أمامنا وفرعون وراءنا. فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بعصاه، فتولّت قدرة الله أن تيسّر لهم في البحر اثني عشر طريقا يابسا ممهّدا للسير، فسار كل فريق في طريق، وحفظتهم عناية الله من فرعون وحينما حاول فرعون اللحاق بهم، أطبقت عليه وعلى جنوده مياه البحر، وأدركهم الغرق والهلاك. ونجّى الله المؤمنين، وأذلّ الكافرين. وجعل من ذلك عظة وعبرة لمن اعتبر، فمن آمن بالله وجاهد في سبيله كان في كنف الله ورعايته، ومن كفر بآيات الله وخرج عن طريق هدايته أعد الله له العذاب والنّكال. ونظر بنو إسرائيل في دهشة إلى مصرع الجبابرة العتاة، ثم نجّى الله فرعون ببدنه، ليكون آية لمن خلفه، ودليلا على أنّ الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته. موسى والسامري ترك موسى قومه وذهب لميعاد ربّه عجلا مشتاقا لمناجاته، وانتهز السامريّ الفرصة، فصنع لبني إسرائيل عجلا من

стр. 1334

الذهب، بطريقة فنية، تجعل الريح تمرّ فيه، فتحدث صوتا وخوارا. وقال لهم: إنّ موسى لن يعود إليكم. لقد ذهب لمقابلة ربّه فضلّ الطريق إليه، وهذا هو إلهكم وإله موسى. وفتن بنو إسرائيل بعبادة العجل، فقد ألفوا الذل وطاعة فرعون. وعاد موسى غضبان أسفا يلوم هارون على تباطئه عن إخماد هذه الفتنة، فاعتذر له بأنه صبر حتّى يعود، فيلتئم الشمل وتعود الوحدة إلى الجماعة. وتوعّد موسى السامريّ بالعذاب والنّكال، وأمر بطرده من محلّة بني إسرائيل. فخرج طريدا هو وأهله إلى البراري، ثم أتى موسى بالعجل فحرقه بالنار، ونسف رماده في اليمّ، ليبيّن لقومه أنّ مثل هذا لا يصح أن يتّخذ إلها: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) . مشاهد القيامة وختام السورة بدأت سورة طه بمقدّمة في بيان جلال الله وقدرته وعلمه الواسع في الآيات ١- ٨. ثمّ تحدّثت عن رسالة موسى وجهاده في مصر، وجهوده مع بني إسرائيل في الآيات ٩- ٩٨. وبعد قصة موسى تجيء الآيات ٩٩- ١١٤ تعقيبا على هذه القصّة ببيان فضل القرآن، وعاقبة من يعرض عنه وترسم الآيات هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة، تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا، وتتكشّف الأرض من جبالها وتعرى، وتخشع الأصوات للرحمن، وتعنو الوجوه للحيّ القيّوم لعلّ هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس، ويذكّرها بالله ويصلها به. وينتهي هذا المقطع، بإراحة بال الرسول (ص) من القلق من ناحية القرآن الذي ينزل عليه، فلا يعجل في ترديده خوف أن ينساه، ولا يشقى بذلك فالله ميسّره وحافظه، وإنّما يطلب من ربّه أن يزيده علما. وفي مناسبة حرص الرسول (ص) على أن يردّد ما يوحى إليه قبل انتهاء الوحي خشية النسيان، تعرض الآيات ١١٥- ١٢٣ نسيان آدم لعهد الله وتنتهي بإعلان العداوة بينه وبين

стр. 1335

إبليس، وعاقبة من يتذكّرون عهد الله ومن يعرضون عنه من ولد آدم. وترسم الآيات هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة، كأنّما هو نهاية الرحلة التي بدأت في الملأ الأعلى، ثم تنتهي إلى هناك مرّة أخرى ... وفي ختام السورة تسلية للرسول (ص) عن إعراض المعرضين وتكذيب المكذّبين فلا يشقى بهم، فلهم أجل معلوم. ولا يحفل بما أوتوه من متاع في الحياة الدنيا فهو فتنة لهم، وينصرف إلى عبادة الله وذكره فترضى نفسه وتطمئنّ، ولقد هلكت القرون من قبلهم، وشاء الله سبحانه أن يعذر إليهم بالرسول الأخير، ليعلن إليهم: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) . وبذلك تختم السورة التي حددت وظيفة القرآن في بدايتها: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) . وأكّدت هذه الوظيفة في نهايتها، فهي التذكرة الأخيرة لمن تنفعه التذكرة وليس بعد البلاغ إلّا انتظار العاقبة، والعاقبة بيد الله. وقد كانت قصة موسى ونهاية فرعون، خلال السورة، تحقيقا لهذا المعنى وتأكيدا لفوز المؤمنين ومصرع المكذّبين وبذلك يتناسق المطلع والختام، وتكون السورة أشبه بموضوع، له مقدّمة، ثمّ قصّة تؤيّد المقدّمة، ثم خاتمة تؤكّد الموضوع. وظهر أنّ بين أجزاء السورة وحدة فكرية خلاصتها: شمول فضل الله ورحمته وعطفه، لأحبابه المؤمنين، وإيقاع نقمته وعذابه بالكافرين والمكذّبين.

стр. 1336

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «طه» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة طه بعد سورة مريم، ونزلت سورة مريم فيما بين الهجرة إلى الحبشة وحادثة الإسراء فيكون نزول سورة طه في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لابتدائها به، وتبلغ آياتها خمسا وثلاثين ومائة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة، حثّ النبي (ص) على الصبر على ما يلقاه من إعراض قومه عن دعوته ولهذا افتتحت بأنه لم ينزل عليه القرآن ليشقى إذا لم يؤمنوا به، لأنه ليس عليه إلا أن يذكّر به من يخشى، فإذا لم يؤمنوا به فلا شيء عليه من عدم إيمانهم ثم قصّ عليه بعد هذا قصّة موسى من أوّلها إلى آخرها، ليتأسّى بما كان من ثباته أمام فرعون، ومن صبره على عناد بني إسرائيل ثمّ قصّ عليه بعدها قصّة آدم، ليحذّره ممّا وقع فيه بسبب التعجّل، وعدم الصبر على الابتلاء والاختبار ثم ختمت السورة بحثّ النبيّ (ص) على الصبر كما افتتحت به. وقد ذكرت هذه السورة بعد سورة مريم، لأنّها تشبهها في غلبة الأسلوب القصصي عليها. فهي تعدّ من هذه الناحية كأنها تكميل لها ولسورة الكهف، وتقرير لما ورد في آخر سورة

стр. 1337

الكهف، من أن كلمات الله في ذلك لا نفاد لها. الحث على الصبر [الآيات ١- ٨] قال الله تعالى: طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) فذكر سبحانه أنه لم ينزل عليه القرآن ليشقى إذا كفروا به أسفا على كفرهم، لأنه لم ينزله عليه إلّا ليذكّر به من يخشى عقابه، فهو الذي يرجى إيمانه به ثم نوّه بشأن هذا القرآن الذي يعرضون عنه، فذكر أنه تنزيل ممّن خلق السماوات والأرض، إلى غير هذا من صفات العظمة التي ذكرها، وختمها تعالى بقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) . قصة موسى الآيات [٩- ١١٤] ثم قال تعالى وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) فذكر قصّة موسى حين رجع من مدين إلى مصر، وأنه رأى نارا فذهب إليها، وهناك ناداه ربّه أنه اختاره لرسالته، وأنه أعطاه آيتين: آية عصاه يلقيها فتكون حيّة تسعى، وآية يده يضمّها إلى جناحه فتخرج بيضاء من غير سوء. ثم أمره أن يذهب إلى فرعون، لأنه طغى وادّعى الألوهية فقبل الرسالة، ودعا الله أن يشرح له صدره حتى لا يضيق بما يلاقيه في تلك الدعوة، وأن يشرك معه أخاه هارون، فأجابه سبحانه إلى طلبه ثم أمرهما أن يذهبا إلى فرعون، وأن يقولا لا قولا ليّنا، لعلّه يتذكّر أو يخشى. فلمّا أتياه، قالا له إنّا رسولا ربّك إليك، وطلبا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، ويكفّ عن عذابهم، وأخبراه بأنّهما قد جاءاه بآية من ربّه، تدلّ على صدقهما. ثم ذكر سبحانه أن فرعون سأل موسى عن ربّه، فأجابه بأنّه ﷻ هو الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى، وأنه سأله عن حال القرون الأولى كيف يحيط بها علمه مع تمادي كثرتها، فأجابه بأن كل ما سلف مثبت عنده في كتاب فلا يضل عنه ولا ينساه. ثم ذكر تعالى أن موسى أرى فرعون الآيتين السابقتين فكذّب وأبى، وزعم أنهما سحر يريد موسى أن يخرج به فرعون وقومه من أرضهم، وأخبره بأنهم سيأتونه بسحر مثله وطلب منه أن يجعل بينهم وبينه موعدا يجتمعون فيه، فضرب لهم موسى يوم

стр. 1338

الزينة موعدا، وهو يوم عيد لهم فجمع فرعون سحرته في هذا اليوم، وكانوا قد أتوا بحبال وعصيّ لطّخوها بالزّئبق، فألقوها في الشمس، فاضطربت واهتزّت، وخيّل إلى الناس أنها حيّات تسعى، فألقى موسى عصاه، فإذا هي أعظم من حيّاتهم، ثم أخذت تزداد عظما حتّى ملأت الوادي، وذهبت إلى حيّاتهم فأكلتها فعرف السّحرة أنّ هذا ليس بسحر، وآمنوا بربّ موسى وهارون وقد هدّدهم فرعون بما تهدّدهم به، فلم يرجعوا عن إيمانهم. ثم ذكر سبحانه أنه أوحى الى موسى أن يسير ببني إسرائيل ليلا، وأنّ فرعون تبعهم بجنوده حينما علم بهربهم، وأنه جلّ وعلا، شق البحر لبني إسرائيل فاجتازوه، وأنّ فرعون أدركهم وهم يجتازونه، فتبعهم بجنوده فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) . ثم انتقل الكلام إلى ما كان بعد ذلك من بني إسرائيل، فذكر أنه أنجاهم من فرعون عدوّهم، إلى غير هذا ممّا ذكره من نعمه عليهم ثم أمرهم أن يأكلوا من طيّبات ما رزقهم، ونهاهم أن يطغوا فيه لئلا يحلّ غضبه عليهم، ثم ذكر ما كان من فتنتهم بعبادة العجل بعد ذهاب موسى لميعاد ربه، وأنّ موسى حينما رجع إليهم لامهم على ما كان منهم، فذكروا له أن السامريّ هو الذي أغواهم بعبادة العجل، إذ صنع لهم من حليّهم عجلا جسدا له خوار، وزعم لهم أنه إلههم وإله موسى، فافتتنوا بذلك وصدّقوه في زعمه ثم ذكر أن هارون نهاهم عن ذلك، فذكروا له أنهم سيقيمون عليه إلى أن يرجع موسى إليهم. وأن موسى لام هارون على أنه لم يقاتلهم هو ومن لم يعبد العجل، فأجابه بأنه خشي أن يفرّق بينهم بالقتال، فاكتفى بنصحهم ووعظهم ثم ذكر أن موسى سأل السامري بعد ذلك عمّا دعاه إلى فتنة قومه، فأخبره بأنه كان قد أخذ بعضا من سنّته ودينه، ثم بدا له فنبذها ودعا إلى تلك العبادة، فأمر موسى بطرده من خلّة بني إسرائيل، فخرج طريدا هو وأهله إلى البراري. ثم أتى بالعجل فحرقه بالنار ونسف رماده في اليمّ، ليبيّن لهم أن مثل هذا لا يصح أن يتّخذ إلها إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) .

стр. 1339

ثم ذكر أنه يقصّ عليه ذلك ليكون عظة له ولقومه وأنه أنزل القرآن بمثل ذلك ليذكّرهم به، وانتقل السياق من ذلك إلى تهديد من يعرض عن سبيله تعالى بما هدّده به من العقاب الذي يثقل حمله عليهم، ومن حشرهم زرقا يوم ينفخ في الصّور، فيقومون من قبورهم، ويتساءلون بينهم عن مدة لبثهم قبل قيامهم، فيذكر بعضهم أنهم لم يلبثوا إلّا عشرة أيام ويذكر بعضهم أنهم لم يلبثوا إلّا يوما لأنّ شدة الأهوال، تنسيهم مدة لبثهم ثم ذكر أن الجبال تنسف بعد النفخ في الصّور، وأنّ الأرض تكون ملساء مستوية لا نبات فيها، وأنهم يدعون إلى الحشر فيسير الداعي بهم لا يعرّج هنا أو هناك، فإذا وقفوا للحساب خشعت الأصوات للرحمن، فلا يشفع عنده إلّا من أذن له ورضي قوله. ثم ذكر سبحانه أن وجوههم تعنو له ﷻ وتخضع لحكمه، فيحرم من الثواب من حمل ظلما في الدنيا، وينال من عمل صالحا ثوابه، ولا يخاف ظلما ولا هضما، ثم ذكر أنه أنزل القرآن، وكرّر فيه هذا الوعيد، لعلهم يتّقون، أو يحدث لهم ذكرا: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) . قصة آدم الآيات [١١٥- ١٢٧] ثم قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) فذكر سبحانه أنه عهد إلى آدم في الجنّة ألا يأكل من الشجرة فضاق صدره بذلك التكليف، وضعف عن تحمّله، فعوقب على ذلك بالخروج من الجنّة، وقد أتى السياق بذلك من أول الأمر، ليدل على موضع العبرة من ذكر قصة آدم ثم ذكر تفصيل ذلك من أمر الملائكة بالسجود له ﷻ ، وأنهم أطاعوه فسجدوا إلّا إبليس أبى، إلى أن ذكر ما كان من أمر آدم وحوّاء بالهبوط من الجنّة، وعهده إليهما وإلى ذرّيتهما، أنه إذا أتاهم منه هدّى فمن اتّبعه فلا يضلّ ولا يشقى، ومن أعرض عنه فإنّه يقضي دنياه في ضنك وشدّة لأنّ الكفر لا اطمئنان معه، ثم يكون حاله في الاخرة أسوأ من الدنيا، ويحشر فيها أعمى فإذا سأل ربّه لم حشره أعمى وقد كان بصيرا، أجابه بأنه كذلك أتته آياته فنسيها وكذلك

стр. 1340

اليوم ينسى: وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) . الخاتمة الآيات (١٢٨- ١٣٥) ثم قال تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) ، فحذّر كفار قريش أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم الذين يمشون في مساكنهم، وذكر أنه لولا قضاء الله بأنه لا يهلكهم كما أهلك من كان قبلهم، لكان عذابه لزاما لهم، ثم أمر النبي (ص) بأن يصبر على تعنّتهم، وأن يستعين على هذا بالمثابرة على الصلوات في أوقاتها ونهاه أن يمدّ عينيه إلى ما متّع به بعضهم من زينة الدنيا، لأنّ ما عنده من الثواب خير وأبقى ثم ذكر أنّ من تعنّتهم، أنهم اقترحوا على النبيّ (ص) آية تدل على نبوّته، وأجابهم بأنهم قد أتاهم أخبار الأمم السابقة في الصحف الأولى، إذ طلبوا من الآيات مثل طلبهم ولم يؤمنوا بها، فأهلكهم الله وعجّل لهم عذابهم ولو أنه جلّ وعلا أهلكهم قبل أن يرسل إليهم رسلهم، ويجيبهم إلى ما اقترحوا من الآيات، لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) .

стр. 1341

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «طه» «١» أقول: روينا عن ابن عبّاس وجابر بن زيد، في ترتيب النزول: أن «طه» نزلت بعد سورة مريم، بعد ذكر سورة أصحاب الكهف. وذلك وحده كاف في مناسبة الوضع، مع التاخي بالافتتاح بالحروف المقطّعة. وظهر لي وجه آخر، وهو: أنه لمّا ذكرت في سورة مريم قصص الأنبياء، زكريا، ويحيى، وعيسى، مبسوطة، وقصّة ابراهيم، وهي بين البسط والإيجاز، وقصّة موسى، وهي موجزة بجملة «٢» ، فقد أشير إلى بقية النبيّين إجمالا «٣» . وذكر في هذه السورة شرح قصّة موسى، التي أجملت هناك، فاستوعبت غاية الاستيعاب وبسّطت أبلغ بسط «٤» ثم أشير إلى تفصيل قصّة آدم، الذي وقع مجرد اسمه هناك، «٥» ثم ورد في سورة «الأنبياء» بقيّة قصص من لم يذكر في مريم، كنوح، ولوط، وداود، وسليمان وأيوب وذي الكفل،

стр. 1342

وذي النون، وأشير إلى قصّة من ذكرت قصّته إشارة وجيزة، كموسى، وهارون، وإسماعيل، وزكريا، ومريم، لتكون السورتان كالمتقابلتين. وبسطت في سورة «الأنبياء» قصّة إبراهيم البسط التام فيما يتعلق به مع قومه، ولم تذكر حاله مع أبيه إلّا إشارة «١» . كما أنّه في سورة مريم ذكر حاله مع قومه إشارة، ومع أبيه مبسوطا «٢» . فانظر إلى عجيب هذا الأسلوب، وبديع هذا الترتيب.

стр. 1343

المبحث الرابع مكنونات سورة «طه» «١» ١- فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ [الآية ٤٠] قال قتادة: عشرا. أخرجه ابن أبي حاتم. ٢- يَوْمُ الزِّينَةِ [الآية ٥٩] . قال ابن عبّاس: هو يوم عاشوراء. أخرجه ابن أبي حاتم. ٣- السَّامِرِيُّ [الآية ٨٥] . اسمه: موسى بن ظفر. أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس. وأخرج عنه: أنه كان من أهل كرمان. ومن وجه آخر عنه: من أهل باجرقا «٢» . وعن قتادة: كان من قرية اسمها سامرة. ٤- مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ [الآية ٩٦] . هو جبريل، كما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عليّ، وابن عبّاس، وغيرهما.

стр. 1344

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «طه» «١» ١- وقال تعالى: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) . ووصف السماوات ب (العلى) دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها، في علوّها وبعد مرتقاها. أقول: وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) ، أي: العالية وهو من باب الوصف بالمصدر، ومعناه اسم الفاعل، كقولهم: شاهد عدل، والمعنى عادل أو ذو عدل. ٢- وقال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) . (الحسنى) : تأنيث الأحسن. أقول: وقد تحوّلت «الحسنى» إلى مصدر، كالتّقوى والبقيا والبلوى ونحو ذلك ومنه قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] . وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى [النحل: ٦٢] . وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [فصّلت: ٥٠] . وآيات أخرى، وكنا عرضنا إلى شيء من هذا في آية سابقة. ٣- وقال تعالى: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) . وقوله تعالى: طُوىً (١٢) بالضم والكسر منصرف وغير منصرف بتأويل المكان والبقعة، وقيل: مرّتين نحو ثنّى، أي: نداءين، أو قدّس الوادي كرّة بعد كرّة.

стр. 1345

٤- وقال تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [الآية ١٥] . أي: أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية لفرط إرادتي إخفائها، ولولا ما في الإخبار بإتيانها، مع تعمية وقتها من اللطف، لما أخبرت به. وقيل: معناه أكاد أخفيها من نفسي. ٥- وقال تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) . وقوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) أي: لتربّى وتغذّى بمرأى منّي، أي يجري أمرك على ما أريد بك من الرفاهة في غذائك. والكلام على موسى (ع) . ٦- وقال تعالى: فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) . قرئ (سوى) بالكسر أيضا، وهو منوّن وغير منوّن ومعناه: منصفا بيننا وبينك عن مجاهد. وهو من الاستواء، لأنّ المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية، لا تفاوت فيها. وقيل معناه مكان عدل بيننا وبينك عن قتادة. وهذا من الكلم الذي لولا القرآن لكان من الضائع من مادة العربية القديمة. ٧- وقال تعالى: قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [الآية ٦١] . وقوله تعالى: فَيُسْحِتَكُمْ، أي: يستأصلكم بعذاب، عن قتادة والسدّيّ. وقيل: «يهلككم» عن ابن عبّاس، وغيره. أقول: وأصل السّحت: استقصاء الحلق، يقال سحت شعره إذا استأصله. وسحته الله وأسحته إذا استأصله وأهلكه. أقول أيضا: ومنه قول الفرزدق: وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلّا مسحتا أو مجلّف قال الزمخشري: والبيت لا تزال الرّكب تصطك في تسوية إعرابه. أقول: وليس من هذا كلمة «السّحت» التي وردت في القرآن في سورة المائدة في قوله تعالى:

стр. 1346

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة: ٤٢] . ٨- وقال تعالى: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) . وقوله تعالى: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ، أي: أنّهم تشاوروا في السّرّ، وتجاذبوا أهداب القول. وهذا معنى جميل لكلمة «التنازع» . ٩- وقال تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) . أقول: في الآية الكريمة ضرب من الإيجاز البليغ في قوله تعالى: ما غَشِيَهُمْ من باب الاختصار، وهذا من جوامع الكلم التي تستقلّ مع قلّتها بالمعاني الكثيرة. أي غشيهم ما لا يعلم كنهه إلّا الله. وإذا كانت البلاغة بالإيجاز، فإن ذلك واضح، كل الوضوح، في هذه الآية، التي جاء الإيجاز فيها مؤذنا بالكثير من المعاني، التي ينصرف إليها الذهن تصوّرا وتحقّقا. ١٠- وقال تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [الآية ٨٨] . وقوله تعالى: عِجْلًا جَسَداً أي: عجلا جسما. أقول: وهذا من باب الوصف بالاسم الجامد، على التأويل والمعنى: عجلا ذا جسد أو جسم، أو مجسّدا مجسّما كما نقول بلغة هذا العصر. ١١- وقال تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) . أقول: هذا شاهد في أنّ (لن) النافية الناصبة لا تقتضي التأبيد، ذلك أن عدم البراح موقوت بالمدة التي هي قبل رجوع موسى. وقد أردت التنبيه على هذه المسألة التي أشار إليها النّحاة، وأنكروا على الزمخشري في «مفصّله» أنها تفيد التأبيد، أقول: أردت التنبيه على هذه المسألة، لأوكّد ما درج عليه المعاصرون من استعمال هذه الأداة إرادة التأبيد، كقولهم: لم أقل هذا ولن أقوله. ١٢- وقال تعالى: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها [الآية ٩٦] . قرأ الحسن: (قبضة) بضم القاف، وهي اسم المقبوض كالغرفة والمضغة. وأما (القبضة) بفتح القاف فهي المرّة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من باب تسمية المفعول بالمصدر.

стр. 1347

وقرئ أيضا: فقبصت قبصة بالصّاد المهملة. وقيل: من قرأ بالضاد فهو بجميع الكفّ، ومن قرأ بالصّاد فبأطراف الأصابع. أقول: ليس هذا التفريق وجيها، وذلك لأنه لم يؤيد في كلام العرب، وأرى أن الفعل بالضاد كالفعل بالصاد، وتلك مسألة تتصل ب «اللهجات» . ويؤيّد هذا ما ورد في الآية الكريمة: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] . وقرئت حضب بالضاد المعجمة، كما قرئت: حطب بالطاء. ١٣- وقال تعالى: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) . قوله تعالى: ظَلْتَ، والأصل «ظللت» ، فحذفت اللام الأولى، ونقلت حركتها إلى الظاء. أقول: أرى أن اللام قد حذفت، وليس من نقل للحركة، والحذف للتخفيف ليس غير. ولم نجد نظير هذا الحذف، في نظائر الفعل من المضاعف. وقوله تعالى: لَنَنْسِفَنَّهُ بمعنى لنذرّينّه. وفي عربيتنا المعاصرة، يقال: نسف البناء، أي أزاله وأفناه. ١٤- وقال تعالى: قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) . وقوله تعالى: أَلَّا تَتَّبِعَنِ بالنون المكسورة، وحقّها أن تكون «تتّبعني» بالياء. أقول: وحذف الياء، يعني قصر المدّ قليلا والاجتزاء عنه بالكسرة القصيرة، ليس مسألة من مسائل رسم المصحف، بل إنّ هذا الرسم الذي يباح فيه حذف ما لا يحذف، يؤدّي غرضا صوتيا يتّصل بحسن الأداء وذاك أن المدّ القصير، أي: الكسرة أنسب إلى المدّ القصير بعدها، أي: الفتحة في قوله تعالى: أَفَعَصَيْتَ، وهذا عند الوصل، الذي هو أولى في هذا الموضع الذي يباح فيه الوقف الجائز.

стр. 1348

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «طه» «١» قال تعالى: طه (١) منهم من يزعم أنها حرفان مثل حم (١) ومنهم من يقول طه (١) يعني: يا رجل في بعض لغات العرب. وقوله تعالى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) بدل من قوله لِتَشْقى (٢) أي «ما أنزلنا القرآن عليك إلّا تذكرة» «٢» . وقال تعالى: تَنْزِيلًا [الآية ٤] أي: أنزل الله ذلك تنزيلا. وقال تعالى: الرَّحْمنُ [الآية ٥] أي: هو الرّحمن «٣» . وقال سبحانه مَآرِبُ أُخْرى (١٨) [الآية ١٨] وواحدتها: «مأربة» . وقال: آيَةً أُخْرى (٢٢) [الآية ٢٢] أي: أخرج آية أخرى بجعله بدلا من قوله بَيْضاءَ «٤» [الآية ٢٢] . وقوله تعالى: وَلا تَنِيا [الآية ٤٢] من «ونى» و «يني» «ونيا» و «ونيّا» . وفي قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [الآية ٦٣] «إن» خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى «ما» «٥» ، ونقرأها ثقيلة،

стр. 1349

وهي لغة لبني الحارث بن كعب «١» . وقوله تعالى الْمُثْلى (٦٣) [الآية ٦٣] تأنيث «الأمثل» «٢» مثل: «القصوى» و «الأقصى» . وقال تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) [الآية ٦٩] وتقول العرب: «جئتك من أين لا تعلم» و «من حيث لا تعلم» . وقال تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ [الآية ١١١] من: «عنت» «تعنو» «عنوّا» . وقال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً [الآية ١٢٩] كأنه يريد: ولولا أَجَلٌ مُسَمًّى [الآية ١٢٩] لكان لزاما. وقال تعالى: وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) أي: والعاقبة لأهل التقوى. وقال تعالى: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) أي قدر. ولم يزل قادرا، ولكن أخبر بقدرته. وقال تعالى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ [الآية ٤٤] نحو قول الرجل لصاحبه: «افرع لعلّنا نتغدّى» والمعنى: «لنتغدّى» و «حتّى نتغدّى» وتقول للرجل: «اعمل عملك لعلّك تأخذ أجرك» أي: لتأخذه «٣» . وقال تعالى: أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) يريد: «أزواجا شتّى من نبات» أو يكون النبات هو شتى. كلّ ذلك مستقيم «٤» . وقال تعالى: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا [الآية ٧٢] يقول: «لن نؤثرك على الّذي فطرنا» . وقال تعالى: لا تَخافُ دَرَكاً [الآية ٧٧] أي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً [الآية ٧٧]

стр. 1350

لا تَخافُ فيه دَرَكاً وحذف «فيه» كما تقول: «زيد أكرمت» تريد: «أكرمته» وكما قال وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [البقرة: ٤٨ و ١٢٣] أي لا تجزي فيه.

стр. 1351

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «طه» «١» إن قيل: قوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً. لم حكى الله تعالى قول موسى (ع) لأهله عند رؤية النار في هذه السورة، وفي سورة النمل وفي سورة القصص، بعبارات مختلفة، وهذه القضية لم تقع إلّا مرّة واحدة؟ قلنا: قد سبق في سورة الأعراف، في قصّة موسى (ع) مثل هذا السؤال والجواب المذكور، ثمّ هو الجواب هنا. فإن قيل: قوله تعالى: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها [الآية ١٦] ظاهر اللفظ نهي من لا يؤمن بالسّاعة عن صدّ موسى عن الإيمان بها. والمقصود هو نهي موسى عن التكذيب بها. فهل بوسعكم شرح ذلك؟. قلنا: معناه كن شديد الشكيمة في الدين، صليب المعجم «٢» لئلّا يطمع في صدّك عن الايمان بها من لا يؤمن بها، وهذا كقولهم: لا أرينّك هاهنا معناه لا تدن مني ولا تقرب من حضرتي لئلّا أراك ففي الصورتين النهي متوجه إلى المسبّب، والمراد به النهي عن السبب، وهو القرب منه والجلوس بحضرته، فإنه سبب رؤيته، وكذلك لين موسى (ع) في الدين وسلاسة قياده سبب لصدّهم إيّاه. فإن قيل: ما الحكمة من السؤال في قوله تعالى:

стр. 1352

وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) ، وهو أعلم بما في يده جملة وتفصيلا؟ قلنا: الحكمة فيه، تأنيسه وتخفيف ما حصل عنده من دهشة الخطاب وهيبة الإجلال وقت التكلّم معه كما يرى أحدنا طفلا قد داخلته هيبة وإجلال وخوف، وفي يده فاكهة أو غيرها، فيلاطفه ويؤانسه، بقوله ما هذا الذي في يدك؟ مع أنه عالم به. الثاني: أنه تعالى أراد بذلك أن يقرّ موسى ﵇، ويعترف بكونها عصا، ويزداد علمه بكونها عصا رسوخا في قلبه، فلا يحوم حوله شكّ إذا قلبها ثعبانا أنها كانت عصا، ثمّ انقلبت ثعبانا، بقدرة الله تعالى. وأن يقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه والمقلوب إليه فيتنبه على القدرة الباهرة. ونظيره أن يريك الحدّاد قطعة من حديد ويقول لك ما هذه؟ فتقول زبرة من حديد، ثم يريك بعد أيام درعا واسعة مسرودة ويقول: هذه تلك القطعة صيّرتها إلى ما تراه من عجيب الصنعة، وأنيق السرد. فإن قيل: قد ذكر الله تعالى عصا موسى (ع) بلفظ الحيّة والثعبان والجانّ وبين الثعبان والجانّ تناف، لأنّ الجانّ الحيّة الصغيرة كذا قاله ابن عرفة، والثعبان الحيّة العظيمة، كذا نقله الأزهري عن الزجّاج وقطرب. قلنا: أراد سبحانه أنها في صورة الثعبان العظيم، وخفّة الحيّة الصغيرة وحركتها ويؤيّد ذلك قوله جلّ وعلا: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ [النمل: ١٠] . الثاني أنها كانت في أوّل انقلابها تنقلب حيّة صغيرة صفراء دقيقة، ثمّ تتورّم ويتزايد جرمها حتّى تصير ثعبانا فأريد بالجانّ أوّل حالها، وبالثعبان مالها. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) وهذا لا بيان فيه، لأنّه مجمل؟ قلنا: الحكمة هي الإشارة إلى أنه ليس كل الأمور ممّا يوحى إلى النساء، كالنبوّة ونحوها، بل بعضها. الثاني: أنه للتأكيد، كقوله تعالى: فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) [النجم] كأنّه قال: إذ أوحينا إلى أمك إيحاء. الثالث: أنه أبهمه أوّلا للتفخيم والتعظيم، ثمّ بيّنه وأوضحه، بقوله تعالى: أَنِ اقْذِفِيهِ [الآية ٣٩] . فإن قيل: لم قدّم هارون على موسى ﵉، في قوله تعالى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)

стр. 1353

وهارون كان وزيرا لموسى (ع) وتبعا له قال الله تعالى: وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) [الفرقان] ؟ قلنا: إنّما قدّمه ليقع موسى مؤخّرا في اللفظ فيناسب الفواصل، أعني رؤوس الآيات. فإن قيل: ما المراد في قوله تعالى: لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) ؟ قلنا: المراد: لا يموت فيها موتا يستريح به، ولا يحيا حياة تنفعه ويستلذّ بها. الثاني: أنّ المراد لا يموت فيها موتا متّصلا، ولا يحيا حياة متصلة بل كلّما مات من شدّة العذاب، أعيد حيّا ليذوق العذاب، هكذا سبعين مرة في مقدار كلّ يوم من أيام الدنيا. فإن قيل: الخوف والخشية واحد في اللغة، فلم قال تعالى: لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) . قلنا: معناه لا تخاف دركا: أي لحاقا من فرعون، ولا تخشى غرقا في البحر. كما تقول: لا تخاف زيدا ولا تخشى عمرا، ولو قلت ولا عمرا صحّ وكان أوجز ولكن إذا أعدت الفعل، كان آكد وأما في الآية فلما لم يكن مفعول الخشية مذكورا، وذكر الفعل ثانيا ليكون دليلا عليه، وخولف بين اللفظين رعاية للبلاغة. وقيل معناه لا تخاف دركا على نفسك، ولا تخشى دركا على قومك والأوّل عندي أرجح. فإن قيل: قوله تعالى: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ [الآية ٧٩] يغني عن قوله تعالى: وَما هَدى (٧٩) ومفيد فوق فائدته فلم ذكر معه؟ قلنا: معناه: وما هداهم بعد ما أضلّهم، فإنّ المضلّ قد يهدي بعد إضلاله. الثاني: أنّ معناه: وأضلّ قومه وما هدى نفسه. الثالث: أن معناه: وأضلّ فرعون قومه عن الدّين، وما هداهم طريقا في البحر. الرابع: أنّ قوله تعالى: وَما هَدى (٧٩) تهكّم به في قوله لقومه، كما ورد في التنزيل: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) [غافر] . فإن قيل: لم قال الله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ [الآية ٨٠] أضاف المواعدة إليهم والمواعدة، إنّما كانت

стр. 1354

لموسى (ع) ، واعده الله تعالى جانب الطّور الأيمن لإتيانه التوراة؟ قلنا: المواعدة، وإن كانت لموسى (ع) ، ولكنّها، لمّا كانت لإنزال كتاب بسبب بني إسرائيل، وفيه بيان شريعتهم وأحكامهم وصلاح معاشهم ومعادهم، أضيفت إليهم المواعدة بهذه الملابسة والاتصال. فإن قيل: قوله تعالى: وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) سؤال عن سبب العجلة، فإن موسى (ع) لمّا واعده الله تعالى بإنزال التوراة عليه بجانب الطور الأيمن، وأراد الخروج إلى ميعاد ربّه اختار من قومه سبعين رجلا يصحبونه إلى ذلك المكان، ثمّ سبقهم شوقا إلى ربّه وأمرهم بلحاقه، فعوتب على ذلك، وكان الجواب المطابق أن يقول: طلبت زيادة رضاك أو الشوق إلى لقائك وتنجيز وعدك، فلم قدّم ما لا يطابق السؤال، وهو قوله تعالى: هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي [الآية ٨٤] ؟ قلنا: ما واجهه ربّه به تضمّن شيئين: إنكار العجلة في نفسها، والسؤال عن سببها فبدأ موسى (ع) بالاعتذار عمّا أنكره تعالى عليه، بأنه لم يوجد منه إلّا تقدّم يسير لا يعتدّ به في العادة، كما يتقدّم المقدّم جماعته وأتباعه ثم عقّب العذر بجواب السؤال عن السبب، بقوله كما ورد في التنزيل: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) . فإن قيل: أليس أنّ أئمّة اللغة قالوا: العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأعيان، ولهذا قال ثعلب: ونقول في الأمر والدين عوج، وفي العصا ونحوها عوج، كالجبال والأرض، فكيف صحّ فيها المكسور، في قوله تعالى: لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) ؟ قلنا: قال ابن السّكّيت: كل ما كان ممّا ينتصب كالحائط والعود، قيل فيه عوج بالفتح، والعوج بالكسر ما كان في أرض أو دين أو معاش، فعلى هذا لا إشكال. الثاني: أنه أريد به نفي الاعوجاج الذي يدرك بالقياس الهندسي ولا يدرك بحاسّة البصر، وذلك اعوجاج لاحق بالمعاني، فلذلك قال فيه عوج بالكسر ومما يوضح هذا أنك لو سوّيت قطعة أرض غاية التسوية، بمقتضى نظر العين، بموافقة جماعة من البصراء، واتفقتم على أنه لم يبق فيها عوج قط، ثم أمرت المهندس أن يعتبرها بالمقاييس

стр. 1355

الهندسية، وجد فيها عوجا في غير موضع، ولكنه عوج لا يدرك بحاسة البصر، فنفى الله تعالى ذلك العوج لما لطف ودقّ عن الإدراك، فكان لدقّته وخفائه ملحقا بالمعاني. فإن قيل: إنّ الله تعالى أخبر أن آدم (ع) نسي عهد الله ووصيّته، وأكل من الشجرة، بقوله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [الآية ١١٥] وإذا كان فعل ذلك ناسيا، فكيف وصف بالعصيان والغواية، بقوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) فعاقبه عليه بأعظم أنواع العقوبة، وهو الإخراج من الجنّة؟ قلنا: النسيان هنا بمعنى الترك، كما في قوله تعالى: إِنَّا نَسِيناكُمْ [السجدة: ١٤] أي تركناكم في العذاب، وقوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] فمعناه أنه ترك عهد الله ووصيته، فكيف يكون من النسيان الذي هو ضد الذّكر وقد جرى بينه وبين إبليس من المجادلة والمناظرة في أكل الشجرة، فصول كثيرة ما ذكره تعالى في قوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) فكيف يبقى مع هذا نسيان؟ فإن قيل: لم قال الله تعالى: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) ولم يقل فتشقيا، والخطاب لآدم وحواء (ع) ؟ قلنا: لوجوه: أحدها أن الرجل قيّم أهله وأميرهم، فشقاؤه يتضمّن شقاءهم، كما أن معاداته تتضمن معاداتهم فاختصر الكلام بإسناد الشقاء إليه دونها، لمّا كان متضمّنا له. الثاني: أنه إنما أسند إليه دونها للمحافظة على الفاصلة. الثالث: أنه أريد بالشقاء: الشقاء في طلب القوت وإصلاح المعاش، وذلك وظيفة الرجل دون المرأة، قال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم (ع) ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فذلك شقاؤه. فإن قيل: هل يجوز أن يقال: كان آدم عاصيا غاويا، أخذا من قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ؟ قلنا: يجوز أن يقال: عصى آدم، كما قال الله تعالى، ولا يجوز أن يقال كان آدم عاصيا، لأنه لا يلزم من جواز إطلاق الفعل جواز اطلاق اسم الفاعل ألا ترى أنه يجوز أن يقال تبارك الله ولا يجوز أن يقال الله تبارك،

стр. 1356

ويجوز أن يقال تاب الله على آدم، ولا يجوز أن يقال الله تائب ونظائره كثيرة. فإن قيل: أسماء الله تعالى وصفاته توفيقيّة لا مدخل للقياس فيها ولهذا يقال الله عالم، ولا يقال علّامة، وإن كان هذا اللفظ أبلغ في الدلالة على معنى العلم فأما أسماء البشر وصفاتهم، فقياسية فلم لا يجرى فيها على القياس المطّرد؟ قلنا: هذا القياس ليس بمطّرد في صفات البشر أيضا، ألا ترى أنهم قالوا ذره ودعه بمعنى اتركه، وفلان يذر ويدع، ولم يقولوا منهما وذر ولا واذر، ولا ودع ولا وادع، فاستعملوا منهما الأمر والمضارع فقط. ولقائل أن يقول: هذا شاذّ في كلام العرب ونادر، فلا يترك لأجله القياس المطّرد، بل يجري على مقتضى القياس. فإن قيل: لم قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [الآية ١٢٤] أي عن موعظتي، أو عن القرآن، فلم يؤمن به ولم يتبعه فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [الآية ١٢٤] أي حياة في ضيق وشدّة، ونحن نرى المعرضين عن الإيمان والقرآن، في أخصب معيشة وأرغدها؟ قلنا: قال ابن عبّاس ﵄: المراد بالمعيشة الضّنك الحياة في المعصية، وإن كان في رخاء ونعمة. وروي عن النبي (ص) أنّها عذاب القبر. الثاني: أنّ المراد بها عيشته في جهنّم في الاخرة. الثالث: أن المراد بها عيشه مع الحرص الشديد على الدنيا وأسبابها وهذه الآية في مقابلة قوله تعالى مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] . فكلّ ما ذكرناه في تفسير الحياة الطيّبة، فضدّه وارد في المعيشة الضّنك. فإن قيل: أيّ كلمة سبقت من الله سبحانه، فكانت مانعة من تعذيب هذه الأمة في الدنيا عذاب الاستئصال، حتى قال جلّ شأنه: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً [الآية ١٢٩] ؟ لا اختصاص لهذه الأمّة بهذه الكلمة، وقيل هي قوله تعالى للنبي (ص) : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣] وقيل هي قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء] يعني لعالمي أمّته بتأخير العذاب عنهم وقيل في الآية تقديم وتأخير تقديره: ولولا

стр. 1357

كلمة سبقت من ربّك وأجل مسمّى، وهو الأجل الذي قدّر الله تعالى بقاء العالم وأهله إلى انقضائه، لكان العذاب لزاما: أي لازما لهم كما لزم الأمم التي قبلهم. فإن قيل: أصحاب الصراط السويّ والمهتدون واحد، فما الحكمة من التكرار في قوله تعالى: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) ؟ قلنا: المراد بأصحاب الصراط السويّ، السالكون الصراط المستقيم، السائرون عليه والمراد بالمهتدين الواصلون إلى المنزل. وقيل أصحاب الصراط السويّ، هم الذين ما زالوا على الصراط المستقيم والمهتدون هم الذين لم يكونوا على الطريق المستقيم، ثمّ صاروا عليه. وقيل المراد بأصحاب الصراط السّويّ، أهل دين الحقّ في الدنيا والمراد بمن اهتدى، المهتدون إلى طريق الجنة في العقبي فكأنه سبحانه قال: فستعلمون من المحقّ في الدنيا، والفائز في الاخرة.

стр. 1358

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «طه» «١» قوله سبحانه: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [الآية ١٥] وهذه استعارة على أحد التأويلين. وهو مما سمعته من شيخنا أبي الفتح النحوي «٢» ، عفا الله عنه. قال: الذي عليه حذّاق أصحابنا: أنّ «كاد» هاهنا على بابها من معنى المقاربة. إلا أن قوله تعالى: أُخْفِيها يؤول إلى معنى الإظهار. لأن المراد به: أكاد أسلبها خفاءها. والخفاء الغشاء والغطاء مأخوذ من خفاء «٣» القربة، وهو الغشاء الذي يكون عليها. فإذا سلب عن الساعة غطاؤها المانع من تجلّيها، ظهرت للناس، فرأوها فكأنه تعالى قال: أكاد أظهرها. قال لي: وأنشدني أبو علي «٤» منذ أيام بيتا هو من أنطق الشواهد على الغرض الذي رمينا. وكان سماعي ذلك من أبي الفتح ﵀، وأبو علي حينئذ باق لم يمت، وهو قول الشاعر «٥» :

стр. 1359

لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى تزجّجها من حالك واكتحالها ومعناه لقد علم الأيقاظ عيونا. فجعل العين للنوم في أنها مشتملة عليه، كالخفاء للقربة في أنه مشتمل عليها. وقول الشاعر: «أخفية الكرى» من الاستعارات العجيبة، والبدائع الغريبة. وقوله: «تزجّجها من حالك واكتحالها» ، يعود على العيون، كأنه قال تزجّج العيون واكتحالها من سواد الليل. وهذا لا يكون إلّا مع السهر وامتناع النوم، لأن العيون حينئذ بانفتاحها تكون كالمباشرة لسواد الظلماء، فيكون كالكحل لها. والتزجّج: اسوداد العينين من الكحل. يقال زجّجت «١» المرأة عينها وحاجبها. إذا سودتهما بالإثمد. وعلى التأويل الاخر يبعد الكلام عن طريق الاستعارة، وهو أن يكون أكاد هاهنا بمعنى أريد، كما قلنا فيما مضى «٢» . ومن الشواهد على ذلك قول الشاعر: أمنخرم شعبان لم تقض حاجة من الحاج كنّا في الأصمّ «٣» نكيدها أي كنا نريدها في رجب، ويكون أُخْفِيها على موضوعه، من غير أن يعكس عن وجهه. ويكون المعنى: إن الساعة آتية أريد أستر وقت مجيئها، لما في ذلك من المصلحة. لأنه إذا كان المراد بإقامتها المجازاة على الأفعال، والمؤاخذة بالأعمال، كانت الحكمة في إخفاء وقتها ليكون الخلق في كلّ حين وزمان على حذر من مجيئها، ووجل من بغتتها، فيستعدّوا قبل حلولها، ويمهّدوا قبل نزولها. ويقوّي ذلك قوله سبحانه: لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) .

стр. 1360

وقوله سبحانه: قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وهذه استعارة. لأن المراد بالسيرة هاهنا الطريقة والعادة. وأصل السيرة مضيّ الإنسان في تدبير بعض الأمور، على طريقة حسنة أو قبيحة. يقال: سار فلان الأمير فينا سيرة جميلة. وسار بنا سيرة قبيحة. ولكن موسى (ع) لمّا كان يصرف عصاه- قبل أن تنقلب حيّة- في أشياء من مصالحه، كما حكى سبحانه عنه، بقوله: هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) ثمّ قلبت حيّة، جاز أن يقال سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) أي إلى الحال التي كنت تصرفها معها في المصالح المذكورة، لأن تصرّفها في تلك الوجوه كالسيرة لها، والطريقة المعروفة منها والمراد سنعيدها إلى سيرتها الأولى، فانتصبت السيرة بإسقاط الجار. وقوله سبحانه: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [الآية ٢٢] . وهذه استعارة، المراد بها، والله أعلم، وأدخل يدك في قميصك ممّا يلي إحدى جهتي يديك. وسميت تلك الجهتان جناحين، لأنهما في موضع الجناحين من الطائر. ويوضح ما ذكرنا قوله سبحانه في مكان آخر: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: ١٢] ، والجيب في جهة إحدى اليدين. قوله سبحانه: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وهذه استعارة. والمراد بها إزالة لفف «١» كان في لسانه، فعبّر عنه بالعقدة. وعبّر عن مسألة إزالته بحلّ العقدة للملاءمة بين النظام، والمناسبة بين الكلام. وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك، إزالة التقيّة عن لسانه، وكفايته سطوة فرعون وغواته، حتى يؤدي عن الله سبحانه آمنا، ويقول متمكّنا، فلا يكون معقود اللسان بالتقيّة، معكوم الفم بالخوف والمراقبة. وذلك كقول القائل: لسان فلان معقود، إذا كان خائفا من الكلام ولسان فلان منطلق، إذا كان مقداما على المقال. وقوله سبحانه: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) . وفي هذه الآية استعارتان. إحداهما قوله

стр. 1361

سبحانه: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وليس المراد أن هناك شيئا يلقى عليه في الحقيقة، ولكنّ المعنى أنني جعلتك بحيث لا يراك أحد إلّا أحبّك، ومال قلبه نحوك، حتّى أحبّك فرعون وامرأته، فتبنّياك وربّياك، واسترضعا لك، وكفلاك. وهذا كقول القائل: على وجه فلان قبول. وليس هناك على الحقيقة شيء يومأ إليه. إلا أن كل ناظر ينظر إليه يقبله قلبه وتسرّ به نفسه. والاستعارة الأخرى، قوله سبحانه: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) والمراد بذلك، والله أعلم، أن تتربّى بحيث أرعاك وأراك. وليس أنّ هاهنا شيئا يغيب عن رؤية الله سبحانه، ولكنّ هذا الكلام يفيد الاختصاص بشدة الرعاية، وفرط الحفظ والكلاءة ولمّا كان الحافظ للشيء في الأغلب يديم مراعاته بعينه، جاء تعالى باسم العين بدلا من ذكر الحفظ والحراسة، على طريق المجاز والاستعارة. ويقول العربي لغيره: أنت مني بمرأى ومسمع. يريد بذلك أنه متوفّر عليه برعايته، ومنصرف إليه بمراعاته. وقوله سبحانه: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) وهذه استعارة. والمراد بها: واصطنعتك لتبلّغ رسالتي، وتنصرف على إرادتي ومحبّتي وقال بعضهم: معنى لنفسي هاهنا، أي لمحبّتي وإنّما جاز أن يوقع النفس موقع المحبة، لأنّ المحبّة أخصّ شيء بالنفس، فحسن أن تسمّى بالنفس. وقد يجوز أن يكون ذلك على معنى قول القائل: اتّخذت هذا الغلام لنفسي، أي جعلته خاصّا لخدمتي، لا يشاركني في استخدامه أحد غيري. وسواء قال اتّخذته، أو اتّخذته لنفسي، في فائدة الاختصاص، ليس أن هناك شيئا يتعلّق بالنفس على الحقيقة. وقوله سبحانه: قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) وهذه استعارة على أحد التأويلين. والمراد بها، والله أعلم، أنه أكمل لكلّ شيء صورته، وأتقن خلقته، وهذا يعمّ كلّ مصوّر من حيوان وجماد وغير ذلك. فلا معنى لحمل من حمله على الحيوان فقط. وعندي في ذلك وجه آخر، وإن كان الكلام يخرج به من باب الاستعارة وهو أن يكون في الكلام تقدير وتأخير. فكأنه سبحانه قال: ربّنا الذي أعطى خلقه كلّ شيء، ثمّ هداهم إلى

стр. 1362

مطاعمهم ومشاربهم، ومناكحهم، ومساكنهم، وغير ذلك من مصالحهم. ويكون ذلك نظير قوله تعالى: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤] ويكون المراد أنه سبحانه أعطى خلقه في أوّل خلقهم كل ما تزاح به عللهم، ويتكامل معه خلقهم، من سلامة الأعضاء، واعتدال الأجزاء، وترتيب المشاعر والحواسّ، ومواقع الأسماع والأبصار، ثمّ هداهم من بعد لمصالحهم، ودلّهم على مناكحهم، وأجراهم في مضمار التكليف إلى غاياتهم. وقوله سبحانه: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً [الآية ٥٣] . وهذه استعارة. والمراد بها تشبيه الأرض بالمهاد المفترش، ليمكن الاستقرار عليها، والتقلّب فيها. وقد مضى نظير هذه الاستعارة فيما تقدم. ومعنى المهد والمهاد واحد. وهو مثل الفرش والفراش. إلّا أنّ المهد ربّما استعمل في رسم الآلة التي يجعل فيها الصبيّ الصغير ليحفظه، وهو يؤول إلى معنى الفراش. والمهد أيضا: مصدر مهد، يمهد، مهدا. إذا مكّن موضعا لقدمه، ومضجعا لجنبه. وقوله سبحانه: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وهذه استعارة. والمراد بها ما يظهر في الوجوه يوم القيامة من آثار الضّرع، وأعلام الجزع. وذلك مأخوذ من تسميتهم الأسير «العاني» ومنه ما جاء في بعض الكلام: النساء عوان عند أزواجهنّ، أي أسيرات في أيدي الأزواج. وعلى ذلك قول القائل: هذه المرأة في حبال فلان، لأنه بما عقده من نكاحها كالأسر لها، والمالك لرقّها. فكأنّ الوجوه خضعت من خشية الله تعالى، خضوع الأسير الذليل في يد الاسر العزيز.

стр. 1363

سورة الأنبياء ٢١

стр. 1364

المبحث الأول أهداف سورة «الأنبياء» «١» سورة الأنبياء سورة مكّية بالاتّفاق وآياتها ١١٢ آية، وقد نزلت قبيل الهجرة إلى المدينة، أي حوالي السنة الثانية عشرة من البعثة وسمّيت بسورة الأنبياء، لأنه اجتمع فيها، على قصرها، كثير من قصص الأنبياء، فسمّيت السّورة باسمهم. الغرض منها وترتيبها هي سورة مكّية، نزلت في آخر العهد المكّيّ، أي في ذروة تجبّر أهل مكّة، وعنتهم، وانصرافهم عن الإسلام. فنزلت تنذر هؤلاء الكفّار باقتراب العذاب ففي بدايتها: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) . ثمّ ساقت السورة الأدلّة، على الألوهية والتوحيد والرسالة والبعث. وهي الموضوعات التي عنيت بها السور المكية، من أجل تقرير العقيدة والدفاع عنها. ونلحظ، هنا، أنّ السورة قد عالجت الموضوعات، بعرض النواميس الكونية الكبرى، وربط العقيدة بها. فالعقيدة، في سورة الأنبياء، جزء من بناء هذا الكون ونواميسه الكبرى. وهذه العقيدة، تقوم على الحقّ الذي قامت عليه السماوات والأرض، وليست لعبا ولا باطلا كما أنّ هذا

стр. 1365

الكون لم يخلق عبثا، ولن يترك سدّى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) . ويلفت السياق الناس إلى مظاهر الكون الكبرى، في السماء والأرض، والرواسي والفجاج، والليل والنهار، والشمس والقمر، موجّها الأنظار إلى وحدة النواميس التي تحكمها وتصرّفها، وإلى دلالة هذه الوحدة على وحدة الخالق المدبّر المالك، الذي لا شريك له في الملك كما أنه سبحانه، لا شريك له في الخلق: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الآية ٢٢] . ثم تتحدّث السورة عن وحدة النواميس، التي تحكم الحياة في هذه الأرض، وعن وحدة مصدر الحياة: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الآية ٣٠] . وعن وحدة النهاية التي ينتهى إليها الأحياء: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [الآية ٣٥] . والعقيدة وثيقة الارتباط بتلك النواميس الكونية، فهي واحدة كذلك، وإن تعدّد الرّسل على مدار الزمان: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) . وكما أن العقيدة وثيقة الارتباط بنواميس الكون الكبرى، فكذلك ملابسات هذه العقيدة في الأرض. فالسنّة التي لا تتخلّف: أن يغلب الحقّ في النهاية، وأن يزهق الباطل، لأنّ الحقّ قاعدة كونية، وغلبته سنّة إلهية: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [الآية ١٨] . وأن يحلّ الهلاك بالظالمين المكذّبين، وينجي الله الرسل والمؤمنين: ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) . وأن يرث الأرض عباد الله الصالحون: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) . ومن ثمّ يستعرض السياق أمّة الرّسل الواحدة، في سلسلة طويلة، استعراضا سريعا، يطول بعض الشيء، عند

стр. 1366

عرض حلقة من قصّة إبراهيم (ع) وعند الإشارة إلى داود وسليمان (ع) . ويقصر عند الإشارة إلى قصص نوح، وموسى، وهارون، ولوط، وإسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، وذي النون، وزكريا، ويحيى وعيسى (ع) . وفي هذا الاستعراض تتجّلى المعاني التي سبقت في سياق السورة، تتجلّى في صورة وقائع في حياة الرسل والدعوات، بعد ما تجلّت في صورة قواعد عامة ونواميس. كذلك يتضمّن سياق السورة بعض مشاهد القيامة، وتتمثّل فيها تلك المعاني نفسها في صورة واقع يوم القيامة. وهكذا تتجمّع الأساليب المنوّعة في السورة على هدف واحد، هو استجاشة القلب البشريّ لإدراك الحق الأصيل في العقيدة، التي جاء بها خاتم الرّسل (ص) فلا يتلقّاها الناس غافلين، معرضين لاهين، كما تصفهم السورة في مطلعها. إنّ هذه الرسالة حقّ، كما أن هذا الكون حقّ وجدّ. فلا مجال للهو في استقبال الرسالة، ولا مجال لطلب الآيات الخارقة، وإنّ آيات الله في الكون، وسنن الكون كلّها توحي بأنه سبحانه الخالق القادر الواحد، والرسالة من لدن ذلك الخالق القادر الواحد. نظم السورة النّظم في سورة الأنبياء، يختلف عن النظم في سورتي مريم وطه. هناك كان النظم سهلا، والختام رخيّا، يختم في الغالب بالألف اللينة. أمّا في سورة الأنبياء، فالنّظم نظم التقرير، الذي يتناسق مع موضوعها، ومع جوّ السياق في عرض هذا الموضوع، ولذلك ختمت آياتها بالميم أو بالنون. وإذا نظرنا الى الجانب الذي عرض من قصّة إبراهيم (ع) في سورة مريم، وجدنا أن الحلقة التي عرضت هناك، حلقة الحوار الرّخي بين إبراهيم وأبيه. وقد ختمت آيات الحوار هناك، بالألف الليّنة مثل نبيّا، صفيّا، عليّا. أمّا هنا، فجاءت حلقة تحطيم الأصنام، وإلقاء إبراهيم في النار. ولكي يتحقّق التناسق في الموضوع،

стр. 1367

والجوّ والنظم، والإيقاع، فقد ختمت قصّة إبراهيم هنا، بالنون أو الميم، التي تفيد التقرير والتأكيد، أو ما يشبه أحكام القضاء بعد تفكّر وتأمّل وترتيب. أشواط أربعة يمكن أن نقسم سورة الأنبياء إلى أربعة أقسام، يمضي السياق خلالها من قسم إلى آخر، ويمهّد كلّ شوط للّذي يليه. الشوط الأول يبدأ الشوط الأول بمطلع قويّ الضربات، يهزّ القلوب هزّا وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق، وهي عنه غافلة لاهية: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) . ثمّ يهزّها هزة أخرى، بمشهد من مصارع الغابرين، الذين كانوا عن آيات ربّهم غافلين: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) . ثمّ يربط بين الحقّ والجدّ في الدّعوة، نظام الكون، عقيدة التوحيد ونواميس الوجود، ووحدانيّة الخالق المدبّر ووحدة الرسالة والعقيدة، ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها، على النحو الذي أسلفناه، ويمتدّ هذا الشوط من أول السورة إلى الآية ٣٥. الشوط الثاني أما الشوط الثاني، فيرجع السياق بالحديث إلى الكفّار، الذين يواجهون الرسول (ص) بالسخرية والاستهزاء، والأمر جدّ وحق، وكل ما حولهم يوحي باليقظة والاهتمام، وهم يستعجلون العذاب، والعذاب منهم قريب. وهنا يعرض مشهدا من مشاهد القيامة، ويلفتهم إلى ما أصاب المستهزئين بالرّسل قبلهم ويقرّر أن ليس لهم من الله من عاصم، ويوجّه قلوبهم إلى تأمّل يد القدرة، وهي تنقص الأرض من أطرافها، وتزوي رقعتها وتطويها، فلعلّ هذا أن يوقظهم من غفلتهم، التي جاءتهم من طول النعمة وامتداد الرخاء. وينتهي السياق في هذا الشوط بتوجيه الرسول (ص) إلى بيان وظيفته: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الآية ٤٥] .

стр. 1368

وإلى الخطر الذي يتهددهم في غفلتهم: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) . حتى تنصب الموازين القسط، وهم في غفلتهم سادرون. ويمتدّ هذا الشوط من الآية ٣٦ إلى الآية ٤٧. الشوط الثالث ويتضمّن الشوط الثالث استعراض أمّة النبيّين، وجهاد الرّسل، وبلاءهم في سبيل الحق. ويبدأ الشوط بموسى وهارون (ع) وقد أنعم الله عليهما بالفرقان، وهو التوراة، لأنّها تفرق بين الحق والباطل ثم ذكر إبراهيم (ع) وقد أعطاه الله الرشد والهداية، فأنكر على قومه عبادة الأصنام، ثمّ حطّمها، فألقي في النار، فجعلها الله بردا وسلاما عليه ثم ذكر نجاة لوط (ع) من قومه المعتدين، ونجاة نوح (ع) وأتباعه من الطوفان ثم ذكر حكم سليمان (ع) ودعاء يونس (ع) وسؤال زكريّا (ع) وصلاح مريم (ع) . ويعقب الشوط بأنّ هناك وحدة بين هذه الرسالات، في العقيدة والإيمان والهدف والقيم والسلوك: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) . وتتجلّى في رسالة الأنبياء عناية الله بهم، ورعايته لأهل رسالته وتولّيهم بالعناية والرعاية، وأخذ المكذّبين والظالمين، أخذ عزيز مقتدر، ويمتدّ هذا الشوط من الآية ٤٨ إلى الآية ٩٥. الشوط الرابع أما الشوط الرابع والأخير، فيعرض النهاية والمصير، في مشهد من مشاهد القيامة المثيرة، حينما يفتح سدّ يأجوج ومأجوج، ويعرض ذلّ الكفار في عذاب جهنّم، ونعيم المؤمنين في الجنّة، ثمّ طيّ السماوات في ساعة القيامة. ثم توجّه السياق إلى الرسول (ص) بالخطاب، فذكر أن الله سبحانه أرسله بالرحمة والإحسان، لتبليغ رسالته إلى الناس. ثم ختمت السورة بمثل ما بدأت: إيقاعا قويا، وإنذارا صريحا. ويمتدّ هذا الشوط من الآية ٩٦ إلى ١١٢. وفي آخر آية من السورة رنين يتحدّى الكفّار، ويتوعّدهم بحكم الله العادل: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) .

стр. 1369

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنبياء» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الأنبياء بعد سورة إبراهيم، وقد نزلت سورة إبراهيم بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة الأنبياء في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لأنه اجتمع فيها على قصرها، كثير من قصص الأنبياء، فسمّيت سورة الأنبياء باسمهم، وتبلغ آياتها اثنتي عشرة ومائة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة، إثبات قرب ما أمروا بتربّصه من العذاب في آخر السورة السابقة، وبيان ما جاء فيه من ذلك الصراط السّويّ. ولهذا ذكرت هذه السورة بعد السورة السابقة، وتصدّرها إنذارهم باقتراب حسابهم، فجاء أوّلها في هذا الإنذار، وجاء آخرها في ذكر قصص أولئك الأنبياء، وبيان اجتماعهم على دين التوحيد، وهو ذلك الصراط السويّ. إنذارهم باقتراب حسابهم الآيات (١- ٤٧) قال الله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) . فأنذرهم بأنّ حسابهم قد اقترب بتسليط المسلمين عليهم وذكر أنهم، مع هذا، في غفلة معرضون، وأنهم ما يأتيهم من عظة جديدة من عظات

стр. 1370

القرآن، إلّا استمعوا إليها وهم يلعبون. وتناجوا بالطّعن فيمن ينذرهم ويعظهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) وهدّدهم بأنه سبحانه يعلم القول في السماء والأرض، فلا يخفى عليه ما يتناجون به ثم ذكر أنهم عدلوا عن رمي القرآن بأنه سحر، وقالوا إنّه أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر، وأنهم طلبوا أن يأتيهم الرسول (ص) بآية مثل آيات الأنبياء الأولين، وأجاب عن هذا بأنه ما آمنت قبلهم من قرية أهلكها بتلك الآيات، فلا يؤمنون مثلهم إذا أجيبوا إلى طلبهم ثم أجاب عن اعتراضهم الأوّل، بأنّه ﷻ ، لم يرسل قبل الرسول (ص) إلّا رجالا من البشر، وبأنه لم يجعلهم ذوي جسد لا يأكلون الطّعام ولا يموتون، بل كانوا كغيرهم من بني الإنسان ثم ذكر أنّه صدقهم ما أنذروا به، فأنجاهم ومن شاء ممّن آمن بهم، وأهلك المسرفين وأنّه أنزل إليهم كتابا فيه ذكر وموعظة لهم، فهو خير ممّا يقترحونه من تلك الآيات ثم ذكر سبحانه أنه كم أهلك من تلك القرى التي أسرفت في تكذيب رسلها، وأنهم كانوا إذا أحسوا العذاب، يركضون منها، فيقال لهم لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه، لتسألوا عن أعمالكم، فيقولون يا ويلنا ويعترفون بظلمهم، ويأخذهم الله بعذابه، وهم يشهدون على أنفسهم. ثم ذكر تعالى أنّه عاقبهم بذلك عدلا لا ظلما، لأنّه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما عبثا، بل خلق من فيهما ليطيعوه ويدينوا بتوحيده، فإذا اتّبعوا الباطل قذف بالحق عليه فيدمغه ويبطله ثم ذكر أن كلّ من في السماوات والأرض مملوك له، وأنّ من عنده من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، فإذا خرج هؤلاء الكفّار عن طاعته، أحلّ عليهم نقمته. ثم ذكر أنّ من باطلهم، أنهم اتّخذوا آلهة من الأرض وأبطله، بأنّه لو كان في السماء والأرض آلهة إلا الله لفسدتا، إلى غير هذا مما ذكره في إبطال تعدّد الالهة ثم ذكر، أنّ من باطلهم، أنهم قالوا إنّ الملائكة بنات الله وأبطله، بأنّهم عباد خاضعون له كغيرهم، ولو كانوا بنات له لكانوا آلهة مثله، إلى غير هذا ممّا ذكره في إبطال أنهم بنات له ثم ذكر لهم، من الأدلّة على وحدانيّته، أنّ السماوات والأرض
следующие страницы →