عرض حلقة من قصّة إبراهيم (ع) وعند الإشارة إلى داود وسليمان (ع) .
ويقصر عند الإشارة إلى قصص نوح، وموسى، وهارون، ولوط، وإسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، وذي النون، وزكريا، ويحيى وعيسى (ع) .
وفي هذا الاستعراض تتجّلى المعاني التي سبقت في سياق السورة، تتجلّى في صورة وقائع في حياة الرسل والدعوات، بعد ما تجلّت في صورة قواعد عامة ونواميس.
كذلك يتضمّن سياق السورة بعض مشاهد القيامة، وتتمثّل فيها تلك المعاني نفسها في صورة واقع يوم القيامة.
وهكذا تتجمّع الأساليب المنوّعة في السورة على هدف واحد، هو استجاشة القلب البشريّ لإدراك الحق الأصيل في العقيدة، التي جاء بها خاتم الرّسل (ص) فلا يتلقّاها الناس غافلين، معرضين لاهين، كما تصفهم السورة في مطلعها.
إنّ هذه الرسالة حقّ، كما أن هذا الكون حقّ وجدّ. فلا مجال للهو في استقبال الرسالة، ولا مجال لطلب الآيات الخارقة، وإنّ آيات الله في الكون، وسنن الكون كلّها توحي بأنه سبحانه الخالق القادر الواحد، والرسالة من لدن ذلك الخالق القادر الواحد.
نظم السورة
النّظم في سورة الأنبياء، يختلف عن النظم في سورتي مريم وطه. هناك كان النظم سهلا، والختام رخيّا، يختم في الغالب بالألف اللينة.
أمّا في سورة الأنبياء، فالنّظم نظم التقرير، الذي يتناسق مع موضوعها، ومع جوّ السياق في عرض هذا الموضوع، ولذلك ختمت آياتها بالميم أو بالنون.
وإذا نظرنا الى الجانب الذي عرض من قصّة إبراهيم (ع) في سورة مريم، وجدنا أن الحلقة التي عرضت هناك، حلقة الحوار الرّخي بين إبراهيم وأبيه.
وقد ختمت آيات الحوار هناك، بالألف الليّنة مثل نبيّا، صفيّا، عليّا.
أمّا هنا، فجاءت حلقة تحطيم الأصنام، وإلقاء إبراهيم في النار.
ولكي يتحقّق التناسق في الموضوع،
стр. 1367
والجوّ والنظم، والإيقاع، فقد ختمت قصّة إبراهيم هنا، بالنون أو الميم، التي تفيد التقرير والتأكيد، أو ما يشبه أحكام القضاء بعد تفكّر وتأمّل وترتيب.
أشواط أربعة
يمكن أن نقسم سورة الأنبياء إلى أربعة أقسام، يمضي السياق خلالها من قسم إلى آخر، ويمهّد كلّ شوط للّذي يليه.
الشوط الأول
يبدأ الشوط الأول بمطلع قويّ الضربات، يهزّ القلوب هزّا وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق، وهي عنه غافلة لاهية:
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) .
ثمّ يهزّها هزة أخرى، بمشهد من مصارع الغابرين، الذين كانوا عن آيات ربّهم غافلين:
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) .
ثمّ يربط بين الحقّ والجدّ في الدّعوة، نظام الكون، عقيدة التوحيد ونواميس الوجود، ووحدانيّة الخالق المدبّر ووحدة الرسالة والعقيدة، ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها، على النحو الذي أسلفناه، ويمتدّ هذا الشوط من أول السورة إلى الآية ٣٥.
الشوط الثاني
أما الشوط الثاني، فيرجع السياق بالحديث إلى الكفّار، الذين يواجهون الرسول (ص) بالسخرية والاستهزاء، والأمر جدّ وحق، وكل ما حولهم يوحي باليقظة والاهتمام، وهم يستعجلون العذاب، والعذاب منهم قريب. وهنا يعرض مشهدا من مشاهد القيامة، ويلفتهم إلى ما أصاب المستهزئين بالرّسل قبلهم ويقرّر أن ليس لهم من الله من عاصم، ويوجّه قلوبهم إلى تأمّل يد القدرة، وهي تنقص الأرض من أطرافها، وتزوي رقعتها وتطويها، فلعلّ هذا أن يوقظهم من غفلتهم، التي جاءتهم من طول النعمة وامتداد الرخاء.
وينتهي السياق في هذا الشوط بتوجيه الرسول (ص) إلى بيان وظيفته:
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الآية ٤٥] .
стр. 1368
وإلى الخطر الذي يتهددهم في غفلتهم:
وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) .
حتى تنصب الموازين القسط، وهم في غفلتهم سادرون. ويمتدّ هذا الشوط من الآية ٣٦ إلى الآية ٤٧.
الشوط الثالث
ويتضمّن الشوط الثالث استعراض أمّة النبيّين، وجهاد الرّسل، وبلاءهم في سبيل الحق. ويبدأ الشوط بموسى وهارون (ع) وقد أنعم الله عليهما بالفرقان، وهو التوراة، لأنّها تفرق بين الحق والباطل ثم ذكر إبراهيم (ع) وقد أعطاه الله الرشد والهداية، فأنكر على قومه عبادة الأصنام، ثمّ حطّمها، فألقي في النار، فجعلها الله بردا وسلاما عليه ثم ذكر نجاة لوط (ع) من قومه المعتدين، ونجاة نوح (ع) وأتباعه من الطوفان ثم ذكر حكم سليمان (ع) ودعاء يونس (ع) وسؤال زكريّا (ع) وصلاح مريم (ع) . ويعقب الشوط بأنّ هناك وحدة بين هذه الرسالات، في العقيدة والإيمان والهدف والقيم والسلوك: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) .
وتتجلّى في رسالة الأنبياء عناية الله بهم، ورعايته لأهل رسالته وتولّيهم بالعناية والرعاية، وأخذ المكذّبين والظالمين، أخذ عزيز مقتدر، ويمتدّ هذا الشوط من الآية ٤٨ إلى الآية ٩٥.
الشوط الرابع
أما الشوط الرابع والأخير، فيعرض النهاية والمصير، في مشهد من مشاهد القيامة المثيرة، حينما يفتح سدّ يأجوج ومأجوج، ويعرض ذلّ الكفار في عذاب جهنّم، ونعيم المؤمنين في الجنّة، ثمّ طيّ السماوات في ساعة القيامة. ثم توجّه السياق إلى الرسول (ص) بالخطاب، فذكر أن الله سبحانه أرسله بالرحمة والإحسان، لتبليغ رسالته إلى الناس. ثم ختمت السورة بمثل ما بدأت: إيقاعا قويا، وإنذارا صريحا. ويمتدّ هذا الشوط من الآية ٩٦ إلى ١١٢.
وفي آخر آية من السورة رنين يتحدّى الكفّار، ويتوعّدهم بحكم الله العادل:
قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) .
стр. 1369
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنبياء» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الأنبياء بعد سورة إبراهيم، وقد نزلت سورة إبراهيم بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة الأنبياء في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لأنه اجتمع فيها على قصرها، كثير من قصص الأنبياء، فسمّيت سورة الأنبياء باسمهم، وتبلغ آياتها اثنتي عشرة ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة، إثبات قرب ما أمروا بتربّصه من العذاب في آخر السورة السابقة، وبيان ما جاء فيه من ذلك الصراط السّويّ. ولهذا ذكرت هذه السورة بعد السورة السابقة، وتصدّرها إنذارهم باقتراب حسابهم، فجاء أوّلها في هذا الإنذار، وجاء آخرها في ذكر قصص أولئك الأنبياء، وبيان اجتماعهم على دين التوحيد، وهو ذلك الصراط السويّ.
إنذارهم باقتراب حسابهم الآيات (١- ٤٧)
قال الله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) .
فأنذرهم بأنّ حسابهم قد اقترب بتسليط المسلمين عليهم وذكر أنهم، مع هذا، في غفلة معرضون، وأنهم ما يأتيهم من عظة جديدة من عظات
стр. 1370
القرآن، إلّا استمعوا إليها وهم يلعبون.
وتناجوا بالطّعن فيمن ينذرهم ويعظهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) وهدّدهم بأنه سبحانه يعلم القول في السماء والأرض، فلا يخفى عليه ما يتناجون به ثم ذكر أنهم عدلوا عن رمي القرآن بأنه سحر، وقالوا إنّه أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر، وأنهم طلبوا أن يأتيهم الرسول (ص) بآية مثل آيات الأنبياء الأولين، وأجاب عن هذا بأنه ما آمنت قبلهم من قرية أهلكها بتلك الآيات، فلا يؤمنون مثلهم إذا أجيبوا إلى طلبهم ثم أجاب عن اعتراضهم الأوّل، بأنّه ﷻ ، لم يرسل قبل الرسول (ص) إلّا رجالا من البشر، وبأنه لم يجعلهم ذوي جسد لا يأكلون الطّعام ولا يموتون، بل كانوا كغيرهم من بني الإنسان ثم ذكر أنّه صدقهم ما أنذروا به، فأنجاهم ومن شاء ممّن آمن بهم، وأهلك المسرفين وأنّه أنزل إليهم كتابا فيه ذكر وموعظة لهم، فهو خير ممّا يقترحونه من تلك الآيات ثم ذكر سبحانه أنه كم أهلك من تلك القرى التي أسرفت في تكذيب رسلها، وأنهم كانوا إذا أحسوا العذاب، يركضون منها، فيقال لهم لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه، لتسألوا عن أعمالكم، فيقولون يا ويلنا ويعترفون بظلمهم، ويأخذهم الله بعذابه، وهم يشهدون على أنفسهم.
ثم ذكر تعالى أنّه عاقبهم بذلك عدلا لا ظلما، لأنّه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما عبثا، بل خلق من فيهما ليطيعوه ويدينوا بتوحيده، فإذا اتّبعوا الباطل قذف بالحق عليه فيدمغه ويبطله ثم ذكر أن كلّ من في السماوات والأرض مملوك له، وأنّ من عنده من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، فإذا خرج هؤلاء الكفّار عن طاعته، أحلّ عليهم نقمته.
ثم ذكر أنّ من باطلهم، أنهم اتّخذوا آلهة من الأرض وأبطله، بأنّه لو كان في السماء والأرض آلهة إلا الله لفسدتا، إلى غير هذا مما ذكره في إبطال تعدّد الالهة ثم ذكر، أنّ من باطلهم، أنهم قالوا إنّ الملائكة بنات الله وأبطله، بأنّهم عباد خاضعون له كغيرهم، ولو كانوا بنات له لكانوا آلهة مثله، إلى غير هذا ممّا ذكره في إبطال أنهم بنات له ثم ذكر لهم، من الأدلّة على وحدانيّته، أنّ السماوات والأرض
стр. 1371
كانتا رتقا ففتقهما، إلى غير هذا مما ذكره من الأدلة على هذه الوحدانيّة.
ثمّ رجع السياق إلى ما ذكروه، من أنه بشر مثلهم، فذكر سبحانه أنه لم يجعل لبشر من قبله الخلد حتّى يجعله بشرا لا يأكل الطعام ولا يموت فهو يموت كما يموتون، وكلّ نفس لا بدّ أن تذوق الموت. ثم ذكر ممّا يفعلونه في غفلتهم عن يوم حسابهم، أنهم كانوا حينما يرون النبيّ (ص) يقولون مستهزئين كما ورد في التنزيل: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الآية ٣٦] ، ماضين في غفلتهم عمّا ينزّل عليهم من الذّكر، مغترّين بإمهال الله لهم، مستعجلين ما اقترب من يوم حسابهم ثمّ ذكر أنّ هذا الاستعجال شأن الإنسان، لأنه خلق من عجل، وأنه سيريهم آيات عذابه في وقت لا تتقدّم عليه ثم ذكر هذا الاستعجال المذموم، وهو قولهم على سبيل الاستهزاء كما ورد في التنزيل: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) .
ولو يعلمون أنّهم في ذلك اليوم، تحيط بهم النار من كلّ ناحية، لكفّوا عن استعجالهم ثم ذكر أنّه إنّما ينذرهم بالوحي الذي لا يكذّب، وأنّهم إذا مسّتهم نفحة من العذاب الذي ينذرون به ينادون بالويل، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين ثم ذكر أنّ ما ينزل بهم من ذلك يكون عدلا، لأنّه لا يكون إلّا بعد حساب توزن فيه الأعمال فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) .
قصص الأنبياء الآيات (٤٨- ٩١)
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) فذكر من أولئك الأنبياء موسى وهارون (ع) وأنّه آتاهما الفرقان، وهو التّوراة لأنّها تفرق بين الحق والباطل وأنّه سبحانه أنزل القرآن، يزيد عليها في ذلك، فلا يصحّ أن ينكروه.
ثم ذكر أنه آتى إبراهيم (ع) الرّشد إلى الحق، قبل موسى وهارون (ع) فأنكر على قومه عبادة الأصنام، وبيّن لهم أنّ ربهم ربّ السماوات والأرض، لأنّه هو الذي خلقها ثم بيّن، بالعمل، أن هذه الأصنام ليست بالهة، فذهب في خفية إليها فكسّرها وترك صنما كبيرا لهم فلم يكسره. فلمّا ذهبوا
стр. 1372
إليها سأل بعضهم بعضا عمّن فعل هذا بها، واتّهموا إبراهيم فأحضروه وسألوه، كما ورد في التنزيل: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا [الآية ٦٢] فقال لهم: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) ، فكادوا يصدّقونه، لأنّه كان قد وضع فأسا بين يديه ولكنّهم عادوا فذكروا له أنّها لا تنطق، فكيف يسألونها عمّن كسّرها؟ وهنالك قامت له الحجّة عليهم بإقرارهم، فوبّخهم على أنهم يعبدون ما لا ينفعهم شيئا، ولا يضرّهم فعلموا أنه الذي كسّرها، وأوقدوا له نارا ليحرقوه فيها، فلمّا ألقوه فيها، جعلها الله بردا وسلاما عليه، ونجّاه ولوطا ابن أخيه إلى أرض فلسطين، ووهب الله ﷻ له إسحاق ويعقوب نافلة، وجعلهم صالحين فكانوا أئمة يهدون بأمره تعالى، ويخلصون العبادة له.
ثم ذكر أنه آتى لوطا (ع) علما، ونجّاه من القرية التي كانت تعمل الخبائث، وأدخله في رحمته لصلاحه واستقامته.
ثمّ ذكر سبحانه أنه استجاب لنوح (ع) حينما نجّاه وأهله من الغرق، ونصره على كفّار قومه فأغرقهم أجمعين.
ثم ذكر أنه آتى داود وسليمان (ع) العلم والفهم، وأنّ غنما دخلت كرما فأتلفته، فشكا صاحب الكرم صاحب الغنم إلى داود، فقضى بالغنم لصاحب الكرم، لأنه لم يكن هناك تفاوت بين ثمنهما وقضى سليمان بتسليم الغنم لصاحب الكرم، لينتفع بها إلى أن يصلح صاحبها كرمه وكان هذا الحكم هو الأرفق بهما ثم ذكر أنه سخّر لداود الجبال والطير، وعلّمه صنعة الدروع، وسخّر لسليمان الريح والشياطين.
ثمّ ذكر أنه استجاب لأيّوب (ع) حين ناداه أنّه قد مسّه الضرّ، فكشف عنه ضرّه، وآتاه أهله ومثلهم معهم.
ثمّ ذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل (ع) وأنهم كانوا من الصّابرين، وذكر ذا النون (ع) وأنّه ناداه وهو في بطن الحوت، فاستجاب له، ونجّاه من الغمّ الذي كان فيه.
ثم ذكر زكريّا (ع) حينما شكا إليه، أنه لا ولد له، فوهب له يحيى (ع) ، وأصلح له زوجه، لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعونه رغبا ورهبا.
ثمّ ذكر مريم التي أحصنت فرجها، فنفخ فيها من روحه، وجعلها وابنها آية للعالمين.
стр. 1373
الخاتمة الآيات (٩٢- ١١٢)
ثم قال تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) . فذكر لهم سبحانه، أنّ ملّتهم التي يدعوهم إليها، ملّة واحدة تتابع أولئك الأنبياء عليها، وأنّ ربّهم واحد يجب أن يعبدوه، وأنهم انحرفوا عن تلك الملّة، فتفرّقوا فرقا كثيرة، وأنه لا بدّ من يوم يرجعون فيه إليه سبحانه، فلا ينجو منهم إلّا من آمن به وعمل صالحا. وأمّا من أهلكهم من أهل القرى، فلا يمكن أن يرجعوا إلى دنياهم، ليستدركوا ما فاتهم وإذا فتحت يأجوج ومأجوج، يكونون أوّل الناس حضورا في محفل القيامة.
وهنالك ينادون بالويل، ويشهدون على أنفسهم، أنهم كانوا في غفلة عن هذا اليوم، فيقال لهم: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) ولو كانوا آلهة ما وردوها، لأنّ الالهة لا يصحّ تعذيبها. ثم ذكر سبحانه أن الذين سبقت لهم منه الحسنى، لا يردون جهنّم، وأنّهم يدخلون الجنّة فيدخلدون فيها، إلى غير هذا ممّا ذكره في أحوال هذا اليوم.
ثمّ ذكر تعالى أنه كتب في الزّبور من بعد التوراة، أنّ الأرض يرثها عباده الصالحون، لينذر المشركين بتسليط المؤمنين عليهم في الدنيا، بعد أن أنذرهم بسوء حالهم في الاخرة، فيكون ما اقترب من حسابهم في الاخرة والدنيا معا ثمّ ذكر أن في هذا الإنذار كفاية لقوم عابدين، وأنه سبحانه لم يرسل النبي (ص) إلّا رحمة للعالمين، فلا بد من أن يظهر أمره ليكون فيه رحمتهم وصلاحهم ثمّ ختم السورة بإجمال ما ذكره فيها، فأمر النبي (ص) أن يذكر لهم أنّ إلههم إله واحد لا شريك له، فيجب أن يؤمنوا به، وأمره أن يؤذنهم بيوم عذابهم، إن أعرضوا عنه، وأن يخبرهم بأنّه لا يدري أقريب أم بعيد ما يوعدون، لأنّه سبحانه هو الذي يعلم كلّ شيء من جهر القول وما يكتمون ثمّ ذكر أنّ تأخير ما يوعدهم به، إنّما هو فتنة لهم ومتاع إلى حين قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) .
стр. 1374
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأنبياء» «١»
ظهر لي من اتصالها باخر «طه» ، أنه سبحانه، لمّا قال في هذه: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا [طه: ١٣٥] . وقال قبله:
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) [طه] . وقال في مطلع هذه، أي في سورة الأنبياء: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) إشارة إلى قرب الأجل، ودنوّ الأمل المنتظر. وفيه أيضا مناسبة لقوله تعالى هناك:
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [طه: ١٣١] . فإنّ قرب الساعة يقتضي الإعراض عن هذه الحياة الدنيا، لدنوّها من الزّوال والفناء ولهذا ورد في الحديث: أنّها لما نزلت قيل لبعض الصحابة: هلّا سألت النبي (ص) عنها؟ فقال «نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا» «٢» .
стр. 1375
المبحث الرابع مكنونات سورة «الأنبياء» «١»
١- وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ [الآية ٢٩] .
قال قتادة، والضّحّاك: هو إبليس.
أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
٢- وَنَضَعُ الْمَوازِينَ [الآية ٤٧] .
أخرج ابن جرير عن حذيفة اليماني «٣» قال: صاحب الميزان يوم القيامة: جبريل.
٣- قالُوا حَرِّقُوهُ [الآية ٦٨] . قيل: المقصود به: نمرود وقيل: رجل من أكراد فارس، يسمى هيزن. أخرجه ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي.
٤- إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها [الآية ٧١] .
قال السّدّيّ: هي الشام أخرجه ابن أبي حاتم «٤» وقيل: مكّة حكاه ابن عسكر «٥»
стр. 1376
٥- إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) .
قال (ص) : هم عيسى، وعزير، والملائكة.
أخرجه، هكذا مختصرا، ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة. وأخرج عن ابن عبّاس، قال: نزلت في عيسى، ومريم، وعزير «١» .
٦- أَنَّ الْأَرْضَ [الآية ١٠٥] .
قال ابن عباس أرض الجنة. أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 1377
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأنبياء» «١»
١- وقال تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الآية ٣] .
أقول: أكثر النحويون في الكلام على هذه الآية فقالوا: «الواو» فاعل، و «الذين» بدل.
وقالوا: «الذين» فاعل، «والواو» ليس ضميرا.
وقالوا: هي لغة.
أقول: القول إنّها لغة مقبول، ولكنّي أقول أيضا: إنّ هذه المسألة ليست «لغة» ومعنى ذلك أنها شيء خاصّ، بل ربّما اتّجه القول اتّجاها حسنا، لو قلنا إنّ مجيء الفاعل اسما ظاهرا، مع تحمّل الفعل «إشارة» أو «علامة» لهذا الفاعل في أنه مثنّى أو جمع، أسلوب من أساليب العرب، أخذ في الزوال والنقص في عصر القرآن، فجاء منه شيء قليل، والآية شاهد على ذلك.
٢- وقال تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ [الآية ٥] .
والمعنى: أنّ الكافرين قالوا: إنّ القرآن تخاليط أحلام، رآها النبيّ (ص) في المنام.
وأريد أن أقف وقفة قصيرة على قوله تعالى: أَضْغاثُ أَحْلامٍ فأقول:
«الضّغث» : قبضة حشيش مختلطة الرّطب باليابس، وهذا يعني أنّ «أضغاث الأحلام» رؤيا لا يصح تأويلها، لاختلاطها.
والقول البديع في هذا التركيب، إضافة المادي إلى المحسوس. وهو
стр. 1378
«الأضغاث» إلى المعنويّ، وهو «الأحلام» بمعنى الرؤيا للشبه بينهما وهو الاختلاط.
٣- وقال تعالى: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) .
أريد ب «قرية» أهل القرية، ومن أجل ذلك وصفت بأنها «ظالمة» ، ثم قال تعالى: وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) .
أقول: ودلالة «القرية» على «أهلها» كثير في القرآن، ومنه:
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) [الأعراف] .
وقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢] .
وأمّا دلالة القرية على المكان فكثير أيضا، وقد ورد في آيات كثيرة.
٤- وقال تعالى: لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ [الآية ١٣] .
والمراد: وارجعوا إلى ما نعمتم فيه من العيش الرّافه، أي إلى نعمكم التي أترفتكم.
٥- وقال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ [الآية ١٨] . أي: أنّنا ندحض الباطل بالحق، واستعار القذف والدمغ تصويرا لإبطاله، وإهداره، ومحقه.
وأصل الدّمغ الشّجّ، يقال دمغه حتى بلغت الشّجّة الدّماغ.
أقول: واستعارة «الدمغ» في هذا الخصوص استعارة جميلة، لإحكام تصوير حقيقة محق الباطل بالحقّ.
٦- وقال تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) .
وقوله تعالى: وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) .
أي لا يعيون، عن قتادة والسّدّيّ.
وقيل: لا يملّون، وقيل: لا ينقطعون، مأخوذ من البعير الحسير، المنقطع بالإعياء.
٧- وقال تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الآية ٢٢] .
أقول: الضمير في قوله تعالى:
فِيهِما ضمير الاثنين يعود إلى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في الآية ١٩:
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
فقد عدّت «السماوات» أحد جزأي المثنّى نظير «الأرض» فجاء الضمير
стр. 1379
كناية عنهما، ولم يلتفت إلى أن «السماوات» جمع.
ومثل هذه المسألة ما ورد في الآية ٣٠: من السورة نفسها، وهي:
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما.
٨- وقال تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [الآية ٣١] .
أي: كراهة «أن تميد بهم» .
أقول: وحذف المصدر المبيّن للسبب، وهو المفعول له، ورد في لغة القرآن التماسا للإيجاز، وهو مطلب من مطالب البلاغة، وأنه يلمح في المعنى، ومن ذلك قوله تعالى:
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: ١٥ ولقمان: ١٠] .
أي: كراهة أن تميد بكم.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الإسراء: ٤٦] .
والتقدير كراهة أن يفقهوه.
٩- وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) .
وفي قوله تعالى: يَسْبَحُونَ (٣٣) . إضافة فعل العقلاء إليها، سوّغ مجيء الواو والنون، كما قال سبحانه:
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) [يوسف] .
١٠- وقال تعالى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الآية ٥٧] .
أي لأدبّرنّ في بابهم تدبيرا خفيّا يسوؤكم ذلك.
والفعل «كاد يكيد» فعل متعدّ، كما في الآية وقد يطوى المفعول به، كما في قوله تعالى:
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ [يوسف:
٧٦] .
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) [الطارق] .
والكيد التدبير بباطل أو حقّ.
والكيد الخبث والمكر.
١- وقال تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ [الآية ٧٧] .
«السّوء» : بفتح السّين هو المصدر، أمّا الاسم فهو السّوء بالضّمّ.
١٢- وقال تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ
стр. 1380
إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
[الآية ٧٨] .
وقوله تعالى: نَفَشَتْ، أي:
تفرّقت ليلا. ونفشت الغنم والإبل:
رعت ليلا بلا راع وهذا معنى نادر للفعل «نفش» ، لأنّ النفش تشعيث الشيء بأصابعك حتّى ينتشر.
والنّفش، بالتحريك، الصوف والخصب.
١٣- وقال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً [الآية ٨٧] .
أي: أنّه «مغاضب» لقومه، فقد أغضبهم بمفارقته، لخوفهم حلول العقاب عليهم.
أقول: والمزيد «غاضب» ممّا لم يتيسّر لي أن اقف عليه في غير لغة التنزيل.
١٤- وقال تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) .
الحدب: النشز من الأرض، أي:
المرتفع.
وقوله تعالى: يَنْسِلُونَ (٩٦) ، أي: يظهرون ويسرعون. أقول: وفي لغة المعاصرين يقال:
جاءوا من كل حدب وصوب، أي:
جاءوا من كلّ جهة، وكثيرا ما يخطئون فيسكنون الدال من «حدب» .
وكأنّ أصل العبارة، أنّها قابلت بين «الحدب» وهو النشز المرتفع قليلا، وبين «الصّوب» الذي يدل على الانصباب والانحدار، وهو ضدّ التصعيد، وهو الإصابة والتصوّب أيضا.
١٥- وقال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) .
قلنا: قرأ ابن عبّاس: حضب جهنم بمعنى الحصب. وهو ما يحصب به، أي يرمى كالحصى، وهو المحصوب من باب فعل بمعنى مفعول مثل السّلب، والحلب ونحو هما.
وقرئ: «الحصب» بإسكان الصّاد، وهو من باب الوصف بالمصدر.
وقرئ: حطب بالطاء.
ومن المفيد أن نقول: إن «حضب» بالضاد المعجمة، هو الحطب في لغة اليمن.
стр. 1381
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأنبياء» «١»
قال تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى [الآية ٣] كأنّه قال وَأَسَرُّوا ثم فسّره بعد فقال: هم الَّذِينَ ظَلَمُوا.
وقال تعالى: فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) بتذكير الأصنام، وهي من الموات، لأنّها كانت عندهم ممّن يعقل أو ينطق.
وقال تعالى: وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ [الآية ٨٢] بتذكير الشياطين، الذين ليسوا من الإنس، إلّا أنهم مثلهم في الطّاعة والمعصية. ألا ترى أنك تقول «الشياطين يعصون» ولا تقول: «يعصين» وإنّما جمع يَغُوصُونَ ومِنَ في لفظ واحد لأن مِنَ في المعنى لجماعة. قال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد الثامن والأربعون بعد المائتين] :
لسنا كمن جعلت إياد دارها ... تكريت تنظر حبّها أن يحصدا «٣»
وقال «٤» [من المتقارب، وهو الشاهد التاسع والأربعون بعد المائتين] :
стр. 1382
أطوف بها لا أرى غيرها ... كما طاف بالبيعة الرّاهب
فجعل «الراهب» بدلا من «ما» ، كأنّه قال «كالذي طاف» وتقول العرب:
«إنّ الحقّ من صدّق الله» أي: «الحقّ حقّ من صدّق الله» .
وقال تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) يقول:
«من تعجيل من الأمر، لأنّه سبحانه قال: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] فهذا العجل كقوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل/ الآية الأولى] وقوله سبحانه فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) فإنّني سَأُرِيكُمْ آياتِي [الآية ٣٧] .
وقال تعالى: أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً [الآية ٣٠] باعتبار أن السماوات والأرض صنفان، كنحو قول العرب «١» «هما لقاحان سودان» وفي كتاب الله إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: ٤١] وقال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الخمسون بعد المائتين] :
رأوا جبلا فوق الجبال إذا التقت ... رؤوس كبيريهنّ ينتطحان «٢»
فقال «رؤوس» ثم قال «ينتطحان» وذا نحو قول العرب «الجزرات» و «الطرقات» فيجوز في ذا، أن تقول:
«طرقان» للاثنين «وجزران» للاثنين.
وقال الشاعر «٣» [من الكامل وهو الشاهد الحادي والخمسون بعد المائتين] :
وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرّقاب نواكسي الأبصار
والعرب تقول: «مواليات» و «صواحبات يوسف» فهؤلاء قد كسروا فجمعوا «صواحب» ، وهذا المذهب يكون فيه المذكّر «صواحبون» ونظيره «نواكسي» . وقال بعضهم «نواكس» في موضع جرّ، كما تقول «جحر ضبّ خرب» .
وقال تعالى:
стр. 1383
إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الآية ٨٧] أي: لن نقدر عليه العقوبة، لأنه قد أذنب بتركه قومه، وإنّما غاضب بعض الملوك، ولم يغاضب ربّه، كان بالله ، أعلم من ذلك «١» .
стр. 1384
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنبياء» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الآية الأولى] ، وصفه بالقرب، وقد مضى من وقت هذا الإخبار زمن طويل، ولم يأزف يوم الحساب بعد؟
قلنا: معناه الأوّل: أنه قريب عند الله تعالى، وإن كان بعيدا عند الناس، كما قال تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) [المعارج] وقال تعالى:
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) [الحج] . الثاني: معناه أنه قريب بالنسبة إلى ما مضى من الزمان.
كما قال (ص) «إن مثل ما بقي من الدنيا في جنب ما مضى، كمثل خيط في ثوب» . الثالث: أنّ المراد به قرب حساب كلّ واحد في قبره إذا مات، ويؤيّده قوله (ص) «من مات فقد قامت قيامته» . الرابع: أنّ كلّ آت قريب، وإن طالت أوقات استقباله وترقّبه، وإنّما البعيد الذي وجد وانقرض ولهذا يقول الناس إذا سافروا من بلد إلى بلد، بعد ما جعلوا البلد الأول وراء ظهورهم: البلد الثاني أقرب، وإن كان أبعد مسافة.
فإن قيل: لم قال تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الآية ٢] والذكر الآتي من الله تعالى هو القرآن، وهو قديم لا محدث؟
قلنا: المراد أوّلا محدث إنزاله.
ثانيا: أنّ المراد به ذكر يكون غير القرآن، من مواعظ الرسول (ص)
стр. 1385
وغيره ونسب إلى الله تعالى لأن موعظة كلّ واعظ بإلهامه وهدايته.
ثالثا: أنّ المراد بالذكر الذاكر، وهو الرسول (ص) ، ويؤيّده قوله تعالى في سياق الآية هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الآية ٣] . وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: إِلَّا اسْتَمَعُوهُ [الآية ٢] أي إلّا استمعوا ذكره وموعظته.
فإن قيل: النّجوى المسارّة، فما معنى قوله تعالى وَأَسَرُّوا النَّجْوَى [الآية ٣] ؟
قلنا: معناه بالغوا في إخفاء المسارّة، بحيث لم يفطن أحد لتناجيهم ومسارّتهم، تفصيلا ولا إجمالا فإنّ الإنسان قد يرى اثنين يتسارّان، فيعلم من حيث الإجمال أنّهما يتسارّان، وإن لم يعلم تفصيل ما يتسارّان به، وقد يتسارّان في مكان لا يراهما أحد.
فإن قيل: لم قال تعال لمشركي مكّة: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [الآية ٧] يعني فاسألوا أهل الكتاب عمّن مضى من الرسل، أكانوا بشرا أم ملائكة؟ مع أنّ المشركين قالوا، كما ورد في التنزيل: لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ: ٣١] .
قلنا: هم وإن لم يؤمنوا بكتاب أهل الكتاب، ولكن النقل المتواتر من أهل الكتاب في القضيّة العقلية، يفيد العلم لمن يؤمن بكتابهم، ولمن لا يؤمن به.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) ، والاستحسار مبالغة في الحسور وهو الإعياء فكان الأبلغ في وصفهم، أن ينفي عنهم أدنى الحسور أو مطلقه، لا أقصاه؟
قلنا: إنما ذكر الاستحسار، إشارة إلى أنّ ما هم فيه، من التسبيح الدائم، والعبادة المتّصلة، يوجب غاية الحسور وأقصاه.
فإن قيل: قوله تعالى: في وصف الملائكة بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) .
إلى قوله تعالى: مُشْفِقُونَ (٢٨) يدلّ على أنهم لا يعصون الله ما أمرهم، فإذا كانوا لا يعصون الله تعالى، فلم يخافون حتّى قال سبحانه: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) ؟
قلنا: أولا: لمّا رأوا ما جرى على إبليس وعلى هاروت وماروت من القضاء والقدر، خافوا من مثل ذلك.
ثانيا: أنّ زيادة معرفتهم بالله، وقربهم في محلّ كرامته، يوجب مزيد خوفهم، ولهذا قال أهل التحقيق: من كان بالله أعرف، كان من الله أخوف ومن كان
стр. 1386
إلى الله أقرب، كان من الله أرهب.
وقال بعضهم يا عجبا من مطيع آمن، ومن عاص خائف.
فإن قيل: لم قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الآية ٣٠] وهم لم يروا ذلك؟
قلنا: معناه: أو لم يعلموا ذلك بأخبار من قبلهم، أو بوروده في القرآن الذي هو معجزة في نفسه، ونظيره قوله تعالى للنبي (ص) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور:
٤١] وقوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [النور: ٤٣] ، ونظائره كثيرة.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الآية ٣٠] مع أن الملائكة أحياء والجنّ أحياء، وليسوا مخلوقين من الماء، بل من النور والنار، كما قال تعالى وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) [الرحمن] وكذا آدم مخلوق من التراب، وناقة صالح مخلوقة من الحجر؟
قلنا: المراد به البعض، وهو الحيوان، كما في قوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣] وقوله تعالى: وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ [يونس: ٢٢] ونظائره كثيرة. الثاني: أنّ الكلّ مخلوقون من الماء، ولكن البعض بواسطة، والبعض بغير واسطة.
ولهذا قيل إنه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، وخلق الجنّ من نار خلقها من الماء، وخلق آدم من تراب خلقه من الماء.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) بعد قوله سبحانه:
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [الآية ٣٧] وكأنه تكليف بما لا يطاق؟
قلنا: هذا، لما ركب فيه الشهوة، وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة، التي يستطيع بها قمع الشهوة، وترك العجلة.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) مع أن الصمّ لا يسمعون الدعاء إذا ما يبشّرون أيضا؟
قلنا: اللام في الصّمّ إشارة للمنذرين السابق ذكرهم، بقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الآية ٤٥] فهي لام العهد، لا لام الجنس.
فإن قيل: لم قال إبراهيم صلوات الله عليه، كما ورد في التنزيل: بَلْ فَعَلَهُ
стр. 1387
كَبِيرُهُمْ هذا
[الآية ٦٣] أحال كسر الأصنام على الصنم الكبير، وكان إبراهيم هو الكاسر لها؟
قلنا: أوّلا: قاله على طريق الاستهزاء والتهكّم بهم، لا على طريق الجدّ. ثانيا: أنه لما كان الحامل له على كسرها، اغتياظه من رؤيتها مصفوفة مرتّبة للعبادة، مبجّلة معظّمة، وكان اغتياظه من كبيرها أعظم، لمزيد تعظيمهم له، أسند الفعل إليه، كما أسند إلى سببه، وإلى الحامل عليه.
ثالثا: أنه أسند إليه معلّقا بشرط منتف، لا مطلقا، تقديره: فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون. فإن قيل: لم خاطب تعالى النار، بقوله: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) والخطاب، إنّما يكون لمن يعقل؟
قلنا: خطاب التحويل والتكوين لا يختصّ بمن يعقل، قال الله تعالى يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: ١٠] وقال تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [فصلت: ١١] وقال تعالى:
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي [هود: ٤٤] .
فإن قيل: لم وصف الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بكونهم من الصالحين، بقوله تعالى وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ [الآية ٨٥] ، مع أنّ أكثر المؤمنين صالحون، خصوصا في الزمن الأول؟
قلنا: معناه أنهم من الصالحين للإدخال في الرحمة، التي أريد بها النبوّة على ما فسّره مقاتل، أو الجنّة على ما فسّره ابن عبّاس ﵄ ويؤيّد ذلك قول سليمان صلوات الله عليه، كما ورد في التنزيل: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) [النمل] أي الصالحين للعمل المرضيّ، الذي سبق سؤاله.
فإن قيل: لم قال تعالى هنا وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [الآية ٩١] وقال في سورة التحريم وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [التحريم: ١٢] .
قلنا: حيث أنّث أراد النفخ في ذاتها، وإن كان مبدأ النفخ من الفرج الذي هو مخرج الولد، أو جيب درعها على اختلاف القولين، لأنه فرجة، وكل فرجة بين شيئين تسمى فرجا في اللغة، وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها ممّا لا يحل،
стр. 1388
كانت لنفسها أمنع، وحيث ذكّر فظاهر.
فإن قيل: قوله تعالى وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) يدل على أنه يجب أن يرجعوا، لأنّ كل ما حرّم أن لا يوجد، وجب أن يوجد، فما معنى الآية؟
قلنا: معناه: واجب على أهل قرية، عزمنا على إهلاكهم، أو قدّرنا إهلاكهم، أنهم لا يرجعون على الكفر إلى الإيمان، أو أنهم لا يرجعون بعد إهلاكهم إلى الدنيا، فالحرام هنا بمعنى الواجب، كذا قاله ابن عبّاس ﵄، ويؤيّده قول الشاعر:
فإنّ حراما لا أرى الدّهر باكيا ... على شجوة إلّا بكيت على عمرو
وقيل لفظ الحرام على ظاهره، و «لا» زائدة، والمعنى ما سبق ذكره، والحرمة هنا بمعنى المنع، كما في قوله تعالى:
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص: ١٢] وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) [الأعراف] .
فإن قيل: قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) وقال في موضع آخر: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] وواردها ليكون قريبا منها لا بعيدا.
قلنا معناه مبعدون عن ألمها وعذابها، مع كونهم وارديها، أو معناه مبعدون عنها بعد ورودها، بالإنجاء المذكور بعد الورود، فلا تنافي بينهما.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) مع أن النبي (ص) لم يكن رحمة للكافرين، الذين ماتوا على كفرهم، لأنّه لولا إرساله إليهم، لمّا عذّبوا بكفرهم، لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) [الإسراء] .
قلنا: أوّلا: بل كان رحمة للكافرين أيضا، من حيث أنّ عذاب الاستئصال أخّر عنهم بسببه. ثانيا: أنّه كان رحمة عامّة، من حيث أنه جاء بما يسعدهم إن اتّبعوه، ومن لم يتّبعه فهو الذي قصّر في حق نفسه، وضيّع نصيبه من الرحمة ومثله (ص) كمثل عين ماء عذبة، فجّرها الله تعالى، فسقى ناس زروعهم ومواشيهم منها فأفلحوا وفرّط ناس في السقي منمها، فضيّعوا فالعين في نفسها نعمة من الله تعالى للفريقين ورحمة، وإن قصّر البعض وفرّطوا. ثالثا: أن المراد بالرحمة
стр. 1389
الرحيم، وهو (ص) كان رحيما للفريقين، ألا ترى أنهم لما شجّوه يوم أحد، وكسروا رباعيّته حتّى خرّ مغشيّا عليه، فلمّا أفاق قال اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون؟
فإن قيل لم قال تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) مع إخباره تعالى إيّاهم بقرب الساعة، بقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل/ الآية الأولى] وقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر/ الآية الأولى] ونحو هما.
قلنا: معناه ما أدري أنّ العذاب الذي توعدونه وتهدّدون به، ينزل بكم عاجلا أو آجلا، وليس المراد به قيام الساعة.
ويردّ على هذا الجواب، أنّه قريب على كل تقدير لأنّه إن كان قبل قيام الساعة، فظاهر، وإن كان بعد قيام الساعة، فهو كالمتّصل بها، لسرعة زمن الحساب، فيكون قريبا أيضا. فإن قيل: إذا كان المؤمنون يعتقدون أنّ الله تعالى لا يحكم إلّا بالحقّ، فما فائدة الأمر والإخبار المتعلّق بهما، بقوله تعالى: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الآية ١١٢] ؟
قلنا: أوّلا ليس المراد بالحق هنا ما هو نقيض الباطل بل المراد به ما وعده الله تعالى إيّاه، من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين، ووعده لا يكون إلا حقّا. فكأنّ السّياق: عجّل لنا وعدك وأنجزه. ونظيره قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) [الأعراف] . الثاني: أنّه تأكيد لما في التصريح بالصفة من المبالغة، وإن كانت لازمة للفعل، ونظيره في عكسه من صفة الذّمّ، قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: ١١٢] .
стр. 1390
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأنبياء» «١»
قوله سبحانه: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ [الآية ١١] وحقيقة القصم، كسر الشيء الصّلب. وجعل هاهنا مستعارا، للتعبير عن إهلاك الجبّارين من أهل القرى، أصلب ما كانوا عيدانا، وأمنع أركانا.
وقوله سبحانه: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) . وفي هذه الآية استعارتان: لأنّه سبحانه جعل القوم الذين أهلكهم بعذابه، بمنزلة النبات المحصود، الذي أنيم بعد قيامه، وأهمد بعد اشتطاطه واهتزازه.
والاستعارة الأخرى قوله تعالى:
خامِدِينَ (١٥) . والخمود من صفات النار، كما كان الحصيد من صفات النبات. فكأنه سبحانه، شبّه همود أجسامهم بعد حراكها، بخمود النار بعد اشتعالها. وقد يجوز أيضا، والله أعلم، أن يكون المراد تشبيههم بالنبات، الذي حصد، ثم أحرق.
فيكون ذلك أبلغ في صفتهم بالهلاك والبوار، وامّحاء المعالم والآثار، لاجتماع صفتي الحصد والإحراق.
وقال سبحانه: حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) ، ولم يقل خامدا، كما قال تعالى:
فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) [الشعراء] ولم يقل خاضعة. لأنّه، سبحانه، ردّ معنى خاضعين على أصحاب الأعناق. وكذلك يجوز ردّ معنى خامدين على القوم الذين
стр. 1391
أهلكوا، لا على النبات الذي به شبّهوا.
وقيل معنى قوله تعالى: حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً أي سلّطنا عليهم السيف يختليهم، كما تختلى الزروع بالمنجل. وقد جاء في الكلام: جعله الله حصيد سيفك، وأسير خوفك.
وقوله سبحانه: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) . وهذه استعارة. لأنّ حقيقة القذف من صفات الأشياء الثقيلة، التي يرجم بها، كالحجارة وغيرها. فجعل سبحانه، إيراد الحق على الباطل، بمنزلة الحجر الثقيل، الذي يرضّ ما صكّه، ويدمغ ما مسّه.
ولما بدأ تعالى بذكر قذف الحق على الباطل، وفّى الاستعارة حقّها، وأعطاها واجبها، فقال سبحانه: فَيَدْمَغُهُ ولم يقل فيذهبه ويبطله. لأن الدّمغ إنّما يكون عن وقوع الأشياء الثقال، وعلى طريق الغلبة والاستعلاء. فكأنّ الحقّ أصاب دماغ الباطل فأهلكه. والدماغ مقتل. ولذلك قال سبحانه من بعد: فَإِذا هُوَ زاهِقٌ والزاهق: الهالك.
وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الآية ٣٠] . وهذه استعارة.
لأن الرّتق هو سدّ خصاصة الشيء.
ويقال: رتق فلان الفتق، إذا سدّه.
ومنه قيل للمرأة: رتقاء، إذا كان موضع مرّها من الذّكر ملتحما. وأصل ذلك مأخوذ من قولهم: رتق فتق الخباء والفسطاط وما يجري مجراهما، إذا خاطه. فكأنّ السماوات والأرض كانتا كالشّيء المخيط الملتصق بعضه ببعض، ففتقهما سبحانه، بأن صدع ما بينهما بالهواء الرقيق، والجوّ الفسيح.
وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵇، معنى أن السماوات كانت لا تمطر، والأرض لا تنبت، ففتق الله سبحانه السماء بالأمطار، والأرض بالنبات «١» .
وقوله سبحانه: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الآية ٣٢] وهذه استعارة. لأن حقيقة السّقف ما أظلّ الإنسان، من علوّ بيت أو خباء، أو ما
стр. 1392
يجري مجرى ذلك. فلما كانت السماء تظلّ من تحتها، وتعلو على أرضها، حسن أن تسمّى سقفا لذلك. ومعنى «محفوظا» : أي تحفظ، مما لا يمكن أن تحفظ من مثله سائر السقوف، من الانفراج والانهدام والتشعّث والاسترمام. وقد قيل: معنى ذلك، حفظ السماء من مسارق السمع، وتحصينها بمقاذف الشهب.
وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) . وهذه استعارة، لأنّ أصل السّبح هو التقلّب والانتشار في الأرض. ومنه السّباحة في الماء. ولا يكون ذلك إلّا من حيوان يتصرّف.
ولكنّ الله سبحانه، لمّا جعل الليل والنهار والقمر والشمس مسخّرة للتقلّب في هذا الفلك الدائر والصفيح السائر، تتعاقب فيه وتتغاير، تتقارب وتتباعد، حسن أن يعبّر عنها بما يعبّر به عن الحيوان المتصرّف، وزيدت على ذلك شيئا، فعبّر عنها بما يعبّر به عن الحيوان المميّز. فقيل: «يسبحون» ، ولم يقل: تسبح، لأنها، في الجري على الترتيب المتقن والتقدير المحكم، أقوى تصرّفا من الحيوان غير المميّز. ولأن الله سبحانه أضاف إليها الفعل على تدبير ما يعقل، فحسن أن يعبّر عنها بما يعقل، مثل قوله تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) [يوسف] . ومثل قوله سبحانه: قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النمل: ١٨] فقال سبحانه: ادْخُلُوا ولم يقل ادخلي.
لأن خطابها لمّا خرج على مخرج خطاب من يعقل، كان الأمر لها على مثال أمر من يعقل. وقد مضى الكلام على ذلك فيما تقدّم.
وقوله سبحانه: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [الآية ٣٧] . وهذه استعارة.
والمراد أنّ الإنسان خلق مستعجلا بطلب ما يؤثره، واستطراف ما يحذره.
والله سبحانه إنّما يعطيه ما طلب، ويصرف عنه ما رهب، على حسب ما يعلمه من مصالحه، لا على حسب ما يسنح من ماربه.
وقيل ذلك على طريق المبالغة في وصف الإنسان بالعجلة، كما يقال في الرجل الذكيّ: إنّما هو نار تتوقّد، وللإنسان البليد: إنّما هو حجر جامد.
فأمّا من قال من أصحاب التفسير:
إن العجل هاهنا اسم من أسماء الطين،
стр. 1393
وأورد عليه شاهدا من الشعر، فلا اعتبار بقوله، ولا التفات إلى شاهده، فإنه شعر مولّد وقول فاسد «١» .
وقوله سبحانه: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) . ولفظ النفحة هاهنا مستعار. والمراد بها، إصابة الشيء اليسير من العذاب.
يقال: نفح فلان فلانا بيده. ونفح الفرس فلانا بحافره. إذا أصابه إصابة خفيفة، ولم يبلغ في إيلامه الغاية.
فكأنّ النّفحة هاهنا قدر يسير من العذاب، يدلّ واقعه على عظيم متوقعه، وشاهده على فظيع غائبه.
وقوله سبحانه: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) وهذه استعارة. والمراد بها وصف ما لحقهم من الخضوع والاستكانة والإطراق، عند لزوم الحجّة، فكأنّهم شبّهوا بالمتردّي على رأسه، تدويخا بنصوع البيان، وإبلاسا عند وضوح البرهان. وقوله سبحانه: وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) . ولفظ القرية هاهنا مستعار. والمراد به، الجماعة التي كانت تعمل الخبائث، من أهل القرية. وكشف سبحانه عن ذلك بقوله: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) . وفي هذا الكلام خبر عجيب، لأنه تعالى جعل ما يلي لفظ القرية مؤنّثا، إذ كانت مؤنّثة، فقال:
الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ. وجعل بقية الكلام مذكّرا، فقال: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) لأنّ المراد به مذكّر، فصار الكلام في الآية على قسمين، قسم عائد إلى اللفظ، وقسم عائد على المعنى، وهذا من عجائب القرآن.
وقوله سبحانه: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) ويسبّح هاهنا استعارة.
وقد مضى من الكلام في «الرّعد» على قوله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [الرّعد: ١٣] ما هو بعينه تأويل تسبيح
стр. 1394
الجبال هاهنا. وقد قيل في ذلك وجه آخر، يخرج به الكلام من حدّ الاستعارة. وهو أن يكون قوله تعالى:
يُسَبِّحْنَ هاهنا مأخوذا من التسبيح، وهو الإبعاد في السير، والتصرّف في الأرض. لا من التسبيح المعروف.
فكأنه تعالى قال: وسخّرنا مع داود الجبال يسرن في الأرض معه، ويتصرّفن على أمره، طاعة له. ونظير ذلك قوله سبحانه في «سبأ» : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ: ١٠] أي سيري معه. والتأويب السير.
وإنما قال تعالى: يُسَبِّحْنَ عبارة عنها، بتكثير الفعل من السّبح.
وقال سبحانه: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (٧) [المزّمّل] أي تصرّفا ومتّسعا، ومجالا ومنفسحا.
وقوله سبحانه: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [الآية ٩١] . وهذه استعارة. والمراد هاهنا بالرّوح: إجراء روح المسيح (ع) ، في مريم (ع) ، كما يجري الهواء بالنّفخ.
لأنه حصل معها من غير علوق من ذكر، ولا انتقال من طبق الى طبق. وأضاف تعالى الروح إلى نفسه، لمزيّة الاختصاص بالتعظيم، والاصطفاء بالتكريم. إذ كان خلقه المسيح (ع) ، من غير توسّط مناكحة، ولا تقدّم ملامسة.
وقوله سبحانه: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) .
وهذه استعارة. والمراد بها: أنهم تفرّقوا في الأهواء، واختلفوا في الآراء، وتقسّمتهم المذاهب، وتشعّبت بهم الولائج «١» . ومع ذلك فجميعهم راجعون إلى الله سبحانه، على أحد وجهين: إمّا أن يكون ذلك رجوعا في الدنيا، فيكون المعنى: أنهم، وإن اختلفوا في الاعتقادات، صائرون إلى الإقرار بأنّ الله سبحانه خالقهم ورازقهم، ومصرّفهم ومدبّرهم. أو يكون ذلك رجوعا في الاخرة، فيكون المعنى: أنّهم راجعون إلى الدار التي جعلها الله تعالى مكان الجزاء على الأعمال، وموفى الثواب والعقاب وإلى حيث لا يحكم فيهم، ولا يملك أمرهم، إلا الله سبحانه.
وشبّه تخالفهم في المذاهب،
стр. 1395
وتفرّقهم في الطرائق، مع أنّ أصلهم واحد، وخالقهم واحد، بقوم كانت بينهم وصائل متناسجة، وعلائق متشابكة، ثمّ تباعدوا تباعدا قطع تلك العلائق، وشذّب تلك الوصائل، فصاروا أخيافا «١» مختلفين، وأوزاعا «٢» مفترقين.
وقوله سبحانه: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) هذه استعارة، لأنّ الحصب هو ما يرمى به من الحصباء، وهي الحصى الصّغار.
يقال: حصب فلان فلانا، إذا قذفه بالحصى. ويقولون: حصبنا الجمار، أي قذفنا فيها بالحصبات، فشبّه، سبحانه، قذفهم في نار جهنم، بالحصباء التي يرمى بها من ذلّ مقاذفهم، وهوان مطارحهم.
وفي ذلك أيضا معنى لطيف، وهو أنّه سبحانه لما قال: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ والمراد هاهنا، والله أعلم، ب وَما تَعْبُدُونَ: الأصنام، والأغلب عليها أن تكون من الحجارة، حسن أن يسمّى الرمي بها في نار جهنم حصبا وتسميتها حصبا إذ كانت حجارة، ومن جنس الحصباء، وجاز أن يسمّى قذف العابدين لها في النار أيضا بذلك، حملا على حكمها، وإدخالا في جملتها.
والفائدة في قذف الأصنام مع عابديها في نار جهنّم، أن يكون من زيادات عقابهم، ورجحانات عذابهم، لأنّهم إذا كثرت مشاهدتهم لها في أحوال العذاب، كان ذلك أعظم لحسرتهم على عبادتها، وندمهم على الدّعاء إليها.
وقد قيل أيضا: إنّها إذا حميت بوقود النار، نعوذ بالله منها، لصقت بأجسامهم، فكانت من أقوى أسباب الإيلام لهم. وعلى هذا التأويل، حمل جماعة من المفسّرين، قوله تعالى:
فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) [البقرة] .
وقوله سبحانه: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الآية ١٠٤] .
وهذه استعارة والمراد بها على أحد
стр. 1396
القولين: إبطال السماء ونقض بنيتها، وإعدام جملتها. من قولهم: طوى الدهر آل فلان، إذا أهلكهم وعفّى آثارهم. وعلى القول الاخر، يكون الطيّ هاهنا على حقيقته فيكون المعنى:
إنّ عرض السماوات يطوى حتى يجتمع بعد انتثاره، ويتقارب بعد تباعد أقطاره. فيصير كالسّجلّ المطويّ وهو ما يكتب فيه من جلد أو قرطاس، أو ثوب، أو ما يجري مجرى ذلك.
والكتاب، هاهنا، مصدر، نقول: كتبت كتابة، وكتابا، وكتبا، فيكون المعنى يوم نطوي السماء كطيّ السّجلّ ليكتب فيه، فكأنه تعالى قال: كطيّ السجل للكتابة، لأنّ الأغلب في هذه الأشياء التي أومأنا إليها أن تطوى، قبل أن تقع الكتابة فيها لأنّ ذلك الطيّ أبلغ في التمكّن منها.
стр. 1397
الجزء السادس
سورة الحج
المبحث الأول أهداف سورة «الحج» «١»
سورة الحج سورة مدنية، نزلت بعد سورة النور.
وقيل إن سورة الحج من السور المكية، وقد استثنى من ذهب إلى هذا الرأي الآيات [١٩- ٢٤] .
وكان الأولى أن يستثني من قال إنها مكية آيات الإذن بالقتال من ٣٨ إلى ٤١، ومنها قوله تعالى:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) .
وعند التأمل في سورة الحج، نجد أن أسلوبها وموضوعاتها وطريقتها أقرب إلى السور المكية.
فموضوعات التوحيد والتخويف من الساعة، وإثبات البعث وإنكار الشّرك، ومشاهد القيامة، وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون، بارزة في السورة.
ويمكن أن يقال إن هذه السورة مشتركة بين مكة والمدينة كما يبدو من دلالة آياتها، وعلى الأخص آيات الإذن بالقتال، وآيات العقاب بالمثل في قوله تعالى:
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) فهذه الآيات مدنيّة لأن المسلمين لم يؤذن لهم في القتال والقصاص إلا بعد الهجرة، وبعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة. أما قبل ذلك، فقد قال رسول الله (ص) حين بايعه أهل يثرب،
стр. 1398
وعرضوا عليه أن يميلوا على أهل منى من الكفار فيقتلوهم: «إني لم أومر بهذا» . حتى إذا صارت المدينة دار إسلام، شرّع الله القتال لردّ أذى المشركين عن المسلمين، والدفاع عن حرية العقيدة، وحرية العبادة للمؤمنين.
ومن الموضوعات المدنية في سورة الحج: حماية الشعائر، والوعد بنصر الله لمن يقع عليه البغي، وهو يردّ العدوان، والأمر بالجهاد في سبيل الله.
وفي السورة موضوعات أخرى عولجت بطريقة القرآن المكّي، وتغلب عليها السّمات المكية. وهذه السمات تجعل سورة الحج مما يشبه المكّيّ وهو مدني.
سمات القوة
تتضح في سورة الحج سمات القوة والعنف، وأساليب الرهبة والتحذير، واستجاشة مشاعر التقوى والوجل والخوف من بأس الله.
وتبدو هذه المعاني في المشاهد والأمثال.
فمشهد البعث مزلزل عنيف رهيب، تذهل فيه الأم عن وليدها وهو بين يديها، وكذلك مشهد العذاب: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) .
ومشهد القرى المدمّرة بظلمها:
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) .
تجتمع هذه المشاهد العنيفة المرهوبة إلى قوة الأوامر والتكاليف، وتبرير الدفع بالقوة، وتأكيد الوعد بالنصر والتمكين إلى عرض الحديث عن قوة الله وضعف الشركاء المزعومين.
ووراء ذلك كلّه الدعوة إلى التقوى والوجل، واستجاشة مشاهد الرهبة والامتثال لأمر الله، تبدأ بها السورة وتتناثر في ثناياها:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) .
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) .
стр. 1399
فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الآيات ٣٤- ٣٥] .
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [الآية ٣٧] .
ذلك إلى استعراض مشاهد الكون، ومشاهد القيامة، ومصارع الغابرين والأمثلة والعبر، والصور والتأملات، لاستجاشة مشاعر الإيمان والتقوى والإخبات والاستسلام. هذا هو الروح الساري في جو السورة كلها، والذي يطبعها ويميزها.
أقسام السورة وأفكارها
تشتمل سورة الحج على أربع مجموعات، أو أقسام رئيسية، يجري السياق فيها كالآتي:
القسم الأول:
يبدأ القسم الأول بالنداء العام: نداء الناس جميعا إلى تقوى الله، وتخويفهم من زلزلة الساعة، ووصف الهول المصاحب لها، وهو هول عنيف مرهوب. في ظل هذا الهول باستنكار الجدل في الله بغير علم، واتّباع كل شيطان محتوم على من يتّبعه الضلال، ثم يعرض دلائل البعث من أطوار في حياة الإنسان وحياة النبات، مسجلا تلك القربى بين أبناء الحياة، ويربط بين تلك الأطوار المطّردة الثابتة، وبين كون الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وكلها سنن مطّردة، وحقائق ثابتة متصلة بناموس الوجود. ثم يعود إلى استنكار الجدل في الله بغير علم، ولا هدى ولا كتاب منير.
بعد هذه الدلائل المستقرة في صلب الكون وفي نظام الوجود، إلى استنكار بناء العقيدة على حساب الربح والخسارة، والانحراف عن الاتجاه إلى الله عند وقوع الضّرّاء، والالتجاء إلى غير حماه، واليأس من نصرة الله وعقباه ... وينتهي هذا الشوط بتقرير أن الهدى والضلال بيد الله، وأنه سيحكم بين أصحاب العقائد المختلفة يوم الحساب. وهنا يعرض ذلك المشهد العنيف من مشاهد العذاب للكافرين، وإلى جواره مشهد النعيم للمؤمنين.
ويمتد هذا القسم من أول السورة إلى الآية ٢٤.
стр. 1400
القسم الثاني:
يبدأ القسم الثاني بالحديث عن الذين كفروا ويصدّون عن سبيل الله والمسجد الحرام، ويستنكر هذا الصّدّ عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس جميعا، يستوي في ذلك المقيمون به والطارئون عليه. وبهذه المناسبة يذكر طرفا من قصة بناء البيت، وتكليف إبراهيم (ع) أن يقيمه على التوحيد، وأن يطهّره من رجس الشرك، ويستطرد إلى بعض شعائر الحج وما وراءها من استجاشة مشاعر التقوى في القلوب، وهو الهدف المقصود، وينتهي هذا القسم بالإذن للمؤمنين في القتال، لحماية الشعائر والعبادات من العدوان الذي يقع على المؤمنين ولا جريرة لهم إلا أن يقولوا: ربّنا الله. ويستغرق هذا القسم الآيات: [٢٥- ٤١] .
القسم الثالث:
يبدأ القسم الثالث بعرض نماذج من تكذيب المكذبين من قبل، ومن مصارع المكذبين ومشاهد القرى المدمرة على الظالمين. وذلك لبيان سنة الله في الدّعوات، وتسلية الرسول (ص) عما يلقاه من صدّ وإعراض، وتطمين المسلمين بالعاقبة التي لا بد من أن تكون، كذلك يتضمن عرض طرف من كيد الشيطان للرسل والنبيين في دعوتهم، وتثبيت الله لدعوته، وإحكامه لآياته، حتى يستيقن بها المؤمنون، ويفتن بها الضّعاف والمستكبرون ويستغرق هذا القسم الآيات: [٤٢- ٥٩] .
القسم الرابع:
يتضمن القسم الرابع وعد الله بنصرة من وقع عليه البغي فقام يدفع عن نفسه العدوان، ويتبع هذا الوعد بعرض دلائل القدرة في صفحات الكون، وإلى جوارها يعرض صورة زرية لضعف الالهة التي يركن إليها المشركون، وينتهي هذا القسم وتنتهي السورة معه بنداء الذين آمنوا ليعبدوا ربهم، ويجاهدوا في الله حق جهاده، ويعتصموا بالله وحده، وهم ينهضون بتكاليف عقيدتهم العريقة منذ أيام إبراهيم الخليل (ع) ، ويستغرق هذا القسم الآيات: [٦٠- ٧٨] .
ومن هذا العرض نجد تعاقب موضوعات السورة وتناسقها في حلقات متساوية، تسلم كل حلقة للتي تليها،
стр. 1401
ليكون في مجموعها سورة كاملة هي سورة الحج.
حكمة التسمية
سمّيت هذه السورة بسورة الحج لأنها اشتملت على الدعوة إلى الحج على لسان إبراهيم الخليل (ع) ، وفي الحج منافع دينية وعلمية وتجارية وسياحية.
قال تعالى:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ.
في الحج يتجمع المسلمون من كل بلد، للتعارف والتالف والتشاور والتعاون، وبذلك يصبحون يدا واحدة وقوة متالفة كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا.
في الحج يشاهد الإنسان الأماكن المقدسة، التي شهدت ميلاد الإسلام، وولادة الرسول (ص) ورسالته وجهاده وهديه.
في الحج يتعرف المسلمون، من كل قطر، على إخوانهم، ويتدارسون شئونهم ويعرفون آلامهم وآمالهم. وربما تعاقدوا على شراء ما يلزمهم أو على عمل ما ينفعهم.
في الحج سياحة في أرض الله، وأداء لمناسك مقدسة في موطن إبراهيم الخليل وهاجر وإسماعيل، ورؤية الكعبة المقدسة وزمزم والصفا والمروة ومنى وعرفات. وبعد الحج زيارة للمسجد النبوي وصلاة بالروضة ووقوف أمام قبر النبي (ص) وزيارته، وزيارة قبور الصحابة والشهداء، ورؤية أمجاد الإسلام ومواقع المعارك.
وبذلك يستقر الايمان في القلب والشعور، ويصبح الحج عبادة ذات منافع متعددة، إذا فهم المسلمون حكمته ورسالته.
مقصود السورة اجمالا
إذا أردنا التعرف على الأفكار المنثورة في سورة الحج وجدناها تدور حول الأمور الآتية:
الوصية بالتقوى والطاعة، وبيان هول الساعة وزلزلة القيامة، والدليل على إثبات الحشر والنشر، وجدال أهل الباطل مع أهل الحق، وذمّ أهل النفاق وعبادة الأوثان، ومدح المؤمنين وبيان رعاية الله لرسوله، ونصره رغم أنف
стр. 1402
الكافرين، وسجود الكائنات لله، وقيام إبراهيم بالدعوة إلى الحج وبيان تعظيم الحرمات والشعائر، والمنّة على العباد بدفع فساد أهل الفساد، وإهلاك القرى بسبب ظلم أهلها، وذكر نسيان رسول الله (ص) ، وسهوه حال تلاوة القرآن، وتثبيت المؤمنين، وشقاق الكافرين حتى تفاجئهم الساعة، وبيان قدرة الله سبحانه، وعجز الأصنام وعبّادها، واصطفاء الرسل من الملائكة كجبريل (ع) ، ومن الإنس كمحمد (ص) ، وتكليف المؤمنين أنواعا من العبادة كالصلاة والجهاد والإحسان، وترغيبهم في الوحدة والجماعة والتمسك بحبل الله في قوله تعالى:
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الآية ٧٨] .
стр. 1403
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحج» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الحج بعد سورة النّور، ونزلت سورة النور بعد سورة الحشر، وكان نزول سورة الحشر فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك: فيكون نزول سورة الحج في ذلك التاريخ أيضا، وعلى هذا تكون من السور المدنية، وهو المشهور في تاريخ نزولها.
وقيل إن سورة الحج من السّور المكية، وقد استثنى من ذهب إلى ذلك، الآيات [١٩- ٢٤] ، فذهب إلى أنها نزلت بالمدينة.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لما ورد فيها من الكلام على الحج، وتبلغ آياتها ثماني وسبعين آية.
الغرض منها وترتيبها
غرض هذه السورة بيان أهوال يوم القيامة، والإذن في قتال من يؤذي المسلمين من المشركين وغيرهم، ولهذا ذكرت بعد سورة الأنبياء، لأن في أواخر الأنبياء تهديدا للمشركين بالفزع الأكبر في القيامة، وبتسليط المسلمين عليهم في الدنيا، فجاءت هذه السورة بعدها، وفي أولها بيان ذلك الفزع الأكبر، وفي آخرها الإذن بقتال المشركين، ليكون به تسليط المسلمين عليهم في الدنيا.
стр. 1404
بيان أهوال يوم القيامة الآيات [١- ٢٤]
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) ، فأمر الناس بتقواه، وحذّرهم من أهوال الساعة التي يبلغ من شدتها أن تذهل بها كل مرضعة عمّا أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، ويرى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد.
ثم ذكر سبحانه، أن من الناس من يجادل في دين الله تقليدا من غير علم، فينكرون تلك الأهوال، ويرتابون في بعثهم بعد موتهم، وردّ عليهم بأنه خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلقة، إلى غير هذا مما ذكره في سلسلة خلقهم، ومن يقدر على هذا، يقدر على أن يبعثهم كما خلقهم، ولا يصح لهم معه أن يرتابوا في الساعة وأهوالها.
ثم ذكر، جلّ وعلا، أن من الناس من يجادل في ذلك عنادا وكبرا، وهم رؤساء الذين أنكروه فيما سبق تقليدا، وأن منهم منافقين لا يجادلون في ذلك، ولكنهم لا يعتقدون في الثواب والعقاب، فيعبدون الله على حرف، أي على قلق واضطراب. فإن أصابوا خيرا دنيويّا من الغنائم ونحوها اطمأنوا به، وإن أصابهم شر أظهروا ما عندهم من النفاق، فيخسرون دنياهم وآخرتهم، ويدعون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ثم ذكر سبحانه أنه يدخل الذين آمنوا بذلك جنات تجري من تحتها الأنهار، وأنه ينصرهم في الاخرة والدنيا. وإذا كان أعداؤهم يظنون أنه لا ينصرهم فليفعلوا ما في وسعهم لمنع ذلك النصر، فإن كيدهم لا يذهب ما يغيظهم.
ثم انتقل السّياق إلى طريق آخر في إثبات ما ينكرونه من ذلك، فذكر اختلاف الناس في الدنيا إلى مؤمنين ويهود وصابئين ونصارى ومشركين، وأنه لا بد من أن يفصل الله سبحانه، بينهم في ذلك الخلاف، لأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيفصل بواسع علمه فصلا عادلا بينهم، ولأنه يسجد له من في السماوات ومن في الأرض، وكثير من الناس وكثير حقّ عليه العذاب، فلا بد من الفصل في هذا بينهم. ثم ذكر ما يحكم به على فريقي المؤمنين والكافرين من الذين اختلفوا
стр. 1405
ذلك الاختلاف في دينهم، فالذين كفروا تقطّع لهم ثياب من نار إلى غير هذا مما ذكره في عقابهم، والذين آمنوا يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ... وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) .
الإذن في القتال الآيات [٢٥- ٧٨]
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) ، فمهّد للإذن في القتال بذكر ما يفعله المشركون من صدّ المسلمين عن المسجد الحرام، وقد جعله للناس سواء، فليس لهم أن يمنعوا أحدا منه، وهذا إلى أنهم يلحدون فيه بشركهم، وقد أمر إبراهيم ببنائه ليعبد الله فيه وحده، وليكون بيتا طاهرا للطائفين والقائمين والمصلّين، ويحجّ الناس إليه من كل فجّ ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله، ويطعموا البائس الفقير، إلى غير هذا مما ذكره من أمور الحج.
ثم ذكر جلّت قدرته، أنه لهذا يدافع عن المؤمنين ويأذن لهم أن يقاتلوا من ظلمهم وأخرجهم من ديارهم بغير حق، وأنه لو لم يأذن لهم في القتال لتسلط المشركون عليهم، وهدّموا بيوت عبادته من المساجد وغيرها، ثم وعدهم بالنصر والتمكين في الأرض، ليقوموا فيها بما أتى به الإسلام من صلاة وغيرها مما فيه صلاحها.
ثم ذكر سبحانه، أنهم إن يكذّبوا الرسول (ص) فيما وعده من النصر عليهم، فقد كذّب قبلهم قوم نوح وغيرهم، فأمل لهم ثم أخذهم فأهلك قراهم، وإنهم ليسيرون في الأرض فيرونها ولا يتّعظون بها، ولكنهم عمي القلوب فلا تؤثر فيهم تلك العظة ثم ذكر أنهم يستعجلون الرسول (ص) بذلك العذاب على سبيل الاستهزاء، وأنه تعالى لن يخلف وعده وإن أملى لهم، لأن اليوم عنده كألف سنة عندنا، وكثير من القرى قبلهم أملى لهم ثم أخذهم فأهلكهم، ثم أمر الرسول (ص) أن ينذرهم بذلك العذاب فيعد الذين يؤمنون بأن لهم مغفرة ورزقا كريما، ويوعد الذين يسعون في إبطال آيات الله بأنهم أصحاب الجحيم.
ثم انتقل السياق من ذلك إلى الكلام