ليكون في مجموعها سورة كاملة هي سورة الحج.
حكمة التسمية
سمّيت هذه السورة بسورة الحج لأنها اشتملت على الدعوة إلى الحج على لسان إبراهيم الخليل (ع) ، وفي الحج منافع دينية وعلمية وتجارية وسياحية.
قال تعالى:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ.
في الحج يتجمع المسلمون من كل بلد، للتعارف والتالف والتشاور والتعاون، وبذلك يصبحون يدا واحدة وقوة متالفة كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا.
في الحج يشاهد الإنسان الأماكن المقدسة، التي شهدت ميلاد الإسلام، وولادة الرسول (ص) ورسالته وجهاده وهديه.
في الحج يتعرف المسلمون، من كل قطر، على إخوانهم، ويتدارسون شئونهم ويعرفون آلامهم وآمالهم. وربما تعاقدوا على شراء ما يلزمهم أو على عمل ما ينفعهم.
في الحج سياحة في أرض الله، وأداء لمناسك مقدسة في موطن إبراهيم الخليل وهاجر وإسماعيل، ورؤية الكعبة المقدسة وزمزم والصفا والمروة ومنى وعرفات. وبعد الحج زيارة للمسجد النبوي وصلاة بالروضة ووقوف أمام قبر النبي (ص) وزيارته، وزيارة قبور الصحابة والشهداء، ورؤية أمجاد الإسلام ومواقع المعارك.
وبذلك يستقر الايمان في القلب والشعور، ويصبح الحج عبادة ذات منافع متعددة، إذا فهم المسلمون حكمته ورسالته.
مقصود السورة اجمالا
إذا أردنا التعرف على الأفكار المنثورة في سورة الحج وجدناها تدور حول الأمور الآتية:
الوصية بالتقوى والطاعة، وبيان هول الساعة وزلزلة القيامة، والدليل على إثبات الحشر والنشر، وجدال أهل الباطل مع أهل الحق، وذمّ أهل النفاق وعبادة الأوثان، ومدح المؤمنين وبيان رعاية الله لرسوله، ونصره رغم أنف
стр. 1402
الكافرين، وسجود الكائنات لله، وقيام إبراهيم بالدعوة إلى الحج وبيان تعظيم الحرمات والشعائر، والمنّة على العباد بدفع فساد أهل الفساد، وإهلاك القرى بسبب ظلم أهلها، وذكر نسيان رسول الله (ص) ، وسهوه حال تلاوة القرآن، وتثبيت المؤمنين، وشقاق الكافرين حتى تفاجئهم الساعة، وبيان قدرة الله سبحانه، وعجز الأصنام وعبّادها، واصطفاء الرسل من الملائكة كجبريل (ع) ، ومن الإنس كمحمد (ص) ، وتكليف المؤمنين أنواعا من العبادة كالصلاة والجهاد والإحسان، وترغيبهم في الوحدة والجماعة والتمسك بحبل الله في قوله تعالى:
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الآية ٧٨] .
стр. 1403
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحج» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الحج بعد سورة النّور، ونزلت سورة النور بعد سورة الحشر، وكان نزول سورة الحشر فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك: فيكون نزول سورة الحج في ذلك التاريخ أيضا، وعلى هذا تكون من السور المدنية، وهو المشهور في تاريخ نزولها.
وقيل إن سورة الحج من السّور المكية، وقد استثنى من ذهب إلى ذلك، الآيات [١٩- ٢٤] ، فذهب إلى أنها نزلت بالمدينة.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لما ورد فيها من الكلام على الحج، وتبلغ آياتها ثماني وسبعين آية.
الغرض منها وترتيبها
غرض هذه السورة بيان أهوال يوم القيامة، والإذن في قتال من يؤذي المسلمين من المشركين وغيرهم، ولهذا ذكرت بعد سورة الأنبياء، لأن في أواخر الأنبياء تهديدا للمشركين بالفزع الأكبر في القيامة، وبتسليط المسلمين عليهم في الدنيا، فجاءت هذه السورة بعدها، وفي أولها بيان ذلك الفزع الأكبر، وفي آخرها الإذن بقتال المشركين، ليكون به تسليط المسلمين عليهم في الدنيا.
стр. 1404
بيان أهوال يوم القيامة الآيات [١- ٢٤]
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) ، فأمر الناس بتقواه، وحذّرهم من أهوال الساعة التي يبلغ من شدتها أن تذهل بها كل مرضعة عمّا أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، ويرى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد.
ثم ذكر سبحانه، أن من الناس من يجادل في دين الله تقليدا من غير علم، فينكرون تلك الأهوال، ويرتابون في بعثهم بعد موتهم، وردّ عليهم بأنه خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلقة، إلى غير هذا مما ذكره في سلسلة خلقهم، ومن يقدر على هذا، يقدر على أن يبعثهم كما خلقهم، ولا يصح لهم معه أن يرتابوا في الساعة وأهوالها.
ثم ذكر، جلّ وعلا، أن من الناس من يجادل في ذلك عنادا وكبرا، وهم رؤساء الذين أنكروه فيما سبق تقليدا، وأن منهم منافقين لا يجادلون في ذلك، ولكنهم لا يعتقدون في الثواب والعقاب، فيعبدون الله على حرف، أي على قلق واضطراب. فإن أصابوا خيرا دنيويّا من الغنائم ونحوها اطمأنوا به، وإن أصابهم شر أظهروا ما عندهم من النفاق، فيخسرون دنياهم وآخرتهم، ويدعون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ثم ذكر سبحانه أنه يدخل الذين آمنوا بذلك جنات تجري من تحتها الأنهار، وأنه ينصرهم في الاخرة والدنيا. وإذا كان أعداؤهم يظنون أنه لا ينصرهم فليفعلوا ما في وسعهم لمنع ذلك النصر، فإن كيدهم لا يذهب ما يغيظهم.
ثم انتقل السّياق إلى طريق آخر في إثبات ما ينكرونه من ذلك، فذكر اختلاف الناس في الدنيا إلى مؤمنين ويهود وصابئين ونصارى ومشركين، وأنه لا بد من أن يفصل الله سبحانه، بينهم في ذلك الخلاف، لأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيفصل بواسع علمه فصلا عادلا بينهم، ولأنه يسجد له من في السماوات ومن في الأرض، وكثير من الناس وكثير حقّ عليه العذاب، فلا بد من الفصل في هذا بينهم. ثم ذكر ما يحكم به على فريقي المؤمنين والكافرين من الذين اختلفوا
стр. 1405
ذلك الاختلاف في دينهم، فالذين كفروا تقطّع لهم ثياب من نار إلى غير هذا مما ذكره في عقابهم، والذين آمنوا يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ... وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) .
الإذن في القتال الآيات [٢٥- ٧٨]
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) ، فمهّد للإذن في القتال بذكر ما يفعله المشركون من صدّ المسلمين عن المسجد الحرام، وقد جعله للناس سواء، فليس لهم أن يمنعوا أحدا منه، وهذا إلى أنهم يلحدون فيه بشركهم، وقد أمر إبراهيم ببنائه ليعبد الله فيه وحده، وليكون بيتا طاهرا للطائفين والقائمين والمصلّين، ويحجّ الناس إليه من كل فجّ ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله، ويطعموا البائس الفقير، إلى غير هذا مما ذكره من أمور الحج.
ثم ذكر جلّت قدرته، أنه لهذا يدافع عن المؤمنين ويأذن لهم أن يقاتلوا من ظلمهم وأخرجهم من ديارهم بغير حق، وأنه لو لم يأذن لهم في القتال لتسلط المشركون عليهم، وهدّموا بيوت عبادته من المساجد وغيرها، ثم وعدهم بالنصر والتمكين في الأرض، ليقوموا فيها بما أتى به الإسلام من صلاة وغيرها مما فيه صلاحها.
ثم ذكر سبحانه، أنهم إن يكذّبوا الرسول (ص) فيما وعده من النصر عليهم، فقد كذّب قبلهم قوم نوح وغيرهم، فأمل لهم ثم أخذهم فأهلك قراهم، وإنهم ليسيرون في الأرض فيرونها ولا يتّعظون بها، ولكنهم عمي القلوب فلا تؤثر فيهم تلك العظة ثم ذكر أنهم يستعجلون الرسول (ص) بذلك العذاب على سبيل الاستهزاء، وأنه تعالى لن يخلف وعده وإن أملى لهم، لأن اليوم عنده كألف سنة عندنا، وكثير من القرى قبلهم أملى لهم ثم أخذهم فأهلكهم، ثم أمر الرسول (ص) أن ينذرهم بذلك العذاب فيعد الذين يؤمنون بأن لهم مغفرة ورزقا كريما، ويوعد الذين يسعون في إبطال آيات الله بأنهم أصحاب الجحيم.
ثم انتقل السياق من ذلك إلى الكلام
стр. 1406
فيما لم يسلم منه نبي من الأنبياء من تمنّي التعجيل بالنصر على الأعداء، فذكر تعالى أن مثل هذا مما يلقيه الشيطان في أمنيّته، وأنه ينسخ ما يلقيه من هذا فلا يظهر أثره خارج القلب، ثم يحكم آياته، وينزل سبحانه نصره في الوقت الذي قدّره له ثم ذكر أنه لا يعجّل العذاب ليجعل ما يلقي الشيطان من طلب تعجيله أو تمنّيه فتنة لمرضى القلوب، فيمشوا وراء ما يلقي الشيطان. أما الذين أوتوا العلم، فيعلمون أنه الحق من ربهم، ولا يخرج بهم تمنّيه إلى طلب تعجيله، ثم ذكر أن هؤلاء الكافرين لا يزالون في شك من ذلك حتى تأتيهم الساعة فجأة، أو يأتيهم عذاب في يوم حرب. وهنالك يحكم الله بينهم، فالذين آمنوا يدخلهم جناته، والذين كفروا لهم عذاب مهين والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنّهم الله رزقا حسنا، وليدخلنّهم مدخلا يرضونه، ولينصرنّهم على من بغوا عليهم وأخرجوهم من ديارهم، وهو العفوّ الغفور، الذي يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، إلى غير هذا مما ذكره في تأييد قدرته على تحقيق وعده لهم. ثم انتقل السّياق من ذلك إلى تحريض الله سبحانه، لرسوله (ص) على الثبات في دعوته ليمضي في قتال المشركين، ويقطع أطماعهم في عدوله عنها، فذكر جلّ وعلا أن لكل أمة شريعة من الشرائع، فللمسلمين شريعتهم التي بعث بها، فليثبت عليها ولا يمكّن المشركين من أن يخدعوه عنها، وليثابر على الدعوة إليها، فإن جادلوه فيها بعد وضوح أدلتها فلينذرهم بأن الله يعلم ما لا يعلمون، وسيحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، وهو الذي يعلم ما في السماء والأرض فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم.
ثم انتقل السّياق من ذلك إلى بيان فساد طريقة المشركين بعد بيان استقامة الدعوة إلى الله، فذكر تعالى أنهم يعبدون من دونه ما لا دليل لهم عليه من نقل أو عقل، وينكرون ما يتلى عليهم من الأدلة الواضحة على أنه سبحانه لا شريك له، ثم ذكر من ذلك مثلا ضربه لهم، وهو أن الذين يدعونهم من دونه لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ومن يكون أضعف من الذباب لا يمكن أن يكون إلها، ثم
стр. 1407
بيّن السياق أنّ المشركين لم يقدّروا الله حق قدره حين سوّوا به أولئك الذين يدعونهم آلهة، وأنه جلّ وعلا يصطفي من الملائكة رسلا، ومن الناس على أنهم عباد له، فلا يمكن أن يصطفي أندادا له من تلك الالهة العاجزة، وهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهذه الالهة لا تعلم شيئا.
ثم ختمت السورة بأمر المسلمين بما يضمن لهم الفلاح في جهادهم، وهو أن يحافظوا على ما كلّفوا من الصلاة وغيرها، وأن يخلصوا في الجهاد الذي أذن الله لهم فيه، وأن يذكروا أنه سبحانه اختارهم لتلك الشريعة السّمحة التي هي ملة أبيهم إبراهيم وأنه سماهم المسلمين في الكتاب المنزلة قبل القرآن وفي القرآن لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) .
стр. 1408
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحج» «١»
أقول: وجه اتصالها بسورة الأنبياء:
أنه سبحانه ختم الأنبياء بوصف الساعة في قوله: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنبياء: ٩٧] .
وافتتح الحج بذلك، فقال تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى.
стр. 1409
المبحث الرابع مكنونات سورة «الحج» «١»
١- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ [الآيتان ٣ و ٨] .
قال أبو مالك «٢» : نزلت في النّضر بن الحارث. أخرجه ابن أبي حاتم.
٢- مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ [الآية ١٥] .
أي: محمّدا (ص) . أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
٣- هذانِ خَصْمانِ [الآية ١٩] .
أخرج الشيخان «٣» عن أبي ذرّ قال:
نزلت هذه الآية في حمزة، وعبيدة بن الحارث، وعلي بن أبي طالب، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
وأخرج الحاكم «٤» عن علي قال:
نزلت في الذين بارزوا يوم بدر:
حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
٤- وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ [الآية ٢٥] .
قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن أنيس «٥» . أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 1410
٥- فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ [الآية ٢٨] .
قال ابن عباس: أيام العشر.
وقال زيد بن أسلم: يوم عرفة، ويوم النّحر، وأيام التشريق.
وقال ابن عمر: يوم النّحر، ويومان بعده. أخرجهما ابن أبي حاتم. ٦- عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الآية ٥٥] .
قال أبيّ بن كعب، وسعيد بن جبير، وعكرمة: يوم بدر.
وقال الحسن، ومجاهد، والضّحّاك:
يوم القيامة لا ليلة له. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
стр. 1411
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحج» «١»
١- قال تعالى: وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) .
أي: كل شيطان عات.
ومرد على الأمر، بالضم، يمرد مرودا ومرادة: أقبل وعتا وكذلك مرد بالفتح، ومنه قوله تعالى:
وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ [التوبة: ١٠١] قال الفراء: يريد مرنوا عليه.
وشيطان مارد ومريد، أي: خبيث عات.
ومنه قولهم: تمرّد علينا، أي: عتا.
والتمرّد في لغة العصر: العصيان والعتوّ.
٢- وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ [الآية ٥] .
وقوله: مِنْ نُطْفَةٍ، أي: من ماء قليل. والعلقة: قطعة الدم الجامد، والمضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ.
والمخلّقة: المسوّاة الملساء من النقصان والعيب.
ويقال: «خلّق السواك» أو العود إذا سوّاه وملّسه، وذلك من قولهم:
«صخرة خلقاء» .
وكأنّ الله سبحانه يخلّق المضغ متفاوتة: منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس
стр. 1412
في خلقهم، وصورهم، وطولهم، وقصرهم، وتمامهم، ونقصانهم.
٣- وقال تعالى: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الآية ٥] .
قوله: طِفْلًا، أي: أطفالا، وقالوا: الطفل واحد وجمع.
وهذا مما سجّلته لغة التنزيل، فليس لنا أن نتأوّل فنقول كما قالوا: أي نخرج كل واحد منكم طفلا.
٤- وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ [الآية ١١] .
وقوله: عَلى حَرْفٍ، أي: على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه.
وهذا يدل على قلق واضطراب في دينهم.
أقول: والحرف طرف من كل شيء، وهذا الطرف قد يكون قطعة صغيرة. وعلى هذا يكون قول العامة «حرف من خبز» مقبول وصحيح.
٥- وقال تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الآية ١٩] .
الخصم مفرد ويدل على جمع، كالجمع، والفريق، والفوج، ونحو ذلك، فكأن المعنى هذان جمعان اختصموا ...
والفعل «اختصموا» ، روعي فيه المعنى، كما روعي اللفظ في كلمة «خصمان» بدلالة تثنيتها.
٥- وقال تعالى: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الآية ٢٥] .
أي: «العاكف» المقيم فيه، «والباد» الذي ينتابه من غير أهله، مستويان في سكناه والنزول فيه، فليس أحدهما أحقّ بالمنزل يكون فيه من الاخر.
أقول: ورسم «الباد» في المصحف بالدال مع الكسرة، ووجهها أن تكون بالياء لأنها اسم فاعل محلّى بالألف واللام، وقد اجتزئ بالكسرة عن المد (أي الياء) لمكان الوقف الجائز، بعد هذه الكلمة على أن وصلها أولى، فإذا وصلت فالكسرة تؤذن بذلك الوصل أيضا كالياء.
٦- وقال تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) .
стр. 1413
قوله تعالى: «رجالا» ، جمع راجل، مثل قيام جمع قائم.
وهو مقابل لقوله: وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ، أي: «الرجال» يقابلون «الركبان» كقوله أيضا: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [البقرة: ٢٣٩] .
والراجل بهذا المعنى، أي:
الماشي، أخذ من «الرجل» ، عضو المشي في الإنسان، وهذا من باب الاشتقاق من أسماء الذات.
وقوله: يَأْتِينَ، وهو وصف لقوله كُلِّ ضامِرٍ وكأنه بمعنى الجمع وقرئ: «يأتون» صفة للرجال والركبان.
٧- وقال تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الآية ٢٩] .
«التّفث» : نتف الشعر، وقصّ الأظفار، وتنكّب كلّ ما يحرم على المحرم، وكأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال.
وقال الزجّاج: لا يعرف أهل اللغة التّفث إلّا من التفسير.
٨- وقال تعالى: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) . قوله: مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) .
أي: وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت، وهذا شيء من مناسك الحج.
أما قوله: مَحِلُّها، بكسر الحاء فهو اسم مكان من حلّ يحلّ.
٩- وقال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) .
«المخبتون» المتواضعون الخاشعون، وهو من الخبت، أي: المطمئنّ من الأرض.
أقول: وقد توسعت العربية، فأخذت الكثير من أسماء المعاني من أسماء الذات، أي: من المحسوسات، ومن الكلم الذي يتصل بالبيئة البدوية، ألا ترى أن الفعل «بدا» ذو صلة ب «البدو» ، وأن «الجمال» ، بمعنى الحسن، ذو صلة ب «الجمل» الحيوان، ومثل هذا لا يمكن أن يبلغه الحصر.
١٠- وقال تعالى: وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الآية ٣٦] .
أما قوله: الْقانِعَ، فهو السائل من قولك: قنعت إليه وكنعت: إذا خضعت له وسألته قنوعا.
стр. 1414
وَالْمُعْتَرَّ: الذي يتعرّض بغير سؤال.
وقيل: القانع السائل أو المتعفف.
أقول: وهذا كله من الكلم الذي نفتقده كل الافتقاد في العربية المعاصرة.
١١- وقال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الآية ٤٠] .
الصوامع للرهبان وكذلك البيع، والمفرد بيعة.
ويذهب أهل عصرنا هذا، وأعني أهل العلم من المختصين باللغات القديمة، أن «البيعة» فيها من آثار الآرامية شيء، وهو صوت العين الذي يقابله في العربية الضاد، وكان حقها أن تكون «بيضة» ، لأنها قبّة بيضاء، وعلى هذا فالعين إشارة للأصل.
وأما الصلوات فهي متعبّدات اليهود، وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنه يصلّى فيها.
١٢- وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ [الآية ٤٢] .
وقوله: كَذَّبَتْ، إشارة إلى أن الفاعل مؤنث، والفاعل هنا كلمة «قوم» ، وهي ألصق بالتذكير ومعناها الجمع، ولكن في الآية مراعاة للمعنى، فالمراد ب «قوم» «الأمّة» .
ولو روعي اللفظ، لكان الفعل «كذّب» ، ويعضد هذا أن الفصل موجود في الآية بين الفعل والفاعل بالظرف «قبلهم» .
ومجيء «القوم» مذكّرا متحقق في عشرات الآيات بل المئات.
١٣- وقال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ [الآية ٤٨] .
والإملاء: الإمهال والتأخير وإطالة العمر، والله يملي للظالم أي يمهله.
أما الكلام على «كأيّن» ، فهي لفظ من كنايات العدد مثل: «كم» و «كذا» ، وهي نظيرة «كم» في الاستفهام والخبر.
وفيها لغة أخرى هي «كائن» ، قال زهير:
وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلّم وقد جاءت «كايّن» في آيات عدة منها:
стр. 1415
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: ١٤٦] .
والمعنى: وكم من نبيّ......
أقول: إن «كأيّن» هذه من الكلم الذي لم يبق له استعمال منذ عصور عدة.
١٤- وقال تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) . وقولنا: عاجزه بمعنى سابقه، والمعاجز من يسعى في طلب إعجاز الاخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل:
أعجزه.
أقول: وهذا من الكلم الذي يفتقده أصحاب ما يتصل بكل أنواع المسابقات في عصرنا.
стр. 1416
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحج»
«١» قال تعالى: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
[الآية ٢] وذلك أنه أراد، والله أعلم، الفعل، ولو أراد الصفة فيما نرى لقال «مرضع» . وكذلك كلّ «مفعل» و «فاعل» يكون للأنثى ولا يكون للذكر فهو بغير هاء نحو «مقرب» و «موقر» : نخلة موقر، و «مشدن» :
معها شادن و «حامل» و «حائض» و «فادك» و «طامث» و «طالق» «٢» وقال تعالى: هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) [الآية ١٥] بحذف الهاء من (يغيظ) لأنها صلة «ما» لأنه إذا صار جميعا اسما واحدا كان الحذف أخف «٣» .
وقال تعالى: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ [الآية ١٣] ف (يدعو) بمنزلة «يقول» . و (من) رفع وأضمر الخبر كأنّ السياق يدعو لمن ضرّه أقرب من نفعه إلهه. يقول: لمن ضرّه أقرب من نفعه إلهه «٤» .
وقوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ [الآية ٢٥] معناه: ومن يرد إلحادا. وزيدت الباء كما زيدت في قوله سبحانه تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون/]
стр. 1417
[٢٠] وقال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد الثاني والخمسون بعد المائتين] :
أليس أميري في الأمور بأنتما ... بما لستما أهل الخيانة والغدر «٢»
وقال تعالى: صَوافَّ [الآية ٣٦] وواحدتها: «الصافّة» .
وقال تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الآية ٤٠] فالصّلوات لا تهدّم، ولكن ينبغي حمله على فعل آخر كأنّ السياق «وتركت صلوات» ، وقال بعضهم: «إنّما يعني مواضع الصلوات» .
وفي قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الآية ٤٠] بَعْضَهُمْ بدل من النَّاسَ.
وقوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الآية ٤٥] حمل على (كأيّن) والمشيد هو المفعول من «شدته» ف «أنا أشيده» مثل «عنته» ف «أنا أعينه» ف «هو معين» .
وقال تعالى: ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الآية ٧٣] فإن قيل: «فأين المثل» قلت: «ليس هاهنا مثل، لأنّ معنى قوله ﵎: «ضرب لي مثل فجعل مثلا عندهم لي فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي في قولهم واتخاذهم الالهة، وإنهم لن يقدروا على خلق ذباب ولو اجتمعوا له وهم أضعف، لو سلبهم الذباب شيئا فاجتمعوا كلهم ليستنقذوه منه، لم يقدروا على ذلك.
فكيف تضرب هذه الالهة مثلا لربّها وهو ربّ كلّ شيء، الواحد الذي ليس كمثله شيء وهو مع كل شيء، وأقرب من كل شيء، وليس له شبه ولا مثل ولا كفؤ، وهو العلي العظيم، الواحد الرب، الذي لم يزل ولا يزال» «٣» .
وقال تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الآية ٣٠] وكلّها رجس، والمعنى: فاجتنبوا الرجس الذي يكون منها أي: عبادتها «٤» .
стр. 1418
وقال تعالى: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) أي:
«هو في الثقل ومما يخاف منه كألف سنة» .
وقوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الآية ٧٨] نصب على الأمر. وقال: بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ [الآية ٧٢] رفع على التفسير، أي: هي النار.
ولو جرّ على البدل كان جيدا «١» .
وقال تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا [الآية ١٩] لأنهما كانا حيّين.
و «الخصم» يكون واحدا وجماعة.
стр. 1419
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحج» «١»
إن قيل: قوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الآية ١] يدل على أن المعدوم شيء.
قلنا: لا نسلّم، ومستنده أن المراد أنها إذا وجدت كانت شيئا لا أنها شيء الآن، ويؤيد هذا قوله تعالى:
عَظِيمٌ مع أن المعدوم لا يوصف بالعظم.
فإن قيل: لم قال تعالى أوّلا: يَوْمَ تَرَوْنَها
[الآية ٢] بلفظ الجمع، ثم أفرد فقال في الآية نفسها: وَتَرَى النَّاسَ
؟
قلنا: لأن الرؤية أولا علّقت بالزّلزلة، فجعل الناس كلهم رائين لها، وعلقت آخرا بكون الناس على هيئة السكارى، فلا بد من أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم.
فإن قيل: لم قال تعالى في حق النضر بن الحارث: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ [الآية ٣] إلى أن قال لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الآية ٩] وهو ما كان غرضه في جداله الضلال عن سبيل الله، فكيف علل جداله به وما كان أيضا مهتديا حتى إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال؟
قلنا: هذه لام العاقبة والصيرورة، وقد سبق ذكرها غير مرة، ولما كان الهدى معرضا له، فتركه وأعرض عنه وأقبل على الجدال بالباطل، جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال.
فإن قيل: النفع والضر منفيان عن
стр. 1420
الأصنام مثبتان لها في الآيتين، فكيف التوفيق بينهما؟
قلنا: معناه يعبد من دون الله ما لا يضره بنفسه إن لم يعبده، ولا ينفعه بنفسه إن عبده، ثم قال: يعبد من يضره الله بسبب عبادته، وإنما أضاف الضرر إليه لحصوله بسببه.
فإن قيل: قوله تعالى: أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ [الآية ١٣] يدل على أن في عبادة الصنم نفعا، وإن كان فيها ضرر؟
قلنا: معناه أقرب من النفع المنسوب إليه في زعمهم، وهو اعتقادهم أنه يشفع لهم.
فإن قيل: لم قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الآية ٣٩] أي بسبب كونهم مظلومين، ولم يبين ما الشيء الذي أذن لهم فيه؟
قلنا: تقديره: أذن للذين يقاتلون في القتال، وإنما حذف لدلالة «يقاتلون» عليه ولدلالة الحال أيضا، فإن كفار مكة يؤذون المؤمنين بأنواع الأذى وهم يستأذنون النبي (ص) في قتالهم، فيقول: «لم يؤذن لي في ذلك» . حتى هاجر إلى المدينة فنزلت هذه الآية، وهي أول آية نزلت في الإذن في القتال، فنسخت سبعين آية ناهية عن القتال، كذا قال ابن عباس ﵄، فكان المأذون فيه ظاهرا لكونه مترقّبا منتظرا.
فإن قيل: ما وجه الاستثناء في قوله تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الآية ٤٠] ؟
قلنا: هو استثناء منقطع تقديره: لكن أخرجوا بقولهم: ربنا الله. الثاني أنه بمنزلة قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب تقديره: إن كان فيهم عيب فهو هذا، وليس بعيب فلا يكون فيهم عيب.
فإن قيل: أي منّة على المؤمنين في حفظ الصوامع والبيع والصلوات: أي الكنائس عن الهدم حتى امتن عليهم بذلك في قوله تعالى وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الآية ٤٠] ؟
قلنا: المنّة في ذلك أن الصوامع والبيع والكنائس في حرم المسلمين وحراستهم وحفظهم، لأن أهلها ذمة للمسلمين. الثاني أن المراد به لهدّمت صوامع وبيع في زمن عيسى (ع) ،
стр. 1421
وصلوات: أي كنائس في زمن موسى (ع) ، ومساجد في زمن النبي (ص) ، فالامتنان على أهل الرسالات الثلاث.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَكُذِّبَ مُوسى [الآية ٤٤] ولم يقل و «كذّب قوم موسى» ، كما قال الله تعالى فيما قبله؟
قلنا: لأن موسى (ع) ما كذّبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط. الثاني: أن يكون التنكير والإبهام للتفخيم والتعظيم كأنه قال تعالى: بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم: وكذّب موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته، فما ظنك بغيره.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) ؟
قلنا: الحكمة فيه المبالغة في التأكيد كما في قوله تعالى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] وقوله تعالى يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ [الفتح: ١١] وما أشبه ذلك: أن القلب هنا يستعمل بمعنى العقل، ومنه قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق: ٣٧] أي عقل في أحد القولين، فكان التقييد احترازا على قول من زعم أن العقل في الرأس.
فإن قيل: المغفرة إنما تكون لمن يعمل السيئات، لا لمن يعمل الصالحات والحسنات، فلم قال تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ [الآية ٥٠] ؟
قلنا: المراد بالعمل الصالح هنا الإخلاص في الإيمان فيصير المعنى:
فالذين آمنوا عن إخلاص نغفر لهم سيئاتهم.
فإن قيل: ما الفرق بين الرسول والنبي، مع أن كليهما مرسل بدليل قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الآية ٥٢] .
قلنا: الفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من جمع له بين المعجزة وأنزل الكتاب عليه.
والنبي فقط: من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو أمته إلى شريعة من قبله. وقيل الرسول من كانت له معجزة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والنبي من لم تكن له منهم معجزة، وفي هذا نظر. وقيل الرسول من كان مبعوثا إلى أمّة، والنبي فقط من لم يكن مبعوثا إلى أحد مع كونه نبيّا، والجواب
стр. 1422
عمّا في الآية من هذا القول أن فيه إضمارا تقديره: وما أرسلنا من رسول ولا نبأنا من نبيّ، أو ولا كان من نبيّ ويقول الشاعر:
ورأيت زوجك في الوغى متقلّدا سيفا ورمحا أي ومتعلقا رمحا أو حاملا رمحا.
فإن قيل: أين المثل المضروب في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الآية ٧٣] والمذكور بعده، وهو قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الآية ٧٣] إلى آخره ليس بمثل، بل هو كلام مبتدأ مستقل بنفسه؟
قلنا: الصفة والقصة الغريبة أو المستحسنة تسمى مثلا، ومنه قوله تعالى مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [البقرة: ١٧] فالمعنى يثبت بصفة، وهي عجز الصنم عن خلق الذباب واستنقاذ ما يسلبه، وقيل هو إشارة إلى قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [العنكبوت: ٤١] وإنما أبهم هنا.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الآية ٧٨] مع أن قطع اليد بسبب سرقة عشرة دراهم حرج في الدين وكذا رجم المحصن بسبب الوطء مرة واحدة، ووجوب صوم شهرين متتابعين بسبب إفطار يوم واحد من رمضان بوطء، والمخاطرة بالنفس والمال في الحجّ والعمرة كل ذلك حرج بيّن؟
قلنا: المراد بالدين كلمة التوحيد، فإنها تكفّر شرك سبعين سنة، ولا يتوقف تأثيرها على الإيمان والإخلاص سبعين سنة، ولا على أن يكون الإثبات بها في بيت الله تعالى أو في زمان أو مكان معين. وقيل المراد به أن كل ما يقع فيه الإنسان من الذنوب والمعاصي يجد له مخرجا في الشرع بتوبة أو كفّارة أو رخصة. وقيل المراد به فتح باب التوبة للمذنبين، وفتح أبواب الرّخص للمعذورين، وشروع الكفارات والديات وقيل المراد به نفي الحرج الذي كان على بني إسرائيل من الإصر والتشديد.
فإن قيل: لم قال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الآية ٧٨] وإبراهيم صلوات الله عليه لم يكن أبا للأمة كلها؟
قلنا: هو أبو رسول الله (ص) ، فكان
стр. 1423
أبا لأمته، لأن أمّة الرسول بمنزلة أولاده من جهة العطف والشفقة، هذا إذا كان الخطاب لعامة المسلمين، وإن كان للعرب خاصة فإبراهيم أبو العرب قاطبة.
فإن قيل: متى سمّانا إبراهيم صلوات الله عليه المسلمين من قبل، كما ورد في قوله تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الآية ٧٨] ؟
قلنا: وقت دعائه عند بناء الكعبة حيث قال، كما ورد في التنزيل رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: ١٢٨] فكل من أسلم من هذه الأمة فهو ببركة دعوة إبراهيم (ع) .
стр. 1424
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحج» «١»
قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) .
وهذه استعارة. لأن حقيقة الزلزلة هي حركة الأرض على الحال المفزعة. ومثل ذلك قولهم: زلزل الله قدمه. وكان الأصل: أزلّ الله قدمه.
بمعنى أزالها عن ثباتها واستقامتها، وأسرع تعثرها وتهافتها. ثم ضوعف «٢» ذلك، فقيل: زلزل الله قدمه. كما قيل: دكّه الله، ودكدكه. فالمراد بزلزلة الساعة- والله أعلم- رجفان القلوب من الخوف ... وزلات الأقدام من روعة موقعها. ويشهد بذلك قوله سبحانه: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
[الآية ٢] يريد تعالى من شدة الخوف والوجل، والذهول والوهل.
وفي قوله سبحانه: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) استعارة. لأن المراد هاهنا باهتزاز الأرض، والله أعلم، تشبيهها بالحيوان الذي همد بعد حراكه، وخشع بعد إشرافه، لعلّة طرأت عليه، فأصارته إلى ذلك، ثم أفاق من تلك الغمرة، وصحا من تلك السّكرة، فتحرك بعد هموده وركوده. وكذلك حال الأرض إذا أماتها الجدب،
стр. 1425
وأهمدها المحل ثم حالها إذا نضحها الغيث بسجاله، وبلّها القطر ببلاله، واهتزت بالنبات ناضرة، ورطبت بعد الجفوف متزيّنة «١» . ذلك تقدير العزيز العليم.
وقوله سبحانه: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الآية ٩] استعارة.
والمراد بها، والله أعلم، الصفة بالإعراض عن سماع الرشد، وليّ العنق عن اتباع الحق. لأن المستقبل لسماع الشيء الذي لا يلائمه في الأكثر يصرف دونه بصره، ويثني عنه عنقه.
والعطف: جانب القميص، وبه سمّي شق الإنسان عطفا، لأن منه يكون ابتداء انعطافه، وأول انحرافه. ومثل ذلك قوله سبحانه: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ [الإسراء: ٨٣ وفصّلت: ٥١] .
وفي قوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [الآية ١١] استعارة. والمراد بها، والله أعلم، صفة الإنسان المضطرب الدين، الضعيف اليقين، الذي لم تثبت في الحق قدمه، ولا استمرت عليه مريرته، فأوهى شبهة تعرض له ينقاد معها، ويفارق دينه لها، تشبيها بالقائم على حرف مهواة. فأدنى عارض يزلقه، وأضعف دافع يطرحه.
وفي قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ [الآية ١٨] استعارة.
والمراد، والله أعلم، بسجود الشمس والقمر والنجوم والشجر، وما ليس بحيوان مميز، ما يظهر فيه من آثار الخضوع لله سبحانه، وعلامات التدبير، ودلائل التصريف والتسخير، فيحسن لذلك أن يسمّى ساجدا على أصل السجود في اللغة، لأنه الخضوع والاستكانة. أو يكون ذلك على معنى آخر، وهو أن الذي يظهر في الأشياء التي عدّدها، من دلائل الصنعة، وأعلام القدرة، يدعو العارفين الموقنين إلى السجود، ويبعثهم على الخضوع، اعترافا له سبحانه بالاقتدار، وإخباتا له بالإقرار. وذلك كما تقدّم من قولنا في تسبيح الطير والجبال.
стр. 1426
وفي قوله سبحانه: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ [الآية ١٩] استعارة. والمراد بها أن النار، نعوذ بالله منها، تشتمل عليهم اشتمال الملابس على الأبدان، حتى لا يسلم منها عضو من أعضائهم، ولا يغيب عنها شيء من أجسادهم.
وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك، والله أعلم، أن سرابيل القطران التي ذكرها سبحانه، فقال: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ [ابراهيم: ٥٠] إذا لبسوها واشتعلت النار فيها صارت كأنها ثياب من نار، لإحاطتها بهم واشتمالها عليهم.
وفي قوله سبحانه: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) استعارة. لأن المراد بها ذهول القلب عن التفكّر في الأدلّة التي تؤدي إلى العلم. وذلك في مقابلة قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) [النجم] فإذا وصف القلب عند تبيين الأشياء بالرؤية والإبصار، جاز أن يوصف عند الغفلة والذهول بالعمى والضلال. وإنما جعلت القلوب هاهنا بمنزلة العيون، لأن بالقلوب يكون تحصيل المعلومات، كما أن بالعيون يكون إدراك المرئيات. ولأن الرؤية ترد في كلامهم بمعنى العلم. ألا تراهم يقولون: هذا الشيء مني بمرأى ومسمع. أي بحيث أعرفه وأعلمه، ولا يريدون بذلك نظر العين، ولا سمع الأذن.
وفي قوله سبحانه: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ معنى عجيب، وسر لطيف.
وذلك أنه سبحانه لم يرد نفي العمى عن الأبصار جملة. وكيف يكون ذلك وما يعرض من عمى كثير منها أشهر من أن نؤمي إليه، وندل عليه؟ وإنما المراد، والله أعلم، أن الأبصار إذا كانت معها آلة الرؤية من سلامة الأحداق، واتصال الشعاعات لم يجز أن لا ترى ما لا مانع لها من رؤيته.
والقلوب بخلاف هذه الصفة بها، قد يكون فيها آلة التفكر والنظر من سلامة البنية، وصحة الروية وزوال الموانع العارضة، ثم هي مع ذلك لاهية عن النظر، ومتشاغلة عن التفكر. فلذلك أفردها الله سبحانه بصفة العمى عن الأبصار على الوجه الذي بيّناه مع الفائدة.
فأما الفائدة في قوله سبحانه: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) ،
стр. 1427
والقلب لا يكون إلا في الصدور، فإن هذا الاسم الذي هو القلب لما كان فيه اشتراك بين مسمّيات كقلب الإنسان، وقلب النخلة، والقلب الذي هو الصميم والصريح. من قولهم هو عربيّ قلبا «١» ، والقلب الذي هو مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا، حسن أن يزال اللّبس بقوله تعالى: الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) ، احترازا من تجويز الاشتراك.
وقوله سبحانه: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) من أحسن الاستعارات. لأن العقيم المرأة التي لا تلد، فكأنه سبحانه وصف ذلك اليوم بأنه لا ليل بعده ولا نهار، لأن الزمان قد مضى، والتكليف قد انقضى. فجعلت الأيام بمنزلة الولدان للّيالي، وجعل ذلك اليوم من بينها عقيما، لأنه لا ينتج ليلا بعده، ولا يستخلف بدلا له. وقد يجوز أيضا أن يكون المراد، والله أعلم، أن ذلك اليوم لا خير بعده، لمستحقّي العقاب، الذين قال الله سبحانه في ذكرهم:
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً [الآية ٥٥] فوصفه بالعقم لأنه لا ينتج لهم خيرا، ولا ينتج لهم فرحا.
وفي قوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ [الآية ٧٢] استعارة، والمراد بها، والله أعلم، أن الكفار عند مرور الآيات بأسماعهم يظهر في وجوههم من الإنكار لسماعها والإعراض عن تأملها، ما لا يخفى على المخالط لهم، والناظر إليهم. وذلك كقول القائل: عرفت في وجه فلان الشّرّ. أي استدللت منه على اعتقاد المكروه، وإرادة فعل القبيح.
ويحتمل قوله تعالى: الْمُنْكَرَ هاهنا وجهين: أحدهما أن يكون المنكر ما ينكره الغير من أمرهم. والاخر أن يكون ما ينكرونه هم من الهجوم عليهم، بتلاوة القرآن، وصوادع البيان.
стр. 1428
سورة المؤمنون ٢٣
стр. 1429
المبحث الأول أهداف سورة «المؤمنون» «١»
سورة «المؤمنون» سورة مكية، آياتها ١١٨ آية، نزلت بعد الأنبياء، وسميت سورة «المؤمنون» ، لافتتاحها بفلاح المؤمنين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) .
المؤمنون والايمان
تبدأ السورة بذكر صفات المؤمنين، ويستطرد السياق منها إلى دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق ثم إلى حقيقة الإيمان كما عرضها رسل الله، صلوات الله عليهم، من نوح (ع) ، الى محمد (ص) ، خاتم الرسل والنبيين، وشبهات المكذّبين حول هذه الحقيقة واعتراضاتهم عليها ووقوفهم في وجهها حتى يستنصر الرسل ربّهم، فيهلك المكذّبين وينجي المؤمنين. ثم يستطرد السياق إلى اختلاف الناس بعد الرسل، في تلك الحقيقة الواحدة التي لا تتعدد. ومن هنا يتحدّث عن موقف المشركين من الرسول (ص) ، ويستنكر هذا الموقف، الذي ليس له مبرر، وتنتهي السورة بمشهد من مشاهد القيامة، يلقون فيه عاقبة التكذيب، ويؤنّبون على ذلك الموقف المريب.
وتختم السورة بتعقيب يقرر التوحيد المطلق، والتوجّه إلى الله تعالى بطلب الرحمة والغفران ... ، فهي سورة المؤمنين، أو هي سورة الإيمان بكل قضاياه ودلائله وصفاته، والإيمان موضوع السورة ومحورها الأصيل.
стр. 1430
الأقسام الرئيسية في السورة
يمضي سياق سورة «المؤمنون» في أربعة أقسام رئيسية، تتناول تاريخ الدعوة، وحاضرها، وتسوق الأدلة الحسية، والنفسية، على الإيمان بالله.
القسم الأول:
يبدأ القسم الأول بتقرير الفلاح للمؤمنين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) .
ويبين السّياق صفات المؤمنين هؤلاء، الذين كتب لهم الفلاح، ويثنّي بدلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، فيعرض أطوار الحياة البشرية منذ نشأتها الأولى، إلى نهايتها في الحياة الدنيا، متوسّعا في عرض أطوار الجنين، مجملا في عرض المراحل الأخرى ... ثم يتابع خط الحياة البشرية، إلى البعث يوم القيامة، وبعد ذلك ينتقل من الحياة البشرية إلى الدلائل الكونية: في إنزال الماء، وفي إنبات الزرع والثمار، ثم إلى الأنعام المسخّرة للإنسان، والفلك التي يحمل عليها، وعلى الحيوان، ويمتدّ هذا القسم من أول السورة إلى الآية ٢٢.
القسم الثاني:
يشير القسم الثاني الى قصة نوح (ع) ، وهلاك الكافرين، ثم يتبع ذلك بيان سنّة الله في إرسال الرسل، لهداية الناس، وإبلاغهم كلمة الحق والإيمان، ودعوتهم الى الله، فيقول نوح لقومه كما ورد في التنزيل:
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الآية ٢٣] .
ويقول هذه الحقيقة كلّ نبي ورسول: يقولها موسى (ع) ، ويقولها عيسى (ع) ، ويقولها محمد (ص) .
ويكون اعتراض المكذّبين دائما:
ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الآية ٣٣] .
ويقدّم الكفار عددا من الحجج والأدلة على تكذيبهم. فيلجأ الرسل الى ربّهم يطلبون نصره، فيستجيب سبحانه، وينجي المؤمنين، ويهلك الكافرين قال تعالى:
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) .
وينتهي هذا القسم، ببيان وحدة الرسالات، ووحدة الأمم المؤمنة، فالربّ واحد، والإيمان بالله وملائكته
стр. 1431
وكتبه ورسله واليوم الاخر إيمان واحد، قال تعالى:
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) .
ويستغرق هذا القسم الآيات [٢٣- ٥٢] .
القسم الثالث:
يتحدّث القسم الثالث، عن تفرّق الناس بعد وصول الرسل إليهم، وتنازعهم حول تلك الحقيقة الواحدة التي جاء بها الرسل:
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) .
ثم يتحدّث عن غفلتهم عن ابتلاء الله لهم بالنعمة، واغترارهم بما هم فيه من متاع، بينما المؤمنون مشفقون من خشية ربهم، يعبدونه ولا يشركون به، ويخشون غضبه، ويرجون رحمته.
وهنا يرسم مشهدا لأولئك الغافلين المغرورين، يوم يأخذهم العذاب، فإذا بهم يجأرون، فيأخذهم التوبيخ والتأنيب: قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧) .
ويستنكر السياق، موقفهم العجيب من رسولهم الأمين، وهم يعرفونه ولا ينكرونه، وقد جاءهم بالحق لا يسألهم عليه أجرا، فماذا ينكرون منه، ومن الحق الذي جاءهم به؟ وهم يسلّمون بملكية الله لمن في السماوات والأرض، وربوبيته سبحانه للسماوات والأرض، وسيطرته على كل شيء في السماوات والأرض وبعد هذا التسليم، هم ينكرون البعث، ويزعمون لله ولدا سبحانه! ويشركون به آلهة أخرى:
عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) .
ويستغرق هذا القسم الآيات [٥٣- ٩٢] .
القسم الرابع:
في القسم الرابع والأخير، حثّ للرسول (ص) أن يدعهم وشركهم وزعمهم، وأن يدفع السّيئة بالتي هي أحسن، وأن يستعيذ بالله من الشياطين، فلا يغضب ولا يضيق صدره بما
стр. 1432
يقولون. ثم يرسم السياق مشهدا من مشاهد القيامة، يصوّر ما ينتظرهم هناك، من عذاب ومهانة وتأنيب.
ويختم السورة بتنزيه الله سبحانه:
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) .
وينفي الفلاح عن الكافرين، ليناسب ابتداءها بإثباته للمؤمنين. وفي آخر آية أمر للنبي (ص) أن يتوجّه إلى الله سبحانه بطلب المغفرة والرحمة:
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨) .
ويستغرق هذا القسم الآيات [٩٣- ١١٨] ..
مظاهر عامة للسورة
جو السورة كلّها جو البيان والتقرير، وجو الجدل الهادئ، والمنطق الوجداني واللّمسات الموحية للفكر والضمير. والروح الساري في السورة روح الإيمان. ففي مطلعها مشهد الخشوع في الصلاة، وفي وسطها مدح للإيمان والإحسان:
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) .
وفي اللمسات الوجدانية، تجد قوله سبحانه:
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨) .
وكلّها، مظلّلة بذلك الظل الإيماني اللطيف.
стр. 1433
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المؤمنون» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «المؤمنون» بعد سورة الأنبياء، ونزلت سورة الأنبياء بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «المؤمنون» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أوّلها قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وتبلغ آياتها ثماني عشرة ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة بيان الشروط التي يفلح المؤمنون بها، وينصرون على أعدائهم، كما نصر الرسل وأتباعهم على أعدائهم من قبلهم. وقد اقتضى هذا ذكر أخبار بعض الرسل السابقين، وتذييلها بما يناسب الغرض من ذكرها. وقد جاء في سورة الحجّ الإذن في القتال للمؤمنين، ووعدهم بالنصر والفلاح في دنياهم وأخراهم، فجاءت هذه السورة بعدها، لبيان الشروط التي يتوقف عليها نصرهم وفلاحهم.
بيان شروط فلاح المؤمنين الآيات [١- ٢٢]
قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
стр. 1434
فوعد بفلاح المؤمنين على سبيل التحقيق والتأكيد، وذكر، من الصفات التي يتوقف عليها فلاحهم، أنهم في صلاتهم خاشعون، إلى غير هذا مما ذكره من صفاتهم ثم ذكر سبحانه أنهم، بهذه الصفات، إنما يرثون جنّة الفردوس التي أعدّت لهم، فيفوزون بها في الدنيا والاخرة ثم ذكر من أدلة ألوهيّته، ، ما يثبت قدرته على تحقيق وعده بذلك في الدنيا، وقدرته على بعثهم بعد موتهم ليحقّ لهم ما وعدهم به في الاخرة فذكر سبحانه أنه خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة فعلقة، فمضغة، إلى أن أنشأه خلقا آخر يتكلّم ويعقل ثم ذكر أنه خلق فوقنا سبع سماوات، وأنزل من السماء ماء بقدر، إلى أن ذكر خلق الأنعام وقال فيها:
عَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
(٢٢) .
أخبار بعض الرسل الآيات [٢٣- ١١٨]
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ، فذكر، من أخبار بعض الرسل، ما يثبت أيضا وعده بفلاح المؤمنين، فذكر خبر نوح مع قومه، وأنهم كذّبوه، وقالوا مرّة كما ورد في التنزيل: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [الآية ٢٤] . ومرة أخرى إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ [الآية ٢٥] ، فطلب منه أن ينصره عليهم، فأمره أن يصنع فلكا، ويحمل فيها أهله إلّا من سبق عليه القول منهم، ونهاه أن يخاطبه فيمن سيغرقه بالطوفان من أعدائه ثم ذكر أن في ذلك لآيات على نصره للمؤمنين، وأن من شأنه أن يعاقب المكذّبين.
ثم ذكر سبحانه أنه أنشأ من بعد قوم نوح قرنا آخرين، قيل هم عاد قوم هود، وقيل هم ثمود قوم صالح وأنه أرسل فيهم رسولا، ليأمرهم بعبادته وحده، فكذّبوه لأنه بشر مثلهم، وأنكروا ما أخبرهم به من بعثهم بعد موتهم ثم ذكر أنه طلب منه أن ينصره عليهم، فأخذهم بالصيحة فأهلكهم.
ثم ذكر، جلّ شأنه، أنه أنشأ من بعدهم قرونا آخرين، وأنه أرسل رسله تترى، رسولا بعد رسول، فكذّبت كلّ أمة رسولها، فأهلكهم أمّة بعد أمة. ثم ذكر سبحانه أنه أرسل موسى وهارون (ع) إلى فرعون وقومه، وأنهم
стр. 1435
كذّبوهما لأنهما بشر مثلهم، ومن قوم عابدين لهم، فأهلكهم كما أهلك من قبلهم من الأمم. ثم آتى موسى التوراة ليهتدي قومه بها، بعد أن نجّاهم من استعباد فرعون ثم ذكر أنه جعل منهم عيسى بن مريم وأمّه آية في ولادته منها بغير أب وأن آياته كانت خاتمة آياتهم.
ثم ذكر تعالى ما كان من أمر هؤلاء الرسل، بعد أن نصرهم على أعدائهم، وأنّه أمرهم أن يتمتعوا بما رزقهم من الطيبات في دنياهم، وأن يعملوا صالحا ينفعهم في آخرتهم، وأن يعبدوه وحده، لأنّ شرائعهم واحدة، قائمة على أساس التوحيد ثم ذكر أن أتباعهم لم يعملوا بهذا بعدهم، بل اختلفوا فيه اختلافا شديدا، واغتبط كلّ فريق منهم بما اتّخذه دينا له، وأمر النبيّ (ص) أن يتركهم في غفلتهم عما بعث به أولئك الرسل، إلى أن يحين عذابهم ثم ذكر أنهم إذا كانوا في نعم عظيمة، فإنها ليست ثوابا معجّلا لهم على أديانهم، وإنما هي استدراج لهم في المعاصي ليبلغوا ما يبلغون من زيادة الإثم ثم ذكر أنّ ما هم فيه من تلك النّعم والخيرات، ليس بخيرات على الحقيقة، وإنما الخيرات ما يسارع فيه المؤمنون من خشية ربّهم، إلى غير هذا مما ذكر من أعمالهم ثم ذكر سبحانه أنه لا يكلّف أحدا إلّا وسعه من تلك الأعمال، وأنّ لديه كتابا يسجّل تلك الأعمال، وينطق بالحق فيها، وأنّ المشركين في غفلة عنها، بما هم فيه من الكفر والضلال ثم ذكر أنه إذا أخذ أصحاب تلك النّعم منهم بالعذاب، جأروا من هوله، وأنه ينهاهم عن الجؤار، لأنّه أنذرهم بذلك، فيما يتلى عليهم من آياته، فكانوا ينكصون على أعقابهم، ويسمرون بالطّعن في القرآن الذي يتلو ذلك عليهم، ثم قطع عذرهم، بأنه قد مكّن لهم من التدبّر في القرآن، وما أنذرهم به فلم يتدبّروا، إلى غير ذلك مما ذكره في قطع عذرهم ثم ذكر أنه جاءهم بالحق، وأنه لا يحملهم على تكذيبه إلا كراهتهم له، وأنه لم يأت على أهوائهم، ولو اتّبع الحقّ أهواءهم، لفسدت السماوات والأرض ومن فيهما ثم ذكر أنه قد أتاهم من ذلك بما فيه ذكرهم وشرفهم، وأن النبي (ص) لا يسألهم عليه أجرا، وأنّه يدعوهم إلى صراط مستقيم، وأنهم عن ذلك الصراط ناكبون، وأنّه لو سمع لجؤارهم، وكشف ما بهم من ضرّ،
стр. 1436
لاستمروا في طغيانهم. ولقد أخذهم بعذاب قبل هذا العذاب، ثم كشفه عنهم فما استكانوا له. فلما أخذهم بهذا العذاب يئسوا من كشفه عنهم ثم ذكر ما كان يكفي لصرفهم عن تلك المبالغة في الإعراض فذكر سبحانه أنه هو الذي أنشأ لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأنه هو الذي جعلهم يتناسلون في الأرض، ثم يحشرهم إليه وحده، وأنه، ﷻ ، هو الذي يحيي ويميت، ويخالف بين الليل والنهار ثم ذكر أنهم مع هذا مضوا في إعراضهم، وتقليد آبائهم في إنكار بعثهم بعد موتهم، وزعمهم أنهم قد وعدوا بذلك هم وآباؤهم، فلم يحصل شيء منه ثم ردّ عليهم بأنهم لا يستطيعون أن ينكروا أن الله هو خالق الأرض ومن فيها، وهو ربّ السماوات السبع والعرش، وأنه سبحانه بيده ملكوت كل شيء، ومن يكون هذا شأنه يكون قادرا على بعثهم ثم ذكر أنه أتاهم بالحق حين أثبت لهم أنه هو الذي خلقهم وحده، وأنهم إليه يحشرون، لا إلى غيره من ولد أو شريك، لأنه لم يتّخذ له ولدا ولا شريكا، ولو كان معه إله غيره، لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، سبحانه عما يصفون، وتعالى عما يشركون.
ثم أمر (ص) ، إذا أراه ما يوعدون من العذاب، أن يدعوه بأن ينجيه منه وذكر أنه قادر على أن يريه ما يعدهم من ذلك، ثم أمره أن يحتمل ما يكون منهم، قبل ذلك من ضروب الأذى، وأن يستعيذ به، مما يهمز به الشيطان، من دفعهم إلى إيذائه ثم ذكر تعالى أنه إذا جاء أحدهم الموت ندم على ذلك، وطلب من ربه أن يرجعه إلى الدنيا ليعمل صالحا، وأنه يجاب بزجره عن هذا الطلب، لأنه لا سبيل إلى رجوعه، إلى أن يبعث من قبره ثم ذكر أحوال يوم البعث وأنه ينفخ فيه في الصّور، فيبعثون من قبورهم، لا يعرف قريب قريبا، ولا يسأل شخص شخصا ثم يحاسبون، فمن ثقلت موازينه فهو من المفلحين، ومن خفّت موازينه فهو من الخالدين في جهنم. ثم ذكر أنهم ينادونه فيها، ويعتذرون بأن شقوتهم غلبت عليهم، ويطلبون أن يخرجهم منها، فإن عادوا إلى العصيان فهم ظالمون، فيأمرهم بأن يخسئوا فيها، ولا يكلّموه في الخروج منها، ويذكّرهم ما كان من سخريتهم بعباده
стр. 1437
المؤمنين ويخبرهم بأنه جزاهم بصبرهم على سخريتهم، وجعلهم من الفائزين ثم يسألهم، على سبيل التوبيخ، عن عدد السنين التي لبثوها في الأرض، لأنهم كانوا يعتقدون أنه لا لبث إلّا في الدنيا، فيجيبون بأنّهم لم يلبثوا فيها إلّا يوما أو بعض يوم، فيقرّهم على استقصارهم لمدة لبثهم فيها، لأنّها قليلة بالنسبة لما يلبثونه في الاخرة ثم يوبّخهم على ظنّهم أنه خلقهم عبثا، وأنهم لا يرجعون إليه، لأنه سبحانه الملك الحقّ الذي يتعالى عن العبث.
ثم ختمت السورة بنفي الفلاح عن الكافرين، ليناسب ابتداءها بإثباته للمؤمنين وأمر النبي (ص) أن يتوجّه إليه بطلب المغفرة والرحمة، بعد تفصيل ذلك العذاب للكافرين، فقال سبحانه وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨) .
стр. 1438
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المؤمنون» «١»
أقول: وجه اتصالها بسورة الحج:
أنه تعالى، لما ختمها بقوله: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وكان ذلك مجملا، فصّله في فاتحة هذه السورة، فذكر سبحانه خصال الخير التي من فعلها قد أفلح، فقال تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) . ولما قال سبحانه في أول الحج:
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الآية ٥] ، زاده هنا بيانا في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) . فكل جملة أوجزت هناك في القصد، أطنب فيها هنا.
стр. 1439
المبحث الرابع مكنونات سورة «المؤمنون» «١»
١- وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ [الآية ٢٠] .
قال الرّبيع: هي الزيتون، أخرجه ابن أبي حاتم.
٢- إِلى رَبْوَةٍ [الآية ٥٠] .
قال أبو هريرة: هي الرملة من فلسطين «٢» . وقال الضّحّاك: هي بيت المقدس «٣» .
وقال سعيد بن المسيّب: هي دمشق.
وقال ابن زيد: هي مصر. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
стр. 1440
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المؤمنون» «١»
١- وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) .
والسلالة: الخلاصة لأنّها تسلّ من بين الكدر، و «فعالة» : بناء للقلّة، ولبقايا الأشياء كالقلامة، والقمامة، والصّبابة، والخشارة، وغير ذلك.
٢- وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) .
والقرار المكين، أي: المستقر، ذو المكانة، والمراد به الرّحم.
والمكين فعيل اشتق من «المكان» ، وهذا يفيد أن العربية اشتقت الكثير من الأسماء الدالة على المعاني، أو على الذوات من الاسم، وهو «المكان» .
٣- وقال تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها [الآية ٢١] .
أقول: أنظر: الآية: ٦٦، من سورة النحل.
٤- وقال تعالى: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا [الآية ٢٧] .
وقوله تعالى: «بأعيننا» ، أي بحفظنا وكلاءتنا.
أقول: وما زال شيء من هذا التعبير في اللغة السائرة في العراق.
والذي أراه أن «العين» ، في هذا الاستعمال تفيد الحفظ والمساعدة.
ولعلّ من «العين» ، وهي عضو البصر في الأصل، أخذت العربية «العون» بمعنى المساعدة، ولمّا كان لكلمة «العين» معنى مجازي، وهو