← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

لاستمروا في طغيانهم. ولقد أخذهم بعذاب قبل هذا العذاب، ثم كشفه عنهم فما استكانوا له. فلما أخذهم بهذا العذاب يئسوا من كشفه عنهم ثم ذكر ما كان يكفي لصرفهم عن تلك المبالغة في الإعراض فذكر سبحانه أنه هو الذي أنشأ لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأنه هو الذي جعلهم يتناسلون في الأرض، ثم يحشرهم إليه وحده، وأنه، ﷻ ، هو الذي يحيي ويميت، ويخالف بين الليل والنهار ثم ذكر أنهم مع هذا مضوا في إعراضهم، وتقليد آبائهم في إنكار بعثهم بعد موتهم، وزعمهم أنهم قد وعدوا بذلك هم وآباؤهم، فلم يحصل شيء منه ثم ردّ عليهم بأنهم لا يستطيعون أن ينكروا أن الله هو خالق الأرض ومن فيها، وهو ربّ السماوات السبع والعرش، وأنه سبحانه بيده ملكوت كل شيء، ومن يكون هذا شأنه يكون قادرا على بعثهم ثم ذكر أنه أتاهم بالحق حين أثبت لهم أنه هو الذي خلقهم وحده، وأنهم إليه يحشرون، لا إلى غيره من ولد أو شريك، لأنه لم يتّخذ له ولدا ولا شريكا، ولو كان معه إله غيره، لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، سبحانه عما يصفون، وتعالى عما يشركون. ثم أمر (ص) ، إذا أراه ما يوعدون من العذاب، أن يدعوه بأن ينجيه منه وذكر أنه قادر على أن يريه ما يعدهم من ذلك، ثم أمره أن يحتمل ما يكون منهم، قبل ذلك من ضروب الأذى، وأن يستعيذ به، مما يهمز به الشيطان، من دفعهم إلى إيذائه ثم ذكر تعالى أنه إذا جاء أحدهم الموت ندم على ذلك، وطلب من ربه أن يرجعه إلى الدنيا ليعمل صالحا، وأنه يجاب بزجره عن هذا الطلب، لأنه لا سبيل إلى رجوعه، إلى أن يبعث من قبره ثم ذكر أحوال يوم البعث وأنه ينفخ فيه في الصّور، فيبعثون من قبورهم، لا يعرف قريب قريبا، ولا يسأل شخص شخصا ثم يحاسبون، فمن ثقلت موازينه فهو من المفلحين، ومن خفّت موازينه فهو من الخالدين في جهنم. ثم ذكر أنهم ينادونه فيها، ويعتذرون بأن شقوتهم غلبت عليهم، ويطلبون أن يخرجهم منها، فإن عادوا إلى العصيان فهم ظالمون، فيأمرهم بأن يخسئوا فيها، ولا يكلّموه في الخروج منها، ويذكّرهم ما كان من سخريتهم بعباده

стр. 1437

المؤمنين ويخبرهم بأنه جزاهم بصبرهم على سخريتهم، وجعلهم من الفائزين ثم يسألهم، على سبيل التوبيخ، عن عدد السنين التي لبثوها في الأرض، لأنهم كانوا يعتقدون أنه لا لبث إلّا في الدنيا، فيجيبون بأنّهم لم يلبثوا فيها إلّا يوما أو بعض يوم، فيقرّهم على استقصارهم لمدة لبثهم فيها، لأنّها قليلة بالنسبة لما يلبثونه في الاخرة ثم يوبّخهم على ظنّهم أنه خلقهم عبثا، وأنهم لا يرجعون إليه، لأنه سبحانه الملك الحقّ الذي يتعالى عن العبث. ثم ختمت السورة بنفي الفلاح عن الكافرين، ليناسب ابتداءها بإثباته للمؤمنين وأمر النبي (ص) أن يتوجّه إليه بطلب المغفرة والرحمة، بعد تفصيل ذلك العذاب للكافرين، فقال سبحانه وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨) .

стр. 1438

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المؤمنون» «١» أقول: وجه اتصالها بسورة الحج: أنه تعالى، لما ختمها بقوله: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وكان ذلك مجملا، فصّله في فاتحة هذه السورة، فذكر سبحانه خصال الخير التي من فعلها قد أفلح، فقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) . ولما قال سبحانه في أول الحج: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الآية ٥] ، زاده هنا بيانا في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) . فكل جملة أوجزت هناك في القصد، أطنب فيها هنا.

стр. 1439

المبحث الرابع مكنونات سورة «المؤمنون» «١» ١- وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ [الآية ٢٠] . قال الرّبيع: هي الزيتون، أخرجه ابن أبي حاتم. ٢- إِلى رَبْوَةٍ [الآية ٥٠] . قال أبو هريرة: هي الرملة من فلسطين «٢» . وقال الضّحّاك: هي بيت المقدس «٣» . وقال سعيد بن المسيّب: هي دمشق. وقال ابن زيد: هي مصر. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.

стр. 1440

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المؤمنون» «١» ١- وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) . والسلالة: الخلاصة لأنّها تسلّ من بين الكدر، و «فعالة» : بناء للقلّة، ولبقايا الأشياء كالقلامة، والقمامة، والصّبابة، والخشارة، وغير ذلك. ٢- وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) . والقرار المكين، أي: المستقر، ذو المكانة، والمراد به الرّحم. والمكين فعيل اشتق من «المكان» ، وهذا يفيد أن العربية اشتقت الكثير من الأسماء الدالة على المعاني، أو على الذوات من الاسم، وهو «المكان» . ٣- وقال تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها [الآية ٢١] . أقول: أنظر: الآية: ٦٦، من سورة النحل. ٤- وقال تعالى: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا [الآية ٢٧] . وقوله تعالى: «بأعيننا» ، أي بحفظنا وكلاءتنا. أقول: وما زال شيء من هذا التعبير في اللغة السائرة في العراق. والذي أراه أن «العين» ، في هذا الاستعمال تفيد الحفظ والمساعدة. ولعلّ من «العين» ، وهي عضو البصر في الأصل، أخذت العربية «العون» بمعنى المساعدة، ولمّا كان لكلمة «العين» معنى مجازي، وهو

стр. 1441

الحفظ والرعاية، فقد حوّلت هذه اللفظة من الياء إلى الواو لهذا الغرض. وكنا قد أشرنا إلى شيء من هذا في مادة «غيث» ، وكيف صارت «غوثا» . وقوله تعالى: وَوَحْيِنا، أي: نأمرك كيف تصنع ونعلمك. ٥- وقال تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الآية ٢٧] . قالوا: التنوّر: وجه الأرض. ٦- وقال تعالى: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) . أقول: ذكر النحاة أن بعد هيهات اسم يرتفع بها هو الفاعل، ومن شواهدهم: فهيهات هيهات العقيق وأهله وهيهات خلّ بالعقيق نواصله وقال الزجاج في الآية: البعد لما توعدون. وهذا التفسير في قول الزجّاج، يشعرنا أنهم حاروا في اللام، لأن الآية لم ترفع الاسم الظاهر، بل وليها الاسم مجرورا باللام. ٧- وقال تعالى: ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) . أقول: باعتبار الفعل الأول، تسبق، كانت الكلمة مؤنثة، وهي مؤنثة لفظا، وباعتبار الفعل اللاحق لها، كانت الكلمة جمعا مذكّرا، وذلك مراعاة للمعنى. ٨- وقال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [الآية ٤٤] . «تترى» على «فعلى» ، والألف للتأنيث لأن الرسل جماعة. وقرئ: (تترّى) بالتنوين. أقول: والتاء بدل من الواو، والأصل وترى. ولعلّ الكلمة من الجموع التي أميت واحدها، فهو «وتير» ، مثل جريح وجرحى. ولكنّ «وتير» لم يرد في العربية، فهو مما أهمل وأنسي. ٩- وقال تعالى: فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ [الآية ٤٦] . والمراد ب «عالين» أنهم متكبّرون. أقول: والذي رشّح هذا المعنى المراد: أن في الآية الكريمة قوله تعالى: فَاسْتَكْبَرُوا. والذي يقال في عربيتنا المعاصرة: «أنهم متعالون» ، أي: متكبّرون.

стр. 1442

١٠- وقال تعالى: فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا [الآية ٤٧] . أقول: البشر واحد وجمع، فكونه مفردا هو في قوله تعالى: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: ٤٧] . وفي آيات أخرى. وأما كونه جمعا، فكما في قوله تعالى: قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا [إبراهيم: ١٠] . وفي آيات أخرى. فأما الآية التي وقفنا عليها من هذه السورة، الآية ٤٧، فدلالتها على المفرد، ومن أجل ذلك بني الكلام على التثنية. ولا بد من الوقوف، من معنى كلمة «بشر» ، على شيء يدلّ في ظاهره على الإنسان، رجلا كان أو امرأة، فأقول: لو استقرينا قدرا من الآيات التي وردت فيها كلمة «بشر» ، ومنها: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] . قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ [الحجر: ٣٣] . وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) [الأنبياء] . وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) . أقول: لو استقرينا هذا القدر من آيات أخرى، لوقفنا على ما يحملنا على أن نقول: إن دلالة كلمة «بشر» على الكائن الهالك، الذي من شأنه أن يفنى ويموت. ألا يحق لنا أن نقف على شيء من مادة «بشر» ، فنجد «البشرة» وهي ظاهر جلد الإنسان التي مصيرها الفناء، وهي قبل أن تفنى يصيبها التلف، وهي تتفسّخ بعد الموت! أليس هذا هو الفناء والهلاك؟ أقول: ومن هنا كان لي أن أذهب إلى أن «البشر» هو الفاني. ١١- وقال تعالى: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) . والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض. وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته فوجه من جعله مفعولا، أنه مدرك بالعين لظهوره، من عانه: إذا أدركه بعينه، ووجه من جعله

стр. 1443

فعيلا أنه نفّاع بظهوره وجريه، من الماعون، وهو المنفعة. وأرى: أن «معين» من «العين» ، والميم زائدة على نحو المبيع والمدين وغيرهما، وذلك لأن دلالة «العين» على الماء معروفة، فالعين عين الماء في إحدى دلالاتها الكثيرة، ومنها قالوا: عانت البئر عينا، أي: كدر ماؤها. وعان الماء والدمع يعين عينا وعينانا: جرى وسال. ١٢- وقال تعالى: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) . و «الغمرة» : الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلا، لما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم. أقول: والغمر: الماء الكثير. والغمرة أيضا: الشدّة، وغمرات الهمّ والموت أي شدّتهما. والمغمور من الرجال: الذي ليس بمشهور. والغامر من الأرض خلاف العامر. وهكذا يذهب المعنى في مادة «غمر» . ١٣- وقال تعالى: فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) . أي: تدبرون، وتستأخرون، وترجعون القهقرى مكذّبين. أقول: وهذه الآية أورثت العربية قول القائل: فلان نكص على عقبيه، بهذا المعنى، والعبارة ما زالت جارية في عربية العصر. ١٤- وقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ [الآية ٧٠] . الجنّة: الجنون وهو المصدر. وتأتي «الجنّة» بمعنى «الجنون» في آيات أخرى منها: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ [الأعراف: ١٨٤] . كما تأتي بمعنى «الجن» كقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) [هود] . وقوله سبحانه: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) [الناس] . أقول: الجنّ أصل المادة اللغوية، والجنّ عالم خفيّ، جاء ذكره وشيء من أمره في آيات كثيرة وعلى رأس الجنّ إبليس اللعين الذي يغوي الناس، كما جاء في التنزيل العزيز.

стр. 1444

ولما كان «الجن» ، وهو جمهرة هذه المخلوقات قد خفي عن النظر، ولا يبصره الناس، أفادت العربية من هذه المادة، مواد كثيرة، تدلّ جميعها على الخفاء والتستّر، فجاء الفعل «جن» بمعنى أخفى وستر، ومن أجل ذلك قيل: جنّ عليه الليل، أي: أخفاه وستره. ومن هذا الأمر، قيل للمخلوق بعد النطفة والمضغة والعلقة في بطن الأم، «جنينا» ، وذلك لخفائه أيضا. ومن هذا قيل للقلب «جنان» بفتح الجيم، لأنه مستور. وقيل: للدّرع، يستر به المحارب صدره، جنّة ومجنّ. ثم اتسع الأمر أكثر من ذلك، فقيل لفاقد العقل «مجنون» ، أو به جنون أو جنّة، وذلك من تصوّر العرب أن «الجنّ» أغوته وأفقدته العقل. والفعل مبنيّ للمفعول «جنّ» . وبعد، فهذه المادة وجدت في غير العربية من اللغات السامية ولكن تلك اللغات، لم تتصرف في هذه المادة على النحو البديع، الذي ورد في العربية، وهذا شيء من عبقرية هذه اللغة. ١٥- وقال تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ [الآية ٧٢] . وقرئ: خراجا فخراج، وخرجا فخرج ... والخرج ما يخرجه الرجل إلى الإمام من زكاة الأرض، وإلى كلّ عامل من أجرته وجعله. وقيل: الخرج ما تبرّعت به، والخراج ما لزمك أداؤه. والوجه أن الخرج أخصّ من الخراج، كقولك: خراج القرية، وخرج الكردة، وزيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذلك حسنت قراءة من قرأ: «خرجا فخراج ربك» «١» . أقول: وهذا شيء من تصرّف المعربين بمادة هذه اللغة فقد أفادوا من مادة «خرج» الدالة على الخروج ضد الدخول، في وضع هذه المصطلحات الفنية. ١٦- وقال تعالى:

стр. 1445

حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) . وقوله تعالى: مُبْلِسُونَ (٧٧) أي: متحّيرون يائسون. أقول: لعل الفعل «أبلس» ، ومادة «بلس» أيضا ذات علاقة ب «إبليس» ! ١٧- وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ [الآية ٧٨] . أقول: لم يرد السمع إلّا مفردا، وهو مقترن ب «الأبصار» جمعا، في جميع آي القرآن، ما عدا قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) . وهذا ما لاحظناه وليس لنا أن نتكلم فيه، ولكلام الله أسرار وفوائد كثيرة. ١٨- وقال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [الآية ٩٦] . وقوله تعالى: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أي: الحسنى إرادة التفضيل، ومن أجل ذلك لا يتحقّق إحكام المعنى، لو يقال: ادفع بالحسنة السيئة. ١٩- وقال تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ. أريد ب «الموازين» الأعمال الصالحات، والاستعارة جميلة، فثقل الموازين يدل على سعة العمل الصالح، ووزنه وقيمته. وبعكسه من كان خفيف الموزون من العمل الصالح، وقد كنا عرضنا لشيء من هذا في آية سابقة.

стр. 1446

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المؤمنون» «١» قال تعالى: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [الآية ٥٢] بنصب أُمَّةً واحِدَةً على الحال. وقرأ بعضهم (أمّتكم أمّة واحدة) على البدل ورفع (أمّة واحدة) على الخبر «٢» . وقال تعالى إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ [الآية ٦٤] من «جأر» «يجأر» «جؤارا» و «جأرا» . وقال سبحانه: عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ [الآية ٦٦] و (تنكصون) «٣» وقال تعالى: اخْسَؤُا فِيها [الآية ١٠٨] من «خسأ» «يخسأ» تقول: «خسأته» ف «خسأ» . وقال سبحانه: وَهُمْ لَها سابِقُونَ [الآية ٦١] أي: من أجلها. وقال تعالى: أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [الآية ١٤] والخالقون هم الصانعون «٤» . وقال الشاعر «٥» [من الكامل الأحذّ، وهو

стр. 1447

الشاهد الثالث والخمسون بعد المائتين] : وأراك تغري ما خلقت وبعد ... ض القوم يخلق ثم لا يغري «١» وقال تعالى: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ [الآية ٢٠] على فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ» وَشَجَرَةً. وقال سبحانه إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الآية ١١٤] أي: ما لبثتم إلّا قليلا. وفي حرف ابن مسعود (إن لبثتم لقليلا) . وقال الشاعر «٣» : [من الكامل وهو الشاهد الرابع والخمسون بعد المائتين] : هبلتك أمّك إن قتلت لمسلما ... وجبت عليك عقوبة المتعمد «٤»

стр. 1448

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المؤمنون» «١» إن قيل: لم قال تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ. وحفظ الفرج إنما يعدى بعن لا بعلى، يقال فلان يحفظ فرجه عن الحرام، ولا يقال على الحرام؟ قلنا: «على» هنا بمعنى عن، كما في قول الشاعر: إذا رضيت عليّ بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها الثاني: أنه متعلق بمحذوف تقديره: فلا يرسلونها إلا على أزواجهم. فإن قيل: قوله تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) لم خصّ الإخبار عن الموت، الذي لم ينكره الكفار، بلام التأكيد دون الإخبار عن البعث الذي أنكروه، والظاهر يقتضي عكس ذلك؟ قلنا: لمّا كان العطف يقتضي الاشتراك في الحكم، استغني به عن إعادة لفظ اللام، الموجبة لزيادة التأكيد، فإنها ثابتة معنى بالعطف، ولا يلزم على هذا عدم إعادة إنّ، لأنها الأصل في التأكيد، ولأنها أقوى والحاجة إليها أمسّ. فإن قيل: لم قال تعالى وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ [الآية ٢٠] والمراد بها شجرة الزيتون، وهي تخرج من الجبل الذي يسمى طور سيناء ومن غيره؟ قلنا: قيل إن أصل شجرة الزيتون من طور سيناء ثم نقلت إلى سائر

стр. 1449

المواضع. وقيل إنما أضيفت إلى ذلك الجبل، لأنّ خروجها في غيره من المواضع. فإن قيل: قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ [الآية ٧٠] ، خبر عن كفّار مكة، فلم قال تعالى في الآية نفسها: بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، أي بالتوحيد، أو بالقرآن وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ولم يقل وكلّهم، مع أنّهم كلّهم كانوا للتوحيد كارهين، بدليل قولهم، كما ورد في التنزيل بِهِ جِنَّةٌ؟ قلنا: كان فيهم من ترك الإيمان به أنفة واستنكافا، من توبيخ قومه، لئلّا يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. فإن قيل: لم جمع سبحانه فقال رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) ولم يقل «ارجعني» ، والمخاطب واحد، وهو الله تعالى؟ قلنا: هو جمع للتفخيم والتعظيم، كقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى [يس: ١٢] وأشباهه. فإن قيل: لم قال تعالى: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) وقال سبحانه في موضع آخر: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) [الصافات] ؟ قلنا: يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، ففيه أحوال مختلفة، ففي بعضها يتساءلون، وفي بعضها لا ينطقون لشدة الهول والفزع.

стр. 1450

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المؤمنون» «١» في قوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) استعارة. لأن حقيقة السلالة هي أن تسلّ الشيء من الشيء. فكأن آدم (ع) ، لمّا خلق من أديم الأرض، كان كأنّه انسلّ منها، واستخرج من سرّها. وقد صار ذلك عبارة عن محصن الشيء ومصاصه «٢» ، وصفوته ولبابه. ليس أن هناك شيئا، استلّ من شيء على الحقيقة. وقد تسمّى النطفة سلالة على هذا المعنى. ويسمى ولد الرّجل سلالة أيضا، على مثل ذلك. وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) استعارة. لأن المراد بالطرائق هاهنا السماوات السبع، مشبّهة بطرائق النّعل، وواحدتها: طريقة. وقد يجمع أيضا على طريق. فهي قطع الجلود يجعل بعضها فوق بعض وينتظم بالخرز. ويقال: طارقت النعل. من ذلك. وفي قوله سبحانه: اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا [الآية ٢٧] استعارة. والقول فيها كالقول في: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [طه: ٣٩] «٣» ، على حدّ سواء. فكأنه سبحانه قال: واصنع الفلك

стр. 1451

بحيث نرعاك ونحفظك، ونمنع منك من يريدك. أو يكون المعنى: واصنع الفلك بأعين أوليائنا من الملائكة، والمؤمنين، فإنّا نمنعك بهم، ونشدّك بمعاضدتهم، فلا يصل إليك من أرادك، ولا تبلغك مرامي من كادك. وفي قوله سبحانه: فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) استعارة. والمراد بها، والله أعلم، أنه عاجلهم بالاستئصال والهلاك، فطاحوا كما يطيح الغثاء، إذا سال به السيل. والغثاء: ما حملت السيول في ممرّها من أضغاث النبات، وهشيم الأوراق، وما يجري مجرى ذلك. فكأنّ أولئك القوم هلكوا، ولم يحسّ لهم أثر، كما لا يحسّ أثر ما طاح به السيل، من هذه الأشياء المذكورة. والعرب يعبّرون عن هلاك القوم بقولهم: قد سال بهم السيل. فيجوز أن يكون قوله سبحانه: فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً، كناية عن الهلاك، كما كنوا بقولهم: سال بهم السيل عن الهلاك. والمعنى: فجعلناهم كالغثاء الطافح في سرعة انجفاله «١» ، وهو ان فقدانه. وفي قوله سبحانه: وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) استعارة. والنطق لا يوصف به، إلّا من يتكلم بالة. وكان قاضي القضاة «٢» أبو الحسن يجيب بذلك من يسأله: هل يجوز أن يوصف القديم تعالى بأنه ناطق، كما يوصف بأنه يتكلّم؟ فمنع من ذلك، وقال: ما قدّمت ذكره. فوصف سبحانه القرآن بالنطق، مبالغة في وصفه بإظهار البيان. وإعلان البرهان، وتشبيها باللسان الناطق، في الإبانة عن ضميره، والكشف عن مستوره. وفي قوله سبحانه: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا [الآية ٦٣] استعارة. والمراد بها، أنّ القوم الذين قال سبحانه فيهم، أمام هذه الآية، هم الموصوفون بقوله تعالى: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا أي في حيرة تغمرها، وغمّة تسترها. والغمر جمع غمرة. وهو ما وقع الإنسان فيه من أمر

стр. 1452

مذهل، وخطب جلل، مشبه بغمرات الماء التي تغمر الواقع فيها، وتأخذ بكظم «١» المغمور بها. وفي قوله سبحانه: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [الآية ٧١] استعارة. والمراد بها: ولو كان الحق موافقا لأهوائهم، لعاد كلّ إلى ضلاله، وأوقع كلّ في بطله، لأن الحق يدعو إلى المصالح والمحاسن والأهواء تدعو إلى المفاسد والمقابح. فلو اتبع الحقّ قائد الهوى لشمل الفساد، وعمّ الاختلاط، وخفضت أعلام الهداية، ورفع منار الغواية. وفي قوله سبحانه: وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) استعارة على أحد التأويلين، وهو أن يكون معنى الموازين هاهنا المعادلة بين الأعمال بالحق.

стр. 1453

سورة النّور ٢٤

стр. 1454

المبحث الأول أهداف سورة «النور» «١» سورة النور سورة مدنية، وآياتها ٦٤ آية، نزلت بعد سورة الحشر، وسمّيت بهذا الاسم لكثرة ذكر النور فيها: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ [الآية ٣٥] . نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [الآية ٣٥] . وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [الآية ٤٠] . روح السورة هذه سورة الآداب والأخلاق والتربية الإسلامية الهادفة، إنها الأخلاق والقيم المنبعثة عن إيمان المؤمن بالله، فإذا دخل نور الإيمان في القلب، اتّسع له الصدر، وانشرح له الفؤاد: وإذا حلّت الهداية قلبا نشطت في العبادة الأعضاء وقد ذكر النور في هذه السورة بلفظه، كما ذكر بآثاره ومظاهره في القلوب والأرواح، ممثّلة هذه الآثار في بيان الفرائض والأحكام، التي يقوم عليها بناء السورة، وهي أحكام وآداب نفسية وعائلية وجماعية، تؤدي إلى طهارة الفرد وسلامة المجتمع. تبدأ سورة النور بإعلان قويّ حاسم عن تقرير هذه السورة وفرضها، بكل ما فيها من حدود وتكاليف، من آداب وأخلاق:

стр. 1455

سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) . فيدلّ هذا البدء الفريد، على مدى اهتمام القرآن، بالعنصر الأخلاقي في الحياة، ومدى عمق هذا العنصر، وأصالته في العقيدة الإسلامية، وفي فكرة الإسلام عن الحياة الإنسانية ... والمحور الذي تدور عليه السورة كلّها: محور التربية، التربية التي تشتد في وسائلها إلى درجة الحدود، وترقّ إلى درجة اللمسات الوجدانية الرقيقة، التي تصل القلب بنور الله. والهدف واحد في الشدّة واللين: تربية الضمائر، واستجاشة المشاعر، ورفع المقاييس الأخلاقية للحياة، حتى تشف وتتّصل بنور الله. وتتداخل الآداب النفسية الفردية، وآداب البيت والأسرة، وآداب الجماعة والقيادة، بوصفها نابعة كلّها من معين واحد، هو العقيدة في الله، متّصلة كلّها بنور واحد، هو نور الله. فقرات السورة يجري سياق سورة النور في خمس فقرات: الفقرة الأولى: تتضمّن الفقرة الأولى الإعلان الحاسم الذي تبدأ به، ويليه بيان حدّ الزنا، وتفظيع هذه الفعلة، وتقطيع ما بين الزّناة والجماعة المسلمة، فلا هي منهم ولا هم منها، ثم بيان حدّ القذف وعلّة التشديد فيه، واستثناء الأزواج من هذا الحدّ، مع التفريق بين الزوجين بالملاعنة، ثم حديث الإفك وقصّته، وتنتهي هذه الفقرة، بتقرير مشاكلة الخبيثين للخبيثات، ومشاكلة الطيّبين للطيّبات، وبالعلاقة التي تربط هؤلاء بهؤلاء وتستغرق هذه الفقرة من أول السورة إلى الآية ٢٦. الفقرة الثانية: تتناول الفقرة الثانية وسائل الوقاية من الجريمة، وتجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية. فتبدأ بآداب البيوت، والاستئذان على أهلها، والأمر بغض البصر، والنهي عن إبداء الزّينة لغير المحارم، والحضّ على إنكاح الأيامى، والتحذير من دفع الفتيات إلى البغاء وكلها أسباب وقائية، لضمانة الطهر والتعفف في عالم الضمير والشعور، ودفع المؤثرات،

стр. 1456

التي تهيج الميول الحيوانية، وترهق أعصاب المتحرّجين المتطهّرين، وهم يقاومون عوامل الإغراء والغواية وتستغرق هذه الفقرة الآيات [٢٧- ٣٤] . الفقرة الثالثة: تتوسط هذه الفقرة، مجموعة الآداب التي تضمنتها السورة، فتربطها بنور الله، وتتحدث عن أطهر البيوت، عن الرجال المؤمنين الذين يعمرون بيوت الله. وفي الجانب المقابل: الذين كفروا، وأعمالهم الشبيهة بسراب من اللّمعان الكاذب، أو بظلمات بعضها فوق بعض ثم تكشف الآيات عن فيوض من نور الله في الآفاق: في تسبيح الخلائق كلّها لله، وفي إزجاء السحاب، وفي تقليب الليل والنهار، وفي خلق كلّ دابة من ماء، ثم اختلاف أشكالها، ووظائفها، وأنواعها وأجناسها، ممّا هو معروض في صفحة الكون، للبصائر والأبصار وتستغرق هذه الفقرة الآيات [٣٥- ٤٦] . الفقرة الرابعة: تتحدث عن مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع رسول الله (ص) ، في الطاعة والتحاكم، وتصوّر أدب المؤمنين الخالص، وطاعتهم وتعدهم، على هذا، الاستخلاف في الأرض، والتمكين في الدين، والنصر على الكافرين وتستغرق هذه الفقرة الآيات [٤٧- ٥٧] . الفقرة الخامسة: تستأنف هذه الفقرة الحديث عن آداب الاستئذان والضيافة، في محيط البيوت بين الأقارب والأصدقاء، وتتحدّث عن آداب الجماعة المسلمة كلّها، كأسرة واحدة، مع رئيسها ومربيها، رسول الله (ص) . وتكتمل السورة، بإعلان ملكية الله سبحانه لما في السماوات والأرض، وعلمه بواقع الناس، وما تنطوي عليه حناياهم، ورجعتهم إليه، وحسابهم على ما يعلمه من أمرهم، وهو بكل شيء عليم. وتستغرق هذه الفقرة الآيات [٥٨- ٦٤] . أثر السورة في حفظ المجتمع نلحظ أن سورة النور دعوة هادفة إلى إضاءة القلب بنور الله وذكره، وتذكّر

стр. 1457

جلاله وعظمته. وهي سياج للفرد والمجتمع، من الانحلال والتردي في الخطيئة، فقد أمرت بغضّ البصر، وحفظ الفرج، ونهت عن دخول البيوت بغير إذن وإيذان، ونهت عن قذف المحصنات، وبيّنت عقوبة البهتان، وإلصاق التهم الكاذبة بالمستقيمين، وذمّت إشاعة الفاحشة، وأظهرت عجائب صنع الله في إرسال المطر، وتفصيل أصناف الحيوان، وحثّت على التوبة والإنابة، وبذلك أخذت بيد الإنسان، إلى الطريق الصحيح، ورفعت عنه عوامل الإحباط والانتكاس، وبيّنت أن الله مطّلع على كل شيء فقد ختمت بهذه الآية أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) .

стр. 1458

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النور» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة النور بعد سورة الحشر، ونزلت سورة الحشر بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة النور في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في الآية ٣٥ منها: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وتبلغ آياتها أربعا وستين آية. الغرض منها وترتيبها غرض هذه السورة بيان بعض الأحكام العملية، التي تتعلق بحفظ الفروج والأعراض، كحكم الزنا والقذف والنظر، وغيره من الأحكام الآتية فيها، وقد جاء فيها، من الاستطراد، ما قصد به تنويع أسلوبها، على عادة القرآن، إذا أخذ في بيان هذه الأحكام. وقد ذكرت هذه السورة بعد السورة السابقة، لأنها ابتدئت بذكر بعض أحكام الإيمان العملية، على سبيل الإجمال، وكان من ضمنها حفظ الفروج إلا على الأزواج أو نحوهم فجاءت هذه السورة بعدها، لتفصيل الأحكام المتعلّقة بحفظ الفروج والأعراض. حكم الزّنا الآيات [١- ٣] قال الله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها

стр. 1459

وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) فبيّن أنه أنزل هذه السورة وقدّر فيها ما قدر من الحدود والأحكام. وهذه الآية فيها براعة مطلع للغرض من السورة ثم ذكر تعالى حدّ الزنا، من جلد كل من الزاني والزانية مائة جلدة، وحرّم زواج الزاني على المؤمنة العفيفة، وزواج الزانية على المؤمن العفيف. حكم القذف الآيات [٤- ٢٦] ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) فذكر حدّ القذف، وهو ثمانون جلدة، ثم ذكر أن من يقذفون أزواجهم بالزنا، وليس لديهم أربعة شهداء على زناهنّ، يلاعن كلّ منهم الاخر، فيدرأ لعانه حدّ القذف عنه، ويدرأ لعانها حدّ الزنا عنها، وهذا من فضله تعالى ورحمته بهما. ثم ذكر، سبحانه، أنّ حديث الإفك كان شرا كبيرا، وأوعد الذي تولّى كبره بعذاب عظيم يوم القيامة، ولام من استمعه من المؤمنين ولم يزجر من قاله، ثم وعظهم ألّا يعودوا إلى مثله إن كانوا مؤمنين، وأنذر الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، بعذاب أليم في الدنيا والاخرة، ونهاهم عن اتّباع خطوات الشيطان، لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر وذكر لهم سبحانه، أنه، لولا فضله عليهم، لأوقعهم الشيطان في هتك أعراضهم، فلا يزكو أحد منهم أبدا ثم أمرهم أن يعاملوا القاذفين بعد إقامة الحدّ عليهم بالعفو والصفح، فمن كان منهم فقيرا أو كانت له قرابة بالمقذوف وأهله، فليمضوا في الإحسان إليه، ولا يقطعوه عنه ثم عاد إلى إنذار من يقذف المحصنات الغافلات، باللعن في الدنيا والاخرة، وبعذاب عظيم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، بما كانوا يعملون، ثم ختم ذلك بدليل قاطع في براءة أم المؤمنين عائشة ﵂، وهو أن الخبيثات يكنّ أزواجا للخبيثين والعكس أيضا يكون، والطيبات يكن أزواجا للطيبين والعكس أيضا يكون، ولو كانت عائشة خبيثة ما اختيرت زوجا للنبي (ص) .

стр. 1460

حكم دخول البيوت الآيات [٢٧- ٢٩] ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فنهاهم عن دخول بيوت غير بيوتهم، إلّا بعد الاستعلام والسلام على أهلها، وأباح لهم أن يدخلوا البيوت التي لا تتّخذ للسكنى، من غير استئذان، إذا كان فيها متاع لهم. حكم النظر الآيتان [٣٠- ٣١] ثم قال تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) ، فأمر الرجال بغضّ البصر عن النساء، وحفظ فروجهم وأمر النساء بغض البصر عن الرجال، وحفظ فروجهن ونهاهنّ أن يظهرن زينتهن إلا ما ظهر منها وأمرهنّ أن يضربن بخمرهن على جيوبهنّ ونهاهنّ أن يظهرن زينتهنّ إلا لبعولتهنّ، أو غيرهم ممن ذكرهم سبحانه، وأن يضربن بأرجلهنّ ليعلم ما يخفين من زينتهنّ. أحكام أخرى الآيات [٣٢- ٥٧] ثم قال تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) فأمرهم بإنكاح من تأيّم منهم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح للنكاح من الغلمان والجواري وأمر من لا يجد مهرا، أن يصون نفسه حتى يغنيه وأمر بمكاتبة الأرقاء إن علموا فيهم خيرا ونهاهم عمّا كانوا يفعلونه من إكراه فتياتهم على البغاء. ثم التفت السياق إلى التنويه بشأن القرآن، الذي نزل بمثل تلك الأحكام، بجعله نورا من الله تعالى أضاء به السماوات والأرض وذكر جلّ وعلا أنّ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح موضوع في زجاجة، كأنها كوكب درّيّ، يوقد من زيتونة، يكاد زيتها يضيء، ولو لم تمسسه نار وذكر أنه يهدي لهذا النور من يشاء، من رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكره ثم ضرب مثلا لظلمة الكفر به، فذكر أنه كسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، أو

стр. 1461

كظلمات في بحر لجّي، يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب إلخ. ثم أتبع ذلك، بذكر بعض الآيات الكونية، التي تدلّ على صدق ما يدعو إليه من الإيمان به، فذكر سبحانه أنه يخضع له من في السماوات والأرض وما بينهما، إلى غير هذا ممّا ذكره من تلك الآيات. ثم ذكر من ذلك الكفر أشدّه ظلمة، وهو النفاق الذي يصير بأهله إلى إظهار الإيمان والطاعة، فإذا دعوا إلى الله ورسوله، ليحكم بينهم أعرضوا عنه، إن لم يكن لهم الحق، وإن كان لهم الحق أتوا إليه مذعنين ثم ذكر أنهم يقسمون به، لئن أمرهم بالخروج إلى القتال ليخرجنّ إليه ونهاهم عن ذلك، لأن المطلوب منهم طاعة معروفة، لا أيمان كاذبة ثم أمر الرسول (ص) أن يأمرهم بتلك الطاعة، فإن أعرضوا بعد ذلك، فقد أدّى رسالته، وليس عليه إلا أن يؤدّيها لهم ثم وعد من يطيعه، أن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الطائعين قبلهم وأمرهم أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويطيعوا الرسول (ص) في كل ما يأمرهم به ونهاه أن يظنّ أن أولئك الكفار يعجزونه عن إدراكهم، ليحقّق وعده لمن آمن به: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) . حكم دخول البيوت للغلمان ونحوهم الآيات [٥٨- ٦١] ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ [الآية ٥٨] فأباح لمن ملكت أيمانهم، ومن لم يبلغ منهم أن يدخلوا عليهم بغير إذن إلا في ثلاثة أوقات: الوقت الذي يكون قبل صلاة الفجر، ووقت الظهيرة الذي يضعون فيه ثيابهم، والوقت الذي يكون بعد صلاة العشاء، فلا يدخلون عليهم فيها إلّا بإذن ثم ذكر سبحانه، أنه لا حرج على من انقطعت الرغبة في نكاحهن، لكبرهنّ، أن يضعن خمرهنّ عن رؤوسهن، ولكنّ التستّر خير لهن وذكر جلّ شأنه، أنه لا حرج على الأعمى، والأعرج، والمريض، في دخول البيوت، والأكل منها لحاجتهم، ولا حرج عليهم أن يأكلوا من بيوت أزواجهم، أو بيوت آبائهم، أو نحوهم

стр. 1462

ممّن ذكرهم ثم أمرهم إذا دخلوا بيوتا أن يسلّموا على أهلها: تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) حكم الاجتماع في بيوت الندوة الآيات [٦٢- ٦٤] ثم قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [الآية ٦٢] . فذكر أنه، إذا اجتمع النبيّ (ص) والمؤمنون، للتشاور في أمر يهمهم، لم يجز لهم أن يخرجوا حتى يستأذنوه، وأمره إذا استأذنوه في الخروج لبعض شأنهم، أن يأذن لمن يرى له عذرا منهم، ثم نهاهم أن يتخلّفوا عن دعوته إذا دعاهم للتشاور في أمر من الأمور، وحذّر الذين لا يجيبون دعوته أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم: أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) .

стр. 1463

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النّور» «١» أقول: وجه اتصالها بسورة «قد أفلح» ، أي سورة «المؤمنون» : أنه لما قال تعالى في الآية الخامسة منها: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) ، ذكر في هذه أحكام من لم يحفظ فرجه، من الزانية والزاني، وما اتّصل بذلك من شأن القذف، وقصّة الإفك، والأمر بغضّ البصر «٢» ، وأمر فيها بالنكاح حفظا للفروج، وأمر من لم يقدر على النكاح بالاستعفاف، وحفظ فرجه، ونهى عن إكراه الفتيات على الزنا «٣» . ولا ارتباط أحسن من هذا الارتباط، ولا تناسق أبدع من هذا النسق.

стр. 1464

المبحث الرابع مكنونات سورة «النور» «١» ١- الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ [الآية ١١] . حسّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، وعبد الله بن أبيّ وهو الذي تولى كبره. كما أخرجه الشيخان «٢» وغير هما.

стр. 1465

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النور» «١» ١- وقال تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) . «كبره» قرئ بضم الكاف وكسرها، وكبر الشيء عظمه، أي: والذي تحمّل معظم الشر في حديث الإفك هو عبد الله بن أبيّ، رأس النفاق مع جماعته أقول: والكبر بالكسر على أنه العظم والمعظم من باب ما جاء على «فعل» بكسر الفاء من الأسماء الثلاثية، كالذّبح والنّقض والمسخ وغير ذلك. ٢- وقال تعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) . وقوله تعالى: سُبْحانَكَ للتعجب من عظم الأمر. أقول: إن «سبحان» ، مصدر أفاد التعجب في هذه الآية، كما أفاد معاني أخرى في غيرها. وقولنا: «سبحان الله» معناه: تنزيها لله من الصحابة والولد، وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل مالا ينبغي له أن يوصف به. وقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء/ الآية الأولى] . معناه: أسبّح الله تسبيحا. أقول: فما معنى قول بعض النحويين إنه اسم فعل مضارع؟ لعلهم لم يذهبوا إلى هذا إلّا بسبب تفسير هم له، أي: أنه بمعنى أسبّح. ولعل تفسير هم بالمصدر جرّأهم على ذلك. ٣- وقال تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ [الآية ١٧] .

стр. 1466

والمعنى: كراهة أن تعودوا لمثله. وحذف المصدر هذا المبيّن للسبب والعلة كثير في القرآن، وقد مرّ بنا شيء منه. ٤- وقال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [الآية ٢١] . أقول: قوله تعالى أَبَداً، أي: إلى الأبد، وهو الزمن الدائم المتصل، ونصبه على الظرفية. وذكر الظرف هنا أفاد تأبيد النفي ب «ما» . وقد ورثنا هذا الأسلوب في النفي في عربيتنا المعاصرة حتى كأن (أبدا) في استعمال المعاصرين شيء من حواشي النفي وضروراته. وكما ترد «أبدا» في حشو النفي لإرادة التأبيد، ترد أيضا في الإثبات فيقال مثلا: أشتاقه أبدا. ٥- وقال تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [الآية ٣١] . الجيوب: جمع جيب، والجيب جيب القميص والدرع. وجيّبت القميص: قوّرت جيبه. أقول: والجيب له دلالة جديدة في عصرنا، واستعماله، بهذا المعنى الجديد، ربّما عرف قبل عصرنا هذا. ٦- وقال تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ [الآية ٣١] . الطفل: اسم جمع ويكون للواحد. وانظر [الحج: ٥] . ٧- وقال تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [الآية ٣٢] . أقول: الأيامى: جمع أيّم، رجلا كان أو امرأة، وقد آم الرجل وآمت المرأة: إذا لم يتزوّجا، بكرين كانا أو ثيّبين. والمراد أنكحوا من تأيّم منكم من الأحرار والحرائر، والخطاب للمذكر على وجه التغليب. ٨- وقال تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً [الآية ٣٣] . وقوله تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ أي: وليجتهد في العفّة وظلف النفس، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه. وهذا من فوائد زيادة الهمزة والسين والتاء في الفعل.

стр. 1467

٩- وقال تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [الآية ٣٥] . أقول: وينبغي أن ننظر إلى هذا الاستعمال البليغ في معناه الرشيق في خفة لفظه، ألا ترى أننا نقول في مثل هذا في العربية المعاصرة: ... حتى ولو لم يكن له حاجة، أو نقول: حتى وإن لم تكن له حاجة ... ١٠- وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [الآية ٣٩] . والقيعة: بمعنى القاع، ولعلها جمع القاع، وهو المنبسط المستوي من الأرض وهي مثل جيرة في جار. أقول: وهذا الجمع في «قاع» من الجموع العزيزة: ذلك أن المشهور المعروف في جمعها: «قيعان» . ١١- وقال تعالى: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [الآية ٤٣] . وقوله تعالى: مِنْ خِلالِهِ الخلال: جمع خلل مثل جبال وجبل. وقرئ: من خلله. وقد جرّت «خلال» ب «من» لبيان الخروج وبدايته. ولتضمن «الخلل» ، و «الخلال» معنى المكانية، قربت «خلال» من الظرفية التي تقوّى بالحرف «في» فيقال: ومرّ في خلال أو من خلال ذلك، مثلا. وقد شاع هذا الاستعمال الذي يومئ إلى الظرفية فاستغني عن الخافض، فصار المعربون يقولون: «حدث خلال ذلك» ، أي: «في خلال» . وقد جدّ في هذا الاستعمال المعاصر، شيء آخر، وهو أن الكلمة قد اتّسع فيها، فدلّت على الظرفية الزمانية، بعد أن كانت تفيد المكان، على أن المعاصرين ربما استعملوها للمكان أيضا، فقالوا مثلا: يجري الماء في خلال الشجر، أو من خلاله. ومثل «خلال» هذه، كلمة «أثناء» ، وهي جمع «ثني» ، وهو اسم يعني ما يثنى من أشياء مختلفة. وليس في «ثني» ولا في «أثناء» ما يفيد الظرفية الزمانية، ولكن هذه الظرفية استفيدت من استعمال الأداة «في» كقولنا: حدث في أثناء ذلك كيت وكيت. وعلى عادة المعربين في كل العصور، يميلون إلى الإيجاز والتخفيف ممّا هو قد عرف واشتهر، فيقولون: حدث أثناء ذلك كيت وكيت، فهم يسقطون الأداة «في» إيجازا لمعرفتها. ومثل هاتين الكلمتين في إفادة

стр. 1468

الظرفية «خلال، أثناء» قولهم: «غضون» والغضون: جمع «غضن» ، وهو ما تغضّن، أي: تكسّر في الجلد والثوب ونحوهما. وكما قلنا: في كلمة «أثناء» ، نقول: في هذه الكلمة، أي: أنها لا تدل على الظرفية الزمانية، إلا بعد استعمال الأداة «في» ، فنقول: وحدث في غضون ذلك، والمراد: وحدث في أثناء ذلك أو في خلال ذلك. وقد نبّه أهل التصحيح، للخطأ اللغوي، فقالوا بخطإ قولهم: حدث خلال أو أثناء، والصحيح عندهم استعمال الأداة «في» قبلهما للدلالة على الظرفية. والذي أراه: أن الكلمة أو التركيب «في خلال» ، «وفي أثناء» ، لما شاع فيها الدلالة على الظرف، وعرف حتى غلب على الدلالة في الأصل، جاز أن يستعمل ظرفين من غير أن يسبقا ب «في» ، التماسا للإيجاز. وبعد، ألم نقل: دخل فلان الدار، والأصل: دخل فيها؟ «١» . ١٢- وقال تعالى: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) . أقول: في قوله تعالى: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) ، جاءت «إذا» التي تفيد الفجاءة، ويتلوها جملة اسمية وهذا هو الأسلوب، الذي جرت عليه لغة التنزيل، فأمّا قول المعربين في عصرنا وقبله، بعدة قرون مثلا: خرجت فإذا بي أمام حادثة مروّعة، فهو أسلوب آخر غير ما جاء في فصيح العربية، وأولها لغة التنزيل فقد جرّ الاسم بعدها بالباء، وقالوا في هذه الباء انها زائدة، والتقدير: فإذا أنا أمام ... ومثل هذه الآية قوله تعالى:

стр. 1469

إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [يس] . ١٣- وقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [الآية ٥٣] . وقد مرّ بنا مثل هذه الآية في [المائدة ٥٣] ، وفي [الأنعام: ١٠٩] . وفي [النحل: ٣٨] . وهي مفيدة أنهم بالغوا في اليمين وبلغوا الغاية.

стр. 1470

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «النور» «١» قال تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً [الآية ١٧] فهذه ممّا يوصل باللام تقول: «إن عدت لمثله فإنّك ظالم» . وقال سبحانه: مِنْ عِبادِكُمْ [الآية ٣٢] أي «من عبيدكم» ، كما تقول: «هم عباد الله» و «عبيد الله» . وقال تعالى: كَمِشْكاةٍ [الآية ٣٥] أي: كمثل مشكاة. قال سبحانه: كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [الآية ٣٥] ، بجعله من «الدّر» و (دريء) من «درأ» بالهمز وبجعلها «فعّيل» ، وذلك من تلألئه. وأمّا مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ [الآية ٣٥] ، فالمصباح، في المعنى، أن مثل ما أنار من الحق في بيانه، كمثل المشكاة. ليس لله مثل ﵎. وقال تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا [الآية ٣١] بجعل (الطفل) جماعة، كما قال سبحانه: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥] .

стр. 1471

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النور» «١» فإن قيل: لم قدّمت المرأة في آية حد الزنا، وقدّم الرجل في حدّ السرقة؟ قلنا: لأن الزنا، إنما يتولّد من شهوة الوقاع، وشهوة المرأة أقوى وأكثر والسّرقة إنما تتولد من الجسارة والجراءة والقوة، وذلك في الرجل أكثر وأقوى. فإن قيل: لم قدّم الرجل في قوله تعالى الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [الآية ٣] ؟ قلنا: لأن الآية الأولى سبقت لعقوبتهما على ما جنيا والمرأة هي الأصل في تلك الجناية، لما ذكرنا. والآية الثانية سبقت لذكر النكاح، والرجل هو الأصل فيه عرفا، لأنه هو الراغب والخاطب والبادئ بالطلب بخلاف الزنا، فإن الأمر فيه بالعكس غالبا. فإن قيل: لم قال تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [الآية ٣] أي لا يتزوج وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [الآية ٣] ونحن نرى الزاني ينكح العفيفة والمسلمة، والزانية ينكحها العفيف والمسلم؟ قلنا: قال عكرمة نزلت هذه الآية في بغايا موسرات كنّ بمكة، وكان لا يدخل عليهن إلا زان من أهل القبلة، أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد جماعة من فقراء المهاجرين أن ينكحوهن، فنزلت هذه الآية زجرا لهم عن ذلك.

стр. 1472

فإن قيل: ما الحكمة في دخول «من» في غض البصر، دون حفظ الفرج في قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [الآية ٣٠] ؟ قلنا: الحكمة فيه الدلالة على أن أمر النظر أوسع من أمر الفرج، ولهذا يحل النظر في ذوات المحارم، والإماء المستعرضات، إلى عدّة من أعضائهن، ولا يحل شيء من فروجهن. فإن قيل: ما حكمة ترك الله تعالى ذكر الأعمام والأخوال في قوله سبحانه وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [الآية ٣١] يعني الزينة الخفيّة إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [الآية ٣١] ، وهم من المحارم، وحكمهم حكم من استثني في الآية؟ قلنا: سئل الشعبي عن ذلك فقال: لئلا يصفها العمّ لابنه، وهو ليس بمحرم لها، وكذا الخال فيفضي إلى الفتنة والمعنى فيه أنّ كلّ من استثني يشترك، هو وابنه في المحرمية، إلا العم والخال، وهذا من الدّلالة البليغة على وجوب الاحتياط في سترهن. ولقائل أن يقول: هذه المفسدة محتملة في آباء بعولتهن، لاحتمال أن يذكرها أبو البعل عند ابنه الاخر، وهو ليس بمحرم لها وأبو البعل أيضا نقض على قولهم: إن كل من استثني يشترك هو وابنه في المحرمية. فإن قيل: لم قال تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [الآية ٣٣] مع أن إكراههن على الزنا حرام في كل حال؟ قلنا: لأن سبب نزول الآية، أنهم في الجاهلية كانوا يكرهون إماءهم على الزنا، مع إرادتهن التحصّن، فورد النهي على السبب، وإن لم يكن شرطا فيه. الثاني أنه تعالى إنما شرط إرادة التحصّن، لأنّ الإكراه لا يتصوّر إلا عند إرادة التحصّن، لأنّ الأمة، إذا لم ترد التحصّن، فإنها تزني بالطبع، لأن رغبتها في الجماع مستمرة في جميع الأحوال طبعا، ولا بدّ له من أحد الطريقين. الثالث أن «إن» ، بمعنى «إذ» ، كما في قوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٧٨) [البقرة] وقوله تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٤٩) [آل عمران] . الرابع: أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره: وأنكحوا الأيامى منكم، الصالحين من عبادكم وإمائكم، إن أردن تحصّنا،

стр. 1473

ويبقى قوله تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [الآية ٣٣] مطلقا غير معلق. فإن قيل: لم مثّل الله تعالى نوره، أي معرفته وهداه في قلب المؤمن، بنور المصباح، في قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ [الآية ٣٥] ولم يمثّله بنور الشمس، مع أن نورها أتم وأكمل؟ قلنا: المراد تمثيل النور في القلب، والقلب في الصدر، والصدر في البدن بالمصباح: وهو الضوء أو الفتيلة في الزجاجة، والزجاجة في الكوّة التي لا منفذ لها، وهذا التمثيل لا يستقيم إلا في ما ذكر. الثاني: أن نور المعرفة له آلات، يتوقّف على اجتماعها، كالذهن والفهم والعقل واليقظة وانشراح القلب، وغير ذلك من الخصال الحميدة كما أن نور القنديل يتوقف على اجتماع القنديل والزيت والفتيلة، وغير ذلك. الثالث: أنّ نور الشمس يشرق متوجها إلى العالم السفلي، لا إلى العالم العلوي ونور المعرفة يشرق متوجها إلى العالم العلوي، كنور المصباح. الرابع: أن نور الشمس لا يشرق إلا بالنهار، ونور المعرفة يشرق بالليل والنهار، كنور المصباح. الخامس: أن نور الشمس يعمّ جميع الخلائق، ونور المعرفة لا يصل إليه إلا بعضهم، كنور المصباح الموصوف. فإن قيل: إنه تعالى لم يمثله بنور الشمس لما ذكرتم، فكيف لم يمثله بنور الشمع، مع أنّه أتم وأكمل وأشرق، من نور المصباح؟ قلنا: إنما لم يمثله بنور الشمع، لأن في الشمع غشا لا محالة، بخلاف الزيت الموصوف، ولو مثله تعالى بنور الشمع، لتطاول المنافق المغشوش، إلى استحقاق نصيب في المعرفة. الثاني: أنه تعالى، إنما لم يمثله بنور الشمع، لأنه مخصوص بالأغنياء، بخلاف نور المعرفة فإنه في الفقراء أغلب. فإن قيل: التجارة تشمل الشراء والبيع، فما الحكمة في عطف البيع عليها في قوله تعالى: لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الآية ٣٧] ؟ قلنا: التجارة هي الشراء والبيع، الذي يكون صناعة للإنسان مقصودا به الربح، وهو حرفة الشخص الذي يسمّى تاجرا، والبيع أعمّ من ذلك وقيل: المراد بالتجارة هنا، مبادلة الاخرة بالدنيا، كما في قوله تعالى:

стр. 1474

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦] والمراد بالبيع مبادلة الدين بالدنيا، كما في قوله تعالى فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة ٩] . وقيل إنما عطف سبحانه البيع على التجارة، لأنه أراد بالتجارة الشراء، إطلاقا لاسم الجنس على النوع. وقيل: إنما عطف عليها للتخصيص والتمييز، من حيث أنه أبلغ في الإلهاء لأن البيع الرابح يعقبه حصول الربح، بخلاف الشراء الرابح، فإن الربح فيه مظنون، مع كونه مترقّبا منتظرا. وقيل: التجارة مخصوصة بأهل الجلب، بخلاف البيع. فإن قيل: لم قال الله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [الآية ٤٥] ، وبعض الدواب ليس مخلوقا من الماء، كآدم ﵇، وناقة صالح وغير هما؟ قلنا: المراد بهذا الماء: الماء الذي هو أصل جميع المخلوقات، وذلك أن الله تعالى- على حدّ قول بعضهم- خلق قبل خلق الإنسان جوهرة، ونظر إليها نظر هيبة، فاستحالت ماء، فخلق من ذلك الماء جميع الموجودات وقد سبق مثل هذا السؤال في قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: ٣٠] . فإن قيل: إذا كان الجواب هذا، فما الحكمة في تخصيص الدّابة بالذكر، أو تخصيص الشيء الحيّ؟ قلنا: إنّما خصّت الدّابة بالذكر، لأنّ القدرة فيها أظهر وأعجب منها في الجماد وغيره. فإن قيل: لم قال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [الآية ٤٥] وقال أيضا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [الآية ٤٥] وهي مما لا يعقل؟ قلنا: لمّا كان اسم الدابة، يتناول المميّز وغيره، غلب المميّز على غيره، وأجري عليه لفظه. فإن قيل: لم قال تعالى: مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [الآية ٤٥] وذلك إنّما يسمى زحفا لا مشيا، فلا يسمّى مشيا إلّا ما كان بالقوائم؟ قلنا: هو مجاز بطريق المشابهة، كما يقال: مشى هذا الأمر، وفلان لا يتمشّى له أمر، وفلان ما مشي له الحال. فإن قيل: لم أمر الله تعالى

стр. 1475

بالاستئذان، للأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، بقوله تعالى: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [الآية ٥٨] أي من الأحرار؟ قلنا: هو في المعنى، أمر للآباء والأمهات، بتأديب الأطفال وتهذيبهم، وليس أمر للأطفال. فإن قيل: لم أباح تعالى، للقواعد من النساء، وهن العجائز، التجرّد من الثياب، بحضرة الرجال، بقوله تعالى: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ [الآية ٦٠] . قلنا: المراد بالثياب هنا، الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار، لا جميع الثياب، وقوله تعالى غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ [الآية ٦٠] أي غير قاصدات بوضع الثياب، الثياب الظاهرة، إظهار زينتهن ومحاسنهن، بل التخفيف ثم أعقبه بأن التعفّف بترك الوضع خير لهن. فإن قيل: لم قال تعالى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ [الآية ٦١] مع أن انتفاء الحرج عن أكل الإنسان من بيته معلوم، لا شك فيه ولا شبهة؟ قلنا: المراد بقوله تعالى مِنْ بُيُوتِكُمْ أي من بيوت أولادكم، لأنّ ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه، فلهذا عبّر عنه به، وفي الحديث: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» ويؤيد ذلك أنه تعالى قد ذكر بيوت جميع الأقارب، ولم يذكر بيوت الأولاد. وقيل المراد بقوله تعالى: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي من مال أولادكم، وأزواجكم الذين هم في بيوتكم، ومن جملة عيالكم. وقيل المراد بقوله تعالى: مِنْ بُيُوتِكُمْ البيوت التي يسكنونها، وهم فيها عيال لغيرهم، كبيت ولد الرجل وزوجته وخادمه، ونحو ذلك. فإن قيل: معنى السلام هو السلامة والأمن، فإذا قال الرجل لغيره: السلام عليك، كان معناه سلمت مني وأمنت، فما معنى قوله تعالى فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [الآية ٦١] ؟ قلنا: المراد به فإذا دخلتم بيوتكم، فسلّموا على أهلكم وعيالكم. وقيل معناه إذا دخلتم المساجد، أو بيوتا ليس فيها أحد، فقولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، يعني من ربّنا. فإن قيل: لم قال الله تعالى
следующие страницы →