المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النور» «١»
فإن قيل: لم قدّمت المرأة في آية حد الزنا، وقدّم الرجل في حدّ السرقة؟
قلنا: لأن الزنا، إنما يتولّد من شهوة الوقاع، وشهوة المرأة أقوى وأكثر والسّرقة إنما تتولد من الجسارة والجراءة والقوة، وذلك في الرجل أكثر وأقوى.
فإن قيل: لم قدّم الرجل في قوله تعالى الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [الآية ٣] ؟
قلنا: لأن الآية الأولى سبقت لعقوبتهما على ما جنيا والمرأة هي الأصل في تلك الجناية، لما ذكرنا.
والآية الثانية سبقت لذكر النكاح، والرجل هو الأصل فيه عرفا، لأنه هو الراغب والخاطب والبادئ بالطلب بخلاف الزنا، فإن الأمر فيه بالعكس غالبا.
فإن قيل: لم قال تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [الآية ٣] أي لا يتزوج وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [الآية ٣] ونحن نرى الزاني ينكح العفيفة والمسلمة، والزانية ينكحها العفيف والمسلم؟
قلنا: قال عكرمة نزلت هذه الآية في بغايا موسرات كنّ بمكة، وكان لا يدخل عليهن إلا زان من أهل القبلة، أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد جماعة من فقراء المهاجرين أن ينكحوهن، فنزلت هذه الآية زجرا لهم عن ذلك.
стр. 1472
فإن قيل: ما الحكمة في دخول «من» في غض البصر، دون حفظ الفرج في قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [الآية ٣٠] ؟
قلنا: الحكمة فيه الدلالة على أن أمر النظر أوسع من أمر الفرج، ولهذا يحل النظر في ذوات المحارم، والإماء المستعرضات، إلى عدّة من أعضائهن، ولا يحل شيء من فروجهن.
فإن قيل: ما حكمة ترك الله تعالى ذكر الأعمام والأخوال في قوله سبحانه وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [الآية ٣١] يعني الزينة الخفيّة إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [الآية ٣١] ، وهم من المحارم، وحكمهم حكم من استثني في الآية؟
قلنا: سئل الشعبي عن ذلك فقال:
لئلا يصفها العمّ لابنه، وهو ليس بمحرم لها، وكذا الخال فيفضي إلى الفتنة والمعنى فيه أنّ كلّ من استثني يشترك، هو وابنه في المحرمية، إلا العم والخال، وهذا من الدّلالة البليغة على وجوب الاحتياط في سترهن.
ولقائل أن يقول: هذه المفسدة محتملة في آباء بعولتهن، لاحتمال أن يذكرها أبو البعل عند ابنه الاخر، وهو ليس بمحرم لها وأبو البعل أيضا نقض على قولهم: إن كل من استثني يشترك هو وابنه في المحرمية.
فإن قيل: لم قال تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [الآية ٣٣] مع أن إكراههن على الزنا حرام في كل حال؟
قلنا: لأن سبب نزول الآية، أنهم في الجاهلية كانوا يكرهون إماءهم على الزنا، مع إرادتهن التحصّن، فورد النهي على السبب، وإن لم يكن شرطا فيه. الثاني أنه تعالى إنما شرط إرادة التحصّن، لأنّ الإكراه لا يتصوّر إلا عند إرادة التحصّن، لأنّ الأمة، إذا لم ترد التحصّن، فإنها تزني بالطبع، لأن رغبتها في الجماع مستمرة في جميع الأحوال طبعا، ولا بدّ له من أحد الطريقين. الثالث أن «إن» ، بمعنى «إذ» ، كما في قوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٧٨) [البقرة] وقوله تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٤٩) [آل عمران] . الرابع:
أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره:
وأنكحوا الأيامى منكم، الصالحين من عبادكم وإمائكم، إن أردن تحصّنا،
стр. 1473
ويبقى قوله تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [الآية ٣٣] مطلقا غير معلق.
فإن قيل: لم مثّل الله تعالى نوره، أي معرفته وهداه في قلب المؤمن، بنور المصباح، في قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ [الآية ٣٥] ولم يمثّله بنور الشمس، مع أن نورها أتم وأكمل؟
قلنا: المراد تمثيل النور في القلب، والقلب في الصدر، والصدر في البدن بالمصباح: وهو الضوء أو الفتيلة في الزجاجة، والزجاجة في الكوّة التي لا منفذ لها، وهذا التمثيل لا يستقيم إلا في ما ذكر. الثاني: أن نور المعرفة له آلات، يتوقّف على اجتماعها، كالذهن والفهم والعقل واليقظة وانشراح القلب، وغير ذلك من الخصال الحميدة كما أن نور القنديل يتوقف على اجتماع القنديل والزيت والفتيلة، وغير ذلك. الثالث: أنّ نور الشمس يشرق متوجها إلى العالم السفلي، لا إلى العالم العلوي ونور المعرفة يشرق متوجها إلى العالم العلوي، كنور المصباح. الرابع: أن نور الشمس لا يشرق إلا بالنهار، ونور المعرفة يشرق بالليل والنهار، كنور المصباح. الخامس: أن نور الشمس يعمّ جميع الخلائق، ونور المعرفة لا يصل إليه إلا بعضهم، كنور المصباح الموصوف.
فإن قيل: إنه تعالى لم يمثله بنور الشمس لما ذكرتم، فكيف لم يمثله بنور الشمع، مع أنّه أتم وأكمل وأشرق، من نور المصباح؟
قلنا: إنما لم يمثله بنور الشمع، لأن في الشمع غشا لا محالة، بخلاف الزيت الموصوف، ولو مثله تعالى بنور الشمع، لتطاول المنافق المغشوش، إلى استحقاق نصيب في المعرفة.
الثاني: أنه تعالى، إنما لم يمثله بنور الشمع، لأنه مخصوص بالأغنياء، بخلاف نور المعرفة فإنه في الفقراء أغلب.
فإن قيل: التجارة تشمل الشراء والبيع، فما الحكمة في عطف البيع عليها في قوله تعالى: لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الآية ٣٧] ؟
قلنا: التجارة هي الشراء والبيع، الذي يكون صناعة للإنسان مقصودا به الربح، وهو حرفة الشخص الذي يسمّى تاجرا، والبيع أعمّ من ذلك وقيل: المراد بالتجارة هنا، مبادلة الاخرة بالدنيا، كما في قوله تعالى:
стр. 1474
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦] والمراد بالبيع مبادلة الدين بالدنيا، كما في قوله تعالى فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة ٩] . وقيل إنما عطف سبحانه البيع على التجارة، لأنه أراد بالتجارة الشراء، إطلاقا لاسم الجنس على النوع. وقيل: إنما عطف عليها للتخصيص والتمييز، من حيث أنه أبلغ في الإلهاء لأن البيع الرابح يعقبه حصول الربح، بخلاف الشراء الرابح، فإن الربح فيه مظنون، مع كونه مترقّبا منتظرا. وقيل: التجارة مخصوصة بأهل الجلب، بخلاف البيع.
فإن قيل: لم قال الله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [الآية ٤٥] ، وبعض الدواب ليس مخلوقا من الماء، كآدم ﵇، وناقة صالح وغير هما؟
قلنا: المراد بهذا الماء: الماء الذي هو أصل جميع المخلوقات، وذلك أن الله تعالى- على حدّ قول بعضهم- خلق قبل خلق الإنسان جوهرة، ونظر إليها نظر هيبة، فاستحالت ماء، فخلق من ذلك الماء جميع الموجودات وقد سبق مثل هذا السؤال في قوله تعالى:
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: ٣٠] .
فإن قيل: إذا كان الجواب هذا، فما الحكمة في تخصيص الدّابة بالذكر، أو تخصيص الشيء الحيّ؟
قلنا: إنّما خصّت الدّابة بالذكر، لأنّ القدرة فيها أظهر وأعجب منها في الجماد وغيره.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [الآية ٤٥] وقال أيضا:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [الآية ٤٥] وهي مما لا يعقل؟
قلنا: لمّا كان اسم الدابة، يتناول المميّز وغيره، غلب المميّز على غيره، وأجري عليه لفظه.
فإن قيل: لم قال تعالى: مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [الآية ٤٥] وذلك إنّما يسمى زحفا لا مشيا، فلا يسمّى مشيا إلّا ما كان بالقوائم؟
قلنا: هو مجاز بطريق المشابهة، كما يقال: مشى هذا الأمر، وفلان لا يتمشّى له أمر، وفلان ما مشي له الحال.
فإن قيل: لم أمر الله تعالى
стр. 1475
بالاستئذان، للأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، بقوله تعالى: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [الآية ٥٨] أي من الأحرار؟
قلنا: هو في المعنى، أمر للآباء والأمهات، بتأديب الأطفال وتهذيبهم، وليس أمر للأطفال.
فإن قيل: لم أباح تعالى، للقواعد من النساء، وهن العجائز، التجرّد من الثياب، بحضرة الرجال، بقوله تعالى:
وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ [الآية ٦٠] .
قلنا: المراد بالثياب هنا، الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار، لا جميع الثياب، وقوله تعالى غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ [الآية ٦٠] أي غير قاصدات بوضع الثياب، الثياب الظاهرة، إظهار زينتهن ومحاسنهن، بل التخفيف ثم أعقبه بأن التعفّف بترك الوضع خير لهن.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ [الآية ٦١] مع أن انتفاء الحرج عن أكل الإنسان من بيته معلوم، لا شك فيه ولا شبهة؟
قلنا: المراد بقوله تعالى مِنْ بُيُوتِكُمْ أي من بيوت أولادكم، لأنّ ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه، فلهذا عبّر عنه به، وفي الحديث: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» ويؤيد ذلك أنه تعالى قد ذكر بيوت جميع الأقارب، ولم يذكر بيوت الأولاد.
وقيل المراد بقوله تعالى: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي من مال أولادكم، وأزواجكم الذين هم في بيوتكم، ومن جملة عيالكم. وقيل المراد بقوله تعالى: مِنْ بُيُوتِكُمْ البيوت التي يسكنونها، وهم فيها عيال لغيرهم، كبيت ولد الرجل وزوجته وخادمه، ونحو ذلك.
فإن قيل: معنى السلام هو السلامة والأمن، فإذا قال الرجل لغيره: السلام عليك، كان معناه سلمت مني وأمنت، فما معنى قوله تعالى فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [الآية ٦١] ؟
قلنا: المراد به فإذا دخلتم بيوتكم، فسلّموا على أهلكم وعيالكم. وقيل معناه إذا دخلتم المساجد، أو بيوتا ليس فيها أحد، فقولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، يعني من ربّنا.
فإن قيل: لم قال الله تعالى
стр. 1476
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [الآية ٦٣] ، وإنّما يقال خالف أمره؟
قلنا: «عن» زائدة كذا قاله الأخفش. الثاني: أن فيه إضمار تقديره: فليحذر الذين يخالفون الله تعالى، ويعرضون عن أمره أو ضمن المخالفة، معنى الأعراض، فعدّي تعديته.
стр. 1477
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النور» «١»
... وقوله سبحانه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) . وهذه استعارة على أحد التأويلات الثلاثة، وهو أنه سبحانه يجعل في الأيدي التي بسطت إلى المحظورات، والأرجل التي سعت إلى المحرمات، علامة تقوم مقام النطق المصرّح، واللسان المفصح، في الشهادة على أصحابها، والاعتراف بذنوبها.
فأما شهادة الألسنة، فقد قيل إن المراد بها إقرارهم على نفوسهم بما واقعوه من المعاصي، إذ علموا أن الكذب لا ينفعهم، والجحود لا يغني عنهم. وليس ذلك بمناقض لقوله سبحانه:
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) [يس] ، لأنّه قد قيل في ذلك: إنه جائز أن تخرج ألسنتهم من أفواههم، فتنطق بمجرّدها، من غير اتصال بجوزاتها ولهواتها. فيكون ذلك أعجب لها، وأبلغ في معنى شهادتها. ويختم في تلك الحال على أفواههم.
وقيل: يجوز أن يكون الختم على الأفواه، إنما هو في حال شهادة الأيدي والأرجل، بعد ما تقدّم من شهادة الألسن.
وأمّا التأويلان الآخران، في معنى شهادة الأيدي والأرجل، فالكلام
стр. 1478
يخرج بهما عن حدّ الاستعارة إلى الحقيقة. وذلك أنهم قالوا: إن الله سبحانه يبني الأيدي والأرجل، بنية تكون هي الناطقة بما تشهد به عليهم، من غير أن يكون النطق منسوبا إليهم.
وقوله سبحانه: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [الآية ٣١] وهذه استعارة.
والمراد بها: إسبال الخمر، التي هي المقانع على فرجات الجيوب، لأنها خصاصات «١» إلى الترائب والصدور، والثدي والشعور. وأصل الضرب من قولهم: ضربت الفسطاط إذا أقمته بإقامة أعماده، وضرب أوتاده. فاستعير هاهنا كناية عن التناهي في إسبال الخمر، وإضفاء الأزر.
وقوله سبحانه: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ٣٥] وهذه استعارة.
والمراد بذلك، عند بعض العلماء، أنه هادي أهل السماوات والأرض بصوادع برهانه، ونواصع بيانه، كما يهتدى بالأنوار الثاقبة، والشّهب اللامعة.
وقال بعضهم: المراد بذلك، والله أعلم، الله منوّر السماوات والأرض بمطالع نجومها، ومشارق أقمارها وشموسها.
وقوله سبحانه: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [الآية ٣٥] وهذه مبالغة في وصف الزيت بالصفاء والخلاصة، على طريق المجاز والاستعارة، حتى يقارب أن يضيء، من غير أن يتصل بنار، ويناط بذلك.
وقوله سبحانه: يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ [الآية ٣٧] وهذه استعارة.
والمراد بتقلّب القلوب هاهنا: تغيّر الأحوال عليها، من الخوف والرجاء، والسرور والغمّ، إشفاقا من العقاب، ورجاء للثواب. والأولى صفة أعداء الله، والأخرى صفة أولياء الله.
وأمّا تقلّب الأبصار، فالمراد به تكرير لحظ المؤمنين إلى مطالع الثواب، وتكرير لحظ الكافرين إلى مطالع العقاب.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) .
стр. 1479
قوله تعالى: وَوَجَدَ اللَّهَ استعارة ومجاز. والمعنى: فوجد وعيد الله سبحانه، عند انتهائه إلى منقطع عمله السيّئ، فكاله بصواعه، وجازاه بجزائه. وذلك يكون يوم المعاد، وعند انقطاع تكليف العباد.
وقد قيل أيضا: إنّ الضمير في قوله تعالى: عِنْدَهُ يعود إلى الكافر لا إلى عمله، فكأنّه تعالى قال: فوجد الله قريبا منه، أي وجد عقابه مرصدا له، فأخذه من كثب، وجازاه بما اكتسب.
وذلك كقول القائل: الله عند لسان كل قائل. أي يجازيه على قول الحق بالثواب، وعلى قول الباطل بالعقاب.
والقولان جميعا يؤولان إلى معنى واحد.
وقوله سبحانه: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ [الآية ٤٣] .
وهذه استعارة على بعض التأويلات.
لأنّ الجبال هاهنا، يراد بها السحاب الثّقال، تشبيها لها بكثائف أطوادها، ومشارف هضابها. ويكون الضمير في قوله سبحانه: مِنْ جِبالٍ فِيها عائدا على السماء، لا على الجبال. فكأنّ التقدير: وينزّل من جبال من السماء من برد، يريد من السحاب المشبّهة بالجبال. وتكون الفائدة في قوله تعالى: مِنْ جِبالٍ في السماء، تخصيص تلك الجبال من جبال الأرض لأنّا لو جعلنا الضمير الذي فيها عائدا على الجبال، أوهم أنها جبال تنزل إلى الأرض من السماء.
فإذا جعلنا الضمير عائدا إلى السماء أمن الالتباس، وكان في ذلك أيضا تعجّب لنا، من وصف جبال في السماء على طريق التشبيه لأنّ الجبال على الحقيقة لا تكون إلا في قرارات الأرض، وصفحات التّرب.
وقوله سبحانه: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [الآية ٤٤] وهذه استعارة.
والمراد بها طرد النهار بالليل، وطرد الليل بالنهار. فكنى عن ذلك سبحانه باسم التقليب. وليس المراد تقليب الأعيان «٢» ، بل تغاير الأزمان.
стр. 1480
سورة الفرقان
(٢٥)
стр. 1481
المبحث الأول أهداف سورة «الفرقان» «١»
سورة الفرقان سورة مكية نزلت بعد سورة يس، ونزلت سورة يس بعد سورة الجن. وكان نزول سورة الجن عند رجوع النبي (ص) من الطائف، وكان قد ذهب إليها سنة عشر من بعثته، فيكون نزول سورة الفرقان في السنة العاشرة من البعثة، وتكون من السور التي نزلت بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء. وهي فترة تميزت بقسوة مشركي مكة وعنفهم ورغبتهم في القضاء على الدعوة بكل سبيل، ولذلك تبدو سورة الفرقان وكأنها إيناس لرسول الله (ص) ، وتسرية له وتطمين وهو يواجه مشركي قريش، وعنادهم وتعنّتهم معه، وجدالهم بالباطل، ووقوفهم في وجه الهدى، وصدّهم عنه.
سورة تشد أزر الرسول
تنوّعت جوانب هذه السورة وتعددت لكنها، في جملتها، كانت مؤازرة لرسول الله، تمنحه الثقة والاطمئنان، وتفضح شبهات المشركين، وتدافع عن الدعوة والداعية بالعديد من السبل.
فهي، في لمحة منها، تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله، وكأنّما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا، ويفيض عليه بالرعاية واللطف والمودة.
стр. 1482
وهي، في لمحة، تصوّر المعركة العنيفة مع البشرية الضالّة الجاحدة، المشاقّة لله ورسوله، وتجادل في عنف، وتتعنت في عناد، وتجنح عن الهدى الواضح المبين.
إنها البشرية الضالّة التي تقول عن هذا القرآن العظيم، كما ورد في التنزيل:
إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الآية ٤] .
أو تقول:
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) .
والتي تقول عن محمد رسول الله:
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٨) .
أو تقول باستهزاء:
أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) .
وهذا التكذيب كان سمة الناس من عهد نوح (ص) إلى عهد محمد (ص) .
لقد اعترض القوم على بشرية الرسول (ص) ، واعترضوا على حظه من المال، فقالوا، كما ورد في التنزيل:
أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها [الآية ٨] .
واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن، فقالوا، كما ورد في التنزيل:
لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الآية ٣٢] .
وذلك فوق التكذيب والاستهزاء، والافتراء والإيذاء. وعند ما يئس النبي (ص) من أهل مكة توجه إلى الطائف وفيها قبائل ثقيف، وفيها نعمة وغنى وزراعة وأعناب حتى كان العرب يعتقدون أن طائفة من الجن نقلتها من اليمن السعيد إلى جنوب الحجاز.
ولمّا ذهب إلى الطائف، دعا أهلها للإسلام فردوه أسوأ رد، وأغروا به السفهاء والعبيد يرجمونه بالحجارة، حتى دميت قدماه الشريفتان وأغمي عليه، فلما أفاق مد يده لله داعيا متضرعا يقول:
«اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا ربّ العالمين أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو بعيد ملّكته أمري؟ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات
стр. 1483
وصلح عليه أمر الدنيا والاخرة أن ينزل بي سخطك، أو يحلّ عليّ غضبك، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، عافيتك هي أوسع لي، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» .
وقد نزلت سورة الفرقان في أعقاب رحلة الطائف، فكانت حنانا ورحمة من الله لنبيه، تمسح آلامه وتسرّي عنه، وتهوّن عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم، وسوء أدبهم وتطاولهم على من اختاره الله سبحانه، ليحمل رسالة الله إلى الناس وتعزّيه عن استهزائهم بتصوير المستوي الهابط الذي يتمرغون فيه:
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) .
ويتكفل القرآن بالعون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجّة:
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) .
ثم تعرض السورة أهوال القيامة ومشاهد المجرمين تهديدا ووعيدا: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) .
وتصف ندم هؤلاء الكفار يوم القيامة فتقول:
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) .
ثم تقدّم السورة مسيرة الأنبياء وجهادهم وبلاءهم، تسلية للرسول الأمين، ثم تحثّه على الصبر والمصابرة، وعلى جهاد الكفار بالحجة والبرهان:
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) .
وهكذا تمضي السورة: في جانب منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله، وفي جانب آخر مشاقّة وعنت من المشركين لرسول الله وتقدّم السورة جوانب القدرة الإلهية، وتصف عجائب صنع الله في مد الظلّ، وتسخير الشمس، وخلق الليل والنهار، والظلام والنور، وإنزال المطر وإنبات النبات، وخلق الإنسان والكواكب
стр. 1484
والبروج والأفلاك، وتتوعد المشركين بالعذاب والعقاب.
فإذا اقتربت السورة من نهايتها، وصفت عباد الرحمن بالتواضع، وقيام الليل، والاقتصاد في النفقة، والاحتراز من الشرك والزّنى، وقتل النفس وتذكر فضل التوبة ومنزلة التائبين عند الله، وتختم السورة بتصوير هوان البشرية على الله لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجئ إليه وتدعوه:
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧) .
موضوعات السورة
رغم أن الخط الأساسي لسورة الفرقان هو العناية بالرسول (ص) ، ومسح آلام الحزن عنه، وتثبيت قلبه، إلا انه يمكن أن نقسم هذه السورة إلى أربع فقرات أو أربعة موضوعات متمايزة:
الموضوع الأول:
بدأ الموضوع الأول من سورة الفرقان بتسبيح الله سبحانه وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا، وبتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض، المدبّر للكون بحكمة وتقدير، ونفي الولد والشريك. ثم شرع في ذكر ما أورده الكفار من شبه، فذكر شبهتهم الأولى:
إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الآية ٤] .
وردّ عليهم بأن ادّعاءهم ظلم وزور، لأنه تحداهم به فلم يمكنهم أن يأتوا بمثله.
ثم ذكر شبهتهم الثانية وهي زعمهم أن القرآن أساطير الأولين اكتتبها. ورد عليهم بأن الذي أنزله هو خالق الإنسان، وهو العليم بأسراره وما يناسبه.
ثم ذكر اعتراضهم على بشرية الرسول (ص) ، وحاجته للطعام والمشي في الأسواق، واقتراحهم أن ينزّل عليه ملك، أو يلقى اليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها.
ورد عليهم بأن الله لو شاء لجعل لنبيه في الاخرة جنّات وقصورا، خيرا مما ذكروه من نعم الدنيا.
وكان الرسل جميعهم قبل محمد (ص) يأكلون الطعام ويمشون
стр. 1485
في الأسواق، لأنهم بشر وذلك شأن البشر.
ويستغرق الموضوع الأول من أول السورة إلى الآية ٢٠ منها.
الموضوع الثاني:
بدأ الموضوع الثاني بذكر تطاول المشركين، وزعمهم بذكر تطاول المشركين، وزعمهم أنه كان يجب أن ينزل عليهم ملائكة تؤيد محمدا (ص) في دعواه، أو يروا ربّهم.
ثم عاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة لا تحمل البشرى، وإنما تحمل الإنذار والوعيد.
وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) .
ليكون في ذلك تسلية للرسول (ص) ، وهم يهجرون القرآن وهو يشكو لربه هذا الهجران.
ثم ذكر اعتراضهم على عدم نزول القرآن جملة واحدة، وردّ عليهم بأنه نزل مفرّقا لتثبيت قلب الرسول وللإجابة عن استفهام المستفهمين، وتوضيح الحق أمام السائلين.
ثم ذكر أنهم في الاخرة يمشون مقلوبين، وجوههم إلى تحت، وأرجلهم إلى فوق، فيضلّون في أخراهم كما ضلّوا في دنياهم.
ثم شرع في تأييد ذلك بتصوير عاقبة المكذّبين من قبلهم من قوم موسى وقوم نوح، وعاد وثمود، وأصحاب الرّسّ والقرون الكثيرة بين ذلك، ويعجب من أمرهم وهم يمرّون على قرية لوط المدمّرة، ولا يعتبرون.
فيهوّن، بذلك كله، من وقع تطاولهم على الرسول (ص) ، وقولهم كما ذكر القرآن الكريم حكاية على لسانهم:
أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) .
ثم عقّب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام بل دون ذلك: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) .
ويستغرق هذا الموضوع الآيات [٢١- ٤٤] .
الموضوع الثالث:
يبدأ الموضوع الثالث بعرض مظاهر القدرة الإلهية في نظام هذا الكون وإبداع صنعته ودقّة ناموسه، فيعرض مشهد الظل، ويستطرد إلى تعاقب الليل والنهار، والرياح المبشّرة بالماء المحيي، وخلقه البشر من الماء، ومع
стр. 1486
هذا فهم يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم، فينصرون الشيطان على ربهم الذي يريد أن يربّيهم ويهديهم، ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة الرحمن، وقد جعل الله الليل والنهار خلفة يخلف أحدهما الاخر، ويتعاقبان ليرى الإنسان الصباح المشرق والليل المظلم، فيتذكّر عظمة الله ويشكره، لكنهم لا يتذكّرون ولا يشكرون.
ويستغرق هذا الموضوع الآيات [٤٥- ٦٢] .
الموضوع الرابع:
يصف الموضوع الرابع عباد الرحمن الذين يسجدون له ويعبدونه ويسجل مقوّماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة، ويفتح باب التوبة على مصراعيه لمن يريد الإقبال على الله، ويصوّر جزاء المؤمنين الصابرين على تكاليف الإيمان والعبادة:
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) .
ويستغرق هذا الموضوع الآيات [٦٣- ٧٧] فتختم السورة ببيان هوان البشرية على الله سبحانه لولا دعاء المؤمنين، وعبادة المتقين.
وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه الرسول (ص) من عنت المشركين، فهو يتفق مع ظل السورة وجوّها، ويتفق مع موضوعها وأهدافها.
стр. 1487
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفرقان» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الفرقان بعد سورة يس، ونزلت سورة يس بعد سورة الجن، وكان نزول سورة الجن في رجوع النبي (ص) من الطائف، وكان قد سافر إليها في السنة العاشرة من بعثته، فيكون نزول سورة الفرقان في السنة نفسها، وتكون من السّور التي نزلت بين الهجرة إلى الحبشة وبين الإسراء.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) .
الغرض منها وترتيبها
ترمي هذه السورة إلى بيان الغرض من نزول القرآن، وهو أن يكون نذيرا للعالمين، والكلام فيها على هذا الغرض ينقسم إلى قسمين: أوّلهما في دفع ما أوردوه عليه من شبه وتأييده بما وقع قبله من النّذر الأولى، وثانيهما في بيان عدم تأثّرهم بذلك لتكبّرهم وجهلهم.
وقد ختمت السورة السابقة بتحذير المخالفين أن يصيبهم فتنة أو عذاب أليم، وهذا يناسب ما ابتدئت به هذه السورة من الإنذار والتحذير.
стр. 1488
تنزيل القرآن للإنذار الآيات [١- ٤٠]
قال الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) ، فذكر أنه نزّل القرآن ليكون نذيرا للناس كافة، ووصف نفسه بأربعة أنواع من صفات الكبرياء، ليدل على قدرته على تحقيق إنذاره، فذكر ملكه للسماوات والأرض، وتنزّهه عن الولد والشريك، وخلقه كلّ شيء وتقديره له. ثم شرع في ذكر ما أوردوه على ذلك من شبه، فذكر شبهتهم الأولى وهي قولهم كما ورد في التنزيل: إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الآية ٤] ، وردّ عليه بأنه ظلم وزور، لأنه تحدّاهم به فلم يمكنهم أن يأتوا بمثله، ولو كان من عنده لأمكنهم أن يأتوا به.
ثم ذكر شبهتهم الثانية وهي زعمهم بأنّه أساطير الأولين اكتتبها. ورد عليها بأن الذي أنزله هو الذي يعلم السر في السماوات والأرض، ومثله ينزل الحقائق لا الأساطير.
ثم ذكر شبهتهم الثالثة وهي زعمهم بأن من يرسل للإنذار لا يكون بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وأنه كان يجب أن ينزل إليه ملك ينذر معه، أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها ودعواه الرسالة، من غير ذلك، تدلّ على أنه رجل مسحور لا يصحّ اتّباعه، وردّ سبحانه، على هذا بأنه إن شاء جعل له في الاخرة جنّات وقصورا خيرا مما ذكروه من نعم الدنيا، ولكنهم يكذّبون بالساعة فلا يرجون ثوابا ولا عقابا ثم ذكر ما أعد لهم فيها من العذاب، وما وعد المتقين فيها من نعيم وثواب، وما يكون من تبرّؤ آلهتهم منهم فيها، وعاد السياق بعد هذا إلى الرد على هذه الشبهة بأن الله سبحانه، لم يرسل قبل هذا إلا رسلا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
ثم ذكر شبهتهم الرابعة وهي زعمهم أنه كان يجب أن ينزل عليهم ملائكة تشهد بصدقه فيما ينذر به، أو يروا ربّهم فيخبرهم بأنه أرسله لإنذارهم.
ورد على هذا بأنه تعنّت ظاهر وعتوّ كبير، وبأن ما طلبوه من ذلك سيرونه يوم القيامة، ولكنهم يلقون منه ما يكرهون، ويلقى المؤمنون فيه ما يحبّون ثم ذكر ما يكون من ندمهم على كفرهم، ومن تمنّيهم أن لو كانوا اتّخذوا مع الرسول سبيلا، ولم يسمعوا
стр. 1489
لمن أضلّهم من خلّانهم، وذكر ما يكون من شكوى الرسول مما كان من طعنهم في القرآن، بأنه سحر وشعر وكذب وهذيان، ومن إجابته له بأن شأنهم في ذلك كشأن المجرمين قبلهم مع رسلهم.
ثم ذكر شبهتهم الخامسة وهي قولهم كما ورد في التنزيل لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الآية ٣٢] . وردّ على هذا بأنه نزّله مفرّقا ليثبّت به فؤاده، ويرتله على تؤدة وتمهّل.
ثم عقّب على ذلك كله بأنهم لا يأتونه بمثل من جنس تلك الشبهات، إلا أتاهم بالحق الذي يدفعها ويبين وجه فسادها، وذكر أنهم في الاخرة يمشون مقلوبين وجوههم إلى تحت، وأرجلهم إلى فوق، فيضلّون في آخرتهم كما ضلّوا في دنياهم.
ثم شرع في تأييد ذلك بما حصل من النذر قبله، فذكر أنه آتى موسى التوراة وجعل معه أخاه هارون وزيرا له، وأنه أمرهما أن يذهبا إلى القوم الذين كذّبوا بآياته فدمرهم تدميرا، ثم ذكر أنه أغرق قوم نوح لمّا كذّبوا رسله وأعدّ لهم عذابا أليما، إلى أن ذكر ما حصل لقرية سدوم التي يمرّون عليها في متاجرهم إلى الشام، وهي من قرى قوم لوط وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) .
عماية الكفار عن الإنذار الآيات [٤١- ٧٧]
ثم قال تعالى: وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) ، فذكر أنهم قابلوا ما أنذرهم به، وما ذكره في رد شبهاتهم بالسفاهة والاستهزاء بالنبي (ص) ، لأنهم عجزوا عن رد ما ذكره في دفع شبههم. وقد بلغ من قوته أن اعترفوا بأنه كاد يضلّهم عن آلهتهم لولا أن صبروا عليها، ثم ذكر له أنهم اتخذوا هواهم إلههم، وأنهم لا يسمعون ولا يعقلون، ومن كان هذا شأنه لا يؤثّر دليل فيه. ثم ذكر له أن يرى كيف مدّ الظّلّ ولو شاء لجعله ساكنا، إلى غير هذا مما لا تخفى دلالته على من يسمع ويعقل، ليثبت له أنهم ليس لهم سمع ولا عقل. ثم ذكر أنه صرّف هذه الدلائل بينهم ليذّكّروا ولكنهم ينفرون من سماعها، وأنه لو شاء لبعث بها نذيرا في كل قرية، ولكنه اختاره وحده
стр. 1490
لذلك، فيجب أن يقابل هذا بالاجتهاد في الدعوة، ليقوم بأعبائها وحده ثم عاد إلى تلك الدلائل فذكر أنه هو الذي أجرى البحرين في مجاريهما بحيث يلتقيان، وأنه فصل بينهما بقدرته فبقي هذا عذبا وذلك ملحا، إلى غير هذا مما ذكره من دلائل عظمته وقدرته.
ثم أشار إلى أنهم لا يتأثّرون أيضا بهذه الأدلة الظاهرة على توحيده، فيعبدون من دونه ما لا ينفعهم ولا يضرّهم، ثم ذكر أنه لا شيء عليه من إعراضهم عنها، لأنه لم يرسله إلا مبشّرا ونذيرا، ولا يسألهم على ذلك من أجر، إلا من شاء أن يتقرّب بالإنفاق إلى ربه، ثم أمره أن يتوكل عليه في مجاهدتهم ودعوتهم، وذكر ما ذكر من عظمته وقدرته ليدل على أن من توكل عليه يكفيه عن غيره. ثم ذكر أنهم مع عبادتهم ما لا ينفعهم ولا يضرّهم، إذا قيل لهم:
اسجدوا للرحمن، قالوا وما الرحمن، عتوّا وتكبّرا، واستعظموا أن يسجدوا لما يأمرهم مثله بالسجود له، ثم ذكر سبحانه، من أدلة عظمته وقدرته، أنه جعل في السماء بروجا وهي منازل السيارات، إلى غير هذا مما لا يصح معه أن يتكبّروا عن السجود له، ثم ذكر أن للرحمن عبادا غيرهم لا يتكبّرون مثلهم، بل يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، إلى غير هذا من صفاتهم. ثمّ ختمت السورة بتحقير المتكبّرين وتهديدهم على تكذبيهم، فقال تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧) .
стр. 1491
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفرقان» «١»
ظهر لي بفضل الله تعالى، أن نسبة هذه السورة الى سورة النور، كنسبة سورة الأنعام إلى «المائدة» .
من حيث أن «النور» قد ختمت بقوله سبحانه: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ٦٤] ، كما ختمت «المائدة» بقوله جلّ وعلا: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ [الآية ١٢٠] .
وكانت جملة «النور» أوجز من جملة «المائدة» ، ثم فصّلت هذه الجملة في سورة الفرقان، فافتتحت بقوله تعالى:
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ٢] ، إلى قوله سبحانه من الآية نفسها:
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) . كما افتتحت «الأنعام» بمثل ذلك «٢» .
وكان قوله تعالى عقبه: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [الآية ٣] إلى آخره، نظير قوله هناك: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) [الأنعام] .
ثم ذكر في هذه السورة جملة من المخلوقات، كمدّ الظل، والليل، والنوم، والنهار، والرياح، والماء، والأنعام، والأناسي، ومرج البحرين، والإنسان، والنسب، والصّهر، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، والاستواء على العرش، وبروج السماء، والسّراج، والقمر، إلى غير ذلك، مما هو تفصيل لجملة: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٣» . كما فصّل
стр. 1492
آخر «المائدة» في «الأنعام» بمثل ذلك «١» . وكان البسط في «الأنعام» أكثر لطولها.
ثم أشار في هذه السورة إلى القرون المكذّبة وإهلاكهم، كما أشار في «الأنعام» إلى ذلك «٢» . ثم أفصح عن هذه الإشارة في السورة التي تليها وهي «الشعراء» بالبسط التام، والتفصيل البالغ «٣» . كما أوضح تلك الإشارة التي في «الأنعام» ، وفصّلها في سورة الأعراف التي تليها «٤» .
فكانت هاتان السورتان، الفرقان والشعراء، في المثاني، نظير تينك السورتين، الأنعام والأعراف، في الطوال، واتصالهما باخر النور، نظير اتصال تلك باخر المائدة، المشتملة على فصل القضاء «٥» .
ثم ظهر لي لطيفة أخرى، وهي: أنه إذا وقعت سورة مكية بعد سورة مدنية، افتتح أولها بالثناء على الله، ك «الأنعام» بعد «المائدة» ، و «الإسراء» بعد «النحل» ، وهذه بعد «النور» ، و «سبأ» بعد «الأحزاب» ، و «الحديد» بعد «الواقعة» ، و «تبارك» بعد «التحريم» «٦» ، لما في ذلك من الإشارة إلى نوع من الاستقلال، وإلى الانتقال من نوع إلى نوع.
стр. 1493
المبحث الرابع مكنونات سورة «الفرقان» «١»
١- وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الآية ٤] .
عنوا: يهود فيما أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد.
وقيل: جبرا مولى الحضرمي. حكاه السّهيلي.
٢- وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب ومجاهد، وقتادة، والسّدّي، وغيرهم أن المراد بالظالم:
عقبة بن أبي معيط وبفلان: أمية بن خلف «٢» .
وقال عمرو بن ميمون «٣» : أبيّ بن خلف.
٣- الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [الآية ٤٠] .
أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال:
هي قرية لوط «٤» .
وعن الحسن قال: هي بين الشام والمدينة.
стр. 1494
٤- وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الآية ٥٣] .
قال الحسن: بحر فارس والروم.
وقال سعيد بن المسيب: بحر السماء، وبحر الأرض. أخرجها ابن أبي حاتم. ٥- وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً [الآية ٥٥] .
قال الشّعبي: هو أبو جهل. أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 1495
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفرقان» «١»
١- وقال تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) .
وقوله تعالى: اكْتَتَبَها، أي:
كتبها لنفسه وأخذها كما تقول:
استكب الماء واصطبّه، إذا سكبه وصبّه لنفسه.
أقول: والاكتتاب في عصرنا شيء آخر، يقال: اكتتبوا في بناء مدرسة، أي: جمعوا الأموال تبرّعا وكتبوها مخصصة لبناء المدرسة.
٢- وقال تعالى: وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) .
البور: الهلاك يوصف به الواحد والجمع، ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ، وحائل وحول، وهو مصدر كالبور بالفتح والبوار أيضا.
٣- وقال تعالى: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٣) .
أقول: وقوله تعالى: وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، أي: بيّناه وحقّقناه، وأرسلنا بعضه إثر بعض.
وقالوا: الترتيل: هو الترسّل والتأنّي في القراءة، وإعطاء الأصوات حقها من البيان والصناعة.
ومن حديث عائشة ﵂ في صفة قراءته (ص) «لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه يعدّها» .
٤- وقال تعالى: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [الآية ٤٠] .
مما تجب ملاحظته أن مادة «مطر» ،
стр. 1496
قد استعملت في آي القرآن فعلا فريدا «أمطر» في سبع آيات، كما استعملت اسما في ثماني آيات، وفي هذه الآيات جميعها كان «المطر» شرّا وعذابا وحجارة من سجيل.
فإذا أريد الرحمة والحياة، جاءت كلمة «الغيث» ، قال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: ٢٨] .
٥- وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الآية ٤٨] .
قرئ: الريح والرياح.
وقرئ: نشرا، أي: إحياء، ونشرا جمع نشور وهي المحيية. ونشرا تخفيف نشر.
و «بشرا» تخفيف بشر جمع بشور وبشرى.
وأرى أن «بشرى» تلائم بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، أي: أن الرياح قدام المطر الذي عبر عنه ب «الرحمة» .
٦- وقال تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) .
أقول ويحسن بنا أن نعود قليلا لنرى مسألة قوله تعالى: حِجْراً مَحْجُوراً، في الآية الكريمة لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) .
ذكر سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها، نحو: معاذ الله، وقعدك الله، وعمرك الله. وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوّ موتور أو هجوم نازلة، أو نحو ذلك، يضعونها موضع الاستعاذة. قال سيبويه: أتفعل كذا وكذا، فيقول: حجرا، وهي من حجره إذا منعه، لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه، فكأن المعنى: أسأل الله أن يمنع ذلك منعا، ويحجره حجرا.
وقوله تعالى: مَحْجُوراً صفة لتأكيد الحجر، أي: المنع.
وأما في الآية: ٥٣، فالمراد من قوله جلّ وعلا حِجْراً مَحْجُوراً، أي: أن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه في قوله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) .
٧- وقال تعالى: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) .
стр. 1497
الظهير: بمعنى المظاهر، وهو من باب فعيل بمعنى مفاعل، كالعوين والمعاون، ويجوز أن يراد ب «ظهيرا» الجماعة، كقوله تعالى:
وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) [التحريم] .
٨- وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) .
قوله تعالى: ساءَتْ فعل بمعنى أصبحت سيئة.
وقالوا: إنها في حكم «بئست» ، وفيها ضمير مبهم يفسره مُسْتَقَرًّا والمخصوص بالذم محذوف.
أقول: أرادوا أن يلحقوا هذا الفعل بما أسموه أفعال المدح والذم، فيكون إعرابها ما يقتضيه إعراب تلك الأفعال.
وأرى أنّ الفعل «ساء» ليس، مثل «نعم» و «بئس» ، وإن كان معناه الذم.
وقوله تعالى: ساءَتْ مُسْتَقَرًّا، أي ساءت جهنّم مستقرّا، كقولك:
حسن البيت مقاما، وذمّ السرداب سكنا، فهل نحمل هذين الفعلين على أفعال المدح والذم؟ والفاعل في الآية ساءَتْ مُسْتَقَرًّا يعود على «جهنّم» في الآية السابقة.
стр. 1498
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الفرقان» «١»
قال تعالى: قَوْماً بُوراً [الآية ١٨] أي جماعة «البائر» مثل «اليهود» وواحدهم «الهائد» وقال بعضهم: «هي لغة على غير واحد، كما يقال «أنت بشر» و «أنتم بشر» .
وقال تعالى: فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً [الآية ١٩] فحذف «عن الكفّار» وقد يكون ذلك عن الملائكة، والدليل على وجه مخاطبة الكفار، أنه جلّ وعلا قال: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ [الآية ١٩] وقال بعضهم «يعني الملائكة» .
وقال تعالى: الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [الآية ٤٠] يقال «مطرنا» و «أمطرنا» . وقال سبحانه: إِلَّا مَنْ شاءَ [الآية ٥٧] استثناء خارج من الكلام بمعنى «لكن» .
وقال تعالى: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [الآية ٦٢] أي: «يختلفان» .
وقال سبحانه وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ [الآية ٦٣] . فهذا ليس له خبر «٢» إلّا في المعنى، والله أعلم.
وقال تعالى: لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) ف «الإمام» هاهنا جماعة «٣» كما في فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء: ٧٧] ويكون على الحكاية كما يقول الرجل إذا قيل له: «من أميركم» : «هؤلاء أميرنا» وقال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد
стр. 1499
الخامس والخمسون بعد المائتين] :
يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... إنّ العواذل ليس لي بأمير «١»
وقال تعالى: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ [الآية ٧٧] لأنّها من «عبأت به» ف «أنا أعبأ به» «عبئا» .
وقال تعالى: وَأَناسِيَّ كَثِيراً [الآية ٤٩] مثقّلة لأنها جماعة «الإنسيّ» .
стр. 1500
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الفرقان» «١»
إن قيل: الخلق هو التقدير ومنه قوله تعالى وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ [المائدة: ١١٠] أي تقدّر، فما معنى قوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) فكأنه تعالى قال: «وقدّر كل شيء فقدره تقديرا» ؟
قلنا: الخلق من الله تعالى بمعنى الإيجاد والإحداث، فمعناه: وأوجد كل شيء مقدّرا مسوّى مهيّأ لما يصلح له، لا زائدا على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولا ناقصا عن ذلك.
الثاني أن معناه: وقدّر له ما يقيمه ويصلحه أو قدّر رزقا وأجلا وأحوالا تجري عليه.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف الجنّة: كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) ، وهي ما كانت بعد، وإنما تكون كذلك بعد الحشر والنشر؟
قلنا: إنما قال: «كانت» : لأن ما وعده الله تعالى، فهو في تحققه كأنه قد كان، أو معناه: كانت في علم الله مكتوبة في اللوح المحفوظ أنها جزاؤهم ومصيرهم.
فإن قيل: ما الحكمة من تأخير الهوى، في قوله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [الآية ٤٣] والأصل اتّخذ الهوى إلها، كما تقول: «اتّخذ الصنم معبودا» ؟
قلنا: هو من باب تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية به، كما تقول علمت منطلقا زيدا لتظهر عنايتك بانطلاقه.
стр. 1501
فإن قيل: لم قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الآية ٤٤] ؟
قلنا: قد مر مثل هذا السؤال وجوابه في قوله تعالى: بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) [المؤمنون] .
فإن قيل: لم شبّههم بالأنعام في الضلال، بقوله تعالى:
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ [الآية ٤٤] مع أن الأنعام تعرف الله وتسبّحه بدليل قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء/ الآية ٤٤] وقوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الجمعة: ١] ؟
قلنا: المراد أولا تشبيههم بالأنعام في الضلال، عن فهم الحق ومعرفة الله تعالى، بواسطة دعوة الرسول (ص) .
ثانيا: أن المراد تشبيههم، في الضلال والعمى عن أمر الدين، بالأنعام في ضلالها وعماها عن أمر الدين.
فإن قيل: إن كانوا كالأنعام في الضلال، فلم قال تعالى: بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) ؟ وإن كانوا أضلّ من الأنعام، فلم قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ؟ وإن كانوا كالأنعام في الضلال، وأضل منها أيضا، فكيف يجتمع الوصفان؟
قلنا: المراد بقوله تعالى في الموضع الأول: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ التشبيه في أصل الضلال لا مقداره. والثاني:
بيان لمقداره. وقيل: المراد بالأول التشبيه في المقدار أيضا، ولكن المراد بالأول طائفة، وبالثاني طائفة أخرى، ووجه كونهم أضلّ من الأنعام، أنّ الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهّدها، وتعرف من يحسن إليها ممّن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرّها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم، من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتّقون العذاب الذي هو أشد المضارّ والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهنيّ والعذاب الروي «١» .
فإن قيل: في قوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
стр. 1502
لم ذكّرت الصفة والموصوف مؤنث، ولم تؤنث الصفة كما أنّثت في قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ [يس: ٣٣] ؟
قلنا: إنما التذكير نظرا إلى معنى البلدة، وهو البلد والمكان لا إلى اللفظ.
فإن قيل: قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩) فإنزاله موصوفا بالطهورية، وتعليل ذلك بالإحياء والسقي، يشعر بأن الطهورية شرط في حصول تلك المصلحة، كما تقول:
حملني الأمير على فرس سابق، لأصيد عليه الوحش، وليس كذلك.
قلنا: وصف الطهورية ذكر إكراما للأناسيّ الذين شربهم من جملة المصالح التي أنزل لها الماء، وإتماما للمنّة والنعمة عليهم، لا لكونه شرطا في تحقيق تلك المصالح والمنافع، بخلاف النظير فإنه قصد بكونه سابقا الشرطية لأن صيد الوحش على الفرس لا يكون إلّا بها.
فإن قيل: لم خصّ تعالى الأنعام بذكر السقي دون غيرها من الحيوان الصامت؟
قلنا: أولا لأن الوحش والطير تبعد في طلب الماء ولا يعوزها الشرب، بخلاف الأنعام. ثانيا: أن الأنعام قنية الأناسيّ وعامة منافعهم متعلّقة بها.
فإن قيل: لم قدّم تعالى إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي؟
قلنا: أولا لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعاشهم. ثانيا: أن سقي الأرض بماء المطر سابق في الوجود على سقي الأناسي به.
فإن قيل: ما وجه الاستثناء في قوله تعالى: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) ؟
قلنا: هو استثناء منقطع تقديره: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا، فأنا أدله على ذلك وأهديه إليه. وقيل تقديره: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا، بإنفاق ماله في مرضاته تعالى، فليفعل ذلك.
فإن قيل: لم قال تعالى هنا: قُلْ ما
стр. 1503
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
أي أجرا، لأن «من» لتأكيد النفي وعمومه. وقال في آية أخرى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: ٢٣] فأثبت سؤال الأجر عليه؟
قلنا: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [سبأ: ٤٧] رواه مقاتل والضحاك عن ابن عباس ﵄.
والصحيح الذي عليه المحققون أنها غير منسوخة، بل هو استثناء من غير الجنس، تقديره: لكن أذكركم المودة في القربى.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) ولم يقل أئمة؟
قلنا: مراعاة لفواصل الآيات، وقيل تقديره: واجعل كل واحد منا إماما.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) وهما بمعنى واحد، ويؤيده قوله تعالى تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وقوله (ص) «تحيّة أهل الجنة في الجنة سلام» .
قلنا: قال مقاتل: المراد بالتحية سلام بعضهم على بعض، أو سلام الملائكة عليهم، والمراد بالسلام أن الله تعالى سلّمهم ممّا يخافون وسلّم إليهم أمرهم.
وقيل: التحية من الملائكة أو من أهل الجنة، والسلام من الله تعالى عليهم، لقوله تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) [يس] . وقيل التحية من الله تعالى لهم بالهدايا والتحف والسلام بالقول. وقيل: التحية الدعاء بالتعمير، والسلام الدعاء بالسلامة، فمعناه أنهم يلقون ذلك من الملائكة أو بعضهم من بعض، أو يلقون ذلك من الله تعالى، فيعطون البقاء والخلود مع السلامة من كل آفة.
стр. 1504
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الفرقان» «١»
في قوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) استعارتان. إحداهما قوله سبحانه:
إِذا رَأَتْهُمْ وهو في صفة نار جهنّم، نعوذ بالله منها، ولا تصحّ صفة الرّؤية عليها. وإنما المراد، والله أعلم، إذا كانت منهم بمقدار مسافة لو كان بها من يوصف بالرؤية لرءاهم. وهذا من لطائف التأويل، وغرائب التفسير.
وقد يجوز أيضا أن يكون معنى ذلك: إذا قربت منهم، وظهرت لهم.
من قولهم: دور بني فلان تتراءى. أي تتقارب. وفي الحديث: (لا تتراءى ناراهما) «٢» أي لا تتدانى.
والاستعارة الأخرى قوله سبحانه:
стр. 1505
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وهاتان الصفات من صفات الحيوان، ويختص التغيظ بالإنسان، لأن الغيظ من أعلى منازل الغضب، والغضب لا يوصف بحقيقته إلا الناس. والزفير قد يشترك الإنسان وغير الإنسان في الصفة به.
وإنما المراد بهاتين الصفتين المبالغة في وصف النار بالاهتياج والاضطرام، على عادة المغيظ والغضبان.
وفي قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) استعارة، لأن صفة القدوم لا تصح إلّا على من تجوز عليه الغيبة، فتجوز منه الأوبة. والله سبحانه شاهد غير غائب، وقائم غير زائل. فالمعنى:
وقصدنا إلى ما عملوا، أو عمدنا إلى ما عملوا. وذلك كقول القائل: قام فلان بفلان في الناس، إذا أظهر ذمّه وعيبه، وليس يريد أنه نهض عن قعود، وتحفّز بعد استقرار وسكون، وإنما يريد أنه قصد إلى سبّه، وتظاهر بثلبه. وقال الشاعر «١» :
فإنّ أباكم تارك ما سألتم فمهما أتيتم فاقدموه على علم يقال: قدمت هذا الأمر، وأنا أقدمه:
إذا أتيته وقصدته. وقد ذكر بعض العلماء في ذلك وجها آخر. قال: إنما قال سبحانه: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ: لأنه عاملهم معاملة القادم من غيبة. أو كان، بطول إمهاله لهم، كالغائب عنهم ثم قدم، فرآهم على خلاف ما أمرهم به، واستعملهم فيه، فأحبط أعمالهم الفاسدة، وعاقبهم عقاب العاند عن الطاعة، المرتكس في الضّلالة. والمعتمد القول الأول.
وفي قوله تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) مجاز آخر. وذلك أنه لم يجعل عملهم على الحقيقة هباء منثورا، وهو الغبار الدقيق هاهنا. ومنه الهابي. وإنما أراد سبحانه أنه أبطل ذلك العلم فعفا رسمه، وسقط حكمه، وبطل بطلان الغبار الممحق، والغثاء المتفرق.
وفي قوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) استعارة. لأن المقيل من صفات المواضع التي ينام فيها، ولا نوم في
стр. 1506
الجنة. وتقدير الكلام: وأحسن موضع للقائلة. فكأن ذلك المكان من وثارة مهاده، وبرد أفيائه، يصلح أن ينام فيه لو كان ذلك جائزا. وهذا كقوله سبحانه في ذكر أصحاب الجنة: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) [مريم] أي مثل أوقات البكرة والعشيّ المعهودين في حال الدنيا. لأن الجنة لا يوصف زمانها بالأيام والليالي، لأن ذلك من صفات الزمان الذي تتعاقب عليه الشمس طالعة وغاربة، فيسمّى نهارا بطلوعها، ويسمّى ليلا بقبوعها «١» .
وفي قوله سبحانه: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) استعارة. والمراد بها، والله أعلم، على أحد القولين، صفة السماء في ذلك اليوم بتعاظم الغمام فيها، وانتشاره في نواحيها. كما يقول القائل: قد تشققت الغمائم بالبرق، وتشققت السّحائب بالرعد، إذا كثر ذلك فيها، ليس أن هناك تشققا على الحقيقة، في قول أهل الشرع. وقيل أيضا: إن المراد بذلك انتقاض بنية السماء وتغيّرها إلى غير ما هي عليه الآن، كما تظهر في البناء آثار التداعي، وأعلام التهافت، من تثلّم أطراف، وتفطّر أقطار، فيكون ذلك مؤذنا بانقضاضه، ومنذرا بانتقاضه.
وقال سبحانه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ابراهيم: ٤٨] .
وقال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ «٢» [الأنبياء: ١٠٤] .
ويكون انتقاض بنية السماء عن ظهور الغمام الذي آذننا سبحانه بمجيئه يوم القيامة، إذ يقول عزّ من قائل: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) [البقرة] .
ومعنى تشقّق السماء بالغمام: أي عن الغمام، كما يقول القائل: رميت بالقوس، وعن القوس، بمعنى واحد.
وفي قوله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) استعارة على أحد التأويلين: وهو أن يكون في الكلام تقديم وتأخير. فكأنه تعالى قال:
أرأيت من اتّخذ هواه إلهه. معنى ذلك أنه جعل هواه آمرا يطيعه، وقائدا
стр. 1507
يتبعه، فكأنه قد عبده لفرط تعظيمه له.
ومن أمثالهم: الهوى إله معبود، على المعنى الذي ذكرنا. وذكر أحمد بن يحيى البلاذري «١» في كتاب (الأشراف) أن هذه الآية نزلت في الحارث بن قيس بن عديّ السّهمي، وهو من عبدة الأوثان لأنه كان كلما رأى حجرا أحسن من الذي اقتناه لعبادته، أخذه واطّرح ما عبده.
وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) . في الآية الأولى استعارتان، إحداهما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ [الآية ٤٥] ، أي ألم تر إلى فعل ربك، أو إلى حكمة ربك في مدّ الظل، فحذف هذه اللفظة لدلالة الكلام عليها، إذ كان الله سبحانه لا يدرك بالمشاعر، ولا يرى بالنواظر. وقد يجوز أن يكون معنى الرؤية هاهنا معنى العلم. فكأنه سبحانه قال: ألم تعلم حكمة ربّك في مدّ الظل؟ وإنما أقام سبحانه، الرؤية هاهنا مقام العلم، لتحقّق المخاطب الذي هو النبي (ص) وجهة الله تعالى في ذلك الفعل، فقامت معرفة قلبه مقام رؤية عينه، قطعا باليقين، وبعدا عن الظنون.
والاستعارة الأخرى قوله تعالى:
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا وهي استعارة على القلب. لأن الظل في الشاهد يدل على الشمس، وذلك أن الظل لا يكون إلا وهناك شمس طالعة، فيوصف ما لم تطلع عليه لحاجز يحجز، أو مانع يمنع، بأنه ظل. وقد قيل: إن الظل ما كان بالغداة، والفيء ما كان بالعشيّ. وقيل: إن الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس، فعلى هذا القول يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي دائما لا ترد الشمس عليه فتزيله وتذهب به، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا. أي دللناها عليه، فهي تتحيّف من أقطاره، وتنتقص من أطرافه، حتى تستوفي أجمعه، وتكون
стр. 1508
بدلا منه. فهذا معنى قوله تعالى: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) .
ويجوز أن يكون معنى دلالة الشمس على الظل، أنه لولا الشمس لم يعرف الظل. ويجوز أن نقول: لولا الظل لم تعرف الشمس.
وفي قوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) استعارتان. فإحداهما قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً. والمراد باللباس هاهنا، والله أعلم، تغطية ظلام الليل النّشوز والقيعان، وأشخاص الحيوان كما تغطّي الملابس الضّافية، وتستر الجنن الواقية. وهذه العبارة من أفصح العبارات عن هذا المعنى.
ومعنى السّبات: قطع الأعمال، والرّاحة من الأشغال. والسّبت في كلامهم: القطع.
والاستعارة الأخرى قوله تعالى:
وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً. والنشور في الحقيقة: الحياة بعد الموت. وهو هاهنا مستعار الاسم لتصرّف الحي وانبساطه، تشبيها للنوم بالممات، واليقظة بالحياة. وذلك من أوقع التشبيه، وأحسن التمثيل.
وفي قوله سبحانه: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [الآية ٤٩] استعارة. وقد مضت الإشارة إلى نظيرها في سورة «الأعراف» .
ووصف البلدة بالموت هاهنا محمول على أحد وجهين: إما أن تكون إنما شبّهت بالميت من فرط يبسها، لتسلّط المحل عليها، وتأخّر الغيث عنها. أو يكون فيها من النبات والشجر، لمّا مات لانقطاع الماء عنه، حسن أن توصف هي بالموت لموت بنيها، لأنها كالأم التي تكلفه، والظّئر التي ترضعه.
وفي قوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ [الآية ٥٣] استعارة. والمراد بذلك، والله أعلم، أنه خلّاهما من مذاهبهما، وأرسلهما في مجاريهما، كما تمرج الخيل أي تخلّى في المروج مع مراعيها.
فكان وجه الأعجوبة من ذلك، أنه سبحانه، مع التخلية بينهما في تقاطعهما، والتقائهما في مناقعهما، لا يختلط الملح بالعذب، ولا يلتبس العذب بالملح.
стр. 1509
ولغة أهل تهامة «مرجه» ، ولغة أهل نجد «أمرجه» . وقال أبو عبيدة «١» : إذا تركت الشيء وخلّيته فقد مرجته. ومنه قولهم: مرج الأمير الناس: إذا خلّاهم بعضهم على بعض. والأمر المريج:
المختلط الملتبس.
وقوله سبحانه: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) ، وقد قرئ: سرجا، على الجمع. وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. والباقون يقرءون: سراجا على التوحيد.
فمن قرأ «سراجا» أراد النجوم، ومن قرأ «سراجا» أراد الشمس، ويقوّي ذلك قوله سبحانه في موضع آخر: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) [نوح] . ويقوّي قراءة من قرأ «سراجا» أن النجوم من شعائر الليل، والسّرج بأحوال الليل أشبه منها بأحوال النهار.
وإنما شبهت النجوم بالسّرج لاهتداء الناس بها في الظّلماء، كما تهتدي بالمصابيح الموضوعة، والنيران المرفوعة.
وفي قوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) استعارة، ومعنى خلفة، في بعض الأقوال، أي جعل الليل والنهار يتخالفان، فإذا أتى هذا ذهب هذا، وإذا أدبر هذا أقبل هذا.
وقيل: خلفة، أي يخلف أحدهما الاخر، فيكون ذلك من الخلافة لا من المخالفة.
وقيل: خلفة، أي أحدهما أسود، والاخر أبيض. وهو أيضا راجع إلى معنى المخالفة.
وفي قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) استعارة. والمراد، والله أعلم، لا يصمّون عن قوارع النّذر، ولا يعشون عن مواقع العبر.