← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيّين خلو كما هيا وأمّا قوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [النور: ٢] ووَ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] فزعموا- والله أعلم- أنّ هذا على الوحي، كأنّه يقول: «وممّا أقصّ عليكم الزّانية والزّاني، والسّارقة والسّارق» . ثمّ جاء بالفعل، من بعد ما أوجب الرفع، على الأوّل على الابتداء، وهذا على المجاز، كأنّه قال «أمر السّارق والسّارقة وشأنهما ممّا نقصّ عليكم» ومثله قوله مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [محمد: ١٥] ثمّ قال من الآية نفسها فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ كأنه قال: «وممّا أقصّ عليكم مثل الجنة» ، ثمّ أقبل يذكر ما فيها، بعد أن أوجب الرفع في الأوّل على الابتداء. وقد قرأها قوم نصبا «١» ، إذ كان الفعل يقع على ما هو من سبب الأوّل، وهو في الأمر والنهي. وكذلك ما وقع عليه حرف الاستفهام، نحو قوله ﷻ أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [القمر: ٢٤] . وإنّما فعل هذا في حروف الاستفهام، لأنّه إذا كان بعده اسم وفعل، كان أحسن أن يبتدأ بالفعل قبل الاسم، فإن بدأت بالاسم، أضمرت له فعلا، حتى تحسّن الكلام به، وإظهار ذلك الفعل قبيح. وما كان من هذا، في غير الأمر والنهي والاستفهام والنفي، فوجه الكلام فيه الرفع، وقد نصبه ناس من العرب كثير. وهذا الحرف قد قرئ نصبا ورفعا وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [فصلت: ١٧] » . وأمّا قوله تعالى إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) [القمر]

стр. 177

فهو يجوز فيه الرفع «١» ، وهي اللغة الكثيرة غير أنّ الجماعة اجتمعوا على النصب «٢» ، وربّما اجتمعوا على الشيء، كذلك ممّا يجوز، والأصل غيره. لأنّ قولك: «إنّا عبد الله ضربناه» ، مثل قولك «عبد الله ضربناه» ، لأنّ معناهما في الابتداء سواء. قال الشاعر «٣» [من المتقارب وهو الشاهد الرابع والخمسون] : فأمّا تميم بن مرّ ... فألفاهم القوم روبى نياما وقال «٤» [من الطويل وهو الشاهد الخامس والخمسون] : إذا ابن أبي موسى بلال بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر ويكون فيهما النصب. فمن نصب (وأمّا ثمود) ، نصب على هذا. وأمّا قوله تعالى يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١) [الإنسان] وقوله أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) [النازعات] ثم قال وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النازعات] وقال الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) [الرحمن] ثم قال وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) [الرحمن] وقال وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) [الفرقان] فهذا، إنّما ينصب وقد سقط الفعل على الاسم بعده، لأنّ الاسم الذي قبله قد عمل فيه، فأضمرت فعلا، فأعملته فيه، حتّى يكون العمل من وجه واحد. وكان ذلك أحسن، قال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون] : نغالي اللّحم للأضياف نيئا ... ونرخصه إذا نضج القدور «٥» يريد «نغالي باللّحم» فإن قلت

стр. 178

يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ ليس بنصب في اللفظ، فهو في موضع نصب قد عمل فيه كما فعلت: «مررت بزيد وعمرا ضربته» ، كأنك قلت: «مررت زيدا» وقد يقول هذا بعض الناس. قال الشاعر «١» [من المنسرح وهو الشاهد السابع والخمسون] : أصبحت لا أحمل السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا «٢» والذّيب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا وكلّ هذا، يجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب أجود وأكثر. وأمّا قوله تعالى يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ «٣» . فإنّما هو على معنى «يغشى طائفة منكم وطائفة في هذه الحال» . وهذه واو ابتداء لا واو عطف، كما تقول: «ضربت عبد الله وزيد قائم» . وقد قرئت نصبا «٤» ، لأنّها مثل ما ذكرنا، وذلك لأنّه قد يسقط الفعل، على شيء من سببها، وقبلها منصوب فعطفتها عليه، وأضمرت لها فعلها فنصبتها به. وما ذكرنا في هذا الباب من قوله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما، وقوله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [النور: ٢] ليس في قوله فَاقْطَعُوا وفَاجْلِدُوا خبر مبتدأ، لأنّ خبر المبتدأ هكذا، لا يكون بالفاء. فلو قلت «عبد الله فينطلق» لم يحسن. وإنّما الخبر، هو المضمر الذي فسّرت لك، من قوله «وممّا نقصّ عليكم» وهو مثل قول الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون] : وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيّين خلو كما هيا وكأنّه قال: «هؤلاء خولان» كما تقول: «الهلال فانظر إليه» كأنّك قلت: «هذا الهلال فانظر اليه» فأضمر الاسم. فأمّا قوله تعالى

стр. 179

وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [النساء: ١٦] ، فقد يجوز أن يكون هذا خبر المبتدأ، لأنّ «الذي» إذا كان صلته فعل، جاز أن يكون خبره بالفاء، نحو قول الله إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٧] ثم قال، في الآية نفسها: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ [النساء: ٩٧] . باب الواو أمّا قوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [الآية ٤٥] ، فلأنّه حمل الكلام على «الصلاة» . وهذا كلام منه ما يحمل على الأوّل، ومنه ما يحمل على الاخر. وقال أيضا وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] فهذا يجوز على الأوّل والاخر وأقيس هذا، إذا ما كان بالواو، أن يحمل عليهما جميعا. تقول: «زيد وعمرو ذاهبان» . وليس هذا مثل «أو» ، لأنّ «أو» إنّما يخبر فيه عن أحد الشيئين. وأنت في «أو» بالخيار، إن شئت جعلت الكلام على الأوّل، وإن شئت على الاخر وأن تحمله على الاخر أقيس، لأنّك إن تجعل الخبر على الاسم الذي يليه الخبر، فهو أمثل من أن تجاوزه الى اسم بعيد منه. قال تعالى وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١١] ، فحمله على الأول وقال في موضع آخر وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [القصص: ٧٣] وقال وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً [النساء: ١١٢] فحمله على الاخر. قال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد الثامن والخمسون] : أمّا الوسامة أو حسن النّساء فقد ... أوتيت منه لو أنّ العقل محتنك وقال ابن أحمر «١» [من الطويل وهو الشاهد التاسع والخمسون] : رماني بداء «٢» كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل «٣» الطويّ رماني

стр. 180

وقال الاخر «١» [من المنسرح وهو الشاهد الستون] : نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرّأي مختلف وهذا مثل قول البرجمي «٢» [من الطويل وهو الشاهد الحادي والستون] : من يك أمسى بالمدينة داره ... فإنّي وقيّارا بها لغريب «٣» باب اسم الفاعل وقال تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [الآية ٤٦] ، فأضاف قوله مُلاقُوا رَبِّهِمْ، ولم يقع الفعل. وإنّما يضاف، إذا كان قد وقع الفعل، تقول: «هم ضاربو أبيك» إذا كانوا قد ضربوه. وإذا كانوا في حال الضرب، أو لم يضربوا، قلت: «هم ضاربون أخاك» ، إلّا أنّ العرب قد تستثقل النون، فتحذفها في معنى إثباتها، وهو نحو مُلاقُوا رَبِّهِمْ مثل كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥] «٤» ولم تذق بعد. وقد قرأ بعضهم: (ذائقة الموت) «٥» على ما فسّرت لك. وقال الله جلّ ثناؤه: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ [القمر: ٢٧] ، وهذا قبل الإرسال، ولكن حذفت النون استثقالا. وقال وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ [الكهف: ١٨] ، فأثبت التنوين، لأنه كان في الحال. وقال إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا [الدخان: ١٥] ، على ذلك أيضا. وزعموا

стр. 181

أنّ هذا البيت ينشد هكذا [من البسيط وهو الشاهد الثاني والستون] : هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد ربّ أخا عمرو «١» بن مخراق «٢» فأضاف، ولم يقع الفعل، ونصب الثاني على المعنى، لأنّ الأوّل فيه نيّة التنوين. وقال إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ [العنكبوت: ٣٣] فالنّصب وجه الكلام، لأنّك لا تجري الظاهر على المضمر، والكاف في موضع جرّ، لذهاب النون. وذلك لأنّ هذا، إذا سقط على اسم مضمر، ذهب منه التنوين والنون، إن كان في الحال وإن لم يفعل، تقول: «هو ضاربك الساعة أو غدا» و «هم ضاربوك» . وإذا أدخلت الألف واللام، قلت: «هو الضارب زيدا» ، ولا يكون أن تجرّ زيدا، لأنّ التنوين كأنّه باق في «الضارب» ، إذا كان فيه الألف واللام، لأنّ الألف واللام تعاقبان التنوين. وتقول: «هما الضاربان زيدا» و «هما الضاربا زيد» لأنّ الألف واللام لا تعاقبان التنوين في الاثنين والجمع. فإذا أخرجت النون من الاثنين والجمع من أسماء الفاعلين، أضفت، وإن كان فيه الألف واللام، لأنّ النون تعاقب الاضافة وطرح النون، هاهنا، كطرح النون في قولك: «هما ضاربا زيد» ولم يفعلا، لأن الأصل في قولك: «الضاربان» إثبات النون، لأنّ معناه وإعماله مثل معنى «الذي فعل» وإعماله قال الشاعر «٣» [من المنسرح وهو الشاهد الثالث والستون] : الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائنا نطف «٤» وفي كتاب الله وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ

стр. 182

[الحج: ٣٥] «١» ، وقد نصب بعضهم، فقرأ: (والمقيمي الصلاة) «٢» و «الحافظو عورة» استثقالا للاضافة، كما حذفت نون «اللذين» و «الذين» . قال الشاعر «٣» [من الكامل وهو الشاهد الرابع والستون] : أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا وقال «٤» [من الطويل وهو الشاهد الخامس والستون] : فإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد «٥» فألقى النون. وزعموا أنّ عيسى بن عمر «٦» كان يجيز [من المتقارب وهو الشاهد السادس والستون] : فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلّا قليلا «٧» كأنّه إنّما طرح التنوين لغير معاقبة إضافة، وهو قبيح إلّا في كلّ ما كان معناه «اللّذان» و «الّذين» ، فحينئذ يطرح منه ما طرح من ذلك. ولو جاز هذا البيت، لقلت: «هم ضاربو زيدا» ، وهذا لا يحسن. وزعموا أنّ بعض العرب قرأ (واعلموا أنّكم غير معجزي الله) [التوبة: ٢] وهو أبو السمّال «٨» وكان فصيحا. وقد قرئ هذا الحرف (إنّكم

стр. 183

لذائقو العذاب الأليم) «١» وهو في البيت أمثل، لأنّه أسقط التنوين، لاجتماع الساكنين. وإذا ألحقت النون، نصبت لأنّ الإضافة قد ذهبت، قال تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [النساء: ١٦٢] وقال وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٣٥] قال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد السابع والستون] : النّازلون بكلّ معترك ... والطيّبون معاقد الأزر باب اضافة الزمان الى الفعل قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [الآية ٤٨] فنوّن اليوم، لأنّه جعل «فيه» مضمرا، وجعله من صفة اليوم، كأنّه قال «يوما لا تجزي نفس عن نفس فيه شيئا» . وإنّما جاز إضمار «فيه» ، كما جاز إضافته إلى الفعل، تقول: «هذا يوم يفعل زيد» . وليس من الأسماء شيء، يضاف الى الفعل، غير أسماء الزمان، ولذلك جاز إضمار «فيه» . وقال قوم: «إنّما أضمر الهاء، أراد «لا تجزيه» ، وجعل هذه الهاء اسما لليوم مفعولا، كما تقول: «رأيت رجلا يحبّ زيد» تريد: «يحبّه زيد» . وهو في الكلام يكون مضافا، تقول: «اذكر يوم لا ينفعك شيء» : أي: «يوم لا منفعة» وذلك، أنّ أسماء الحين قد تضاف إلى الفعل، قال تعالى هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) [المرسلات] أي «يوم لا نطق» ، وقد قرأ بعضهم (هذا يوم لا ينطقون) «٣» وكذلك هذا يَوْمُ الْفَصْلِ [الصافات: ٢١ والمرسلات ٣٨] وكلّ ما أشبه هذا، فهو مثله. ولا يضاف إلى الفعل شيء، إلّا الحين، إلّا أنّهم قد قالوا «٤» [من الوافر وهو الشاهد الثامن والستون] :

стр. 184

باية تقدمون الخيل زورا ... كأنّ على سنابكها مداما «١» (وقالوا) «٢» [من الوافر وهو الشاهد التاسع والستون] : ألا من مبلغ عنّي تميما ... باية ما تحبّون الطّعاما «٣» فأضاف «آية» الى الفعل. وقالوا: «اذهب بذي تسلم» و «بذي تسلمان» فقوله: «ذي» مضاف إلى «تسلم» ، كأنه قال: «اذهب بذي سلامتك» ، وليس يضاف الى الفعل غير هذا. ولو قلت في الكلام: «واتّقوا يوم تجزي نفس فيه» ، فلم تنوّن اليوم، جاز كأنّك أضفت، وأنت لا تريد أن تجيء ب «فيه» ، ثمّ بدا لك بعد، فجئت به، كما تقول: «اليوم آتيك فيه» فنصبت «اليوم» لأنّك جئت ب «فيه» بعد ما أوجبت النّصب وقال قوم: «لا يجوز إضمار» «فيه» ألا ترى أنّك لا تقول: «هذا رجل قصدت» وأنت تريد «إليه» ولا «رأيت رجلا أرغب» وأنت تريد «فيه» «٤» والفرق بينهما، أنّ أسماء الزمان يكون فيها، ما لا يكون في غيرها، وإن شئت حملتها على المفعول في السّعة، كأنك قلت: «واتّقوا يوما لا تجزيه نفس» ، ثمّ ألقيت الهاء، كما تقول: «رأيت رجلا أحبّ» وأنت تريد «أحبّه» . باب من التأنيث والتذكير أمّا قوله تعالى تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [الآية ٤٨] ، فهو مثل قولك: «لا تجزي عنك شاة» و «يجزي عنك درهم» و «جزى عنك درهم» و «وجزت عنك شاة» . فهذه لغة أهل الحجاز، لا

стр. 185

يهمزون. وبنو تميم يقولون في هذا المعنى: «أجزأت عنه وتجزئ عنه شاة» ، وقوله «شيئا» ، كأنّه قال: «لا تجزئ الشاة مجزى ولا تغني غناء» . وقوله تعالى عَنْ نَفْسٍ يقول: «منها» أي: لا تكون مكانها. وأمّا قوله تعالى وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [الآية ٤٨] ، فإنّما ذكر الاسم المؤنّث، لأنّ كلّ مؤنّث فرّقت بينه وبين فعله، حسن أن تذكر فعله، إلّا أنّ ذلك يقبح في الإنس، وما أشبههم ممّا يعقل. لأنّ الذي يعقل، أشدّ استحقاقا للفعل. وذلك، أنّ هذا إنّما يؤنّث ويذكّر، ليفصل بين معنيين. والموات ك «الأرض» و «الجدار» ، ليس بينهما معنى، كنحو ما بين الرجل والمرأة. فكل ما لا يعقل يشبّه بالموات، وما يعقل يشبّه بالمرأة والرجل، نحو قوله تعالى رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٣) [يوسف] لما أطاعوا صاروا كمن يعقل، قال تعالى وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] فذكر الفعل حين فرقّ بينه وبين الاسم «١» وقال أيضا لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد: ١٥] «٢» وتقرأ (تؤخذ) «٣» . وقد يقال أيضا ذاك في الانس، زعموا أنهم يقولون: «حضر القاضي امرأة» . فأمّا فعل الجميع، فقد يذكّر ويؤنّث: لأن تأنيث الجميع ليس بتأنيث الفصل، ألا ترى أنك تؤنث جماعة المذكّر، فتقول: «هي الرّجال» و «هي القوم» ، وتسمي رجلا ب «بعال» ، فتصرفه، لأنّ هذا، تأنيث مثل التذكير، وليس بفصل، ولو سميته ب «عناق» ، لم تصرفه لأنّ هذا تأنيث، لا يكون للذّكر، وهو فصل ما بين المذكر والمؤنث، تقول: «ذهب الرجل» و «ذهبت المرأة» ، فتفصل بينهما. وتقول: «ذهب النساء» و «ذهبت النساء» و «ذهب الرجال» و «ذهبت الرجال» .

стр. 186

وفي كتاب الله: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) [الشعراء] ووَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ [الأنعام: ٦] . قال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد السبعون] : فما تركت قومي لقومك حيّة ... تقلّب في بحر ولا بلد قفر وقال: جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ [آل عمران: ٨٦ و ١٠٥] ووَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ [يوسف: ٣٠] . وقال الشاعر أشدّ من ذا وقد أخّر الفعل، قال [من المتقارب وهو الشاهد الثاني والثلاثون] : فإمّا تري لمّتي بدّلت ... فإنّ الحوادث أودى بها أراد «أودت بها» مثل فعل المرأة الواحدة، يجوز أن يذكّر، فذكر هذا. وهذا التذكير في الموات أقبح، وهو في الإنس أحسن، وذلك أنّ كلّ جماعة من غير الانس، فهي مؤنثة تقول: «هي الحمير» ، ولا تقول «هم» . إلّا أنهم قد قالوا: «أولئك الحمير» ، وذلك أن «أولئك» قد تكون للمؤنث والمذكر تقول: «رأيت أولئك النساء» . قال الشاعر «٢» : [من الكامل وهو الشاهد الحادي والسبعون] : ذمّي المنازل بعد منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأيّام «٣» وأمّا قوله تعالى وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الآية ٤٩] ووَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [الآية ٥٠] وأمكنة كثيرة، فإنّما هي على ما قبلها، إنّما يقول: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [الآية ٤٧] و «اذكروا إذ نجّيناكم» و «اذكروا إذ فرقنا بكم البحر» و «اذكروا إذ قلتم يا موسى لن نصبر» «٤» وقال بعضهم «فرّقنا» «٥» .

стр. 187

وقال تعالى وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الآية ٥١] أي: واعدناه انقضاء أربعين ليلة، أي: رأس الأربعين، كما قال أيضا وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وهذا مثل قولهم «اليوم أربعون يوما منذ خرج» و «اليوم يومان» أي: «اليوم تمام الأربعين» و «تمام يومين» «١» . باب أهل وآل وقوله تعالى مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ [الآية ٤٩] ، فإنّما حدّث عمّا كانوا يلقون منهم. ويَسُومُونَكُمْ في موضع رفع، وإن شئت جعلته في موضع نصب على الحال، كأنه «٢» يقول «وإذ نجّيناكم من آل فرعون سائمين لكم» والرفع على الابتداء. وأمّا «آل» ، فإنها تحسن إذا أضيفت الى اسم خاصّ، نحو: «أتيت آل زيد» ، و «أهل زيد» ، و «أهل مكة» و «آل مكة» ، و «أهل المدينة» ، و «آل المدينة» ،. ولو قلت: «أتيت آل الرجل» و «آل المرأة» لم يحسن، ولكن: «أتيت آل الله» وهم، زعموا، أهل مكة. وليس «آل» ، بالكثير في أسماء الأرضين وقد سمعنا من يقول ذلك «٣» . وإنّما هي همزة، أبدلت مكان الهاء، مثل «هيهات» و «أيهات» «٤» . وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ [الآية ٥٠] أي فرقنا بين الماءين حين مررتم فيه. وأمّا قوله تعالى بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [الآية ٥٤] ، فانتصب الْعِجْلَ، لأنّه مفعول به، تقول: «عجبت من ضربك زيدا» . وقوله بارِئِكُمْ مهموز لأنه من «برأ الله

стр. 188

الخلق» «يبرأ» «برآ» . وقد قرأ بعضهم، هذه الهمزة بالتخفيف، فجعلها بين الهمزة وبين الياء «١» . وقد زعم قوم، أنّها تجزم «٢» ، ولا أرى ذلك إلّا غلطا منهم، سمعوا التخفيف، فظنّوا أنّه مجزوم، والتخفيف لا يفهم إلّا بمشافهة، ولا يعرف في الكتاب. ولا يجوز الإسكان، إلّا أن يكون أسكن، وجعلها نحو «علم» و «قد ضرب» و «قد سمع» ونحو ذلك «٣» . سمعت من العرب، من يقول: (جاءت رسلنا) «٤» جزم اللام، وذلك لكثرة الحركة، قال الشاعر «٥» [من السريع وهو الشاهد الثاني والسبعون] : وأنت لو باكرت مشمولة ... صهباء مثل الفرس الأشقر «٦» رحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر وقال امرؤ القيس «٧» [من السريع وهو الشاهد الثالث والسبعون] : فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل «٨» وقال آخر [من الرجز وهو الشاهد الرابع والسبعون] : إنّ بني ثمره فؤادي وقال آخر [من الرجز وهو الشاهد الخامس والسبعون] :

стр. 189

يا علقمه يا علقمه يا علقمه ... خير تميم كلّها وأكرمه وقال «١» [من الرجز وهو الشاهد السادس والسبعون] : إذا اعوججن قلت صاحب قوّم ... بالدّوّ أمثال السّفين العوّم «٢» ويكون «رسلنا» على الإدغام «٣» ، يدغم اللام في النون ويجعل فيها غنّة. والإسكان في (بارئكم) على البدل لغة الذين قالوا: «أخطيت» وهذا لا يعرف «٤» . باب الفعل أمّا قوله تعالى حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [الآية ٥٥] فيقال: «جهارا» أي: «عيانا يكشف ما بيننا وبينه» كما تقول: «جهرت الرّكيّة» إذا كان ماؤها قد غطّاه الطين فنفي ذلك حتّى يظهر الماء، ويصفو «٥» . وأمّا قوله تعالى وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [الآية ٥٧] ، ف «الغمام» واحدته «غمامة» ، مثل «السّحاب» واحدته «سحابة» «٦» . وأما «السّلوى» ، فهو طائر لم يسمع له بواحد، وهو شبيه أن يكون واحده «سلوى» ، مثل جماعته، كما قالوا: «دفلى» للواحد والجماعة، و «سلامى» للواحد والجماعة، وقد قالوا «سلاميات» ، وقالوا «حبارى» للواحد، وقالوا للجماعة: «حباريات» ، وقال بعضهم للجماعة «حبارى» . قال الشاعر «٧» [من الطويل وهو الشاهد السابع والسبعون] : وأشلاء لحم من حبارى يصيدها ... إذا نحن شئنا صاحب متألّف «٨» وقالوا: «شكاعى» للواحد

стр. 190

والجماعة «١» ، وقال بعضهم للواحد: «شكاعاة» «٢» . وقوله تعالى وَقُولُوا حِطَّةٌ [الآية ٥٨] أي: «قولوا» «لتكن منك حطة لذنوبنا» ، كما تقول للرجل: «سمعك إليّ» . كأنّهم قيل لهم: قولوا: «يا ربّ لتكن منك حطّة لذنوبنا» . وقد قرئت نصبا، على أنّه بدل، من اللفظ بالفعل. وكلّ ما كان بدلا من اللفظ بالفعل، فهو نصب الفعل، كأنّه قال: «احطط عنّا حطّة» «٣» فصارت بدلا من «حطّ» ، وهو شبيه بقولهم: «سمع وطاعة» ، فمنهم من يقول: «سمعا وطاعة» ، إذا جعله بدل: «أسمع سمعا وأطيع طاعة» . وإذا رفع، فكأنّه قال: «أمري سمع وطاعة» . قال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الثامن والسبعون] : أناخوا بأيدي عصبة وسيوفهم ... على أمّهات الهام ضربا شاميا وقال الاخر «٤» [من الوافر وهو الشاهد التاسع والسبعون] : تركنا الخيل وهي عليه نوحا ... مقلّدة أعنّتها صفونا «٥» وقال بعضهم: «وهي عليه نوح» ، جعلها في التشبيه هي النوح، لكثرة ما كان ذلك منها، كما تقول: «إنّما أنت شرّ» و «إنّما هو حمار» في الشّبه، أو تجعل الرفع، كأنّه قال: «وهي عليه صاحبة نوح» ، فألقى الصاحبة، وأقام النوح مقامها. ومثل ذلك قول الخنساء «٦» [من البسيط وهو الشاهد الثمانون] :

стр. 191

ترتع ما رتعت حتّى إذا ذكرت فإنّما هي إقبال وإدبار «١» ومثله قراءة من قرأ: (قالوا معذرة الى ربّكم) «٢» ، أي كأنّهم قالوا: «موعظتنا إيّاهم معذرة» ، وقد نصب «٣» على: «نعتذر معذرة» وقال تعالى فَأَوْلى لَهُمْ [محمد: ٢٠] طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: ٢١] على قوله إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ [محمد: ١٨] فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ جعل الطاعة مبتدأ، فقال طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خير من هذا، أو جعل طاع مبتدأ، فقال «طاعة وقول معروف خير من هذا» . وزعم يونس «٤» أنّه قيل لهم «قولوا حطة» أي: تكلّموا بهذا الكلام. كأنه فرض عليهم أن يقولوا هذه الكلمة مرفوعة. وقال تعالى فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ [الآية ٥٩] وقال أيضا وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) [المدّثّر] وقرأ بعضهم (والرّجز) «٥» . وذكروا أن «الرّجز» : صنم، كانوا يعبدونه فأما «الرجز» ، فهو: «الرجس. (والرّجس: النّجس) قال تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: ٢٨] و «النجس» : القذر. وقال تعالى

стр. 192

فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [الآية ٦٠] يكسر الشين بنو تميم «١» ، وأما أهل الحجاز فيسكّنون «٢» . وقوله تعالى وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) . من «عثي» «يعثى» وقال بعضهم: «يعثو» من «عثوت» ، ف «أنا أعثو» ، مثل: «غزوت» ف «أنا أغزو» . باب زيادة «من» وأمّا قوله تعالى يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها [الآية ٦١] فدخلت فيه (من) كنحو ما تقول في الكلام: «أهل البصرة يأكلون من البرّ والشّعير» وتقول: «ذهبت فأصبت من الطّعام» ، تريد «شيئا» ولم تذكر الشيء. كذلك يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شيئا، ولم يذكر الشيء، وان شئت جعلته، على قولك: «ما رأيت من أحد» ، تريد: «ما رأيت أحدا» ، و «هل جاءك من رجل» تريد هل جاءك رجل. فان قلت: «إنّما يكون هذا في النفي والاستفهام» فقد جاء في غير ذلك قال تعالى وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ [الآية ٢٧١] فهذا ليس باستفهام ولا نفي. وتقول: «زيد من أفضلها» ، تريد: هو أفضلها، وتقول العرب: «قد من حديث، فخلّ عنّي حتّى أذهب» يريدون: قد كان حديث «٣» . ونظيره قولهم: «هل لك في كذا وكذا ولا يقولون: «حاجة، و: لا عليك» يريدون: لا بأس عليك. وأمّا قوله تعالى اهْبِطُوا مِصْراً [الآية ٦١] وادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) [يوسف] فزعم بعض الناس، أنّه ﷻ يعني فيهما جميعا «مصر» بعينها، ولكن ما كان من اسم مؤنّث على هذا النحو «هند» و «جمل» فمن العرب من يصرفه، ومنهم من لا يصرفه. وقال بعضهم:

стр. 193

«أمّا التي في «يوسف» فيعني بها «مصر» ، بعينها، والتي في «البقرة» ، يعني بها مصرا من الأمصار. وأما قوله تعالى وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الآية ٦١] فمعنى باؤوا: «رجعوا به» أي صار عليهم، وتقول «باء بذنبه يبوء بوءا» «١» . وقال تعالى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [المائدة: ٢٩] مثله. باب من تفسير الهمز أمّا قوله تعالى وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ [الآية ٦١] ووَ يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ [آل عمران: ١١٢] كل ذلك جماعة العرب تقوله. ومنهم، من يقول «النّبآء» ، أولئك الذين يهمزون «النبيء» ، فيجعلونه مثل «عريف» و «عرفاء» «٢» . والذين لم يهمزوه، مثل بنات الياء، فصار مثل «وصيّ» و «أوصياء» ، ويقولون أيضا: «هم وصيّون» . وذلك أنّ العرب تحوّل الشيء من الهمزة حتّى يصير كبنات الياء «٣» ، ويجتمعون على ترك همزة نحو «المنسأة» ولا يكاد أحد يهمزها، إلّا في القرآن، فإنّ أكثرهم قرأها بالهمز وبها نقرأ «٤» ، وهي من «نسأت» . وجاء ما كان من «رأيت» ، على «يفعل» أو «تفعل» أو «نفعل» أو «أفعل» غير مهموز، وذلك أنّ الحرف الذي كان قبل الهمزة، ساكن، فحذفت الهمزة وحرّك الحرف الذي قبلها بحركتها كما تقول: «من أبوك» «٥» .

стр. 194

قال تعالى: أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) [النجم] وقال: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) [التكاثر: ٦] وقال: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ [الأنفال: ٤٨] وقال: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) [الأعراف] وأمّا قوله تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) [الماعون] وأَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) [العلق] وما كان من «أرأيت» في هذا المعنى، ففيه لغتان، منهم من يهمز «١» ، ومنهم من يقول «أرايت» «٢» . وإنّما يفعل هذا، في «أرأيت» هذه التي وضعت للاستفهام، لكثرتها. فأما «أرأيت زيدا» ، إذا أردت «أبصرت زيدا» ، فلا يتكلّم بها إلّا مهموزة أو مخفّفة. ولا يكاد يقال «أريت» ، لأنّ تلك كثرت في الكلام، فحذفت كما حذفت في أمانّه ظريف» ، يريدون: «أما إنّه ظريف» فيحذفون، ويقولون أيضا: «لهنّك لظريف» يريدون: «لأنّك لظريف» . ولكن الهمزة حذفت كما في قولهم [من البسيط وهو الشاهد الحادي والثمانون] : لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب ... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني «٣» وقال الشاعر «٤» [من الكامل وهو الشاهد الثاني والثمانون] : أرأيت إن أهلكت مالي كلّه ... وتركت مالك فيم أنت تلوم «٥» فهمز، وقال الاخر «٦» : [من المتقارب وهو الشاهد الثالث والثمانون] : أريت امرأ كنت لم أبله ... أتاني وقال اتّخذني خليلا فلم يهمز: وقال «٧» [من الكامل وهو الشاهد الرابع والثمانون] :

стр. 195

يا خاتم النّبآء إنّك مرسل ... بالحقّ كلّ هدى السّبيل هداكا «١» وأمّا قوله تعالى بِما عَصَوْا [الآية ٦١] فجعله اسما هنا كالعصيان يريد: بعصيانهم، فجعل «ما» و «عصوا» اسما. وقوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [الآية ٦٣] فهذا على الكلام الأوّل، كأنّه «أذكروا إذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطّور خذوا» ثم: «فقلنا لكم» : «خذوا» «٢» . كما تقول: «أوحيت إليه: قم» ، كأنّه يقول: «أوحيت إليه، فقلت له: «قم» وكان في قولك: «أوحيت إليه» دليل على أنّك قد قلت له. وأمّا قوله تعالى وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ [الآية ٦٥] كأنّه يقول: «ولقد عرفتم» كما تقول: «لقد علمت زيدا ولم أكن أعلمه» «٣» . وقال تعالى وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: ٦٠] كأنّه يقول: «يعرفهم» . وقال تعالى لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة: ١٠١] أي: لا تعرفهم نحن نعرفهم. وإذا أردت العلم الاخر قلت: «قد علمت زيدا ظريفا» لأنّك تحدّث عن ظرفه. فلو قلت: «قد علمت زيدا» لم يكن كلاما. وأمّا قوله تعالى كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فلأنّك تقول: «خسأته» فخسئ» «يخسأ خسأ «٤» شديدا» ف «هو خاسئ» و «هم خاسئون» . وأمّا قوله تعالى فَجَعَلْناها نَكالًا [الآية ٦٦] ، فتكون على القردة، وتكون على العقوبة، التي نزلت بهم، فلذلك أنّثت. وأما قوله تعالى أَتَتَّخِذُنا هُزُواً [الآية

стр. 196

٦٧] ، فمن العرب والقرّاء من يثقّله «١» ، ومنهم من يخفّفه «٢» وزعم عيسى بن عمر، أنّ كلّ اسم على ثلاثة أحرف، أوّله مضموم، فمن العرب من يثقله، ومنهم من يخفّفه، نحو: «اليسر» و «اليسر» ، و «العسر» و «العسر» «الرحم» و «الرحم» «٣» . وقال بعضهم عُذْراً [المرسلات: ٦] خفيفة، (أو نذرا) [المرسلات: ٦] مثقلة، وهي كثيرة وبها نقرأ «٤» . وهذه اللغة التي ذكرها عيسى بن عمر، تحرّك أيضا ثانيه بالضم. وأمّا قوله تعالى: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ [الآية ٦٨] فارتفع، ولم يصر نصبا، كما ينتصب النفي، لأنّ هذه صفة في المعنى للبقرة. والنفي المنصوب لا يكون صفة من صفتها، إنّما هو اسم مبتدأ، وخبره مضمر، وهذا مثل قولك: «عبد الله لا قائم ولا قاعد» ، أدخلت «لا» ، للمعنى وتركت الإعراب على حاله لو لم يكن فيه «لا» . وأمّا قوله تعالى بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ [الآية ٦٩] ف «الفاقع» : الشديد الصفرة. ويقال: «أبيض يقق» : أي: شديد البياض، و «لهاق» و «لهق» و «لهاق» ، و «أخضر ناصر» ، و «أحمر قانئ» و «ناصع» و «فأقم» . ويقال: «قد

стр. 197

قنأت لحيته» ف «هي تقنأ قنوأ» أي: احمرّت. قال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد الخامس والثمانون] : . كما قنأت أنامل صاحب الكرم «١» و «قاطف الكرم» . وقال آخر «٢» [من الكامل وهو الشاهد السادس والثمانون] : من خمر ذي نطف أغنّ كأنّما ... قنأت أنامله من الفرصاد «٣» وأمّا في قوله تعالى إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [الآية ٧٠] فجعل «البقر» مذكّرا مثل «التّمر» و «البسر» كما تقول: «إنّ زيدا تكلّم يا فتى» وإن شئت قلت (يشّابه) «٤» وهي قراءة مجاهد «٥» ذكّر «البقر» يريد «يتشابه» ثم أدغم التاء في الشين. ومن أنّث «البقر» قال (تشّابه) «٦» فأدغم، وإن شاء حذف التاء الاخرة، ورفع، كما تقول «إنّ هذه تكلّم يا فتى» لأنها في «تشابه» إحداهما تاء «تفعل» ، والأخرى التي في «تشابهت» فهو في التأنيث معناه «تفعل» ، وفي التذكير معناه «فعل» و «فعل» أبدا مفتوح، كما ذكرت لك، والتاء محذوفة إذا أردت التأنيث، لأنّك تريد «تشابهت» فهي «تشابه» وكذلك كل ما كان من نحو «البقر» ، ليس بين

стр. 198

الواحد والجماعة فيه، إلّا الهاء، فمن العرب من يذكّره «١» ومنهم من يؤنّثه «٢» ، ومنهم من يقول: «هي البرّ والشّعير» «٣» وقال تعالى: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) [ق] فأنّث على تلك اللغة، وقال «باسقات» فجمع، لأن المعنى جماعة. وقال الله جل ثناؤه أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ [النور: ٤٣] ، فذكّر في لغة من يذكّر، قال وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) [الرعد] فجمع، على المعنى، لأنّ المعنى سحابات. وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ [يونس: ٤٣] وقال سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [يونس: ٤٢] على المعنى واللفظ. وقد قال بعضهم: إنّ الباقر «٤» مثل «الجامل» يعني «البقر» و «الجمال» قال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد السابع والثمانون] : مالي رأيتك بعد أهلك موحشا ... خلقا كحوض الباقر المتهدّم وقال «٥» [من الطويل وهو الشاهد الثامن والثمانون] : فإن تك ذا شاء كثير فإنّهم ... ذوو جامل لا يهدأ اللّيل سامره «٦» وأمّا قوله تعالى إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ [الآية ٧١] «مسلّمة» على «إنّها بقرة مسلّمة» . لا شِيَةَ فِيها [الآية ٧١] يقول: «لا وشي فيها» من «وشيت شية» كما تقول: «وديته دية» و «وعدته عدة» . وإذا استأنفت أَلْآنَ [الآية ٧١] ، قطعت الألفين جميعا لأنّ الألف الأولى مثل ألف «الرّجل» وتلك تقطع

стр. 199

إذا استؤنفت، والأخرى همزة ثابتة تقول «ألان» فتقطع ألف الوصل، ومنهم من يذهبها ويثبت الواو التي في قالُوا [الآية ٧١] لأنّه إنّما كان يذهبها لسكون اللام، واللّام قد تحركت لأنّه قد حوّل عليها حركة الهمزة «١» . وأما قوله تعالى وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها [الآية ٧٢] فإنّما هي «فتدارأتم» ، ولكنّ التاء تدغم أحيانا، كذا في الدّال لأنّ مخرجها من مخرجها. فلمّا أدغمت فيها حوّلت، فجعلت دالا مثلها، وسكّنت فجعلوا ألفا قبلها حتى يصلوا إلى الكلام بها، كما قالوا: «اضرب» فألحقوا الالف حين سكنت الضّاد. ألا ترى أنك إذا استأنفت قلت «ادّارأتم» ومثلها يَذْكُرُونَ «٢» و «تذّكّرون» «٣» وأَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ «٤» ومثله في القرآن كثير. وإنّما هو «يتدبّرون» فأدغمت التاء في الدال، لأنّ التاء قريبة المخرج من الدال، مخرج الدال بطرف اللسان وأطراف الثنيتين، ومخرج التاء بطرف اللسان وأصول الثنيتين. فكلّ ما قرب مخرجه، فافعل به هذا، ولا تقل في «يتنزّلون» : «ينزّلون» لأنّ النون ليست من حروف الثنايا كالتاء. وقال تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [الآية ٧٤] وليس قوله: أَوْ أَشَدُّ كقولك: «هو زيد أو عمرو» إنّما هذه أَوْ التي في معنى الواو، نحو قولك، «نحن نأكل البرّ أو الشّعير أو الأرزّ، كلّ هذا نأكل» ف أَشَدُّ ترفع على خبر المبتدأ. وإنما هو «وهي أشدّ قسوة» وقرأ بعضهم (فهي كالحجارة) فأسكن الهاء، وبعضهم يكسرها. وذلك أنّ لغة العرب في «هي» و «هو» ولام الأمر، إذا كان قبلهن واو، أو فاء، أسكنوا أوائلهن. ومنهم من يدعها. قال تعالى وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [القصص: ٧٠] وقال تعالى:

стр. 200

وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «١» . وقال: ْيَعْبُدُوا [قريش: ٣] يجوز فيها، في غير القرآن، الوقف والكسر. باب إنّ وأنّ قال وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الآية ٧٤] فهذه اللّام، كما نعلم، لام التوكيد، وهي منصوبة، تقع على الاسم الذي تقع عليه «إنّ» ، إذا كان بينها وبين «إنّ» حشو من الكلام، نحو أن نقول: «إنّ في الدار لزيدا» . وتقع هذه اللام أيضا في خبر «إنّ» ، وتصرف «إنّ» إلى الابتداء، تقول: «أشهد إنّه لظريف» كأن اللاحق، في مثل هذا الترتيب، يعمل في السابق، قال الله وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) [المنافقون] وقال: أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) [العاديات] وهذا لو لم تكن فيه اللام كان «أنّ ربّهم» ، لأنّ «أنّ» الثقيلة إذا كانت وهي وما عملت فيه بمنزلة «ذاك» أو بمنزلة اسم فهي أبدا «أنّ» مفتوحة. وإن لم يحسن مكانها وما عملت فيه اسم، فهي «إنّ» على الابتداء. ألا ترى إلى قوله تعالى اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) [البقرة] يقول: «اذكروا هذا» وقال تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ [الصافات] لأنه يحسن في مكانه «لولا ذاك» وكل ما حسن فيه «ذاك» أن تجعله مكان «أنّ» وما عملت فيه فهو «أنّ» . وإذا قلت يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ لم يحسن أن تقول: يعلم لذلك» . فان قلت: «اطرح اللام أيضا وقل «يعلم ذاك» فاللام ليست مما عملت فيه «إنّ» . وأمّا في قوله تعالى: إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ [الفرقان: ٢٠] فلم تنكسر إلّا هذه من أجل اللام [و] لو لم تكن فيها لكانت «أنّ» أيضا لأنّه لا يحسن أن تقول «ما أرسلنا قبلك إلّا ذاك» و «ذاك» هو القصة. قال الشاعر «٢» : [من

стр. 201

المنسرح وهو الشاهد التاسع والثمانون] : ما أعطياني ولا سألتهما ... إلّا وإني لحاجزي كرمي فلو ألقيت من هذه اللام أيضا لكانت «أن» . وقال تعالى ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) [الأنفال] كأنه قال: «ذاك الأمر» وهذا قوله تعالى وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ تقع في مكانه «هذا» . وقال ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) [الأنفال] كأنه على جواب من قال: «ما الأمر» ؟ أو نحو ذلك فيقول للذين يسألون: «ذلكم.» كأنه قال: «ذلكم الأمر، وأنّ الله موهن كيد الكافرين» فحسن أن يقول: «ذلكم» و «هذا» . وتضمر الخبر أو تجعله خبرا مضمرا. قال تعالى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) [طه] لأنّه يجوز أن تقول: «إنّ لك ذاك» و «هذا» وهذه الثلاثة الأحرف، يجوز فيها كسر «إنّ» على الابتداء. فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ [آل عمران: ٣٩] فيجوز أن تقول: «فنادته الملائكة بذاك» وإن شئت رفعته على الحكاية، كأنه يقول: «فنادته الملائكة فقالت: إنّ الله يبشّرك» ، لأنّ كلّ شيء بعد القول حكاية، تقول: «قلت: «عبد الله منطلق» قلت: «إنّ عبد الله زيدا منطلق» ، إلّا في لغة من أعمل القول من العرب كعمل الظنّ فذاك ينبغي له أن يفتح «أنّ» . وقال تعالى إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [الأنبياء: ٩٢ والمؤمنون: ٥٢] فيزعمون أن هذا، ولأنّ «هذه أمّتكم واحدة وأنا ربّكم فاتّقون» يقول: «فاتّقون لأنّ هذه أمّتكم» وهذا يحسن فيه كذاك، فإن قلت: «كي تلحق اللام ولم تكن في الكلام» . فإنّ طرح اللام وأشباهها من حروف الجرّ، من «أنّ» حسن، ألا تراه يقول: «أشهد أنّك صادق» ، وإنّما هو: «أشهد على ذلك» . وقال تعالى وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) [الجن] يقول: «فلا تدعوا مع الله أحدا لأنّ المساجد لله» ، وفي هذا الإعراب ضعف، لأنّه عمل فيه ما بعده، أضافه اليه بحرف الجر. ولو قلت «أنّك صالح بلغني» لم يجز، وإن جاز في ذلك. لأنّ حرف الجر لمّا تقدّم ضميره قوي. وقد قرئ

стр. 202

مكسورا «١» . وقال بعضهم: «إنّما هذا على أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ١] و «أوحي إليّ أنّ المساجد لله» و «أوحي إليّ أنه لمّا قام عبد الله» . وقد قرئ وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا «٢» ففتح كلّ «أن» يجوز فيه على الوحي. وقرأ بعضهم (وإنّه تعالى جدّ ربّنا) «٣» فكسروها من قول الجن «٤» . فلما صار بعد القول صار حكاية، وكذاك ما بعده، مما هو من كلام الجن. وأمّا «إنّما» ، فإذا حسن مكانها «أنّ» فتحتها، وإذا لم تحسن كسرتها. قال تعالى، حكاية عن الرسول محمد (ص) ، قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [فصّلت: ٦] فالآخرة يحسن مكانها «أنّ» فتقول: «يوحي إليّ أنّ إلهكم إله واحد» قال الشاعر «٥» [من الطويل وهو الشاهد التسعون] : أراني- ولا كفران لله- إنّما ... أواخي من الأقوام كلّ بخيل «٦» لأنّه لا يحسن هاهنا «أنّ» فلو قلت: «أراني أنّما أواخي من الأقوام» لم يحسن. وقال «٧» [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والتسعون] :

стр. 203

أبلغ الحارث بن ظالم المو ... عد والناذر النّذور عليّا أنّما تقتل النّيام، ولا ... تقتل يقظان ذا سلاح كميّا فحسن أن تقول: «أنّك تقتل النّيام» «١» . وأمّا قوله أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) [المؤمنون] فالآخرة بدل من الأولى. وأمّا «إن» الخفيفة فتكون في معنى «ما» كقول الله إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [الملك: ٢٠] اي: ما الكافرون. وقال إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [الزخرف: ٨١] أي: ما كان للرحمن ولد فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) [الزخرف] من هذه الأمّة للرّحمن، بنفي الولد عنه. أي: أنا أوّل العابدين بأنّه ليس للرحمن ولد. وقرأ بعضهم (فأنا أوّل العبدين) «٢» يقول: «أنا أوّل من يغضب من ادّعائكم لله ولدا» ويقول: «عبد» «يعبد» عبدا» أي: غضب. وقال تعالى وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٥٢] فهي مكسورة أبدا إذا كانت في معنى «ما» وكذلك وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ [الأحقاف: ٢٦] ، ف «إن» بمنزلة «ما» ، و «ما» التي قبلها بمنزلة «الذي» . ويكون للمجازاة نحو قوله تعالى وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [الآية ٢٨٤] وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا [التغابن: ١٤] . وتزاد «إن» مع «ما» ، يقولون: «ما إن كان كذا وكذا» أي: «ما كان كذا وكذا» ، «ما إن هذا زيد» . ولكنها تغير «ما» فلا ينصب بها الخبر. وقال الشاعر «٣» [من الوافر وهو الشاهد الثاني والتسعون] : وما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا وطعمة آخرينا «٤»

стр. 204

وتكون خفيفة في معنى الثقيلة، وهي مكسورة، ولا تكون إلّا وفي خبرها اللام، يقولون: «إن زيد لمنطلق» ولا يقولونه بغير لام، مخافة أن تلتبس بالتي معناها «ما» . وقد زعموا أنّ بعضهم يقول: إن زيدا لمنطلق» يعملها على المعنى، وهي مثل إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) [الطارق] ، يقرأ بالنصب «١» ، والرفع، و «ما» زيادة للتّوكيد، واللام زيادة للتوكيد، وهي التي في قوله تعالى وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) [الحجر] ، ولكنها، إنّما وقعت على الفعل، حين خفّفت، كما تقع «لكن» على الفعل، إذا خفّفت. ألا ترى أنك تقول: «لكن قد قال ذاك زيد» . ولم تعرّ من اللام في قوله تعالى: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) ، وعلى هذه اللغة فيما نرى- والله اعلم- إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «٢» ، وقد شدّدها قوم فقالوا (إنّ هذان) «٣» وهذا لا يكاد يعرف، إلّا أنّهم يزعمون أنّ بلحارث بن كعب يجعلون الياء في أشباه هذا ألفا، فيقولون: «رأيت أخواك» و «رأيت الرجلان» «٤» ، وأوضعته علاه» و «ذهبت

стр. 205

إلاه» «١» ، فزعموا أنه على هذه اللغة بالتثقيل تقرأ. وزعم أبو زيد «٢» أنّه سمع أعرابيا فصيحا من بلحارث يقول: «ضربت يداه» و «وضعته علاه» يريد: يديه وعليه. وقرأ بعضهم (إنّ هذين لساحران) «٣» وذلك خلاف الكتاب. وقال الشاعر «٤» [من الرجز وهو الشاهد الثالث والتسعون] : طاروا عليه «٥» فشل «٦» علاها ... واشدد بمثنى «٧» حقب حقواها ناجية وناجيا أباها وأمّا «أن» الخفيفة فتكون زائدة مع «فلمّا» و «لمّا» قال تعالى فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف: ٩٦] وانما هي «فلمّا جاء البشير» وقال وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا [العنكبوت: ٣٣] يقول «ولمّا جاءت» وتزاد أيضا مع «لو» يقولون: «أن لو جئتني كان خيرا لك» يقول «لو جئتني» . وتكون في معنى «أي» قال تعالى وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: ٦] يقول «أي امشوا» . وتكون خفيفة في معنى الثقيلة في مثل قوله تعالى: أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [يونس: ١٠] و (أن لعنة الله عليه) «٨» على قولك «أنه لعنة الله»

стр. 206

و «أنه الحمد لله» . وهذه بمنزلة قوله تعالى أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩] و (وحسبوا ألّا تكون فتنة) «١» ولكن هذه إذا خفّفت وهي إلى جنب الفعل، لم يحسن إلّا إن معها «لا» ، حتّى تكون عوضا من ذهاب التثقيل والإضمار. ولا تعوض «لا» في قوله تعالى أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لأنّها لا تكون، وهي خفيفة، عاملة في الاسم. وعوّضها «لا» إذا كانت مع الفعل لأنّهم أرادوا أن يبيّنوا أنّها لا تعمل في هذا المكان، وأنها ثقيلة في المعنى. وتكون «أن» الخفيفة تعمل في الفعل، وتكون هي الفعل اسما للمصدر، نحو قوله تعالى: عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) [القيامة] إنّما هي «على تسوية بنانه» . باب من الاستثناء وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [الآية ٧٨] منصوبة، لأنه مستثنى، ليس من أوّل الكلام، وهذا الذي يجيء في معنى «لكن» ، خارجا من أوّل الكلام، إنّما يريد «لكن أمانيّ» ، و «لكنّهم يتمنّون» . وإنّما فسّرناه ب «لكن» لنبيّن خروجه من الأوّل. ألا ترى أنك إذا ذكرت «لكن» وجدت الكلام منقطعا من أوّله، ومثل ذلك في القرآن كثير (منه قوله وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ [الليل] وقوله: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧] وقوله: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا [هود: ١١٦] كأنّه يقول: «فهلّا كان منهم من ينهى» ثم كأنّه قال: «ولكن قليلا منهم من ينهى» ثمّ كأنّه قال «ولكن «٢» قليل منهم قد نهوا» فلمّا جاء مستثنى خارجا من الأوّل انتصب. ومثله فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [يونس: ٩٨] كأنه يقول «فهلّا كانت» ثمّ قال: «ولكنّ قوم يونس» ف «إلا» تجيء في معنى «لكنّ» . وإذا عرفت أنها في معنى «لكنّ» ، فينبغي أن تعرف خروجها من أوّله. وقد يكون (إلّا قوم

стр. 207

يونس) رفعا «١» ، تجعل «إلّا» وما بعده، في موضع صفة بمنزلة «غير» ، كأنّه قال: «فهلّا كانت قرية آمنت غير قرية قوم يونس» ومثلها لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] فقوله تعالى إِلَّا اللَّهَ صفة، ولولا ذلك لانتصب، لأنه مستثنى مقدّم، يجوز إلقاؤه من الكلام. وكلّ مستثنى مقدّم، يجوز إلقاؤه من الكلام نصب، وهذا قد يجوز إلقاؤه، فلو قلت «لو كان فيهما آلهة لفسدتا» جاز، فقد يجوز فيه النّصب، ويكون مثل قوله «ما مرّ بي أحد إلّا مثلك» . قال الشاعر «٢» فيما هو صفة [من الطويل وهو الشّاهد الرابع والتسعون] : أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلّا بغامها وقال «٣» [من الوافر وهو الشاهد الخامس والتسعون] : وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر «٤» أبيك إلا الفرقدان ومثل المنصوب الذي في معنى «لكن» ، قوله الله وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا [يس] وهو في الشعر كثير وفي الكلام. قال الفرزدق «٥» [من الطويل وهو الشاهد السادس والتسعون] : وما سجنوني غير أنّي ابن غالب ... وأنّي من الأثرين غير الزّعانف «٦» يقول: «ولكنّني» ، وهو مثل قولهم: «ما فيها أحد إلّا حمارا» لما كان ليس من أوّل الكلام جعل على معنى «لكنّ»

стр. 208

ومثله [من الخفيف وهو الشاهد السابع والتسعون] : ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلا وضرب الرّقاب «١» وقوله «٢» [من الطويل وهو الشاهد الثامن والتسعون] : حلفت يمينا غير ذي مثنوية ... ولا علم إلّا حسن ظنّ بغائب «٣» باب الجمع وأمّا تثقيل الْأَمانِيُّ فلأنّ واحدها «أمنيّة» مثقّل. وكلّ ما كان واحده مثقّلا مثل: «بختيّة» و «بخاتيّ» فهو مثقّل. وقد قرأ بعضهم (إلّا أماني) فخفّف «٤» ، وذلك جائز، لأنّ الجمع على غير واحده، وينقص منه، ويزاد فيه. فأما «الأثافي» فكلّهم يخفّفها، وواحدها «أثفيّة» مثقّلة، وإنّما خفّفوها، لأنّهم يستعملونها في الكلام والشعر كثيرا، وتثقيلها في القياس جائز «٥» . ومثل تخفيف «الأماني» ، قولهم: «مفتاح» و «مفاتح» «٦» وفي «معطاء» «معاط» «٧» قال الأخفش «٨» : «قد سمعت بلعنبر تقول: «صحاري» و «معاطيّ» فتثقل. وقوله تعالى وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) أي: «فما هم إلّا يظنّون» . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ [الآية ٧٩]

стр. 209

يرفع «الويل» ، لأنّه اسم مبتدأ، جعل ما بعده خبره. وكذلك «الويح» ، و «الويل» ، و «الويس» ، إذا كانت بعدهنّ هذه اللام، ترفعهن. أمّا «التّعس» ، و «البعد» ، وما أشبههما فهو نصب أبدا، وذلك أنّ كلّ ما من هذا النحو تحسن إضافته بغير لام، فهو رفع باللام، ونصب بغير لام، نحو وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) [المطففين] و «ويل لزيد» ولو ألقيت اللام قلت: «ويل زيد» ، و «ويح زيد» ، و «ويس زيد» ، فقد حسنت إضافته بغير لام، فلذلك رفعته باللام مثل فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) «١» . وأما قوله أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ [هود: ٩٥] وأَلا بُعْداً لِثَمُودَ [هود: ٦٨] ووَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ [محمد: ٨] فهذا لا تحسن إضافته بغير لام. ولو قلت: «تعسهم» أو «بعدهم» ، لم يحسن. وانتصاب هذا كلّه بالفعل، كأنّك قلت: «أتعسهم الله تعسا» «وأبعدهم الله بعدا» . وإذا قلت «ويل زيد» ، فكأنّك قلت «ألزمه الله الويل» «٢» . وأمّا رفعك إيّاه باللام، فإنّما كان، لأنّك جعلت ذلك، واقعا واجبا لهم في الاستحقاق. ورفعه على الابتداء، وما بعده مبني عليه، وقد ينصبه قوم، على ضمير الفعل، وهو قياس حسن، فيقولون: «ويلا لزيد» و «ويحا لزيد» . قال الشاعر «٣» [من الطويل وهو الشاهد التاسع والتسعون] : كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها ... فويلا لتيم من سرابيلها الخضر «٤» قال الأخفش «٥» «حدّثني عيسى بن

стр. 210

عمر «١» أنّه سمع الأعراب ينشدونه هكذا بالنصب، ومنهم من يرفع ما ينصب في هذا الباب. قال أبو زبيد «٢» [من الطويل وهو الشاهد المائة] : أغار وأقوى ذات يوم وخيبة ... لأوّل من يلقى وغيّ ميسّر «٣» باب اللام وقوله تعالى لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [الآية ٧٩] ، فهذه اللّام إذا كانت في معنى «كي» ، كان ما بعدها نصبا على ضمير «أن» ، وكذلك المنتصب ب «كي» ، هو أيضا على ضمير «أن» ، كأنّه يقول: «الاشتراء» ، ف «يشتروا» لا يكون اسما إلّا ب «أن» ، ف «أن» مضمرة وهي الناصبة، وهي في موضع جرّ باللام. وكذلك كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً [الحشر: ٧] «وأن» مضمرة، وقد جرّتها «كي» ، وقالوا: «كيمه» ، ف «مه» اسم، لأنّه «ما» التي في الاستفهام، وأضاف «كي» إليها. وقد يكون «كي» بمنزلة «أن» ، هي الناصبة وذلك قوله تعالى لِكَيْلا تَأْسَوْا [الحديد: ٢٣] فأوقع عليها اللام. ولو لم تكن «كي» وما بعدها اسما لم تقع عليها اللام، وكذلك ما انتصب بعد «حتّى» ، إنّما انتصب بإضمار «أن» ، قال تعالى حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] ، وحَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [الآية ١٢٠] ، إنّما هو «حتّى أن يأتي» و «حتّى أن تتبّع» ، وكذلك جميع ما في القرآن من «حتّى» . وكذلك وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [الآية ٢١٤] أي: «حتّى أن يقول،» لأنّ «حتّى» في معنى «إلى» ، تقول «أقمنا حتّى الليل» أي: «إلى اللّيل» . فإن قيل: إظهار «أن» هاهنا قبيح، قلت: «قد تضمر أشياء يقبح إظهارها إذا كانوا يستغنون عنها» . ألا ترى أنّ قولك: «إن زيدا ضربته» ، منتصب بفعل مضمر لو أظهرته لم يحسن. وقد قرئت هذه الآية

стр. 211

(وزلزلوا حتّى يقول الرّسول) «١» يريد: «حتّى الرّسول قائل» ، جعل ما بعد «حتّى» مبتدأ. وقد يكون ذلك نحو قولك: «سرت حتّى أدخلها» ، إذا أردت: «سرت فإذا أنا داخل فيها» ، و «سرت» أمس حتّى أدخلها اليوم» ، أي: حتّى «أنا اليوم أدخلها فلا أمنع» . وإذا كان غاية للسير نصبته. وكذلك ما لم يجب، ممّا يقع عليه «حتّى» نحو لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) [الكهف] وأمّا وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج: ٤٧] فنصب ب «لن» كما نصب ب «أن» وقال بعضهم: إنّما هي «أن» جعلت معها «لا» كأنه يريد «لا أن يخلف الله وعده» فلمّا كثرت في الكلام حذفت، وهذا قول، وكذلك جميع «لن» في القرآن. وينبغي لمن قال ذلك القول أن يرفع «أزيد لن تضرب» لأنّها في معنى «أزيد لا ضرب له» . وكذلك ما نصب ب «إذن» تقول: «إذن آتيك» تنصب بها كما تنصب ب «أن» وب «لن» فإذا كان قبلها الفاء أو الواو رفعت، نحو قول الله وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) [الأحزاب] وقوله فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) [النساء] وقد يكون هذا نصبا أيضا عنده على إعمال «إذن» . وزعموا أنّه في بعض القراءة منصوب «٢» وإنّما رفع، لأنّ معتمد الفعل صار على الفاء والواو، ولم يحمل على «إذن» ، فكأنه قال: «فلا يؤتون الناس إذا نقيرا» و «ولا تمتّعون إذن» . وقوله تعالى لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ [الحديد: ٢٩] و (وحسبوا ألّا تكون فتنة) «٣»

стр. 212

وأَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩] فارتفع الفعل بعد «أن لا» ، «١» ، لأنّ ( «أن» ) هذه مثقّلة في المعنى، ولكنها خفّفت، وجعل الاسم فيها مضمرا والدليل على ذلك، أنّ الاسم يحسن فيها والتثقيل. ألا ترى أنّك تقول: «أفلا يرون أنّه لا يرجع إليهم» ، وتقول: «أنّهم لا يقدرون على شيء» و «أنّه لا تكون فتنة» . وقال تعالى آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ [آل عمران: ٤١ ومريم: ١٠] نصب، لأن هذا ليس في معنى المثقّل، إنّما هو آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ كما تقول: (آيتك أن تكلّم) ، وأدخلت «لا» للمعنى الذي أريد من النفي. ولو رفعت هذا، جاز على معنى آيتك أنّك لا تكلّم «٢» ، ولو نصب الاخر جاز على أن تجعلها «أن» الخفيفة التي تعمل في الأفعال «٣» . ومثل ذلك قوله تعالى إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) [الانشقاق] وقوله تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) [القيامة] . وقال إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [الآية ٢٣٠] وتقول: «علمت أن لا تكرّمني» و «حسبت أن لا تكرمني» . فهذا مثل ما ذكرت لك. فإنّما صار «علمت» و «استيقنت» ما بعده رفع لأنّه واجب. فلمّا كان واجبا لم يحسن أن يكون بعده «أن» التي تعمل في الأفعال، لأنّ تلك إنّما تكون في غير الواجب، ألا ترى أنك تقول «أريد أن تأتيني» فلا يكون هذا إلّا لأمر لم يقع، وارتفع ما بعد الظن وما أشبهه لأنه مشاكل للعلم، لأنه يعلم بعض الشيء إذا كان يظنّه. وأما «خشيت أن لا تكرمني» فهذا لم يقع. ففي مثل هذا تعمل أن الخفيفة، ولو رفعته على أمر قد استقرّ عندك، وعرفته، كأنّك جرّبته، فكان لا يكرمك، فقلت: «خشيت أن لا تكرمني» أي: خشيت أنّك لا تكرمني جاز.

стр. 213

وزعم «١» يونس «٢» ، أنّ ناسا من العرب يفتحون اللام التي في مكان «كي» «٣» ، وأنشدوا هذا البيت، فزعم أنّه سمعه مفتوحا [من الوافر وهو الشاهد الحادي بعد المائة] : يؤامرني ربيعة كلّ يوم ... لأهلكه وأقتني الدّجاجا «٤» وزعم خلف «٥» ، أنّها لغة لبني العنبر، وأنه سمع رجلا ينشد هذا البيت منهم مفتوحا [من الطويل وهو الشاهد الثاني بعد المائة] : فقلت لكلبيّي قضاعة إنّما ... تخبّر تخبرتماني أهل فلج لأمنعا «٦» يريد «من أهل فلج» . وقد سمعت أنا ذلك من العرب، وذلك أنّ أصل اللام الفتح، وإنما كسرت في الإضافة ليفرّق بينها وبين لام الابتداء. وزعم أبو عبيدة «٧» أنّه سمع لام «لعلّ» مفتوحة في لغة من يجرّ بها ما بعدها في قول الشاعر «٨» [من الوافر وهو الشاهد الثالث بعد المائة] : لعلّ الله يمكنني عليها ... جهارا من زهير أو أسيد «٩»

стр. 214

يريد «لعلّ عبد الله» فهذه اللام مكسورة لأنها إضافة. وقد زعم انه قد سمعها مفتوحة فهي مثل لام «كي» . وقد سمعنا من العرب من يرفع بعد «كيما» وأنشد «١» [من الطويل وهو الشاهد الرابع بعد المائة] : إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما ... يرجّى الفتى «٢» كيما يضرّ وينفع فهذا جعل «ما» اسما وجعل «يضرّ» و «ينفع» من صلته جعله اسما للفعل وأوقع «كي» عليه وجعل «كي» بمنزلة اللام. وقوله تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ «٣» وقوله أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) «٤» فيشبه أن تكون الفاء زائدة كزيادة «ما» ويكون الذي بعد الفاء بدلا من «أن» التي قبلها. وأجوده أن تكسر «إن» وأن تجعل الفاء جواب المجازاة. وزعموا أنه يقولون «أخوك فوجد» ، «بل أخوك فجهد» ، يريدون «أخوك وجد» و «بل أخوك جهد» فيزيدون الفاء. وقد فسّر الحسن «٥» حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها [الزمر: ٧٣] على حذف الواو. وقال: «معناها: قال لهم خزنتها» ، فالواو في هذا زائدة. قال الشاعر «٦» [من الكامل وهو الشاهد الخامس بعد المائة] : فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلّا كلمّة حالم بخيال «٧»

стр. 215

وقال «١» [من الكامل وهو الشاهد السادس بعد المائة] : فإذا، وذلك ليس إلّا حينه ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل «٢» كأنه زاد الواو وجعل خبره مضمرا، ونحو هذا مما خبره مضمر كثير. وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [الآية ٨٣] . وقوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [الآية ٨٤] فرفع هذا، لأنّ كلّ ما كان من الفعل على «يفعل هو» و «تفعل أنت» و «أفعل أنا» و «نفعل نحن» ، فهو أبدا مرفوع، لا تعمل فيه إلا الحروف التي ذكرت لك، من حروف النصب أو حروف الجزم والأمر والنهي والمجازاة. وليس شيء من ذلك هاهنا، وإنّما رفع لموقعه في موضع الأسماء. ومعنى هذا الكلام حكاية، كأنه قال: «استحلفناهم لا يعبدون» أي: قلنا لهم: «والله لا تعبدون» ، وذلك أنها تقرأ (يعبدون) «٣» وتَعْبُدُونَ «٤» . وقال تعالى: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) [الصافات] لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ [الصافات: ٨] . فإن شئت جعلت (لا يسّمّعون) مبتدأ، وان شئت قلت: هو في معنى «أن لا يسّمّعوا» فلمّا حذفت «أن» ارتفع، كما تقول: «أتيتك تعطيني وتحسن إليّ وتنظر في حاجتي» ومثله «مره يعطيني» إن شئت جعلته على «فهو يعطيني» ، وإن شئت على «أن يعطيني» . فلما ألقيت «أن» ارتفع. قال الشاعر «٥» [من الطويل وهو الشاهد السابع بعد المائة] :
следующие страницы →