الجنة. وتقدير الكلام: وأحسن موضع للقائلة. فكأن ذلك المكان من وثارة مهاده، وبرد أفيائه، يصلح أن ينام فيه لو كان ذلك جائزا. وهذا كقوله سبحانه في ذكر أصحاب الجنة: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) [مريم] أي مثل أوقات البكرة والعشيّ المعهودين في حال الدنيا. لأن الجنة لا يوصف زمانها بالأيام والليالي، لأن ذلك من صفات الزمان الذي تتعاقب عليه الشمس طالعة وغاربة، فيسمّى نهارا بطلوعها، ويسمّى ليلا بقبوعها «١» .
وفي قوله سبحانه: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) استعارة. والمراد بها، والله أعلم، على أحد القولين، صفة السماء في ذلك اليوم بتعاظم الغمام فيها، وانتشاره في نواحيها. كما يقول القائل: قد تشققت الغمائم بالبرق، وتشققت السّحائب بالرعد، إذا كثر ذلك فيها، ليس أن هناك تشققا على الحقيقة، في قول أهل الشرع. وقيل أيضا: إن المراد بذلك انتقاض بنية السماء وتغيّرها إلى غير ما هي عليه الآن، كما تظهر في البناء آثار التداعي، وأعلام التهافت، من تثلّم أطراف، وتفطّر أقطار، فيكون ذلك مؤذنا بانقضاضه، ومنذرا بانتقاضه.
وقال سبحانه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ابراهيم: ٤٨] .
وقال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ «٢» [الأنبياء: ١٠٤] .
ويكون انتقاض بنية السماء عن ظهور الغمام الذي آذننا سبحانه بمجيئه يوم القيامة، إذ يقول عزّ من قائل: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) [البقرة] .
ومعنى تشقّق السماء بالغمام: أي عن الغمام، كما يقول القائل: رميت بالقوس، وعن القوس، بمعنى واحد.
وفي قوله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) استعارة على أحد التأويلين: وهو أن يكون في الكلام تقديم وتأخير. فكأنه تعالى قال:
أرأيت من اتّخذ هواه إلهه. معنى ذلك أنه جعل هواه آمرا يطيعه، وقائدا
стр. 1507
يتبعه، فكأنه قد عبده لفرط تعظيمه له.
ومن أمثالهم: الهوى إله معبود، على المعنى الذي ذكرنا. وذكر أحمد بن يحيى البلاذري «١» في كتاب (الأشراف) أن هذه الآية نزلت في الحارث بن قيس بن عديّ السّهمي، وهو من عبدة الأوثان لأنه كان كلما رأى حجرا أحسن من الذي اقتناه لعبادته، أخذه واطّرح ما عبده.
وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) . في الآية الأولى استعارتان، إحداهما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ [الآية ٤٥] ، أي ألم تر إلى فعل ربك، أو إلى حكمة ربك في مدّ الظل، فحذف هذه اللفظة لدلالة الكلام عليها، إذ كان الله سبحانه لا يدرك بالمشاعر، ولا يرى بالنواظر. وقد يجوز أن يكون معنى الرؤية هاهنا معنى العلم. فكأنه سبحانه قال: ألم تعلم حكمة ربّك في مدّ الظل؟ وإنما أقام سبحانه، الرؤية هاهنا مقام العلم، لتحقّق المخاطب الذي هو النبي (ص) وجهة الله تعالى في ذلك الفعل، فقامت معرفة قلبه مقام رؤية عينه، قطعا باليقين، وبعدا عن الظنون.
والاستعارة الأخرى قوله تعالى:
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا وهي استعارة على القلب. لأن الظل في الشاهد يدل على الشمس، وذلك أن الظل لا يكون إلا وهناك شمس طالعة، فيوصف ما لم تطلع عليه لحاجز يحجز، أو مانع يمنع، بأنه ظل. وقد قيل: إن الظل ما كان بالغداة، والفيء ما كان بالعشيّ. وقيل: إن الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس، فعلى هذا القول يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي دائما لا ترد الشمس عليه فتزيله وتذهب به، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا. أي دللناها عليه، فهي تتحيّف من أقطاره، وتنتقص من أطرافه، حتى تستوفي أجمعه، وتكون
стр. 1508
بدلا منه. فهذا معنى قوله تعالى: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) .
ويجوز أن يكون معنى دلالة الشمس على الظل، أنه لولا الشمس لم يعرف الظل. ويجوز أن نقول: لولا الظل لم تعرف الشمس.
وفي قوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) استعارتان. فإحداهما قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً. والمراد باللباس هاهنا، والله أعلم، تغطية ظلام الليل النّشوز والقيعان، وأشخاص الحيوان كما تغطّي الملابس الضّافية، وتستر الجنن الواقية. وهذه العبارة من أفصح العبارات عن هذا المعنى.
ومعنى السّبات: قطع الأعمال، والرّاحة من الأشغال. والسّبت في كلامهم: القطع.
والاستعارة الأخرى قوله تعالى:
وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً. والنشور في الحقيقة: الحياة بعد الموت. وهو هاهنا مستعار الاسم لتصرّف الحي وانبساطه، تشبيها للنوم بالممات، واليقظة بالحياة. وذلك من أوقع التشبيه، وأحسن التمثيل.
وفي قوله سبحانه: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [الآية ٤٩] استعارة. وقد مضت الإشارة إلى نظيرها في سورة «الأعراف» .
ووصف البلدة بالموت هاهنا محمول على أحد وجهين: إما أن تكون إنما شبّهت بالميت من فرط يبسها، لتسلّط المحل عليها، وتأخّر الغيث عنها. أو يكون فيها من النبات والشجر، لمّا مات لانقطاع الماء عنه، حسن أن توصف هي بالموت لموت بنيها، لأنها كالأم التي تكلفه، والظّئر التي ترضعه.
وفي قوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ [الآية ٥٣] استعارة. والمراد بذلك، والله أعلم، أنه خلّاهما من مذاهبهما، وأرسلهما في مجاريهما، كما تمرج الخيل أي تخلّى في المروج مع مراعيها.
فكان وجه الأعجوبة من ذلك، أنه سبحانه، مع التخلية بينهما في تقاطعهما، والتقائهما في مناقعهما، لا يختلط الملح بالعذب، ولا يلتبس العذب بالملح.
стр. 1509
ولغة أهل تهامة «مرجه» ، ولغة أهل نجد «أمرجه» . وقال أبو عبيدة «١» : إذا تركت الشيء وخلّيته فقد مرجته. ومنه قولهم: مرج الأمير الناس: إذا خلّاهم بعضهم على بعض. والأمر المريج:
المختلط الملتبس.
وقوله سبحانه: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) ، وقد قرئ: سرجا، على الجمع. وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. والباقون يقرءون: سراجا على التوحيد.
فمن قرأ «سراجا» أراد النجوم، ومن قرأ «سراجا» أراد الشمس، ويقوّي ذلك قوله سبحانه في موضع آخر: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) [نوح] . ويقوّي قراءة من قرأ «سراجا» أن النجوم من شعائر الليل، والسّرج بأحوال الليل أشبه منها بأحوال النهار.
وإنما شبهت النجوم بالسّرج لاهتداء الناس بها في الظّلماء، كما تهتدي بالمصابيح الموضوعة، والنيران المرفوعة.
وفي قوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) استعارة، ومعنى خلفة، في بعض الأقوال، أي جعل الليل والنهار يتخالفان، فإذا أتى هذا ذهب هذا، وإذا أدبر هذا أقبل هذا.
وقيل: خلفة، أي يخلف أحدهما الاخر، فيكون ذلك من الخلافة لا من المخالفة.
وقيل: خلفة، أي أحدهما أسود، والاخر أبيض. وهو أيضا راجع إلى معنى المخالفة.
وفي قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) استعارة. والمراد، والله أعلم، لا يصمّون عن قوارع النّذر، ولا يعشون عن مواقع العبر.
стр. 1510
سورة الشعراء
(٢٦)
стр. 1511
المبحث الأول أهداف سورة «الشعراء» «١»
سورة الشعراء سورة مكية وآياتها ٢٢٧، نزلت بعد سورة الواقعة، وسميت بهذا الاسم لذكر الشعراء فيها، في قوله تعالى.
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) .
موضوع السورة
موضوع سورة «الشعراء» هو موضوع السور المكية جميعا، وهو تثبيت العقيدة وتلخيص عناصرها الأساسية ويتوافق ذلك مع دعوة السورة إلى توحيد الله:
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) .
وبيان قدرة الله الفائقة ونعمه السابغة على لسان إبراهيم الخليل (ع) حين يقول، كما ورد في التنزيل:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) .
وتتطرّق السورة إلى وعيد المكذّبين بعذاب الدنيا، أو بعذاب الاخرة.
حيث تقول:
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) وتقول:
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) .
ذلك إلى تسلية الرسول (ص)
стр. 1512
وتعزيته عن تكذيب المشركين له وللقرآن:
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) .
وإلى طمأنينة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين، وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين، كما ثبّت من قبلهم من المؤمنين.
القصص في سورة الشعراء
القصص غالب على سورة الشعراء، يشغل معظم السورة: فمجموع آياتها ٢٢٧ آية، منها ١٨٠ آية تحتوي على قصص هادف يمسّ شغاف القلوب، ويبين رعاية الله للأنبياء والمرسلين.
ذكرت قصة موسى وفرعون في الآيات [١٠- ٦٨] .
وفيها سبعة مشاهد، أولها: مشهد النداء والبعثة والوحي والمناجاة بين موسى وربه وثانيها: مواجهة موسى لفرعون وملئه، وتأييد موسى بآيتي العصا واليد البيضاء وثالثها: مشهد التامر وجمع السّحرة وحشد الناس للمباراة الكبرى ورابعها: مشهد إيمان السّحرة وتهديد فرعون ووعيده وخامسها: مشهد إيحاء الله لموسى أن يسري بعباده ليلا وسادسها: مشهد إرسال فرعون في المدائن حاشرين يجمعون الجنود لملاحقة بني إسرائيل وسابعها مشهد المواجهة أمام البحر، ونهاية القصّة بانفلاق البحر وغرق الظالمين ونجاة المؤمنين.
قصة ابراهيم
تستغرق قصة إبراهيم الآيات: [٦٩- ١٠٤] ، والحلقة التي تعرض هنا من قصة إبراهيم (ع) هي حلقة الرسالة إلى قومه، وحواره معهم حول العقيدة، وإنكار الالهة المدّعاة، والاتّجاه بالعبادة إلى الله، وبيان صفات الله وفضله وعظيم نعمائه، فهو الذي يخلق ويطعم ويسقي، ويشفي ويحيي ويميت، ويغفر الذنب ويحاسب الناس، ويكافئ المؤمنين ويعاقب الغاوين.
وفي أعقاب قصة إبراهيم، مشهد كامل من مشاهد القيامة، يتنكّر فيه المشركون لآلهتهم، ويندمون على الشّرك الذي انتهى بهم إلى ما هم فيه، وكأنهم قد صاروا فعل في موقف الحساب والجزاء، وهنا عبرة القصة للمشركين.
стр. 1513
ومن ثمّ يتوسع السياق في الحديث عن مقومات عقيدة التوحيد، وفساد عقيدة الشرك، ومصير المشركين في يوم الدين، لأن التركيز متجه إليه، وتختصر السورة ما عدا ذلك مما يفصّل في سور أخرى.
قصة نوح
تستغرق قصة نوح (ع) الآيات [١٠٥- ١٢٢] ونلحظ أن القصص في سورة الشعراء لا يتّبع التسلسل التاريخي، فقد عرضت قصة موسى (ع) ، ثم قصة إبراهيم (ع) ، ثم قصة نوح (ع) . ولو أراد أن يتّبع التسلسل التاريخي لعرض قصة نوح أولا، ثم قصة إبراهيم، ثم قصة موسى.
لكنه، أي القصص، في هذه السورة، كان يذكر الأحدث ثم يرجع في الزمن من قصة إبراهيم إلى قصة نوح. لأن الخط التاريخي ليس هو المقصود هنا، بل المقصود هو العبرة من نهاية الشرك والتكذيب.
وقصة نوح، ومن قبلها قصة موسى وقصة إبراهيم، قد عرضت في سور شتى سابقة.
لكن الجانب الذي يعرضه من القصة يأتي مناسبا لسياق السورة، وللعظة والعبرة المقصودة منها.
وتعرض قصة نوح، غالبا في سلسلة من قصص عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين.
وأظهر ما في الحلقة المعروضة في سورة الشعراء هنا: دعوة نوح قومه إلى تقوى الله، وإعلانه أنه لا يطلب منهم أجرا على الهدى، وإباؤه أن يطرد المؤمنين الفقراء الذين يستنكف منهم الكبراء، وهذا ما كان يواجهه رسول الله (ص) في مكة سواء بسواء، ثم دعاؤه لربه أن يفتح بينه وبين قومه، واستجابة الله له بإغراق المكذّبين وإنجاء المؤمنين.
قصة هود
تستغرق قصة النبيّ هود (ع) الآيات [١٢٣- ١٤٠] وقبيلة عاد، وهم قوم هود، كانوا يسكنون الأحقاف وهي جبال رملية قرب حضرموت من ناحية اليمن. وقد جاءوا بعد قوم نوح، وكانوا ممن زاغت قلوبهم بعد فترة الطوفان، الذي طهّر الأرض من العصاة.
واتخذت عاد المساكن المرتفعة،
стр. 1514
والمصانع المشيدة، وبلغت شأوا بعيدا من الحضارة الصناعية، وزادتها القوة بطرا وقسوة، فكفرت بنعم الله وتطاولت وتجبّرت ونسيت الخالق الرزاق، وكذّبوا نبيّ الله هودا فأهلكهم الله ودمر مصانعهم ودورهم، وصبّ عليهم العذاب من فوقهم ومن تحتهم، وتركهم عبرة لكل طاغية:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٤٩) .
قصة ثمود
تستغرق قصة ثمود الآيات [١٤١- ١٥٩] وقد دعاهم صالح (ع) إلى عبادة الله وذكرهم بما فيه من نعمة، وكانوا يسكنون بالحجر بين الشام والحجاز، وقد مر النبي (ص) بدورهم المدمرة مع صحابته في غزوة تبوك، فاستحث راحلته وحنى ظهره، وجلا وخشوعا لله، وقال للمسلمين: (لا تمروا على قرى القوم الذين ظلموا أنفسهم إلّا وأنتم مشفقون، خشية أن يصيبكم ما أصابهم) .
لقد كانت ثمود في نعمة، فكفروا بنعمة الله عليهم، وذكّرهم صالح بقدرة الله، فطلبوا منه معجزة، فأعطاه الله الناقة على شرط أن يكون الماء الذي يستقون منه يوما للناقة ويوما لهم، وحذّرهم صالح أن ينالوا الناقة بسوء على الإطلاق، وإلّا أخذهم عذاب يوم عظيم.
ولكنّهم استمروا في عنادهم وظلمهم، فنحروا الناقة، وكذّبوا صالحا، وأحسّوا الندم بعد فوات الأوان، فأخذهم عذاب الله العادل:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) .
قصة لوط
تستغرق قصة لوط (ع) الآيات [١٦٠- ١٧٥] وقد كان قوم لوط يسكنون عدة قرى في وادي الأردن، واشتهر بينهم الشذوذ الجنسي بإتيان الذكور وترك النساء، وهو انحراف شنيع مناف للفطرة. فقد برأ الله الذكر والأنثى، وفطر كلّا منهما على الميل الى صاحبه، لتحقيق حكمته ومشيئته في امتداد الحياة، من طريق النسل الذي يتحقق باجتماع الذكر والأنثى، فكان هذا الميل طرفا من الناموس الكوني العام.
ولكنّ قوم لوط خرجوا على الفطرة،
стр. 1515
واستباحوا الفاحشة، وهدّدوا لوطا بالطّرد والنفي، فخسف الله قراهم وغطّاها الماء، ومنها قرية سدوم، ويظن أنها ثاوية تحت البحر الميّت في الأردن.
أصحاب الأيكة
تستغرق قصة أصحاب الأيكة الآيات [١٧٦- ١٩١] .
والأيكة: الشجر الكثيف الملتف، وهم أهل مدين ونبيّهم شعيب (ع) .
وكان شأنهم تطفيف الكيل والميزان.
وقد أمرهم رسولهم بالعدل والقسط وحسن المعاملة، فكذّبوا نبيهم فأخذهم عذاب يوم عظيم في يوم حار خانق، يكتم الأنفاس ويثقل الصدور، ثم تراءت لهم سحابة فاستظلّوا بها، فوجدوا لها بردا، ثم إذا هي الصاعقة المجلجلة المدوية تفزعهم وتدمّرهم تدميرا، وكان ذلك يوم الظلّة، فالظّلّة كانت سمة اليوم المعلوم.
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) .
في أعقاب القصص
الآيات الأخيرة من سورة الشعراء تعقيب على قصص المرسلين فيها، وتأكيد على بعض أهداف الرسالة السماوية فقد ذكر الله في هذا القصص قضية الرسل والرسالات، وقصة التكذيب والإعراض، وقصة التحدي والعقاب. وتمثلت هذه المعاني في قصة موسى مع فرعون، وقصة ابراهيم مع أبيه وقومه، وقصة نوح مع قومه، وقصة هود مع عاد، وقصة صالح مع ثمود، وقصة لوط مع قومه، وقصة شعيب مع أصحاب الأيكة. فلما انتهى القصص عاد السياق إلى موضوع السورة، وهو العقيدة والإيمان بالله ورسله واليوم الاخر. وقد جاء التعقيب الأخير في السورة يتحدّث عن القرآن، فيؤكد أنه تنزيل من رب العالمين.
ويشير إلى أن علماء بني إسرائيل يعرفون خبر هذا الرسول وما معه من القرآن: لأنه مذكور في كتب الأوّلين، ولكن المشركين يعاندون الدلائل الظاهرة، ويزعمون أنه سحر أو شعر، ولو أن أعجميا لا يتكلّم العربية نزل عليه هذا القرآن فتلاه عليهم بلغتهم ما كانوا به مؤمنين، لأن العناد هو الذي يقعد بهم عن الإيمان، لا ضعف الدليل، وما تنزلت الشياطين بهذا
стр. 1516
القرآن على محمد (ص) ، كما تتنزل بالأخبار على الكهّان وما هو كذلك بشعر، فإن له منهجا ثابتا، والشعراء يهيمون في كل واد وفق الانفعالات والأهواء. إنما هو القرآن المنزل من عند الله تذكيرا للمشركين قبل أن يأخذهم الله بالعذاب، وقبل أن يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون:
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) . وقد استغرق هذا التعقيب الأخير على القصص الآيات [١٩٢- ٢٢٧] ، وختم هذا التعقيب بهذا التهديد المخيف الذي يلخص موضوع السورة.
اشتملت تلك السورة على تصوير عناد المشركين ومكابرتهم، واستهتارهم بالوعيد، واستعجالهم بالعذاب، كما شملت مصارع المكذبين على مدار الرسالات والقرون.
стр. 1517
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الشعراء» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الشعراء بعد سورة الواقعة، ونزلت سورة الواقعة بعد سورة طه، وكان نزول سورة طه فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة الشعراء في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لذكر الشعراء في قوله تعالى في الآية ٢٢٤ منها: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) . وتبلغ آياتها سبعا وعشرين ومائتي آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة التنويه بشأن القرآن، وقد جاء أولها في تهديدهم على التكذيب به، وجاء آخرها في إثبات تنزيله، والتمييز بينه وبين ما تلقي الشياطين على الكهّان والشعراء.
وقد ختمت السورة السابقة بإنذارهم بأن عذابهم سيكون لزاما. فجاءت هذه السورة بعدها، وفي أولها أنه سبحانه، إن يشأ ينزل عليهم آية عذاب تخضع لها أعناقهم.
التنويه بشأن القرآن الآيات [١- ١٩١]
قال الله تعالى: طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) فنوّه بشأن القرآن وحسن بيانه، ونهى الرسول (ص) أن
стр. 1518
يبالغ في الحزن على تكذيبهم به، وذكر أنه إن يشأ ينزل عليهم آية عذاب تخضع لها أعناقهم، وأنه سوف يأتيهم أنباء ما يستهزئون به من إنذارهم بوقوع العذاب عليهم، ثم أثبت ذلك بأمرين:
أولهما ما يرونه من إنباته في الأرض كلّ زوج كريم، ففي ذلك آية من آيات القدرة الإلهية على تحقيق إنذاره لهم، ثم ذكر أنه عزيز لا يعجز عن تعذيبهم، وأنه رحيم يملي برحمته لهم. وثانيهما ما حصل من ذلك، للأمم قبلهم، وقد ذكر في هذا السياق موسى مع فرعون، وقصة إبراهيم مع أبيه وقومه، وقصة نوح مع قومه، وقصة هود مع عاد، وقصة صالح مع ثمود، وقصة لوط مع قومه، وقصة شعيب مع أصحاب الأيكة، وقد ذكرت هذه القصص قبل هذه السورة، ولكنها هنا تخالف ما سبق منها في سياقها، وفي بعض زيادات فيها وتغييرات في أسلوبها، ومن هذا تذييل كل قصة منها بما يبيّن الغرض من ذكرها، وهو قوله تعالى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) .
إثبات تنزيل القرآن الآيات [١٩٢- ٢٢٧]
ثم قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) فذكر بعد تهديدهم على تكذيبه أنه تنزيله، وأن جبريل روحه الأمين نزل به على رجل منهم لينذرهم بلسانهم، ثم أثبت ذلك بما جاء من البشارة به في كتب الأولين، وبشهادة علماء بني إسرائيل بصدقه، وذكر أنه لو نزّله على بعض الأعجمين فقرأه عليهم لم يؤمن به أحد منهم، لنزوله بغير لسانهم.
ثم ذكر تمكّن التكذيب به في قلوب المجرمين من المشركين، وأنهم لا يؤمنون به حتى يأتيهم ما ينذرهم به من العذاب الأليم، ثم وبّخهم على استعجالهم ذلك العذاب الأليم، وذكر أنه سيمتّعهم سنين قليلة، ثم يأخذهم به فما يغني عنهم شيئا ما تمتّعوا به، وأنه لا يهلك قرية إلا بعد إنذارهم، ليكون إهلاكها تذكرة وعبرة لغيرها.
ثم أبطل ما يذكرونه من أنه من إلقاء الشياطين كسائر ما يلقونه على الكهّان والشعراء، فذكر أنه لم تتنزّل به الشياطين، لأن مثله مما لا يستطيعه مثلهم، ولأنهم معزولون عن السمع فلا
стр. 1519
يمكنهم أن يتلقوه كما تتلقاه الملائكة، ثم ذيّل ذلك بنهي الرسول (ص) عن أن يدعو معه إلها آخر لئلّا يقع فيما ينذرون به من العذاب، ويأمره أن يكتفي بإنذار عشيرته الأقربين، وأن يخفض جناحه لمن اتّبعه من المؤمنين، فإن عصوه فليتبرّأ مما يعملون، وليتوكل على العزيز الرحيم، فإنه يرى قيامه وصلاته، ويسمع دعاءه ويعلم حاله.
ثم عاد السياق إلى إبطال زعمهم أنه من إلقاء الشياطين، فذكر أن الشياطين لا تتنزّل إلّا على كلّ كذّاب أثيم، فيلقون على الكهّان ما يزعمون أنهم سمعوه من السماء من أكاذيبهم. وذكر أن أمر أكثر الشعراء كأمر الكهان، فهم ضالون يهيمون في كل واد، ولا يتورعون عن الكذب في المدح والهجاء وغير هما من فنون الشعر، ولا يستحون أن يقولوا ما لا يفعلون: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) .
стр. 1520
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الشعراء» «١»
أقول: وجه اتصالها بسورة «الفرقان» أنه تعالى لما أشار فيها إلى قصص مجملة بقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) [الفرقان] .
شرح هذه القصص، وفصّلها أبلغ تفصيل في الشعراء التي تلي «الفرقان» ، ولذلك رتبت على ترتيب ذكرها في الآيات المذكورة، فبدئ بقصة موسى (ع) «٢» ، ولو رتبت على الواقع لأخرت قصة موسى كما في «الأعراف» .
فانظر إلى هذا السر اللطيف الذي منّ الله بإلهامه.
ولما كان في الآيات المذكورة قوله تعالى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الآية ٣٨] ، زاد في «الشعراء» تفصيلا لذلك قصة قوم إبراهيم (ع) ، وقوم لوط (ع) ، وقوم شعيب (ع) .
ولما قال سبحانه في «الفرقان» :
стр. 1521
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) ، ثم قال: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) [الفرقان] ، فختم هذه السورة بذكر الشعراء الذين هم بخلاف ذلك، واستثنى منهم من سلك سبيل أولئك، وبيّن ما يمدح من الشعر، ويدخل في قوله تعالى: سَلاماً. وما يذم منه، ويدخل في اللغو «١» .
стр. 1522
المبحث الرابع مكنونات سورة «الشعراء» «١»
١- فَجُمِعَ السَّحَرَةُ [الآية ٣٨] .
أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان السّحرة سبعين رجلا.
وعن كعب قال: كانوا اثني عشر ألفا.
وعن أبي ثمامة قال: كانوا سبعة عشر ألفا.
وعن محمد بن كعب القرظي: كانوا ثمانين ألفا.
وعن السّدّي قال: كانوا بضعة وثلاثين ألفا.
وعن ابن جرير قال: ابن زيد «٢» إن اجتماعهم كان في الإسكندرية.
وسمّى ابن إسحاق رؤساءهم: سابور، وعازور، وخطخط، ومصفي، وشمعون.
٢- فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ [الآية ٤٥] .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: عصا موسى اسمها: ماشا.
وقيل: نبعة. حكاه في «الكشاف» .
٣- لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الآية ٥٤] .
أخرج ابن أبي حاتم، عن طريق مجاهد عن ابن عباس قال: كان أصحاب موسى ستمائة ألف. وأخرج مثله عن ابن مسعود وغيره.
وأخرج، من طريق آخر، عن ابن مسعود: أنهم ستّمائة ألف وسبعون ألفا.
стр. 1523
وعن قتادة: أنهم خمسمائة وثلاثة آلاف وخمسمائة.
وعن السّدّي: ستمائة ألف وعشرون ألفا.
٤- أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ [الآية ١٩٧] . أخرج ابن أبي حاتم، وابن سعد، عن عطية في هذه الآية قال: كانوا خمسة: أسد، وأسيد، وابن يامين، وثعلبة، وعبد الله بن سلام.
стр. 1524
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الشعراء» «١»
١- وقال تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) .
فقالوا: كيف صح مجيء «خاضعين» خبرا عن «الأعناق» ؟
الجواب: أصل الكلام: فظلّوا لها خاضعين فأقحمت «الأعناق» لبيان موضع الخضوع.
وقرئ: (فظلّت أعناقهم لها خاضعة) .
أقول: والقراءة الصحيحة التي توافق العربية القراءة الأخيرة، غير أني أرى أن في القراءة المثبتة في المصحف، وهي موضع درسنا، مراعاة للتناسب في فواصل الآيات، فقد بنيت هذه الفواصل على أن تنتهي بالنون في كلمات موزونة على بناء واحد أو متشابه وهي: مؤمنين، خاضعين، معرضين، يستهزئون، كريم، رحيم، مؤمنين، ظالمين.
أقول أيضا: إن مراعاة التناسب في الأصوات والأوزان متطلّبة في آي القرآن، ألا ترى أن قوله تعالى:
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) [البقرة] ، قد جاء في هذا السياق؟.
فتقديم المفعول على (تقتلون) ، يخدم ما أشرنا إليه لإحكام النظم وحسن الأداء، وإحداث الأثر في النفوس.
٢- وقال تعالى: قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [الآية ٢٤] .
أقول: إن احتساب السماوات
стр. 1525
والأرض مثنّى بدلالة الضمير في «بينهما» مثل قوله تعالى:
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الأنبياء:
٣٠] .
وقد كنا قلنا في هذه المسألة ما فيه الكفاية في الآية التي أشرنا إليها من سورة الأنبياء.
٣- وقال تعالى: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) .
وقرئ: أرجئه وأرجه: بالهمز والتخفيف، وهما لغتان. يقال: أرجأته وأرجيته إذا أخّرته. ومنه المرجئة أصحاب المقولة المعروفة.
وقوله تعالى: حاشِرِينَ، أي:
شرطا، جمع حاشر.
٤- وقال تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) .
أي: أن السّحرة حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين. والمعنى خرّوا أو سقطوا وإنما عبّر بالإلقاء عن هذا المعنى، لأنه ذكر مع الإلقاءات التي وردت في الآيتين اللتين سبقتا:
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ.
٥- وقال تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) .
وقوله تعالى: لَشِرْذِمَةٌ أي:
لجماعة قليلة، ومن ذلك قولهم، ثوب شراذم، أي: بلي وتقطّع قطعا.
أقول: لقد وصفت «الشرذمة» ، وهي الجماعة القليلة، بقوله تعالى قَلِيلُونَ مراعاة للمعنى، أي: أن الجماعة جماعة ذكور.
٦- وقال تعالى: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) .
وقوله سبحانه: حاذِرُونَ: جمع حاذر وهو اليقظ والذي يجدّد حذره.
أقول: وقرئ: حادرون، بالدال المهملة، والحادر السمين القوي.
أي: أنهم أقوياء أشدّاء.
٧- وقال تعالى: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) .
أقول: ومن المفيد أن نلاحظ أن «عين الماء» لم تجمع في القرآن إلا على «عيون» ، في حين أن العين الباصرة جمعت على «أعين» .
стр. 1526
٨- وقال تعالى: فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الآية ٦٣] .
الفرق: هو الجزء المتفرّق منه، وقرئ: «فلق» .
أقول: ومجيء «فرق» بالكسر فالسكون لكونه اسما، والمصدر على «فعل» بالفتح فالسكون، وكنا قد عرضنا لهذه المسألة غير مرة.
٩- وقال تعالى: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) .
ومثل هذه الآية: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) .
وقوله سبحانه: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) .
وقوله جلّ وعلا: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) .
ومثله قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ.
أقول: لقد لحقت تاء التأنيث الفعل على أن الفاعل مؤنث، وعلى هذا تكون «عاد» ، بمعنى أمّة، وكذلك ثمود. أما «قوم» فمعناها قبيلة أو جماعة. ولو روعي اللفظ لعدّت مذكرة، كما ورد في آيات كثيرة، وكنا عرضنا لشيء من هذا. ١٠- وقال تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) .
وقرئ: الجبلة بوزن الخلقة، والجبلّة بوزن الأبلّة، والمعنى واحد.
أقول: ووصف الجبلّة، وهي مؤنث بالأولين، جاء لمراعاة المعنى، كما في قوله تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) .
١١- وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) [الآية ١٩٦] .
وقوله تعالى: وَإِنَّهُ، أي: القرآن في زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أي: في سائر الكتاب السماوية. والزبر جمع زبور وهو الكتاب المكتوب.
وكنا قد مررنا على هذه الكلمة في آية سابقة.
١٢- وقال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) .
أقول: وقوله سبحانه: عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ أي، واحد من الأعجمين، وهنا أفادت كلمة (بعض) الواحد بدلالة قوله جلّ وعلا: فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ.
١٣- وقال تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) .
стр. 1527
أقول: قرأ الحسن: «الشياطون» ، ووجهه أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين، فتخيّر بين أن يجري الإعراب على النون، وبين أن يجريه على ما قبله فيقول: الشياطين والشياطون، كما تخيّرت العرب بين أن يقولوا: هذه يبرون ويبرين، وفلسطون وفلسطين.
وحمل الفرّاء قراءة الحسن على الغلط.
стр. 1528
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الشعراء» «١»
قال تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الآية ٤] . يزعمون انها على الجماعات نحو «هذا عنق من الناس» يعنون «الكثير» أو ذكّر كما يذكّر بعض المؤنث لمّا أضافه الى مذكّر. وقال الشاعر «٢» [من الطويل وهو الشاهد السادس والخمسون بعد المائتين] :
باكرتها والدّيك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا «٣»
فجماعات هذا «أعناق» ، أو يكون ذكّره لإضافته إلى المذكّر كما يؤنّث لإضافته الى المؤنث نحو قوله «٤» [من الطويل وهو الشاهد السابع والخمسون بعد المائتين] :
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدّم
وقال آخر [من الرجز وهو الشاهد الثامن والخمسون بعد المائتين] :
لما رأى متن السّماء انقدّت ... وقال «٥» [من الطويل وهو الشاهد
стр. 1529
التاسع والخمسون بعد المائتين] :
إذا القنبضات السّود طوّفن بالضّحى ... رقدن عليهنّ الحجال المسجّف
و (القنبض) : القصير. وقال آخر «١» [من الطويل وهو الشاهد الستون بعد المائتين] :
وإنّ امرأ أهدى إليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء خيفق «٢»
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته وأن تعلمي أنّ المعان موفّق «٣» فأنّث. والمحقوق هو المرء. وانما أنث لقوله «أن تستجيبي لصوته» ويقولون: «بنات عرس» و «بنات نعش» و «بنو نعش» وقالت امرأة من العرب «أنا امرؤ لا أحبّ الشرّ» . وذكر لرؤبة رجل فقال «كان أحد بنات مساجد الله» كأنه جعله حصاة. وقال تعالى: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
[الآية ١٦] وهذا يشبه ان يكون مثل «العدوّ» وتقول «هما عدوّ لي» .
وقال تعالى: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ [الآية ٢٢] فيقال هذا استفهام كأنّه قال «أو تلك نعمة» ، ثم جاء التفسير بقوله تعالى: أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ [الآية ٢٢] وجعله بدلا من النعمة.
وقال: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ [الآية ٧٢] أي: «هل يسمعون منكم» أو «هل يسمعون دعاءكم» . فحذف «الدعاء» كما قال الشاعر «٤» [من البسيط وهو الشاهد الحادي والستون بعد المائتين] :
القائد الخيل منكوبا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القدّ والأبقا «٥»
يريد: أحكمت حكمات الأبق.
فحذف «حكمات» وأقام «الأبق»
стр. 1530
مقامها. و «الأبق» : الكتّان «١» .
وقال تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ [الآية ١٩٧] ، اسم في موضع رفع مثل ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [الجاثية: ٢٥] . ولكن هذا لا يكون فيه إلا النصب في الأول أَنْ يَعْلَمَهُ هو الذي يكون آية، وقد يجوز الرفع، وهو ضعيف «٢» .
وقال تعالى: عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ [الآية ١٩٨] واحدهم «الأعجم» وهو إضافة كالأشعرين. وقال تعالى: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ ليس بمعطوف على (حتّى) وإنّما هو جواب لقوله سبحانه لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فلما كان جوابا للنفي انتصب، وكذلك فَيَقُولُوا [الآية ٢٠٣] إنّما هو جواب للنفي.
وقال تعالى: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) [يس] «٣» أي: فاسمعوا مني.
стр. 1531
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الشعراء» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الآية ٤] والأعناق لا تخضع؟
قلنا: قيل أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الكلام على أصله، كقولهم ذهبت أهل اليمامة، كأنّ كلمة أهل غير مذكورة. ومثله قول الشاعر:
رأت مرّ السّنين أخذن منّي كما أخذ السّرار من الهلال أو لمّا وصفت الأعناق بالخضوع، الذي هو من صفات العقلاء، جمعت جمع العقلاء كقوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: ٤] . وقيل: الأعناق رؤساء الناس ومقدّموهم، شبهوا بالأعناق، كما قيل لهم الرؤوس والنواصي والوجوه، وقيل: الأعناق الجماعات يقال:
جاءني عنق من الناس أي جماعة، وقيل إن ذلك لمراعاة الفواصل.
فإن قيل: لم قال تعالى: قُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
[الآية ١٦] بالإفراد، وقال تعالى في موضع آخر: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [طه: ٤٧] بالتثنية؟
قلنا: الرسول يكون بمعنى المرسل فيلزم تثنيته، ويكون بمعنى الرسالة التي هي مصدر فيوصف به الواحد والاثنان والجماعة كما يوصف بسائر المصادر، والدليل على أنه يكون بمعنى الرسالة قول الشاعر:
стр. 1532
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسرّ ولا أرسلتهم برسول أي برسالة. الثاني: أنهما، لاتّفاقهما في الأخوّة والشريعة والرسالة، جعلا كنفس واحدة. الثالث: أن تقديره: أن كل واحد منا رسول رب العالمين.
الرابع: أن موسى (ع) كان الأصل، وهارون (ع) كان تبعا له، فأفرد إشارة إلى ذلك.
فإن قيل: لم قال موسى (ع) ، كما ورد في التنزيل، معتذرا عن قتل القبطي: فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) والنبيّ لا يكون ضالا؟
قلنا: أراد به وأنا من الجاهلين.
وقيل أراد من المخطئين، لأنه ما تعمد قتله. كما يقال: ضلّ عن الطريق إذا عدل عن الصواب إلى الخطأ. وقيل من الناسين، كقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: ٢٨٢] .
فإن قيل: لم قال فرعون، كما ورد في التنزيل: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) ، ولم يقل ومن رب العالمين؟
قلنا: هو كان أعمى القلب عن معرفة الله ، منكرا لوجوده فكيف ينكر عليه العدول عن «من» إلى «ما» . الثاني أن «ما» لا تختص بغير العاقل بل تطلق على العاقل وسواه، قال الله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] .
وقال الله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ [الكافرون: ٣ و ٥] .
فإن قيل: لم قال موسى (ع) كما ورد في التنزيل: قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) ، علق كونه تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما، بشرط كون فرعون وقومه موقنين، وهذا الشرط منتف، والربوبية ثابتة فكيف صح التعليق؟
قلنا: معناه الأول إن كنتم موقنين أن السماوات والأرض وما بينهما موجودات، وهذا الشرط موجود.
الثاني: أن «إن» نافية لا شرطية.
فإن قيل: إنّ ذكر السماوات والأرض وما بينهما قد استوعب ذكر المخلوقات كلها، فما الحكمة في قوله تعالى بعد ذلك: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) وقوله: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [الآية ٢٨] ؟
стр. 1533
قلنا: أعاد ذكرها تخصيصا لها وتمييزا، لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع، والنقل من هيئة إلى هيئة، ومن حال إلى حال، من وقت ولادته إلى وقت وفاته ثم خص المشرق والمغرب، لأن طلوع الشمس من أحدهما وغروبها في الاخر، على تقدير مستقيم في فصول السنة، وحساب مستو، من أظهر ما يستدلّ به على وجود الصانع.
ولظهوره انتقل خليل الله صلوات الله عليه وسلامه، إلى الاحتجاج به عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة: ٢٥٨] .
فإن قيل: لم قيل أوّلا: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) وقيل آخرا: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) ؟
قلنا: كان اللين واللطف أوّلا، فلما برز عنادهم وإصرارهم كان قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) ردّا على افتراء فرعون، كما ورد في التنزيل حكاية على لسانه إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) .
فإن قيل: القول: «لأسجننك» أوجز من لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) فلم عدل عنه؟
قلنا: كان مراده تعريف العهد، فكأنه قال لأجعلنّك واحدا ممن عرفت حالهم في سجني. وكان إذا سجن إنسانا طرحه في هوة عميقة جدّا مظلمة، وحده لا يبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أوجع من القتل، وأشد نكاية.
فإن قيل: قصة موسى (ع) مع فرعون والسّحرة ذكرت في سورة الأعراف، ثم في سورة طه، ثم في هذه السورة، فما الحكمة من تكرارها وتكرار غيرها من القصص؟
قلنا: أولا: تأكيد التحدي وإظهار الإعجاز، كما أن المبارز إذا خرج من الصف، قال «نزال نزال هل من مبارز هل من مبارز» ، مكرّرا ذلك. يقال:
ولهذا سمّى الله تعالى القرآن مثاني لأنه ثنيت فيه الأخبار والقصص.
فإن قيل: لم كرر الله تعالى ذكر قصة موسى (ع) أكثر من قصص غيره من الأنبياء (ع) ؟
قلنا: لأن أحواله كانت أشبه بأحوال النبي (ص) من أحوال غيره من
стр. 1534
الأنبياء، في إقامته الحجج، وإظهاره المعجزات لأهل مصر وإصرارهم على تكذيبه والجفاء عليه، كما كان حال النبي (ص) مع أهل مكة.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ [الآية ٦١] والترائي «تفاعل» مشتقّ من الرؤية، فيقتضى وجود رؤية كل جمع للجمع الاخر، والمنقول أن بعضهم لم ير بعضا، فإن الله تعالى أرسل غيما أبيض، فحال بين العسكرين حتى منع رؤية بعضهم بعضا؟
قلنا: الترائي يستعمل بمعنى التداني والتقابل أيضا، كما قال (ص) :
«المؤمن والكافر لا يتراءيان» ، أي لا يتدانيان، ويقال: دورنا تتراءى: أي تتقارب وتتقابل.
فإن قيل: لم قال تعالى حكاية على لسان إبراهيم (ع) : وَإِذا مَرِضْتُ [الآية ٨٠] ، ولم يقل: «وإذا أمرضني» ، كما قال قبله: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) .
قلنا: لأنه كان في معرض الثناء على الله تعالى وتعديد نعمه، فأضاف إليه الخير المحض حفظا للأدب، وإن كان الكلّ مضافا إليه، ونظيره، كما ورد في التنزيل، قول الخضر (ع) فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [الكهف: ٧٩] وقوله: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما [الكهف: ٨٢] .
فإن قيل: هذا الجواب يبطل بقوله تعالى: وَالَّذِي يُمِيتُنِي [الآية ٨١] ويقوله: فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما [الكهف:
٨١] .
قلنا: إنما أضاف الموت إلى الله تعالى لأنه سبب لقائه إياه وانتقاله إلى دار كرامته، فكان نعمة من هذا الوجه.
وقيل: إنما أضاف المرض إلى نفسه، لأن أكثر الأمراض تحدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه.
فإن قيل: لم قال تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) والمال الذي أنفق في طاعة الله تعالى وسبيله ينفع، والولد الصالح ينفع، والولد الذي مات صغيرا يشفع، وشواهد ذلك كثيرة من الكتاب والسّنّة، خصوصا قوله (ص) «إذا مات ابن آدم ينقطع عمله إلّا من ثلاث» ، الحديث؟
قلنا: المراد بالآية أنهما لا ينفعان غير المؤمن، فإنه هو الذي يأتي بقلب سليم من الكفر، أو المراد بهما مال لم ينفق في طاعة الله تعالى، وولد بالغ غير صالح.
стр. 1535
فإن قيل: لم قال الله تعالى:
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) أي قربت، والجنة لا تنقل من مكانها ولا تحوّل؟
قلنا: فيه قلب معناه: وأزلف المتقون إلى الجنة، كما يقول الحجاج إذا دنوا إلى مكة قربت مكة منا. وقيل معناه: أنها كانت محجوبة عنهم، فلما رفعت الحجب بينهم وبينها كان ذلك تقريبا لها.
فإن قيل: لم جمع الشافع، ووحّد الصديق في قوله تعالى فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) ؟
قلنا: لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق ولهذا روي أن أحد الحكماء سئل عن الصديق، فقال: هو اسم لا معنى له، أراد بذلك عزّة وجوده.
ويجوز أن يراد بالصديق الجمع كالعدو.
فإن قيل: لم قرن بين الأنعام والبنين في قوله تعالى أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) ؟
قلنا: لأن الأنعام كانت من أعز أموالهم عندهم، وكان بنوهم هم الذين يعينونهم على حفظها والقيام عليها، فلهذا قرن بينهما. فإن قيل: القول أوعظت أم لم تعظ أوجز من: أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) ، فكيف عدل عنه؟
قلنا: المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل أم لم تكن من أهله أصلا وهذا أبلغ في قلة الاعتداء بوعظه من القول أو لم تعظ.
فإن قيل: قوله تعالى: فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ لم أخذهم العذاب بعد ما ندموا على جنايتهم، وقد قال (ص) «الندم توبة» ؟
قلنا: قال ابن عباس ﵄: ندموا حين رأوا العذاب، وذلك ليس وقت التوبة، كما قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨] .
وقيل كان ندمهم ندم خوف من العذاب العاجل، لا ندم توبة فلذلك لم ينفعهم.
فإن قيل: لم طلب لوط (ع) تنجيته من اللّواط، بقوله كما ورد في التنزيل:
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) واللّواط كبيرة من الكبائر، والأنبياء معصومون من الكبائر؟
стр. 1536
قلنا: مراده رب نجّني وأهلي من عقوبة عملهم أو من شؤمه، والدليل على ذلك ضمّه أهله إليه في الدعاء، واستثناء الله تعالى امرأته من قبول الدعوة.
فإن قيل: لم قال تعالى في قصة شعيب (ع) : إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [الآية ١٧٧] ولم يقل أخوهم، كما قال تعالى في حق غيره هنا، وكما قال في حقه في موضع آخر؟
قلنا: لأنه هنا ذكر مع أصحاب الأيكة وهو لم يكن منهم، وإنما كان من نسل مدين، كذا قال مقاتل. وفي الحديث أن شعيبا (ع) أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة. وقال ابن جرير الطبري: أهل مدين هم أصحاب الأيكة، فعلى هذا يكون حذف الأخ تخفيفا.
فإن قيل: ما الفرق بين حذف الواو في قصة صالح (ع) وإثباتها في قصة شعيب، في قولهم كما ورد في التنزيل: ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [الآية ١٥٤] ووَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [الآية ١٨٦] ؟
قلنا: الفرق بينهما أنه، عند إثبات الواو، يكون المقصود معنيين كلاهما مناف للرسالة عندهم: التّسخير والبشرية. وعند حذف الواو، يكون المقصود معنى واحدا منافيا لها، وهو كونه مسخّرا ثم قرروا التسخير بالبشرية، كذا أجاب الزمخشري ﵀.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف الكهنة والمتنبّئة كشقّ وسطيح ومسيلمة: وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ [الآية ٢٢٣] بعد ما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك أثيم، والأفّاك الكذّاب، والأثيم الفاجر، ويلزم من هذا أن يكونوا كلهم كذّابين؟
قلنا: الضمير في قوله تعالى:
وَأَكْثَرُهُمْ عائد إلى الشياطين لا إلى كل أفّاك.
стр. 1537
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الشعراء» «١»
قوله سبحانه: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) وهذه استعارة. والمراد بها: العبارة عن التقارب والتداني. وإنما قلنا إن اللفظ مستعار، لأنه قد يحسن أن يوصف به الجمعان، وإن لم ير بعضهم بعضا بالموانع، من مثار العجاج، ورهج الطراد. لأن المراد به تقارب الأشخاص، لا تلاحظ الأحداق، وذلك كقولهم في الحيّين المتقاربين:
تتراءى ناراهما. أي تتقابل وتتقارب، لكون النارين بحيث لو كان بدلا منهما إنسانان لرأى كل واحد منهما صاحبه.
وقد أومأنا إلى ذلك فيما مضى «٢» .
ويقال أيضا: «قوم رئاء» ، على وزن فعال أي يقابل بعضهم بعضا. وكذلك «بيوتهم رئاء» إذا كانت متقابلة. ذكر ذلك أحمد بن يحيى ثعلب «٣» .
ومن هذا الباب الحديث المشهور عن النبي (ص) ، وهو قوله ﵊: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك» . قيل: ولم يا رسول
стр. 1538
الله؟ قال: «لا تتراءى ناراهما» . وقد استقصينا الكلام على معنى هذا الخبر في كتاب «مجازات الآثار النبوية» .
وقوله سبحانه: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) وهذه استعارة. والمراد بها، والله أعلم، فاحكم بيننا وبينهم حكما قاطعا، وأمرا فاصلا: بفتح الباب المبهم بعد ما استصعب رتاجه، وأعضل علاجه.
ويقال للحاكم: الفتّاح، لأنه يفتح وجه الأمر بعد اشتباهه واستبهام أبوابه.
وقال تعالى: وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ: ٢٦] . وقال بعض بني ذهل بن زيد بن نهد:
وعمّي الّذي كانت فتاحة «١» قومه إلى بيته حتّى يجهّز غاديا أي كان الحكم بين قومه، فيه وفي أهل بيته، إلى حين وفاته. وقال فتاحة قومه بكسر الفاء، لأنها في معنى الولاية والزعامة وما يجري مجراهما. وقوله سبحانه: وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وهذه استعارة. والمراد «بالهضيم» هاهنا على بعض الأقوال، والله أعلم، الذي قد ضمن «٢» بدخول بعضه في بعض، فكأنّ بعضه هضم بعضا لفرط تكاثفه، وشدة تشابكه.
وقيل: الهضيم اللطيف. وذلك أبلغ في صفة الطّلع الذي يراد للأكل.
وذلك مأخوذ من قولهم: فلان هضيم الحشا. أي لطيف البطن. وأصله النقصان من الشيء. كأنه نقص من انتفاخ بطنه، فلطفت معاقد خصره.
ومنه قوله تعالى: فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) [طه] أي نقصا وثلما.
وقيل الهضيم الذي قد أينع وبلغ.
وقيل أيضا هو الذي إذا مسّ تهافت من كثرة مائه، ورطوبة أجزائه.
والقولان الأخيران يخرجان الكلام عن حد الاستعارة.
وقوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)
стр. 1539
وهذه استعارة. وليس هناك تقلّب منه على الحقيقة. وإنما المراد به تقلّب أحواله بين المصلّين وتصرّفه فيهم بالركوع والسجود، والقيام والقعود. وذهب بعض العلماء في تأويل هذه الآية مذهبا آخر، فقال:
المراد بذلك تقلّب الرسول (ص) في أصلاب الآباء المؤمنين. واستدل بذلك على أن آباءه إلى آدم (ع) مسلمون، لم تختلجهم خوالج الشرك، ولم تضرب فيهم أعراق الكفر، تكريما له ﵇ عن أن يجري إلا في منزّهات الأصلاب، ومطهّرات الأرحام. وهذا الوجه يخرج به الكلام عن أن يكون مستعارا.
وقوله سبحانه: يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وهذه استعارة على أحد التأويلين. وهو أن يكون المراد بها أنهم يشغلون أسماعهم، ويديمون إصغاءهم ليسمعوا من أخبار السماء ما يموّهون به على الضّلّال من أهل الأرض، وهم عن السمع بمعزل، وعن العلم بمزجر. وذلك كقول القائل لغيره: قد ألقيت إليك سمعي. أي صرفته إلى حديثك، ولم أشغله بشيء غير سماع كلامك. والتأويل الاخر أن يكون السّمع هاهنا بمعنى المسموع، كما يكون العلم بمعنى المعلوم، فيكون التأويل أن الشياطين يلقون ما يدّعون أنهم يستمعونه إلى كل أفّاك أثيم، من أعداء النبي (ص) ، على طريق الوسوسة واعتماد القدح في الشريعة. وهذا الوجه يخرج الكلام عن حد الاستعارة.
وقوله سبحانه: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) . وهذه استعارة. والمراد بها، والله أعلم، أن الشعراء يذهبون في أقوالهم المذاهب المختلفة، ويسلكون الطرق المتشعّبة. وذلك كما يقول الرّجل لصاحبه إذا كان مخالفا له في رأي، أو مباعدا له في كلام: أنا في واد، وأنت في واد. أي أنت ذاهب في طريق وأنا ذاهب في طريق. ومثل ذلك قولهم: فلان يهبّ مع كل ريح، ويطير بكل جناح، إذا كان تابعا لكل قائد، ومجيبا لكل ناعق.
وقيل إن معنى ذلك تصرّف الشاعر في وجوه الكلام من مدح وذم، واستزادة، وعتب، وغزل، ونسيب، ورثاء، وتشبيب، فشبّهت هذه الأقسام
стр. 1540
من الكلام بالأودية المتشعبة، والسبل المختلفة.
ووصف الشعراء بالهيمان فيه فرط مبالغة في صفتهم بالذهاب في أقطارها، والإبعاد في غاياتها. لأن قوله سبحانه: يَهِيمُونَ (٢٢٥) أبلغ في هذا المعنى من قوله: «يسعون» ، و «يسيرون» . ومع ذلك فالهيمان صفة من صفات من لا مسكة له ولا رجاحة معه، فهي مخالفة لصفات ذي الحلم الرزين، والعقل الرصين.
стр. 1541
سورة النّمل ٢٧
стр. 1542
المبحث الأول أهداف سورة «النمل» «١»
سورة النمل سورة مكية، آياتها ٩٣ آية، نزلت بعد سورة الشعراء. وسميت بسورة النمل، لاشتمالها على مناظرة النمل مع سليمان (ع) ، الواردة في قوله تعالى:
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) .
نظام السورة
هذه السورة مجاورة لسورة الشعراء، وهي تمضي على نسقها في الأداء:
مقدمة تمضي على نسقها في الأداء:
مقدمة وتعقيب يتمثل فيهما موضوع السورة الذي تعالجه، وقصص بين المقدمة والتعقيب يعين على تصوير هذا الموضوع، ويؤكده، ويبرز فيه مواقف معينة للموازنة بين موقف المشركين في مكة ومواقف الغابرين قبلهم من شتّى الأمم، للعبرة والتدبّر في سنن الله وسنن الدعوات.
موضوع السورة
موضوع سورة النمل الرئيسي، كسائر السور المكية، هو العقيدة: الإيمان بالله، وعبادته وحده، والإيمان بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب، والإيمان بالوحي، وأن الغيب كلّه لله لا يعلمه سواه، والإيمان بأن الله هو الخالق الرزّاق واهب النعم وتوجيه القلب إلى شكر أنعم الله على البشر،
стр. 1543
والإيمان بأن الحول والقوة كلها لله، وأن لا حول ولا قوة إلّا بالله.
القصص في سورة النمل
يأتي القصص في سورة النمل لتثبيت أهداف السورة، وتصوير عاقبة المكذّبين بها، وعاقبة المؤمنين.
تأتي حلقة من قصة موسى (ع) تلي مقدّمة السورة، حلقة رؤيته للنار، وذهابه إليها، وندائه من الملأ الأعلى، وتكليفه الرسالة إلى فرعون وملئه ثم يعجل السياق بخبر تكذيبهم بآيات الله، وهم على يقين من صدقها، وعاقبة التكذيب مع اليقين:
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) .
واستغرقت هذه الحلقة، من قصة موسى، من الآية ٧ إلى الآية ١٤.
قصة داود وبلقيس
استغرقت الآيات [١٥- ٤٤] في الحديث عن داود وسليمان وبلقيس.
وبدأت بالإشارة إلى نعمة الله على داود وسليمان ﵉ ثم ذكرت قصة سليمان مع النملة، ومع الهدهد، ومع ملكة سبأ وقومها، وفيها تظهر نعمة الله على داود وسليمان وقيامهما بشكر هذه النعمة، وهي نعمة العلم والملك والنّبوّة مع تسخير الجن والطير لسليمان وفيها تظهر كذلك أصول العقيدة التي يدعو إليها كل رسول.
قصة بلقيس
تبدأ قصة بلقيس بأن يتفقّد سليمان الطير، ويبحث عن الهدهد فلا يجده، ثم يجيء الهدهد بعد ذلك، وهو هدهد عجيب صاحب إدراك وذكاء وإيمان، وبراعة في عرض الأخبار، فيخبر سليمان أنه رأى ملكة ولها رعية كبيرة في بلاد سبأ، ورآهم في نعمة وغنّى، ولكنهم يسجدون للشمس من دون الله، فيكتب له سليمان رسالة ليلقيها إليهم، وفيها كما ورد في التنزيل:
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) .
فلما ألقاها على الملكة، جمعت قومها لتستشيرهم فيها. فذكروا لها أنهم أولو قوة وبأس شديد، وفوّضوا أمر ذلك إليها، فذكرت لهم أن عاقبة
стр. 1544
الحرب إفساد الديار، وأنها ترى مسالمة سليمان بإرسال هدية إليه، فلما جاءته الهدية لم يقبلها، وهدّدهم بأن يرسل إليهم جنودا لا قبل لهم بها، فلم تجد الملكة مفرّا من أن تذعن له وتسافر إلى مقرّ ملكه، فجمع قومه وأخبرهم بأنه يريد أن يحصل على عرشها قبل حضورها، فأخبره عفريت من الجن بأنه يمكنه أن يأتيه به قبل أن يقوم من مجلسه، وأخبره عالم من علماء قومه بأنه يمكنه أن يأتيه به قبل مرور طرفة عين، فشكر سليمان ربه أن جعل في ملكه مثل هذا الرجل المؤمن المتصل بالله سبحانه.
وأمر سليمان قومه أن يغيّروا شيئا من شكل العرش ليختبر ذكاءها، فانتهت الملكة إلى جواب ذكي أريب:
قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ [الآية ٤٢] .
فهي لا تنفي ولا تثبت، ودلّت على فراسة وبديهة في مواجهة المفاجأة العجيبة، ثم تعرّضت بلقيس لمفاجأة أخرى، في قصر من البلّور أقيمت أرضيته فوق الماء، وظهر كأنه لجّة.
فلما قيل لها ادخلي الصرح، حسبت أنها ستخوض في لجة الماء وكشفت عن ساقيها، فلما تمت المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها، وقال: «إنه صرح مملّس من زجاج» .
ووقفت الملكة متعجبة مندهشة أمام هذه العجائب التي تعجز البشر، وتدل على أن سليمان مسخّر له قوى أكبر من طاقة البشر، فرجعت إلى الله وناجته معترفة بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غيره، معلنة إسلامها مع سليمان- لا لسليمان- ولكن لله رب العالمين.
لَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
(٤٤) .
قصة صالح ولوط ﵉
وفي أعقاب قصة بلقيس نجد الآيات [٤٥- ٥٣] تتحدث عن نبي الله صالح ومكر قومه في حقه. ونجد الآيات [٥٤- ٥٩] تتحدث عن نبي الله لوط وارتكاب قومه لفاحشة اللواط بالرجال، ومحاولة لوط تقديم النصيحة لهم دون جدوى، بل هددوه بالطرد والنفي، فأنجاه الله وأمطر قومه حجارة من السماء فأهلكتهم، فبئس مطر الهالكين الخاطئين.
стр. 1545
أدلة القرآن على وجود الله
في ختام سورة النمل نجد آيات قوية تتحدث عن قدرة الله ومظاهر العظمة والقدرة في هذا الوجود.
لقد استعرضت السورة في بدايتها حلقات من قصص موسى وداود وسليمان وصالح ولوط، ﵈ جميعا، استغرقت الآيات [٧- ٥٩] .
أما الآيات الأخيرة في السورة [٦٠- ٩٣] ، فإنها تجول جولة هادفة في تثبيت العقيدة، جولة في مشاهد الكون وأغوار النفس وأطواء الغيب، وفي أشراط الساعة، ومشاهد القيامة، وأهوال الحشر، التي يفزع لها من في السماوات والأرض إلّا من شاء الله.
في هذه الجولة الأخيرة، يستعرض القرآن أمام الناس مشاهدات في صفحة الكون وفي أطواء النفس، لا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد المدبّر القدير.
ويتوالى عرض هذه المشاهدات في إيقاعات مؤثّرة، تأخذ عليهم أقطار النفس وأقطار المشاعر، وهو يطرح عليهم أسئلة متلاحقة: من خلق السماوات والأرض؟ من أنزل من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة؟
من جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزا؟ من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟ من يجعلكم خلفاء الأرض؟ من يهديكم في ظلمات البر والبحر؟ من يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته من يبدأ الخلق ثم يعيده؟
من يرزقكم من السماء والأرض؟ وفي كل مرة يقرّعهم: أإله مع الله؟ وهم لا يملكون أن يقولوا: إن إلها مع الله يفعل شيئا من هذا كله، وهم مع هذا يعبدون أربابا من دون الله! وعقب هذه الإيقاعات القوية التي تقتحم القلوب، لأنها إيقاعات كونية تملأ صفحة الوجود من حولهم، أو إيقاعات وجدانية يحسونها في قلوبهم، يستعرض تكذيبهم بالآخرة وتخبّطهم في أمرها، ويعقّب عليه بتوجيه قلوبهم إلى مصارع الغابرين الذين كانوا مثلهم يكذبون ويتخبطون.
ويخلص من هذا إلى عرض مشهد الحشر وما فيه من هول فزع، ويرجع