← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

سورة النّمل ٢٧

стр. 1542

المبحث الأول أهداف سورة «النمل» «١» سورة النمل سورة مكية، آياتها ٩٣ آية، نزلت بعد سورة الشعراء. وسميت بسورة النمل، لاشتمالها على مناظرة النمل مع سليمان (ع) ، الواردة في قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) . نظام السورة هذه السورة مجاورة لسورة الشعراء، وهي تمضي على نسقها في الأداء: مقدمة تمضي على نسقها في الأداء: مقدمة وتعقيب يتمثل فيهما موضوع السورة الذي تعالجه، وقصص بين المقدمة والتعقيب يعين على تصوير هذا الموضوع، ويؤكده، ويبرز فيه مواقف معينة للموازنة بين موقف المشركين في مكة ومواقف الغابرين قبلهم من شتّى الأمم، للعبرة والتدبّر في سنن الله وسنن الدعوات. موضوع السورة موضوع سورة النمل الرئيسي، كسائر السور المكية، هو العقيدة: الإيمان بالله، وعبادته وحده، والإيمان بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب، والإيمان بالوحي، وأن الغيب كلّه لله لا يعلمه سواه، والإيمان بأن الله هو الخالق الرزّاق واهب النعم وتوجيه القلب إلى شكر أنعم الله على البشر،

стр. 1543

والإيمان بأن الحول والقوة كلها لله، وأن لا حول ولا قوة إلّا بالله. القصص في سورة النمل يأتي القصص في سورة النمل لتثبيت أهداف السورة، وتصوير عاقبة المكذّبين بها، وعاقبة المؤمنين. تأتي حلقة من قصة موسى (ع) تلي مقدّمة السورة، حلقة رؤيته للنار، وذهابه إليها، وندائه من الملأ الأعلى، وتكليفه الرسالة إلى فرعون وملئه ثم يعجل السياق بخبر تكذيبهم بآيات الله، وهم على يقين من صدقها، وعاقبة التكذيب مع اليقين: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) . واستغرقت هذه الحلقة، من قصة موسى، من الآية ٧ إلى الآية ١٤. قصة داود وبلقيس استغرقت الآيات [١٥- ٤٤] في الحديث عن داود وسليمان وبلقيس. وبدأت بالإشارة إلى نعمة الله على داود وسليمان ﵉ ثم ذكرت قصة سليمان مع النملة، ومع الهدهد، ومع ملكة سبأ وقومها، وفيها تظهر نعمة الله على داود وسليمان وقيامهما بشكر هذه النعمة، وهي نعمة العلم والملك والنّبوّة مع تسخير الجن والطير لسليمان وفيها تظهر كذلك أصول العقيدة التي يدعو إليها كل رسول. قصة بلقيس تبدأ قصة بلقيس بأن يتفقّد سليمان الطير، ويبحث عن الهدهد فلا يجده، ثم يجيء الهدهد بعد ذلك، وهو هدهد عجيب صاحب إدراك وذكاء وإيمان، وبراعة في عرض الأخبار، فيخبر سليمان أنه رأى ملكة ولها رعية كبيرة في بلاد سبأ، ورآهم في نعمة وغنّى، ولكنهم يسجدون للشمس من دون الله، فيكتب له سليمان رسالة ليلقيها إليهم، وفيها كما ورد في التنزيل: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) . فلما ألقاها على الملكة، جمعت قومها لتستشيرهم فيها. فذكروا لها أنهم أولو قوة وبأس شديد، وفوّضوا أمر ذلك إليها، فذكرت لهم أن عاقبة

стр. 1544

الحرب إفساد الديار، وأنها ترى مسالمة سليمان بإرسال هدية إليه، فلما جاءته الهدية لم يقبلها، وهدّدهم بأن يرسل إليهم جنودا لا قبل لهم بها، فلم تجد الملكة مفرّا من أن تذعن له وتسافر إلى مقرّ ملكه، فجمع قومه وأخبرهم بأنه يريد أن يحصل على عرشها قبل حضورها، فأخبره عفريت من الجن بأنه يمكنه أن يأتيه به قبل أن يقوم من مجلسه، وأخبره عالم من علماء قومه بأنه يمكنه أن يأتيه به قبل مرور طرفة عين، فشكر سليمان ربه أن جعل في ملكه مثل هذا الرجل المؤمن المتصل بالله سبحانه. وأمر سليمان قومه أن يغيّروا شيئا من شكل العرش ليختبر ذكاءها، فانتهت الملكة إلى جواب ذكي أريب: قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ [الآية ٤٢] . فهي لا تنفي ولا تثبت، ودلّت على فراسة وبديهة في مواجهة المفاجأة العجيبة، ثم تعرّضت بلقيس لمفاجأة أخرى، في قصر من البلّور أقيمت أرضيته فوق الماء، وظهر كأنه لجّة. فلما قيل لها ادخلي الصرح، حسبت أنها ستخوض في لجة الماء وكشفت عن ساقيها، فلما تمت المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها، وقال: «إنه صرح مملّس من زجاج» . ووقفت الملكة متعجبة مندهشة أمام هذه العجائب التي تعجز البشر، وتدل على أن سليمان مسخّر له قوى أكبر من طاقة البشر، فرجعت إلى الله وناجته معترفة بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غيره، معلنة إسلامها مع سليمان- لا لسليمان- ولكن لله رب العالمين. لَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤) . قصة صالح ولوط ﵉ وفي أعقاب قصة بلقيس نجد الآيات [٤٥- ٥٣] تتحدث عن نبي الله صالح ومكر قومه في حقه. ونجد الآيات [٥٤- ٥٩] تتحدث عن نبي الله لوط وارتكاب قومه لفاحشة اللواط بالرجال، ومحاولة لوط تقديم النصيحة لهم دون جدوى، بل هددوه بالطرد والنفي، فأنجاه الله وأمطر قومه حجارة من السماء فأهلكتهم، فبئس مطر الهالكين الخاطئين.

стр. 1545

أدلة القرآن على وجود الله في ختام سورة النمل نجد آيات قوية تتحدث عن قدرة الله ومظاهر العظمة والقدرة في هذا الوجود. لقد استعرضت السورة في بدايتها حلقات من قصص موسى وداود وسليمان وصالح ولوط، ﵈ جميعا، استغرقت الآيات [٧- ٥٩] . أما الآيات الأخيرة في السورة [٦٠- ٩٣] ، فإنها تجول جولة هادفة في تثبيت العقيدة، جولة في مشاهد الكون وأغوار النفس وأطواء الغيب، وفي أشراط الساعة، ومشاهد القيامة، وأهوال الحشر، التي يفزع لها من في السماوات والأرض إلّا من شاء الله. في هذه الجولة الأخيرة، يستعرض القرآن أمام الناس مشاهدات في صفحة الكون وفي أطواء النفس، لا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد المدبّر القدير. ويتوالى عرض هذه المشاهدات في إيقاعات مؤثّرة، تأخذ عليهم أقطار النفس وأقطار المشاعر، وهو يطرح عليهم أسئلة متلاحقة: من خلق السماوات والأرض؟ من أنزل من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة؟ من جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزا؟ من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟ من يجعلكم خلفاء الأرض؟ من يهديكم في ظلمات البر والبحر؟ من يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ من يرزقكم من السماء والأرض؟ وفي كل مرة يقرّعهم: أإله مع الله؟ وهم لا يملكون أن يقولوا: إن إلها مع الله يفعل شيئا من هذا كله، وهم مع هذا يعبدون أربابا من دون الله! وعقب هذه الإيقاعات القوية التي تقتحم القلوب، لأنها إيقاعات كونية تملأ صفحة الوجود من حولهم، أو إيقاعات وجدانية يحسونها في قلوبهم، يستعرض تكذيبهم بالآخرة وتخبّطهم في أمرها، ويعقّب عليه بتوجيه قلوبهم إلى مصارع الغابرين الذين كانوا مثلهم يكذبون ويتخبطون. ويخلص من هذا إلى عرض مشهد الحشر وما فيه من هول فزع، ويرجع

стр. 1546

بهم في ومضة خاطفة إلى الأرض، ثم يردهم إلى مشهد الحشر، وكأنما يهزّ قلوبهم هزّا ويرجّها رجّا. وتختم السورة بحمد الله الذي يستحق الحمد وحده، وتكلهم إلى الله يريهم آياته، ويطّلع على أعمالهم ما ظهر منها وما بطن: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣) .

стр. 1547

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النمل» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة النمل بعد سورة الشعراء، ونزلت سورة الشعراء فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة النمل في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لورود اسم النمل في قوله تعالى في الآية ١٨ منها: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ، وتبلغ آياتها ثلاثا وتسعين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة التنويه بشأن القرآن أيضا، ولهذا ذكرت بعد السورة السابقة، لأنها تشبهها في غرضها، وقد جاء أوّلها في بيان ما فيه من الهداية والبشارة للمؤمنين، والترهيب للكافرين ثم انتقل السّياق منه إلى الترغيب والترهيب بذكر بعض قصص الأنبياء والصالحين، ثم انتقل منهما إلى التنويه بشأنها وشأن أصحابها، والموازنة بين من ينزّل مثلها وبين آلهتهم في عجزها وضعفها، إلى غير هذا مما ختمت به هذه السورة. التنويه بشأن القرآن الآيات [١- ٦] قال الله تعالى: طس تِلْكَ آياتُ

стр. 1548

الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) . فنوّه بشأن القرآن وذكر جلّ شأنه، أنه هدّى وبشرى لمن يؤمن به، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويؤمن بالآخرة وأنه سبحانه زيّن للذين لا يؤمنون بالآخرة أعمالهم، فضلّوا عنه، ثم ذكر أن لهم سوء العذاب، وأنهم في الاخرة هم الأخسرون: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) . الترغيب والترهيب بقصص الأنبياء والصالحين الآيات [٧- ٥٨] ثم قال تعالى: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فذكر قصة موسى حينما أعطاه آية عصاه يلقيها فتهتزّ كأنها جانّ (حية صغيرة) ، وآية يده يدخلها في جيبه، فتخرج بيضاء من غير سوء ثم أرسله بهما إلى فرعون وقومه، لأنهم كانوا قوما فاسقين فلما جاءهم بآياته، زعموا أنها سحر مبين: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) . ثم انتقل السياق منها إلى قصة داود وسليمان ﵉، فذكر أنه سبحانه آتاهما علما فعملا به وحمداه عليه، وأنه كان مما آتاه سليمان علم منطق الطير وتسخير كثير من الأشياء له، وأن سليمان جمع جنوده من الجن والإنس والطير، فساروا حتى إذا أتوا على وادي النمل أمرت نملة جماعتها من النمل أن يدخلوا مساكنهم، لئلا يحطمهم سليمان بجنوده، ففهم سليمان أمرها وتبسّم سرورا من إدراكه له، وطلب من الله أن يعينه في شكره على تلك النعمة العظيمة، ثم ذكر السياق أن سليمان تفقّد الطير فلم ير الهدهد فسأل عنه، وكان قد طار إلى سبأ باليمن فلم يمكث إلا قليلا حتى رجع منها، وأخبره بأنه وجد امرأة تملك سبأ، وأنها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، فكتب له رسالة ليلقيها إليهم إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) . فلمّا ألقاها على الملكة جمعت قومها لتستشيرهم فيها، فذكروا لها أنهم أولو قوة وبأس شديد، وفوّضوا أمر ذلك إليها، فذكرت لهم أن عاقبة الحرب إفساد الديار، وأنها ترى مسالمة سليمان بإرسال هدية إليه فلما جاءته الهدية لم يقبلها، وهدّدهم

стр. 1549

بأن يرسل إليهم جنودا لا قبل لهم بها، فلم تجد الملكة مفرّا من أن تذعن له، وتسافر إلى مقرّ ملكه فجمع قومه وأخبرهم بأنه يريد أن يحصل على عرشها قبل حضورها، فأخبره عفريت من الجن بأنه يستطيع أن يأتيه به قبل أن يقوم من مجلسه، وأخبره عالم من علماء قومه بأنه يستطيع أن يأتيه به قبل أن يرتدّ إليه طرفه، فشكر الله أن جعل في ملكه من يستطيع إحضار ذلك العرش في هذا الزمن، وقد أمرهم أن يغيّروا شيئا من شكله ليعرضه عليها، وينظر: أتعرف أنه عرشها أم لا تعرفه، ليختبر بذلك عقلها فلما جاءت عرض عليها وقيل لها: أهكذا عرشك؟ قالت كأنه هو، وذكرت أنها آمنت بالله وبقدرته من قبل هذه الآية ثم إنّ سليمان أمرها أن تدخل الصّرح، وكان قصرا من زجاج تحته ماء فلما رأته حسبته لجّة وكشفت عن ساقيها، فأخبرها بأنه صرح ممرّد من قوارير، فعجبت من ذلك، وآمنت بقدرة الله الذي أعطاه هذا الملك: الَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤) . ثم انتقل السّياق إلى قصة صالح وقومه ثمود، وقصة لوط وقومه، وهما هنا يخالفان ما سبق منهما في سياقهما وأسلوبهما، وفي ذكر بعض زيادات لم تسبق فيهما. التنويه بهذه القصص وأصحابها الآيات [٥٩- ٩٣] ثم قال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) فأمر الله سبحانه، رسوله الأكرم (ص) أن يحمد الله على ما تلاه عليه من هذه القصص، وأن يسلم على من اصطفاه من أصحابها، وأن يسأل أولئك الذين لا يؤمنون بتنزيلها: آلله الذي ينزلها خير، أم آلهتهم التي لا تقدر على إنزال شيء منها؟ وقد ذكرت موازنات أخرى بعد هذه الموازنة، إلى أن أمروا، أمر تعجيز، بأن يأتوا ببرهان على أنها آلهة إن كانوا صادقين في زعمهم وذكر السياق أنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، ﷻ ، ومن عداه من آلهتهم وغير هم لا يشعرون أيّان يبعثون. ومع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة، ولكنهم شاكّون جاهلون، ومن أسباب ذلك فيهم أنهم يستبعدون أن يبعثوا بعد

стр. 1550

أن يصيروا ترابا، ويزعمون أنهم قد وعدوا هذا هم وآباؤهم من قبلهم، فلم يحصل شيء منه، وقد أجاب تعالى عن هذا بأن أمرهم أن يسيروا في الأرض لينظروا كيف كان عاقبة المجرمين في الدنيا، فلا بدّ من أن يعاقبهم أيضا في الاخرة ثم ذكر استعجالهم ذلك على سبيل الاستهزاء، وأجاب عنه بأنه سيحصل لهم قريبا بعض منه في الدنيا، بتسليط المؤمنين عليهم، وأن رحمته هي التي اقتضت عدم تعجيله لهم، ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون، ثم هدّدهم على ذلك، بأنه يعلم ما يخفون وما يعلنون وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) . ثم أعاد التنويه بشأن تلك القصص، فذكر أن القرآن يقصّ منها على بني إسرائيل أكثر ما يختلفون فيه، فيهديهم إلى ما غاب عنهم من الصواب فيها، ثم أمر الرسول (ص) أن يتوكّل عليه ولا يلتفت إلى أعدائه لأنه على الحق المبين وذكر تعالى أن الرسول لا يؤثّر فيهم لأنهم موتى لا يسمعون، وعمي لا يبصرون، وإنما يسمع من يؤمن بآياته فهم مسلمون ثم ذكر تعالى ما يكون قبل يوم القيامة من خروج دابّة تخبر الناس بما كان من جحودهم بتلك الآيات، فتؤمن بما لم يؤمنوا به، وهي من العجماوات، ثم ذكر أنهم يحشرون إلى ربهم فيوبّخهم على تكذيبهم بآياته، وأنهم لا يجدون ما يعتذرون به، فلا يمكنهم أن ينطقوا بعذر، وذكر لهم آية واحدة تقطع عذرهم، وهي ما يرونه من أنه جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، وجعل لهم النهار مبصرا وإنما آثر هذه الآية لأنهم يسكنون بالليل، ويبعثون بالنهار، كما يبعثون من الدنيا إلى الاخرة ثم ذكر ما يكون أيضا قبل يوم القيامة من النفخ في الصّور، وأنه يفزع به من في السماوات ومن في الأرض فيأتون صاغرين إليه، وأنه يجازيهم على أعمالهم، فيكون لمن جاء بالحسنة خير منها، ومن جاء بالسيّئة يكبّ في النار على وجهه. ثم ختم السورة بأمر الرسول أن يخبرهم بأنه إنما أمر أن يعبد الله سبحانه، وحده وأن يتلو عليهم القرآن فمن اهتدى به، فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل، فليقل له إنما أنا من المنذرين وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣) .

стр. 1551

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النمل» «١» أقول: وجه اتصالها بما قبلها، أنها كالتتمّة لها، في ذكر بقية القرون، فزاد سبحانه فيها ذكر سليمان وداود (ع) . وبسط فيها قصة لوط (ع) أبسط ممّا هي في «الشعراء» «٢» . وقد روينا عن ابن عباس، وجابر بن زيد، في ترتيب السور: أن «الشعراء» أنزلت ثم «طه» ، ثم «القصص» ، ولذلك كان ترتيبها في المصحف هكذا. وأيضا فقد وقع فيها: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً [الآية ٧] إلى آخره. وذلك تفصيل قوله تعالى في الشعراء: فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) [الشعراء] .

стр. 1552

المبحث الرابع مكنونات سورة «النمل» «١» ١- وادِ النَّمْلِ [الآية ١٨] . قال قتادة: ذكر لنا أنه واد بأرض الشام «٢» . أخرجه ابن أبي حاتم. ٢- قالَتْ نَمْلَةٌ [الآية ١٨] . قال السّهيلي: اسمها حرميا. وقيل: طاخية حكاه الزمخشري. وقال صاحب «القاموس» : اسمها عيجلوف بالجيم. قال ابن عسكر: حكي أن قتادة سئل عن نملة سليمان أذكر هي أم أنثى؟ فأفحم! وكان أبو حنيفة حاضرا فقال: أنثى، لقوله تعالى: قالَتْ بالتاء «٣» .

стр. 1553

٣- وَعَلى والِدَيَّ [الآية ١٩] . هما: داود، وأوريا ذكره الكرماني في «عجائبه» . ٤- لا أَرَى الْهُدْهُدَ [الآية ٢٠] . أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان عنبر. ٥- إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [الآية ٢٣] . أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: هي بلقيس بنت شراحيل. وأخرج مثله عن قتادة. وأخرج عن زهير بن محمد قال: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، وأمّها فارعة، الجنية. وأخرج عن ابن جريح قال: بلقيس بنت ذي سرح، وأمها بلقية «١» . وقال ابن عسكر: قيل: اسم أبيها اليشرح وقيل: إيلي شرخ وقيل: أمها بلمقة وقيل: يلمغة وقيل: يلمعة وقيل: رواحة. ٦- قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي [الآية ٣٢] . أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة: أنّ أهل مشورتها، كانوا ثلاث مائة واثني عشر رجلا. ٧- فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ [الآية ٣٦] .

стр. 1554

اسم الجائي: منذر. ذكره الكرماني في «عجائبه» . ٨- قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ [الآية ٣٩] . اسمه كوزن. أخرجه ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي، ويزيد بن رومان. ٩- قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ [الآية ٤٠] . قال ابن عباس وقتادة: هو آصف بن برخيا كاتبه. وقال زهير بن محمد: هو رجل من الإنس، يقال له: ذو النّور. وقال مجاهد: اسمه أسطوم. وقال ابن لهيعة، هو الخضر. أخرج كلّها ابن أبي حاتم. وقيل، هو جبريل. وقيل: هو ملك أيّد الله به سليمان. وقيل: هو ضبّة أبو القبيلة. وقيل: رجل زاهد، اسمه «مليخا» . حكاها الكرماني في «عجائبه» . وقيل: اسمه بلخ. حكاه ابن عسكر ١٠- وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ [الآية ٤٨] . أخرج ابن أبي حاتم، من طريق السّدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس قال: كانت أسماؤهم رعمي، ورعيم، وهرمي، وهريم، وداب، وصواب، ورئاب، ومسطع، وقدار بن سالف: عاقر الناقة. وقد نظمهم بعضهم في بيتين فقال: رئاب وغنم، والهذيل، ومصدع عمير، سبيط، عاصم، وقدار وسمعان، رهط الماكرين بصالح ألا إن عدوان النفوس بوار هكذا نقلته من خط الشيخ جمال الدين بن هشام في «تذكرته» وفيه مخالفة لقول ابن عبّاس «١» . وذكر ابن هشام أن أسماء آبائهم على الترتيب: مهرع، وغنم، وعبد رب، ومهرج، وكردة، وصدقة، ومخرمة وسالف، وصيفي. ١١- رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ [الآية ٩١] . قال ابن عباس: يعني مكة. أخرجه ابن أبي حاتم.

стр. 1555

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النمل» «١» قال تعالى: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ [الآية ٧] . وقوله تعالى: آنَسْتُ، أي: أبصرت ورأيت. أقول: ويحسن بي أن أقف وقفة طويلة على: آنَسْتُ فأقول: هي من مادة «الأنس» . وآنس الشيء: أحسّه. وآنس الشخص واستأنسه: رآه وأبصره. وأنست بفلان: فرحت به. وفي التنزيل العزيز: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً [القصص: ٢٩] يعني أبصر. واستأنست: استعلمت. والاستئناس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [النور: ٢٧] . قال الفراء: هذا مقدّم ومؤخّر، إنّما هو حتى تسلّموا وتستأنسوا ... وقال الزجاج: معنى تستأنسوا تستأذنوا. أقول: وجميع معاني «أنس» من الأفعال والمصادر تتصل ب «الأنس» الذي هو جملة هذه المعاني من الإبصار والاستعلام والفرح والاستئذان، فلا بد من أن نجد لها أصلا في أنّ الإنسان يألف أخاه الإنسان بطبعه، فإذا اتصل به وألفه استلّ منه فعلا لهذه الحالة المعنوية من مادة «إنس» ، أي: الإنسان، والإنس

стр. 1556

مقابل الجن في طائفة من الآيات. والإنس والإنسان شيء واحد، وزيادة الألف والنون لكمال صيغة جديدة. ثم إذا وقفنا قليلا وجدنا لغة قديمة في «الإنسان» هي «إيسان» وهذه اللغة الأخيرة ذات صلة وثيقة بمادة «أيس» الذي يعني الوجود. ولم يرد هذا إلا في قول الخليل بن أحمد: أن العرب تقول جيء به من حيث «أيس، وليس» لم تستعمل «أيس» إلا في هذه الكلمة، وإنما معناها كمعنى حيث، هو في حال الكينونة والوجد مصدر «وجد» ، وقال: إنّ معنى «لا أيس» أي لا يوجد. أقول: والذي يؤيّد هذا، ما نعرفه من أن في العبرانية من هذا شيئا هو أن إيش بمعنى رجل، ويقابله إيث في الآرامية. ولنرجع إلى العربية فنجد أن كلمة «شيء» ، ومعناها معروف ليس بعيدا عن مادة «وجد» ، فالشيء موجود بطبعه وحقيقته، وكأن الأصل هو مقلوب «أيش» الذي يذكرنا ب «أيس» ، الذي يفيد الوجود والذي بقي شيء منه في مادة «ليس» ، أي «لا أيس» . وكان الفلاسفة على حق في التمسّك ب «الأيس» و «الليس» للدلالة على الوجود وعدمه. ٢- وقال تعالى: وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ [الآية ١٠] . وقوله تعالى: وَلَمْ يُعَقِّبْ أي: ولم يرجع، ويقال عقّب المقابل إذا كرّ بعد الفرار، قال: فما عقّبوا إذ قيل هل من معقّب ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا يصف قوما بالجبن وأنهم إن قيل: هل من معقّب وراجع على عقبه للحرب؟ فما رجعوا إليها، ولا نزلوا يوم الحرب، منزلا من منازلها، أي: لم يقدموا مرة على العدو. أقول: وهذا من الكلم المفيد الذي كان ينبغي أن يكون له مكان في العربية المعاصرة، وذلك للحاجة إليه في أحوال مشابهة. ٣- وقال تعالى: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) . المبصرة: الظاهرة البيّنة، جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها، لأنهم لابسوها، وكانوا منها بنظرهم وتفكيرهم فيها.

стр. 1557

أقول: وهذا شيء من استعمالات لغة القرآن البديعة، التي تأتي بغير المألوف من إسناد الأفعال، وذلك يحقّق فوائد في إدراك المعاني وتصويرها، على نحو لم يلتفت إليه أهل النظر. ٤- وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ [الآية ١٨] . أقول جاء الفعل «يحطم» في هذه الآية فعلا ثلاثيا. ومثله ما جاء في قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) [القصص] . والفعل «قبح» في قوله تعالى مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) ثلاثي أيضا. أقول: والفعلان في العربية المعاصرة مزيدان بالتضعيف ولا نعرف صيغة الثلاثي فيهما فيقال: حطم القيد وحطّم الزّجاج، على الحقيقة وحطّم الأحوال، وفلان محطّم أي: متعب مريض، على سبيل المجاز. ومثله يقال: قبّحه الله في الدعاء عليه. ٥- وقال تعالى: وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [الآية ١٩] . أي اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، أي: كفّني عن الأشياء إلّا عن شكر نعمتك، وكفّني عما يباعدني عنك. أقول: وهذا من الأفعال ذات المعاني المفيدة. ٦- وقال تعالى: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ [الآية ٣٦] . حذفت الياء من قوله تعالى: أَتُمِدُّونَنِ وحقها أن تثبت لأنها ضمير في موضع المفعول به، والاكتفاء بالكسرة من خط المصحف. والاكتفاء بالكسرة ربما كان للاهتمام بالكلمة التالية، وهي بِمالٍ، فكأن قصر المد والاكتفاء بكسر النون يغري السماع، ويدفعه إلى الاهتمام بالكلمة اللاحقة. ٧- وقال تعالى: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها [الآية ٣٧] . وقوله تعالى: لا قِبَلَ أي: لا طاقة. أقول: لم يعرف أهل عصرنا المصدر «قبل» ، وقد استعاضوا منه المصدر الصناعي «القابلية» بمعنى

стр. 1558

الطاقة فهم يقولون: فلان يملك قابليات نادرة. ولا بد من الإشارة إلى أن «القابلية» عند أهل العلوم تعني درجة القبول لعمل من الأعمال كقولهم: قابلية هذه الأرض لامتصاص الماء. ٨- وقال تعالى: وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) . «والصاغرون» جمع صاغر وهو الذليل. والصّغار: أن يقعوا في الأسر والاستعباد، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا. أقول: وقد فرّقت العربية في الأبنية باختلاف المعاني، فالمصدر صغر للدلالة على صغر الجسم طولا وعرضا. والصّغار كما أشرنا، والفعل فيهما صغر. ٩- وقال تعالى: قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) . وقوله تعالى: نَكِّرُوا، أي: اجعلوه متنكرا متغيّرا عن هيئته وشكله، كما يتنكّر الرجل للناس لئلا يعرفوه. أقول: والتنكير بهذا المعنى مما نعرفه الآن في لغتنا المعاصرة، فيقال مثلا: جاء فلان متنكّرا، أي: متخفّيا مضلّلا من يراه لئلّا يعرفه. ١٠- وقال تعالى: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) . استعجلوا العذاب الموعود فقيل لهم: عَسى أَنْ يَكُونَ ردفكم بعضه، وهو عذاب يوم بدر فزيدت اللام للتأكيد كالباء في وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو: دنا لكم وأزف لكم، ومعناه: وتبعكم ولحقكم، وقد عدّي ب «من» قال: فلما ردفنا من عمير وصحبه تولّوا سراعا والمنيّة تعنق يعني دنونا من عمير أقول: ومعنى «ردف» ، في هذه الآية من كلم القرآن الذي لا نعرفه في لغتنا المعاصرة. على أن استعماله كان في موضعه في الآية، قد أدّى المعنى أحسن الأداء. ١١- وقال تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) . وقوله داخِرِينَ (٨٧) أي: صاغرين.

стр. 1559

المبحث السادس المعاني الغوية في سورة «النمل» «١» قال تعالى: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ [الآية ٨] أي: نودي بذلك. وقال تعالى: بِشِهابٍ قَبَسٍ [الآية ٧] بجعل «القبس» بدلا من «الشّهاب» وإن أضيف «الشّهاب» الى «القبس» لم ينوّن «الشهاب» وكلّ حسن. وقال تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ [الآية ١١] لأن «إلّا» تدخل في مثل هذا الكلام كمثل قول العرب: «ما أشتكي إلّا خيرا» فلم يجعل قوله «إلّا خيرا» على الشكوى، ولكنه علم إذا قال لهم «ما أشتكي شيئا» أنه يذكر من نفسه خيرا. كأنه قال «ما أذكر إلّا خيرا» . وقال تعالى: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [الآية ١٦] لأنها لما كانت تكلّمهم صار كالمنطق. وقال الشاعر [من الخفيف وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائتين] : صدّها منطق الدجاج عن القصد وقال [من الرجز وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائتين] : فصبّحت والطير لم تكلّم وقال تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا [الآية ٢٥] يقول: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [الآية ٢٤] ل «أن لا يسجدوا» وقرأ بعضهم أَلَّا يَسْجُدُوا فجعله أمرا كأنه قيل لهم: «ألا يسجدوا» فجعله أمر كأنه قيل لهم: «ألا اسجدوا» وزيد بينهما «يا» التي تكون للتنبيه ثم أذهبت ألف الوصل التي في «اسجدوا» وأذهبت الالف التي في «يا» لأنها

стр. 1560

ساكنة لقيت السين فصارت أَلَّا يَسْجُدُوا وفي الشعر» [من الطويل وهو الشاهد الثاني والستون بعد المائتين] ألا يا سلمي يا دارميّ على البلى ولا زال منهلّا بجرعائك القطر وإنّما هي: ألا يا اسلمي وقال تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ [الآية ٣٠] على إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ [الآية ٢٩] إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ ووَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ وبِسْمِ اللَّهِ مقدمة في المعنى. وقال تعالى: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [الآية ٤٠] أي: لينظر أأشكر أم أكفر. كقولك: «جئت لأنظر أريد أفضل أم عمرو» . وقال تعالى: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ [الآية ٤٧] بإدغام التاء في الطاء، لأنها من مخرجها، وإذا استأنفت قلت: «اطّيّرنا» . وقال تعالى: تِسْعَةُ رَهْطٍ [الآية ٤٨] والرهط جمع ليس له واحد من لفظه مثل «ذود» . وقال تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ [الآية ٦٠] أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ [الآية ٦٤] حتى ينقضي الكلام. أَمَّنْ، هاهنا ليست باستفهام على قوله سبحانه: خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) إنّما هي بمنزلة «الذي» . وقال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [الآية ٦٥] كما قال: إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: ٦٦] وفي حرف ابن مسعود «قليلا» بدلا من الأول لأنك نفيته عنه وجعلته للآخر. وقال تعالى: رَدِفَ لَكُمْ [الآية ٧٢] أي «ردفكم» وأدخلت اللام فأضيف بها الفعل، كما قال لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) [يوسف] ولِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) [الأعراف] وتقول العرب: «ردفه أمر» كما يقولون: «تبعه» و «أتبعه» . وقال تعالى: أَنَّ النَّاسَ [الآية ٨٢] أي: بأنّ النّاس، وبعضهم يقرأ (إنّ

стр. 1561

النّاس) كما قال وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ [الزمر: ٣] انما معناه يقولون: «ما نعبدهم» . قال: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) ف ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ مؤخّرة لأن المعنى «فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثمّ تولّ عنهم» . وقال تعالى: آياتُنا مُبْصِرَةً [الآية ١٣] أي: إنها تبصرهم حتّى أبصروا. وإن شئت قرأت: (مبصرة) «١» بفتح الصاد، فقد قرأها بعض الناس، وهي جيدة يعني مبصرة مبيّنة.

стр. 1562

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النمل» «١» إن قيل: ما الحكمة في تنكير الكتاب في قوله تعالى وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) . قلنا: الحكمة في التفخيم والتعظيم كقوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) [القمر] . فإن قيل: العطف يقتضى المغايرة، فلم عطف الكتاب المبين على القرآن، والمراد به القرآن؟ قلنا: قيل إن المراد بالكتاب المبين اللوح المحفوظ، فعلى هذا لا إشكال وعلى القول الاخر، فتقول العطف يقتضي المغايرة مطلقا إما لفظا وإما معنى، بدليل قول الشاعر: فألفى قولها كذبا ومينا وقولهم: جاءني الفقيه والظريف والمغايرة لفظا أمر ثابت. فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [الآية ٤] . وقال تعالى في موضع آخر: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [الأنفال: ٤٨] . قلنا: تزيين الله تعالى لهم الأعمال بخلقه الشهوة والهوى وتركيبها فيهم، وتزيين الشيطان بالوسوسة والإغواء والغرور والنميمة، فصحّت الإضافتان. فإن قيل: لم قيل هنا سَآتِيكُمْ [الآية ٧] وقيل في سورة طه: لَعَلِّي آتِيكُمْ

стр. 1563

[طه: ١٠] وأحدهما قطع، والاخر ترجّ، والقصة واحدة؟ قلنا: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة. فإن قيل: لم قال تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ [الآية ٨] مع أنه لم يكن في النار أحد، بل لم يكن المرئي نارا، وإنما كان نورا في قول الجمهور، وقيل كان نارا ثم انقلب نورا؟ قلنا: قال ابن عباس والحسن ﵄: معناه قدّس من ناداه من النار وهو الله ، لا على معنى أن الله تعالى يحل في شيء، بل على معنى أنه أسمعه النداء من النار في زعمه. الثاني: أن «من» زائدة والتقدير بورك في النار وفيمن حولها، وهو موسى (ع) والملائكة. الثالث: أن معناه بورك من في طلب النار وهو موسى (ع) . فإن قيل: إنما يقال بارك الله على كذا، ولا يقال بارك الله كذا؟ قلنا: قال الفراء: العرب تقول باركه الله وبارك فيه وبارك عليه بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ [الصافات: ١١٣] . ولفظ التحيات: وبارك على محمد وعلى آل محمد. فإن قيل: ما وجه الاستثناء في قوله تعالى: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ [الآية ١٠] . قلنا: فيه وجوه: أحدها أنه استثناء منقطع بمعنى لكن. الثاني: أنه استثناء متصل، كذا قاله الحسن وقتادة ومقاتل ﵏، ومعناه: إلا من ظلم منهم بارتكاب الصغيرة كآدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف وموسى وغير هم صلوات الله وسلامه عليهم، فإنه يخاف ممّا فعل مع علمه أني غفور رحيم، فيكون تقدير الكلام: «إلا من ظلم منهم فإنه يخاف فمن ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم» . ولهذا قال بعضهم: إن هنا وقفا على قوله تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وابتداء الكلام الثاني محذوف كما قدرنا. والثالث: أن «إلّا» بمعنى «ولا» ، كما في قوله تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [البقرة: ١٥٠] أي «ولا الذين ظلموا منهم» . الرابع: أن تقديره: أني لا يخاف لدي المرسلون ولا غير المرسلين إِلَّا مَنْ ظَلَمَ [الآية ١١] .

стр. 1564

فإن قيل: لم قال سليمان (ع) كما ورد في التنزيل عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا [الآية ١٦] بنون العظمة، وهو من كلام المتكبّرين؟ قلنا: لم يرد به نون العظمة، وإنما أراد به نون الجمع وعنى نفسه وأباه. الثاني: أنه كان ملكا مع كونه نبيّا فراعى سياسة الملك، وتكلم بكلام الملوك. فإن قيل: كيف حلّ له تعذيب الهدهد، حتى قال كما ورد في التنزيل لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً [الآية ٢١] . قلنا: لعل ذلك أبيح له خاصّة، كما خصّ بفهم منطق الطير، وتسخيره له، وغير ذلك. فإن قيل: كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان (ع) حتى قال ولها عرش عظيم؟ قلنا: أولا: يجوز أنه استصغر حالها بالنسبة الى حال سليمان، فاستعظم لها ذلك العرش. ثانيا: أنه يجوز أن لا يكون لسليمان مثله، وإن عظمت مملكته في كل شيء، كما يكون لبعض الأمراء شيء لا يكون للملك مثله. فإن قيل: لم ورد على لسان الهدهد قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [الآية ٢٣] مع قول سليمان صلوات الله وسلامه عليه كما ورد في التنزيل وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [الآية ١٦] . فكأنه سوى بينهما؟ قلنا: بينهما فرق وهو أن الهدهد أراد به، وأوتيت من كل شيء من أسباب الدنيا لأنه عطف على الملك، وسليمان أراد به وأوتينا من كل شيء من أسباب الدين والدنيا، ويؤيّد ذلك عطفه على المعجزة، وهي منطق الطير. فإن قيل: كيف سوّى الهدهد بين عرشها وعرش الله تعالى في الوصف بالعظم، في قوله تعالى: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) ورَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) ؟ قلنا: بين الوصفين بون عظيم لأنه وصف عرشها بالعظم بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله تعالى بالعظم بالنسبة إلى ما خلق من السماوات والأرض وما بينهما. فإن قيل: قوله تعالى: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) .

стр. 1565

إذا تولّى عنهم، فكيف يعلم جوابهم؟ قلنا: أوّلا: معناه ثم تولّ عنهم مستترا من حيث لا يرونك فانظر ماذا يرجعون. ثانيا: أن فيه تقديما وتأخيرا تقديره: فانظر ماذا يرجعون، ثم تولّ عنهم. فإن قيل: كيف استجاز سليمان (ع) تقديم اسمه في الكتاب على اسم الله تعالى، حتّى كتب فيه، كما ورد في التنزيل: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) . قلنا: لأنه أدرك أنها لا تعرف الله تعالى وتعرف سليمان، فخاف أن تستخف باسم الله تعالى إذا كان أول ما يقع نظرها عليه، فجعل اسمه وقاية لاسم الله تعالى. وقيل: إن اسم سليمان كان على عنوانه، واسم الله تعالى كان في أول طيّه. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون آصف، وهو كاتب سليمان (ع) ووزيره، وليس بنبيّ يقدر على ما لا يقدر عليه النبيّ، وهو إحضار عرش بلقيس في طرفة عين؟ قلنا: يجوز أن يخصّ غير الرسول بكرامة لا يشاركه فيها الرسول، كما خصّت مريم بأنها كانت ترزق من فاكهة الجنة، وزكريا ﵇ لم يرزق منها وكما أن سليمان صلوات الله عليه خرج مع قومه يستسقون فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تستسقي، فقال لقومه: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم، ولم يلزم من ذلك فضلها على سليمان. وقد نقل أن النبي (ص) كان إذا أراد الخروج إلى الغزوات قال لفقراء المهاجرين والأنصار: ادعوا لنا بالنصرة، فإن الله تعالى ينصرنا بدعائكم. ولم يكونوا أفضل منه (ص) ، مع أن كرامة التابع من جملة كرامات المتبوع. قالوا: والعلم الذي كان عنده هو اسم الله الأعظم، فدعا به فأجيب في الحال، وهو عند أكثر العلماء، كما قال البندنيجي، اسم الله، ثم قيل هو يا حيّ يا قيوم، وقيل يا ذا الجلال والإكرام، وقيل يا الله يا رحمن، وقيل يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت فمن أخلص النيّة، ودعا بهذه الكلمات مع استجماع شرائط الدعاء المعروفة فإنه يجاب لا محالة.

стр. 1566

فإن قيل: لم قالت كما ورد في التنزيل أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤) وهي إنّما أسلمت بعده على يده لا معه، لأنه كان مسلما قبلها؟ قلنا: إنما عدلت عن تلك العبارة إلى هذه لأنها كانت ملكة، فلم تر أن تذكر عبارة تدل على أنها صارت مولاة له، بإسلامها على يده، وإن كان الواقع كذلك. فإن قيل: كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟ قلنا: كأنهم اعتقدوا أنهم إذا جمعوا بين البيانين، ثم قالوا: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ [الآية ٤٩] يعنون ما شهدناه وحده كانوا صادقين، لأنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله. فإن قيل: لم قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [الآية ٦٥] ونحن نعلم الجنة والنار وأحوال القيامة، وكلّها غيب؟ قلنا: معناه لا يعلم الغيب بلا دليل إلا الله، أو بلا معلم إلا الله سبحانه، أو جميع الغيب إلا الله جلّ وعلا. وقيل معناه: لا يعلم ضمائر السماوات والأرض إلا الله. فإن قيل قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [الآية ٦٦] أو «أدرك» على اختلاف القراءتين، هل مرجع الضمير فيه وفي ما قبله واحد أم لا؟ وكيف مطابقة الإضراب لما قبله، ومطابقته لما بعده من الإضرابين؟ وكيف وصفوا بنفي الشعور ثم بكمال العلم، ثم بالشك، ثم بالعمى؟ قلنا: مرجع الضمير في قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ [الآية ٦٦] هو الكفّار فقط، وفيما قبله جميع من في السماوات والأرض، وقوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ معناه بل تتابع وتلا حق واجتمع كقوله تعالى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً [الأعراف: ٣٨] وأصله تدارك، فأدغم التاء في الدال، وقوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ معناه بل كمل وانتهى. قال ابن عباس ﵄: يريد ما جهلوه في الدنيا علموه في الاخرة. وقال السعدي: يريد اجتمع علمهم يوم القيامة فلم يشكوا ولم يختلفوا. وقال مقاتل: يريد علموا في الآخرة ما شكوا فيه وعموا عنه في الدنيا، وقوله تعالى: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها [الآية ٦٦]

стр. 1567

معناه بل هم اليوم في شك من الساعة بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) جمع عم وهو أعمى القلب. ومطابقة الإضراب الأول لما قبله، أن الذين لا يشعرون وقت البعث، لما كانوا فريقين: فريق منهم لا يعلمون وقت البعث مع علمهم أنه يوجد لا محالة، وهم المؤمنون وفريق منهم لا يعلمون وقته، لإنكارهم أصل وجوده. أفرد الفريق الثاني بالذكر بقوله تعالى بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [الآية ٦٦] تأكيدا لنفي علمهم في الدنيا، كأنه تعالى قال: بل فريق منهم لا يعلمون شيئا من أمر البعث في الدنيا أصلا، ثم أضرب عن الإخبار بتتابع علمهم، وتلاحقه بحقيقة البعث في الاخرة، إلى الإخبار عن شكهم في الدنيا في أمر البعث والساعة، مع قيام الأدلّة الشرعية على وجودها لا محالة وأمّا وصفهم بنفي الشعور ثم بكمال العلم ثم بالشك، ثم بالعمى، فلا تناقض فيه، لاختلاف الأزمنة، أو لاختلاف متعلّقات تلك الأمور الأربعة، وهي الشعور والعلم والشك والعمى. فإن قيل: قضاء الله تعالى وحكمه واحد، فما معنى قوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ [الآية ٧٨] وهو بمنزلة قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ [الآية ٧٨] بقضائه أو يحكم بينهم بحكمه. قلنا معناه بما يحكم به وهو عدله المعروف المألوف، لأنه لا يقضي إلا بالحق والعدل، فسمى المحكوم به حكما. وقيل معناه بحكمته، ويدل عليه قراءة من قرأ بحكمته، ويدل عليه قراءة من قرأ بحكمه جمع حكمة. فإن قيل: لم قال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [الآية ٨٦] ولم تراع المقابلة بقوله تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً [الآية ٨٦] فيه؟ قلنا: روعيت المقابلة المعنوية دون اللفظية، لأن معنى مبصرا ليبصروا فيه، وقد سبق ما يشبه هذا في قوله تعالى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الآية ٥٩] . فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) مع أن في ذلك علامات على وحدانية الله تعالى لجميع العقلاء؟ قلنا: إنّما خصّهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بها دون غير هم.

стр. 1568

فإن قيل: لم قال تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ [الآية ٨٧] ولم يقل فيفزع، وهو أظهر مناسبة؟ قلنا: أراد بذلك الإشعار بتحقق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على الثبوت والتحقّق قطعا. فإن قيل: لم قال تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) أي صاغرين أذلاء بعد البعث، مع أن النبيّين والصّدّيقين والشهداء يأتونه عزيزين مكرمين؟ قلنا: المراد به صغار العبودية والرّق وذلّهما لا ذلّ الذنوب والمعاصي، وذلك يعم الخلق كلهم ونظيره قوله تعالى إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) [مريم] .

стр. 1569

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النمل» «١» قوله تعالى: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً [الآية ٧] ، وهذه استعارة على القلب. والمراد بها، والله أعلم، إنّي رأيت نارا فآنستني فنقل فعل الإيناس إلى نفسه على معنى: وإنّي وجدت النار مؤنسة لي، كما سبق من قولنا في تأويل قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا [الكهف: ٢٨] أي وجدناه غافلا، على بعض الأقوال. وقريب من ذلك قوله تعالى: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [الأعراف: ٥١] ولم تغرّهم هي، وإنما اغتروا بها هم فلما كانت سببا للغرور، حسن أن ينسب إليها ويناط بها. وحقيقة الإيناس، هي الإحساس بالشيء من جهة يؤنس بها وما أنست به، فقد أحسست به مع سكون نفسك إليه. وقوله سبحانه حاكيا عن ملكة سبأ: ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) . وهذه استعارة. والمراد بقطع الأمر، والله أعلم، الرجوع بعد إجالة الآراء، ومخض الأقوال إلى رأي واحد يصحّ العزم على فعله، والعمل عليه دون غيره، تشبيها بالإسداء والإلحام في الثوب النسيج، ثم القطع له بعد الفراغ منه. فكأنها أجالت الرأي عند ورود ما ورد عليها من دعاء سليمان (ع) لها إلى الإيمان به،

стр. 1570

والاتباع له، فميّلت «١» بين الامتناع والإجابة، والمخاشنة والملاينة. فلما قوي في نفسها أمر الملاطفة عزمت على فعله، فحسن أن يعبّر بقطع الأمر، لما أشرنا إليه. وعلى هذا قول الرجل لصاحبه: لا أقطع أمرا دونك. أي لا أقرر العزم على شيء حتّى أفاوضك فيه، وأوافقك عليه. وقد يجوز أن يكون ذلك كناية عن الاستعجال بفعل الأمر، تشبيها بسرعة قطع الشيء المستدق كالحبل وغيره. ومنه قولهم: صرم الأمر. أي فرغ من فعله بسرعة. والصّريمة من ذلك. وفصل الأمر أيضا قريب منه. وقوله سبحانه: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [الآية ٤٠] . وهذه استعارة: لأن المراد بارتداد الطّرف هاهنا التقاء الجفنين بعد افتراقهما. وذلك أبلغ ما يوصف به في السرعة. وليس هناك على الحقيقة شيء ذهب عنه، ثمّ رجع إليه. ولكن جفن العين لمّا كان ينفتح وينطبق، أقام الانفتاح مقام الخروج، والانطباق مقام الرجوع. وقيل: في ذلك وجه آخر، وهو أنّ في مجرى عادة الناس، أن يقول القائل لغيره، إذا كان على انتظار أمر يرد عليه من جهته: أنا ممدود الطرف إليك، وشاخص البصر نحوك. فإذا كان امتداد الطرف بمعنى الانتظار مستعملا، جاز أن يجعل ارتداده عبارة عن زوال الانتظار. فكأنه قال: أنا آتيك به قبل أن تتكلّف أمر انتظار، وتعدّ الأوقات. والقول الأول أولى بالاعتماد، وأخلق بالصواب. وقوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وهذه استعارة. لأن العمى هنا ليس يراد به فقد الجارحة المخصوصة، وإنّما يراد به التعامي عن الحق، والذهاب صفحا عن النظر والفكر، إمّا قصدا وتعمّدا، أو جهلا وعمّى. وإنّما أجري الجهل مجرى العمى في هذا المعنى، لأن كل واحد منهما يمنع بوجوده من إدراك الشيء على ما هو به. إذ الجهل مضادّ للعلم والمعرفة، والعمى مناف للنظر والرؤية. وإنّما قال

стр. 1571

سبحانه: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ولم يقل: «عنها» ، لأن المراد أنهم يشكّون فيها، ويمترون في صحّتها، فهم في عمّى منها: ولا يصلح أن يكون، في هذا الموضع، «عنها» لأنه ليس المراد ذكر عماهم عن النظر إليها، وإنما القصد ذكر عماهم بالشك فيها. وهذا من لطائف المعاني. وقوله سبحانه: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وهذه استعارة: لأن حقيقة الرّدف هي حمل الإنسان غيره مما يلي ظهره على مركوب. فالمراد بقوله سبحانه: رَدِفَ لَكُمْ هاهنا، والله أعلم، أي عسى أن يكون العذاب الذي تتوقعونه قرب منكم، وهو في آثاركم ولا حق بكم. وقد قيل أيضا إن المراد ب «ردف لكم» هو: ردفكم. فصار العذاب في الالتصاق بكم كالمرادف لكم. والمعنى واحد. وقوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وهذه استعارة. لأن القصص كلام مخصوص، ولا يوصف به إلا الحيّ الناطق المميّز. ولكن القرآن لمّا تضمّن نبأ الأوّلين، ومصادر أمور الآخرين كان كأنّه يقصّ على من آمن به عند تلاوته له، قصص من تقدّمه.

стр. 1572

سورة القصص

стр. 1573

المبحث الأول أهداف سورة «القصص» «١» سورة القصص سورة مكّيّة، وعدد آياتها ٨٨. نزلت بعد سورة النّمل، وكان نزولها في الفترة المكّيّة الأخيرة، فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء. وقد سمّيت بسورة القصص، لاشتمالها على القصص الذي حكاه موسى (ع) لنبي الله شعيب (ع) في قوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) . قصة موسى تستغرق قصة موسى (ع) ، حيّزا كبيرا من سورة القصص، فمن بداية السورة إلى الآية ٤٨، نجد حديثا مستفيضا عنه. وفي الآيات [٧٥- ٨٢] نجد حديثا عن قارون، أي أنّ معظم سورة القصص، يتناول قصة موسى (ع) ، ويتناول قصة قارون. والحكمة في ذلك، أنّ هذه السورة نزلت في مكّة، في مرحلة قاسية، كان المسلمون فيها قلّة مستضعفة، والمشركون أصحاب الحول والطّول والجاه والسلطان فنزلت هذه السورة تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم وتقرّر أنّ هناك قوة واحدة في هذا الوجود، هي قوة الله سبحانه وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون، هي قيمة الإيمان فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه،

стр. 1574

ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة، ولو ساندته القوى جميعا. ويقوم كيان سورة القصص على قصّة موسى (ع) وفرعون وتعرض السورة، من خلال هذه القصة، قوّة فرعون الطاغية المتجبّر اليقظ الحذر، وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا، لا حول له ولا قوّة، ولا ملجأ له ولا وقاية. وقد علا فرعون في الأرض، واتّخذ أهلها شيعا، واستضعف بني إسرائيل، يذبّح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، وهو على حذر منهم، قابض على أعناقهم. لكنّ قوة فرعون وجبروته وحذره ويقظته، لا تغني عنه شيئا، بل لا تمكّن له من موسى الطفل الصغير المجرّد من كلّ قوّة وحيلة. وهو في حراسة القوّة الحقيقية الوحيدة، ترعاه عين العناية، وتدفع عنه السوء، وتعمي عنه العيون، وتتحدى به فرعون وجنده، تحدّيا سافرا، فتدفع به إلى حجره، وتدخل به عليه عرينه، بل تقتحم به عليه قلب امرأته، وهو مكتوف اليدين إزاءه، مكفوف الأذى عنه، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه. لقد طمعت آسية (ع) ، أن يكون موسى (ع) وليدا لها، تتبنّاه مع زوجها فرعون، فقالت لفرعون كما ورد في التنزيل: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) . وهكذا دبّر الله، سبحانه، أن يتربّى موسى (ع) في بيت فرعون، وأن يؤتى الحذر من مكمنه ولمّا حرّم الله تعالى المراضع على موسى، جاءت أمه كمرضع له، وأرضعته في بيت فرعون، وصار فرعون يجري عليها كلّ يوم دينارا من الذهب، وفي الحديث يقول النبي (ص) : «مثل المؤمن كأمّ موسى ترضع ولدها، وتأخذ أجرتها» «١» . موسى في سنّ الرجولة بلغ موسى (ع) أشدّه، واستكمل نيّفا

стр. 1575

وثلاثين عاما، وقد صنعه الله سبحانه على عينه، فصار يتأمّل في هذا الكون، ويبتعد عن حاشية فرعون ودخل العاصمة في فترة الظهيرة، فرأى قبطيّا يعمل طبّاخا في قصر فرعون، يتشاجر مع إسرائيليّ «١» فاستغاث به الإسرائيلي، فضرب موسى القبطيّ بجمع يده، فوقع جثّة هامدة وندم موسى على ذلك، واستغفر الله وتاب إليه. وتربّص قوم فرعون بموسى (ع) ليقتلوه، فانتدبت يد القدرة واحدا منهم، يكتم إيمانه عنهم، وجاء لموسى، وقال له كما ورد في التنزيل: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) . خرج موسى (ع) هاربا، مهاجرا، متّجها إلى أرض مدين، وحيدا، فريدا، فآواه الله ورعاه وتعرّف هناك على نبي الله شعيب (ع) وتزوّج بابنته، ومكث هناك عشر سنين ثمّ عاوده الحنين إلى مصر، فجاء إليها عبر سيناء، وعند الشجرة المباركة، ناداه لله أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين، وامتنّ الله سبحانه عليه بالرسالة، وأيّده بالمعجزات. موسى مع فرعون عاد موسى إلى فرعون مرّة أخرى، يدعوه إلى الإيمان بالله ويقدّم له الأدلّة العقلية، والمعجزات الظاهرة. ولكنّ فرعون طغى وتجبّر، وكذّب، وعصى، فأهلكه الله، وأخذه نكال الاخرة والأولى، إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى. الحلقة الجديدة في القصة عنيت سورة القصص، بإبراز حلقة ميلاد موسى (ع) وتربيته في بيت فرعون وهي حلقة جديدة في القصّة، تكشف عن تحدّي القدرة الإلهية للطغيان والظلم، وفيها يتجلّى عجز قوّة فرعون وحيلته وحذره، عن دفع القدر المحتوم، والقضاء النافذ. لقد ولد موسى (ع) في ظروف قاسية في ظاهرها، فصاحبته رعاية الله وعنايته، في رضاعه وفي نشأته وفتوّته،

стр. 1576

وصنعه الله على عينه وهيّأه للرسالة وإذا أراد الله أمرا هيّأ له الأسباب، ثمّ قال له: كن فيكون. قارون ذكرت سورة القصص، قصة موسى (ع) في بدايتها، وقصة قارون في نهايتها، والهدف واحد: فقصة فرعون تمثّل طغيان الملك، وقصة قارون تمثّل طغيان المال. كان قارون من قوم موسى (ع) ، وكان غنيّا ذا قدرة ومعرفة، وأوتي من المال ما إنّ مفاتحه لتنوء بها العصبة من الرجال الأقوياء، وخرج على قومه في زينته وأبّهته، ليكسر قلوب الفقراء ونصحه قومه بالاعتدال، وإخراج الزكاة، والإحسان إلى الناس، والابتعاد عن الفساد. فزادته النصيحة تيها وعلوّا، وخرج يباهي النّاس بماله وكنوزه، ثمّ تدخّلت يد القدرة الإلهية، فخسفت به وبداره الأرض، ولم يغن عنه ماله ولا علمه. وهكذا تكون عاقبة الظالمين. وكما غرق فرعون في البحر، هلك قارون خسفا في الأرض، ولا تزال بحيرة قارون، تذكّر الناس بنهاية الظالمين، قال تعالى: وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) [العنكبوت] . أهداف السورة تهدف سورة القصص، إلى إثبات قدرة الله تعالى، ورعايته للمؤمنين فهو، سبحانه، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، المتفرّد بالحكم والقضاء، قد آزر موسى وحيدا، فريدا، طريدا، ونجّاه من بطش فرعون، وأغرق فرعون وجنوده، كما أهلك قارون وقومه. وبين القصّتين نجد الآيات [٤٤- ٧٥] تعقّب على قصة موسى (ع) ، وتبيّن أين يكون الأمن، وأين تكون المخافة. وتجول مع المشركين، الذين يواجهون دعوة الإسلام بالشرك والإنكار والمعاذير، تجول معهم

стр. 1577

جولات شتّى في مشاهد الكون، وفي مشهد الحشر، وفيما هم فيه من الأمر، بعد أن تعرض عليهم دلائل الصدق فيم جاءهم به رسولهم (ص) ، وكيف يتلقّاه فريق من أهل الكتاب بالإيمان واليقين، بينما هم يتلقّونه بالكفران والجحود، وهو رحمة لهم من العذاب، لو أنهم كانوا يتذكّرون. ختام السورة في ختام السورة، نجد الآيات [٨٥- ٨٨] ، تعد الرسول (ص) بالرجوع إلى مكة، فاتحا، منتصرا، ينشر الهدى، ويقيم الحق والعدل ومن العجيب: أنّ هذا الوعد بالنصر، جاءه وهو يخرج من بلده، يطارده قومه، مهاجرا إلى المدينة، ولمّ يبلغها بعد فقد كان بالجحفة قريبا من مكّة، قريبا من الخطر، يتعلّق قلبه وبصره ببلده الذي يحبّه، ويقول عند فراقه مخاطبا مكّة: «والله إنّك لمن أحبّ البلاد إليّ، ومن أحبّ البلاد إلى الله، ولولا أنّ قومك أخرجوني منك ما خرجت» . ويعده الله بالرجوع إلى مكة، فيقول تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [الآية ٨٥] . ويبيّن سبحانه، أنّ كل ما دون الحق فهو عرضة للفناء والزوال، وأنّ زمام الحكم بيده تعالى. وتختم السورة بهذه الآية، إثباتا للوحدانية، ولجلال القدرة الإلهية: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) .

стр. 1578

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القصص» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة القصص بعد سورة النمل، وقد نزلت سورة النمل فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة القصص في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لأنه جاء في قوله تعالى في الآية [٢٥] منها: فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ وتبلغ آياتها ثماني وثمانين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة: التنويه بشأن القرآن أيضا، ولهذا ذكرت بعد السورة السابقة، وقد فصّل في أولها ما أجمل في السورة السابقة من قصة موسى (ع) ، وجاء آخرها في الاحتجاج بها على أن القرآن من عند الله، وفي دفع ما عندهم من شبه عليه. التنويه بشأن القرآن الآيات [١- ٤٢] قال الله تعالى طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) فنوّه بشأن القرآن وشأن ما يتلى فيه من هذه القصة ثمّ ذكر أنّ فرعون علا في الأرض، واستضعف بني إسرائيل، يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم وأنه تعالى أراد أن يمنّ عليهم، ويجعل منهم أنبياء

стр. 1579

وملوكا، ويري فرعون وقومه ما كانوا يخافونه منهم، فأظهر فيهم موسى (ع) ، وأوحى إلى أمّه أن ترضعه، وأمرها، إذا خافت عليه من الذبح، أن تضعه في تابوت، وتلقيه في اليمّ، وطمأنها بأنه سيحفظه، ويردّه إليها لتقوم برضاعه فلما ألقته في اليمّ، سار به إلى أن التقطه آل فرعون، ففرحت به امرأته ومنعتهم من قتله، وأرادت أن تربّيه، عسى أن ينفعهم أو يتّخذوه ولدا ثم ذكر سبحانه أنّ أمّ موسى حزنت عليه، وأرسلت أخته وراءه، فرأت عن بعد ما فعلوه به، وأنه لم يقبل الرّضاع من المراضع. فتقدّمت أخته لتدلّهم على مرضع تكفله وتنصح له، فدلّتهم على أمّه، فردّ إليها لتقرّ عينها به، ولتعلم أنّ وعد الله حق. ثم ذكر سبحانه أنه لما بلغ أشدّه آتاه حكمة وعلما، وأنّه دخل المدينة يوما فوجد رجلا من قوم فرعون يعتدي على رجل من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيليّ على عدوّه، فوكزه فقضى عليه. ولم يكن موسى يقصد قتله لكنه وقع خطأ منه، فندم عليه، وطلب من الله أن يغفر له. ثم ذكر سبحانه أن موسى (ع) أصبح في المدينة خائفا أن يظهر أنه القاتل، فإذا الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس يستغيثه على رجل آخر من قوم فرعون يعتدي عليه، فلما أراد أن يبطش به، قال له، كما ورد في التنزيل يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) ثمّ ذكرت السورة أنّ رجلا جاء من أقصى المدينة يسعى، فأخبر موسى بأن القوم يأتمرون به ليقتلوه، وأمره أن يخرج من المدينة قبل أن يقبضوا عليه. فخرج موسى من المدينة، وتوجّه تلقاء مدين، إلى أن ورد ماءها، فوجد عليه ناسا يسقون أغنامهم، ووجد من دونهم امرأتين تذودان أغنامهما، فسألهما عن أمرهما، فأخبرتاه بأنهما لا يسقيان حتى يصدر الرّعاء لضعفهما، وأنّ أباهما شيخ كبير لا يقوى على رعي الغنم وسقيها، فسقى لهما، ثمّ ذهب إلى ظلّ شجرة، ودعا الله أن يرزقه خيرا من عنده ثم ذكر أنّ إحداهما جاءته بعد أن رجعتا بأغنامهما إلى أبيهما، تمشي على استحياء، فأخبرته بأنّ أباها يدعوه ليجزيه على ما فعله معهما، فذهب إليه، وقصّ عليه ما حصل منه في مدينة فرعون، فقال له، كما ورد في التنزيل:

стр. 1580

لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) ثم ذكر تعالى، أنّ إحدى ابنتيه طلبت منه أن يستأجره، لقوّته وأمانته، فأخبره بأنه يريد أن ينكحه إحدى ابنتيه، على أن يعمل له ثماني سنين، فإن أتمّها عشرا كان فضلا منه، فرضي موسى (ع) على أنه إذا قضى أحد الأجلين، لم يكن له أن يعتدي عليه بطلب الزيادة ثم ذكر سبحانه، أن موسى (ع) لما قضى الأجل، وسار بأهله إلى مصر، آنس نارا بجانب الطور حينما وصل إليه، فأمر أهله أن يمكثوا ليذهب إليها ثم ذكر أنه حين أتاها ناداه ربّه وأعطاه آيتين ليذهب بهما إلى فرعون وقومه، فذكر له موسى (ع) أنه قتل منهم نفسا، ويخاف أن يقتلوه بها، وطلب منه أن يرسل معه أخاه هارون، لأنه أفصح منه لسانا، فأرسل أخاه هارون معه، ووعده بالغلبة عليهم فلمّا جاءهم بآياته، زعموا أنها سحر مفترى، وأنهم لم يسمعوا ما يدعو إليه في آبائهم الأوّلين فذكر لهم أنّ ربّه أعلم بمن جاء بالهدى من عنده، ومن تكون له عاقبة الدنيا، فناداهم فرعون أنه لا يعلم لهم إلها غيره، وأمر هامان أن يوقد له على الطين، ويبني له صرحا لعلّه يطّلع إلى إله موسى، ليبيّن لهم- في زعمه- كذبه في دعواه أن له إلها غيره واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق، وظنّوا أنّهم لا يرجعون إليه تعالى فأخذهم، فأغرقهم في اليمّ، وجعلهم أئمّة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون: وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) . إثبات تنزيل القرآن الآيات [٤٣- ٨٨] ثمّ قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) فذكر، سبحانه، أنه آتى موسى التوراة، من بعد أن أهلك القرون الأولى، من قوم فرعون وغير هم، وأن النبي (ص) لم يكن حاضرا، حينما ألقى إلى موسى وحي التوراة بالجانب الغربي من الطّور، وأنه لم يكن ثاويا في أهل مدين، حينما كان فيها موسى، وأنه لم يكن بجانب الطور إذ نودي موسى به ولكنّه سبحانه، هو الذي أوحى إليه بما لم يشاهده من ذلك كلّه، لينذر به قومه الذين لم يأتهم نذير من قبله، حتى لا
следующие страницы →