وصنعه الله على عينه وهيّأه للرسالة وإذا أراد الله أمرا هيّأ له الأسباب، ثمّ قال له: كن فيكون.
قارون
ذكرت سورة القصص، قصة موسى (ع) في بدايتها، وقصة قارون في نهايتها، والهدف واحد: فقصة فرعون تمثّل طغيان الملك، وقصة قارون تمثّل طغيان المال.
كان قارون من قوم موسى (ع) ، وكان غنيّا ذا قدرة ومعرفة، وأوتي من المال ما إنّ مفاتحه لتنوء بها العصبة من الرجال الأقوياء، وخرج على قومه في زينته وأبّهته، ليكسر قلوب الفقراء ونصحه قومه بالاعتدال، وإخراج الزكاة، والإحسان إلى الناس، والابتعاد عن الفساد.
فزادته النصيحة تيها وعلوّا، وخرج يباهي النّاس بماله وكنوزه، ثمّ تدخّلت يد القدرة الإلهية، فخسفت به وبداره الأرض، ولم يغن عنه ماله ولا علمه.
وهكذا تكون عاقبة الظالمين. وكما غرق فرعون في البحر، هلك قارون خسفا في الأرض، ولا تزال بحيرة قارون، تذكّر الناس بنهاية الظالمين، قال تعالى:
وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) [العنكبوت] .
أهداف السورة
تهدف سورة القصص، إلى إثبات قدرة الله تعالى، ورعايته للمؤمنين فهو، سبحانه، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، المتفرّد بالحكم والقضاء، قد آزر موسى وحيدا، فريدا، طريدا، ونجّاه من بطش فرعون، وأغرق فرعون وجنوده، كما أهلك قارون وقومه.
وبين القصّتين نجد الآيات [٤٤- ٧٥] تعقّب على قصة موسى (ع) ، وتبيّن أين يكون الأمن، وأين تكون المخافة. وتجول مع المشركين، الذين يواجهون دعوة الإسلام بالشرك والإنكار والمعاذير، تجول معهم
стр. 1577
جولات شتّى في مشاهد الكون، وفي مشهد الحشر، وفيما هم فيه من الأمر، بعد أن تعرض عليهم دلائل الصدق فيم جاءهم به رسولهم (ص) ، وكيف يتلقّاه فريق من أهل الكتاب بالإيمان واليقين، بينما هم يتلقّونه بالكفران والجحود، وهو رحمة لهم من العذاب، لو أنهم كانوا يتذكّرون.
ختام السورة
في ختام السورة، نجد الآيات [٨٥- ٨٨] ، تعد الرسول (ص) بالرجوع إلى مكة، فاتحا، منتصرا، ينشر الهدى، ويقيم الحق والعدل ومن العجيب: أنّ هذا الوعد بالنصر، جاءه وهو يخرج من بلده، يطارده قومه، مهاجرا إلى المدينة، ولمّ يبلغها بعد فقد كان بالجحفة قريبا من مكّة، قريبا من الخطر، يتعلّق قلبه وبصره ببلده الذي يحبّه، ويقول عند فراقه مخاطبا مكّة: «والله إنّك لمن أحبّ البلاد إليّ، ومن أحبّ البلاد إلى الله، ولولا أنّ قومك أخرجوني منك ما خرجت» .
ويعده الله بالرجوع إلى مكة، فيقول تعالى:
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [الآية ٨٥] .
ويبيّن سبحانه، أنّ كل ما دون الحق فهو عرضة للفناء والزوال، وأنّ زمام الحكم بيده تعالى. وتختم السورة بهذه الآية، إثباتا للوحدانية، ولجلال القدرة الإلهية:
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) .
стр. 1578
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القصص» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة القصص بعد سورة النمل، وقد نزلت سورة النمل فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة القصص في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لأنه جاء في قوله تعالى في الآية [٢٥] منها: فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ وتبلغ آياتها ثماني وثمانين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة: التنويه بشأن القرآن أيضا، ولهذا ذكرت بعد السورة السابقة، وقد فصّل في أولها ما أجمل في السورة السابقة من قصة موسى (ع) ، وجاء آخرها في الاحتجاج بها على أن القرآن من عند الله، وفي دفع ما عندهم من شبه عليه.
التنويه بشأن القرآن الآيات [١- ٤٢]
قال الله تعالى طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) فنوّه بشأن القرآن وشأن ما يتلى فيه من هذه القصة ثمّ ذكر أنّ فرعون علا في الأرض، واستضعف بني إسرائيل، يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم وأنه تعالى أراد أن يمنّ عليهم، ويجعل منهم أنبياء
стр. 1579
وملوكا، ويري فرعون وقومه ما كانوا يخافونه منهم، فأظهر فيهم موسى (ع) ، وأوحى إلى أمّه أن ترضعه، وأمرها، إذا خافت عليه من الذبح، أن تضعه في تابوت، وتلقيه في اليمّ، وطمأنها بأنه سيحفظه، ويردّه إليها لتقوم برضاعه فلما ألقته في اليمّ، سار به إلى أن التقطه آل فرعون، ففرحت به امرأته ومنعتهم من قتله، وأرادت أن تربّيه، عسى أن ينفعهم أو يتّخذوه ولدا ثم ذكر سبحانه أنّ أمّ موسى حزنت عليه، وأرسلت أخته وراءه، فرأت عن بعد ما فعلوه به، وأنه لم يقبل الرّضاع من المراضع. فتقدّمت أخته لتدلّهم على مرضع تكفله وتنصح له، فدلّتهم على أمّه، فردّ إليها لتقرّ عينها به، ولتعلم أنّ وعد الله حق. ثم ذكر سبحانه أنه لما بلغ أشدّه آتاه حكمة وعلما، وأنّه دخل المدينة يوما فوجد رجلا من قوم فرعون يعتدي على رجل من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيليّ على عدوّه، فوكزه فقضى عليه. ولم يكن موسى يقصد قتله لكنه وقع خطأ منه، فندم عليه، وطلب من الله أن يغفر له.
ثم ذكر سبحانه أن موسى (ع) أصبح في المدينة خائفا أن يظهر أنه القاتل، فإذا الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس يستغيثه على رجل آخر من قوم فرعون يعتدي عليه، فلما أراد أن يبطش به، قال له، كما ورد في التنزيل يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) ثمّ ذكرت السورة أنّ رجلا جاء من أقصى المدينة يسعى، فأخبر موسى بأن القوم يأتمرون به ليقتلوه، وأمره أن يخرج من المدينة قبل أن يقبضوا عليه.
فخرج موسى من المدينة، وتوجّه تلقاء مدين، إلى أن ورد ماءها، فوجد عليه ناسا يسقون أغنامهم، ووجد من دونهم امرأتين تذودان أغنامهما، فسألهما عن أمرهما، فأخبرتاه بأنهما لا يسقيان حتى يصدر الرّعاء لضعفهما، وأنّ أباهما شيخ كبير لا يقوى على رعي الغنم وسقيها، فسقى لهما، ثمّ ذهب إلى ظلّ شجرة، ودعا الله أن يرزقه خيرا من عنده ثم ذكر أنّ إحداهما جاءته بعد أن رجعتا بأغنامهما إلى أبيهما، تمشي على استحياء، فأخبرته بأنّ أباها يدعوه ليجزيه على ما فعله معهما، فذهب إليه، وقصّ عليه ما حصل منه في مدينة فرعون، فقال له، كما ورد في التنزيل:
стр. 1580
لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) ثم ذكر تعالى، أنّ إحدى ابنتيه طلبت منه أن يستأجره، لقوّته وأمانته، فأخبره بأنه يريد أن ينكحه إحدى ابنتيه، على أن يعمل له ثماني سنين، فإن أتمّها عشرا كان فضلا منه، فرضي موسى (ع) على أنه إذا قضى أحد الأجلين، لم يكن له أن يعتدي عليه بطلب الزيادة ثم ذكر سبحانه، أن موسى (ع) لما قضى الأجل، وسار بأهله إلى مصر، آنس نارا بجانب الطور حينما وصل إليه، فأمر أهله أن يمكثوا ليذهب إليها ثم ذكر أنه حين أتاها ناداه ربّه وأعطاه آيتين ليذهب بهما إلى فرعون وقومه، فذكر له موسى (ع) أنه قتل منهم نفسا، ويخاف أن يقتلوه بها، وطلب منه أن يرسل معه أخاه هارون، لأنه أفصح منه لسانا، فأرسل أخاه هارون معه، ووعده بالغلبة عليهم فلمّا جاءهم بآياته، زعموا أنها سحر مفترى، وأنهم لم يسمعوا ما يدعو إليه في آبائهم الأوّلين فذكر لهم أنّ ربّه أعلم بمن جاء بالهدى من عنده، ومن تكون له عاقبة الدنيا، فناداهم فرعون أنه لا يعلم لهم إلها غيره، وأمر هامان أن يوقد له على الطين، ويبني له صرحا لعلّه يطّلع إلى إله موسى، ليبيّن لهم- في زعمه- كذبه في دعواه أن له إلها غيره واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق، وظنّوا أنّهم لا يرجعون إليه تعالى فأخذهم، فأغرقهم في اليمّ، وجعلهم أئمّة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون: وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) .
إثبات تنزيل القرآن الآيات [٤٣- ٨٨]
ثمّ قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) فذكر، سبحانه، أنه آتى موسى التوراة، من بعد أن أهلك القرون الأولى، من قوم فرعون وغير هم، وأن النبي (ص) لم يكن حاضرا، حينما ألقى إلى موسى وحي التوراة بالجانب الغربي من الطّور، وأنه لم يكن ثاويا في أهل مدين، حينما كان فيها موسى، وأنه لم يكن بجانب الطور إذ نودي موسى به ولكنّه سبحانه، هو الذي أوحى إليه بما لم يشاهده من ذلك كلّه، لينذر به قومه الذين لم يأتهم نذير من قبله، حتى لا
стр. 1581
يكون لهم عذر، إذا أصابتهم مصيبة، بما قدّمته أيديهم.
ثم ذكر تعالى، أنّهم لمّا جاءهم القرآن بذلك آية لهم، طلبوا أن يؤتى النبي (ص) مثل آيات موسى (ع) وردّ عليهم، بأنّ أسلافهم كفروا بما أوتي موسى (ع) منها، وزعموا أنّه ساحر هو وأخوه هارون (ع) ، وأمرهم بأن يأتوا بكتاب أهدى من التوراة والقرآن، ليتّبعه ويهدي به، فإذا لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا فهم قوم يتّبعون أهواءهم، ومن يتّبع هواه لا ترجى هدايته ثم ذكر سبحانه أن الذين أوتوا الكتاب من قبله، يؤمنون به، لأنّه يوافق ما كانوا عليه من الإيمان من قبله. ووعدهم بأن يؤتيهم أجرهم مرتين، على إيمانهم السابق واللاحق وذكر تعالى أن الرسول (ص) لا يمكنه أن يهدي من أحبّ من قومه، لأن الهداية بيده سبحانه، وحده.
ثم ذكر لهم سبحانه شبهة ثانية:
أنهم إن اتبعوا ما نزّل عليه من الهدى، يتخطّفهم الناس من أرضهم، وردّ عليهم بأنه لا خوف عليهم من ذلك، لأنه مكّن لهم في حرم يأمن فيه الخائف، يجبى إليه ثمرات كلّ شيء، وبأن عدم إيمانهم، هو الذي يخاف عليهم منه، لأنه يؤدّي إلى إهلاكه لهم، كما أهلك القرى التي بطرت معيشتها قبلهم، وبأنهم إذا فاتهم بإيمانهم شيء من الدنيا، فما عند الله خير وأبقى منه لأنه لا يمكن أن يكون من وعده وعدا حسنا في الاخرة، فهو لاقيه كمن يمتّعه متاع الدنيا، ثم يحضره يوم القيامة فيناديهم أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الآية ٦٢] . ويأمرهم بأن يدعوهم فلا يستجيبون لهم، ثم يناديهم: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [الآية ٦٥] ، فيعيون بالكلام ولا ينطقون فأمّا من تاب من الكفر، وعمل صالحا، فإنه يكون من المفلحين. ثم ذكر جلّ وعلا أنه يفعل ذلك بقدرته واختياره فيثيب من يشاء، ويعذّب من يشاء، وليس لهم اختيار مع اختياره وأنه يعلم ما تكنّه صدورهم، وما يعلنونه، فيحاسبهم عليه حسابا عادلا إلى غير هذا ممّا ذكره من آثار قدرته وعظمته ورحمته، ثم عاد السّياق إلى ما ناداهم به تعالى، أوّلا: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وذكر سبحانه، أنه يحضر من كلّ أمة شهيدا عليهم من الرسل، الذين بلّغوهم رسالاتهم، وأنه يأمرهم أن يأتوا
стр. 1582
ببرهانهم على أنّ الشّركاء آلهة، وأنهم يعلمون حينئذ، أن الحق لله فلا يحاولون شيئا.
ثم أراد أن يهوّن عليهم ما يخافون عليه من دنياهم، إذا آمنوا به فذكر لهم أن قارون كان من قوم موسى (ع) ، فبغى عليهم، وأنه جلّ وعلا آتاه من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء بها العصبة أولو القوة، وأنّ قومه نهوه أن يفرح بذلك، ويغترّ به وأنّ قارون ذكر لهم، أنه أوتيه على علم عنده، ولا فضل لأحد عليه، إلى غير هذا ممّا دار بينه وبينهم، ثم ذكر أنه خسف به وبداره الأرض، فلم يغن عنه أحد شيئا، وذهب ما أوتيه في الدنيا، وكأن لم يكن ثم عظّم شأن الاخرة، وذكر سبحانه أنه يجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادا وأنّه، جلّت قدرته، يحاسبهم فيها على الحسنة بخير منها، وعلى السيّئة بمثلها.
ثم ختم السورة بتبشير النبي (ص) ، وأمره بالصبر على تكذيبهم بالقرآن فذكر له أنه هو الذي فرض عليه أحكامه، وأنه سيردّه إلى معاد ينصره فيه عليهم، وهو أعلم بمن جاء بالهدى، ومن هو في ضلال، فيجازيهم على وفق علمه ثم ذكر له أنه ما كان يرجو أن ينزّل عليه القرآن، ولكنّ رحمته هي التي آثرته به، فيجب أن يشكره عليه، بعدم التأثّر بما يقترحه عليه المشركون من الآيات الأخرى:
وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) .
стр. 1583
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «القصص» «١»
أقول: ظهر لي بعد الفكرة: أنه سبحانه، لما حكى في سورة «الشعراء» قول فرعون لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ [الشعراء] ، إلى قول موسى (ع) كما ورد في سورة نفسها:
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) ، ولما حكى، سبحانه، قول موسى لأهله، كما ورد في سورة «النمل» : إِنِّي آنَسْتُ ناراً [النّمل: ٧] ، وكان ذلك على سبيل الإشارة والإجمال، بسط في هذه السورة ما أو جزه في السورتين، وفصّل ما أجمله فيهما على حسب ترتيبهما. فبدأ بشرح تربية فرعون لموسى، وبيّن: علوّ فرعون، وذبح أبناء بني إسرائيل الموجب لإلقاء موسى عند ولادته في اليم، خوفا عليه من الذبح وبسط القصة في تربيته، وما وقع فيها إلى كبره إلى السبب الذي من أجله قتل القبطي، والموجب لفراره إلى مدين «٢» إلى ما وقع له مع شعيب (ع) ، وتزوّجه بابنته، إلى أن سار بأهله، وآنس من جانب الطور نارا، فقال لأهله كما ورد في التنزيل:
امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً [الآية ٢٩] إلى ما وقع له فيها من المناجاة لربّه،
стр. 1584
وبعثه إياه رسولا، وما استتبع ذلك، إلى آخر القصة.
فكانت السورة شارحة لما أجمل في السورتين معا، على الترتيب. وبذلك عرف وجه الحكمة في تقديم سورة «النمل» على هذه، وتأخيرها عن سورة «الشعراء» ، فلله الحمد على ما ألهم.
стр. 1585
المبحث الرابع مكنونات سورة «القصص» «١»
١- فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [الآية ٨] .
اسم الملتقط، قيل: طابوث «٢» .
وقيل: هي امرأة فرعون.
وقيل: ابنته.
قلت أخرج ابن أبي حاتم الثالث عن أبي عبد الرحمن الحبلي «٣» .
٢- وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ [الآية ٩] . اسمها: آسية بنت مزاحم. أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو.
٣- أُمِّ مُوسى [الآية ١٠] قال البغوي: «أم موسى» : يوخابذ بنت لاوي بن يعقوب. وكذا قال ابن الجوزي في «التبصرة» «٤» .
وقيل: ياوخا. وقيل: يارخت «٥» .
٤- وَقالَتْ لِأُخْتِهِ [الآية ١١] .
قال ابن عساكر: اسمها مريم «٦» .
стр. 1586
وقيل: كلثوم «١» .
٥- وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ [الآية ١٥] .
هي منف «٢» ، من أرض مصر.
أخرجه ابن أبي حاتم «٣» عن السّدّيّ.
٦- عَلى حِينِ غَفْلَةٍ [الآية ١٥] .
قال ابن عباس، وابن جبير، وقتادة:
نصف النهار.
أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
وأخرج من وجه آخر «٤» عن ابن عبّاس قال: ما بين المغرب والعشاء.
٧- فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ [الآية ١٥] .
الإسرائيلي: هو السامري.
والقبطي: هو فاتون. حكاه الزمخشري «٥» .
٨- وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ [الآية ٢٠] . قال الضّحّاك: هو مؤمن آل فرعون.
وقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون.
وقال ابن إسحاق: شمعان «٦» .
أخرجهما ابن أبي حاتم.
قال السّهيلي: وشمعان أصحّ ما قيل فيه.
قال الدّارقطني: لا يعرف شمعان بالمعجمة، إلّا مؤمن آل فرعون.
وفي «تاريخ الطبري» أن اسمه:
جبر «٧» ، وقال بعضهم: حبيب وقيل:
حزقيل.
٩- وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ [الآية ٢٣] .
هما: ليّا، وصفوريا «٨» وهي التي نكحها. أخرجه ابن أبي حاتم، عن شعيب الجبائي. قال: وقيل: شرفا
стр. 1587
وأبو هما شعيب (ع) عند الأكثر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس: أنه بلغه أن شعيبا (ع) ، هو الذي قصّ عليه موسى القصص.
وأخرج عن الحسن قال: يقولون شعيب، وليس بشعيب ولكنه سيّد أهل «١» الماء يومئذ.
وأخرج عن أبي عبيدة قال: هو يثرون، ابن أخي «٢» شعيب.
وأخرج ابن جرير «٣» عن ابن عباس:
أن اسمه يثرى.
١٠- ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ [الآية ٢٤] .
هو ظل سمرة «٤» . أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود «٥» . ١١- فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ «٦» .
قيل: هو بحر يسمّى راسافا من وراء مصر. حكاه ابن عساكر.
١٢- وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا [الآية ٥٧] .
قائل ذلك: الحارث بن عامر بن نوفل. أخرجه النّسائي عن ابن عبّاس.
١٣- أَفَمَنْ وَعَدْناهُ [الآية ٦١] .
أخرج ابن جرير عن مجاهد قال:
نزلت في حمزة وعلي «٧» وأبي جهل.
١٤- ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [الآية ٧٦] .
أخرج الدّينوري»
في «المجالسة» عن خيثمة قال: قرأت في الإنجيل، أنّ
стр. 1588
مفاتيح كنوز قارون وقر «١» ستّين بغلا، كلّ مفتاح على قدر إصبع، لكل مفتاح منها كنز.
١٥- لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [الآية ٨٥] .
قال مجاهد والضّحّاك: يعني مكّة «٢» .
وقال نعيم القاري: بيت المقدس.
وقال ابن عبّاس وغيره: القيامة.
أخرجها ابن أبي حاتم «٣» .
стр. 1589
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «القصص» «١»
١- وقال تعالى: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ [الآية ٤] .
وقوله تعالى: يُذَبِّحُ فعل مضاعف، والغرض من التضعيف الاستفظاع، وقوله تعالى:
وَيَسْتَحْيِي، أي: يستبقي النساء على قيد الحياة، ولا يقتلهنّ.
أقول: والاستحياء على هذا معنى غريب، لا نعرفه الآن، ولم نعرفه إلا في هذه اللغة الشريفة.
٢- وقال تعالى: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ [الآية ١٢] .
والمراضع جمع مرضع، وهي المرأة التي ترضع.
وقالوا: جمع مرضع، وهو موضع الرضاع، أي: الثدي. والمرضع التي معها رضيع كالمرضعة، ومثلها المطفل وهي ذات الطّفل. وعلى هذا يصحّ أن يأتي «مفاعل» جمعا لمفعل ومفعلة، وبهذا يصحّ جمع مشكلة مشاكل، خلافا لأهل التصحيح في جعلهم «مشاكل» من الخطأ.
٣- وقال تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [الآية ١٥] .
وقوله تعالى: فَوَكَزَهُ، أي دفعه بأطراف الأصابع، وقيل: بجمع الكف.
أقول: وينبغي أن ننظر إلى الأفعال:
لكز، ولقز، ونكز، ووكز فكلّها تتضمن معنى الدفع، بهيئة خاصة.
وإذا كان لنا أن نقرّب بين هذه
стр. 1590
الأصوات، وتشابه الدلالات التي جاءت في الأفعال كان لنا أيضا أن ننظر في: نسق ووسق، ونفر وأفر ووفر.
٤- وقال تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما [الآية ١٩] .
أقول: جاءت «أن» المفتوحة الهمزة زائدة بعد «لما» وهي كقوله تعالى:
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف: ٩٦] .
وإذا زيدت «أن» بعد «لمّا» فقد زيدت «إن» المكسورة الهمزة بعد «ما» النافية، وهذا ما لم نقف على شاهد له في لغة التنزيل، وقد استدل عليه النحاة في قول النابغة:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي وقد زيدت، قبل الاسم، في بيت لفروة بن مسيك، أو لعمرو بن قعاس، ونسب إلى الكميت، وهو:
فما إن طبّنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا وقول الشاعر:
بني غدانة ما إن أنتم ذهبا ولا طريفا ولكن أنتم الخزف وهذه الأبيات من شواهدهم التي نجدها في عامّة كتبهم.
وتزاد «إن» المكسورة الحقيقية في مواضع أخرى، ذكرها ابن هشام في «المغني» ، وليس من همنا في هذا الموضع استيفاؤها.
وقد عرضت لزيادة «إن» هذه، وهي ليست موضعا في لغة التنزيل، بسبب الخطأ الذي يعرض للمعربين في عصرنا، فيجعلونها «أن» مفتوحة الهمزة، وهي زائدة زيادة «أن» بعد «لما» موضع بحثنا هذا فيقولون: وما أن حضر الرئيس حتى عزفت الموسيقى.
والصحيح الفصيح: وما إن حضر ... ، بكسر الهمزة.
٥- وقال تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) .
أقول: جاءت «تلقاء» مصدرا في اللغة ليس على فعله، وذلك لأنّه مكسور التاء، والمصادر كلها المبدوءة بتاء تكون مفتوحة التاء، كالتجوال والتطواف وغير هما إلا تلقاء وتبيان فإنهما مكسوران.
أما تلقاء هذه التي وردت في الآية،
стр. 1591
فهي ظرف مكان، والمعنى: ولما توجّه نحو مدين ...
أقول: وليس لنا هذا الاستعمال في العربية المعاصرة، أي: كونها ظرفا.
والذي نعرفه من «تلقاء» أنها مصدر، يستعمل نحو قولهم مثلا: واعترف من تلقاء نفسه، أي: أنه اعترف من دون إكراه أو إجبار أو شيء آخر.
٦- وقال تعالى: حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ [الآية ٢٣] .
أقول: والرّعاء جمع راع، وهو من الجموع العزيزة في عصرنا، ذلك أنّنا لا نعرف إلا «الرّعاة» في العربية المعاصرة. ومفعول «يصدر» محذوف، تقديره: ماشيتهم.
٧ وقال تعالى: قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ [الآية ٣٥] .
والمعنى: سنقوّيك به، ونعينك.
ويقال: شدّ الله في عضدك وضدّه:
فتّ الله في عضدك. والعضد: الساعد من المرفق إلى الكتف.
أقول: وقد أفادت العربية من العضد في هذا المعنى، فقالوا: عضد يعضد، بمعنى أعان وأيّد.
والإفادة من أعضاء الجسم في توليد المعاني كثيرة، فقالوا: أيّد من اليد، وأنف من «الأنف» ، وفاه من «فوه» ، وعاين من «العين» ، وغير ذلك كثير.
٨- وقال تعالى: لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ [الآية ٤٧] .
أقول: جاءت «لولا» أداة تحضيض، مثل «هلّا» ، فاستحقّت الفعل بعدها.
وهذه من الأدوات التي افتقدناها في العربية المعاصرة، على أنّ استعمالها كثير على هذا النحو في القرآن.
٩- وقال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً [الآية ٥٧] .
أي: أن الله، جلّ وعلا، جعل لهم من الحرم مكانا آمنا.
وجاء قوله تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، وقرئ: تجبى.
أما القراءة المشهورة المثبتة، فقد غلّب فيها التذكير، لأن «الثمرات» وإن كانت مؤنثة فهي عامة، تشمل أجناس النبات كلّها، وأصناف الخير كلّها، فضلا عن أنها مؤنث مجازي، وأنها مفصولة عن فعلها.
١٠- وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [الآية ٥٨] .
стр. 1592
وقوله تعالى: مَعِيشَتَها بالنصب، والمعنى: بطرت في معيشتها.
والأصل: بطر أهلها بمعيشتهم ولما دلّت القرية على أهلها، كما هو كثير في القرآن، جاز ذلك.
١١- وقال تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ [الآية ٦٦] .
والمراد: طمست، وغامت، فجهلوها.
أقول: واستعارة «العمى» للإنباء، من الكلم المجازيّ الجميل.
١٢- وقال تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [الآية ٧٦] .
قالوا: ناء بالحمل، إذا نهض به مثقلا، وناء به الحمل إذا أثقله.
والمعنى في الآية: أنّ المفاتح تنوء بالعصبة، أي: تميلهم من ثقلها.
أقول: والاستعمال في عصرنا على الوجه الاخر فيقال:
ناء فلان بالعبء أي: شقّ عليه وأثقله.
١٣- وقال تعالى: يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [الآية ٨٢] .
أقول: «وي» مفصولة عن «كأنّ» ، ولكن بسبب من خط المصحف اتصلت وهي كلمة تنبّه على الخطأ وتندّم، ومعناها أن القوم قد تنبّهوا على خطأهم في تمنّيهم.
وقد بقي شيء من هذه الأداة في المحكيات، ففي «لغة» النساء في العراق، تستعمل «وي» بكسر الواو في مقام التعجب والاستغراب، فكأنها شيء مما اصطلح عليه النحويون ب «أسماء الأفعال» . وهي في «لغة» الأعرابيات في الجنوب «بفتح الواو» أيضا.
стр. 1593
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «القصص» «١»
قال تعالى: فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [الآية ١٠] أي: فارغا من الوحي، إذ تخوّفت على موسى إن كادت لتبدي بالوحي.
أي: تظهره «٢» .
قال تعالى: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [الآية ١١] أي: قصّي أثره.
وقال سبحانه: فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً [الآية ١٧] أي مقيما، يقال: «لن يكون فلان في الدّار مقيما» أي: «لا يكوننّ مقيما» . وقال تعالى: تَأْجُرَنِي [الآية ٢٧] وفي لغة العرب منهم من يقول «أجر غلامي» ف «هو مأجور» و «أجرته» ف «هو مؤجر» يريد: «أفعلته» ف «هو مفعل» ، وقال بعضهم: «آجرته» ف «هو مؤاجر» أراد «فاعلته» .
وقال تعالى: مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ [الآية ٣٠] وجماعة «الشّاطئ» «الشواطئ» قرأ بعضهم «شطّ» ، والجماعة «شطوط» .
وقال تعالى: فَذانِكَ بُرْهانانِ [الآية ٣٢] ثقّل بعضهم «٣» وهم الذين
стр. 1594
قرءوا (ذلك) فأدخلوا التثقيل للتأكيد، كما أدخلوا اللام في «ذلك» .
وقال تعالى: رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [الآية ٣٤] أي: عونا فيمنعني، ويكون في هذا الوجه: «ردأته» :
أعنته. (ويصدّقني) بالجزم إذا جعلته شرطا «١» ويُصَدِّقُنِي «٢» إذا جعلته من صفة الردء.
وقال تعالى: وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الآية ٤٦] بنصب رَحْمَةً على «ولكن رحمك ربّك رحمة» «٣» .
وقال تعالى: أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا [الآية ٦٣] لأنه من «غوى» «يغوي» مثل «رمى» «يرمي» .
وقال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ [الآية ٥] على قوله سبحانه يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ [الآية ٤] أي: فعل هذا فرعون ونحن نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا. وقال تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [الآية ٧٦] أي: إنّ الذي مفاتحه. وهذا موضع لا يبتدأ فيه ب «أنّ» وقد قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: ٨] وقوله سبحانه لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ معناه أنّ العصبة لتنوء بها وقد ورد السياق على سبيل المجاز.
وفي الشعر [وهو الشاهد السابع عشر بعد المائة من مجزوء الوافر] :
تنوء بها فتثقلها ... عجيزتها ...
وليست العجيزة تنوء بها، ولكنّها هي تنوء بالعجيزة. وقال «٤» [من الكامل وهو الشاهد الثالث والستون بعد المائتين] :
ما كنت في الحرب العوان مغمّرا ... إذ شبّ حرّ وقودها أجزالها
وقال تعالى: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ [الآية ٨٢] المفسرون
стр. 1595
يفسّرونها: «ألم تر أنّ الله» وقال تعالى: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [الآية ٨٢] وفي الشعر [من الخفيف وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائتين] :
سالتاني الطّلاق أن رأتا مالي [م] ... قليلا قد جئتماني بنكر
ويكأن من يكن له نشب يحبب [م] ... ومن يفتقر يعش عيش ضر
وقال تعالى: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً [الآية ٨٦] استثناء خارج من أوّل الكلام في معنى «لكن» .
стр. 1596
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «القصص» «١»
إن قيل: ما الحكمة في وحي الله تعالى، إلى أم موسى (ع) ، بإرضاعه وهي ترضعه طبعا، سواء أأمرت بذلك أم لا؟
قلنا: أمرها بإرضاعه ليألف لبنها، فلا يقبل ثديا غيرها، بعد وقوعه في يد فرعون فلو لم يأمرها بإرضاعه، لكان من المتوقّع أن تسترضع له مرضعة، فيفوت ذلك المقصود.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي [الآية ٧] والشرط الواحد إذا تعلق به جزاءان صدّق مع كل واحد منهما وحده، فيؤول هذا إلى صدق قوله: فإذا خفت عليه فلا تخافي، وأنه يشبه التناقض. قلنا: معناه فإذا خفت عليه من القتل، فألقيه في اليمّ، ولا تخافي عليه من الغرق، ولا تناقض بينهما.
فإن قيل: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الاخر، في قوله تعالى: وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي [الآية ٧] ؟
قلنا: الخوف غمّ يصيب الإنسان، لأمر يتوقّعه في المستقبل، والحزن غمّ يصيبه لأمر قد وقع ومضى.
فإن قيل: لم جعل موسى (ع) ، قتله القبطي الكافر من عمل الشيطان، وسمّى نفسه ظالما، واستغفر منه؟
قلنا: إنّما جعله من عمل الشيطان، لأنّه قتله قبل أن يؤذن له في قتله،
стр. 1597
فكان ذلك ذنبا يستغفر منه مثله. قال ابن جريج: ليس لنبيّ أن يقتل ما لم يؤمر.
فإن قيل: إنّ موسى (ع) ، ما سقى لابنتي شعيب (ع) ، طلبا للأجر، فكيف أجاب دعوة إحداهما، لمّا قالت كما ورد في التنزيل: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا [الآية ٢٥] ؟
قلنا: يجوز أن يكون قد أجاب دعوتها، ودعوة أبيها لوجه الله تعالى، على سبيل البر والمعروف ابتداء، لا على سبيل الإجزاء، وإن سمّته هي جزاء ويؤيّد هذا، ما روي أنّه لما قدّم إليه الطعام امتنع، قال: «إنّا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع «١» الأرض ذهبا، ولا نأخذ على المعروف أجرا» ، حتى قال له شعيب (ع) : «هذه عادتنا، مع كلّ من ينزل بنا» .
فإن قيل: لم قال له شعيب (ع) كما ورد في التنزيل: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ [الآية ٢٧] ، ومثل هذا النكاح، لا يصحّ لجهالة المنكوح، والنبي (ع) لا ينكح نكاحا فاسدا، ولا يعد به؟ قلنا: إنّما كان ذلك وعدا بنكاح معيّنة عند الواعد، وإن كانت مجهولة عند الموعود، ومثله جائز، ويكون التعيين عند إنجاز الوعد، كما وقع منه.
فإن قيل: لم قال تعالى هنا:
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [الآية ٣٢] فجعل الجناح هنا مضموما، وقال في سورة طه وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ [طه: ٢٢] ، فجعل الجناح هناك مضموما إليه، والقصة واحدة؟
قلنا: المراد بالجناح المضموم هنا، هو اليد اليمنى، والمراد بالجناح المضموم إليه في سورة طه، ما بين العضد إلى الإبط من اليد اليسرى، فلا تناقض بينهما.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى:
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [الآية ٣٢] ؟
قلنا: لمّا رهب الحيّة، أمره الله تعالى، أن يضمّ إليه جناحه، ليذهب عنه الفزع، وإنما قال تعالى: مِنَ الرَّهْبِ، لأنه جعل الرهب الذي أصابه علّة وسببا، لما أمر به من ضمّ
стр. 1598
الجناح. قال مجاهد: كل من فزع من شيء، فضمّ جناحه إليه، ذهب عنه الفزع. وقيل حقيقة ضمّ الجناح غير مرادة بل هو مجاز، عن تسكين الروع وتثبيت الجأش. قال أبو علي: لم يرد به الضم بين شيئين، وإنما أمر بالعزم والجدّ في الإتيان بما طلب منه ومثله قولهم:
اشدد حيازيمك للموت فليس فيه شدّ حقيقة. وقيل في الآية تقديم وتأخير، تقديره: ولّى مدبرا من الرهب.
فإن قيل: ما الحكمة في تصديق هارون لموسى (ع) ، في قوله تعالى:
فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [الآية ٣٤] ؟
قلنا: ليس المراد بقوله تعالى:
رِدْءاً يُصَدِّقُنِي أن يقول هارون لموسى (ع) : صدقت في دعوى الرسالة، فإنّ ذلك لا يفيده عند فرعون وقومه، الذين كانوا لا يصدّقونه، مع وجود تلك الآية الباهرة والمعجزات الظاهرة، بل مراد موسى (ع) أن يلخّص حججه بلسانه، ويبسّط القول فيها ببيانه، ويجادل عنه بالحق، فيكون ذلك سببا لتصديقه. ألا ترى إلى قوله تعالى: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [الآية ٣٤] ؟ وفضل الفصاحة، إنما يحتاج إليه لما قلنا، لا لقوله صدقت، فإن سحبان وائل وباقلا في ذلك سواء.
فإن قيل: قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [الآية ٤٤] ، أي أحكمنا إليه الوحي، مغن عن قوله تعالى: وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [الآية ٤٤] ، أي من الحاضرين عند ذلك؟
قلنا: معناه وما كنت من الشاهدين قصّته، مع شعيب (ع) فاختلفت القضيّتان.
فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الآية ٥٠] ، وكم رأينا من الظالمين بالكفر والكبائر، من قد هداه الله للإسلام والتوبة؟
قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة المائدة.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ [الآية ٦٤] ، وإنّما يرى العذاب من كان ضالًّا، لا مهتديا.
قلنا: جواب «لو» محذوف تقديره:
ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون،
стр. 1599
لما اتّبعوهم، أو لما رأوا العذاب.
فإن قيل: لم قال تعالى في آخر آية الليل: بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ [الآية ٧١] وقال في آخر آية النهار: بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الآية ٧٢] ؟
قلنا: السّماع والإبصار المذكوران، لا تعلّق لهما بظلمة الليل ولا بضياء النهار، فلذلك لم يقرن الإبصار بالضياء وبيانه أن معنى الآيتين: أفلا تسمعون القرآن سماع تأمّل وتدبّر، فتستدلّوا، بما فيه من الحجج، على توحيد الله تعالى؟ أفلا تبصرون ما أنتم عليه، من الخطأ والضلالة؟
فإن قيل: ما وجه الاستثناء في قوله تعالى إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الآية ٨٦] ؟
قلنا: قال الفرّاء: هو استثناء منقطع، تقديره رحمة من ربك: أي للرحمة.
стр. 1600
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «القصص» «١»
قوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [الآية ١٠] .
وقد تقدّم الإيماء إلى معنى ذلك، بذكر نظيره في السورة التي يذكر فيها إبراهيم (ع) ومعنى «فارغا» ، أي: قد خلا من صبر، وثبات، وتماسك، ووقار، لفرط الجزع، والأسف، وشدّة الارتماض «٢» والقلق وحسن وصف القلب بالفراغ من الأشياء التي ذكرنا، وإن كان مملوءا بأضدادها، لأنّ تلك الأشياء من المحمودات، وأضدادها من المذمومات والممتلئ من الأشياء المذمومة كالفارغ، إذا كان امتلاؤه ممّا لا فائدة فيه، ولا عائدة له. وقوله تعالى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [الآية ٣٢] .
وهذه استعارة، والجناح هاهنا عبارة عن اليد وقد أشرنا إلى الكلام على نظيره فيما تقدّم، وقيل معنى ذلك، أي: سكّن روعك، وخفّض جأشك من الرهب الذي أصابك، والرعب الذي داخلك، عند انقلاب العصا في هيئة الجان ولمّا كان من شأن الخائف القلق والانزعاج والتململ والاضطراب، صار ضمّ الجناح عبارة عن السكون بعد القلق، والأمان بعد الغرق فأما قوله تعالى في صدر هذه الآية: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ،
стр. 1601
فيقرب من أن يكون استعارة، لأن «اسلك» ، ان كان بمعنى أدخل، فإن أصلها مأخوذ من إدخال السلك، وهو الخيط المستدقّ، في خروق الخرز المنظومة، فهو، إذا، يفيد إدخال الشيء في الشيء المتضايق، أو إدخاله على الوجه الشاقّ المستصعب، وعلى هذا قوله تعالى:
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) [الشعراء] ، أي أدخلنا القرآن في قلوبهم، من جهة الأسماع على كره منها، إدخالا يشقّ وقد تقدم كلامنا على مثل هذا وكذلك قوله تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) [المدثر] ، أي ما أدخلكم فيها على كره منكم، ومشقّة عليكم، وعلى هذا قول الشاعر:
وقد سلكوك في يوم عصيب أي أدخلوك وأنت كاره له فيكون معنى قوله تعالى لموسى (ع) : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ إن كنت على خوف وإشفاق عند مشاهدة ما قد راعك، من تلك الآيات القواهر، والأعلام البواهر.
وقوله تعالى: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ [الآية ٣٥] .
وهذه استعارة والمراد بها تقويته على إنفاذ الأمر، وتأدية الوحي بأخيه لأنّ اشتداد العضد والساعد في القول، عبارة عن القوّة، والجلد، والقدرة على العمل ألا ترى إلى قول الشاعر:
أعلّمه الرّماية كلّ يوم فلما اشتدّ ساعده رماني ويروى، فلما «استدّ ساعده» بالسّين، والأوّل أقوى وأظهر، ولأنّ اشتداد العضد بمعنى القوة، تمكّن اليد من السطوة، وتعينها على البسطة وهذا من عجيب الكلام.
وقوله تعالى: قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا [الآية ٤٨] .
على قراءة أهل الكوفة وهذه استعارة، لأنّ التظاهر الذي معناه المعاونة والمضافرة إنّما هو من صفات الأجسام، والسّحر عرض من الأعراض، والمراد بذلك حكاية ما قاله المشركون، في الكلام الذي جاء به نبينا (ص) ، بعد ما جاء به موسى (ع) ، من الآيات الباهرة والأعلام الظاهرة ومعنى تظاهرا أي تعاونا من طريق الاشتباه والتماثل، وكان الثاني مصدّقا للأوّل والمتأخّر مقوّيا للمتقدّم.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) .
стр. 1602
وهذه استعارة، والمراد بتوصيل القول، والله أعلم، إرداف بعضه ببعض، وتكرير بعضه على أعقاب بعض، مظاهرة للحجّة على سامعيه، وإبعادا في منازع الاحتجاج على مخالفيه، ليتذكّروا بعد الغفلة، وينتبهوا من الرّقدة وذلك تشبيها بتوصيل الحبال بعضها ببعض، عند إدلاء الدلو إلى الطّويّ البعيدة، إلى أن يصل إلى الماء، ويفضي إلى الرواء، وهذا من دقيق المعاني.
وقوله تعالى: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الآية ٥٤] .
وهذه استعارة لأنّ الحسنة والسّيئة ليستا بجسمين، يصح دفع أحدهما بالآخر وإنّما المراد، والله أعلم، أنهم يختارون الأفعال الحسنة على الأفعال القبيحة، فيكونون، بذلك الاختيار، كأنهم قد دفعوا السّيئات بالحسنات، عكسا لرقابها، وردّا على أعقابها وقد يجوز أن يكون أيضا معنى ذلك: أنهم يدفعون ضرر العقوبة بعاجلة التوبة، لأنّ التوبة حسنة، والعقوبة قد تسمّى سيّئة، لأنها جزاء على السيئة، ولأنها مضرّة وان لم تكن قبيحة.
وقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [الآية ٥٨] . وهذه استعارة، والمراد بها أهل القرية والبطر سوء احتمال النعمة، حتى يستقلع مغارسها، ويستنزع ملابسها وقد مضت الإشارة الى نظير ذلك، فيما تقدّم.
وقوله سبحانه: وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا [الآية ٥٩] .
وهذه استعارة، والمراد هاهنا بأمّ القرى مكّة على الأغلب وقال بعضهم المراد معظمها، والمنظور إليها منها، لأنّ ما هو دونها جار مجرى التّبع لها، ومثل ذلك قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الأنعام: ٩٢ والشورى:
٧] ، يريد مكّة، وإنما سمّيت مكة أمّ القرى، لما ضمّته من بيت الله، وحرمه، ومهابط وحيه، ومدارج أقدام رسله (ع) فصارت من أجل ما ذكرناه، كأنها كبيرة القرى، وصارت القرى بالإضافة إليها صغارا، كصغر البنات إذا أضيفت إلى الأمهات.
وقوله تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) .
وهذه استعارة والكلام وارد في وصف أحوال الاخرة، لأنه سبحانه يقول أمام هذه الآية:
стр. 1603
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) ، ثم قال تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ [الآية ٦٦] والمعنى أنهم إذا سئلوا في الاخرة عمّا أجابوا به أنبياءهم في الدنيا، لجلجلوا «١» المقال، وأخطئوا الجواب، ولم يعلموا ما يقولون، ولا عمّا يخبرون فكأنّ الأنباء التي هي الأخبار عميت عليهم، فكانوا لا يوجّهون كلاما إلّا ضلّ عن طريق الحقّ، ولا يخبرون خبرا إلّا كان قاصرا عن غرض الصّدق، كالأعمى الذي لا يهتدي لقصد، ولا يقوم على نهج، وكأنهم حادوا عن الجواب لانسداد طرق الأنباء عليهم ولم يتساءلوا، فيستخبر بعضهم بعضا عن ذلك، علما منهم بقيام الحجّة عليهم، وعموم الحيرة لجميعهم وقد يجوز أن يكون لقوله تعالى فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ وجه آخر، هو أن يكون ذلك على معنى قول القائل: خرّبت عليّ داري، وموّتّ عليّ إبلي. أي خربت هذه، وموّتّ هذه، وجاءت لفظة عليّ هاهنا لاختصاص الضرر بصاحب الدار والإبل فيكون المعنى: أن الأخبار عميت في نفوسها، أي لم تهتد إلى صدق، ولم تنفذ في حقّ، وقيل عليهم لاختصاص ضرر ذلك بهم، لأنّ الحجّة لزمتهم، والاحتجاج قعد بهم.
ومثل ذلك قوله سبحانه في هذه السورة: وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ [الآية ٧٥] ، لأنّ ضلال افترائهم في معنى عمى أنبائهم. ومن الكنايات العجيبة عن الدعاء على قوم بعمى العيون، قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، في كلام له يخاطب بعض أصحابه: «مالكم «٢» لا سددتم لرشد، ولا هديتم لقصد» فكأنه (ع) ، قال لهم مالكم أعمى الله عيونكم، وقد ذكرنا هذا الكلام بتمامه، في كتابنا الموسوم (بنهج البلاغة) ، وهو المشتمل على المختار من كلام أمير المؤمنين (ع) ، في جميع أقسامه، ومرامي أغراضه.
وقوله تعالى: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [الآية ٧٦] .
وهذه الاستعارة على القلب، لأن
стр. 1604
المراد أنّ العصبة أولي القوة تنوء بتلك المفاتح، أي تنهض بها نهضا متثاقلا، لكثرة أعدادها، وثقل اعتمادها ولكن لما كانت هي السبب في نوء تلك العصبة بها، على التثاقل من نهضها، كانت كأنّها هي التي تنوء بالعصبة، أي تحوجها إلى النهوض، على تلك الحال من المشقّة.
وقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الآية ٨٨] .
وهذه استعارة والوجه هاهنا عبارة عن ذات الشيء، ونفسه وعلى هذا قوله تعالى في السورة التي يذكر فيها الرحمن سبحانه: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) [الرحمن] ، أي ويبقى ذات ربك ومن الدليل على ذلك رفع «ذو» في قوله تعالى ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) : لأنه صفة للوجه، الذي هو الذات، ولو كان الوجه هاهنا بمعنى العضو المخصوص، على ما ظنّه الجهال، لكان وجه الكلام أن يكون:
«ويبقى وجه ربك «ذي» الجلال والإكرام» ، فيكون «ذي» صفة للجملة، لا صفة للوجه الذي هو التخاطيط المخصوصة كما يقول القائل: «رأيت وجه الأمير ذي الطّول والإنعام» ، ولا يقول ذا لأنّ الطّول والإنعام من صفات جملته، لا من صفات وجهه. ويوضح ذلك قوله تعالى في هذه السورة:
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨) [الرحمن] ، لمّا كان الاسم غير المسمّى، وصف سبحانه المضاف إليه ولمّا كان الوجه في الآية المتقدّمة، هو النفس والذات، قال تعالى ذُو الْجَلالِ ولم يقل «ذي الجلال والإكرام» ويقولون عين الشيء ونفس الشيء على هذا النحو، وقد قيل في ذلك وجه آخر، وهو أن يراد بالوجه هاهنا، ما قصد به من العمل الصالح، والمتجر الرابح، على طريق القربة وطلب الزلفة «١» .
وعلى ذلك قول الشاعر:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه ربّ العباد إليه الوجه والعمل أي اليه تعالى، قصد الفعل الذي يستنزل به فضله، ودرجات عفوه فأعلمنا سبحانه أنّ كل شيء هالك إلا وجه دينه، الذي يوصل إليه منه، ويستزلف عنده به، ويجعل وسيلة إلى رضوانه، وسببا لغفرانه.
стр. 1605
سورة العنكبوت ٢٩
стр. 1606
المبحث الأول أهداف سورة «العنكبوت» «١»
سورة العنكبوت سورة مكّية، نزلت بعد سورة الروم، وآياتها ٦٩ آية. وقد نزلت سورة العنكبوت، في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين في مكّة، قبل الهجرة وكانت هذه الفترة، من أقسى الفترات، ولذلك تعرّضت السورة لتثبيت المؤمنين على الإيمان، وبيان أن هناك ضريبة يدفعها المؤمن، هي الفتنة، والامتحان بالإيذاء، أو بالإغراء، أو بالوعد، أو بالوعيد.
وتناولت السورة قصص الأنبياء السابقين، وجهادهم، وبلاءهم، ثمّ إهلاك الكافرين، وانتصار المؤمنين وسمّيت سورة العنكبوت بهذا الاسم، لتكرّر ذكر العنكبوت فيها في قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) .
وفي المصحف المطبوع بالقاهرة، المتداول بين الناس، نجد في عنوان السورة: سورة العنكبوت مكيّة، إلّا من الآية ١ إلى الآية ١١، فمدنية.
وقد رجّحت اللجنة المشرفة على طبع المصحف الرأي القائل: بأنّ الإحدى عشرة آية الأولى مدنية، وذلك لذكر الجهاد فيها.... وذكر المنافقين.
وعند التأمّل يترجّح لدينا، أن السورة كلّها مكّية أما تفسير الجهاد فيها، فمرجعه أنها واردة بصدد الجهاد ضدّ الفتنة، أي جهاد النفس، لتصبر ولا
стр. 1607
تفتن وهذا واضح في السياق وكذلك ذكر النّفاق، فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس.
ثلاثة فصول
الخط الأساسي لسورة العنكبوت، هو الحديث عن الإيمان والفتنة، وعن تكاليف الإيمان الحقة، التي تكشف عن معدنه في النفوس فليس الايمان كلمة تقال باللسان، وإنّما هو الصبر على المكاره، والثبات في المحن.
ومع أنّ موضوع السورة، هو تكاليف الإيمان والثبات في المحنة، إلّا أنه يمكن أن نقسّم سورة العنكبوت إلى ثلاثة عناصر، لهذا الموضوع، أو ثلاثة فصول.
الفصل الأول: من أوّل السورة إلى الآية ١٣:
يتناول هذا الفصل حقيقة الإيمان، وسنّة الابتلاء والفتنة، ومصير المؤمنين والكافرين ثم فرديّة التبعية، فلا يحمل أحد عن أحد شيئا، يوم القيامة.
وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) .
الفصل الثاني: الآيات [١٤- ٤٥] : يتناول هذا الفصل قصص نوح وإبراهيم ولوط وشعيب (ع) وإشارة إلى قبيلة عاد وثمود ويصوّر هذا القصص، ما وجد من عقبات وفتن في طريق كلّ دعوة.
ويتحدّث عن التهوين من شأن هذه العقبات، أمام قوة الإيمان، والاعتماد على قدرة الله تعالى، والمضيّ في تبليغ رسالته، وتحمّل تبعات هذه الرسالة، إحقاقا للحق، وازهاقا للباطل. قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [الأنبياء: ١٨] .
الفصل الثالث: من الآية ٤٦ إلى آخر السورة:
يتناول هذا الفصل النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلّا بالحسنى ويتناول وحدة الدين والعقيدة والإيمان، واتحاد ذلك مع الدين الأخير، الذي يجحد به الكافرون، ويجادل فيه المشركون ويختم بالتثبيت والبشرى، والطمأنينة للمجاهدين في الله، المهديين إلى سبيله.
ويتخلّل السورة، من المطلع إلى الختام، إيقاعات قويّة عميقة، حول معنى الإيمان وحقيقته، تهزّ الوجدان
стр. 1608
هزّا. وتوقفه أمام تكاليف الإيمان وقفة حازمة فإمّا النهوض بها، وإمّا النكوص عنها، وإلّا فهو النفاق الذي يفضحه الله.
القصص في سورة العنكبوت
استغرقت الآيات [١٤- ٤٥] الحديث عن قصص الأنبياء والتعليق عليه، وبيان العظة والعبرة منه.
وبدأت بالحديث عن نوح (ع) ، فقد مكث في قومه ألف سنة، إلّا خمسين عاما، هي مدة الرسالة وجزء من حياته كان قبل الرسالة، وجزء منها كان بعد الطوفان وهو عمر مديد، ولكن نتيجته محدودة، فلم يؤمن به إلّا قليل من قومه.
ثم ثنّى بالحديث عن إبراهيم الخليل (ع) ، صاحب الرسالة الكبرى، إذ دعا قومه إلى عبادة الله الخالق الرزاق، ونبذ الأوثان والأصنام والتوجّه إلى الله، الإله الواحد:
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [الآية ٢٤] .
وفي قصة لوط (ع) ، يتبدّى تبجّح الرذيلة وسفورها، بلا حياء ولا تحرّج، وانحدار البشرية إلى الدرك الأسفل، من الانحراف والشذوذ، مع الاستهتار بالنذير فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الآية ٢٩] .
وفي قصّة شعيب (ع) مع مدين، يتبدّى الفساد، والتمرّد على الحق والعدل، فاستحقّوا عذاب الله:
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) .
وتذكر الإشارة، إلى عاد وثمود، بالاعتزاز بالقوّة، والبطر بالنعمة كما تذكر الإشارة إلى قارون وفرعون وهامان، بطغيان المال، واستبداد الحكم، والتمرّد على أمر الله.
وفي النهاية يلقى الظالم حتفه جزاء ظلمه وقد تكرر هذا المعنى في سور سابقة، وتأكّد هنا، ليستقر في الأذهان، أمام المشركين والظالمين.
قال تعالى:
فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) .
وتعقّب السورة على هذا القصص،
стр. 1609
بمثل ضربته، لهوان قوى الشرك والظلم فالباطل مهما علا، لا مستقبل له والحقّ مهما امتحن، مستقبله هنيء مريء قال تعالى:
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) .
وينتهي هذا القصص بهوان الشرك، وعزّة الإيمان، وبيان قدرة الله تعالى، الذي يضرب الأمثال، ليتّعظ بها العقلاء، وليفهمها العلماء. قال تعالى:
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (٤٣) .
الدرس الأخير في سورة العنكبوت
يستغرق الدرس الأخير في السورة، ربعا كاملا من الآية ٤٦ إلى الآية ٦١.
والسورة بدأت، بإعلان ثقل تكاليف الإيمان، وتعرّض المؤمنين للبلاء والامتحان.
ثمّ ذكرت قصص الأنبياء وبلاءهم من عهد نوح (ع) .
وفي هذا الدرس الأخير، يبيّن القرآن الكريم، وحدة الرسالات في الهدف فالرسالات كلّها من عهد نوح (ع) والرسل من بعده، إلى عهد محمد (ص) ، دعوة واحدة، من عند إله واحد، ذات هدف واحد، هو إصلاح العقيدة، وتهذيب السلوك، وردّ البشرية الضالّة إلى قوانين الله العادلة وأنّ المؤمنين بكل رسالة، لإخوة للمؤمنين بسائر الرسالات: كلهم أمّة واحدة، تعبد إلها واحدا وأنّ البشرية في جميع أجيالها صنفان اثنان: صنف المؤمنين وهم حزب الله، وصنف المشاقّين وهم حزب الشيطان.
ولقد ختم الجزء العشرون في القرآن، بآية شهيرة، تدعو إلى تلاوة الكتاب، وقراءة القرآن، وإقامة الصلاة، هي قوله تعالى:
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) .
وبدأ الجزء الحادي والعشرون، بالحديث عن هذا الكتاب، والعلاقة بينه وبين الكتاب السابقة، وبأمر المسلمين، ألّا يجادلوا أهل الكتاب إلّا بالتي هي أحسن، لبيان حكمة مجيء
стр. 1610
الرسالة الجديدة، والكشف عمّا بينها وبين الرسالات قبلها من صلة، إلّا الذين ظلموا منهم، وبدّلوا في كتبهم، وانحرفوا إلى الشرك والشرك ظلم عظيم. ودعت الآية المؤمنين، أن يعلنوا إيمانهم بالدعوات كلّها، وبالكتب المنزّلة جميعها، فهي حق من عند الله يصدّق ما معهم من القرآن والإسلام. قال تعالى:
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) .
ثم يحذّر القرآن المشركين استعجالهم بعذاب الله، ويهدّدهم بمجيئه بغتة، ويصوّر لهم قربه منهم، وإحاطة جهنّم بهم ويصف حالهم، يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ثمّ يلتفت إلى المؤمنين الذين يتلقّون الفتنة والإيذاء في مكّة، يحضّهم على الهجرة بدينهم إلى الله، ليعبدوه وحده، يلتفت إليهم في أسلوب عجيب، يعالج كلّ هاجسة تخطر في ضمائرهم، وكلّ معيق يقعد بهم، ويقلّب قلوبهم بين أصابع الرحمن، في لمسات تشهد بأن منزّل هذا القرآن هو خالق هذه القلوب فما يعرف مساربها ومداخلها الخفيّة إلا خالقها اللطيف الخبير، الذي تكفّل برزق كلّ دابة في كلّ مكان وزمان.
وينتقل من هذا التعجّب من حال أولئك المشركين، وهم يتخبّطون في تصوّراتهم، فيقرّون لله سبحانه بخلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر، وإنزال الماء من السماء وإحياء الأرض الموات وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله وحده مخلصين له الدين. ثمّ هم بعد ذلك يشركون بالله ويكافرون بكتابه، ويؤذون رسوله، ويفتنون المؤمنين به. ويذكّر المشركين بنعمة الله عليهم، بهذا الحرم الأمن الذي يعيشون فيه، والناس من حولهم في خوف وقلق، وهم يفترون على الله الكذب، ويشركون به آلهة مفتراة، ويعدهم على هذا جهنّم، وفيها مثوى للكافرين.
وتختم السورة، بوعد من الله سبحانه، بهداية المجاهدين ورعايتهم، فيقول سبحانه:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) .
стр. 1611
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «العنكبوت» «١»
تاريخ نزولها، ووجه تسميتها
نزلت سورة العنكبوت بعد سورة الروم، ونزلت سورة الروم في السنة التي انتصر الفرس فيها عليهم، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة، فيكون نزول سورة العنكبوت في هذه السنة مثلها، وتكون من السّور التي نزلت فيما بين الإسراء والهجرة إلى المدينة.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لورود اسم العنكبوت في قوله تعالى في [الآية ٤١] منها مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وتبلغ آياتها تسعا وستين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة، تهوين ما يلقاه المؤمنون من العذاب في سبيل دينهم وهي في ذلك تنقسم إلى قسمين: أوّلهما، في بيان الحكمة من فتنة المؤمنين في دينهم وثانيهما، في بيان ما يسلكونه مع من يفتنونهم في دينهم، من المضيّ في دعوتهم، وردّ شبههم، ومن الهجرة عنهم إلى من لا يفتنهم في دينهم وكانت المدينة توشك أن تفتح أبوابها لهجرتهم.
وقد جاء في السورة السابقة، أنّهم كانوا يخافون إذا آمنوا أن يتخطّفهم الناس من أرضهم، فجاءت هذه السورة بعدها، وفي أوّلها تهوين ما يلقاه المؤمنون من الفتنة في دينهم، ووعدهم بالنصر على أعدائهم.
стр. 1612
الحكمة في فتنة المؤمنين في دينهم الآيات [١- ٤٤]
قال الله تعالى: الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) فنهى تعالى المؤمنين، أن يظنوا أنهم يتركون من غير أن يفتنوا في دينهم وذكر سبحانه أن تلك سنّته في كلّ من آمن قبلهم، وأنه يفعل ذلك ليتبيّن الصادق في إيمانه من الكاذب فيه ثم هدّد الذين يفتنونهم، بأنهم لا يمكنهم أن يفلتوا من عقابه على فتنتهم وذكر، أنّ لذلك أجلا، يعلم من يرجو لقاءه أن لا يتخلّف عنه ثم ذكر ، أنّ من جاهد ما يلقاه في دينه من الفتنة بالصبر عليه، فإنّما يجاهد لنفسه، لأنّ الذين يعملون الصالحات يجازون عليها بأحسن منها ثمّ ذكر من الفتنة في الدّين ما كان يفعله الآباء من محاولة صرف أبنائهم عن دينهم، ووصّى الأبناء بطاعة الآباء، إلّا في محاولة ردّهم إلى الشرك ثمّ ذكر أنّ من الناس من يؤمن بلسانه ولا يصل الإيمان إلى قلبه، فإذا فتن في دينه لم يصبر على ما يصيبه فيه، واختار الاحتراز عمّا يوقعه في الأذى، فإذا جاء نصر الله ذكر للمؤمنين أنه كان معهم، والله أعلم منه بما كان يخفيه من نفاقه ثمّ ذكر من الفتنة في الدين، أنّ الكفّار كانوا يقولون لمن آمن منهم اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [الآية ١٢] يريدون، بذلك، أنه لا خطيئة في رجوعهم إلى الكفر، وأنّه لا معاد يحاسبون فيه على ذلك وقد أجابهم سبحانه، بإثبات أن هناك معادا يحملون فيه خطاياهم، وخطايا من حملوهم على الكفر، ويسألون فيه عمّا يفترون، من إنكار المعاد والحساب.
ثمّ انتقل جلّ وعلا إلى ذكر من فتنوا قبلهم من المؤمنين، فصبروا، فنصرهم الله على من فتنوهم فذكر أنه أرسل نوحا (ع) إلى قومه، فلبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما، ثمّ أخذهم بالطوفان، ونجّاه ومن آمن به وأنّ إبراهيم (ع) ، أمر قومه أن يعبدوا الله ويتّقوه، وبيّن لهم فساد ما يعبدونه من الأوثان، إلى غير هذا ممّا ذكره في دعوتهم ثم ذكر سبحانه أنّ جوابهم له، كان أن أمروا بقتله أو تحريقه، فنجّاه الله من النار التي ألقوه فيها، وكان في ذلك دلالة على قدرته تعالى
стр. 1613
وقد سجّل عليهم به أنّهم يتّخذون من دونه أوثانا يقلّد فيها بعضهم بعضا، ويوم القيامة يتبرّأ بعضهم من بعض ويكون مأواهم النار فلا ينجّونهم منها ثم ذكر إيمان لوط (ع) بدعوة ابراهيم (ع) ، وهجرته معه من بلاد قومه وأنه سبحانه وهب لإبراهيم (ع) إسحاق ويعقوب (ع) ، وجعل في ذريّته النبوة والكتاب ثم ذكر لوطا (ع) ، وتوبيخه قومه على ما يأتونه من الفاحشة التي لم يسبقهم أحد إليها، إلى غير هذا ممّا سبق في قصّته ثم ذكر شعيبا (ع) وما جرى له مع أهل مدين وذكر عادا وثمود وقارون وفرعون وهامان وما فعله بهم، وأنه لم يظلمهم بذلك، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم ثم ضرب مثلا لظلمهم لأنفسهم بشركهم فذكر أنهم في اتّخاذهم آلهة من دونه، لا تنفعهم في دنياهم وأخراهم، كالعنكبوت التي تتّخذ لها بيتا هو أوهن البيوت فما يدعونه من دونه ليس بشيء أصلا ثم ذكر أنّه يضرب لهم هذا المثل وغيره من الأمثال، وما يعقلها إلا العالمون خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) .
ما يفعلونه في فتنتهم في دينهم الآيات [الآية ٤٥- ٦٩]
ثم قال تعالى: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) . فأمر النبي (ص) أن يتلو ما أوحي إليه من أخبار من فتنوا قبله في دينهم، ليكون له سلوة وأسوة بهم وأن يثابر على إقامة الصلاة ومداومة ذكره، لأنّ الصلاة تصلح من نفوسهم، وتعطيهم قوّة على احتمال ما يفتنون به ثمّ ذكر لهم آداب المجادلة على من يحاول أن يفتنهم بها في دينهم، فأمرهم سبحانه أن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وأن يذكروا لهم أنّهم يؤمنون بالكتب المنزّلة كلّها، ويؤمنون بالإله الذي يؤمنون به ثمّ ذكر أنّ من أهل الكتاب من يؤمن بالقرآن، كما يؤمن بتلك الكتاب، ومن المشركين من يؤمن به أيضا، وما يجحد به إلّا المعاندون منهم، وذكر ما يثبت تنزيله من أمّيّة النبي (ص) ثم أورد، من شبهاتهم عليه، اقتراحهم أن تنزل عليه آيات أخرى، مثل الآيات التي أنزلت على الأنبياء السابقين وردّ عليهم، بأنه
стр. 1614
سبحانه هو الذي ينزّل تلك الآيات كما يشاء، وليس النبي إلّا نذيرا لهم، ولا يملك أن يقترح على الله شيئا وبأنّ في إنزال القرآن عليه، وهو أمّيّ، ما يكفيهم في الإيمان به ولو تأمّلوا لعلموا أنّ آياته خير من آيات العذاب التي يقترحونها، لما فيها من الرحمة والذكرى لهم ثمّ ذكر سبحانه أنهم يستعجلونه بالعذاب بما يقترحونه من تلك الآيات، ولولا أنه جعل له أجلا مسمّى لجاءهم. إلى غير هذه ممّا ذكره في الردّ على استعجالهم.
ثمّ أرشدهم إلى الهجرة بدينهم، فرارا ممّن يفتنهم فذكر لهم أن أرضه (تبارك اسمه) واسعة، فإذا تعذّرت عبادته في أرض، فليهاجروا إلى غيرها، ولا يتركوا عبادته بحال من الأحوال وهوّن عليهم ذلك، بأنّهم لا بدّلهم من مفارقة أحبابهم بالموت، فليكن ذلك في سبيل الله، ليجازيهم عليه عند رجوعهم إليه، ويكافئهم على ما عملوا من صالحات، وما صبروا عليه من فتنة وأذى، ثمّ هوّن عليهم ذلك أيضا، بأنّه هو المتكفّل برزق كلّ دابّة في الأرض، وبرزقهم فلا يفوتهم شيء من رزقهم بهجرتهم. ثمّ ختم السورة، بتهديد أولئك الذين يفتنونهم، كما هدّدهم في أوّلها، فذكر لهم أنّهم لا يمكنهم أن ينكروا، أنه سبحانه هو خالق السماوات والأرض، ومسخّر الشمس والقمر، فلا يمكنهم أن يفلتوا من عقابه وذكر لهم أنّه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ليبتلي بذلك عباده، فلا يصحّ أن يغترّوا بما بسط لهم من الرزق وذكر لهم أنه هو الذي ينزل الماء من السماء فيحيي به الأرض بعد موتها، ليعلموا أنه هو الذي يرزقهم ثم ذكر لهم أنّ ما يغترّون به من هذه الحياة، وبسطة أرزاقهم فيها، إنّما هما لهو ولعب، وأنّ الاخرة هي الحياة التي يعتدّ بها، وأيّد ذلك بما يحصل لهم حينما يركبون الفلك في البحر، فإنهم ينسون الدنيا وزخارفها، ويتوجّهون إليه سبحانه بالدعاء وحده فإذا نجّاهم إلى البرّ، رجعوا إلى ما كانوا عليه من حبّ الدنيا، فأشركوا به ثم أمرهم أمر تهديد، أن يقابلوا ما بسط لهم من الرزق بالكفر، فسوف يعلمون ما أعدّ لهم من العذاب على كفرهم وذكر أنهم لا يمكنهم أن ينكروا أنه هو الذي أسكنهم في ذلك الحرم الأمن، فبسط لهم من الرزق ما لم يبسطه لغيرهم،
стр. 1615
ممّن يتخطّف من حولهم وأنكر عليهم بعد ذلك أن يؤمنوا، بما هم فيه من الباطل، ويكفروا بنعمته عليهم بذلك الحرم، ثمّ أوعدهم على ذلك بما أوعدهم به، ووعد المؤمنين، فقال جلّ شأنه وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) .