← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «العنكبوت» «١» تاريخ نزولها، ووجه تسميتها نزلت سورة العنكبوت بعد سورة الروم، ونزلت سورة الروم في السنة التي انتصر الفرس فيها عليهم، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة، فيكون نزول سورة العنكبوت في هذه السنة مثلها، وتكون من السّور التي نزلت فيما بين الإسراء والهجرة إلى المدينة. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لورود اسم العنكبوت في قوله تعالى في [الآية ٤١] منها مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وتبلغ آياتها تسعا وستين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة، تهوين ما يلقاه المؤمنون من العذاب في سبيل دينهم وهي في ذلك تنقسم إلى قسمين: أوّلهما، في بيان الحكمة من فتنة المؤمنين في دينهم وثانيهما، في بيان ما يسلكونه مع من يفتنونهم في دينهم، من المضيّ في دعوتهم، وردّ شبههم، ومن الهجرة عنهم إلى من لا يفتنهم في دينهم وكانت المدينة توشك أن تفتح أبوابها لهجرتهم. وقد جاء في السورة السابقة، أنّهم كانوا يخافون إذا آمنوا أن يتخطّفهم الناس من أرضهم، فجاءت هذه السورة بعدها، وفي أوّلها تهوين ما يلقاه المؤمنون من الفتنة في دينهم، ووعدهم بالنصر على أعدائهم.

стр. 1612

الحكمة في فتنة المؤمنين في دينهم الآيات [١- ٤٤] قال الله تعالى: الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) فنهى تعالى المؤمنين، أن يظنوا أنهم يتركون من غير أن يفتنوا في دينهم وذكر سبحانه أن تلك سنّته في كلّ من آمن قبلهم، وأنه يفعل ذلك ليتبيّن الصادق في إيمانه من الكاذب فيه ثم هدّد الذين يفتنونهم، بأنهم لا يمكنهم أن يفلتوا من عقابه على فتنتهم وذكر، أنّ لذلك أجلا، يعلم من يرجو لقاءه أن لا يتخلّف عنه ثم ذكر ، أنّ من جاهد ما يلقاه في دينه من الفتنة بالصبر عليه، فإنّما يجاهد لنفسه، لأنّ الذين يعملون الصالحات يجازون عليها بأحسن منها ثمّ ذكر من الفتنة في الدّين ما كان يفعله الآباء من محاولة صرف أبنائهم عن دينهم، ووصّى الأبناء بطاعة الآباء، إلّا في محاولة ردّهم إلى الشرك ثمّ ذكر أنّ من الناس من يؤمن بلسانه ولا يصل الإيمان إلى قلبه، فإذا فتن في دينه لم يصبر على ما يصيبه فيه، واختار الاحتراز عمّا يوقعه في الأذى، فإذا جاء نصر الله ذكر للمؤمنين أنه كان معهم، والله أعلم منه بما كان يخفيه من نفاقه ثمّ ذكر من الفتنة في الدين، أنّ الكفّار كانوا يقولون لمن آمن منهم اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [الآية ١٢] يريدون، بذلك، أنه لا خطيئة في رجوعهم إلى الكفر، وأنّه لا معاد يحاسبون فيه على ذلك وقد أجابهم سبحانه، بإثبات أن هناك معادا يحملون فيه خطاياهم، وخطايا من حملوهم على الكفر، ويسألون فيه عمّا يفترون، من إنكار المعاد والحساب. ثمّ انتقل جلّ وعلا إلى ذكر من فتنوا قبلهم من المؤمنين، فصبروا، فنصرهم الله على من فتنوهم فذكر أنه أرسل نوحا (ع) إلى قومه، فلبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما، ثمّ أخذهم بالطوفان، ونجّاه ومن آمن به وأنّ إبراهيم (ع) ، أمر قومه أن يعبدوا الله ويتّقوه، وبيّن لهم فساد ما يعبدونه من الأوثان، إلى غير هذا ممّا ذكره في دعوتهم ثم ذكر سبحانه أنّ جوابهم له، كان أن أمروا بقتله أو تحريقه، فنجّاه الله من النار التي ألقوه فيها، وكان في ذلك دلالة على قدرته تعالى

стр. 1613

وقد سجّل عليهم به أنّهم يتّخذون من دونه أوثانا يقلّد فيها بعضهم بعضا، ويوم القيامة يتبرّأ بعضهم من بعض ويكون مأواهم النار فلا ينجّونهم منها ثم ذكر إيمان لوط (ع) بدعوة ابراهيم (ع) ، وهجرته معه من بلاد قومه وأنه سبحانه وهب لإبراهيم (ع) إسحاق ويعقوب (ع) ، وجعل في ذريّته النبوة والكتاب ثم ذكر لوطا (ع) ، وتوبيخه قومه على ما يأتونه من الفاحشة التي لم يسبقهم أحد إليها، إلى غير هذا ممّا سبق في قصّته ثم ذكر شعيبا (ع) وما جرى له مع أهل مدين وذكر عادا وثمود وقارون وفرعون وهامان وما فعله بهم، وأنه لم يظلمهم بذلك، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم ثم ضرب مثلا لظلمهم لأنفسهم بشركهم فذكر أنهم في اتّخاذهم آلهة من دونه، لا تنفعهم في دنياهم وأخراهم، كالعنكبوت التي تتّخذ لها بيتا هو أوهن البيوت فما يدعونه من دونه ليس بشيء أصلا ثم ذكر أنّه يضرب لهم هذا المثل وغيره من الأمثال، وما يعقلها إلا العالمون خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) . ما يفعلونه في فتنتهم في دينهم الآيات [الآية ٤٥- ٦٩] ثم قال تعالى: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) . فأمر النبي (ص) أن يتلو ما أوحي إليه من أخبار من فتنوا قبله في دينهم، ليكون له سلوة وأسوة بهم وأن يثابر على إقامة الصلاة ومداومة ذكره، لأنّ الصلاة تصلح من نفوسهم، وتعطيهم قوّة على احتمال ما يفتنون به ثمّ ذكر لهم آداب المجادلة على من يحاول أن يفتنهم بها في دينهم، فأمرهم سبحانه أن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وأن يذكروا لهم أنّهم يؤمنون بالكتب المنزّلة كلّها، ويؤمنون بالإله الذي يؤمنون به ثمّ ذكر أنّ من أهل الكتاب من يؤمن بالقرآن، كما يؤمن بتلك الكتاب، ومن المشركين من يؤمن به أيضا، وما يجحد به إلّا المعاندون منهم، وذكر ما يثبت تنزيله من أمّيّة النبي (ص) ثم أورد، من شبهاتهم عليه، اقتراحهم أن تنزل عليه آيات أخرى، مثل الآيات التي أنزلت على الأنبياء السابقين وردّ عليهم، بأنه

стр. 1614

سبحانه هو الذي ينزّل تلك الآيات كما يشاء، وليس النبي إلّا نذيرا لهم، ولا يملك أن يقترح على الله شيئا وبأنّ في إنزال القرآن عليه، وهو أمّيّ، ما يكفيهم في الإيمان به ولو تأمّلوا لعلموا أنّ آياته خير من آيات العذاب التي يقترحونها، لما فيها من الرحمة والذكرى لهم ثمّ ذكر سبحانه أنهم يستعجلونه بالعذاب بما يقترحونه من تلك الآيات، ولولا أنه جعل له أجلا مسمّى لجاءهم. إلى غير هذه ممّا ذكره في الردّ على استعجالهم. ثمّ أرشدهم إلى الهجرة بدينهم، فرارا ممّن يفتنهم فذكر لهم أن أرضه (تبارك اسمه) واسعة، فإذا تعذّرت عبادته في أرض، فليهاجروا إلى غيرها، ولا يتركوا عبادته بحال من الأحوال وهوّن عليهم ذلك، بأنّهم لا بدّلهم من مفارقة أحبابهم بالموت، فليكن ذلك في سبيل الله، ليجازيهم عليه عند رجوعهم إليه، ويكافئهم على ما عملوا من صالحات، وما صبروا عليه من فتنة وأذى، ثمّ هوّن عليهم ذلك أيضا، بأنّه هو المتكفّل برزق كلّ دابّة في الأرض، وبرزقهم فلا يفوتهم شيء من رزقهم بهجرتهم. ثمّ ختم السورة، بتهديد أولئك الذين يفتنونهم، كما هدّدهم في أوّلها، فذكر لهم أنّهم لا يمكنهم أن ينكروا، أنه سبحانه هو خالق السماوات والأرض، ومسخّر الشمس والقمر، فلا يمكنهم أن يفلتوا من عقابه وذكر لهم أنّه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ليبتلي بذلك عباده، فلا يصحّ أن يغترّوا بما بسط لهم من الرزق وذكر لهم أنه هو الذي ينزل الماء من السماء فيحيي به الأرض بعد موتها، ليعلموا أنه هو الذي يرزقهم ثم ذكر لهم أنّ ما يغترّون به من هذه الحياة، وبسطة أرزاقهم فيها، إنّما هما لهو ولعب، وأنّ الاخرة هي الحياة التي يعتدّ بها، وأيّد ذلك بما يحصل لهم حينما يركبون الفلك في البحر، فإنهم ينسون الدنيا وزخارفها، ويتوجّهون إليه سبحانه بالدعاء وحده فإذا نجّاهم إلى البرّ، رجعوا إلى ما كانوا عليه من حبّ الدنيا، فأشركوا به ثم أمرهم أمر تهديد، أن يقابلوا ما بسط لهم من الرزق بالكفر، فسوف يعلمون ما أعدّ لهم من العذاب على كفرهم وذكر أنهم لا يمكنهم أن ينكروا أنه هو الذي أسكنهم في ذلك الحرم الأمن، فبسط لهم من الرزق ما لم يبسطه لغيرهم،

стр. 1615

ممّن يتخطّف من حولهم وأنكر عليهم بعد ذلك أن يؤمنوا، بما هم فيه من الباطل، ويكفروا بنعمته عليهم بذلك الحرم، ثمّ أوعدهم على ذلك بما أوعدهم به، ووعد المؤمنين، فقال جلّ شأنه وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) .

стр. 1616

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «العنكبوت» «١» أقول: ظهر لي في وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى، لما أخبر في أول السورة السابقة، عن فرعون أنه: عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ [القصص: ٤] ، افتتح هذه السورة، بذكر المؤمنين الذين فتنهم الكفّار، وعذّبوهم على الإيمان، بعذاب دون ما عذّب به قوم فرعون بني إسرائيل، تسلية لهم، بما وقع لمن قبلهم، وحثّا لهم على الصبر ولذلك قال تعالى في هذه السورة: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الآية ٣] . وهذه أيضا من حكم تأخير سورة العنكبوت على (طسم) . وأيضا، فلمّا كان في خاتمة «القصص» إشارة إلى هجرة النبي (ص) «٢» ، وفي خاتمة هذه الإشارة إشارة إلى هجرة المؤمنين بقوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ [الآية ٥٦] ، ناسب تتاليهما.

стр. 1617

المبحث الرابع مكنونات سورة «العنكبوت» «١» ١- أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [الآية ٢] . هم المؤذون على الإسلام في مكّة، منهم عمّار بن ياسر «٢» . ٢- وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا [الآية ١٢] قائل ذلك: الوليد بن المغيرة. حكاه المهدوي «٣» . ٣- هذِهِ الْقَرْيَةِ [الآيتان ٣١ و ٣٤] . هي سدوم.

стр. 1618

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «العنكبوت» «١» ١- وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [الآية ٧] . وتكفير السّيّئات، يعني إسقاط عقابها بثواب الحسنات. أقول: ولعل استعمال التضعيف في الفعل فيه شيء من معنى السّلب، كقولنا: مرّض الطبيب المريض، أي: شفاه: فأزال مرضه. ٢- وقال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [الآية ٢٩] . والنادي: مجتمع القوم ومجلسهم، ولا يسمّى ناديا حتى يكون فيه أهله. أقول: وقد عاش النادي طوال العصور حتى أمسكنا به في عصرنا، فذهب «النّدي» ، وانصرفت «الندوة» إلى شيء آخر، فهي المجلس الخاص، المقيّد بزمن معيّن، كما في «ندوات أهل الحكم» «٢» . ومثل هذه النّدوات المنتدى الذي لم يبق له مكان كبير في الاستعمال المعاصر. ٣- وقال تعالى: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ [الآية ٣٤] . الرّجز والرّجس العذاب، وإن كان في مجيء الكلمة بالسين دلالات أخرى، وهذا من فوائد الإبدال في العربية. ٤- وقال تعالى: فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [الآية ٣٨] .

стр. 1619

وقوله تعالى: مُسْتَبْصِرِينَ، يعني عقلاء، تمكّنوا من النظر والفكر. ٥- وقال تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) . وقوله تعالى: إِذاً فيه إشارة إلى ما تقدم في الآية، ومعناه: لو كان شيء من ذلك، أي: من التلاوة والخطّ لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ. أقول: وهذا ضرب من الإيجاز الجميل. ٦- وقال تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [الآية ٦٤] . أي: ليس فيها إلّا حياة مستمرة، دائمة، خالدة، لا موت فيها، فكأنّها في ذاتها حياة. و «الحيوان» مصدر «حيي» ، وكان ينبغي أن يكون القياس حييان، فقلبت الثانية واوا خلافا للقياس كما قالوا: حياة في اسم رجل.

стр. 1620

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «العنكبوت» «١» قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً [الآية ٨] ، على «ووصّيناه حسنا» وقد يقول الرجل: «وصّيته خيرا» أي: بخير. وقال تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [الآية ١٢] ، على الأمر «٢» : كأنّهم أمروا أنفسهم. وقال تعالى: كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ [الآية ١٩] وقال: كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [الآية ٢٠] ، فهما لغتان تقول: «بدأ الخلق» و «أبدأ» . وقال تعالى وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [الآية ٢٢] ، أي: لا تعجّزوننا هربا في الأرض ولا في السّماء. وقال تعالى إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ [الآية ٣٣] . فالأوّل كان في معنى التنوين لأنه لم يقع، ولذلك انتصب الثاني على هذا التقدير «٣» .

стр. 1621

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «العنكبوت» «١» إن قيل: قال تعالى: وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ [الآية ١٢] ثم قال سبحانه: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [الآية ١٣] ؟ قلنا: معناه: وما الكافرون بحاملين شيئا من خطايا المؤمنين، التي ضمنوا حملها، وليحملنّ الكافرون أثقال أنفسهم، وهي ذنوب ضلالهم، وأثقالا مع أثقالهم، وهي ذنوب إضلالهم غير هم من الكفار، لا خطايا المؤمنين التي نفى سبحانه عنهم حملها وقد سبق نظير هذا في قوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] . فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن القول «تسعمائة وخمسين عاما» إلى قوله سبحانه أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً [الآية ١٤] مع أن عادة أهل الحساب هي اللفظ الأول؟ قلنا: لما كانت القصة مسوقة، لتسلية النبي (ص) بذكر ما ابتلي به نوح ﵇، من أمته، وكابده من طول مصابرتهم، كان ذكر أقصى العدد، الذي لا عقد أكثر منه في مراتب العدد، أفخم وأعظم إلى الغرض المقصود، وهو استطالة السامع مدة صبره. وفيه فائدة أخرى، وهي نفي وهم إرادة المجاز، بإطلاق لفظ التسعمائة والخمسين على أكثرها، فإنّ هذا الوهم هو مع ذكر الألف، والاستثناء منتف، أو هو أبعد. فإن قيل: لم جاء المميّز أولا بلفظ «السنة» والثاني بلفظ «العام» ؟

стр. 1622

قلنا: لأن تكرار اللفظ الواحد، مجتنب في مذهب الفصحاء والبلغاء، إلّا أن يكون لغرض تفخيم، أو تهويل، أو تنويه، أو نحو ذلك. فإن قيل: لم نكّر الرزق ثم عرّفه في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [الآية ١٧] ؟ قلنا: لأنّه سبحانه أراد أنهم لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق، فابتغوا عند الله الرزق كلّه، فإنه هو الرازق وحده لا يرزق غيره. فإن قيل: لم أضمر اسمه تعالى في قوله قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [الآية ٢٠] ، ثمّ أظهره في قوله تعالى ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [الآية ٢٠] ، وكان القياس «كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الاخرة» ؟ قلنا: إنّما عدل، سبحانه، إلى ما ذكر، لتأكيد الإخبار عن الإعادة التي كانت هي المنكرة عندهم، بالإفصاح باسمه تعالى في ذكرها، وجعله مبتدأ لزيادة الاهتمام بشأنها؟ فإن قيل: لم قال تعالى وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا [الآية ٢٧] ، في معرض المدح أو في معرض الامتنان عليه، وأجر الدنيا فان منقطع، بخلاف أجر الاخرة فإنه النعيم المقيم الباقي، فكان الأولى بالذكر؟ قلنا: المراد به: وآتيناه أجره في الدنيا، مضموما إلى أجره في الاخرة، من غير أن ينقص من أجر الاخرة شيء. قال ابن جرير: وإليه الإشارة بقوله تعالى وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [الآية ٢٧] ، يعني له في الاخرة جزاء الصالحين وافيا وكاملا، وأجره في الدنيا. قيل: هو الثناء الحسن من الناس، والمحبّة من أهل الأديان. وقيل: هي البركة التي بارك الله فيه، وفي ذرّيته. فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ [الآية ٣١] ، يعني مدينة قوم لوط (ع) ، ولم يقل «تلك القرية» ، مع أن مدينة قوم لوط كانت بعيدة عن موضع إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، غائبة عند وقت هذا الخطاب؟ قلنا: إنّما قال سبحانه: هذِهِ الْقَرْيَةِ لأنها كانت قريبة حاضرة بالنسبة إليهم، وإن كانت بعيدة بالنسبة

стр. 1623

إلى إبراهيم (ع) . فإن قيل: لم قال تعالى: أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ [الآية ٣٤] ولم يقل: أهل هذه القرى؟ مع أن مدائن قوم لوط كانت خمسا، فأهلكوا منها أربعا؟ قلنا: انّما اقتصر سبحانه في الذّكر على قرية واحدة، لأنها كانت أكبر وأقرب، وهي سدوم مدينة لوط (ع) ، فجعل ما وراءها تبعا لها في الذكر. فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [الآية ٣٨] ، أي ذوي بصائر؟ يقال: فلان مستبصر، إذا كان عاقلا لبيبا صحيح النظر. ولو كانوا كذلك، لما عدلوا عن طريق الهدى، إلى طريق الضلال؟ قلنا: معناه: وكانوا مستبصرين في أمور الدنيا، وقيل معناه: وكانوا عارفين الحق بوضوح الحجج والدلائل، ولكنهم كانوا ينكرونه متابعة للهوى، لقوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل: ١٤] . وقيل: معناه: وكانوا مستبصرين لو نظروا نظر تدبّر وتفكّر. فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [الآية ٤١] ، وكل أحد يعلم أن أضعف بيوت يتخذها الهوامّ بيت العنكبوت؟ قلنا: معناه لو كانوا يعلمون، أنّ اتخاذهم الأصنام أولياء من دون الله، مثل اتخاذ العنكبوت بيتا، لما اتّخذوها. فإن قيل: لم قال تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [الآية ٤٦] ، وأهل الكتاب كلهم ظالمون لأنهم كافرون، ولا ظلم أشدّ من الكفر، ويؤيده قوله تعالى وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤] ؟ قلنا: أوّلا المراد بالظلم هنا الامتناع عن قبول عقد الذّمّة، وأداء الجزية، أو نقض العهد بعد قبوله. ثانيا: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩] . فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [الآية ٤٨] ؟ قلنا: الحكمة فيه تأكيد لنفي، كما يقال في الإثبات للتأكيد: هذا الكتاب

стр. 1624

ممّا كتبه فلان بيده وبيمينه، ورأيت فلانا بعيني، وسمعت هذا الحديث بأذني، ونحو ذلك. فإن قيل: لم لم يؤكّد في التلاوة، ولم يقل: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب بلسانك» ؟ قلنا: الأصل في الكلام عدم الزيادة، وكلّ ما جاء على الأصل لا يحتاج إلى العلّة، إنما يحتاج إلى العلة ما جاء على خلاف الأصل. فإن قيل: لم قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [الآية ٦٩] ، ومعلوم أنّ المجاهدة في دين الله تعالى، أو في حقّ الله تعالى، مع النفس الأمّارة بالسوء، أو مع الشيطان أو مع أعداء الدين، ذلك كله إنّما يكون بعد تقدّم الهداية من الله تعالى، فلم جعلت الهداية من ثمرات المجاهدة؟ قلنا: معناه: والذين جاهدوا في طلب التعلّم، لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، بمعرفة الأحكام وحقائقها. وقيل معناه: لنهدينّهم طريق الجنة. وقيل معناه: والذين جاهدوا لتحصيل درجة لنهدينّهم إلى درجة أخرى أعلى منها، وحاصله لنزيدنّهم هداية وتوفيقا للخيرات، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد: ١٧] وقوله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً [مريم: ٧٦] . وقال أبو سليمان الداراني رحمة الله عليه: معناه: والذين جاهدوا فيما علموا، لنهدينّهم إلى ما لم يعلموا. وعن بعض الحكماء: من عمل بما علم، وفّق لما لا يعلم. وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم، هو من تقصيرنا فيما نعلم..

стр. 1625

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «العنكبوت» » قوله سبحانه: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) . وهذه استعارة لأن لقاء الله سبحانه على الحقيقة، لا يصحّ، وإنما المراد لقاء حسابه، ولقاء جزائه وثوابه، أو لقاء الوقت، الذي جعله سبحانه وقت توفية الجزاء، على أعمال العاملين، وتوفير الأعواض على المعوّضين، وعلى ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) [البقرة] . وكلّ ما ورد في القرآن من ذكر لقاء الله تعالى، فالمراد به المعنى الذي ذكرناه والله أعلم ومن كلام العرب: لقينا خيرا ولقينا شرّا، وليس شيء من ذلك ممّا يرى بعين، ولا يواجه بوجه، وإنّما المراد أصابنا هذا، وأصابنا هذا. وقوله سبحانه: إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [الآية ١٧] . وهذه استعارة، والمراد أنّكم خلقتم من الأصنام صورا، أي قدّرتموها على اختياراتكم وأصل الخلق التقدير، ثمّ جعلتموها آلهة تعبدونها والإله المعبود، إنّما هو الخالق لا المخلوق، والصانع لا المصنوع فكأنّه سبحانه قال: إنّكم جعلتم كذبا من الإله تعبدونه من دون الله، والإفك هاهنا هو الكذب، وقال بعضهم معنى تخلقون إفكا أي تصنعون الكذب، على مواقع

стр. 1626

إرادتكم، وتضعونه مواضع شهواتكم. قوله سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [الآية ٤٥] . وهذه استعارة والمراد بها، أنّ الصلاة لطف في الامتناع عن المعاصي، فأقيمت مقام الزاجر الناهي، لأن فيها من ذكر الله تعالى، وتلاوة كلامه، وما فيه من بشائر ثوابه، ونذائر عقابه، ما هو أدعى الدواعي إلى الطاعات، وأقوى الصوارف عن المقبّحات. وقوله سبحانه: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) . وهذه استعارة والحيوان هاهنا مصدر كالحياة والدار التي هي دار الاخرة، لا يجوز وصفها على الحقيقة بأنها حياة وإنما المراد أن الخلق يحيون فيها حياة دائمة، لا موت بعدها ولا انفصال لها فلما كانت الحياة الدائمة فيها، حسن أن توصف بها على طريق المبالغة، لأن الصفات بالمصادر تفيد المبالغة في معاني تلك الأشياء الموصوفة. قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [الآية ٦٧] . وهي في معنى الاستعارة التي تقدّمتها على حدّ سواء، لأنّ الحرم لا يصح وصفه بالأمن على الحقيقة، وإنما يأمن الناس فيه فلاتصال هذه الحال ودوامها، واختصاص الحرم بين المواضع بها، حسن أن يوصف بالأمن على طريق المبالغة، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن الكريم..

стр. 1627

الفهرس سورة «الحج» المبحث الأول أهداف سورة «الحج» ٣ سمات القوة ٤ أقسام السورة وأفكارها ٥ القسم الأول ٥ القسم الثاني ٦ القسم الثالث ٦ القسم الرابع ٦ حكمة التسمية ٧ مقصود السورة اجمالا ٧.. المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحج» ٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٩ الغرض منها وترتيبها ٩ بيان أهوال يوم القيامة ١٠ الإذن في القتال ١١..

стр. 1628

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحج» ١٥.. المبحث الرابع مكنونات سورة «الحج» ١٧.. المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحج» ١٩.. المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحج» ٢٥.. المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحج» ٢٩.. المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحج» ٣٥. سورة «المؤمنون» المبحث الأول أهداف سورة «المؤمنون» ٤١ المؤمنون والايمان ٤١ الأقسام الرئيسية في السورة ٤٢ القسم الأول ٤٢ القسم الثاني ٤٢ القسم الثالث ٤٣ القسم الرابع ٤٣ مظاهر عامة للسورة ٤٤..

стр. 1629

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المؤمنون» ٤٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٤٥ الغرض منها وترتيبها ٤٥ بيان شروط فلاح المؤمنين ٤٥ أخبار بعض الرسل ٤٦.. المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المؤمنون» ٥١ ... المبحث الرابع مكنونات سورة «المؤمنون» ٥٣ ... المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المؤمنون» ٥٥.. المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المؤمنون» ٦١.. المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المؤمنون» ٦٣.. المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المؤمنون» ٦٥.. سورة «النور» المبحث الأول أهداف سورة «النور» ٧١ روح السورة ٧١

стр. 1630

فقرات السورة ٧٢ الفقرة الأولى ٧٢ الفقرة الثانية ٧٢ الفقرة الثالثة ٧٣ الفقرة الرابعة ٧٣ الفقرة الخامسة ٧٣ أثر السورة في حفظ المجتمع ٧٣.. المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النور» ٧٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٧٥ الغرض منها وترتيبها ٧٥ حكم الزّنا ٧٥ حكم القذف ٧٦ حكم دخول البيوت ٧٧ حكم النظر ٧٧ أحكام أخرى ٧٧ حكم دخول البيوت للغلمان ونحوهم ٧٨ حكم الاجتماع في بيوت الندوة ٧٩.. المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النور» ٨١.. المبحث الرابع مكنونات سورة «النور» ٨٣.. المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النور» ٨٥..

стр. 1631

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «النور» ٩١ ... المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النور» ٩٣ ... المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النور» ٩٩.. سورة «الفرقان» المبحث الأول أهداف سورة «الفرقان» ١٠٥ سورة تشد أزر الرسول ١٠٥ موضوعات السورة ١٠٨ الموضوع الأول ١٠٨ الموضوع الثاني ١٠٩ الموضوع الثالث ١٠٩ الموضوع الرابع ١١٠.. المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفرقان» ١١١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١١١ الغرض منها وترتيبها ١١١ تنزيل القرآن للإنذار ١١٢ عماية الكفار عن الإنذار ١١٣.. المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفرقان» ١١٥..

стр. 1632

المبحث الرابع مكنونات سورة «الفرقان» ١١٧.. المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفرقان» ١١٩.. المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الفرقان» ١٢٣.. المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الفرقان» ١٢٥.. المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الفرقان» ١٢٩.. سورة «الشعراء» المبحث الأول أهداف سورة «الشعراء» ١٣٧ موضوع السورة ١٣٧ القصص في سورة الشعراء ١٣٨ قصة ابراهيم ١٣٨ قصة نوح ١٣٩ قصة هود ١٣٩ قصة ثمود ١٤٠ قصة لوط ١٤٠ أصحاب الأيكة ١٤١ في أعقاب القصص ١٤١..

стр. 1633

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الشعراء» ١٤٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٤٣ الغرض منها وترتيبها ١٤٣ التنويه بشأن القرآن ١٤٣ إثبات تنزيل القرآن ١٤٤.. المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الشعراء» ١٤٧.. المبحث الرابع مكنونات سورة «الشعراء» ١٤٩.. المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الشعراء» ١٥١.. المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الشعراء» ١٥٥.. المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الشعراء» ١٥٩.. المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الشعراء» ١٦٥.. سورة «النمل» المبحث الأول أهداف سورة «النمل» ١٧١ نظام السورة ١٧١

стр. 1634

موضوع السورة ١٧١ القصص في سورة النمل ١٧٢ قصة داود وبلقيس ١٧٢ قصة بلقيس ١٧٢ قصة صالح ولوط ﵉ ١٧٣ أدلة القرآن على وجود الله ١٧٤.. المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النمل» ١٧٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٧٧ الغرض منها وترتيبها ١٧٧ التنويه بشأن القرآن ١٧٧ الترغيب والترهيب بقصص الأنبياء والصالحين ١٧٨ التنويه بهذه القصص وأصحابها ١٧٩.. المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النمل» ١٨١.. المبحث الرابع مكنونات سورة «النمل» ١٨٣.. المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النمل» ١٨٧.. المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «النمل» ١٩١.. المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النمل» ١٩٥..

стр. 1635

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النمل» ٢٠٣.. سورة «القصص» المبحث الأول أهداف سورة «القصص» ٢٠٩ قصة موسى ٢٠٩ موسى في سنّ الرجولة ٢١٠ موسى مع فرعون ٢١١ الحلقة الجديدة في القصة ٢١١ قارون ٢١٢ أهداف السورة ٢١٢ ختام السورة ٢١٣.. المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القصص» ٢١٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢١٥ الغرض منها وترتيبها ٢١٥ التنويه بشأن القرآن ٢١٥ إثبات تنزيل القرآن ٢١٧.. المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «القصص» ٢٢١.. المبحث الرابع مكنونات سورة «القصص» ٢٢٣..

стр. 1636

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «القصص» ٢٢٧.. المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «القصص» ٢٣١.. المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «القصص» ٢٣٥.. المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «القصص» ٢٣٩.. سورة «العنكبوت» المبحث الأول أهداف سورة «العنكبوت» ٢٤٧ ثلاثة فصول ٢٤٨ القصص في سورة العنكبوت ٢٤٩ الدرس الأخير في سورة العنكبوت ٢٥٠ تاريخ نزولها، ووجه تسميتها ٢٥٣ الغرض منها وترتيبها ٢٥٣.. المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «العنكبوت» ٢٥٣ الحكمة في فتنة المؤمنين في دينهم ٢٥٤ ما يفعلونه في فتنتهم في دينهم ٢٥٥.. المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «العنكبوت» ٢٥٩..

стр. 1637

المبحث الرابع مكنونات سورة «العنكبوت» ٢٦١.. المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «العنكبوت» ٢٦٣.. المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «العنكبوت» ٢٦٥.. المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «العنكبوت» ٢٦٧.. المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «العنكبوت» ٢٧١..

стр. 1638

الجزء السابع سورة الرّوم

стр. 1639

المبحث الأول أهداف سورة «الروم» «١» سورة الروم سورة مكّيّة نزلت بعد سورة الانشقاق، وآياتها ٦٠ آية. وقد نزلت سورة الروم في السنة التي انتصر فيها الفرس على الروم، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة. وسمّيت هذه السورة بسورة الروم لقوله تعالى في أولها: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) . سبب نزول السورة قال المفسّرون «٢» : بعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليهم رجلا يسمّى شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس وظهر عليهم، فقتلهم وخرّب مدائنهم وقطع زيتونهم، وكان قيصر قد بعث رجلا يدعى يحنس، فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهما أدنى الشام إلى أرض العرب. فغلبت فارس الرّوم، وبلغ ذلك النبيّ (ص) وأصحابه بمكّة فشقّ عليهم. وكان النبي (ص) يكره أن يظهر الأمّيّون من أهل المجوس على أهل الكتاب من الروم، وفرح كفار مكّة وشمتوا، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنّصارى أهل كتاب ونحن أمّيّون. وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، وإنّكم إن قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم. فأنزل الله تعالى سورة الروم. وفيها يفيد أنّ أهل فارس قد غلبوا الروم في

стр. 1640

أرض الأردن وفلسطين وهي أقرب البلاد إلى جزيرة العرب. ثمّ وعد الله ﷻ أن ينتصر الروم على الفرس في جولة أخرى خلال بضع سنين. والبضع هو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر. وقد التقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأوّل، وغلبت الروم فارس. وعن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم بدر غلب المسلمون كفّار مكّة وأتى المسلمين الخبر بعد ذلك- والنبيّ والمؤمنون بالحديبية- بأن الروم قد غلبوا أهل فارس ففرح المسلمون بذلك، لانتصار أهل الكتاب على عباد الأوثان، فذلك قوله تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) . فصلان مترابطان يمضي سياق سورة الروم، في فصلين مترابطين: الفصل الأول: يربط بين نصر المؤمنين والحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض وما بينهما، ويرتبط به أمر الدنيا والاخرة. ويوجّه إلى سنّة الله فيمن مضى قبلهم من القرون، ويقيس عليها قضيّة البعث والإعادة. ثمّ يعرض عليهم مشهدا من مشاهد الكون، وآيات الله المبثوثة في ثناياه، ودلالة تلك المشاهد وإيحائها للقلوب، ويضرب لهم من أنفسهم وممّا ملكت أيمانهم أمثالا تكشف عن سخافة فكرة الشرك، وقيامها على الأهواء التي لا تستند إلى حق أو علم. وينتهي هذا الموضوع بتوجيه الرسول (ص) إلى اتّباع طريق الحق الواحد الثابت الواضح، طريق الفطرة التي فطر النّاس عليها، والتي لا تتبدّل ولا تدور مع الهوى، ولا يتفرّق متّبعوها شيعا وأحزابا، كما تفرّق الذين اتّبعوا الهوى. ويمتدّ هذا الفصل من أول السورة إلى الآية ٣٢. الفصل الثاني: يكشف الفصل الثاني من سورة الروم عمّا في طبيعة النّاس من تقلّب لا يصلح أن تقام عليه الحياة، ما لم يرتبطوا بمعيار ثابت لا يدور مع الأهواء. ويصوّر حالهم في الرحمة والضّرّ، وعند بسط الرّزق وقبضه، ويستطرد السياق في هذه المناسبة إلى وسائل إنفاق هذا الرّزق وتنميته، ويعود إلى قضية الشّرك والشّركاء فيعرضها من هذه الزاوية فإذا

стр. 1641

الشركاء لا يرزقون ولا يميتون ولا يحيون. ويربط بين ظهور الفساد في البرّ والبحر وعمل النّاس وكسبهم، ويوجّههم إلى السّير في الأرض، والنّظر في عواقب الناس المشركين من قبل، ومن ثمّ يذكر السياق توجيهه تعالى رسوله (ص) إلى الاستقامة على دين الفطرة من قبل أن يأتي اليوم الذي يجزى فيه كلّ بما كسبت يداه، ويعود بهم بعد ذلك إلى آيات الله في مشاهد الكون، كما عاد بهم في الفصل الأول. ويعقب على ذلك بأن الهدى هدى الله، وأن الرسول (ص) لا يملك إلا البلاغ فهو لا يهدي العمي ولا يسمع الصم، ثم يطوف بهم في جولة جديدة في ذات أنفسهم ويذكّرهم بأطوار نشأتهم من بدئها إلى منتهاها، منذ الطفولة الواهنة الضعيفة إلى الموت والبعث والقيامة، ويعرض عليهم مشهدا من مشاهدها، ثمّ ينتهي هذا الموضوع، وتختم معه السورة بتوجيه الرسول (ص) إلى الصبر على دعوته، وما يلقاه من الناس فيها، والاطمئنان إلى أنّ وعد الله حقّ لا بدّ آت فلا يقلقه الذين لا يوقنون، ويمتد هذا الفصل من الآية ٣٣ إلى آخر السورة. الأفكار العامة للسورة الفكرة الرئيسة في سورة الروم، هي الكشف عن الارتباطات الوثيقة بين أحوال الناس وأحداث الحياة، وماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها، وسنن الوجود ونواميس الكون، ومن خلال هذه الارتباطات، يبدو أنّ كلّ حركة وكلّ حالة وكلّ نصر وكلّ هزيمة مرتبطة جميعها برباط وثيق، محكومة بقانون دقيق وأنّ مردّ الأمر فيها كلّه لله سبحانه: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الآية ٤] . وهذه هي الحقيقة الأولى التي يؤكّدها القرآن كلّه بوصفها الحقيقة الموجّهة في هذه العقيدة. الحقيقة التي تنشأ عنها التصوّرات جميعها والمشاعر والقيم والتقديرات، والتي بدونها لا يستقيم تصوّر ولا تقدير. وهناك أفكار متعدّدة مبثوثة في ثنايا السورة منها: ذكر أخبار القرون الماضية، وذكر قيام الساعة، وآيات التوحيد والحجج المترادفة الدّالة على الذّات والصّفات، وبيان البعث يوم القيامة وتمثيل حال المؤمنين والكافرين، وتقرير المؤمنين على الإيمان، والأمر بالمعروف

стр. 1642

والإحسان إلى ذوي القربى، ووعد الثواب على أداء الزكاة، والإخبار عن ظهور الفساد في البرّ والبحر، وعن آثار القيامة، وذكر عجائب الصنع في السّحاب والأمطار، وظهور آثار الرّحمة في إنبات النبات وظهور الربيع، وذكر إصرار الكفّار على الكفر، وتخليق الله الخلق مع الضّعف والعجز، وإحياء الخلق بعد الموت، والحشر والنشر، وتسلية الرسول (ص) . عالمية الدعوة الاسلامية لم يقف القرآن في سورة الرّوم عند حادث هزيمة الرّوم أمام الفرس، ثمّ الوعد بغلبة الرّوم للفرس. ولكنّه انطلق من ذكر هذه الحادثة ليربط بين سنّة الله تعالى في نصر العقيدة السماوية والحق الكبير الذي قامت عليه السماوات والأرض وما بينهما، وليصل بين ماضي البشريّة وحاضرها ومستقبلها. ثمّ يستطرد السياق القرآني إلى الحياة الاخرة ومشاهدها، ثمّ يطوف بالمسلمين في مشاهد الكون ومشاهد النفس وأحوال البشر وعجائب الفطر، ومن ثمّ يرتفع تصوّرهم لحقيقة الارتباطات وحقيقة العلاقات في هذا الكون الكبير، ويشعرون بدقّة السّنن التي تحكم هذا الكون وتصرّف أحداث الحياة وتحدّد مواضع النصر ومواضع الهزيمة. وفي ظل ذلك التصوّر الواسع الشامل، تتكشّف عالميّة هذه الدعوة، وارتباطها بأوضاع العالم كلّه من حولها. ويدرك المسلم موقفه وموقف أمّته في ذلك الخضم الهائل، ويعرف قيمته هو وقيمة عقيدته في حساب الناس وحساب الله، فيؤدّي حينئذ دوره على بصيرة، وينهض بتكاليفه في ثقة وطمأنينة واهتمام.

стр. 1643

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الروم» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الروم بعد سورة الانشقاق، وكان نزول سورة الروم في السنة التي هزمهم الفرس فيها، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة، فتكون من السور التي نزلت فيما بين الإسراء والهجرة إلى المدينة. وقد سمّيت هذه السور بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) وتبلغ آياتها ستّين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة تسلية المؤمنين فيما يصيبهم من أذى المشركين، كشماتتهم بهم حين انتصر الفرس على الرّوم، وذلك بوعدهم بنصر الرّوم على الفرس في الدّنيا، وبيان ما يكون من حالهم وحال أعدائهم في الاخرة وقد جاء هذا الغرض فيها على قسمين: أوّلهما في تسلية المؤمنين بوعدهم بنصر الروم على الفرس، وما إلى هذا ممّا ذكر فيه، وثانيهما في بيان بعض ما يثبّتهم ويهوّن عليهم ما يلقونه من أعدائهم. وقد جاءت هذه السورة بعد سورة العنكبوت لأنّ المسلمين وعدوا فيها بالنصر على المشركين، فجاءت هذه السورة بعدها، وفي أولها وعده سبحانه بنصر الروم على الفرس، ليكون مقدّمة لتحقيق وعده ﷻ للمسلمين، لأنّ الروم كانوا أهل كتاب، وكانوا

стр. 1644

أقرب إلى المسلمين من الفرس، ولهذا حزن المسلمون لهزيمتهم وفرح مشركو قريش. تسلية المؤمنين الآيات [١- ١٦] قال الله تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فذكر أن الروم غلبوا، ووعد بنصرهم على من غلبهم، ليفرح المؤمنون بنصرهم لأنّهم أهل كتاب مثلهم ثم ذكر سبحانه أنه إذا وعد لا يخلف وعده، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون، لأنّ علمهم لا يتعدّى ظاهرا أمور الدنيا من ملاذّها وملاعبها، ولا يصل إلى باطنها وأسرارها، وهم إلى هذا غافلون عن الاخرة ولا يصلون إلى علمها، فهم لهذا كلّه ينكرون وعده بالنصر ولا يصدّقون به، وينكرون الحشر وما أعدّ لهم فيه ثمّ حثّهم على ما يوصلهم إلى العلم بذلك من الفكر والنظر، لأنهم لو فكّروا في خلق السماوات والأرض وما بينهما، لعلموا أن الله ﷻ لم يخلقهم إلّا لحكمة وأجل معيّن، ثمّ يكون بعد ذلك ما ينكرونه من الحشر، ولو ساروا في الأرض لرأوا عاقبة من كذّب قبلهم من الأمم، وحملهم ذلك على التصديق بما وعد الله من النصر ثم ذكر أنه هو الذي بدأ الخلق فهو قادر على إعادته وعلى حشرهم إليه بعد موتهم، وأنّهم يوم يحشرون إليه لا يجدون إلى الخلاص طريقا، ولا يكون لهم شفيع من شركائهم، ويكافرون بهم بعد مشاهدة عجزهم ويومئذ يتفرّق كلّ من المؤمنين والكافرين إلى ما أعدّ لهم، فأمّا المؤمنون فهم في روضة يحبرون وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) . وسائل تثبيتهم الآيات [١٧- ٦٠] ثمّ قال تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) فأمرهم بالمواظبة على الصلاة في أوقاتها من الصباح والمساء والعشيّ والظّهيرة، كما أمرهم بذلك في السّورة السابقة ثمّ ذكر بما يوجب عليهم القيام بتسبيحه وحمده فيها، أنّه هو الذي يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ،

стр. 1645

إلى غير هذا ممّا ذكره من آياته ونعمه ثمّ ذكر أنّه هو الذي يتفرّد بما ذكره من ذلك كلّه، ولا يصحّ أن يكون له فيه شركاء من خلقه يستحقّون العبادة مثله، كما لا يصحّ أن يكون لنا فيما يرزقنا شركاء ممّا ملكت أيماننا. ثم أظهر لهم فضل ذلك الدّين الذي يلقون الأذى فيه، فذكر أنه دين الفطرة التي فطر النّاس عليها، فيجب أن يتمسّكوا به ولا يكونوا من المشركين الذين تركوه فتفرّقوا شيعا يعادي بعضهم بعضا ثمّ ذكر أنّ هؤلاء المشركين منهم من إذا مسّه ضرّ رجعوا إلى فطرتهم فدعوا ربّهم، فإذا كشف الضرّ عنهم رجع فريق منهم إلى شركهم، وكفروا بما آتاهم من كشف الضرّ عنهم ومنهم من هو على عكس هذا، فإذا أذاقه رحمة فرح بها، وإن أصابته سيّئة وقع في القنوط واليأس. ثمّ أمرهم أن يواسي بعضهم بعضا، بأن يعطي القريب حقّ النّفقة لقريبه، ويعطي الغنيّ حقّ الزّكاة للمساكين وابن السبيل، ونهاهم أن يتعاملوا بالرّبا لأنّه لا يربو عنده كما تربو الزكاة. ثمّ ذكر لهم أنه لا يترك أعداءهم من غير أن يعجّل لهم بعض العذاب على ما أظهروا من الفساد في البرّ والبحر، وأمرهم أن يسيروا في الأرض لينظروا كيف كان عاقبة الذين أشركوا من قبلهم، وأن يتمسّكوا بدينهم من قبل أن يأتيهم ذلك العذاب فيتفرّقوا فيه، فالكافرون يعاقبون على كفرهم، والمؤمنون يثابون على إيمانهم، ليجزيهم من فضله بما صبروا على أذاهم، فيرحمهم بذلك كما يرسل الرياح مبشّرات برحمته، وينتقم من أعدائهم كما انتقم من الذين أجرموا قبلهم ثمّ قرّب وعده لهم مع ضعف حالهم بأنه يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء ثم يخرج المطر من خلاله، فإذا أصاب به من يشاء من عباده فرحوا به وإن كانوا قبله في يأس منه، ثم قرّبه أيضا بما يشاهد من آثار رحمته في إحيائه الأرض بعد موتها، فمن يفعل ذلك يقدر على تقويتهم بعد ضعفهم وهو على كل شيء قدير، ثمّ ذكر أن أولئك المشركين لو أرسل عليهم ريحا مصفرّا إنذارا لهم بما يوعدهم من ذلك العذاب لظلّوا من بعده على كفرهم، لأنهم بلغوا من الجهل مالا يتأثّرون معه بإنذار أو دعاء، فلا يصدّقون وعده بنصر هؤلاء الضعفاء عليهم، ثمّ ذكر ممّا يثبت

стр. 1646

قدرته على ذلك أنّه خلقهم من ضعف في حال طفولتهم، ثمّ جعل لهم من بعد ضعفهم قوّة في حال شبابهم، ثمّ جعل لهم من بعد قوّتهم ضعفا في حال شيخوختهم، فهو قادر على أن يضعفهم وينصر المؤمنين عليهم ثم ذكر عذابهم الأكبر بعد عذاب الدنيا، وذلك حين تقوم القيامة فتنسيهم شدّتها مقدار ما لبثوه في دنياهم، فيقسمون أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة، ويردّ عليهم أهل العلم والإيمان بأنهم لبثوا الأجل الذي ضربه الله لهم إلى يوم البعث. ولكنّهم كانوا لا يؤمنون بذلك ففاتهم العلم به، ويومئذ يلقون عذابهم ولا ينفعهم معذرة ولا يكون لهم استعتاب، لأنّه لم يجعل لهم ما يعتذرون به بعد أن ضرب لهم في القرآن من كلّ مثل، فكانوا لا يؤمنون بما يأتيهم به من الآيات ثمّ ختمت السورة بالأمر بالصبر الى أن يتحقّق ذلك الوعد، فقال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠) .

стр. 1647

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الروم» «١» أقول: ظهر لي في اتّصالها بما قبلها، أن سورة العنكبوت ختمت بقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت ٦٩] . فافتتحت هذه بوعد من غلب من أهل الكتاب بالغلبة والنصر، وفرح المؤمنين بذلك، وأنّ الدولة لأهل الجهاد فيه، ولا يضرهم ما وقع لهم قبل ذلك من هزيمة «٢» . هذا مع تأخيها بما قبلها في المطلع، فإنّ كلّا منهما افتتح ب (ألم) غير معقّب بذكر القرآن، وهو خلاف القاعدة الخاصة بالمفتتح بالحروف المقطّعة، فإنها كلّها عقّبت بذكر الكتاب أو وصفه، إلّا هاتين السّورتين وسورة القلم، لنكتة بيّنتها في «أسرار التنزيل» «٣» .

стр. 1648

المبحث الرابع مكنونات سورة «الروم» «١» ١- فِي أَدْنَى الْأَرْضِ [الآية ٣] . قال ابن عبّاس: في طرف الشام «٢» . وقال مجاهد: في الجزيرة «٣» ، وهي أقرب أرض الرّوم إلى فارس. أخرج ذلك ابن أبي حاتم. ٢- فِي بِضْعِ سِنِينَ [الآية ٤] . هي تسع فيما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود. وسبع فيما أخرجه التّرمذيّ من حديث نيار الأسلمي «٤» .

стр. 1649

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الروم» «١» ١- قال تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الآية ٩] . وقوله تعالى: وَعَمَرُوها معروف من العمارة. وقد استعمل الثلاثي. وأمّا في عربيّتنا المعاصرة فقد دأب المعربون على استعمال المضاعف «عمّر» . ٢- وقال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [الآية ٤٣] . أي: يتصدّعون، أي: يتفرّقون. أقول: ودلالة التصدّع في عصرنا اختصّت بالشيء يتكسّر، فتذهب منه أجزاء وليس في دلالاته هذا الدليل الذي ورد في الآية. ٣- وقال تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) . يقال: استعتبني فلان فأعتبته، أي: استرضاني فأرضيته، وذلك إذا كنت جانيا عليه، وحقيقة أعتبته: أزلت عتبة.

стр. 1650

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الروم» «١» قال تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) أي: من بعد ما غلبوا. وقرأ بعضهم (غلبت) و (سيغلبون) لأنهم كانوا حين جاء الإسلام غلبوا ثم غلبوا حين كثر الإسلام. وقال سبحانه: أَساؤُا السُّواى [الآية ١٠] ف «السّوأى» مصدر هاهنا مثل «التقوى» . وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً [الآية ٢٤] فلم يذكر فيها (أن) لأنّ هذا يدل على المعنى. قال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد السابع بعد المائة] : الا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذّات هل أنت مخلدي أراد: أن أحضر الوغى. وقال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ [الآية ٣٠] بالنّصب على الفعل، كأنّ السّياق «فطر الله تلك فطرة» . وقال سبحانه: مُنِيبِينَ [الآية ٣١] على الحال لأنّه حينما قال فَأَقِمْ وَجْهَكَ [الآية ٣٠] قد أمره وأمر قومه، حتّى كأنّ السياق «فأقيموا وجوهكم منيبين» . وقال تعالى: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا [الآية ٣٤] فمعناه، والله أعلم، فعلوا ذلك ليكفروا. وإنّما أقبل عليهم، فقال «تمتّعوا» فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) وقرأ بعضهم: (فتمتّعوا فسوف يعلمون)
следующие страницы →