قدرته على ذلك أنّه خلقهم من ضعف في حال طفولتهم، ثمّ جعل لهم من بعد ضعفهم قوّة في حال شبابهم، ثمّ جعل لهم من بعد قوّتهم ضعفا في حال شيخوختهم، فهو قادر على أن يضعفهم وينصر المؤمنين عليهم ثم ذكر عذابهم الأكبر بعد عذاب الدنيا، وذلك حين تقوم القيامة فتنسيهم شدّتها مقدار ما لبثوه في دنياهم، فيقسمون أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة، ويردّ عليهم أهل العلم والإيمان بأنهم لبثوا الأجل الذي ضربه الله لهم إلى يوم البعث. ولكنّهم كانوا لا يؤمنون بذلك ففاتهم العلم به، ويومئذ يلقون عذابهم ولا ينفعهم معذرة ولا يكون لهم استعتاب، لأنّه لم يجعل لهم ما يعتذرون به بعد أن ضرب لهم في القرآن من كلّ مثل، فكانوا لا يؤمنون بما يأتيهم به من الآيات ثمّ ختمت السورة بالأمر بالصبر الى أن يتحقّق ذلك الوعد، فقال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠) .
стр. 1647
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الروم» «١»
أقول: ظهر لي في اتّصالها بما قبلها، أن سورة العنكبوت ختمت بقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت ٦٩] .
فافتتحت هذه بوعد من غلب من أهل الكتاب بالغلبة والنصر، وفرح المؤمنين بذلك، وأنّ الدولة لأهل الجهاد فيه، ولا يضرهم ما وقع لهم قبل ذلك من هزيمة «٢» .
هذا مع تأخيها بما قبلها في المطلع، فإنّ كلّا منهما افتتح ب (ألم) غير معقّب بذكر القرآن، وهو خلاف القاعدة الخاصة بالمفتتح بالحروف المقطّعة، فإنها كلّها عقّبت بذكر الكتاب أو وصفه، إلّا هاتين السّورتين وسورة القلم، لنكتة بيّنتها في «أسرار التنزيل» «٣» .
стр. 1648
المبحث الرابع مكنونات سورة «الروم» «١»
١- فِي أَدْنَى الْأَرْضِ [الآية ٣] .
قال ابن عبّاس: في طرف الشام «٢» .
وقال مجاهد: في الجزيرة «٣» ، وهي أقرب أرض الرّوم إلى فارس. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
٢- فِي بِضْعِ سِنِينَ [الآية ٤] .
هي تسع فيما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود.
وسبع فيما أخرجه التّرمذيّ من حديث نيار الأسلمي «٤» .
стр. 1649
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الروم» «١»
١- قال تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الآية ٩] .
وقوله تعالى: وَعَمَرُوها معروف من العمارة. وقد استعمل الثلاثي.
وأمّا في عربيّتنا المعاصرة فقد دأب المعربون على استعمال المضاعف «عمّر» .
٢- وقال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [الآية ٤٣] .
أي: يتصدّعون، أي: يتفرّقون.
أقول: ودلالة التصدّع في عصرنا اختصّت بالشيء يتكسّر، فتذهب منه أجزاء وليس في دلالاته هذا الدليل الذي ورد في الآية.
٣- وقال تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) .
يقال: استعتبني فلان فأعتبته، أي:
استرضاني فأرضيته، وذلك إذا كنت جانيا عليه، وحقيقة أعتبته: أزلت عتبة.
стр. 1650
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الروم» «١»
قال تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) أي: من بعد ما غلبوا. وقرأ بعضهم (غلبت) و (سيغلبون) لأنهم كانوا حين جاء الإسلام غلبوا ثم غلبوا حين كثر الإسلام.
وقال سبحانه: أَساؤُا السُّواى [الآية ١٠] ف «السّوأى» مصدر هاهنا مثل «التقوى» .
وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً [الآية ٢٤] فلم يذكر فيها (أن) لأنّ هذا يدل على المعنى. قال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد السابع بعد المائة] :
الا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذّات هل أنت مخلدي
أراد: أن أحضر الوغى.
وقال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ [الآية ٣٠] بالنّصب على الفعل، كأنّ السّياق «فطر الله تلك فطرة» .
وقال سبحانه: مُنِيبِينَ [الآية ٣١] على الحال لأنّه حينما قال فَأَقِمْ وَجْهَكَ [الآية ٣٠] قد أمره وأمر قومه، حتّى كأنّ السياق «فأقيموا وجوهكم منيبين» .
وقال تعالى: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا [الآية ٣٤] فمعناه، والله أعلم، فعلوا ذلك ليكفروا. وإنّما أقبل عليهم، فقال «تمتّعوا» فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) وقرأ بعضهم: (فتمتّعوا فسوف يعلمون)
стр. 1651
كأنّه «فقد تمتّعوا فسوف يعلمون» .
وقال تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) فقوله تعالى: إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) هو الجواب لأنّ «إذا» معلّقة بالكلام الأوّل بمنزلة «الفاء» .
وفي قوله سبحانه: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) ورد مِنْ قَبْلِهِ للتوكيد نحو فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٤٠) [الحجر] .
وقال تعالى: مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الآية ٤] بالرفع لأن «قبل» و «بعد» مضمومتان، ما لم تضفهما لأنهما غير متمكّنتين، فإذا أضفتهما تمكّنتا.
стр. 1652
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الروم» «١»
إن قيل: لم ذكر الضمير في قوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الآية ٢٧] والمراد به الإعادة لسبق قوله جلّ وعلا: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الآية ٢٧] .
قلنا: معناه: ورجعه، أو ردّه أهون عليه، فأعاد الضمير على المعنى لا على اللفظ، كما في قوله تعالى لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [الفرقان: ٤٩] أي بلدا أو مكانا.
فإن قيل: لم أخّرت الصلة في قوله تعالى وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الآية ٢٧] وقدمت في قوله تعالى هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [مريم: ٩] ؟
قلنا: لأن هناك قصد الاختصاص، وهو يحسّن الكلام، فكأنّ السّياق:
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وإن كان مستصعبا عندكم وأما هنا فلا معنى للاختصاص فجرى على أصله، والأمر مبني على ما يعقل الناس من أنّ الإعادة أسهل من الابتداء، فلو قدمت الصلة لتغيّر المعنى.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الآية ٢٧] والأفعال كلّها بالنسبة إلى قدرة الله تعالى في السهولة سواء، وإنّما تتفاوت في السهولة والصعوبة بالنسبة إلى قدرتنا؟
قلنا: معناه «وهو هيّن عليه» ، وقد جاء في كلام العرب أفعل بمعنى اسم الفاعل من غير تفضيل، ومنه قولهم في الأذان: الله أكبر، أي: الله كبير في قول بعضهم، وقال الفرزدق:
стр. 1653
إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا بيتا دعائمه أعزّ وأطول أي عزيزة طويلة، وقال معن بن أوس المزني:
لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل على أيّنا تعدو المنية أوّل أي وإنّي لوجل. وقال آخر:
أصبحت أمنحك الصّدود وإنّني قسما إليك مع الصّدود لأميل أي لمائل، وقال آخر:
تمنّى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي بواحد. الثاني: أنّ معناه، وهو أهون عليه في تقديركم وحكمكم، لأنّكم تزعمون وتعتقدون فيما بينكم أنّ الإعادة أهون من الابتداء، كيف يكون ذلك، والابتداء من ماء، والإعادة من تراب، وتركيب الصورة من التراب أهون عندكم؟ الثالث: أن الضمير في قوله تعالى وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الآية ٢٧] راجع إلى المخلوق لا إلى الله تعالى، معناه: أنه لا صعوبة على المخلوق فيه ولا إبطاء، لأنه يعاد دفعة واحدة، بقوله تعالى كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس] وفي الابتداء خلق نطفة ثم نقل إلى مضغة ثمّ إلى عظام ثمّ إلى كسوة اللحم. الرابع: أنّ الابتداء من قبيل التفضّل الّذي لا مقتضى لوجوبه، والإعادة من قبيل الواجب لأنها لا بدّ منها لجزاء الأعمال، وجزاؤها واجب بحكم وعده .
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً [الآية ٣٩] على اختلاف القراءتين بالمد والقصر؟
قلنا: قال الحسن ﵀: المراد به الربا المحرم. والخطاب لدافعي الرّبا، لا لآخذيه. معناه: وما أعطيتم أكلة الربا من زيادة لتربو وتزكو في أموالهم فلا تزكو عند الله ولا يبارك فيها، ونظيره قوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [البقرة: ٢٧٦] لا فرق بينهما. وقال ابن عباس ﵄ والجمهور: المراد به أن يهب الرجل غيره هبة أو يهدي إليه هديّة على قصد أن يعوّضه أكثر منها.
وقالوا: وليس في ذلك أجر ولا وزر، وإنّما سماه لأنه مدفوع لاجتلاب الربا، وهو الزيادة، فكان سببا لها، فسمّي باسمها ومعنى قراءة المد ظاهر. وأما قراءة القصر فمعناها: وما جئتم: أي
стр. 1654
وما فعلتم من إعطاء ربا كما تقول أتيت خطأ وأتيت صوابا: أي فعلت، وقوله تعالى: فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) ، أي ذوو الأضعاف من الحسنات، وهو التفات عن الخطاب إلى الغيبة.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِ [الآية ٤٩] بعد قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ [الآية ٤٩] .
قلنا: فائدته التأكيد كما في قوله تعالى فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) [الحجر] . وقيل الضمير لإرسال الرياح أو السحاب فلا تكرار.
فإن قيل: لم قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [الآية ٥٤] والضعف صفة الشيء الضعيف، فكيف يخلق الإنسان من تلك الصفة، مع علمنا أنه خلق من عين، وهو الماء أو التراب، لا من صفة.
قلنا: أطلق المصدر وهو الضعف، وأريد به اسم الفاعل وهو الضعيف كقولهم: رجل عدل، أي: عادل ونحوه فمعناه من ضعيف وهو النطفة. وقيل: معناه على ضعف، «فمن» بمعنى «على» كما في قوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [الأنبياء: ٧٧] والمراد به ضعف جثّة الطفل في طفولته.
فإن قيل: لم قال تعالى: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ [الآية ٥٦] وهم إنّما لبثوا في الأرض في قبورهم؟
قلنا: معناه لقد لبثتم في قبوركم على ما في علم كتاب الله، أو في خبر كتاب الله. وقيل معناه: في قضاء الله. وقيل فيه تقديم وتأخير تقديره: وقال الّذين أوتوا العلم في كتاب الله الّذين عملوه وفهموه، وذلك كقوله تعالى: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) [المؤمنون] .
فإن قيل: لم قال تعالى هنا: وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وقال في موضع آخر: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) [فصّلت] فجعلهم مرّة طالبي الإعتاب، ومرّة مطلوبا منهم الإعتاب؟
قلنا: معنى قوله تعالى: وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) أي ولا هم يقالون عثراتهم بالردّ إلى الدنيا، ومعنى قوله تعالى وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) [فصلت] أي: وإن يستقيلوا فما هم من المقالين، هذا ملخّص الجواب وحاصله.
стр. 1655
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الروم» «١»
قال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) «٢» .
هذه استعارة والمراد بقيام الساعة حضور وقتها والأجل المضروب لها.
وعلى هذا قولهم: قد قامت السوق أي حضر وقتها الّذي يتحرّك فيه أصحابها ويستمرّ بيعها وشراؤها. وعلى هذا المعنى سمّيت القيامة. وقد يجوز أيضا أن تكون تسميتها بذلك لقيام الناس فيها على أقدامهم قال سبحانه: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) [المطفّفين] :
فأمّا قوله تعالى في هذه السورة وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الآية ٢٥] ، فمعناه أنها تتماسك بأمره في مناطاتها وتقف على مستقرّاتها، ومثل ذلك قول القائل: إنّما يقوم أمر فلان بكذا، يريد أنّه إنّما يتماسك به، وليس هناك في الحقيقة قيام يشار إليه. فأمّا قوله تعالى في هذه السورة فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً [الآية ٣٠] ، فالمراد به اتّبع طرائق الدين قاصدا إلى سمته غير منحرف عنه إلى غيره، ومنه قول العرب: قد استقام المنسم إذا سارت الإبل في طريق واضح لا جوانح له ولا معادل فيه والمعنى قوّم وجهك على الدين اللّاحب «٣» ومنهج الحق الواضح وقوله تعالى في هذه الآية دليل على أنّ الدّين القيّم راجع في
стр. 1656
المعنى إلى ما ذكرناه، والمراد به أنه مستقيم بغير اعوجاج، ومنتصب بغير اضطراب، وقوله تعالى من بعد:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) قريب في المعنى ممّا تقدم، لأنّ المراد بذلك لا يخلو من أحد الأمرين: إمّا أن يكون أراد تعالى بإقامة الصلاة القيام لأوقاتها، لأنّ القيام من أعظم أركان الصلاة وإمّا أن يكون أراد تأديتها على واجبها وإخلاصها من كلّ ما يعود بفسادها، وذلك كقولهم:
أقام فلان قناة الدّين أي أظهر أمره، ووالى نصره، ورمى الأعداء عنه، ووقم «١» الأضداد دونه، وجميع هذه الألفاظ المذكورة نظائر، وهي بأجمعها استعارات لا حقائق، وإنّما أوردناها في نسق واحد، لاتّفاق ورودها في سورة واحدة.
٢- قال تعالى: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً [الآية ٣٢] .
وهذه استعارة، لأن الدّين على الحقيقة لا يتأتّى فيه التفريق وإنّما المراد، والله أعلم، أنّهم لمّا افترقوا في دينهم بمذاهب مختلفة وطرائق متباينة، كانوا كأنّهم قد فرّقوه فرقا، وجعلوه شيعا، فحسن وصفهم بذلك.
٣- قال تعالى: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) .
وهذه استعارة. والمراد بالسلطان هاهنا البرهان على أحد التأويلين وهو الحقّ الّذي يتسلّط به الإنسان على مخالفه، ويظهر على منازعه، وإنّما وصفه سبحانه بالكلام، لظهور حجّته وقوّة دعوته، فكأنه ناطق ومدافع مناضل.
٤- قال سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الآية ٣٩] .
وهذه استعارة والمراد بالرّبا هاهنا، المال الّذي يعطيه الإنسان غيره ليعطيه أكثر منه على الوجه المنهي عنه.
وأصل الرّبو الزيادة والكثرة، وإنّما سمّي المال المعطى الّذي يلتمسون به الزيادة ربا، لأنه جعل غرضه لطلب الزيادة، ووصلته إليها علّة لها، فحسن تسميته بذلك، للسبب الّذي ذكرناه، ومعنى قوله تعالى: لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ
стр. 1657
أي ليزيد في أموال الناس، وليس قوله سبحانه هاهنا بمعنى ليكون مددا لأموال الناس فتزيد به. وإنّما المعنى يزيد هو بدخوله في أموال الناس ودخوله فيها، هو أنّ صاحبه يعطيه الناس ليأخذ منهم أكثر منه فإذا ما كره وأراد التعويض عنه بالقدر الزائد عليه، كان كأنّه قد ربا أي كثر بحصوله في أموال الناس، لأنّ كثرته وإضعافه كان السبب فيهما، كونه في أموال الناس على الوجه الّذي بيّنّاه، وهذا من غوامض المعاني. ومن الشواهد على بيان ربا، بمعنى الزيادة والكثرة في كلامهم قول يزيد بن مفرغ الحميري:
وكم عطايا له ليست مكدّرة لا بل تفيض كفيض المسبل الرّابي يريد البحر، فسمّاه رابيا، لكثرة مائه وارتفاع أمواجه.
٥- قال سبحانه: وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) .
وهذه استعارة. ومعنى يمهدون هاهنا، أي يوطّئون لجنوبهم، ويمكّنون لأقدامهم عند مصارع الموت ومواقف البعث. وذلك كناية عن تقديم العمل الصالح والمتجر الرابح، تشبيها بمن وطّأ لمضجعه بالفرش الوثيرة والنمارق «١» الكثيرة.
٦- قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الآية ٤٦] .
وهذه استعارة. والمراد بها ما جرت به العادة من هبوب الرياح أمام الغيوث، وأنّ ذلك يقوم مقام النطق البشّار، والوعد بالأمطار المتوقعة بين يدي الرحمة. والرحمة في كثير من الآيات كناية عن الغيث، وعلى ذلك قوله تعالى في هذه السورة فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [الآية ٥٠] أي الى ما كان يعقب الغيوث، من منابت الأعشاب واكتساء القيعان.
٧- قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ [الآية ٤٨] .
وهذه استعارة. والمراد بإثارتها السحاب أنها تلفق قطعه، وتوصل منقطعه، وتستخرجه من غيوبه، وتظهره بعد غيوضه تشبيها بالقانص أي ينهضه من مجاثمه، ويبرزه عن مكانه، لتراه عينه فيتأتّى لقنصه، ويتمكّن من فرصه.
стр. 1658
سورة لقمان ٣١
стр. 1659
المبحث الأول أهداف سورة «لقمان» «١»
سورة لقمان سورة مكّيّة وعدد آياتها ٣٤ آية. نزلت بعد سورة الصّافات، وسورة لقمان من أواخر ما نزل في مكة. فقد نزلت بعد الإسراء وقبيل الهجرة. وقد سمّيت بسورة لقمان لورود قصة لقمان فيها، الّذي كان من الحكماء الأقدمين، ولم يرد اسم حكيم غيره في القرآن.
وسورة لقمان رحلة بعيدة الاماد والآفاق، تطوف بالقلب في جولات متعدّدة، لتأكيد قضيّة العقيدة وترسيخها في النفوس، وهي القضيّة الّتي تعالجها السور المكّيّة بأساليب شتّى، ومن زوايا متنوّعة، تتناول القلب البشريّ من جميع أقطاره، وتلمس جوانبه بشتّى المؤثّرات الّتي تخاطب الفطرة وتوقظها.
هذه القضيّة الواحدة، قضية العقيدة، تتلخّص هنا في توحيد الخالق وعبادته وحده، وشكر آلائه، وفي اليقين بالآخرة، وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل، وفي اتّباع ما أنزل الله والتخلّي عمّا عداه من مألوفات ومعتقدات.
والسورة تتولّى عرض هذه القضيّة ثلاث مرّات في ثلاث جولات، تطوف كل منها بالقلب البشري فتعرض عليه دعوة الهدى من جانب الوحي ومن جانب الحكمة ومن جانب الكون الكبير سمائه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره وأجوائه وبحاره، وأمواجه
стр. 1660
وأمطاره، ونباته وأشجاره وأخيرا من جانب القدرة الإلهية المحيطة بكل شيء، صاحبة الملك في الأولى والاخرة.
فقرات السورة
يمكن أن نقسم سورة لقمان إلى ثلاث فقرات أو جولات:
الجولة الاولى:
تبدأ الجولة بعد افتتاح السورة بالأحرف المقطّعة، فتقرّر أنّ هذه السورة من جنس تلك الأحرف، هي آيات الكتاب الحكيم، وهي هدى ورحمة للمحسنين. وهؤلاء المحسنون هم:
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) .
فتقرر قضيّة اليقين بالآخرة، وقضيّة العبادة لله، ومعها مؤثر نفسيّ ملحوظ:
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) .
ومن ذا الّذي لا يريد أن يكون من المفلحين؟ ... وفي الجانب الاخر فريق من الناس يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله بغير علم، ويتّخذ تلك الآيات هزوا. وهؤلاء يعاجلهم بمؤثّر نفسيّ مخيف مناسب لاستهزائهم بآيات الله.
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) .
ثمّ يمضي السّياق في وصف حركات هذا الفريق:
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها [الآية ٧] .
ومع الوصف مؤثّر نفسي منفّر من هذا الفريق:
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً [الآية ٧] .
ومؤثّر آخر يخيفه مع التهكّم الواضح في التعبير:
فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) .
والبشارة هنا فيها من التهكّم الملحوظ ... ثمّ يعود السّياق إلى المؤمنين يفصّل شيئا من فلاحهم الّذي أجمله في أوّل السورة، ويبيّن جزاءهم الحسن في الاخرة. ثمّ يعرض صفحة الكون الكبير مجالا للبرهان القاطع الّذي يطالع الفطرة من كل جانب، ويخاطبها بكل لسان، ويواجهها بالحقّ الهائل الّذي يمرّ عليه النّاس غافلين ... وأمام هذه الأدلّة الكونيّة
стр. 1661
الّتي تهزّ الحسّ وتنبّه الشعور، وتأخذ بتلابيب القلوب الشاردة الّتي تجعل لله شركاء، وهي ترى خلقه العظيم:
هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) .
وتمتد هذه الفقرة من أوّل السورة إلى الآية ١١.
الجولة الثانية:
تبدأ الجولة الثانية من خلال نفوس آدميّة، وتتناول القضيّة ذاتها بأسلوب جديد ومؤثّرات جديدة: إنّها نصيحة من رجل حكيم يعظ ابنه، فيقدّم له خلاصة تجاربه وحكمته، فيأمره بالتوحيد وينهاه عن الشرك، ويحثّه على برّ الوالدين وطاعتهما فيما يأمران به، إلّا إذا أمرا بالشّرك ونحوه، وينبّه لقمان ولده إلى إحاطة علم الله بكل شيء، إحاطة يرتعش لها الوجدان البشري.
ثمّ يتابع لقمان وصيّته لابنه فيأمره أن يقوم بتكاليف العقيدة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يصبر ويحتمل فإنّ الصبر من أمّهات الفضائل.
ويحثّ لقمان ولده على مكارم الأخلاق، وآداب النفس والسلوك فينهاه عن الكبر والبطر، ويأمره أن يعتدل في مشيته وأن يغضّ من صوته، وأن يلزم الرفق والهدوء والاعتدال.
وقد استغرقت هذه الجولة الآيات ١٢- ١٩.
الجولة الثالثة:
تستغرق الجولة الثالثة بقية السورة من الآية ٢٠ إلى الآية ٣٤، بعرض أدلة التوحيد في خلق السماء والأرض، وفي تسخير الكون، وإسباغ النعم الظاهرة والباطنة. وفي ظل النّعم الظاهرة والأدلّة الملموسة يبدو الجدل في الله مستنكرا للفطرة تمجّه القلوب المستقيمة.
ثمّ يتابع السّياق استنكار موقف الكفر والجمود، وتقليد الآباء دونما تبصّر ورويّة، ومن ثمّ يعرض قضيّة الجزاء في الاخرة مرتبطة بقضيّة الكفر والإيمان.
ثمّ يقف الكافرون وجها لوجه أمام منطق الفطرة، وهي تواجه هذا الكون فلا تملك إلّا الاعتراف بالخالق الواحد الكبير. وتعرض الآيات مشهدا كونيا
стр. 1662
يهزّ القلب البشري، مشهد اللّيل وهو يطول فيدخل في جسم النّهار ويمتدّ، والنّهار وهو يطول فيدخل في جسم اللّيل ويمتدّ، ومشهد الشّمس والقمر مسخّرين في فلكيهما يجريان في حدود مرسومة إلى وقت لا يعلمه إلّا خالقهما. ويتّخذ من هذا المشهد الكونيّ دليله إلى الفطرة على القضية المعهودة، وهي قضيّة التّوحيد.
ثمّ يلمس القلوب بمؤثّر آخر من نعمة الله على الناس، في صورة الفلك الّتي تجري في البحر، ثمّ يوقفهم أمام منطق الفطرة حينما تواجه هول البحر مجرّدة من غرور القدرة والعلم، الّذي يبعدها عن بارئها، ويتّخذ من هذا المنطق دليلا على قضيّة التوحيد.
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) .
وبمناسبة موج البحر وهوله، يذكّرهم بالهول الأكبر، وهو يقرّر قضيّة الاخرة، الهول الّذي يفرّ فيه الوالد من ولده، والولد من والده:
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [الآية ٣٣] . وتختم السورة بآية تقرّ القضايا الّتي عالجتها في إيقاع قويّ عميق مرهوب، فتذكّر أن الله ﷻ ، استأثر بخمس لا يعلمهنّ سواه:
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) .
هذه الجولات الثلاث بأساليبها ومؤثّراتها ودلائلها وآياتها نموذج من أسلوب القرآن الكريم في معالجة القلوب، هذا الأسلوب المختار من خالق هذه القلوب، العليم بمداخليها، الخبير بما يصلح لها، وما تصلح به من الأساليب.
стр. 1663
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «لقمان» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة لقمان بعد سورة الصّافّات، وهي من السور الّتي نزلت في مكّة بعد الإسراء، فيكون نزول سورة لقمان بعد الإسراء وقبيل الهجرة.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لورود قصّة لقمان فيها، وكان من الحكماء الأقدمين ولم يرد اسم حكيم غيره في القرآن الكريم، وتبلغ آياتها أربعا وثلاثين آية.
الغرض منه وترتيبها
الغرض من هذه السورة بيان الموافقة بين ما جاء به القرآن من الحكمة المنزلة، وما جاء به لقمان الحكيم من الحكمة المأثورة عنه، إذ كان يدعو فيها كما يدعو القرآن إلى الإيمان بالله وحده، ويأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن الفواحش، وقد جاء هذا الغرض في هذه السّورة على ثلاثة أقسام: أوّلها في التنويه بحكمة القرآن، وثانيها في بيان شيء من حكمة لقمان، وثالثها في دعوة المشركين إلى الإيمان بما اتّفقت عليه الحكمة المنزلة والحكمة المأثورة عن الحكماء.
والمقصود من هذا تسلية النبي (ص) ببيان فضل ما أنزل إليه من هذه النّاحية، ليعلم أنّ قومه لا يخالفون ما جاء به هو وغيره من الأنبياء فقط، بل يخالفون ما جاء به لقمان وغيره من
стр. 1664
الحكماء أيضا، فيهون عليه أمر كفرهم، ولا يحزن لعنادهم وتعنّتهم، وهذا هو وجه المناسبة بين هذه السورة وسورة الروم.
التنويه بحكمة القرآن الآيات [١- ١١]
قال الله تعالى: الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) فذكر أنّ القرآن يشتمل على آيات حكيمة يقصد منها الهداية والرّحمة، وأنه قد أصلح بذلك من حسنت طباعهم وأفعالهم ممّن يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة ويؤمنون بالآخرة، ولم ينكر فضله في ذلك إلّا من قبح طبعه فأثر الاشتغال بلهو الحديث على الاشتغال بحكمته، ثمّ أوعده على ذلك بما أوعده به من العذاب، ووعد من آمن به بنعيم الجنّات، وذكر أن وعده حقّ لا يتخلّف لأنه عزيز حكيم، يعذّب من يعرض عن حكمته ويثيب من يقبل عليها بكامل قدرته، ثم بيّن عزّته وقدرته بخلقه السماوات بغير عمد مشاهدة، إلى أن قال: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) .
بيان حكمة لقمان الآيات [١٢- ١٩]
ثمّ قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) . فذكر أنّه آتى لقمان الحكمة، وأنه كان يدعو فيها إلى ما يدعو إليه القرآن من الإيمان بالله، وطاعة الوالدين في ما يأمران به، إلّا إذا أمرا بالشّرك ونحوه، إلى غير هذا ممّا جاء في وصاياه لابنه، وقد ختمها بقوله تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) .
الدعوة إلى ما اتفقت عليه الحكمتان الآيات [٢٠- ٣٤]
ثمّ قال تعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الآية ٢٠] ، فدعاهم إلى ما اتّفقت عليه الحكمتان من الإيمان به. وعاب عليهم أن يجادلوا فيه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. والعلم إشارة إلى الحكمة المأثورة والكتاب إشارة إلى الحكمة
стр. 1665
المنزّلة وإنما هو تقليد لآبائهم من غير اعتماد على دليل.
ثمّ نهى النبي (ص) أن يحزن لهذا الكفر الصادر عن عناد وجهل، وأخبره بأنه سيرجعهم إليه بعد أن يمتّعهم قليلا، ثم يضطرّهم إلى عذاب غليظ، ثمّ أثبت له عنادهم وجهلهم في كفرهم بأنه إن سألهم من خلق السماوات والأرض فإنهم يعترفون بأن الّذي خلقهما هو الله، ولكنّهم جهلاء معاندون فلا يحملهم ذلك على الإقلاع عن شركهم ثم ذكر أنّ له سبحانه ما.
في السماوات والأرض فلا يقتصر أمره على خلقهما، وأنّ ملكه لا يقتصر على ذلك وحده لتناهيه، بل إن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [الآية ٢٧] ، أي عجائبه، وما خلقنا وبعثنا إلّا كخلق نفس واحدة وبعثها، فالقليل والكثير سواء في قدرته. ثمّ ذكر من عجائب قدرته وعلمه أنّه يولج النّهار في اللّيل، وأنّه سخّر الشمس والقمر كلّ يجري إلى أجل مسمّى، وأنّه سخّر الفلك تجرى في البحر بنعمته ليريهم ما في البحر من عجائبه وأهواله، فإذا غشيهم موجه كالظلّ دعوا الله ليخلّصهم منه، فإذا نجّاهم إلى البرّ رجعوا الى ما كانوا عليه من كفر، فمنهم من يقتصد فيه بتأثير ما شاهده، ومنهم من يجحد ما شاهده من العجائب لمبالغة في الكفر.
ثمّ ختم السورة بأمرهم بتقواه كما جاءت به الحكمة المنزلة والحكمة المأثورة، وبأن يخشوا يوم الاخرة الّذي لا ينفع الإنسان فيه إلّا عمله، وأخبرهم بأن وعده حق، فلا يغرّنّهم بالله الغرور إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) .
стр. 1666
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «لقمان» «١»
أقول: ظهر لي، من اتّصالها بما قبلها مع المؤاخاة في الافتتاح ب الم، أن قوله تعالى هنا: هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) متعلّق بقوله في آخر سورة الروم:
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ [الروم: ٥٦] .
فهذا عين إيقانهم بالآخرة، وهم المحسنون الموقنون بما ذكر.
وأيضا ففي كلتا السورتين جملة من الأديان وبدء الخلق «٢» .
وذكر في الروم: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)
стр. 1667
وقد فسّر بالسّماع «١» وفي لقمان: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [الآية ٦] . وقد فسّر بالغناء، وآلات الملاهي «٢» .
стр. 1668
المبحث الرابع مكنونات سورة «لقمان» «١»
١- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [الآية ٦] .
قال ابن عبّاس: نزل في النّضر بن الحارث «٢» . أخرجه جويبر «٣» .
٢- وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ [الآية ١٠] .
قال ابن عبّاس هي الجبال الشّامخات، من أوتاد الأرض. وهي سبعة عشر جبلا، منها: قاف، وأبو قبيس، والجودي، ولبنان، وسينين، وثبير، وطور سيناء. أخرجه جويبر.
٣- وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ [الآية ١٣] .
اسم الابن: تاران «٤» .
وقيل: أنعم.
وقيل: مشلم.
стр. 1669
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «لقمان» «١»
١- قال تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [الآية ٢٢] .
قوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ هو من باب جعل الوجه ذاته ونفسه سالما لله أي: خالصا له.
٢- قال تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) .
الختر: أشدّ الغدر.
أقول: ولا نعرف «الختر» ولا «الختّار» في العربية المعاصرة. ومثل الختر «الختل» ، مع خصوصيّة معنويّة في نوع الغدر، وكذلك الختّال.
وهاتان الكلمتان باللام من الكلم المعروف في عصرنا.
стр. 1670
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «لقمان» «١»
قال تعالى: هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) لأن قوله تعالى:
الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) معرفة، فهذا خبر المعرفة.
وقال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [الآية ١٢] وهي «بأن اشكر الله» .
وقال تعالى: إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ [الآية ١٦] أي: «إن تكن خطيئة مثقال حبّة» ورفع بعضهم فجعلها «كان» الّذي لا يحتاج الى خبر كأنه «بلغ مثقال حبّة» .
وقال تعالى: أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ [الآية ٢١] هنا ألف استفهام أدخلت على واو العطف.
وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ [الآية ٢٧] رفع على الابتداء ونصب على القطع.
ورفع لفظ الأقلام على خبر «أنّ» .
وقال تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [الآية ٣٤] وقد تقول: «أيّ امرأة جاءتك» و «أيّة امرأة جاءتك» .
وقال تعالى: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [الآية ١٤] أي في انقضاء عامين ولم يذكر الانقضاء كما قال سبحانه:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] يعني أهل القرية.
وقال تعالى: إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [الآية ١٦] يقول «إن تكن المعصية مثقال حبّة من خردل» .
стр. 1671
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «لقمان» «١»
إن قيل: كيف يحلّ الغناء بعد قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [الآية ٦] ، وقد قال الواحدي في تفسير وسيطه: أكثر المفسّرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء. وروى هو أيضا عن النبي (ص) أنّه قال:
«والّذي نفسي بيده ما رفع رجل قط عقيرته يتغنّى إلّا ارتدّ فيه شيطانان يضربان بأرجلهما على ظهره وصدره حتى يسكت» . وقال سعيد بن جبير ومجاهد وابن مسعود ﵃:
لهو الحديث هو والله الغناء واشتراء المغنّي والمغنّية بالمال. وروى أيضا حديثا آخر مسندا، عن النبي (ص) أنّه قال في هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ اللعب والباطل كثير النفقة سمح فيه، لا تطيب نفسه بدرهم يتصدّق به. وروى أيضا حديثا آخر مسندا عن النبي (ص) أنه قال:
«من ملأ سمعه من غناء، لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيّين يوم القيامة. قيل: وما الروحانيّون؟ قال قرّاء أهل الجنة» . قال أهل المعاني:
ويدخل في هذا كلّ من اختار اللهو واللعب والمزامير والمعازف وآثرها على القرآن، وإن كان اللفظ ورد بالاشتراء، لأنّ هذا اللفظ يذكر في الاستبدال والاختيار كثيرا. وقال قتادة ﵀: حسب المرء من الضّلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. هذا كله نقله الواحدي ﵀، وكان من كبار السلف في العلم
стр. 1672
والعمل. وقال غيره: قال ابن عبّاس وابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة: المراد بلهو الحديث الغناء. وعن الحسن رحمه الله تعالى أنّه كلّ ما ألهى عن الله تعالى. وفي معنى يشتري قولان: أحدهما أنّه الشّراء بالمال والثاني أنّه الاختيار كما مرّ. وقيل الغناء منفدة للمال، مفسدة للقلب، مسخطة للربّ.
قلنا: جوابه أنّهم يؤوّلون هذه الآية ونظائرها، وهذه الأحاديث ونظائرها فيصرفونها عن ظاهرها متابعة للهوى وميلا إلى الشهوات ولو نظروا بعقولهم في ما ينشأ عن جمعيّات السّماع في زماننا هذا من المفاسد، لعلموا حرمته بلا خلاف بين المسلمين، فإنّ شروط إباحة السّماع عند من أباحه لا تجتمع في زماننا هذا، على ما هو مسطور في كتب المشايخ وأرباب الطريق، ولو اشتغلنا بتفصيل مفاسده وعدد شروطه عند من أباحه لخرجنا عن مقصود كتابنا هذا.
فإن قيل: لم وقع قوله تعالى:
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ [الآية ١٤] ، في أثناء وصيّة لقمان لابنه، وما الجامع بينهما؟
قلنا: هي جملة وقعت معترضة على سبيل الاستطراد، تأكيدا لما في وصيّة لقمان من النهي عن الشرك.
فإن قيل: في قوله تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [الآية ١٤] ، لم اعترض بين الوصيّة ومفعولها؟
قلنا: لمّا وصى سبحانه بالوالدين ذكر ما تكابده الأم خاصة، وتعانيه من المشاق والمتاعب تخصيصا لها بتأكيد الوصيّة، وتذكير تعظيم حقّها بإفرادها بالذكر ومن هنا قال رسول الله (ص) لمن قال له: من أبرّ؟ قال أمّك ثم أمّك ثم أمّك، ثم قال بعد ذلك: ثمّ أباك.
فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [الآية ١٩] فجمع الأصوات، وأفرد صوت الحمير.
قلنا: ليس المراد ذكر صوت كلّ واحد من آحاد هذا الجنس حتّى يجمع، وإنّما المراد أنّ كلّ جنس من الحيوان الناطق وغيره له صوت، وأنكر الأصوات من هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب إفراده لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك.
стр. 1673
فإن قيل: قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [الآية ٢٧] يطابقه وما في الأبحر من ماء مداد، فلم عدل عنه إلى قوله: سبحانه وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [الآية ٢٧] ؟
قلنا: استغنى عن ذكر المداد بقوله تعالى يَمُدُّهُ والفعل مأخوذ من مد الدواة وأمدها. أي: زادها مدادا.
فجعل البحر المحيط بمنزلة الدواة، والأبحر السبعة مملوءة مدادا تصبّ فيه أبدا صبّا لا ينقطع، فصار نظير ما ذكرتم، ونظيره قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي [الكهف:
١٠٩] .
فإن قيل: لم قال تعالى: مِنْ شَجَرَةٍ ولم يقل «من شجر» ؟
قلنا: لأن السّياق اقتضى تفصيل الشجر وتقصّيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر شجرة واحدة إلّا وقد بريت أقلاما.
فإن قيل: الكلمات جمع قلة والمقصود التفخيم والتعظيم، فكان جمع الكثرة وهو الكلم أشد مناسبة؟
قلنا: جمع القلّة هنا أبلغ فيما ذكرتم من المقصود. لأن جمع القلّة إذا لم يفن بتلك الأقلام وذلك المداد، فكيف يفنى جمع الكثرة.
فإن قيل: في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [الآية ٣٤] . لم أضاف سبحانه العلم إلى نفسه في الأمور الثلاثة من الخمسة المغيّبات، ونفى العلم عن العباد في الأمرين الآخرين، مع أن الأمور الخمسة سواء في اختصاص الله تعالى بعلمها وانتفاء علم العباد بها؟
قلنا: إنما خصّ الأمور الثلاثة الأول بالإضافة إليه تعظيما لها وتفخيما لأنّها أجلّ وأعظم وإنّما خصّ الأمرين الآخرين بنفي علمهما عن العباد، لأنّهما من صفاتهم وأحوالهم، فإذا انتفى عنهم علمهما كان انتفاء علم ما عداهما من الأمور الخمسة أولى.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [الآية ٣٤] ولم يقل بأي وقت تموت، وكلاهما غير معلوم، بل نفي العلم بالزمان أولى، لأنّ من الناس من يدّعي علمه وهم المنجّمون، بخلاف المكان فإن أحدا لا يدّعي علمه؟
قلنا: إنّما خصّ المكان بنفي علمه لوجهين: أحدهما أن الكون في مكان
стр. 1674
دون مكان في وسع الإنسان واختياره، فيكون اعتقاده علم مكان الموت أقرب بخلاف الزمان. الثاني: أنّ للمكان تأثيرا في جنب الصحة والسقم بخلاف الزمان، أو تأثير المكان في ذلك أكثر.
стр. 1675
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «لقمان» «١»
١- قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية ٦] .
وهذه استعارة، والمراد بالاشتراء هاهنا استبدال الشيء من غيره، وكذلك البيع للشيء يكون بمعنى استبدال غيره منه. فكأنّ المذموم بهذا الكلام استبدال لهو الحديث من سماع القرآن، والتأدب بآدابه والاعتلاق بأسبابه.
ويدخل تحت لهو الحديث، سماع الغناء والحداء والإفاضة في الهزل والفحشاء، وما يجري هذا المجرى.
ويروى عن ابن عبّاس في قوله تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: هو شراء القينات، وقيل إنّ ذلك نزل في النّضر بن الحارث بن كلدة بن عبد الدار بن قصيّ. وكان يبتاع الكتاب، وفيها أحاديث الأكاسرة وأنباء الأمم الخالية، ويقرأها على قريش إلهاء لهم عن سماع القرآن وتدبّره، بزعمه وحيدا لهم عن تأمّل قوارعه وزواجره.
٢- قال سبحانه: فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الآية ٧] .
وهذه استعارة، لأن البشارة في العرف إنما تكون بالخير والسعادة والمسرّة لا بالشّرّ والمضرّة. لكنّ إبلاغهم الوعيد بالعقاب، لمّا كان كإبلاغهم الوعد بالثواب في تقدم الخبر به، جاز أن يسمّى لهذه العلّة باسمه.
стр. 1676
وكان أبو العبّاس المبرّد يذهب بذلك مذهبا حسنا، فيقول: إنّ لفظ البشارة مأخوذ من البشرة فكأنّ المخبر لغيره بخبر النفع والخير، أو خبر الشّرّ والضّرّ يلقي في قلبه من كلا الأمرين ما يظهر تأثيره في بشرة وجهه: فإن كان خيرا ظهرت تباشير المسرّة، وإن كان شرّا ظهرت فيه علامات المساءة، فحسن على هذا المعنى، أن تستعمل البشارة في الشّرّ والضّرّ، كما تستعمل في النفع والخير.
٣- قال تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ [الآية ١٨] .
وقرئ «ولا تصاعر» وهذه استعارة.
وأصل الصّعر داء يأخذ الإبل في رؤوسها حتّى تقلب أعناقها. فكأنّه أمره أن لا يشمخ بأنفه ويعرض بوجهه من الكبر، تشبيها بالبعير إذا أصابه ذلك الداء، ومن صفات الكبر رفع الطرف حتّى كأنه معقود بالسماء، وعلى ذلك قول كثيّر في صفة قوم بالكبر:
تراهم إذا ما جئتهم فكأنّما يشيمون أعلى عارض متراكب أي يرفعون رؤوسهم كبرا، ويطمحون بأبصارهم عجبا وقال شيخنا أبو الفتح عثمان بن جنّي:
أنشدنا أبو علي الفارسي هذا البيت، وقال يصلح أن يجعل في مقابلة قوله تعالى: وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى: ٤٥] لأنّ البيت في صفة المتكبّرين بالغيرة، والآية في صفة الخاشعين بالذّلّة، وهما في طرفين وسبيلين مختلفين. والبيت المتقدم ذكره أنشدنا إياه أبو الفتح عن أبي علي، على ما ذكرته، وهو قوله:
يشيمون أعلى عارض متراكب والصحيح «أعلى عارض متنصّب» لأن هذه القصيدة مدح بها كثيّر عبد الملك بن مروان، وتالي البيت المذكور قوله:
يردون «١» شزرا والعيون طوامح بأبصارهم آفاق شرق ومغرب وأنشده منشد عمر بن عبد العزيز فقال هجانا ورب الكعبة، يريد أنّه وصفهم بالكبر المفرط والطّماح المشرف «٢» .
стр. 1677
٤- قال سبحانه: وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [الآية ١٩] .
وهذه استعارة، لأن أصل «الغض» الحطّ من منزلة عليّة إلى منزلة دنيّة.
يقال غضّ فلان من فلان إذا فعل به ذلك قولا وفعلا، وغضّ طرفه إذا كسره وضعّفه، أي فكأنّه قال: «وحطّ صوتك من حال الارتفاع إلى حال الانخفاض، إخباتا لله وتطامنا لأولياء الله» .
стр. 1678
سورة السّجدة ٣٢
стр. 1679
المبحث الأول أهداف سورة «السجدة» «١»
سورة السجدة مكّية، وآياتها ٣٠، نزلت بعد سورة غافر، وقد نزلت سورة السجدة في المرحلة الأخيرة من حياة المسلمين بمكّة، إذ كان نزولها بعد الإسراء وقبيل الهجرة.
أسماء السورة
لسورة السجدة ثلاثة أسماء، الاسم الأول سورة السجدة، لاشتمالها على سجدة التلاوة في قوله تعالى:
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) .
الاسم الثاني: «سجدة لقمان» ، للتمييز عن حم السجدة، وهي سورة «فصّلت» .
الاسم الثالث: «المضاجع» لقوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [الآية ١٦] .
مخاطبة القلوب
سورة السجدة نموذج متميّز، من نماذج الخطاب القرآني للقلب البشري، بالعقيدة الصحيحة الّتي جاء القرآن ليوقظها في الفطرة، ويركزها في القلوب عقيدة الدينونة لله الأحد، الفرد الصمد، خالق الكون والناس ومدبّر السماوات والأرض وما بينهما، وما فيهما من خلائق لا يعلمها إلّا الله، والتصديق برسالة محمد (ص) ، الموحى إليه بهذا القرآن، لهداية البشر إلى الله، والاعتقاد بالبعث والقيامة،
стр. 1680
والحساب والجزاء. هذه هي القضية الّتي تعالجها السورة، وهي القضية الّتي تعالجها سائر السور المكّيّة، كلّ منها تعالجها بأسلوب خاص، ومؤثّرات خاصّة، تلتقي كلّها في أنّها تخاطب القلب البشري، خطاب العليم الخبير، المطّلع على أسرار هذه القلوب وخفاياها، العارف بطبيعتها وتكوينها، وما يستكنّ فيها من مشاعر، وما يعتريها من تأثّرات واستجابات. في جميع الأحوال والظروف.
وسورة السجدة تعالج تلك القضية بأسلوب، وبطريقة مغايرين لأسلوب سورة لقمان السابقة وطريقته. فهي تعرضها في آياتها الأولى، ثم تمضي بقيّتها، تقدّم مؤثّرات موقظة للقلب، منيرة للروح، مثيرة للتأمّل والتّدبّر، كما تقدّم أدلّة وبراهين على تلك القضيّة، معروضة في صفحة الكون ومشاهده، وفي نشأة الإنسان وأطواره، وفي مشهد من مشاهد اليوم الاخر حافل بالحياة والحركة، وفي مصارع الغابرين، وآثارهم القاطعة الناطقة بالعبرة، لمن يسمع لها ويتدبّر منطقها.
«كذلك ترسم السورة صورا للنفوس المؤمنة، في خشوعها وتطلّعها إلى ربّها، وللنفوس الجاحدة في عنادها ولجاجها، وتعرض صورا للجزاء الّذي يتلقّاه هؤلاء وهؤلاء وكأنّها واقع مشهود حاضر للعيان، يشهده كلّ قارئ لهذا القرآن.
وفي كلّ هذه المعارض والمشاهد، تواجه القلب البشريّ، ممّا يوقظه ويحرّكه ويقوده إلى التأمّل والتدبّر مرّة، وإلى الخوف والخشية مرّة، وإلى التطلّع والرّجال مرّة، وتطالعه تارة بالتحذير والتهديد، وتارة بالأطماع وتارة بالإقناع ... ثمّ تدعه في النّهاية تحت هذه المؤثّرات، وأمام تلك البراهين، تدعه لنفسه يختار طريقه، وينتظر مصيره على علم وعلى هدى وعلى نور» «١» .
أفكار السورة ونظامها
تبدأ سورة السجدة بالحديث عن القرآن الكريم، وتبيّن أنّه حقّ من عند الله، وتبيّن قدرة الله وعظمته، فهو خالق السماوات والأرض، وهو
стр. 1681
المهيمن على الكون، وهو المدبّر للأمر كلّه، وهو الخالق للإنسان، وهبه السمع والبصر والإدراك والنّاس بعد ذلك قليلا ما يشكرون. وبذلك عالجت قضية الألوهيّة وصفتها: صفة الخلق، وصفة التدبير مذكورة في سياق آيات الخلق والتكوين، وتستغرق هذه المجموعة، بما فيها صفة الإحسان، وصفة الإنعام، وصفة العلم وصفة الرحمة، تستغرق من أوّل السورة إلى الآية ٩.
ثمّ تتحدّث الآيات عن إنكار الكافرين للبعث والحساب، وتجيبهم بأن البعث حقّ، وتعرض مشهدا من مشاهد القيامة، يقف فيه المجرمون أذلّاء يعلنون يقينهم بالآخرة، ويقينهم بالحقّ الّذي جاءتهم به الدعوة المحمّدية.
وإلى جوار هذا المشهد البائس المكروب تعرض السورة مشهد المؤمنين في الدنيا وهم يعبدون الله، ويسجدون لعظمته، ويقومون الليل بالصلاة والعبادة، ثمّ تبشّرهم بحسن الجزاء:
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) .
ثم تشير الآيات، إلى أن منطق العدالة يأبى أن يستوي المؤمن والفاسق، فقد اختلفوا في العمل في الدنيا، فيجب أن يختلف الجزاء في الاخرة، فللمؤمنين جنّات المأوى، وللفاسقين «عذاب» جهنم وتستغرق هذه المجموعة الآيات [١٠- ١٢] .
وفي الآيات الأخيرة من السورة، ترد إشارة إلى موسى (ع) ، ووحدة رسالته ورسالة محمد (ص) والمهتدين من قومه.
وتعقب هذه الإشارة، جولة في مصارع الغابرين من القرون، وهم يمشون في مساكنهم غافلين، ثم جولة في الأرض الميتة، ينزل عليها الماء بالحياة والنماء.
стр. 1682
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «السجدة» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة السجدة بعد سورة غافر، وقد نزلت سورة غافر بعد الإسراء قبيل الهجرة، فيكون نزول سورة السجدة في ذلك التاريخ أيضا.
وسمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في الآية ١٥ منها: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) .
وهي من الآيات الّتي تحسن السجدة عند قراءتها، وتبلغ آياتها ثلاثين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات تنزيل القرآن، وهو قريب من الغرض الّذي يقصد من السورة السابقة، ولهذا ذكرت هذه السورة بعدها وهذا، إلى أنّها تشبهها في ما جاء فيها، من حثّ المؤمنين على الصبر على أذى المشركين، ومن وعدهم بأن يجازوا على صبرهم كما جوزي الصابرون من بنى إسرائيل قبلهم، وقد جاء ذلك الغرض فيها على قسمين: أوّلهما في إثبات تنزيل القرآن، وبيان عاقبة من آمن به، ومن كذّب به في الاخرة والدنيا وثانيهما في تأييد ذلك، بما لا يمكن إنكاره من فطرة العقل، وبما حصل لمن آمن بالتوراة من بني إسرائيل من رفعة شأنهم، وجعلهم أئمّة في الدنيا، يهدون بأمر الله تعالى.
стр. 1683
إثبات تنزيل القرآن الآيات [١- ٧]
قال الله تعالى: الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) فذكر سبحانه، أنّه لا ريب في تنزيل الكتاب من عنده، وأنّهم يزعمون أنّ النبي (ص) افتراه وردّ ذلك بأنّه جاء بالحقّ لينذر به قومه الّذين لم يأتهم نذير قبله، ويهديهم إلى الإيمان بالله بعد أن ضلّوا عنه وهو الّذي خلق السماوات والأرض، وما بينهما في ستّة أيّام، إلى غير هذا ممّا ذكره سبحانه في الهداية إلى الإيمان به.
ثمّ ذكر لهم شبهة أخرى، وهي إنكارهم ما أتى به، من بعثهم بعد أن يصيروا ترابا، ويضلّوا في الأرض، ومن لقاء ربهم ليعاقبهم على كفرهم وردّ عليهم بأنّه لا بدّ من الموت، ومن لقاء جزائهم بالبعث بعده، فإذا حاسبهم سبحانه على كفرهم، نكسوا رؤوسهم، ودعوه أن يرجعهم إلى الدنيا ليؤمنوا فيها به، فيجيبهم تعالى بأنّه لو شاء لهداهم في الدنيا، ولكنه لم يشأ ذلك، فلا سبيل إلى تغييره برجوعهم إليها، ولا بدّ لهم من دخول جهنّم، ولا بدّ لهم أن يذوقوا عذابها بما نسوا لقاء يومهم هذا ثمّ ذكر جلّ وعلا أنّ الإيمان لا يكون من قوم متكبّرين مثلهم، وإنّما يكون من قوم إذا ذكّروا بآيات ربهم خرّوا سجدا، وتواضعوا لمن يذكّرهم، إلى غير هذا من صفاتهم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) .
أخذهم بالترغيب والترهيب إلى الايمان به الآيات [١٨- ٣٠]
ثم قال تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) فذكر سبحانه أنه لا يمكن أن يكون جزاء من يصدّق به كجزاء من يكذّب به، لدليلين: أوّلهما: أنّه لا يمكن في العقل أن يستوي المؤمن والفاسق في الجزاء، فالمؤمنون لهم جنّات المأوى جزاء لهم، والفاسقون مأواهم النار في الاخرة، ولهم في الدنيا عذاب أدنى من ذلك، بتسليط المؤمنين عليهم وثانيهما، أنّه أتى موسى الكتاب فأظفر من آمن به على من كذّب به، فلا يصحّ للنبي (ص) أن يشكّ في أنّه سيلقى من ذلك، مثل ما لقي موسى (ع) ثمّ ذكر
стр. 1684
تعالى أنه جعل كتاب موسى (ع) هدى لبني إسرائيل، وأنّه سبحانه، هداهم به وجعل منهم أئمّة يهدون بأمره، وأنه كافأهم بذلك، لصبرهم على أذى أعدائهم.
ثمّ ذكر لأولئك المشركين، أنّ الأمر في هذا، لا يقتصر على موسى وقومه، بل هناك قرون كثيرة أهلكهم الله ﷻ ، على تكذيبهم رسلهم، وأنّهم يمشون في مساكنهم فيشاهدون ما حصل لهم بأعينهم ثمّ ذكر تعالى لهم، أنّ تلك النّقم آية لهم على قدرته، لو تأمّلوا فيها بعقولهم وحثّهم على التأمّل في نعمه (سبحانه) عليهم، بسوق الماء إلى الأرض الجرز «١» ، ليخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم فجمع بهذا بين ترهيبهم وترغيبهم.
ثمّ ختمت السورة بذكر سؤال المشركين، على سبيل الاستهزاء: متى هذا الفتح الّذي يكون للمؤمنين؟
وأجابهم جلّ شأنه، بأنّه إذا أتى يؤمنون بصدقه فلا ينفعهم إيمانهم، ولا يمهلون ليستدركوا ما فاتهم ثمّ أمر النبي (ص) أن يعرض عن استهزائهم، وينتظر وعده بهلاكهم، فقال تعالى فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) .
стр. 1685
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «السجدة» «١»
أقول: وجه اتّصالها بما قبلها: أنها شرحت مفاتح الغيب الخمسة الّتي ذكرت في خاتمة لقمان.
فقوله تعالى، هنا: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) .
شرح لقوله سبحانه هناك: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: ٣٤] . ولذلك عقّب تعالى هنا بقوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الآية ٦] .
وقوله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [الآية ٢٧] شرح لقوله سبحانه: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان: ٣٤] .
وقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [الآية ٧] شرح لقوله سبحانه:
وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ [لقمان: ٣٤] .
وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ [الآية ٥] وقوله:
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [الآية ١٣] شرح لقوله سبحانه: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً [لقمان:
٣٤] .
وقوله تعالى: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [الآية ١٠] إلى قوله تعالى:
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) شرح لقوله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤] . فلله الحمد على ما ألهم.