← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

المهيمن على الكون، وهو المدبّر للأمر كلّه، وهو الخالق للإنسان، وهبه السمع والبصر والإدراك والنّاس بعد ذلك قليلا ما يشكرون. وبذلك عالجت قضية الألوهيّة وصفتها: صفة الخلق، وصفة التدبير مذكورة في سياق آيات الخلق والتكوين، وتستغرق هذه المجموعة، بما فيها صفة الإحسان، وصفة الإنعام، وصفة العلم وصفة الرحمة، تستغرق من أوّل السورة إلى الآية ٩. ثمّ تتحدّث الآيات عن إنكار الكافرين للبعث والحساب، وتجيبهم بأن البعث حقّ، وتعرض مشهدا من مشاهد القيامة، يقف فيه المجرمون أذلّاء يعلنون يقينهم بالآخرة، ويقينهم بالحقّ الّذي جاءتهم به الدعوة المحمّدية. وإلى جوار هذا المشهد البائس المكروب تعرض السورة مشهد المؤمنين في الدنيا وهم يعبدون الله، ويسجدون لعظمته، ويقومون الليل بالصلاة والعبادة، ثمّ تبشّرهم بحسن الجزاء: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) . ثم تشير الآيات، إلى أن منطق العدالة يأبى أن يستوي المؤمن والفاسق، فقد اختلفوا في العمل في الدنيا، فيجب أن يختلف الجزاء في الاخرة، فللمؤمنين جنّات المأوى، وللفاسقين «عذاب» جهنم وتستغرق هذه المجموعة الآيات [١٠- ١٢] . وفي الآيات الأخيرة من السورة، ترد إشارة إلى موسى (ع) ، ووحدة رسالته ورسالة محمد (ص) والمهتدين من قومه. وتعقب هذه الإشارة، جولة في مصارع الغابرين من القرون، وهم يمشون في مساكنهم غافلين، ثم جولة في الأرض الميتة، ينزل عليها الماء بالحياة والنماء.

стр. 1682

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «السجدة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة السجدة بعد سورة غافر، وقد نزلت سورة غافر بعد الإسراء قبيل الهجرة، فيكون نزول سورة السجدة في ذلك التاريخ أيضا. وسمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في الآية ١٥ منها: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) . وهي من الآيات الّتي تحسن السجدة عند قراءتها، وتبلغ آياتها ثلاثين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة إثبات تنزيل القرآن، وهو قريب من الغرض الّذي يقصد من السورة السابقة، ولهذا ذكرت هذه السورة بعدها وهذا، إلى أنّها تشبهها في ما جاء فيها، من حثّ المؤمنين على الصبر على أذى المشركين، ومن وعدهم بأن يجازوا على صبرهم كما جوزي الصابرون من بنى إسرائيل قبلهم، وقد جاء ذلك الغرض فيها على قسمين: أوّلهما في إثبات تنزيل القرآن، وبيان عاقبة من آمن به، ومن كذّب به في الاخرة والدنيا وثانيهما في تأييد ذلك، بما لا يمكن إنكاره من فطرة العقل، وبما حصل لمن آمن بالتوراة من بني إسرائيل من رفعة شأنهم، وجعلهم أئمّة في الدنيا، يهدون بأمر الله تعالى.

стр. 1683

إثبات تنزيل القرآن الآيات [١- ٧] قال الله تعالى: الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) فذكر سبحانه، أنّه لا ريب في تنزيل الكتاب من عنده، وأنّهم يزعمون أنّ النبي (ص) افتراه وردّ ذلك بأنّه جاء بالحقّ لينذر به قومه الّذين لم يأتهم نذير قبله، ويهديهم إلى الإيمان بالله بعد أن ضلّوا عنه وهو الّذي خلق السماوات والأرض، وما بينهما في ستّة أيّام، إلى غير هذا ممّا ذكره سبحانه في الهداية إلى الإيمان به. ثمّ ذكر لهم شبهة أخرى، وهي إنكارهم ما أتى به، من بعثهم بعد أن يصيروا ترابا، ويضلّوا في الأرض، ومن لقاء ربهم ليعاقبهم على كفرهم وردّ عليهم بأنّه لا بدّ من الموت، ومن لقاء جزائهم بالبعث بعده، فإذا حاسبهم سبحانه على كفرهم، نكسوا رؤوسهم، ودعوه أن يرجعهم إلى الدنيا ليؤمنوا فيها به، فيجيبهم تعالى بأنّه لو شاء لهداهم في الدنيا، ولكنه لم يشأ ذلك، فلا سبيل إلى تغييره برجوعهم إليها، ولا بدّ لهم من دخول جهنّم، ولا بدّ لهم أن يذوقوا عذابها بما نسوا لقاء يومهم هذا ثمّ ذكر جلّ وعلا أنّ الإيمان لا يكون من قوم متكبّرين مثلهم، وإنّما يكون من قوم إذا ذكّروا بآيات ربهم خرّوا سجدا، وتواضعوا لمن يذكّرهم، إلى غير هذا من صفاتهم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) . أخذهم بالترغيب والترهيب إلى الايمان به الآيات [١٨- ٣٠] ثم قال تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) فذكر سبحانه أنه لا يمكن أن يكون جزاء من يصدّق به كجزاء من يكذّب به، لدليلين: أوّلهما: أنّه لا يمكن في العقل أن يستوي المؤمن والفاسق في الجزاء، فالمؤمنون لهم جنّات المأوى جزاء لهم، والفاسقون مأواهم النار في الاخرة، ولهم في الدنيا عذاب أدنى من ذلك، بتسليط المؤمنين عليهم وثانيهما، أنّه أتى موسى الكتاب فأظفر من آمن به على من كذّب به، فلا يصحّ للنبي (ص) أن يشكّ في أنّه سيلقى من ذلك، مثل ما لقي موسى (ع) ثمّ ذكر

стр. 1684

تعالى أنه جعل كتاب موسى (ع) هدى لبني إسرائيل، وأنّه سبحانه، هداهم به وجعل منهم أئمّة يهدون بأمره، وأنه كافأهم بذلك، لصبرهم على أذى أعدائهم. ثمّ ذكر لأولئك المشركين، أنّ الأمر في هذا، لا يقتصر على موسى وقومه، بل هناك قرون كثيرة أهلكهم الله ﷻ ، على تكذيبهم رسلهم، وأنّهم يمشون في مساكنهم فيشاهدون ما حصل لهم بأعينهم ثمّ ذكر تعالى لهم، أنّ تلك النّقم آية لهم على قدرته، لو تأمّلوا فيها بعقولهم وحثّهم على التأمّل في نعمه (سبحانه) عليهم، بسوق الماء إلى الأرض الجرز «١» ، ليخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم فجمع بهذا بين ترهيبهم وترغيبهم. ثمّ ختمت السورة بذكر سؤال المشركين، على سبيل الاستهزاء: متى هذا الفتح الّذي يكون للمؤمنين؟ وأجابهم جلّ شأنه، بأنّه إذا أتى يؤمنون بصدقه فلا ينفعهم إيمانهم، ولا يمهلون ليستدركوا ما فاتهم ثمّ أمر النبي (ص) أن يعرض عن استهزائهم، وينتظر وعده بهلاكهم، فقال تعالى فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) .

стр. 1685

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «السجدة» «١» أقول: وجه اتّصالها بما قبلها: أنها شرحت مفاتح الغيب الخمسة الّتي ذكرت في خاتمة لقمان. فقوله تعالى، هنا: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) . شرح لقوله سبحانه هناك: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: ٣٤] . ولذلك عقّب تعالى هنا بقوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الآية ٦] . وقوله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [الآية ٢٧] شرح لقوله سبحانه: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان: ٣٤] . وقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [الآية ٧] شرح لقوله سبحانه: وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ [لقمان: ٣٤] . وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ [الآية ٥] وقوله: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [الآية ١٣] شرح لقوله سبحانه: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً [لقمان: ٣٤] . وقوله تعالى: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [الآية ١٠] إلى قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) شرح لقوله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤] . فلله الحمد على ما ألهم.

стр. 1686

المبحث الرابع مكنونات سورة «السجدة» «١» ١- مَلَكُ الْمَوْتِ [الآية ١١] . أخرج أبو الشيخ عن وهب: أنّ اسمه عزرائيل (ع) . ٢- أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً [الآية ١٨] . أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن أبي ليلى والسّدّي: أنها نزلت في عليّ (ع) ، والوليد بن عقبة. وأخرجه الواحدي «٢» عن ابن عبّاس. ٣- الْأَرْضِ الْجُرُزِ [الآية ٢٧] . قال ابن عبّاس: أرض باليمن. وقال مجاهد: هي أبين «٣» . وقال الحسن: هي فيما بين «٤» اليمن والشّام. أخرجها ابن أبي حاتم. وقال قوم: هي مصر.

стр. 1687

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «السجدة» «١» ١- قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [الآية ٢٧] . «الجرز» : الأرض الّتي جرز نباتها، أي قطع، إمّا لعدم الماء، وإمّا لأنّه رعي وأزيل، ولا يقال للّتي لا تنبت كالسّباخ: جرز. أقول: وقد جاء «الجرز» وصفا للصّعيد في قوله تعالى: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) [الكهف] . أقول: وإذا كان الجرز هذه صفته، «فالصعيد الجرز» هو «الصعيد» الموصوف ب «الطيّب» في قوله تعالى. فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء: ٤٣] .

стр. 1688

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «السجدة» «١» قال تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [الآية ٢٦] بالياء يعني «ألم يبيّن وقرأ بعضهم (أولم نهد) «٢» أي: أولم نبيّن لهم.

стр. 1689

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «السجدة» «١» إن قيل: لم قال تعالى هنا: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) وقال تعالى، في سورة المعارج: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) [المعارج] ؟ قلنا: المراد بالأوّل، مسافة عروج الملائكة من الأرض إلى السطح الأعلى من سماء الدنيا وذلك ألف سنة، خمسمائة سنة مسافة ما بين السماء والأرض، وخمسمائة سنة مسافة سمك سماء الدنيا والمراد بالثاني مسافة عروج الملائكة من الأرض إلى العرش. الثاني: أنّ المراد به في الآيتين يوم القيامة، ومقداره ألف سنة من حساب أهل الدنيا، لقوله تعالى: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: ٤٧] ومعنى قوله تعالى: خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ أي: لو تولّى فيه حساب الخلق غير الله تعالى. الثالث: أنه كألف سنة في حقّ عوام المؤمنين، والخمسين ألف سنة في حقّ الكافرين، لشدّة ما يكابدون فيه من الأهوال والمحن وكساعة من أيّام الدنيا في حقّ خواصّ المؤمنين. ويؤيّده ما روي أنّه قيل «يا رسول الله يوم مقداره خمسون ألف سنة ما أطوله، فقال: والّذي نفسي بيده ليخفّف على المؤمن، حتّى يكون عليه

стр. 1690

أخفّ من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدنيا» . وروي أن ابن عبّاس ﵄ سئل عن هاتين الآيتين؟ فقال: يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه وإنّي أكره أن أقول في كتاب الله، بما لا أعلم. فإن قيل: لم قال تعالى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [الآية ٧] على اختلاف القراءتين «١» ومقتضى القراءتين، أن لا يكون في مخلوقات الله تعالى شيء قبيح، والواقع خلافه ولو لم يكن إلّا الشّرور والمعاصي فإنها مخلوقة لله تعالى عند أهل السنة والجماعة، مع أنها قبيحة؟ قلنا: كلمة «أحسن» بمعنى: أحكم وأتقن، وهذا الجواب يعمّ القراءتين. الثاني: أنّ فيه إضمارا تقديره: أحسن إلى كل شيء خلقه. الثالث: أنّ «أحسن» بمعنى «علم» ، كما يقال فلان لا يحسن شيئا. أي: لا يعلم شيئا. وقال عليّ كرّم الله وجهه: قيمة كلّ امرئ ما يحسنه: أي ما يعلمه فمعناه أنّه علم خلق كل شيء، أو علم كلّ شيء خلقه، ولم يتعلّمه من أحد، وهذان الجوابان يخصّان بقراءة فتح اللام. فإن قيل: لم قال تعالى هنا: مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) وقال في موضوع آخر مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) [المؤمنون] ؟ قلنا: المذكور هنا صفة ذرّيّة آدم (ع) ، والمذكور هناك صفة آدم (ع) يعلم ذلك من أوّل الآيتين فلا تناف. فإن قيل: لم قال الله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [الآية ٩] والله تعالى منزّه عن الرّوح؟ قلنا: معناه: نفخ فيه من روح مضافة إلى الله تعالى، بالخلق والإيجاد، لا بوجه آخر. فإن قيل: لم قال تعالى هنا قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [الآية ١١] وقال تعالى، في موضع آخر: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الأنعام: ٦١] ، وقال تعالى في موضع آخر: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزّمر: ٤٢] ؟ قلنا: الله تعالى هو المتوفّي بخلق الموت وأمر الوسائط بنزع الروح، والملائكة المتوفّون أعوان ملك

стр. 1691

الموت، وهم يجذبون الروح من الأظفار إلى الحلقوم وملك الموت يتناول الروح من الحلقوم، فصحّت الإضافات كلها. فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً [الآية ١٥] الآية، وليس المؤمنون منحصرين فيمن هو موصوف بهذه الصفة، وليست هذه الصفة شرطا في تحقّق الإيمان؟ قلنا: المراد بقوله تعالى: ذُكِّرُوا بِها أي وعظوا، والمراد بالسجود الخشوع والخضوع والتواضع، في قبول الموعظة بآيات الله تعالى، وهذه الصفة شرط في تحقق الإيمان. ونظيره قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) [الإسراء] . الثاني: أنّ معناه إنّما يؤمن بآياتنا إيمانا كاملا، من اتّصف بهذه الصفة، وقيل المراد بالآيات فرائض الصلوات الخمس، والمراد التذكير بها بالأذان والإقامة. فإن قيل: قوله تعالى أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) يدل على أنّ الفاسق لا يكون مؤمنا؟ قلنا: الفاسق هنا بمعنى الكافر، بدليل قوله تعالى بعده: وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) ، والتقسيم يقتضي كون الفاسق المذكور هنا كافرا، لا كون كل فاسق كافرا ونظيره قوله تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) [القلم] وقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الجاثية: ٢١] ولم يلزم من ذلك، أنّ كلّ مجرم كافر، ولا أنّ كلّ مسيء كافر. فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن قوله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) في قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ [الآية ٢٢] ؟ قلنا: لمّا جعله أظلم الظّلمة، ثم توعد كلّ المجرمين بالانتقام منه، دلّ على أن الأظلم يصيبه النصيب الأوفر من الانتقام، ولو قاله بالضمير، لم يفد هذه الفائدة. فإن قيل: قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ [الآية ٢٨] سؤال عن وقت الفتح، وهو يوم القضاء بين المؤمنين والكافرين، يعنى يوم القيامة، فكيف طابقه ما بعده جوابا؟ قلنا: لمّا كان سؤالهم سؤال تكذيب

стр. 1692

واستهزاء بيوم القيامة، لا سؤال استفهام، أجيبوا بالتهديد المطابق للتكذيب والاستهزاء، لا ببيان حقيقة الوقت. فإن قيل: على قول من فسّر الفتح، بفتح مكّة أو بفتح يوم بدر، كيف وجّه الجواب عن قوله تعالى: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ [الآية ٢٩] ، وقد نفع بعض الكفار إيمانهم في ذينك اليومين، وهم الطلقاء الّذين آمنوا؟ قلنا: المراد أنّ المقتولين منهم، لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند إدراك الغرق.

стр. 1693

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «السجدة» «١» قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) . وهذه استعارة، لأن المهين لا يكون بحقيقته إلّا الإنسان، قال الله تعالى حكاية على لسان فرعون: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) [الزخرف] ، وقال تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) [القلم] ومهين فعيل من المهنة، وهي الخدمة، يقال مهن القوم يمهنهم مهنة إذا خدمهم والمهنة بكسر الميم خطأ، فيكون معنى من ماء مهين، على ما قدّمناه، أي من ماء مستذلّ، لأنّ ماهن القوم إذا خدمهم يكون ذليلا لهم، ومبتذلا بينهم. - وقوله تعالى: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الآية ١٠] . وهذه استعارة، لأنّها عبارة عن حال الموت والميت لا يوصف بالضلال، الّذي هو المتاه والضياع، فكأن المعن: إذا دفنّا في الأرض، فكنّا كالشيء الضالّ، الضائع، لتفرّق أوصالنا، وتمزّق أعضائنا، تستأنف بعد هذه الحال، إعادتنا، وتستجدّ حياتنا كأنهم قالوا على سبيل الاستبعاد، وأخرجوه مخرج الاستطراف، والاستغراب فأعلمهم الله سبحانه، أنّهم لا يضلّون عن علمه، ولا يلطفون عن جمعه، وإن صاروا رميما وترابا، وفرقا وأوزاعا وفي عرف كلام العرب أنّ كل شيء غلب عليه شيء حتّى يغيّبه باشتماله عليه، فقد ضلّ فيه ويسمّون

стр. 1694

الدافنين للأموات مضلّين، لأنّهم يغيّبونهم في الأرض قال النابغة الذبياني في ذلك: فآب مضلّوه بعين جليّة وغودر بالجولان حزم ونائل يريد دافنيه، وحكى الأصمعي أنه رواه مصلّوه بالصاد، وفتحها، والمصلّي الوارد بعد السابق، قال فكأنّ المعنى أنّ ناعيه الأوّل جاء بنعيه، فشكّ في قوله، ثمّ جاء الثاني بجملة الخبر، فوقع العلم وارتفع الشكّ، والعين الجليّة، الواضح الّذي يتجلّى بعد خفائه، أو يجلو الشك بعد التباسه وأنشد للمخبّل السعدي يمدح قيس بن عاصم المنقريّ: أضلّت بنو قيس بن سعد عميدها وفارسها في الدّهر قيس بن عاصم أي دفنته في التراب وغيبته في الأرض. - وقوله سبحانه: فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) . وقد تقدّم مثل هذه اللفظة، في بعض السور المتقدّمة ولم نشر إليه إذ كان في الأشهر بيّن التأويل، خارجا عن الاستعارة، لأنّه عند عامّة المفسّرين، بمعنى المنزل والنزول، فكأنّه تعالى قال كانت لهم جنان الفردوس منزلا ينزلونه، وقرارا يستوطنونه، فلمّا بلغنا الى هذا الموضع من هذه السورة، نظرنا فإذا لهذه اللفظة مجاز آخر يدخلها في حيّز الاستعارة، فذكرناها لهذه العلّة، وهو أنّ لفظ النّزل عند بعضهم قد عبّر به عمّا يقرى به الضيف عند طروقه، ويعدّ له قبل نزوله، فيجوز أن يكون معنى قوله تعالى: فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) أي أعدّ لهم في جنّات الله ما يعدّ للضّيوف لأنهم ضيفان الله تعالى في جنّاته، وجيرانه في داره ليس أنّ هناك قربا بمسافة، ولا وصفا في أداء إقامة، وإنما أوجب هذا الاختصاص، في قولنا: ضيفان الله، وجيران الله، لأنهم نزول في الدار، الّتي لا يملك الحكم فيها غيره، ولا يتسلّط عليها إلّا سلطانه، كما قيل إنّ قريشا كانوا يسمّون قطين الله، إذ كانوا جيران بيته الّذي اختصّه، وفرض على الناس حجّه، ومن الشاهد قول عبد الله بن قيس الرقيّات: أتانا رسول من رقيّة ناصح بأنّ قطين الله بعدك سيّرا

стр. 1695

يريد أهل مكّة، وحكى ابن الزبير قال، سمعت حسّان بن ثابت ينشد هذا البيت، في جملة قصيدته الميميّة، على قوله: لنا حاضر فخم وباد كأنّه قطين إله عزّة وتكرّما قال فغيّره الرواة فيما بعد، حسدا لقريش، فقالوا: شماريخ رضوى عزّة وتكرّما وأيّ تكرّم للجبال؟! وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ [الآية ٢٧] . وقد أشرنا إلى هذه اللفظة أنها مستعارة، وأطلعنا خبيّها، ونشرنا مطويّها في سورة الكهف، فلا حاجة إلى إعادة ذلك.

стр. 1696

سورة الأحزاب ٣٣

стр. 1697

المبحث الأول أهداف سورة «الأحزاب» «١» سورة الأحزاب مدنيّة وآياتها ٧٣ آية نزلت بعد سورة آل عمران. وتقع أحداث السورة فيما بين السنة الثانية والخامسة من الهجرة. وهي فترة حرجة لم يكن عود المسلمين قد اشتدّ فيها، إذ كانوا يتعرّضون لدسائس المنافقين واليهود. وسمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لذكر غزوة الأحزاب فيها، في قوله تعالى: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا [الآية ٢٠] . أحداث السّورة تتناول سورة الأحزاب قطاعا حقيقيّا من حياة الجماعة المسلمة، في فترة تمتدّ من بعد غزوة بدر الكبرى، إلى ما قبل صلح الحديبية، وتصوّر هذه الفترة من حياة المسلمين في المدينة، تصويرا واقعيّا مباشرا. وهي مزدحمة بالأحداث الّتي تشير إليها في خلال هذه الفترة، والتنظيمات الّتي أنشأتها أو أقرّتها في المجتمع الإسلامي الناشئ. ولهذه الفترة الّتي تتناولها السورة من حياة الجماعة المسلمة سمة خاصة. فهي الفترة الّتي بدأ فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة في حياة الجماعة وفي حياة الدولة. ولم يتمّ استقرارها بعد، ولا سيطرتها الكاملة، كالذي تمّ بعد فتح مكّة ودخول النّاس في دين الله أفواجا، واستتباب الأمر للدولة الاسلامية.

стр. 1698

والسّورة تتولّى جانبا من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة، وإبراز تلك الملامح، وتثبيتها في حياة الأسرة والجماعة، وبيان أصولها من العقيدة والتشريع. كما تتولّى تعديل الأوضاع والتقاليد، أو إبطالها وإخضاعها في هذا كلّه للتصوّر الإسلامي الجديد. وفي ثنايا الحديث عن تلك الأوضاع والنظم، يرد الحديث عن غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة، ومواقف الكفار والمنافقين واليهود فيهما، ودسائسهم في وسط الجماعة المسلمة، وما وقع من خلخلة وأذى بسبب هذه الدسائس وتلك المواقف كما تعرض، بعدها، دسائسهم وكيدهم للمسلمين في أخلاقهم وبيوتهم ونسائهم. ونقطة الاتصال في سياق السورة بين تلك الأوضاع والنظم وهاتين الغزوتين وما وقع فيهما من أحداث، هي علاقة هذه وتلك بموقف الكافرين والمنافقين واليهود، وسعي هذه الفئات لإيقاع الاضطراب في صفوف الجماعة المسلمة سواء من طريق الهجوم الحربي، والإرجاف في الصفوف والدعوة إلى الهزيمة، أو من طريق خلخلة الأوضاع الاجتماعية والآداب الخلقيّة ... ثم ما نشأ في أعقاب الغزوات والغنائم من آثار في حياة الجماعة المسلمة، تقتضي تعديل بعض الأوضاع الاجتماعية ومن هذا الجانب وذاك تبدو وحدة السورة، وتماسك سياقها، وتناسق موضوعاتها المنوّعة إلى جانب وحدة الزمن تربط بين الأحداث والتنظيمات الّتي تتناولها السورة. فصول السورة يمكن أن نقسم سورة الأحزاب إلى خمسة فصول، يبدأ الفصل الأول منها بتوجيه الرسول (ص) إلى تقوى الله، وعدم الطاعة للكافرين والمنافقين، واتّباع ما يوحي إليه ربّه، والتوكّل عليه وحده سبحانه. وبعد ذلك يلقي بكلمة الحق والفصل في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية مبتدئا ببيان أن الإنسان لا يملك إلّا قلبا واحدا، ومن ثمّ يجب أن يتّجه إلى إله واحد، وأن يتّبع نهجا واحدا. ولذلك يأخذ في إبطال عادة الظّهار، وهو أن يحلف الرجل على

стр. 1699

امرأته أنّها عليه كظهر أمه، فتحرّم عليه حرمة أمه ويقرّر أن هذا الكلام يقال بالأفواه، ولا ينشئ حقيقة وراءه، بل تظل الزوجة زوجة ولا تصير أمّا بهذا الكلام. ثم من هذا إلى إبطال التبني: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الآية ٤] . والدعي هو المتبنّى يدّعي الإنسان بنوّته، وهو لا يصير ابنا بمجرّد القول، ثمّ يأمرهم أن يدعوا المتبنّى إلى أبيه، فإن ذلك أقسط وأعدل من دعوتهم لمن يتبنّونهم. ثمّ ينشئ الولاية العامّة للرسول (ص) على المؤمنين جميعا، كما ينشئ صلة الأمومة الشعوريّة، بين أزواج النبي (ص) والمؤمنين ويعقّب على هذا التنظيم الجديد، بالإشارة إلى أنّ ذلك مسطور في كتاب الله القديم، وإلى الميثاق المأخوذ على النبيّين وعلى أولي العزم منهم بصفة خاصة، على طريقة القرآن في التعقيب على النظم والتشريعات والمبادئ والتوجيهات، لتستقرّ في الضمائر والنفوس ويستغرق هذا الفصل من أول السورة إلى الآية ٨. غزوة الأحزاب وبني قريظة نجد الفصل الثاني من السورة ممتدّا من الآية ٩ إلى الآية ٢٧، ويتناول هذا الفصل غزوة الأحزاب، ويصف مشاهدها وملابساتها، ويصوّر أحوال المسلمين فيها، وقد جاءتهم قريش من أسفل الوادي، وغطفان من أعلاه وأسقط في يد المسلمين: فالأحزاب أمام المدينة، ويهود بني قريظة نقضوا عهودهم، وأظهروا الخيانة والغدر للمسلمين وحفر المسلمون خندقا لحماية المدينة، وكان المسلمون غاية في الإجهاد والعسرة المادية، واشتدت الفتن، وفي وسط هذه المحن بشّر النبي (ص) المؤمنين بالنصر، ووعدهم كنوز كسرى وقيصر وظهر النفاق من بعض المنافقين فقالوا: إنّ محمّدا يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يستطيع الخروج إلى الخلاء وحده وفي ذلك يقول القرآن: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) . واستنجد النبي (ص) ربّه سبحانه، ورفع يديه إلى السماء، وقال: «اللهم ربّ الأرباب ومسبّب الأسباب، اهزم

стр. 1700

الأحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم يا ربّ العالمين» . فأرسل الله ﷻ ريحا عاتية، في ليلة شاتية مظلمة، خلعت خيام الكافرين، وكفأت قدورهم وانسحبت قريش وأحزابها، في ظلام الليل يجرّون أذيال الخوف والانكسار وسجّل الله ذلك في القرآن الكريم، بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (١١) . وتصف الآيات صدق بعض المؤمنين وبلاءهم الحسن، وإخلاصهم لله في الجهاد حتى رؤي بعض الشهداء، وفيه أكثر من سبعين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم وفي مثل هؤلاء يقول : وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) . ثمّ تصف الآيات رحيل الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيرا، وحماية الله للمسلمين في هذه الموقعة، وهو سبحانه القويّ العزيز. ولمّا رحلت الأحزاب عن المدينة، نزل جبريل من السماء وقال: «يا محمد إن الملائكة لم تضع السلاح بعد، اذهب إلى بني قريظة فإنّ الله ناصرك عليهم، جزاء خيانتهم وغدرهم» فقال (ص) : «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يصلينّ العصر إلّا في بني قريظة» . وهناك حاصر المسلمون بني قريظة، ثمّ أجلوهم عن ديارهم، وغنم المسلمون أرضهم ودورهم وأموالهم وحصونهم المنيعة، بقدرة الله، وهو على كل شيء قدير. قال تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ

стр. 1701

فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧) . زوجات الرسول (ص) تتناول الآيات [٢٨- ٣٦] حديثا عن زوجات الرسول (ص) ، وكانت الغنائم قد جاءت للمسلمين، وأقبل المال بعد غزوة بني قريظة، فتطلّعت زوجات الرسول (ص) إلى المتعة والنفقة الواسعة، وقلن يا رسول الله نساء كسرى وقيصر بين الحلي والحلل، والإماء والخدم، ونساؤك على ما ترى من هذه الحال. فنزلت الآيات تخيّرهن بين متاع الحياة الدنيا وزينتها، وبين الله ورسوله والدار الاخرة. وخيّر النبي نساءه، وبدأ بعائشة، فقال لها: «سأعرض عليك أمرين، أرجو ألّا تقطعي في اختيار أحدهما، حتى تستشيري أبويك وقرأ عليها الآيتين» : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) . فقالت عائشة: «أفيك أشاور أبويّ يا رسول الله؟ أختار الله ورسوله» ، وقالت نساؤه كلّهن مثل ذلك، فجعلهنّ الله أمّهات المؤمنين وأشارت الآيات التالية إلى جزائهنّ المضاعف في الأجر إن اتّقين، وإلى العذاب المضاعف إن ارتكبن فاحشة مبيّنة، لأنهنّ في بيت النبوّة والقدوة والأسوة، فلهنّ ضعف الأجر إن أحسنّ، وضعف العقوبة إن أسأن فزلّة العالم يقرع بها الطبل، وزلّة الجاهل يخفيها الجهل ثمّ أمرت الآيات زوجات الرسول (ص) بخفض الصوت، وجعله مستقيما بدون تكسّر، حتى لا يطمع الشباب المنافق فيهنّ، وحثّهنّ على الاستقرار في البيت، وعدم التبرّج، وتلاوة القرآن والتفقّه في أحكامه. واستطردت الآيات في بيان جزاء المؤمنين كافّة والمؤمنات، وكان هذا هو الفصل الثالث في سورة الأحزاب. قصة زينب بنت جحش أرسل الله محمّدا (ص) للنّاس كافّة، فحرّر العبيد، وعلّم الناس المساواة، وكرّم إنسانية الإنسان، وبيّن أن النّاس

стр. 1702

سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلّا بالتقوى. وخطب النبي (ص) زينب بنت جحش، لزيد بن حارثة ﵁، فاستنكفت وقالت: أنا خير منه حسبا، وكانت امرأة فيها حدّة، فأنزل الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (٣٦) . فقالت زينب هل رضيته لي يا رسول الله زوجا؟ قال رسول الله: نعم، قالت: إذن لا أعصي الرسول (ص) قد أنكحته نفسي. وتمّ هذا الزواج، ولأمر أراده الله سبحانه لم يدم طويلا، فقد كانت زينب تفخر على زيد بن حارثة بأنّها حرّة قرشيّة جميلة، وأنّه عبد لا يدانيها في نسبها وحسبها فلمّا تكرّر ذلك منها عزم زيد على طلاقها، وذكر ذلك لرسول الله (ص) ، فقال له النبي أمسك عليك زوجك واتّق الله، رغبة في إبقاء هذا الزواج وكان النبي (ص) يعلم بوحي من السماء أنّ زينب ستطلّق، وأنّها ستكون زوجة للرسول، ليبطل بهذا الزواج آثار التبنّي بسابقة عمليّة يختار لها رسول الله (ص) بشخصه، لشدّة عمق هذه العادة في البيئة العربيّة، وصعوبة الخروج عليها. ولمّا طلّقت زينب من زيد خطبها النبي (ص) لنفسه، ونزل الوحي من السماء بذلك، حتّى كانت زينب تفخر على أزواج النبي، فتقول زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات. ولم تمرّ المسألة سهلة، فقد فوجئ بها المجتمع الإسلاميّ كله، كما انطلقت ألسنة المنافقين تقول: «تزوّج حليلة ابنه» . وكانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد، لأنّ العرف السائد كان يعدّ زينب مطلقة ابن لمحمّد (ص) لا تحلّ له، حتّى بعد إبطال عادة التبنّي في ذاتها، ولم يكن قد نزل بعد إحلال مطلّقات الأدعياء، إنّما كان حادث زواج النبي (ص) بزينب، هو الّذي قرّر القاعدة عمليّا، بعد ما قوبل هذا القرار بالدهشة والمفاجأة والاستنكار. وفي هذا ما يهدم كلّ الروايات، الّتي رويت عن هذا الحادث، والّتي تشبّث

стр. 1703

بها أعداء الإسلام قديما وحديثا، وصاغوا حولها الأساطير المفتريات. إنّما كان الأمر أمر الله سبحانه، تحمّله النبيّ (ص) وواجه به المجتمع الكاره لهذا الأمر كل الكراهية، حتّى ليتردّد النبي في تحمّله ومواجهة الناس به. قال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) . واستمرّت الآيات توضح أنه لا حرج على النبي (ص) فيما فرض الله له، فقد فرض له أن يتزوّج زينب، وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء وذكرت الآيات أنّ محمّدا لم يكن أبا أحد من رجال العرب، حتى يحرم عليه الزواج من مطلّقته، وإنّما محمد رسول الله وخاتم النبيين، فهو يشرّع الشرائع الباقية، لتسير عليها البشريّة إلى يوم الدين ثمّ حثّت الآيات على ذكر الله وطاعته ... وقد استغرق هذا الموضوع الرابع، [الآيات ٣٦- ٤٤] . أدب بيت النبوة يستغرق الموضوع الخامس الآيات الممتدّة من الآية ٤٥ إلى آخر السورة، ويبدأ ببيان حكم المطلّقات قبل الدخول، ثمّ يتناول تنظيم الحياة الزوجية للنبي (ص) ، فيبيّن من يحلّ له من النساء المؤمنات ومن يحرّم عليه ويستطرد السياق إلى تنظيم علاقة المسلمين ببيوت النبي، وزوجاته في حياته وبعد وفاته، وتقرير احتجابهنّ إلّا على آبائهنّ أو إخوانهنّ أو أبناء إخوانهنّ أو نسائهنّ، أو ما ملكت أيمانهنّ، وإلى بيان جزاء الّذين يؤذون رسول الله (ص) في أزواجه وبيوته وشعوره، وهدّدهم باللعن في الدنيا والاخرة، ممّا يشي بأن المنافقين وغيرهم كانوا يأتون من هذا شيئا كثيرا. ويعقّب السّياق على هذا بأمر أزواج النبي (ص) وبناته، ونساء المؤمنين كافّة، أن يدنين عليهن من جلابيبهن: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الآية ٥٩] .

стр. 1704

وبتهديد المنافقين والّذين في قلوبهم مرض، والمرجفين في المدينة، بتسليط النبي (ص) عليهم، وإخراجهم من المدينة كما خرج بنو قينقاع من قبل، وبنو النّضير بعدهم، أو القضاء عليهم كما وقع لبني قريظة وكل هذا يشير إلى أنّ هذه المجموعة كانت تؤذي المجتمع الإسلامي، بوسائل شرّيرة، خبيثة. ثم ذكر السّياق من شرور هؤلاء الناس، أنّهم كانوا يسألون النبيّ متى تكون الساعة على سبيل الاستهزاء والاستخفاف، وأجابهم بأنّ علم الساعة عند الله، ولوّح بأنّها قد تكون قريبا، وأتبع هذا بمشهد من مشاهد القيامة حيث يتقلّب المجرمون في جهنّم، ويتمرّغون في العذاب والندامة. ثم تعقّب السورة بنهي المؤمنين عن إيذاء النبي (ص) ، حتى لا يكونوا كالذين آذوا موسى (ع) بالطعن عليه، ثم برّأه الله وجعله نزيها وجيها. تحمل الإنسان للأمانة في آخر السورة نجد آية شهيرة تكشف عن جسامة العبء الملقى على عاتق البشريّة، وعلى عاتق الجماعة الإسلاميّة بصفة خاصة، وهي الّتي تنهض وحدها بعبء الأمانة الكبرى، أمانة العقيدة والاستقامة عليها. لقد عرض الله ﷻ حمل الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين حملها لخطر أمرها وحملها الإنسان الّذي خلق مزوّدا بالإرادة والكسب والاختيار، والقدرة على الطاعة والمعصية. فالسماء والأرض والجبال والبحار والكون كلّه يخضع لله خضوع القهر والغلبة، ولا يتحمّل التكاليف، ولا يستطيع أن يتحمّل الأمانة والتكاليف الشرعية، فيثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية إنّما الإنسان وحده الّذي ميّزه الله بالعقل والإرادة، وكرّمه وفضّله بالكسب والاختيار، له قدرة على الطاعة وقدرة على الظلم والجهل، وقد استعمر الله الإنسان في الأرض واستخلفه فيها لعلمه، أنه وحده هو الّذي يصلح خليفة عنه، لما ركز في غرائزه وطبائعه من حبّ التّنافس، والتّسابق في عمارة الأرض فمن أطاع الله من طائفة الإنسان فله

стр. 1705

الجنّة وله التّوبة عند الخطأ، ومن كفر ونافق فله العذاب والعقاب، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣) .

стр. 1706

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأحزاب» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الأحزاب بعد سورة آل عمران، وكان نزولها بعد غزوة الأحزاب، فيكون نزولها في أواخر السنة الخامسة من الهجرة، وتكون من السور الّتي نزلت فيما بين غزوة بدر وصلح الحديبية. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لذكر غزوة الأحزاب فيها، وتبلغ آياتها ثلاثا وسبعين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة ذكر أحكام تتعلق بالنبي (ص) ، ولهذا ابتدئت بندائه وأمره بالتقوى، ليكون هذا تمهيدا لما قصد تكليفه به وقد شرّعت الأحكام الّتي تضمّنتها هذه السورة في زمن غزوة الأحزاب، ولهذا جمع بينهما في هذه السورة ليسجّل فيها ما حصل في هذا الزمن من تشريع وغزو. وقد ابتدئت السورة السابقة بإثبات تنزيل القرآن، وجاءت هذه السورة بعدها مبتدئة بالأمر باتّباعه وحده، والنهي عن خشية أحد في الأخذ بأحكامه، وهذا هو وجه المناسبة بينهما. إبطال تبني زيد بن حارثة الآيات [١- ٢٧] قال الله تعالى:

стр. 1707

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) . فمهّد بهذا، لأمره بإبطال تبنّيه لزيد بن حارثة، ليتّبعه المؤمنون في إبطال تبنّيهم وكان التبني عادة مستحكمة في العرب وفي سائر الشعوب، فلمّا أبطلها النبيّ (ص) شنّع عليه أعداؤه من الكافرين والمنافقين، فابتدأ هذه السورة بأمره بأن يتّقيه وحده ولا يطيع أعداءه، وبأن يتّبع ما يوحي إليه ويتوكّل عليه ثمّ أخبره بأنه لم يجعل لرجل قلبين في جوفه يجمع بهما بين خوفه وخوف غيره، وأنّه لم يجعل لرجل أمّين إذا قال لزوجته- أنت عليّ كظهر أمي- ليتخلّص بذلك إلى المقصود، وهو إبطال التبنّي فكأنّه قال: كما لم أجعل لرجل قلبين ولا أمّين لم أجعل لابن أبوين، فلا يصح أن يكون أدعياؤهم أبناءهم بمجرّد قولهم ذلك بأفواههم ثمّ أمرهم بأن يدعوهم لآبائهم لأنه أعدل عنده من دعوتهم لمن يتبنّونهم، فإن لم يعلموا آباءهم فهم إخوانهم في الدّين لا أبناؤهم ولا جناح عليهم إن سبق لسانهم إلى ذلك من غير قصد ثم ذكر أنّ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، فكلّهم سواء في أبوّته وأمومتهنّ لهم، ولا يصح أن يختصّ بذلك أحد منهم، والأقرباء بعضهم أولى ببعض في الإرث، فلا يصح أن يدخل في إرثهم بالتبنّي أجنبي عنهم ثم أكّد ذلك بتذكيره بأنّه أخذ منه ومن النبيّين قبله ميثاقهم أن يبلّغوا رسالتهم ولا يخشوا فيها أحدا، ليسأل الّذين يصدقون في تبليغها عن صدقهم، ويعدّ لمن يكفر بهم عذابا أليما. ثمّ استطرد السّياق من ذلك إلى تذكيرهم بما حصل لهم في غزوة الأحزاب، ليؤكّد به ما أمر من تقواه وحده فيما يأمر به، فأمرهم أن يذكروا نعمته عليهم إذا اجتمعت عليهم جنود أعدائهم من الأحزاب، ونقضت بنو قريظة عهدها معهم وانضمّت إلى أعدائهم، وظهرت خيانة المنافقين ومحاولتهم صرفهم عن القتال، فاشتدّ الأمر بهم وزلزلوا زلزالا شديدا، ولكنّه سبحانه ثبّتهم فصبروا على قتالهم ولم يتأثروا بتثبيط المنافقين لهم، حتّى ردّ الأحزاب بغيظهم وكفاهم قتالهم، وأنزل بني قريظة من حصونهم بعد أن حاصروهم فيها، فقتلوا منهم فريقا وأسروا فريقا:

стр. 1708

وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧) . أمر النبي بتخيير نسائه الآيات [٢٨- ٣٦] ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) . وقد كان أزواج النبيّ (ص) سألنه من عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض فأمره سبحانه أن يخيّرهنّ بين الطلاق إذا أبين إلّا ذلك، والبقاء في عصمته إذا أردن الله ورسوله والدّار والاخرة ثمّ وعظهنّ بأنّ شأنهنّ ليس كشأن غيرهنّ، فمن تأت منهنّ بفاحشة ظاهرة يضاعف لها العذاب ضعفين، ومن تطع الله ورسوله يؤتها أجرها مرّتين ثمّ أمرهنّ أن يقرن في بيوتهنّ ويتركن تبرّج الجاهليّة الأولى، إلى غير هذا ممّا أمرهنّ به ونهاهنّ عنه ثم عاد السّياق إلى تخييرهنّ، فذكر سبحانه أنه ليس لهنّ ولا لغيرهنّ خيرة مع ما اختاره من ذلك لهنّ فقال جلّ وعلا وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (٣٦) . تزويج النبي مطلّقة زيد الآيات [٣٧- ٤٤] ثمّ قال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الآية ٣٧] ، حكاية عن قول النبي (ص) لزيد بن حارثة وكان يتبنّاه: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الآية ٣٧] وهي زينب بنت جحش، وكان يريد طلاقها لأنّها كانت تفخر عليه بنسبها ثمّ ذكر تعالى أنّ الرسول يخفي في نفسه إرادة تزوّجها بعد طلاقها ليكون أقوى في إبطال تبنّيه زيدا، وأنّه يحمله على إخفاء ذلك خشية طعن الناس عليه بأنّه تزوّج امرأة متبنّاه، والله أحقّ منهم بأن يخشاه فلمّا طلّقها زيد زوّجها الله له لكيلا يكون على الناس حرج في أزواج من يتبنّونهم ثم ذكر سبحانه أنّه لا حرج عل الرسول (ص) في ذلك الزواج لأنه سنّة الله في الرسل قبله، وأنّه لم يكن أبا أحد منهم حتّى تحرّم عليه زوجه ثم أمرهم جلّ شأنه أن

стр. 1709

يذكروه ويسبّحوه سبحانه بكرة وأصيلا، لأنه يرحمهم بما يشرّع لهم من ذلك وغيره، ويخرجهم به من الظّلمات إلى النور، وهو رحيم بهم على الدوام تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤) . إرشاد النبي إلى آداب عامة الآيات [٤٥- ٤٩] ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) فذكر سبحانه أنه أرسله شاهدا على الناس ومبشّرا ونذيرا. فإذا كانوا مؤمنين، فعليه أن يبشّرهم بما لهم من الفضل عنده وإذا كانوا كفّارا أو منافقين فإنّه لا يصحّ أن يطيعهم أو يخشاهم في شيء، وعليه أن يدع أذاهم ويتوكّل عليه سبحانه وحده ثم أمر المؤمنين إذا طلّقوا أزواجهم من قبل أن يمسّوهنّ أن يتركوا أذاهم، بمناسبة أمر النبي (ص) بترك أذى أعدائه، فقال تعالى: فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٤٩) . خصائص النبي في أزواجه الآيات [٥٠- ٥٨] ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ [الآية ٥٠] . فذكر ما خصّه به من إحلال أزواجه له، وإن زاد عددهنّ على أربع. ومن عدم وجوب القسم عليه بينهنّ، لكي تقرّ أعينهن إذا سوّى بينهن من نفسه، ومن تحريم طلاقهنّ أو زواج غيرهنّ ليقصرهنّ عليه ويقصره عليهنّ ثمّ ذكر ما يستتبعه ذلك التشريع من فرض الحجاب عليهنّ وتحريم نكاحهنّ بعده على غيره واستثنى من فرض الحجاب عليهنّ آباءهنّ ونحوهم من محارمهنّ ثمّ ذكر ما يوجب احترامه في ذلك من صلاة الله عليه وملائكته، فيجب على المؤمنين أن يذكروا حرمته في كلّ وقت بالصّلاة عليه ثم هدّد من يؤذيه في ذلك باللّعن في الدّنيا والاخرة، وهدّد بمناسبة ذلك من يؤذي الناس عامة، فقال جلّ وعلا: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) .

стр. 1710

إرشاد النبي إلى ما يجب ستره من نسائه وغيرهن الآيات [٥٩- ٧٣] ثمّ قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الآية ٥٩] . فأمره سبحانه بأن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين بأن يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ، ليعرفن بالعفّة فلا يطمع الفسّاق من المنافقين فيهنّ ثمّ هدّد أولئك المنافقين إن لم ينتهوا عن تعرّضهم للنّساء في الطّرق وغير ذلك من شرورهم، بتسليط النبي (ص) عليهم، فلا يجاورونه في المدينة إلّا قليلا، ويحقّ عليهم التقتيل في كلّ مكان يصيرون إليه، كما فعل ذلك بالذين خلوا من قبلهم ثمّ ذكر من شرورهم أنهم يسألونه متى يكون ما يوعدون به على سبيل الاستهزاء، وأجابهم بأنّه سيكون قريبا وذكر ما يكون لهم من اللّعن والعذاب فيه. ثمّ ختم السورة بنهي المؤمنين عامّة عن إيذاء النبيّ (ص) بمثل ما يؤذيه المنافقون به من الطّعن عليه، بنحو ما سبق فيها، حتّى لا يكونوا كالذين آذوا موسى (ع) بالطّعن عليه بما هو بريء منه ثمّ أمرهم بالتقوى والقول السّديد بدل الطّعن والفحش ونوّه بشأن الأمانة الّتي لا يراعيها أولئك الطاعنون بالزّور فذكر سبحانه أنّه عرض حملها على السماوات والأرض والجبال فأبين ذلك لخطر أمرها، وأنّ الإنسان لم يشفق على نفسه من حملها لأنّه ظلوم جهول فلا يبالي بالتّهاون في أمرها، ولأنّه يعاقب على تركها ويثاب على فعلها لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣) .

стр. 1711

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأحزاب» «١» أقول: وجه اتّصالها بما قبلها، أي بسورة السّجدة: تشابه مطلع هذه، ومقطع تلك، فإنّ تلك ختمت بأمر النبي (ص) بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم «٢» ومطلع هذه الأمر بتقوى الله سبحانه، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، فصارت كالتّتمّة لما ختمت به تلك، حتّى كأنّهما سورة واحدة.

стр. 1712

المبحث الرابع مكنونات سورة «الأحزاب» «١» ١- إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ [الآية ٩] . هم الأحزاب: أبو سفيان، وأصحابه، وقريظة، وعيينة بن بدر، أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد. ٢- فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً [الآية ٩] . هي الصّبا «٢» . أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس. ٣- وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الآية ٩] . قال مجاهد: هي الملائكة. أخرجه ابن أبي حاتم «٣» . ٤- إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ [الآية ١٠] . قال مجاهد: عيينة بن بدر، من نجد. ٥- وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الآية ١٠] . أبو سفيان ومن معه، وقريظة. أخرجه ابن أبي حاتم. ٦- وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ [الآية ١٢] . سمّى السّدّي منهم: قشير بن معتّب. أخرجه ابن أبي حاتم. وفي «تفسير جويبر» عن ابن عبّاس: هو معتّب بن قشير الأنصاري. ٧- وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ [الآية ١٣] .

стр. 1713

قال السّدّي: هم عبد الله بن أبيّ، وأصحابه. أخرجه ابن أبي حاتم. ٨- وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ [الآية ١٣] . قال السّدّي: هما رجلان من بني حارثة: أبو عرابة بن أوس، وأوس بن قيظيّ. أخرجه ابن أبي حاتم، أيضا. ٩- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ [الآية ٢٣] . نزلت في أنس بن النّضر، وأصحابه. كما أخرجه مسلم وغيره، عن أنس بن مالك. ١٠- مَنْ قَضى نَحْبَهُ [الآية ٢٣] . أخرج التّرمذيّ، وغيره عن معاوية: أن النبي (ص) قال: «طلحة ممّن قضى نحبه» . ١١- الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الآية ٢٦] . قال مجاهد: قريظة. أخرجه ابن أبي حاتم «١» . ١٢- وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها [الآية ٢٧] . قال السّدّيّ: هي خيبر، فتحت بعد بني قريظة. وقال قتادة: كنا نحدّث أنّها مكّة. وقال الحسن: هي أرض الرّوم وفارس. أخرج ذلك ابن أبي حاتم «٢» . ١٣- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الآية ٢٨] . قال عكرمة: كان تحته يومئذ تسع نسوة خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أميّة وكانت تحته: صفيّة بنت حيي الخيبريّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق. أخرجه ابن أبي حاتم «٣» . ١٤- أَهْلَ الْبَيْتِ [الآية ٣٣] . أخرج التّرمذيّ حديثا: أنّها لمّا نزلت

стр. 1714

دعا النبيّ (ص) فاطمة، وحسنا، وحسينا، وعليّا فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» «١» . وأخرج ابن أبي حاتم عن طريق عكرمة، عن ابن عبّاس قال: نزلت في نساء النبي (ص) خاصّة «٢» . قال عكرمة: من شاء باهلته «٣» أنّها نزلت فيهنّ. ١٥- وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ [الآية ٣٦] . نزلت في أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأخيها، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن زيد «٤» . ١٦- لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الآية ٣٧] . هو زيد بن حارثة «٥» . ١٧- أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الآية ٣٧] . هي: زينب بنت جحش. ١٨- وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ [الآية ٥٠] . أخرج ابن أبي حاتم عن عائشة، قالت: «الّتي وهبت نفسها للنبيّ (ص) خولة بنت حكيم، وتكنّى: [أمّ شريك] » . وأخرجه عن عروة بلفظ: كان يقال: إن خولة بنت حكيم من اللّاتي وهبن أنفسهن. وأخرج عن محمّد بن كعب وغيره: أنّ ميمونة بنت الحارث هي الّتي وهبت نفسها.

стр. 1715

وحكى الكرماني: أنها زينب أمّ المساكين، امرأة من الأنصار «١» . وقيل: أمّ شريك «٢» بنت الحارث. ١٩- تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ [الآية ٥١] . أخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين مولى شقيق بن سلمة قال: كان ممّن أرجي: ميمونة، وجويريّة، وأمّ حبيبة «٣» ، وصفيّة، وسودة وكان ممّن آوى: عائشة، وأمّ سلمة، وزينب، وحفصة. وأخرج عن ابن شهاب قال: هذا أمر أباحه الله لنبيّه، ولم نعلم أنه أرجأ منهنّ شيئا. وهذان على أنّ ضمير منهنّ عائد لأمّهات المؤمنين، وهو الّذي أخرجه ابن أبي حاتم عن طريق العوفي، عن ابن عبّاس. وأخرج عن الشّعبي قال: كنّ نساء وهبن أنفسهنّ للنبي (ص) ، فدخل ببعضهنّ، وأرجأ بعضهنّ، منهن أمّ شريك. ٢٠- قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ [الآية ٥٩] . تقدّمت الأزواج «٤» ، وأمّا البنات: ففاطمة، وزينب زوج أبي العاص ورقيّة، وأمّ كلثوم، زوجا عثمان «٥» . ٢١- وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الآية ٧٢] . قال ابن عبّاس: هو آدم. أخرجه ابن أبي حاتم «٦» .

стр. 1716

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأحزاب» «١» ١- قال تعالى: وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [الآية ٤] . يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهّر، وهو أن يقول لها: أنت عليّ كظهر أمّي. وكانت العرب تطلّق نساءها في الجاهليّة بهذا اللفظ، فلمّا جاء الإسلام نهوا عنه، وأوجبت الكفّارة على من ظاهر من امرأته. أقول: وهذا شيء من إفادة العربية من أعضاء الجسم في توليد هذا المصطلح. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ [الآية ٢٦] . أي: أعانوهم. أقول: وهذه «المظاهرة» الّتي تعني الإعانة والمساعدة، ليست بعيدة عن الأصل، الّذي ولّدت منه، وهو «الظهر» كأن الإعانة في هذا الفعل أن تكون «ظهيرا» ، أي: مساعدا لغيرك. ٢- وقال تعالى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) . أقول: والوجه في العربية أن يقال: وتظنّون بالله الظنون، لمكان الألف واللام في الكلام، ولا تأتي ألف الإطلاق إلّا مع النكرة. ولم يلجأ إلى هذا إلّا لمراعاة الفواصل، لتجيء عدّة الآيات على نسق متجانس في الكلم وفي الأبنية. ٣- وقال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [الآية ١٨] . والْمُعَوِّقِينَ في الآية هم المثبّطون

стр. 1717

عن رسول الله (ص) وهم المنافقون. أقول: والمعوّق في عصرنا من كان به عاهة جسميّة، كالعرج والعضب في رجله ويده، وهو غير الأعمى والأبكم. ٤- وقال تعالى: فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ [الآية ١٩] . وقوله تعالى: سَلَقُوكُمْ، أي: آذوكم بالكلام. وأصل السّلق شدّة الصوت، وهو الصّلق أيضا. أقول: والسّلق بالألسنة الحداد ممّا نعرفه في العربية الدّارجة بهذا المعنى، ولكنّ الكلام الحادّ يكون في غيبة الرّجل. ٥- وقال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الآية ٣٢] . أي: لستنّ كجماعة واحدة من جماعات النّساء، فجعلت الجماعة كأنّها واحد بإزاء الجماعات الأخرى، ومثله قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [النساء: ١٥٢] . يريد بين جماعة واحدة منهم. ٦- وقال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الآية ٣٣] . وقوله تعالى: قَرْنَ وأصله أقررن، فحذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها. أقول: وفي العربيّة من هذا الحذف، ممّا يراد به التخفيف، ألا ترى أنّ الهمزة من «رأى» تحذف في المضارع فقالوا: «يرى» ؟ ٧- وقال تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الآية ٣٦] . أقول: وليس للخيرة من فعل إلا المزيد «اختار» ، أمّا المجرد، «خار» ، فهو قليل الاستعمال بالقياس إلى المزيد «اختار» أو «تخيّر» . ٨ قال تعالى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الآية ٥٣] . أقول: والضمير في إِناهُ يعود على الطّعام في الآية نفسها: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الآية ٥٣] . وإنى الطعام: إدراكه، يقال: أني الطعام إنّى، كقولك: قلاه قلى، ومنه قوله تعالى: وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) [الرّحمن] ، أي: بالغ إناه.

стр. 1718

وقيل: إناه وقته، أي: غير ناظرين وقت الطّعام. أقول: أني الطّعام، أي: بلغ إدراكه، فيه شيء من «آن» أي «حان» و «أنى» يأني، وهما بمعنى. ٩- وقال تعالى: وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) . أقول: والتضعيف للاستفظاع.

стр. 1719

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأحزاب» «١» قال تعالى: مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الآية ٤] إنّما هو «ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه» وجاءت (من) توكيدا. وقال تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا [الآية ٦] في موضع نصب واستثناء خارج. وقال تعالى: الظُّنُونَا (١٠) مراعاة للفواصل في رؤوس الآي. وقال تعالى: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الآية ٤٠] أي: «ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين» . وقال تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الآية ٥] فأنت تقول «هو يدعى لفلان» . وقال تعالى: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [الآية ٥٢] فمعناه- والله أعلم- «أن تبدّل بهنّ أزواجا» . وأدخلت (من) للتوكيد. وقال تعالى: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ [الآية ٥٣] بالعطف على غَيْرَ وجعله نصبا أو على ما بعد غَيْرَ بجعله جرّا. وقال تعالى: إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) أي: «لا يجاورونك إلّا قليلا» على المصدر. وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) فصلاة النّاس عليه دعاؤهم له، وصلاة الله إشاعة الخير عنه. وقال تعالى: وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) برفع ما بعد وَإِذاً لمكان الواو وكذلك الفاء، وقال تعالى:

стр. 1720

فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) [النساء] وهي في بعض القراءة نصب أعملوها كما يعملونها بغير فاء، ولا واو «١» . وقال تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الآية ٥٣] بالنصب على الحال أي: إلّا أن يؤذن لكم غير ناظرين. ولا يكون جرّا على الطعام إلّا أن يقال «أنتم» . ألا ترى أنّك لو قلت: «ائذن لعبد الله على امرأة مبغضا لها» لم يكن فيه إلّا النصب، إلّا أن تقول «مبغض لها هو» : لأنّك إذا أجريت صفته عليها ولم تظهر الضمير الّذي يدلّ على أنّ الصفة له، لم يكن كلاما. لو قلت: «هذا رجل مع امرأة ملازمها» كان لحنا حتى تقول «ملازمها» فترفع، أو تقول «ملازمها هو» فتجرّ.
следующие страницы →