← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأحزاب» «١» ١- قال تعالى: وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [الآية ٤] . يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهّر، وهو أن يقول لها: أنت عليّ كظهر أمّي. وكانت العرب تطلّق نساءها في الجاهليّة بهذا اللفظ، فلمّا جاء الإسلام نهوا عنه، وأوجبت الكفّارة على من ظاهر من امرأته. أقول: وهذا شيء من إفادة العربية من أعضاء الجسم في توليد هذا المصطلح. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ [الآية ٢٦] . أي: أعانوهم. أقول: وهذه «المظاهرة» الّتي تعني الإعانة والمساعدة، ليست بعيدة عن الأصل، الّذي ولّدت منه، وهو «الظهر» كأن الإعانة في هذا الفعل أن تكون «ظهيرا» ، أي: مساعدا لغيرك. ٢- وقال تعالى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) . أقول: والوجه في العربية أن يقال: وتظنّون بالله الظنون، لمكان الألف واللام في الكلام، ولا تأتي ألف الإطلاق إلّا مع النكرة. ولم يلجأ إلى هذا إلّا لمراعاة الفواصل، لتجيء عدّة الآيات على نسق متجانس في الكلم وفي الأبنية. ٣- وقال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [الآية ١٨] . والْمُعَوِّقِينَ في الآية هم المثبّطون

стр. 1717

عن رسول الله (ص) وهم المنافقون. أقول: والمعوّق في عصرنا من كان به عاهة جسميّة، كالعرج والعضب في رجله ويده، وهو غير الأعمى والأبكم. ٤- وقال تعالى: فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ [الآية ١٩] . وقوله تعالى: سَلَقُوكُمْ، أي: آذوكم بالكلام. وأصل السّلق شدّة الصوت، وهو الصّلق أيضا. أقول: والسّلق بالألسنة الحداد ممّا نعرفه في العربية الدّارجة بهذا المعنى، ولكنّ الكلام الحادّ يكون في غيبة الرّجل. ٥- وقال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الآية ٣٢] . أي: لستنّ كجماعة واحدة من جماعات النّساء، فجعلت الجماعة كأنّها واحد بإزاء الجماعات الأخرى، ومثله قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [النساء: ١٥٢] . يريد بين جماعة واحدة منهم. ٦- وقال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الآية ٣٣] . وقوله تعالى: قَرْنَ وأصله أقررن، فحذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها. أقول: وفي العربيّة من هذا الحذف، ممّا يراد به التخفيف، ألا ترى أنّ الهمزة من «رأى» تحذف في المضارع فقالوا: «يرى» ؟ ٧- وقال تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الآية ٣٦] . أقول: وليس للخيرة من فعل إلا المزيد «اختار» ، أمّا المجرد، «خار» ، فهو قليل الاستعمال بالقياس إلى المزيد «اختار» أو «تخيّر» . ٨ قال تعالى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الآية ٥٣] . أقول: والضمير في إِناهُ يعود على الطّعام في الآية نفسها: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الآية ٥٣] . وإنى الطعام: إدراكه، يقال: أني الطعام إنّى، كقولك: قلاه قلى، ومنه قوله تعالى: وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) [الرّحمن] ، أي: بالغ إناه.

стр. 1718

وقيل: إناه وقته، أي: غير ناظرين وقت الطّعام. أقول: أني الطّعام، أي: بلغ إدراكه، فيه شيء من «آن» أي «حان» و «أنى» يأني، وهما بمعنى. ٩- وقال تعالى: وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) . أقول: والتضعيف للاستفظاع.

стр. 1719

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأحزاب» «١» قال تعالى: مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الآية ٤] إنّما هو «ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه» وجاءت (من) توكيدا. وقال تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا [الآية ٦] في موضع نصب واستثناء خارج. وقال تعالى: الظُّنُونَا (١٠) مراعاة للفواصل في رؤوس الآي. وقال تعالى: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الآية ٤٠] أي: «ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين» . وقال تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الآية ٥] فأنت تقول «هو يدعى لفلان» . وقال تعالى: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [الآية ٥٢] فمعناه- والله أعلم- «أن تبدّل بهنّ أزواجا» . وأدخلت (من) للتوكيد. وقال تعالى: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ [الآية ٥٣] بالعطف على غَيْرَ وجعله نصبا أو على ما بعد غَيْرَ بجعله جرّا. وقال تعالى: إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) أي: «لا يجاورونك إلّا قليلا» على المصدر. وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) فصلاة النّاس عليه دعاؤهم له، وصلاة الله إشاعة الخير عنه. وقال تعالى: وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) برفع ما بعد وَإِذاً لمكان الواو وكذلك الفاء، وقال تعالى:

стр. 1720

فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) [النساء] وهي في بعض القراءة نصب أعملوها كما يعملونها بغير فاء، ولا واو «١» . وقال تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الآية ٥٣] بالنصب على الحال أي: إلّا أن يؤذن لكم غير ناظرين. ولا يكون جرّا على الطعام إلّا أن يقال «أنتم» . ألا ترى أنّك لو قلت: «ائذن لعبد الله على امرأة مبغضا لها» لم يكن فيه إلّا النصب، إلّا أن تقول «مبغض لها هو» : لأنّك إذا أجريت صفته عليها ولم تظهر الضمير الّذي يدلّ على أنّ الصفة له، لم يكن كلاما. لو قلت: «هذا رجل مع امرأة ملازمها» كان لحنا حتى تقول «ملازمها» فترفع، أو تقول «ملازمها هو» فتجرّ.

стр. 1721

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأحزاب» «١» إن قيل: لم قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الآية ١] ولم يقل يا محمّد كما قال تعالى: يا موسى، يا عيسى، يا داود ونحوه؟ قلنا: إنّما عدل عن ندائه باسمه إلى ندائه بالنبيّ والرّسول، إجلالا له وتعظيما، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ [المائدة: ٦٧] . فإن قيل: لو كان ذلك كما ذكرتم، لعدل عن اسمه إلى نعته في الإخبار عنه، كما عدل في النّداء في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: ٢٩] وقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: ١٤٤] . قلنا: إنّما عدل عن نعته في هذين الموضعين لتعليم النّاس أنه رسول الله، وتلقينهم أن يسمّوه بذلك، ويدعوه به ولذلك ذكره بنعته لا باسمه في غير هذين الموضعين من مواضع الإخبار، كما ذكره في النداء: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] ، لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الآية ٢١] ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] ، النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الآية: ٦] ، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الآية ٥٦] ، وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ [المائدة: ٨١] ونظائره كثيره. فإن قيل: ما الحكمة من ذكر الجوف في قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الآية ٤] ؟ قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال

стр. 1722

وجوابه في سورة الحجّ، في قوله تعالى: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤١) [الحج] . فإن قيل: ما معنى قولهم. أنت عليّ كظهر أمّي؟ قلنا: أرادوا أن يقولوا أنت عليّ حرام كبطن أمّي، فكنّوا عن البطن بالظّهر لئلّا يذكروا البطن الّذي يقارب ذكره ذكر الفرج، وإنما كنّوا عن البطن بالظّهر لوجهين: أحدهما أنّه عمود البطن، ويؤيّده قول عمر رضي الله تعالى عنه: يجيء أحدهم على عمود بطنه: أي على ظهره. الثاني: أنّ إتيان المرأة من قبل ظهرها كان محرّما عندهم، وكانوا يعتقدون أنّها إذا أتيت من قبل ظهرها جاء الولد أحول، فكان المطلّق في الجاهلية، إذا قصد تغليظ الطلاق، قال: أنت عليّ كظهر أمي. فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الآية ٦] . جعل أزواج النبي (ص) بمنزلة أمهات المؤمنين حكما: أي في الحرمة والاحترام وما جعل النبي (ص) بمنزلة أبيهم، حتى قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الآية ٤٠] ؟ قلنا: أراد الله بقوله ﵎ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أوّلا: أنّ أمّته يدعون أزواجه بأشرف الأسماء، وأشرف أسماء النساء الأمّ، وأشرف أسماء النبي (ص) رسول الله، لا الأب. ثانيا: أنّه تعالى جعلهنّ أمّهات المؤمنين تحريما لهنّ وإجلالا وتعظيما له (ص) كيلا يطمع أحد في نكاحهنّ بعده فلو جعل النبي (ص) أبا المؤمنين لكان أبا للمؤمنات أيضا، فلم يجعل له نكاح امرأة من المؤمنات بل يحرّمن عليه (ع) ، وذلك ينافي إجلاله وتعظيمه، وقد جعله أعظم من الأب في القرب والحرمة، بقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الآية ٦] فجعل (ص) أقرب إليهم من أنفسهم وكثير من الآباء يتبرّأ من ابنه ويتبرّأ منه ابنه أيضا، وليس أحد يتبرّأ من نفسه. فإن قيل: لم قدّم النبي (ص) على نوح (ع) ومن بعده في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الآية ٧] ؟ قلنا: لأنّ هذا العطف من باب عطف الخاصّ على العامّ الّذي هو جزء منه، لبيان التفضيل والتخصيص بذكر

стр. 1723

مشاهير الأنبياء وذراريهم، فلمّا كان النبي (ص) أفضل هؤلاء المفضّلين قدّم عليهم. وفي الميثاق المأخوذ قولان: أحدهما أنه تعالى أخذ منهم الميثاق يوم أخذ الميثاق بأن يصدّق بعضهم بعضا والثاني أخذ منهم الميثاق أن يوحّدوا الله تعالى، ويدعوا إلى توحيده، ويصدّق بعضهم بعضا. فإن قيل: فلم قدّم نوح (ع) في نظير هذه الآية، وهي قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣] ؟ قلنا: لأنّ تلك الآية سيقت لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة، كأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الّذي بعث عليه نوح (ع) في العهد القديم، وبعث عليه محمّد (ص) في العهد الحديث، وبعث عليه من توسّطهما من الأنبياء المشاهير، فكان تقديم نوح (ع) أشدّ مناسبة بالمقصود من سوق الآية. فإن قيل: ما الحكمة من إعادة أخذ الميثاق في قوله تعالى: وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) ؟ قلنا: فائدته التأكيد، ووصف الميثاق المذكور أوّلا بالجلالة والعظم استعاذة من وصف الأجرام به. وقيل إنّ المراد بالميثاق الغليظ، اليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا، فلا إعادة لاختلاف الميثاقين. فإن قيل: لم قال تعالى في وصف حال المؤمنين الّتي امتنّ عليهم فيها: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الآية ١٠] ولو بلغت القلوب الحناجر لماتوا ولم يبق للامتنان وجه؟ قلنا: قال ابن قتيبة: معناه كادت القلوب تبلغ الحناجر من الخوف، فهو مثل في اضطراب القلوب ووجيبها. وردّه ابن الأنباري فقال: العرب لا تضمّن كاد ولا تعرف معناه ما لم تنطق به. وقال الفراء: معناه أنهم جبنوا وجزعوا، والجبان إذا اشتدّ خوفه انتفخت رئته فرفعت قلبه إلى حنجرته، وهي جوف الحلقوم وأقصاه، وكذلك إذا اشتدّ الغضب أو الغم وهذا المعنى مرويّ عن ابن عبّاس ﵄، ومن هنا قيل للجبان: انتفخ منخره. فإن قيل: لم ساق الله تعالى عذاب المنافقين بمشيئته بقوله تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ [الآية ٢٤] وعذابهم متيقّن مقطوع به، لقوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥] ؟

стр. 1724

قلنا: إن شاء تعذيبهم بإماتتهم على النّفاق. وقيل معناه إن شاء ذلك، وقد شاءه. فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الآية ٢١] ؟ قلنا: فيه وجهان. أحدهما أنّه (ص) نفسه أسوة حسنة: أي قدوة، والأسوة اسم للمتأسّى به: أي المقتدى به، كما نقول في البيضة عشرون منا حديدا: أي هي في نفسها هذا المقدار. الثاني: أنّ فيه خصلة من حقّها أن يؤتسى بها وتتبّع، وهي مواساته بنفسه أصحابه وصبره على الجهاد، وثباته يوم أحد حين كسرت رباعيته، وشجّ وجهه الشريف. فإن قيل: لم أظهر تعالى الاسمين مع تقدّم ذكرهما في قوله تعالى: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الآية ٢٢] ؟ قلنا: لئلّا يكون الضمير الواحد، عائدا على الله تعالى وغيره. فإن قيل: لم قال تعالى في وصف بني قريظة: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها [الآية ٢٧] والله تعالى إنّما ملّكهم أرضهم بعد ما وطئوها وظهروا عليها؟ قلنا: معناه أوّلا: ويورثكم بطريق وضع الماضي موضع المستقبل، مبالغة في تحقيق الموعود وتأكيده. ثانيا: أنّ فيه إضمارا تقديره: وأرضا لم تطئوها سيورثكم إيّاها، يعني أرض مكّة، وقيل أرض فارس والروم، وقيل أرض خيبر، وقيل كلّ أرض ظهر عليها المسلمون بعد ذلك إلى يوم القيامة. ثالثا: أنّ معناه، وأورثكم ذلك كلّه في الأزل، بكتابته لكم في اللّوح المحفوظ. فإن قيل: لم خصّ الله تعالى نساء النبي (ص) بتضعيف العقوبة على الذّنب، والمثوبة على الطّاعة، في قوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الآية ٣٠] ؟ قلنا: أمّا تضعيف العقوبة فلأنّهنّ أولا يشاهدن من الزّواجر الرّادعة عن الذنوب ما لا يشاهده غيرهنّ. ثانيا: أنّ في معصيتهنّ أذى لرسول الله (ص) أعظم من ذنب من آذى رسول الله (ص) أعظم من ذنب غيره والمراد بالفاحشة النشوز وسوء الخلق كذا قاله ابن

стр. 1725

عبّاس رضي الله تعالى عنهما. وأمّا تضعيف المثوبة فلأنّهنّ أشرف من سائر النساء بقربهنّ من رسول الله (ص) ، فكانت الطاعة منهنّ أشرف كما كانت المعصية منهنّ أقبح. فإن قيل: لم قال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ ولم يقل «كواحدة من النساء» [الآية ٣٢] ؟ قلنا: قد سبق نظير هذا مرّة في آخر سورة البقرة في قوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] . فإن قيل: لم أمر الله تعالى نساء النبي (ص) بالزّكاة في قوله سبحانه وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ [الآية ٣٣] ولم يملكن نصابا حولا كاملا؟ قلنا: المراد بالزّكاة هنا الصدقة النافلة، والأمر أمر ندب. فإن قيل: ما الفرق بين المسلم والمؤمن، حتّى عطف أحدهما على الاخر، في قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الآية ٣٤] مع أنّهما متّحدان شرعا؟ قلنا: المراد بالمسلم الموحّد بلسانه، وبالمؤمن المصدّق بقلبه. فإن قيل: لم قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الآية ٤٠] مع أنه كان أبا للطّاهر والطّيّب والقاسم وإبراهيم (ع) ؟ قلنا: قوله تعالى مِنْ رِجالِكُمْ [الآية ٤٠] يخرجهم من حكم النّفي من وجهين: أحدهما أنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال بل ماتوا صبيانا. والثاني: أنه أضاف الرجال إليهم. وهم كانوا رجاله لا رجالهم. فإن قيل: لم قال تعالى: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الآية ٤٠] وعيسى (ع) ينزل بعده، وهو نبيّ؟ قلنا: معنى كونه خاتم النبيين، أنّه لا يتنبّأ أحد بعده، وعيسى (ع) ممّن نبّئ قبله، وحينما ينزل عاملا بشريعة محمد (ص) مصلّيا إلى قبلته، كأنّه بعض أمته؟ فإن قيل: قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ [الآية ٤٣] معناه يرحمكم ويغفر لكم، فما معنى قوله تعالى: وَمَلائِكَتُهُ [الآية ٤٣] والرحمة والمغفرة منهم محال؟ قلنا: جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة بالرحمة والمغفرة، كأنّهم فاعلو

стр. 1726

الرحمة والمغفرة، كما يقولون: حيّاك الله: أي أحياك وأبقاك، وحيّا زيد عمرا: أي دعا له بأن يحييه الله اتّكالا منه على إجابة دعوته، ومثله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الآية ٥٦] . فإن قيل: قد فهم من قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ أنّه مأذون له في الدعاء إلى الله تعالى، فما الحكمة في قوله سبحانه بِإِذْنِهِ [الآية ٤٦] ؟ قلنا: معناه بتسهيله وتيسيره، وقيل معناه بأمره لا أنك تدعوهم من تلقاء نفسك. فإن قيل: لم شبّه الله تعالى النبي (ص) بالسّراج دون الشمس، والشمس أتمّ وأكمل في قوله تعالى: وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) ؟ قلنا: قيل إن المراد بالسّراج هنا الشمس كما في قوله تعالى: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) [نوح] وقيل إنما شبّه بالسّراج لأنّ السّراج يتفرّع ويتولّد منه سرج لا تعدّ ولا تحصى بخلاف الشمس، والنبي (ص) تفرّع منه بواسطة إرشاده وهدايته العلماء جميعهم من عصره إلى يومنا هذا، وهلم جرا إلى يوم القيامة وقيل إنّما شبّهه بالسّراج، لأنّه ﷻ بعث النبي (ص) في زمان، يشبه الليل بظلمات الكفر والجهل والضلال. فإن قيل: لم شبّهه بالسراج دون الشمع، والشمع أشرف، ونوره أتمّ وأكمل؟ قلنا: قد سبق الجواب عن مثل هذا، في قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ [النور: ٣٥] . فإن قيل: لم خصّ تعالى المؤمنات بعدم وجوب العدّة في الطلاق قبل المسيس، في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ [الآية ٤٩] ، مع أن حكم الكتابيّة كذلك أيضا؟ قلنا: هذا خرج مخرج الأغلب والأكثر، لا تخصيص. فإن قيل: لم أفرد سبحانه العمّ وجمع العمّات، وأفرد الخال وجمع الخالات، في قوله تعالى: وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ [الآية ٥٠] والمعهود في كلام العرب مقابلة الجمع بالجمع؟ قلنا: لأنّ العمّ اسم على وزن

стр. 1727

المصدر الّذي هو الضم ونحوه، وكذا الخال على وزن القال ونحوه، فيستوي فيه المفرد والتثنية والجمع، بخلاف العمّة والخالة، ونظيره قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ [البقرة: ٧] . فإن قيل: هذا الجواب منقوض بقوله تعالى في سورة النور أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ [النور: ٦١] . قلنا: ليس العمّ والخال مصدرين حقيقة، بل على وزن المصدر، فاعتبر هنا شبههما بالمصدر وهناك حقيقتهما عملا بالجهتين، بخلاف السّمع فإنّه لو كان مصدرا حقيقة، ما جاء قط في الكتاب العزيز إلا مفردا. فإن قيل: لم ذكر الأقارب في قوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ [الآية ٥٥] ، ولم يذكر العمّ والخال، وحكمهما حكم من ذكر في رفع الجناح؟ قلنا: سبق مثل هذا السؤال وجوابه، في سورة النور في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور: ٣١] . فالأولى أن تستتر المرأة عن عمّها وخالها، لئلّا يصف محاسنها عند ابنه فيفضي إلى الفتنة. فإن قيل: السادة والكبراء بمعنى واحد، فلم عطف أحدهما على الاخر، في قوله تعالى: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا [الآية ٦٧] ؟ قلنا: هو من باب عطف اللفظ على اللفظ المغاير له، مع اتّحاد معنيهما، كقولهم: فلان عاقل لبيب، وهذا حسن جميل، وقول الشاعر: معاذ الله من كذب ومين فإن قيل: المراد بالإنسان آدم (ع) في قوله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الآية ٧٢] فلم قال سبحانه: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (٧٢) وفعول من أوزان المبالغة، فيقتضي تكرار الظلم والجهل منه، وأنّه منتف؟ قلنا: لمّا كان عظيم القدر، رفيع المحلّ، كان ظلمه وجهله لنفسه أقبح وأفحش، فقام عظم الوصف مقام الكثرة وقد سبق نظير هذا في سورة آل عمران في قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران: ١٨٢] .

стр. 1728

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأحزاب» «١» وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الآية ٢٦] وهذه استعارة. والمراد بها: أنّه تعالى ألقى الرّعب في قلوبهم من أثقل جهاته، وعلى أقطع بغتاته. تشبيها بقذفة الحجر إذا صكّت الإنسان على غفلة منه. فإن ذلك يكون أملأ لقلبه، وأشدّ لروعه. وقوله سبحانه: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الآية ٣٠] وهذه استعارة. فكأنّه تعالى جعل الفاحشة تبيّن حال صاحبها، وتشير إلى ما يستحقّه من العقاب عليها. وهذا من أحسن الأعراض، وأنفس جواهر الكلام. وقوله : وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وهذه استعارة. والمراد بالسّراج المنير هاهنا: أنّه (ص) يهتدى به في ضلال الكفر، وظلام الغي، كما يستصبح بالشّهاب في الظلماء، وتستوضح الغرّة في الدّهماء. وقوله سبحانه: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (٧٢) . وهذه استعارة. وللعلماء في ذلك أقوال، قال بعضهم: المراد بذلك تفخيم شأن الأمانة، وأنّ منزلتها منزلة ما لو عرض على هذه الأشياء المذكورة مع عظمها، وكانت تعلم ما فيها، لأبت أن تحملها

стр. 1729

وأشفقت كلّ الإشفاق منها. إلّا أنّ هذا الكلام خرج مخرج الواقع، لأنّه أبلغ من المقدّر. وقال بعضهم: عرض الشيء على الشيء ومعارضته سواء. والمعارضة، والمقابلة، والمقايسة، والموازنة، بمعنى واحد. فأخبر الله سبحانه عن عظم أمر الأمانة وثقلها، وأنّها إذا قيست بالسماوات والأرض والجبال، ووزنت بها، لرجحت عليها. ولم تطق حملها، ضعفا عنها. وذلك معنى قوله تعالى: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ومن كلامهم: فلان يأبى الضّيم، إذا كان لا يحتمله. فالإباء هاهنا هو ألّا يقام بحمل الشيء. والإشفاق في هذا الموضع هو الضّعف عن الشيء، ولذلك كنّي به عن الخوف الّذي هو ضعف القلب. فقالوا: فلان مشفق من كذا. أي خائف منه. ومعنى قوله سبحانه: فالسماوات والأرض والجبال لم تحمل الأمانة ضعفا عنها، وحملها الإنسان، أي تقلّدها وقارف المأثم فيها، للمعروف من كثرة جهله، وظلمه لنفسه.

стр. 1730

سورة سبأ ٣٤

стр. 1731

المبحث الأول أهداف سورة «سبأ» «١» سورة سبأ سورة مكّية، نزلت بعد سورة لقمان. وقد نزلت سورة سبأ في الفترة الواقعة بين السنة الحادية عشرة والثانية عشرة من حياة الرسول (ص) في مكّة بعد البعثة، فقد جاء الوحي إلى النبي وعمره أربعون سنة، ثم مكث في مكّة ثلاثة عشر عاما، وفي المدينة عشرة أعوام، ومات وعمره ثلاث وستّون سنة. وكانت سورة سبأ ضمن مجموعة السور الّتي نزلت في السنوات الأخيرة من حياة المسلمين في مكّة. وعدد آيات سورة سبأ ٥٤ آية، وسمّيت بهذا الاسم لاشتمالها على قصّة سبأ، وهي مدينة من المدن القديمة في اليمن، وكانت عاصمة دولة قديمة به، وقد خربت عند انهيار سد مأرب بسبب سيل العرم، قال تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) . موضوعات السورة موضوعات سورة سبأ هي موضوعات العقيدة الرئيسة: توحيد الله والإيمان بالوحي، والاعتقاد بالبعث وإلى جوارها تصحيح بعض القيم

стр. 1732

الأساسية المتعلقة بموضوعات العقيدة الرئيسة، وبيان أنّ الإيمان والعمل الصالح، لا الأموال ولا الأولاد، هما قوام الحكم والجزاء عند الله، وأنّه ما من قوّة تعصم من بطش الله، وما من شفاعة عنده إلّا بإذنه. والتركيز الأكبر في السورة على قضية البعث والجزاء، وعلى إحاطة علم الله وشموله، ودقّته ولطفه وتتركز الإشارة في السورة على هاتين القضيّتين بطرق منوّعة، وأساليب شتّى، وتظلّل جوّ السورة كلّه من البدء إلى النهاية. فعن قضية البعث تقول السورة: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [الآية ٣] . ويرد قرب ختام السورة: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) . وقد عرض الفيروزآبادي مقصود السورة فقال: بيان حكمة التوحيد، وبرهان نبوّة الرسول (ص) ومعجزات داود وسليمان ووفاتهما، وهلاك سبأ، وشؤم الكفران، وعدم الشكر، وإلزام الحجّة على عبّاد الأصنام، ومناظرة أهل الضلالة وذكر معاملة الأمم الماضية مع النبيّين، ووعد المنافقين والمصدّقين بالإخلاف والعودة إلى إلزام الحجّة على منكري النبوّة، وتمنّي الكفّار في وقت الوفاة الرجوع إلى الدنيا. ونلاحظ أن هذه القضايا الّتي تعالجها السورة، قد عالجتها السور المكّيّة في صور شتّى، ولكنّها تعرض في كلّ سورة مصحوبة بمؤثّرات منوّعة جديدة على القلب في كل مرّة ومجال عرضها في سورة سبأ يأتي مصحوبا بمؤثرات عدة، ممثّلة في رقعة السماوات والأرض الفسيحة، وفي عالم الغيب المجهول المرهوب، وفي ساحة الحشر الهائلة العظيمة، وفي أعماق النفس المطوية اللطيفة، وفي صحائف التاريخ المعلومة والمجهولة، وفي مشاهد من ذلك التاريخ عجيبة غريبة، وفي كلّ منها مؤثّر موح للقلب البشريّ، موقظ له من الغفلة والضّيق والهمود. فمنذ افتتاح السورة وهي تفتح العيون على هذا الكون الهائل، وعلى صحائفه وما فيها من آيات الله، وعلى مجال علمه اللطيف الشامل، الدقيق الهائل. وتستمرّ السورة في مناقشة

стр. 1733

المكذّبين، وإلزامهم بالحجّة، وإيقافهم أمام فطرتهم وأمام منطق قلوبهم، بعيدا عن الغواشي والمؤثّرات المصطنعة «١» . قال تعالى: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) . وهكذا تطوف السورة بالقلب البشريّ في مجالات متنوّعة، وتواجهه بالحقائق والأدلّة والحجج، حتّى تنتهي بمشهد عنيف أخّاذ من مشاهد القيامة. فصول السورة يجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في جولات قصيرة متلاحقة متماسكة، يمكن تقسيمها إلى ستة فصول: ١- الألوهيّة وإثبات البعث تحدّثت الآيات التسع الأولى من السّورة، عن عظمة الخالق المالك لما في السماوات والأرض، المحمود في الاخرة وهو الحكيم الخبير، وقررت شمول علمه الدقيق لما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ثمّ تطرّقت للحديث عن إنكار الكافرين لمجيء الساعة، وردّت عليهم بتأكيد إتيانها، لتتمّ إثابة المؤمنين، وعقوبة الكافرين، وليستيقن العلماء المؤمنون، أنّ القرآن حقّ وصدق، وهداية إلى صراط العزيز الحميد ثمّ تحدّثت عن عجب الكفّار من قضيّة البعث واستبعادهم لوقوعه، بعد أن يموتوا ويمزّقوا كلّ ممزّق وأجابت عن ذلك بأنّه لا وجه لاستبعادهم، وهم يرون من كمال قدرة الله ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض وهدّدت المكذّبين بخسف الأرض من تحتهم، أو إسقاط السماء كسفا عليهم. ٢- داود وسليمان تتناول الآيات [١٠- ١٤] طرفا من قصة داود وسليمان (ع) ، وتذكر نعمة الله عليهما وفضله، فقد أعطي داود (ع) النبوّة، والزّبور والصوت الحسن وإذا سبّح الله سبحت معه الجبال والطير، وألان الله له الحديد، وأوحى إليه أن

стр. 1734

يعمل دروعا سابغات للحرب، كما حثّه الله على العمل الصالح، فإنه سبحانه بصير خبير. وقد سخّر الله تعالى لسليمان (ع) الريح ذهابها شهر ورجوعها شهر، تحمل بساطه هو وخاصّته إلى حيث يشاء، وقد ذلّل الله له الجنّ تعمل له أنواع المصنوعات. فلما انقضى أجله مات واقفا متّكئا على عصاه وما دل الجنّ على موته إلا أرضة قرضت عصاه، فسقط، فانطلقوا بعد أن كانوا مسجونين. ٣- قصة سبأ ضرب الله مثلا للشاكرين داود وسليمان. وقليل من الناس من يدرك فضل الله عليه، وعظيم نعمائه الّتي لا تعدّ ولا تحصى. ثم ضرب الله مثلا للبطر وجحود النعمة، مملكة سبأ. فلمّا آمنت بلقيس، وكفر من جاء بعدها، وأعرضوا عن شكر الله، أصابهم الدمار. وسبأ اسم لقوم كانوا يسكنون جنوبيّ اليمن، وكانوا في أرض مخصبة لا تزال منها بقيّة إلى اليوم، وقد ارتقوا في سلّم الحضارة، حتّى تحكّموا في مياه الأمطار الغزيرة الّتي تأتيهم من البحر في الجنوب والشرق. فأقاموا خزّانا طبيعيّا يتألّف جانباه من جبلين، وجعلوا على فم الوادي بينهما سدّا به عيون تفتح وتغلق، وخزنوا المياه بكمّيات عظيمة وراء السد، وتحكّموا فيها وفق حاجتهم، فكان لهم من هذا مورد مائي عظيم، وقد عرف باسم «سدّ مأرب» . وهاتان الجنّتان، عن اليمين والشمال، رمز لذلك الخصب والوفرة والرّخاء والمتاع الجميل. ولكنهم لم يشكروا نعمة الله ولم يذكروا آلاءه، فسلبهم هذا الرخاء، وأرسل السيل الجارف الّذي يحمل العرم في طريقه، وهي الحجارة، لشدّة تدفّقه، فحطم السد وانساحت المياه فطغت وأغرقت ثم لم يعد الماء يخزن بعد ذلك فجفّت الجنّتان واحترقتا، وتبدّلتا، صحراء تتناثر فيها الأشجار البرّيّة الخشنة. ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا [الآية ١٧] بنعمة الله. وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ وقد استغرقت قصة سبأ الآيات [١٥- ٢١]

стр. 1735

٤- الشرك والتوحيد يجد المتأمل في الآيات [٢٢- ٢٧] من سورة سبأ ظاهرة متميّزة: فقد تكرّرت لفظة «قل» في أول هذه الآيات، كما تضمّنت عددا من الأسئلة والحقائق بأسلوب رائع جزل. لقد بدأت الآيات تتحدّى المشركين أن يدعوا الّذين يزعمون أنهم آلهة من دون الله، وهم لا يملكون نفعا ولا ضرّا، ولا يملكون شفاعة عند الله، ولو كانوا من الملائكة. فالملائكة يتلقّون أمر الله بالخشوع الراجف، ولا يتحدّثون حتّى يزول منهم الفزع والارتجاف العميق. ويسألهم الله عمّن يرزقهم من السماوات والأرض، والله مالك السماوات والأرض، وهو الّذي يرزقهم بلا شريك ثمّ يفوّض أمر النبي وأمرهم إلى الله، وهو الّذي يفصل فيما هم فيه مختلفون، ويختم هذا الفصل بالتحدّي كما بدأه، في أن يروه الّذين يلحقونهم بالله شركاء. كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) . وهكذا تطوف الآيات بالقلب البشري في مجال الوجود كلّه: حاضره وغيبه، سمائه وأرضه، دنياه وآخرته، وتقف به أمام رزقه وكسبه وحسابه وجزائه ذلك كلّه في فواصل قوية، وضربات متلاحقة، وآيات تبدأ كلّ آية منها بفعل الأمر (قل) ، وكل قولة منها تدمغ بالحجّة، وتصدع بالبرهان في قوة وسلطان. وفي أعقاب هذه الآيات بيان لرسالة الرّسول (ص) ، وأنها عامّة للناس أجمعين: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) . ٥- مشاهد القيامة والجزاء يستغرق الفصل الخامس من السورة الآيات [٢٩- ٤٢] ويبدأ بسؤال يوجّهه الكفّار للنبيّ (ص) عن يوم القيامة، استبعادا لوقوعه، والجواب أنّ ميعاده لا يتقدّم ولا يتأخّر، وقد اعتزّ الكفار بالأموال والأولاد، وقالوا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالكتب السابقة له. وهنا يعرض القرآن موقف الظّالمين أمام ربّهم يتحاورون فيراجع بعضهم بعضا كلّ منهم يحاول أن يلقي التّبعة على أخيه، فيقول الضعفاء للسّادة

стр. 1736

والكبراء: لقد تصدّيتم لنا بالإغراء، والمكر بنا ليلا ونهارا، حتّى أفسدتم علينا رأينا، وجعلتمونا نكفر بالله، ونجعل له نظراء من الالهة الخياليّة ويحتجّ الكبراء ويقولون أنحن منعناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين إذ أخذتم الكفر عنّا بالتقليد. وعضّ الجميع بنان الندم حينما رأوا العذاب، والأغلال في أعناقهم. ثم نرى المترفين يقاومون كلّ إصلاح، ويكذّبون كلّ رسالة: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) . وقد احتجّ المترفون بكثرة أموالهم وأولادهم، واعتقدوا أنّ فضلهم في الدنيا سيمنعهم من العذاب في الاخرة وهنا يضع القرآن موازين الحق والعدل، ويقرر القيم الحقيقية الّتي يكون عليها الجزاء والحساب، وهي قيم الإيمان والعمل الصالح لا الأموال والأولاد. وفي مشاهد القيامة يتّضح أنه لا الملائكة ولا الجن الّذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، يملكون لهم في الاخرة شيئا. كما توضح الآيات أنّ بسط الرزق وقبضه أمران يجريان وفق إرادة الله سبحانه، وليسا دليلا على رضيّ أو غضب، ولا على قرب أو بعد. إنّما ذلك ابتلاء واختبار. ٦- الدعوة الى التأمّل والتفكّر في الآيات الأخيرة من السورة [٤٣- ٥٤] حديث عن عناد الكافرين وجحودهم، من غير برهان ولا دليل، وتنبيه من القرآن بما وقع لأمثالهم وعرض لمصارع الغابرين الّذين أخذهم النّكير في الدنيا، وهم كانوا أقوى منهم، وأعلم وأغنى. ويعقب هذا عدّة إيقاعات عنيفة، كأنّما هي مطارق متوالية يدعوهم في أوّل إيقاع منها إلى أن يقوموا لله متجرّدين، ثمّ يتفكّروا غير متأثّرين بالحواجز الّتي تمنعهم من الهدى ومن النّظر الصحيح. وفي الإيقاع الثاني يدعوهم إلى التفكير في حقيقة البواعث الّتي تجعل الرّسول (ص) يلاحقهم بالدعوة، وليس له من وراء ذلك نفع ولا هو يطلب على ذلك أجرا، فما لهم يتشكّكون في دعوته ويعرضون؟ وتوالت الآيات تبدأ بلفظ (قل) ...

стр. 1737

وكلّ منها يهزّ القلب هزّا، فمحمّد (ص) لم يسألهم أجرا بل أجره على الله، ومحمّد (ص) مؤيّد بالحقّ، والحقّ غالب والباطل مغلوب. ثم تلطّف في وعظهم، فذكر سبحانه أنّ محمدا (ص) إن ضلّ فضلاله إنّما يعود عليه وحده، وإن اهتدى فبهدي الله له ثم بيّن سوء حالهم إذا فزعوا يوم القيامة إلى ربّهم، فلا يكون لهم فوت منه ولا مهرب وذكر أنّهم يؤمنون به في ذلك الوقت، فلا ينفعهم إيمانهم وتختم السورة بمشهد هؤلاء الكفّار، وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان في غير موعده، والإفلات من العذاب، والنّجاة من أهوال القيامة، كما فعل أشياعهم من كفرة الأمم الّتي قبلهم، إنهم كانوا في شكّ موقع في الارتياب. وهكذا تختم السورة بمشهد يثبت قضيّة البعث والجزاء، وهي القضيّة الّتي ظهرت خلال السورة، من بدايتها، قال تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤) .

стр. 1738

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «سبأ» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة سبأ بعد سورة لقمان، ونزلت سورة لقمان بين الإسراء والهجرة، فيكون نزول سورة سبأ في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لورود قصة أهل سبأ فيها. وكانت سبأ مدينة من المدن القديمة في اليمن، وكانت عاصمة دولة قديمة به، وقد خربت عند انهيار سدّ مأرب بسبب سيل العرم، وتبلغ آياتها أربعا وخمسين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة إثبات يوم الساعة، وكانوا قد تساءلوا عنه في آخر السورة السابقة سؤال استهزاء: يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) [الأحزاب] ، ولهذا ذكرت هذه السورة بعد السورة السابقة، وقد افتتحت بحمد الله تمهيدا لذكر اعتراضاتهم على ذلك اليوم ثمّ دار الكلام فيها على ذكر الاعتراض والجواب عنه، إلى أن ختمت بإثبات عنادهم ومكابرتهم. الاعتراض الأول على يوم القيامة الآيات [١- ٦] قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)

стр. 1739

فذكر سبحانه أنه يجب له الحمد في الدنيا على ما أنعم به علينا في السماوات والأرض، وأنّ حمدنا له في الدنيا نجازي عليه في الاخرة، فيكون له الحمد علينا فيها أيضا. وأخبر بأنّه حكيم خبير عالم رحيم غفور، فلا يصحّ أن يكون خلقه لنا عبثا من غير حكمة. ثم ذكر اعتراضهم الأوّل على يوم القيامة: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ [الآية ٣] ، ورد عليهم بتأكيد إتيانها، ليثيب الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات، ويعذّب الّذين سعوا في آياته معاجزين: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) . الاعتراض الثاني على يوم القيامة الآيات [٧- ٢٨] ثمّ قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) ، فذكر استبعادهم لإعادتهم بعد أن يموتوا ويمزّقوا كلّ ممزّق، وأجاب عن ذلك بأنه لا وجه لاستبعادهم ذلك وهم يرون من كمال قدرته ما يرون فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، وهو الّذي سخّر الجبال والطير لداود، وسخّر الريح وأسال عين القطر لسليمان، وأرسل سيل العرم على أهل سبأ، فأهلكهم وخرّب ديارهم ثم ذكر عجز آلهتهم ليوازنوا بين هذا العجز وبين كمال قدرته سبحانه وأمر نبيّه بعد هذا، أن يتلطّف في جدالهم بعد ظهور الحقّ لهم، فيذكر لهم أنّه وإيّاهم إمّا على الهدى وإمّا على الضّلال، وأنّهم لا يسألون عن عمله كما لا يسأل عن عملهم، وأنّه لا بدّ من يوم يفصل فيه بينهم، ثمّ ختم ذلك بإثبات صدقه فيما يدعوهم إليه من الإيمان بيوم القيامة وغيره: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) . الاعتراض الثالث والرابع على يوم القيامة الآيات [٢٩- ٤٢] ثمّ قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) فذكر، سبحانه، أنّهم سألوا عن ميعاد يوم

стр. 1740

القيامة استبعادا له، وأجاب بأن له ميعادا لا يتأخّرون عنه ساعة ولا يتقدّمون عنه ثمّ ذكر أنهم قالوا: لن نؤمن بالقرآن ولا بما بين يديه من يوم القيامة، وأجاب بأنّه لا بدّ من وقوفهم أمامه رؤساء ومرؤوسين، فيلقي بعضهم الذنب على بعض، ويقول المرؤوسون لرؤسائهم لولا أنتم لكنّا مؤمنين، ويقول الرؤساء لهم أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ إلى أن قال: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) . ثم ذكر أنّ هذا كان شأن أهل القرى قبلهم مع أنبيائهم، فكان مترفوها يكافرون بما جاء به الأنبياء عن يوم القيامة وغيره، ويفتخرون بكثرة أموالهم وأولادهم، ويعتقدون أنه لا عذاب يصيبهم في آخرتهم ثم أمره أن يخبرهم بأن الرزق يجري بيد الله، فكم من موسر شقيّ، وكم من معسر تقيّ، ولا تنفع الأموال والأولاد شيئا عند الله، وإنما ينفع عنده العمل الصالح، فيجازى أصحابه الضّعف بما عملوا، ويعاقب من يسعى في آياته معاجزا بعذاب محضر دائم ثمّ أمره أن يعيد إخبارهم بأن الرزق يجري بيده سبحانه، وأنّهم إذا أنفقوا منه في سبيله، فهو يخلفه عليهم ثمّ ذكر بأنّه سيحشر هؤلاء الكفّار جميعا سابقين ولا حقين، ثم يقول أمامهم للملائكة: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) فيتبرّأ الملائكة من عبادتهم، ويذكرون أنّهم كانوا يعبدون الجنّ، أكثرهم بهم مؤمنون: فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) . الخاتمة [الآيات ٤٣- ٥٤] ثمّ قال تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) فذكر أنّ ما سبق لهم في هذه السورة آيات بيّنات لا ينكرونها إلّا عنادا من غير برهان ولا كتاب أنزل عليهم، ولا رسول أرسل إليهم، وقد عاند الّذين من قبلهم ولم يبلغوا معشار ما كان لهم من قوّة ونعمة، فأخذهم الله بعذابه ولم تنفعهم قوّتهم ونعمتهم. ثمّ وعظهم أن

стр. 1741

يتفكّروا في أمر النبي (ص) ليعلموا صدق ما ينذرهم به من عذاب يوم القيامة. وذكر من أدلّة صدقه أنّه لا يسألهم على ذلك أجرا، وأنّه يقذف به حقّا واضحا على باطلهم فيدمغه، وأنّه قد جاء به حقّا قويّا لا يبدئ الباطل معه ولا يعيد ثم تلطّف في وعظهم، فذكر سبحانه، حكاية عن الرسول (ص) ، أنّه إن ضلّ الرسول فضلاله إنّما يعود عليه وحده وإن اهتدى، فبهدي الله له ثمّ ختم السورة ببيان سوء حالهم إذا فزعوا يوم القيامة الى ربّهم، فلا يكون لهم فوت منه ولا مهرب وذكر أنّهم يؤمنون به في ذلك الوقت، فلا ينفعهم إيمانهم، لأنهم كانوا يكافرون به من قبل، ويقذفون بالغيب من مكان بعيد: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤) .

стр. 1742

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «سبأ» «١» أقول: ظهر لي وجه اتّصالها بما قبلها، وهو أن تلك لمّا ختمت بقوله تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الأحزاب: ٧٣] ، افتتحت هذه بأن له ما في السماوات وما في الأرض «٢» . وهذا الوصف لائق بذلك الحكم، فإن الملك العامّ، والقدرة التّامّة، يقتضيان ذلك. وخاتمة سورة الأحزاب: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣) وفاصلة الآية الثانية من مطلع سبأ: وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) .

стр. 1743

المبحث الرابع مكنونات سورة «سبأ» «١» ١- غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ [الآية ١٢] . قال الحسن: كان يغدو من دمشق، فيقيل بإصطخر «٢» ، ويروح من إصطخر فيبيت بكابل «٣» أخرجه عبد الرزاق «٤» . ٢- وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ [الآية ١٢] . قال قتادة: كانت بأرض اليمن. قال السّدّيّ: سيلت له ثلاثة أيام. أخرجهما ابن أبي حاتم. ٣- دَابَّةُ الْأَرْضِ [الآية ١٤] . قال ابن عباس: هي الأرضة. أخرجه ابن أبي حاتم. وفي «العجائب» للكرماني: الأرض: مصدر أرض، أرضت الخشبة فهي مأروضة، والدّابة آرضة، والجمع: أرضة كالكفرة والفجرة «٥» .

стр. 1744

٤- لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ [الآية ١٥] . قال سفيان: هي باليمن. أخرجه ابن أبي حاتم. ٥- وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [الآية ١٩] . قال الشّعبي: أمّا غسّان منهم، فلحقوا بالشام: وأمّا الأنصار، فلحقوا بيثرب: وأمّا خزاعة، فلحقوا بتهامة، وأمّا الأزد فلحقوا بعمان. أخرجه ابن أبي حاتم «١» . ٦- قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ [الآية ٢٣] . هم الملائكة. ٧- قالُوا الْحَقَّ [الآية ٢٣] . أوّل من يقوله جبريل فيتبعونه. كما أخرجه ابن جرير من حديث النّوّاس بن سمعان.

стр. 1745

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «سبأ» «١» ١- وقال تعالى: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [الآية ١٣] . أقول: كان خط المصحف كَالْجَوابِ بالباء المكسورة، وحقّها أن تكون «الجوابي» وهذا القدر الّذي أثبتناه من الآية، يعادل من حيث الوزن بيتا من الرّمل، لو أن وقفة قصيرة على «الجواب» لتفصل الصدر عن العجز، ولو كانت هذه الوقفة لحسن أن تأتي الجوابي بالياء على الأصل، خلافا لخط المصحف. فكأنّ خط المصحف، وعدم وجود الوقف كان اجتنابا لهذا الوزن، الّذي بعدت عنه لغة التنزيل. أقول: لعلّ شيئا من ذلك جعل «الجوابي» «الجواب» !! ٢- وقال تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ [الآية ٢٣] . أقول: والتضعيف في قوله تعالى: فُزِّعَ للسّلب، أي أزيل الفزع. والسّلب، كما بيّنا، من المعاني الّتي تستفاد من التّضعيف. ٣- وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [الآية ٢٨] . أقول: والمعنى: وما أرسلناك إلّا للناس كافّة ... ومجيء الآية بتقديم كَافَّةً يفسد مذهب أهل التصحيح، الّذين يقولون بخطإ قول المعربين، كافة الناس، ويلزمونهم أن يقولوا: الناس كافة.

стр. 1746

٤- وقال تعالى: وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها [الآية ٤٤] . لعلّ هذه الآية من أقدم الشواهد على دلالة «الدرس» ، وهي قراءة الكتاب ومعرفتها وحفظها ... ٥- وقال تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [الآية ٥٢] . والتَّناوُشُ: التناول، ويقال: ناشه ينوشه وتناوشه. أقول: وقد أميت هذا الفعل وجميع صوره في العربية المعاصرة، ولكننا نجده حيا معروفا بمعناه في العربية الدّارجة، ولا سيّما في العراق.

стр. 1747

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «سبأ» «١» في قوله تعالى: يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) . لا إعمال «ينبّئكم» لأنّ (إنّكم) موضع ابتداء لمكان اللام، كما تقول: «أشهد إنّك لظريف» . وقوله تعالى: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ [الآية ١٥] أي على: هذه بلدة طيّبة. وقوله تعالى: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [الآية ٢٣] أي: لا يشفع الا لمن أذن له. وقوله تعالى: إِلَّا لِنَعْلَمَ [الآية ٢١] على البدل، كأنّ السّياق: «ما كان ذلك الابتلاء إلّا لنعلم» . وفي قوله تعالى: قالُوا الْحَقَّ [الآية ٢٣] ، إن شئت نصبت الحقّ، وإن شئت رفعته. وقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً [الآية ٢٤] فليس هذا لأنّه شكّ، ولكنّ هذا في كلام العرب على أنّه هو المهتدي. وقد يقول الرجل لعبده: «أحدنا ضارب صاحبه» فلا يكون فيه إشكال على السّامع، أنّ المولى هو الضّارب. وقال تعالى: يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ [الآية ٣١] تقول «قد رجعت إليه القول» . وقال تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [الآية ٣٣] أي: هذا مكر اللّيل والنّهار. واللّيل والنّهار لا يمكران

стр. 1748

بأحد، ولكن يمكر فيهما كقوله تعالى: مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: ١٣] وهذا من سعة العربيّة. وقال تعالى: تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى [الآية ٣٧] ، وزُلْفى هاهنا اسم المصدر، كأنّه أراد: بالّتي تقرّبكم عندنا إزلافا. وقال تعالى: مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ [الآية ٤٥] أي: عشرة. ولا يقولون هذا في سوى العشر. وقال تعالى: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الآية ٨] ، فالألف قطع، لأنّها ألف الاستفهام وكذلك ألف الوصل، إذا دخلت عليها ألف الاستفهام.

стр. 1749

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «سبأ» «١» إن قيل: لم قال تعالى: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الآية ٩] ، ولم يقل: إلى ما فوقهم وما تحتهم من السماء والأرض؟ قلنا: ما بين يدي الإنسان هو كلّ شيء يقع نظره عليه من غير أن يحوّل وجهه إليه، وما خلفه هو كلّ شيء لا يقع نظره عليه حتّى يحوّل وجهه إليه، فكان اللفظ المذكور أتمّ ممّا ذكر. فإن قيل: لماذا لم يذكر سبحانه الأيمان والشمائل هنا، كما ذكرها في قوله تعالى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: ١٧] ؟ قلنا: لأنّه وجد هنا ما يغني عن ذكرها، وهو لفظ العموم، وذكر السماء والأرض، ولا كذلك ثمّة. فإن قيل: كيف استجاز سليمان (ع) عمل التماثيل، وهي التصاوير؟ قلنا: قيل إن عمل الصورة لم يكن محرّما في شريعته، ويجوز أن تكون صور غير الحيوان كالأشجار ونحوها، وذلك غير محرّم في شريعتنا أيضا. فإن قيل: لم قال تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ [الآية ١٥] ولم يقل آيتان جنّتان، وكل جنة كانت آية: أي علامة على توحيد الله تعالى؟ قلنا: لما تماثلتا في الدّلالة واتحدت جهتهما فيها، جعلتا آية

стр. 1750

واحدة، ونظيره قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: ٥٠] . فإن قيل: لم قال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الآية ٢٢] ، أي الّذين زعمتموهم آلهة من دون الله، مع أنّ المشركين ما زعموا غير الله إلها دون الله، بل مع الله على وجه الشّركة؟ قلنا: النّص لا يدل على زعمهم حصر الالهة في غير الله نصّا بل يوهم ذلك، ولو دلّ فنقول: فيه تقديم وتأخير تقديره: ادعوا الّذين من دون الله زعمتم أنهم شركاء لله. فإن قيل: ما معنى التشكيك في قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) ؟ قلنا: قيل إنّ (أو) هنا بمعنى الواو في الموضعين، فيصير المعنى: نحن على الهدى وأنتم في الضلال. وقيل معناه: وإنّا لضالّون أو مهتدون وإنّكم لكذلك، وهو من التعريض بضلالهم كما يقول الرّجل لصاحبه إذا أراد تكذيبه: والله إنّ أحدنا لكاذب، ويعني به صاحبه. فإن قيل: لم قالت الملائكة (ع) في حق المشركين، كما ورد في التنزيل: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ [الآية ٤١] ولم ينقل عن أحد من المشركين أنّه عبد الجن؟ قلنا: معناه كانوا يطيعون الشياطين فيما يأمرونهم به من عبادتنا: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) : أي أكثر المشركين مصدّقون بالشياطين فيما يخبرونهم به من الكذب، أنّ الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك فالمراد بالجنّ الشياطين.

стр. 1751

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «سبأ» «١» قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ [الآية ٢٣] . هذه استعارة، فالمراد بقوله تعالى: فُزِّعَ، أي أزيل الفزع عن قلوبهم. كما تقول: قذّيت عينه: إذا أزلت القذى عنها. وهو كقولهم: رغب عنه: إذا رفعت الرغبة عنه. خلافا لقولهم: رغب فيه: إذا صرفت الرغبة إليه. فالرغبة في أحد الأمرين منقطعة، وفي الاخر منصرفة. وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [الآية ٣١] . وهذه استعارة. والمراد بها ما تقدّم القرآن من الكتاب، فكأنّها كانت مشيرة إليه، ومصرّفة بين يديه. وقد مضى الكلام على نظائر ذلك فيما تقدّم. وقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً [الآية ٣٣] . وهذه استعارة. والمراد بمكر اللّيل والنّهار: ما يتوقّع من مكرهم في الليل والنهار، فأضاف تعالى المكر إليهما لوقوعه فيهما. وفيه أيضا زيادة فائدة، وهي دلالة الكلام على أنّ مكرهم كان متصلا غير منقطع في الليل والنهار، كما يقول القائل: ما زال بنا سير الليل والنهار حتّى وردنا أرض بني فلان. وهذا دليل على اتّصال سيرهم في الليل والنهار، من غير إغباب، ولا إراحة ركاب. وقوله سبحانه: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) . وهذه

стр. 1752

استعارة. والمراد أنّه ﵊ بعث ليقدّم الإنذار أمام وقوع العقاب، إزاحة للعلّة، وقطعا للمعذرة. وقد تقدّمت إشارتنا إلى نظائر هذه الاستعارة في عدّة مواضع من هذا الكتاب. وقوله سبحانه: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) . وهذه استعارة. لأن الإبداء والإعادة يكونان في القول، ويكونان في الفعل. فأمّا كونهما في الفعل فبقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم: ٢٧] وأمّا كونهما في القول، فإنّ القائل يقول: سكت فلان فلم يعد ولم يبدئ. أيّ لم يتكلم ابتداء ولا أحار جوابا. وهاتان الصّفتان يستحيل أن يوصف بهما الباطل، الّذي هو عرض من الأعراض، إلّا على طريق الاتّساع والمجاز. وإنّما المراد أنّ الحقّ قوي وظهر، والباطل ضعف واستتر، ولم يبق له بقيّة يقوى بها بعد ضعفه، ويجبر بعد وهنه. أي ما تقوم له قائمة في بدء ولا عود. والبدء: الحال الأولى، والعود: الحال الأخرى. وكذلك الإبداء والإعادة. ويجوز أن يكون لذلك وجه آخر، وهو أن يكون المعنى، أنّ الباطل كان عند غلبة الحقّ وظهوره، بمنزلة الواجم الساكت، والحائر الذاهل، الّذي لا قدرة له على الحجاج، ولا قوّة له على الانتصار. كقولهم: «سكت فما أعاد ولا أبدأ» عند وصف الإنسان بالحيرة أو غلبة الفكرة. وقد قيل أيضا في ذلك وجه آخر، يخرج به الكلام عن حيّز الاستعارة، وهو أن يكون المراد أنّ صاحب الباطل لا يبدئ ولا يعيد عند حضور صاحب الحقّ، ضعفا عن حجاجه، وضلالا عن منهاجه. فجعل المضاف هاهنا في موضع المضاف إليه. وذلك كثير في كلامهم. وقوله تعالى: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وهذه استعارة. والمراد بذلك، والله أعلم، أنّهم يقولون ما لا يعلمون، ويظنّون ولا يتحقّقون. فهم بمنزلة الرّامي غرضا بينه وبينه مسافة متباعدة، فلا يكون سهمه أبدا إلّا قاصرا عن الغرض، وعادلا عن السّدد.

стр. 1753

سورة فاطر ٣٥

стр. 1754

المبحث الأول أهداف سورة «فاطر» «١» سورة فاطر سورة مكّية نزلت بعد سورة الفرقان، بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء. وإذا قسمنا حياة المسلمين بمكّة إلى ثلاث فترات: الفترة المبكرة للدعوة، والفترة المتوسّطة بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، والفترة الأخيرة بين الإسراء والهجرة إلى المدينة، رأينا أن سورة فاطر نزلت في الفترة المتوسّطة من حياة المسلمين بمكّة. ولسورة فاطر اسمان: الاسم الأول فاطر، والاسم الثاني سورة الملائكة، لقوله تعالى في أول السورة: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) . موضوعات السورة قال الفيروزآبادي: مقصود سورة فاطر هو: «بيان خلق الملائكة، وفتح أبواب الرحمة، وتذكير النعمة، والتحذير من إغراء الشياطين، وتسلية الرسول، وصعود كلمة الشهادة إلى الله، وذكر عجائب البحر، واستخراج الحلية منه، وسير الليل والنهار، وعجز الأصنام عن الرّبوبيّة، وفقر العباد إلى الله، وفضل القرآن وشرف تلاوته، وأصناف الخلق في وراثة القرآن، وخلود الجنّة لأهل الإيمان، وخلود النار لأهل الكفر والطغيان والمنّة على العباد بحفظ السماء والأرض من الخلل والاضطراب ... » .

стр. 1755

سياق السورة سورة فاطر لها نسق خاص في موضوعها وسياقها، أقرب ما يكون إلى نسق سورة الرعد. «فهي تمضي في إيقاعات تتوالى على القلب البشري من بدئها إلى نهايتها، وهي إيقاعات موحية مؤثّرة تهز القلب هزّا، وتوقظه من غفلته ليتأمّل عظمة هذا الوجود، وروعة هذا الكون، وليتدبّر آيات الله المبثوثة في تضاعيفه، المتناثرة في صفحاته، وليتذكّر آلاء الله ويشعر برحمته ورعايته، وليتصوّر مصارع الغابرين في الأرض ومشاهدهم يوم القيامة، وليخشع ويعنو وهو يواجه بدائع صنع الله، وآثار يده في أطواء الكون، وأغوار النفس وحياة البشر، وأحداث التاريخ. وهو يرى ويلمس في تلك البدائع وهذه الآثار وحدة الحق ووحدة الناموس، ووحدة اليد الصانعة المبدعة القوية القادرة. ذلك كله بأسلوب وإيقاع لا يتماسك له قلب يحسّ ويدرك، ويتأثّر تأثّر الأحياء. «والسّورة وحدة متماسكة متوالية الحلقات، متتالية الإيقاعات يصعب تقسيمها إلى فصول متميّزة الموضوعات فهي كلّها موضوع، كلّها إيقاعات على أوتار القلب البشريّ، تستمدّ من ينابيع الكون والنفس والحياة والتاريخ والبعث، فتأخذ على النفس أقطارها، وتهتف بالقلب من كلّ مطلع إلى الإيمان والخشوع والإذعان. «والسمة البارزة الملحوظة هي تجميع الخيوط كلّها في يد القدرة المبدعة، وإظهار هذه اليد تحرّك الخيوط كلّها وتجمعها، وتقبضها وتبسطها، وتشدّها وترخيها فلا معقّب ولا شريك ولا ظهير.» فقرات السورة رغم أن السّورة كلّها وحدة متماسكة إلّا أنه يمكن تقسيمها إلى خمسة موضوعات: ١- رحمة الله وفضله إذا تأمّلنا الآيات: [١- ٨] من سورة فاطر، نجد فيضا من أنعم الله الّتي لا تعدّ ولا تحصى على عباده، فهو خالق السماء والأرض وجاعل الملائكة رسلا يوصلون آثار قدرته وجليل وحيه إلى عباده، ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [الآية ٢] لقد فتح الله رحمته لأنبيائه وأصفيائه، جعل النار
следующие страницы →