المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «سبأ» «١»
قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ [الآية ٢٣] .
هذه استعارة، فالمراد بقوله تعالى:
فُزِّعَ، أي أزيل الفزع عن قلوبهم.
كما تقول: قذّيت عينه: إذا أزلت القذى عنها. وهو كقولهم: رغب عنه:
إذا رفعت الرغبة عنه. خلافا لقولهم:
رغب فيه: إذا صرفت الرغبة إليه.
فالرغبة في أحد الأمرين منقطعة، وفي الاخر منصرفة.
وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [الآية ٣١] . وهذه استعارة.
والمراد بها ما تقدّم القرآن من الكتاب، فكأنّها كانت مشيرة إليه، ومصرّفة بين يديه. وقد مضى الكلام على نظائر ذلك فيما تقدّم.
وقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً [الآية ٣٣] . وهذه استعارة.
والمراد بمكر اللّيل والنّهار: ما يتوقّع من مكرهم في الليل والنهار، فأضاف تعالى المكر إليهما لوقوعه فيهما. وفيه أيضا زيادة فائدة، وهي دلالة الكلام على أنّ مكرهم كان متصلا غير منقطع في الليل والنهار، كما يقول القائل: ما زال بنا سير الليل والنهار حتّى وردنا أرض بني فلان. وهذا دليل على اتّصال سيرهم في الليل والنهار، من غير إغباب، ولا إراحة ركاب.
وقوله سبحانه: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) . وهذه
стр. 1752
استعارة. والمراد أنّه ﵊ بعث ليقدّم الإنذار أمام وقوع العقاب، إزاحة للعلّة، وقطعا للمعذرة.
وقد تقدّمت إشارتنا إلى نظائر هذه الاستعارة في عدّة مواضع من هذا الكتاب.
وقوله سبحانه: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) . وهذه استعارة. لأن الإبداء والإعادة يكونان في القول، ويكونان في الفعل. فأمّا كونهما في الفعل فبقوله سبحانه:
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم: ٢٧] وأمّا كونهما في القول، فإنّ القائل يقول: سكت فلان فلم يعد ولم يبدئ. أيّ لم يتكلم ابتداء ولا أحار جوابا. وهاتان الصّفتان يستحيل أن يوصف بهما الباطل، الّذي هو عرض من الأعراض، إلّا على طريق الاتّساع والمجاز.
وإنّما المراد أنّ الحقّ قوي وظهر، والباطل ضعف واستتر، ولم يبق له بقيّة يقوى بها بعد ضعفه، ويجبر بعد وهنه. أي ما تقوم له قائمة في بدء ولا عود. والبدء: الحال الأولى، والعود:
الحال الأخرى. وكذلك الإبداء والإعادة.
ويجوز أن يكون لذلك وجه آخر، وهو أن يكون المعنى، أنّ الباطل كان عند غلبة الحقّ وظهوره، بمنزلة الواجم الساكت، والحائر الذاهل، الّذي لا قدرة له على الحجاج، ولا قوّة له على الانتصار. كقولهم: «سكت فما أعاد ولا أبدأ» عند وصف الإنسان بالحيرة أو غلبة الفكرة.
وقد قيل أيضا في ذلك وجه آخر، يخرج به الكلام عن حيّز الاستعارة، وهو أن يكون المراد أنّ صاحب الباطل لا يبدئ ولا يعيد عند حضور صاحب الحقّ، ضعفا عن حجاجه، وضلالا عن منهاجه. فجعل المضاف هاهنا في موضع المضاف إليه. وذلك كثير في كلامهم.
وقوله تعالى: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وهذه استعارة.
والمراد بذلك، والله أعلم، أنّهم يقولون ما لا يعلمون، ويظنّون ولا يتحقّقون. فهم بمنزلة الرّامي غرضا بينه وبينه مسافة متباعدة، فلا يكون سهمه أبدا إلّا قاصرا عن الغرض، وعادلا عن السّدد.
стр. 1753
سورة فاطر ٣٥
стр. 1754
المبحث الأول أهداف سورة «فاطر» «١»
سورة فاطر سورة مكّية نزلت بعد سورة الفرقان، بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء. وإذا قسمنا حياة المسلمين بمكّة إلى ثلاث فترات: الفترة المبكرة للدعوة، والفترة المتوسّطة بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، والفترة الأخيرة بين الإسراء والهجرة إلى المدينة، رأينا أن سورة فاطر نزلت في الفترة المتوسّطة من حياة المسلمين بمكّة.
ولسورة فاطر اسمان: الاسم الأول فاطر، والاسم الثاني سورة الملائكة، لقوله تعالى في أول السورة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) .
موضوعات السورة
قال الفيروزآبادي: مقصود سورة فاطر هو: «بيان خلق الملائكة، وفتح أبواب الرحمة، وتذكير النعمة، والتحذير من إغراء الشياطين، وتسلية الرسول، وصعود كلمة الشهادة إلى الله، وذكر عجائب البحر، واستخراج الحلية منه، وسير الليل والنهار، وعجز الأصنام عن الرّبوبيّة، وفقر العباد إلى الله، وفضل القرآن وشرف تلاوته، وأصناف الخلق في وراثة القرآن، وخلود الجنّة لأهل الإيمان، وخلود النار لأهل الكفر والطغيان والمنّة على العباد بحفظ السماء والأرض من الخلل والاضطراب ... » .
стр. 1755
سياق السورة
سورة فاطر لها نسق خاص في موضوعها وسياقها، أقرب ما يكون إلى نسق سورة الرعد. «فهي تمضي في إيقاعات تتوالى على القلب البشري من بدئها إلى نهايتها، وهي إيقاعات موحية مؤثّرة تهز القلب هزّا، وتوقظه من غفلته ليتأمّل عظمة هذا الوجود، وروعة هذا الكون، وليتدبّر آيات الله المبثوثة في تضاعيفه، المتناثرة في صفحاته، وليتذكّر آلاء الله ويشعر برحمته ورعايته، وليتصوّر مصارع الغابرين في الأرض ومشاهدهم يوم القيامة، وليخشع ويعنو وهو يواجه بدائع صنع الله، وآثار يده في أطواء الكون، وأغوار النفس وحياة البشر، وأحداث التاريخ. وهو يرى ويلمس في تلك البدائع وهذه الآثار وحدة الحق ووحدة الناموس، ووحدة اليد الصانعة المبدعة القوية القادرة. ذلك كله بأسلوب وإيقاع لا يتماسك له قلب يحسّ ويدرك، ويتأثّر تأثّر الأحياء.
«والسّورة وحدة متماسكة متوالية الحلقات، متتالية الإيقاعات يصعب تقسيمها إلى فصول متميّزة الموضوعات فهي كلّها موضوع، كلّها إيقاعات على أوتار القلب البشريّ، تستمدّ من ينابيع الكون والنفس والحياة والتاريخ والبعث، فتأخذ على النفس أقطارها، وتهتف بالقلب من كلّ مطلع إلى الإيمان والخشوع والإذعان.
«والسمة البارزة الملحوظة هي تجميع الخيوط كلّها في يد القدرة المبدعة، وإظهار هذه اليد تحرّك الخيوط كلّها وتجمعها، وتقبضها وتبسطها، وتشدّها وترخيها فلا معقّب ولا شريك ولا ظهير.»
فقرات السورة
رغم أن السّورة كلّها وحدة متماسكة إلّا أنه يمكن تقسيمها إلى خمسة موضوعات:
١- رحمة الله وفضله
إذا تأمّلنا الآيات: [١- ٨] من سورة فاطر، نجد فيضا من أنعم الله الّتي لا تعدّ ولا تحصى على عباده، فهو خالق السماء والأرض وجاعل الملائكة رسلا يوصلون آثار قدرته وجليل وحيه إلى عباده، ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [الآية ٢] لقد فتح الله رحمته لأنبيائه وأصفيائه، جعل النار
стр. 1756
بردا وسلاما على إبراهيم (ع) ، وأنقذ يوسف (ع) من الجبّ ومن السجن، واستجاب دعاء يونس (ع) في بطن الحوت، وآزر موسى (ع) في طريقه إلى فرعون، وأنزل رحمته بأصحاب الكهف وحفظهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، وشملت رحمة الله محمدا (ص) في الهجرة، وهو طريد:
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] .
وإذا أمسك الله رحمته عن عبد، فلن ينفعه مال ولا رجال. وإذا استقرّ اليقين في القلب، تنبّه إلى كيد الشّيطان وفنّه فالمؤمن يعلم أن الشيطان عدوّ لنا يزيّن لنا الشّرّ ليوقعنا في المعصية، فمن أطاع الشيطان زيّن له سوء عمله فرآه حسنا، ووقع في الضلال، ومن يضلل الله فما له من هاد.
٢- آيات الله في الكون
في الآيات [٩- ١٥] نلحظ القدرة الإلهيّة، في نفس الإنسان وفي صفحة الكون، وفي الرياح يسوقها الله، ثمّ تثير السحب فتسوقها يد القدرة مطرا يحيي الأرض بعد موتها، وكذلك البعث والحياة بعد الموت. والله خالق الإنسان وبيده رعايته في مراحل تكوينه، وتخليقه في بطن أمّه، ثمّ رعايته وليدا وناشئا وزوجا، وهو عليم بمن يموت مبكرا، إنّ ذلك على الله يسير.
وتمتدّ قدرة الله سبحانه إلى كلّ مظهر من مظاهر الوجود، فتراها في مشهد البحرين المتميّزين أحدهما عذب فرات، والاخر ملح أجاج وفيهما من نعم الله على النّاس ما يقتضي الشكر والعرفان.
وفي مشهد الليل والنهار، يتداخلان ويطولان ويقصران، دليل على التقدير والتدبير، وكذلك مشهد الشمس والقمر، مسخّرين بهذا النظام الدقيق.
هذه آثار قدرة الله جلّ وعلا، والّذين يدعون من دونه لا يسمعون ولا يستجيبون، ويوم القيامة يتبوّءون من عبادهم الضّلال. ولا يخبر بهذه الحقائق مثل الإله الخبير.
٣- الله غني عن عبادتنا
في الآيات [١٥- ٢٦] بيان لحقيقة أساسيّة، هي أن الله ﷻ غنيّ عن عبادتنا، فلا تنفعه طاعتنا، ولا
стр. 1757
تضرّه معصيتنا ولكننا نحن الفقراء المحتاجون إلى رضاه وعنايته، فمن اهتدى بهدى الله سبحانه، فقد اهتدى إلى كلّ خير، ووجد الهداية والسعادة والثقة بالنفس، والأمل في الغد ومن لم يهتد فقد خسر كل شيء. ولو شاء الله أن يذهب النّاس لأهلكهم، وأتى بخلق جديد يعرفون فضله عليهم.
ويشير القرآن إلى أن طبيعة الهدى غير طبيعة الضلال، وأنّ الاختلاف بين طبيعتيهما أصل عميق، كأصالة الاختلاف بين العمى والبصر، والظّلمات والنور، والظّلّ والحرور، والموت والحياة وأنّ بين الهدى والبصر والنور والظّلّ والحياة صلة وشبها كما أنّ بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبها ثمّ تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذّبين للتنبيه والتحذير.
٤- كتابان إلهيان
عند قراءة الآيات [٢٧- ٣٨] يتّضح أمامنا أن لله كتابين يدلّان عليه، أحدهما كتاب الكون والثاني الكتاب المنزل. والمؤمن يقرأ دلائل القدرة في كتاب الكون: في صحائفه العجيبة الرائعة، المتنوّعة الألوان والأنواع والأجناس، والثمار المتنوّعة الألوان، والجبال الملوّنة الشّعاب، والنّاس والدّواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.
والمؤمن يقرأ في الكتاب المنزل، ويستيقن بما فيه من الحقّ المصدّق لما بين يديه من الكتاب المنزلة، وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة، ودرجات الوارثين وما ينتظرهم جميعا من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين، ومشهدهم في دار النعيم ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة، المديدة، المنوّعة الألوان، بتقرير أنّ ذلك كلّه يكون وفقا لعلم الله، العليم بذات الصّدور.
٥- دلائل الإيمان
تشتمل الآيات [٣٩- ٤٥] على الفقرة الأخيرة من السّورة، وفيها دلائل يقدّمها القرآن ليحرّك القلوب نحو الإيمان. وتجول الآيات جولات واسعة المدى، تشتمل على إيحاءات شتّى: جولة مع البشريّة في أجيالها
стр. 1758
المتعاقبة يخلف بعضها بعضا، «وجولة في الأرض والسّماوات للبحث عن أيّ أثر للشّركاء الّذين يدعونهم من دون الله وجولة في السّماوات والأرض، كذلك لرؤية يد الله القوية تمسك بالسماوات والأرض أن تزولا، وجولة مع هؤلاء المكذّبين بتلك الدلائل والآيات كلها وهم قد عاهدوا الله من قبل: لئن جاءهم نذير ليكوننّ أهدى من إحدى الأمم، ثمّ نقضوا هذا العهد وخالفوه. فلمّا جاءهم نذير ما زادهم إلّا نفورا وجولة في مصارع المكذّبين من قبلهم، وهم يشهدون آثارهم الداثرة، ولا يخشون أن تدور عليهم الدائرة، وأن تمضي فيهم سنّة الله الجارية» «١» .
ثمّ الختام الموحي الموقظ للقلب، المبين فضل الله العظيم في إمهال العصاة: فإن تابوا قبل توبتهم، وإن أصرّوا على المعصية عاقبهم وحاسبهم قال تعالى:
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥) .
стр. 1759
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «فاطر» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة فاطر بعد سورة الفرقان، وقد نزلت سورة الفرقان بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزولها في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ١] فسمّيت باسم فاطر الّذي ابتدئت به بعد ذكر اسم الحمد، ومثل هذا يكفي في تسميتها به، وتبلغ آياتها خمسا وأربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات اختصاص الله تعالى بالحمد، ولهذا يدور الكلام فيها على ذكر ما يوجب حمده على الناس، ليفوزوا برضاه وينجوا من عقابه، وقد افتتحت بإثبات اختصاصه تعالى بالحمد، وتبشير المؤمنين الحامدين بفتح أبواب الرحمة لهم فاتّصل أوّلها بما جاء في آخر السورة السابقة من قطع رجاء المشركين في ربهم، لأنّ الضّدّ يدعو إلى ذكر الضّدّ.
اختصاص الله تعالى بالحمد الآيات [١- ٨]
قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) فذكر اختصاصه بالحمد لأنه مبدع السماوات
стр. 1760
والأرض، وجاعل الملائكة رسلا يوصلون آثار قدرته وصنعه فإذا أرسلهم إلى الناس برحمته فلا معارض له في إرسالها، وإذا أمسكها عنهم فلا مرسل لها من بعده ثمّ أمر الناس أن يذكروا ما رحمهم به من النعم، ليعلموا أنه لا خالق لها غيره، وأنه هو الرازق وحده، فإذا لم يؤمنوا بذلك فسوف يكون إليه جلّ وعلا مرجعهم، ليعاقبهم على كفرهم بما أنعم به عليهم ثم ذكر سبحانه أن ما وعد به من رجوعهم إليه حقّ لا يصحّ أن تغرّهم عنه أسباب دنياهم، أو الشيطان الّذي هو عدوّ لهم، ويزيّن ما يزيّنه لأتباعه ليوقعهم في عذاب ربّهم ثم ذكر استحقاقهم ذلك العذاب، وذكر استحقاق المؤمنين للمغفرة والأجر، وأيّد ذلك بقوله جلّ وعلا: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) .
آيات تدل على اختصاصه بالحمد الآيات [٩- ٤٥]
ثمّ قال تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) فذكر، ممّا يدل على اختصاصه بالحمد، إرساله الرياح بالمطر لإحياء الأرض بعد موتها، وأنّه كما يحيي الأرض بذلك ينشر الموتى من قبورهم، لأنّه المتفرّد وحده بالعزّة والقدرة، وإليه تصعد أعمال الناس فيحاسبهم عليها.
ثم ذكر من ذلك خلقه لنا من تراب، وجعله لنا أزواجا وتفرّده بعلم ما تحمل كلّ أنثى وما تضع، وخلقه بحرين أحدهما عذب سائغ شرابه، وثانيهما ملح أجاج، ومن كلّ منهما نأكل لحما طريّا ونستخرج حلية نلبسها.
ثمّ ذكر من ذلك، أنّه هو الّذي يولج اللّيل في النّهار ويولج النّهار في اللّيل، ويسخّر الشّمس والقمر كلّ يجرى إلى أجل مسمّى، وأنّ من يكون هذا شأنه يكون هو المتفرّد بالملك والحمد وأمّا الّذين يدعونهم آلهة، فلا يملكون شيئا، لأنّهم جماد لا يسمعون شيئا، فإذا جاء يوم القيامة ظهر ضعفهم وكفروا بشرك من يعبدونهم. ثمّ ذكر لهم أنّهم فقراء إليه وهو سبحانه غنيّ عنهم، وإن يشأ يذهبهم ويأت بخلق غيرهم يعرفون فضله عليهم وأنّ ما
стр. 1761
يزرونه من شرك وغيره لا يحمل وزره غيرهم، كما أنّ من تزكّى فإنّما يتزكّى لنفسه، ولا يمكن أن يستويا في ذلك، كما لا يستوي الأعمى والبصير، ولا الظّلّ ولا الحرور ولا الأحياء ولا الأموات ثم ذكر، جلّت قدرته، أنه لا شيء على النبي (ص) من تكذيبهم، وأنّهم إن يكذّبوه في ذلك فقد كذّب الّذين من قبلهم، فأهلكهم بآيات العذاب الّتي أرسلها عليهم.
ثمّ ذكر من ذلك إنزاله ماء المطر الّذي أخرج به ثمرات مختلفا ألوانها، وتنويعه الجبال إلى جبال ذات طرائق بيض وحمر، وغير ذلك من ألوانها، وتنويعه الناس والدّوابّ والأنعام إلى أنواع مختلفة الألوان وأنّ ذلك إنّما يعرفه العلماء الّذين يخشونه، ويتلون كتابه فيتدبّرونه ويعملون به ثمّ ذكر فضل هذا الكتاب، وأنّه جاء مصدّقا لما قبله من الكتاب، وأنّه أورثه هذه الأمّة الّتي اصطفاها من عباده، فانقسمت فيه إلى ظالم لنفسه ترجّحت سيّئاته، وإلى مقتصد تساوت حسناته وسيّئاته، وإلى سابق بالخيرات ترجّحت حسناته، وبيّن ما أعدّ لهم من الثواب، وما أعدّ للكافرين من العقاب ثمّ أمر النبيّ (ص) أن يقول لهم: أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ [الآية ٤٠] : ليسجّل عجزها عما يزعمونه من شفاعتها لهم، لأنّه، سبحانه، هو الّذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولا يمكن أن يمسكهما غيره إن زالتا.
ثمّ ختمت السورة ببيان أنهم يكافرون بذلك عنادا، لأنّهم كانوا يقسمون مجتهدين إن جاءهم نذير ليكوننّ أهدى من اليهود أو النّصارى الّذين كذّبوا رسلهم. فلمّا جاءهم نذير لم يزدهم إلّا نفورا، فاستكبروا في الأرض، ومكروا مكرا سيّئا، ولا يحيق المكر السّيّئ إلّا بأهله، وتلك سنّته فيمن كذّب قبلهم برسله، لا تتبدّل ولا تتحوّل، فلينظروا كيف كانت عاقبتهم، وقد كانوا أشدّ منهم قوّة، وما كان الله ليعجزه شيء في السماوات والأرض، إنّه كان عليما قديرا: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥) .
стр. 1762
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «فاطر» »
أقول: مناسبة وضعها بعد سبأ:
تأخيهما في الافتتاح بالحمد، مع تناسبهما في المقدار.
وقال بعضهم: افتتاح سورة فاطر بالحمد مناسب لختام ما قبلها، من قوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [سبأ: ٥٤] .
كما قال سبحانه: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥) [الأنعام] ، فهو نظير اتصال أوّل الأنعام بفصل القضاء المختتم به المائدة «٢» .
стр. 1763
المبحث الرابع مكنونات سورة «فاطر» «١»
١- وَيَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية ١٤] .
أخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن الفضل الحدّاني «٢» قال: أرسل الحجّاج الى عكرمة يسأله عن يوم القيامة، أمن الدنيا هو أم من الاخرة؟ فقال: صدر ذلك اليوم من الدنيا وآخره من الاخرة.
٢- أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [الآية ٣٧] .
فسّر في حديث مرفوع، بالسّتين.
أخرجه الطبراني «٣» من حديث ابن عبّاس. وله شاهد من حديث أبي هريرة في «الصحيح» «٤» .
وأخرجه ابن جرير من طريق عن ابن عباس موقوفا.
وأخرج من وجه آخر عنه أنه أربعون سنة.
٣- وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [الآية ٣٧] .
هو محمّد (ص) «٥» .
стр. 1764
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «فاطر» «١»
وقال تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الآية ٤] .
أقول: قال النحاة: كلّ جمع مؤنّث، وهذا يعني أنّ الغالب على معنى الجمع هو التأنيث، إذا استثنينا جمع المذكّر السالم.
ويصدق قولهم: إنّ الجمع مؤنث في كثير من الألفاظ المذكّرة الدّالّة على العاقل، مثل كلمة، «رسل» فهي جمع رسول.
٢- وقال تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ [الآية ٩] .
أقول: الميّت بالتشديد «فيعل» ، وقد يخفف فيكون «ميت» ، «فعل» مثل «ضيّق» و «ضيق» .
وقد ورد «ميت» بالتخفيف في قوله تعالى:
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا [الفرقان: ٤٩] .
كما ورد «ضيّق» بالتشديد، في قوله تعالى:
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام: ١٢٥] .
٣- وقال تعالى: وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ [الآية ١٠] .
أي: ومكر أولئك يكسد ويفسد.
أقول: والبوار كثير استعماله في التجارة، فيقال تجارة بائرة أو بضاعة بائرة، هذا في العربية المعاصرة، ومثله ورد في قوله تعالى: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [الآية ٢٩] .
стр. 1765
٤- وقال تعالى: ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [الآية ١٣] .
أقول: لم يأت «قطميرا» في الآية، لتكون الآية على نمط الفواصل في السورة كلها، ذلك أنّ المعنى: ما يملكون شيئا.
إنّ قوله تعالى: ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ أبلغ ممّا لو قيل:
«ما يملكون شيئا» ، من قبل أنّ القطمير شيء لا قيمة له البتّة، ولا يلتفت اليه فهو لفافة النّواة.
٥- وقال تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ [الآية: ٢٧] .
أقول: وصف قوله تعالى: جُدَدٌ ب بِيضٌ، ووَ حُمْرٌ ثم قوله تعالى: وَغَرابِيبُ سُودٌ يدلّنا على أن الوصف للجمع لا يكون، ولا يصحّ ب «فعلاء» ، بل يكون ب «فعل» جمع أفعل فعلاء.
وعلى هذا، يكون من ذهب إلى خطأ قولنا: صحائف بيضاء على حقّ.
٦- وقال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً [الآية ٣٧] .
أقول: يَصْطَرِخُونَ، بمعنى:
يتصارخون.
لم نسمع في غير هذه الآية «افتعل» من الصراخ.
٧- وقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ [الآية ٣٩] .
والخلائف جمع خليفة، فأما خلفاء فهي في الأصل جمع خليف، مثل شريف وشرفاء، ولكنّها شاعت في جمع خليفة، لوجود الخليفة مستعملا في العربية أكثر من الخليف.
٨- وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [الآية ٤١] .
أقول: كنّا قد أشرنا إلى مثل هذه الآية في احتساب السَّماواتِ مفردا، بإزاء الْأَرْضَ الّتي هي مفرد فرجع الضمير إليهما ضمير الاثنين في قوله سبحانه: أَنْ تَزُولا، وهذا شيء من خصائص لغة القرآن.
стр. 1766
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «فاطر» «١»
في قوله تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [الآية ١] لم تصرف «ثلاث» و «رباع» على تأويل «الثلاثة» و «الأربعة» . وهذا لا يستعمل إلّا في حال العدد. وقال سبحانه في مكان آخر أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى [سبأ:
٤٦] ، وتقول «ادخلوا أحاد أحاد» كما تقول «ثلاث ثلاث» . وقال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد الثاني والستون بعد المائة] .
أحمّ الله ذلك من لقاء أحاد أحاد في شهر حلال وقال تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [الآية ٢] بالتأنيث لذكر (الرحمة) وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ.. بالتذكير لأنّ لفظ (ما) يذكّر.
وقوله تعالى: وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [الآية ١٨] خبر.
وقال تعالى: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها [الآية ١٨] فكأنّ المعنى «إن تدع إنسانا لا يحمل من ثقلها شيئا ولو كان الإنسان ذا قربى.
في قوله تعالى: وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) يشبه أن تكون (لا) زائدة لأنك لو قلت: «لا يستوي عمرو ولا زيد» في هذا المعنى، لم يكن إلّا أن تكون (لا) زائدة.
وقال تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ [الآية ٢٧] و «الجدد» واحدتها
стр. 1767
«جدّة» و «الجدد» هي ألوان الطرائق الّتي فيها. مثل «الغدّة» وجماعتها «الغدد» ولو كانت جماعة «الجديد» لكانت «الجدد» . وإنّما قرئت مُخْتَلِفاً أَلْوانُها [الآية ٢٧] لأنّ كلّ صفة مقدّمة فهي تجري على الّذي قبلها، إذا كانت من سببه فالثّمرات في موضع نصب.
وقال تعالى: وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها [الآية ٢٧] برفع «المختلف» لأنّ الّذي قبلها مرفوع.
وقال سبحانه: هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً [الآية ٣١] لأنّ «الحقّ» معرفة.
وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما [الآية ٤١] بالتثنية، وقد قال سبحانه: السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فهذه جماعة وأرى، والله أعلم، أنّ السياق جعل السماوات صنفا كالواحد.
وقال تعالى: لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [الآية ٤٢] فجعلها السياق إحدى، لأنها أمّة.
وقال تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [الآية ٤٥] بإضمار الأرض من غير أن يكون ذكرها، لأنّ هذا الكلام قد كثر حتى عرف معناه تقول: «أخبرك ما على ظهرها أحد أحبّ إليّ منك وما بها أحد آثر عندي منك» .
وقال تعالى: وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [الآية ٣٦] وقد قال سبحانه:
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) [الإسراء] أي: «لا يخفّف عنهم من العذاب الّذي هو هكذا» .
стр. 1768
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «فاطر» «١»
إن قيل: قوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الآية ٩] . لم جاء فَتُثِيرُ مضارعا دون ما قبله وما بعده؟
قلنا: هو مضارع وضع موضع الماضي، كما في قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب:
٣٧] .
فإن قيل ما معنى قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ [الآية ١١] ؟
قلنا: معناه وما يعمّر من أحد، وإنّما سمّاه بما هو صائر إليه.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [الآية ٢٤] ، وكم من أمة كانت في الفترة بين عيسى (ع) ومحمد (ص) ولم يخل فيها نذير؟
قلنا: إذا كان آثار النّذارة باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس، وحين اندرست آثار نذارة عيسى (ع) بعث محمد ﵊.
فإن قيل: لم اكتفى ، بذكر النّذير عن البشير في آخر الآية، بعد سبق ذكرهما في أوّلها؟
قلنا: لمّا كانت النّذارة مشفوعة بالبشارة، لا محالة، استغني بذكر أحدهما عن الاخر بعد سبق ذكرهما.
فإن قيل: ما الفرق بين النّصب واللّغوب حتّى عطف أحدهما على الاخر؟
стр. 1769
قلنا: النّصب المشقّة والكلفة، واللّغوب الفتور الحاصل بسبب النّصب فهو نتيجة النّصب، كذا فرّق بينهما الزمخشري ﵀. ويردّ على هذا، أن يكون انتفاء الثاني معلوما من انتفاء الأول.
فإن قيل ما الحكمة في قوله تعالى رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [الآية ٣٧] ، مع أنه قد يفيد أنهم يعملون صالحا آخر غير الصالح الّذي عملوه، وهم ما عملوا صالحا قطّ، بل سيئا؟
قلنا: هم كانوا يحسبون أنّهم على سيرة صالحة، كما قال تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) [الكهف] فمعناه غير الّذي كنا نحسبه صالحا، فنعمله.
стр. 1770
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «فاطر» «١»
قوله سبحانه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [الآية ١٠] هذه استعارة. وليس المراد أنّ هناك على الحقيقة شيئا يوصف بالصّعود، ويرتقي من سفال إلى علوّ. وإنّما المراد أنّ القول الطّيب والعمل الصالح متقبّلان عند الله تعالى، واصلان إليه سبحانه. بمعنى أنهما يبلغان رضاه، وينالان زلفاه. وأنّه تعالى لا يضيّعهما ولا يهمل الجزاء عليهما. وهذا كقول القائل لغيره: قد ترقّى الأمر إلى الأمير. أي بلغه ذلك على وجهه، وعرفه على حقيقته. وليس يريد به الارتقاء الّذي هو الارتفاع، وضده الانخفاض.
ووجه آخر: قيل إن معنى ذلك صعود الأقوال والأعمال إلى حيث لا يملك الحكم فيه إلّا الله سبحانه. كما يقال ارتفع أمر القوم إلى القاضي. إذا انتهوا إلى أن يحكم بينهم، ويفصل خصامهم. ووجه آخر: قيل إنّ الله سبحانه لمّا كان موصوفا بالعلوّ على طريق الجلال والعظمة، لا على طريق المدى والمسافة، فكلّ ما يتقرّب به إليه من قول زكيّ، وعمل مرضيّ فالإخبار عنه يقع بلفظ الصعود والارتفاع، على طريق المجاز والاتّساع.
وقوله سبحانه: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [الآية ١٨] .
وقد مضى نظير هذا الكلام في الأنعام، وفي بني إسرائيل، وتركنا الإشارة إليه
стр. 1771
هناك لمّا جاءت في هذا الموضع زيادة حققت الكلام بالاستعارة، فاحتجنا إلى العبارة عنها أسوة بنظائرها. فنقول: إنّ قوله سبحانه: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي لا تحمل حاملة حمل غيرها يوم القيامة. يقال: وزر، يزر وزرا، إذا حمل. والاسم الوزر. ومن ذلك أخذ اسم الوزير، لأنه حامل الثّقل عن الأمير. والمعنى: ولا يحمل مذنب ذنب غيره، ولا يؤخذ بجرمه وجنايته.
والزيادة في هذا الموضوع قوله تعالى: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى فشبّه تعالى استغاثة المثقّل من الآثام باستغاثته من الإعياء. لأنّ من عادة من تلك حاله أن يطلب من يشاطره الحمل، ويخفّف عنه الثّقل. فأمّا في ذلك اليوم فلا يهمّ كلّ امرئ إلّا نفسه، ولا يعنيه إلّا أمره، ولا يعين أحد أحدا، ولا يخفّف مدعوّ من داع ثقلا، ولو كان أولى الناس بأمره، وأقربهم التياطا به، وانتياطا «١» بنسبه.
وإنّما قال سبحانه: مُثْقَلَةٌ. ولم يقل: «مثقل» . لأنه ردّ ذلك إلى النفس، ولم يردده إلى الشخص.
وقوله سبحانه: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [الآية ٤٣] وهذه استعارة. والمراد أن الله سبحانه يعاقب المشركين على مكرهم بالمؤمنين، فكأنما مكروا بأنفسهم، ووجّهوا الضرر إليهم، لا إلى غيرهم، إذ كان المكر عائدا بالوبال عليهم. ومعنى لا يحيق أي لا يحلّ، ولا ينزل، ولا يحيط إلّا بهم.
وهذه الألفاظ كلها بمعنى واحد.
стр. 1772
سورة يس ٣٦
стр. 1773
المبحث الأول أهداف سورة «يس» «١»
سورة «يس» سورة مكّية، نزلت في الفترة المتوسّطة من حياة المسلمين في مكّة، أي فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، وآياتها ٨٣ آية نزلت بعد سورة الجن.
وللسورة اسمان: سورة «يس» لافتتاحها بها، وسورة «حبيب النجار» لاشتمالها على قصته، فقد جاء في تفسير قوله تعالى:
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) أنّ هذا الرجل يسمّى «حبيب النّجّار» .
مقصود السورة
قال الفيروزآبادي: «معظم مقصود سورة «يس» : تأكيد أمر القرآن والرسالة، وإلزام الحجة على أهل الضلالة، وضرب المثل بأهل قرية أنطاكية، في قوله تعالى:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) .
وذكر قصة «حبيب النجار» ، الّذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وبيان البراهين المختلفة في إحياء الأرض الميتة، وإبداء الليل والنهار، وسير الكواكب ودوران الأفلاك، وجري الجواري المنشئات في البحار، وذلّة الكفار عند الموت، وحيرتهم ساعة البعث، وسعادة المؤمنين المطيعين، وشغلهم في الجنّة، وتميّز المؤمن من الكافر في القيامة، وشهادة الجوارح على أهل المعاصي بمعاصيهم، والمنّة
стр. 1774
على الرسول (ص) بصيانته من الشعر ونظمه، وإقامة البرهان على البعث، ونفاذ أمر الحق في كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) ، وكمال ملك ذي الجلال على كل حال» «١» في قوله سبحانه:
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) .
ملامح السورة
لسورة يس وقع خاص في نفوس المسلمين، يردّدون قراءتها في الصباح والمساء، وتقرأ على المريض للشفاء، وعلى المحتضر لتيسير خروج الروح، وعلى المقابر لتنزل الرحمة على الموتى، وقد أخرج ابن حبّان في صحيحه مرفوعا:
«من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر الله له» «٢» .
وتتميز سورة يس بقصر الآيات، وسهولة القراءة، وتتابع المشاهد وتنوّعها، من بدء السورة إلى نهايتها.
والموضوعات الرئيسة في السورة، هي موضوعات السورة المكّيّة، وهدفها الأول هو بناء أسس العقيدة، فهي تتعرض لطبيعة الوحي وصدق الرسالة، وتسوق قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، لتحذّر من عاقبة التكذيب بالوحي والرسالة، وتعرض هذه العاقبة في القصّة على طريقة القرآن الكريم في استخدام القصص لتدعيم قضاياه وتعود السورة، قبيل نهايتها، إلى الموضوع ذاته، فتوضح أنّ ما يوحى إلى محمد (ص) ، ليس شعرا ولكنّه ذكر وقرآن مبين.
كذلك تتعرّض السّورة لقضيّة الألوهيّة والوحدانيّة، فيجيء استنكار الشّرك على لسان الرّجل المؤمن، الّذي جاء من أقصى المدينة ليعلن إيمانه بالمرسلين، وهو يقول كما ورد في التنزيل:
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) .
والقضيّة الّتي يشتدّ عليها التركيز في مواضع كثيرة من السورة، هي قضية البعث والنشور. وتحكي السورة قصّة
стр. 1775
أبيّ بن خلف، حين جاء بعظم قد رمّ وبلي وصار ترابا، ثمّ ضغط عليه بيديه، ونفخ فيه فطار في الفضاء، ثمّ قال: «يا محمّد تزعم أنّ ربّك يبعث هذا بعد ما رمّ وبلي وصار ترابا» ، فقال له: النبي (ص) «نعم ويبعثك ويدخلك النار» ، قال تعالى:
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) .
«والقضايا المتعلّقة ببناء العقيدة، تتكرّر في السور المكّية، ولكنّها تعرض كلّ مرّة من زاوية معيّنة، تحت ضوء معيّن، مصحوبة بمؤثّرات تناسب جوّها، وتتناسق مع إيقاعها وصورها.
«وهذه المؤثرات منتزعة في هذه السورة من مشاهد القيامة، بصفة خاصة، ومن مشاهد القصة ومواقفها وحوارها، ومن مصارع الغابرين على مدار القرون، ثمّ من المشاهد الكونية الكثيرة، المتفرعة الموحية: مشهد الأرض الميتة تدب فيها الحياة، ومشهد الليل يسلخ منه النهار فإذا هو ظلام، ومشهد الشمس تجري لمستقرّ لها، ومشهد القمر يتدرّج في منازله حتّى يعود كالعرجون القديم، ومشهد الفلك المشحون يحمل ذرّية البشر الأوّلين، ومشهد الأنعام مسخّرة للادميين، ومشهد النطفة وتحوّلها في النهاية إلى إنسان فإذا هو خصيم مبين، ومشهد الشجر الأخضر تكمن فيه النار الّتي يوقدون» «٣» .
فصول السورة
يجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في ثلاثة فصول:
١- رسالة ورسول
يستغرق الفصل الأول من السورة الآيات [١- ٢٩] ، ويبدأ بالقسم بالحرفين «يا سين» وبالقرآن الحكيم على صدق رسالة النبي (ص) ، وأنّه على صراط مستقيم، ثم يبيّن أنّ القرآن الكريم منزل من عند الله تعالى، لإنذار العرب الّذين لم ينذر آباؤهم من قبل فوقعوا فيما وقعوا من الغفلة، وحقّ العذاب على أكثرهم بسببها، وقد
стр. 1776
جرت سنّة الله سبحانه ألّا يعذّب قوما إلّا بعد أن يرسل إليهم من ينذرهم، ثمّ وصف حرمانهم من الهداية وإمعانهم في الغواية، كأنّما وضعت أغلال في أعناقهم بلغت إلى أذقانهم، ووضعت سدود بين أيديهم ومن خلفهم فصاروا لا يبصرون وبيّن أنّ الإنذار إنّما ينفع من اتّبع الذكر وخشي الرّحمن بالغيب، فاستعدّ قلبه لاستقبال دلائل الهدى، وموحيات الإيمان. ثم يوجّه النبي (ص) إلى أن يضرب لهم مثلا أصحاب القرية.
(قصة أصحاب القرية) ضرب الله ﷻ لأهل مكّة مثلا قصّة أهل أنطاكية بالشام، أرسل سبحانه إليهم رسولين، هما يوحنا وبولس من حواريّي عيسى (ع) ، فكذّبهما أهل القرية، فأرسل الله جلّ وعلا، ثالثا على درجة من الذكاء في توجيه الدّعوة، واستمرّ التّكذيب من الكافرين، وبيان الحجة وأدلّة الإيمان من المرسلين. ثمّ جاء رجل مؤمن يسمى «حبيب النجار» فدعا قومه إلى الإيمان بالرسل، فاتّهموه بأنه مؤمن، فأعلن إيمانه في ظروف حرجة، وتعرّض الرجل للإيذاء والقتل، فحظي بالشهادة والجنّة، وتمنّى لو أنّ قومه يعلمون منزلته الآن عند الله سبحانه.
أمّا القرية الظالمة فقد صاح بها الملك صيحة أهلكتها، أفلا يعتبر أهل مكّة بهذه القرية، وبالقرون الّتي هلكت جزاء كفرها؟ وسيجتمع الجميع أمام الله تعالى يوم القيامة، ويتميّز المؤمنون بحسن الثواب، ويحلّ بالكافرين سوء العقاب.
٢- أدلة الايمان
بعد الحديث في الدرس الأول عن المشركين الّذين واجهوا دعوة الإسلام بالتكذيب، والمثل الّذي ضربه الله لهم في قصة أصحاب القرية المكذّبين، وما انتهى إليه أمرهم من الهلاك، بصيحة الملاك، فإذا هم خامدون تحدثت الآيات [٣٠- ٦٨] عن موقف المكذّبين بكل ملّة ودين، وعرضت صور البشرية الضالّة على مدار القرون، ثم أخذت في استعراض الآيات الكونية، الّتي يمرّون عليها معرضين غافلين، وهي مبثوثة في أنفسهم وفيما حولهم.
فالماء الّذي يحيي الأرض بأنواع
стр. 1777
الجنان والنخيل والأعناب، واللّيل والنّهار والشّمس والقمر، والنّبات والإنسان، وكلّ ما في الكون قد أبدع بنظام دقيق، فللشّمس مدارها، وللقمر مساره، ولليل وقته، وللنهار أوانه: لا يتأخر كوكب عن موعده، ولا يختلّ نظام، ولا تضطرب حركات الكون:
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) .
ثمّ تحدّثت الآيات عن عناد المشركين، واستعجالهم العذاب غير مصدّقين:
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) .
وبمناسبة ذلك يستعرض مشهدا من مشاهد القيامة، يرون فيه مصيرهم الّذي به يستعجلون، كأنّه حاضر تراه العيون.
٣- وحي لا شعر
يشتمل الدرس الثالث على الآيات الممتدة من الآية ٦٩ الى آخر السّورة.
ويكاد هذا الفصل يلخّص موضوعات السورة كلّها، فينفي في أوّله أن ما جاء به محمد (ص) شعر، وينفي عن الرسول (ص) كلّ علاقة بالشّعر أصلا، ثمّ يعرض بعض المشاهد واللّمسات الدالّة على الألوهيّة المنفردة، وينعي عليهم اتّخاذ آلهة من دون الله يبتغون عندهم النصر، وهم الّذين يقومون بحماية تلك الالهة المدّعاة ويتناول قضية البعث والنشور، فيذكّرهم بالنشأة الأولى من نطفة، ليروا أنّ إحياء العظام وهي رميم، كتلك النشأة ولا غرابة، ويذكّرهم بالشجر الأخضر الّذي تكون فيه النار، وهما في الظاهر بعيدان، وبخلق السماوات والأرض، وهذا الخلق شاهد للقدرة على خلق أمثالهم من البشر في الأولى والاخرة وفي ختام السورة نجد برهان القدرة الإلهية والإرادة الربّانيّة، فالله مالك كلّ شيء في الدّنيا والاخرة، وإليه المآب والمرجع قال تعالى:
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) .
стр. 1778
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «يس» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «يس» بعد سورة «الجنّ» ، وكان نزول سورة الجن في رجوع النبي (ص) من الطائف، وكان قد سافر إليها سنة عشر من بعثته، ليعرض الإسلام على أهلها، فيكون نزول سورة «يس» فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لابتدائها بالقسم بهذين الحرفين اللذين سميت بهما، وتبلغ آياتها ثلاثا وثمانين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السّورة إثبات الرّسالة، وبيان الحاجة إليها، وهي إنذار العرب الّذين لم ينذروا من قبل النبي (ص) ، وقد حقّ عذاب الله عليهم بغفلتهم وفجورهم. ويدور السّياق في هذه السورة على ذكر ما يدلّ على قدرة الله على ذلك من الأمثلة والآيات، وقد ختمت السورة السابقة بإنذارهم بذلك العذاب، وأن الله لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض فجاءت هذه السورة لإثبات قدرة الله تعالى المطلقة، بتلك الأمثلة والآيات.
حاجتهم إلى رسول لإنذارهم الآيات [١- ١٢]
قال الله تعالى: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) ،
стр. 1779
فأقسم بهذين الحرفين على أن محمّدا (ص) من المرسلين، ثم ذكر الحاجة الى رسالته، وهي إنذار العرب الّذين لم ينذر آباؤهم من قبل، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الغفلة، وحقّ العذاب على أكثرهم بسببها وقد جرت سنّة الله تعالى ألّا يعذّب قوما إلّا بعد أن يرسل إليهم من ينذرهم ثم ذكر سبحانه، أنه بلغ من استحكام غفلتهم، أنهم كانوا كأنّما كانت في أعناقهم أغلال بلغت إلى أذقانهم، فارتفعت بها رؤوسهم وصاروا لا يبصرون الطريق الّذي يخلّصهم منها ثم ذكر أن من وصلت بهم الغفلة إلى هذا الحدّ، وهم الأكثر عددا، لا فائدة في إنذارهم، وإنّما ينذر من كان عنده استعداد لاتّباع الذكر، وخشية من العذاب، وهؤلاء لهم البشرى بمغفرة وأجر كريم: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢) .
إثبات قدرته على عذابهم الآيات [١٣- ٨٣]
ثم قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) فذكر سبحانه، ممّا يدلّ على قدرته على عذابهم، مثل أصحاب تلك القرية مع رسلهم، وقد فصّله بما فصله به، إلى أن ذكر سبحانه، أنه لم يحتج في عذابهم إلى إنزال جند من السماء عليهم، وإنما كانت صيحة واحدة أخمدتهم، وجعلتهم يستحقّون التحسّر على ما أصابهم، بسبب استهزائهم بمن كان يأتيهم من الرسل، وعدم اتّعاظهم بما يرونه من الأمم الّتي أهلكت قبلهم، وأنّهم إليهم لا يرجعون: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢) .
ثم ذكر تعالى من ذلك، آية إحياء الأرض بعد موتها، فأخرج منها حبّا وجعل فيها جنات من نخيل وأعناب، إلى غير هذا ممّا ذكره في هذه الآية.
ثمّ ذكر سبحانه من ذلك آية سلخ النهار من الليل، وجري الشمس لمستقرّ لها، وتقدير القمر منازل، الى غير هذا ممّا ذكره في هذه الآية.
ثم ذكر ﷻ ، من ذلك آية حمل ذرّيتهم في الفلك الّتي تجري بهم في البحر، وأنه، جلّ شأنه، إن يشأ يغرقهم، فلا يقدر أحد على إنقاذهم، ولكنّ رحمته سبحانه هي الّتي اقتضت أن يمهلهم الى حين ثم ذكر أنهم مع
стр. 1780
هذا، إذا قيل لهم احذروا مثل هذا العذاب، لعلّ الله يرحمكم، ويمنعه عنكم، أعرضوا كما يعرضون عن كل آية تأتيهم، وأنهم إذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله، قالوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه، ثم ذكر سبحانه أنهم يقولون مستهزئين متى هذا الوعد بالعذاب؟ وأجاب عنه بأنهم لا ينظرون إلّا صيحة واحدة وهم يجادلون فيه، فلا يستطيعون توصية ولا رجوعا الى أهلهم ثم ذكر جلّ وعلا أنه بعد صيحة العذاب، تكون صيحة النفخ في الصور، فيبعثون من القبور وفصّل ما يكون بعد البعث من الثّواب والعقاب، إلى أن ذكر أنّ الكافرين ينكرون في ذلك اليوم كفرهم، فيختم على أفواههم، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وأنه لو يشاء سبحانه لطمس على أعينهم، ومسخ على مكانتهم، فأعجزهم عن الحركة كما أعجزهم عن النطق بالختم على أفواههم كما ينكّس من يعمّره في الخلق، فيردّه من القوة إلى الضعف والإعياء ثم ذكر أن ما يوعدون به من ذلك ليس بقول شاعر يلقي القول على عواهنه، وإنّما هو ذكر وقرآن مبين لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) .
ثم ذكر من ذلك، أنّه سبحانه خلق لهم أنعاما، وذلّلها لركوبهم وأكلهم، وجعل لهم فيها منافع ومشارب توجب شكره عليهم ولكنّهم يتّخذون من دونه آلهة يزعمون أنها تنصرهم، وتدفع عنهم ما يوعدون به من العذاب، مع أنها لا تستطيع أن تدفع عنهم شيئا إذا جاء يوم عذابهم وتتبرّأ منهم ثم نهى النبي (ص) أن يحزن لكفرهم بقوله تعالى: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) .
ثمّ ذكر سبحانه، من ذلك، خلقه الإنسان من نطفة، فإذا هو خصيم مبين وذكر من خصامه أنه يضرب مثلا لإنكار بعثه فيقول كما ورد في التنزيل: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) ، وأمر النبي (ص) أن يجيبه بأن الّذي أنشأها أوّل مرة، قادر على إحيائها وذكر من قدرته تعالى، على ذلك أنّه يجعل من الشجر الأخضر نارا، وأنّه هو الّذي خلق السماوات والأرض، وإذا أراد شيئا قال له:
كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) .
стр. 1781
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يس» «١»
أقول: ظهر لي وجه اتّصالها بما قبلها: أنّه لمّا ذكر تعالى في سورة فاطر قوله: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر: ٣٧] ، وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ [فاطر: ٤٢] ، والمراد به محمد (ص) «٢» وقد أعرضوا عنه وكذّبوه، فافتتح هذه السّورة بالإقسام على صحة رسالته، وأنّه على صراط مستقيم، لينذر قوما ما أنذر آباؤهم. وهذا وجه بيّن.
وفي فاطر: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الآية ١٣] . وفي يس وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) . وذلك أبسط وأوضح.
وفي فاطر: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ [الآية ١٢] . وفي يس: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) ، فزاد القصّة بسطا.
стр. 1782
المبحث الرابع مكنونات سورة «يس» «١»
١- أَصْحابَ الْقَرْيَةِ [الآية ١٣] .
قال بريدة «٢» : أنطاكية. أخرجه ابن أبي حاتم.
٢- إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ [الآية ١٤] .
هما: شمعون ويوحنّا. أخرجه ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي، قال:
واسم الثالث: بولس «٣» .
وأخرج عن كعب ووهب: أنّ الثلاثة: صادق، وصدوق، وشلوم.
وأخرج ابن سعد عن ابن عبّاس: أنّ الثالث الّذي عزّز به شمعون.
٣- وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ [الآية ٢٠] .
قال ابن عبّاس: هو حبيب النجّار.
أخرجه ابن أبي حاتم من طرق عنه، وعن قتادة، وكعب، ووهب، وغيرهم «٤» .
وأخرج عن عمر بن الحكم: أنه كان إسكافا.
وعن السّدّيّ: أنه كان قصّارا.
٤- لِمُسْتَقَرٍّ لَها [الآية ٣٨] .
أخرج الأئمّة الخمسة «٥» عن أبي ذرّ
стр. 1783
قال: سألت النبي (ص) عن قول الله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها.
قال: مستقرّها تحت العرش.
٥- أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ [الآية ٧٧] .
نزلت في العاصي بن وائل، كما أخرجه الحاكم «١» عن ابن عبّاس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد، وعكرمة، وعروة، والسّدّيّ: في أبيّ بن خلف.
وأخرج ابن جرير «٢» من طريق العوفي، عن ابن عبّاس: في عبد الله بن أبيّ. وقيل في أميّة بن خلف. حكاه ابن عساكر.
стр. 1784
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يس» «١»
١- وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) .
والمقمح: الّذي يرفع رأسه ويغضّ بصره، يقال: قمح البعير فهو قامح إذا روي، فرفع رأسه.
ومنه شهرا قماح، سمّيا بذلك، لأنّ الإبل إذا وردت فيهما آذاها برد الماء، فقامحت.
أقول: ليقف دارس العربية وقفة طويلة على هذه الأصول البدويّة القديمة، الّتي أحالها المعربون إلى مواد أخرى، تبدو كأنّها قطعت الصلة بأصولها القديمة.
٢- وقال تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) .
قرئ: بإدغام التّاء في الصّاد، مع فتح الخاء وكسرها، وإتباع الياء الخاء في الكسر، والأصل: يختصمون، وبها قراءة أيضا.
أقول: وقد تعجب أن القراآت المشهورة تبدو أحيانا غريبة، وقد تتجاوز المألوف الشائع الّذي درجت عليه العربيّة، فتأتي أبنية غريبة كهذه الكلمة، في حين يبتعد عن الأصل الشائع.
٣- وقال تعالى: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) .
стр. 1785
وقرئ: «فكهون» بكسر الكاف وضمّها، مثل حدث وحدث ونطس ونطس وغير ذلك.
وقرئ فاكهين وفكهين، بالنصب على الحال.
أقول: وقوله تعالى: فاكِهُونَ، وهو اسم فاعل ووصف أخذ من الاسم «فاكهة» ، فهي مادة الاشتقاق وأصله، لشهرتها ومعرفتها، وقد جاء الفعل وما يتبعه منها.
٤- وقال تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) .
وقوله تعالى: وَامْتازُوا، أي:
وانفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة، وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنّة.
أقول: إن الفعل «امتاز» ، من الأفعال المهمّة في العربية المعاصرة، فهو كثير الاستعمال، يقال: امتاز هذا الشيء بجودته عن سائر الأشياء، أي: انفرد.
غير أن استعماله يقتصر على الإيجاب، فإذا امتاز الشيء بشيء ما، فذلك الشيء الّذي امتاز به من صفات الحسن والجودة، ولهذا كان «الممتاز» هو الحسن من كلّ شيء، فالبضاعة «الممتازة» هي العالية في نوعها مثلا.
ولا يقال في الصّفات السلبية «امتازت» فلا نقول:
امتاز الكتاب بسوء تأليفه، بل العكس هو الغالب المستعمل.
٥- وقال تعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً [الآية ٦٢] .
وقرئ: «جبلّا» ، بضمتين، وضمة وسكون، وضمتين وتشديد، وكسرتين، وكسرة وسكون، مع التشديد. وكلها بمعنى الخلق.
وفي قراءة عليّ ﵁: جيلا واحدا بالياء.
٦- وقال تعالى: وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) .
وقرئ: (ركوبتهم) ، وهو ما يركب كالحلوب والحلوبة.
وقيل: «الرّكوبة» جمع.
وقرئ: (ركوبهم) ، أي: ذو ركوبهم.
стр. 1786
أقول: وقد ورد «فعول» للاسم كثيرا في العربيّة، كالوقود والوضوء والغسول والوجور والسّفوف، وغير ذلك.
٧- وقال تعالى: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [الآية ٧٧] .
والمعنى وإذا هو، أي الإنسان، بعد ما كان نطفة، صار رجلا مميّزا قادرا على الخصام.
فالخصيم نعت، يفيد أنّه يعرف الخصام، ويحسنه.
стр. 1787
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يس» «١»
قال تعالى: يس (١) ، يقال معناها يا إنسان، كأنّه سبحانه يعني النبيّ (ص) ، فلذلك قال: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) لأنه يعني النبي (ص) .
وقال تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) [الآية ٦] أي:
قوم لم ينذر آباؤهم، لأنهم كانوا في الفترة. وقرأ بعضهم (ما أنذره آباؤهم فهم غافلون) . فدخول الفاء في هذا المعنى، كأنّه لا يجوز، والله أعلم، وهو على الأوّل أحسن.
وقال تعالى: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ [الآية ١٩] أي: إن ذكّرتم فمعكم طائركم.
وقال سبحانه: لَا الشَّمْسُ [الآية ٤٠] بإدخال «لا» لمعنى النفي، ولكن لا ينصب ما بعدها إلّا أن يكون نكرة، فهذا مثل قوله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ [الكافرون: ٣ و ٥] .
وقال تعالى: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ [الآية ٧٢] أي: «منها ما يركبون» لأنّك تقول: «هذه دابّة ركوب» .
و «الرّكوب» : هو فعلهم.
وقال تعالى: سَلامٌ قَوْلًا [الآية ٥٨] فانتصب «قولا» على البدل من اللفظ بالفعل، كأنّه قال «أقول قولا» وقرأه ابن مسعود (سلاما) وعيسى «٢» وابن
стр. 1788
أبي إسحاق «١» كذلك نصباها على خبر المعرفة، على قوله تعالى وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) «٢» .
стр. 1789
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يس» «١»
إن قيل: لم قال تعالى أولا: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) وقال سبحانه ثانيا:
إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) ؟
قلنا: لأن الأوّل ابتداء إخبار، فلم يحتج إلى التّأكيد باللّام، بخلاف الثاني فإنّه جواب بعد الإنكار والتّكذيب، فاحتاج إلى التّأكيد.
فإن قيل: لم أضاف الرجل الّذي جاء من أقصى المدينة الفطر إلى نفسه، بقوله كما ورد في التنزيل: فَطَرَنِي [الآية ٢٢] وأضاف البعث إليهم بقوله، كما ذكر القرآن ذلك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الآية ٢٢] ، مع علمه أنّ الله تعالى فطره وفطرهم، وسوف يبعثه ويبعثهم، فلم لم يقل فطرنا وإليه نرجع، أو فطركم وإليه ترجعون؟
قلنا: لأنّ الخلق والإيجاد نعمة من الله تعالى توجب الشّكر والبعث بعد الموت وعيد وتهديد يوجب الزّجر، فكان إضافته النعمة إلى نفسه أظهر في الشّكر، وإضافته البعث إليهم أبلغ في الزّجر.
فإن قيل: لم قال تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [الآية ٣٠] والتحسّر على الله تعالى محال؟
قلنا: هو تحسير للخلق، معناه قولوا يا حسرتنا على أنفسنا، لا تحسّرا من الله تعالى.
فإن قيل: لم نفى الله عن الشمس أن تدرك القمر دون عكسه وهو: ولا القمر ينبغي له أن يدرك الشمس؟
стр. 1790
قلنا: لأنّ سير القمر أسرع، فإنّه يقطع فلكه في شهر، والشمس لا تقطع فلكها إلّا في سنة، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بنفي الإدراك لبطء سيرها، والقمر خليقا بأن يوصف بالسّبق لسرعة سيره هذا سؤال الزّمخشري ﵀ وجوابه. ويردّ عليه أن سرعة سير القمر يناسب أن ينفى الإدراك عنه، لأنّه إذا قيل لا القمر ينبغي له أن يدرك الشمس مع سرعة سيره، علم بالطريق الأولى أنّ الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر مع بطء سيرها: فإذا قيل: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر أمكن أن يقال إنّما لم تدركه لبطء سيرها، فأمّا القمر فيجوز أن يدركها لسرعة سيره.
فإن قيل: لم قال الله تعالى وَآيَةٌ لَهُمْ [الآية ٤١] ، أي لأهل مكّة، أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ (٤١) أي ذرّيّة أهل مكّة، أو ذرّيّة قوم نوح (ع) فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الآية ٤١] ، والذّرّية اسم للأولاد، والمحمول في سفينة نوح (ع) آباء أهل مكّة، لا أولادهم؟
قلنا: الذّريّة من أسماء الأضداد تطلق على الآباء والأولاد بدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [آل عمران] . وصف جميع المذكورين بكونهم ذرّية وبعضهم آباء وبعضهم أبناء، فمعناه حملنا آباء أهل مكّة، أو حملنا أبناءهم، لأنهم كانوا في ظهور آبائهم المحمولين.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) يعنون الوعد بالبعث والجزاء، والوعد كان واقعا لا منتظرا؟
قلنا: معناه إنجاز هذا الوعد وصدقه، بحذف المضاف أو بإطلاق اسم الوعد على الموعود، كضرب الأمير ونسيج اليمن.
فان قيل: قولهم، كما ورد في التنزيل: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [الآية ٥٢] ، سؤال عن الباعث، فكيف طابقه ما بعده جوابا.
قلنا: معناه بعثكم الرّحمن الّذي وعدكم البعث، وأنبأكم به الرّسل، إلا أنه جيء به على هذه الطريقة، تبكيتا لهم وتوبيخا.