أقول: وقد ورد «فعول» للاسم كثيرا في العربيّة، كالوقود والوضوء والغسول والوجور والسّفوف، وغير ذلك.
٧- وقال تعالى: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [الآية ٧٧] .
والمعنى وإذا هو، أي الإنسان، بعد ما كان نطفة، صار رجلا مميّزا قادرا على الخصام.
فالخصيم نعت، يفيد أنّه يعرف الخصام، ويحسنه.
стр. 1787
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يس» «١»
قال تعالى: يس (١) ، يقال معناها يا إنسان، كأنّه سبحانه يعني النبيّ (ص) ، فلذلك قال: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) لأنه يعني النبي (ص) .
وقال تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) [الآية ٦] أي:
قوم لم ينذر آباؤهم، لأنهم كانوا في الفترة. وقرأ بعضهم (ما أنذره آباؤهم فهم غافلون) . فدخول الفاء في هذا المعنى، كأنّه لا يجوز، والله أعلم، وهو على الأوّل أحسن.
وقال تعالى: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ [الآية ١٩] أي: إن ذكّرتم فمعكم طائركم.
وقال سبحانه: لَا الشَّمْسُ [الآية ٤٠] بإدخال «لا» لمعنى النفي، ولكن لا ينصب ما بعدها إلّا أن يكون نكرة، فهذا مثل قوله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ [الكافرون: ٣ و ٥] .
وقال تعالى: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ [الآية ٧٢] أي: «منها ما يركبون» لأنّك تقول: «هذه دابّة ركوب» .
و «الرّكوب» : هو فعلهم.
وقال تعالى: سَلامٌ قَوْلًا [الآية ٥٨] فانتصب «قولا» على البدل من اللفظ بالفعل، كأنّه قال «أقول قولا» وقرأه ابن مسعود (سلاما) وعيسى «٢» وابن
стр. 1788
أبي إسحاق «١» كذلك نصباها على خبر المعرفة، على قوله تعالى وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) «٢» .
стр. 1789
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يس» «١»
إن قيل: لم قال تعالى أولا: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) وقال سبحانه ثانيا:
إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) ؟
قلنا: لأن الأوّل ابتداء إخبار، فلم يحتج إلى التّأكيد باللّام، بخلاف الثاني فإنّه جواب بعد الإنكار والتّكذيب، فاحتاج إلى التّأكيد.
فإن قيل: لم أضاف الرجل الّذي جاء من أقصى المدينة الفطر إلى نفسه، بقوله كما ورد في التنزيل: فَطَرَنِي [الآية ٢٢] وأضاف البعث إليهم بقوله، كما ذكر القرآن ذلك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الآية ٢٢] ، مع علمه أنّ الله تعالى فطره وفطرهم، وسوف يبعثه ويبعثهم، فلم لم يقل فطرنا وإليه نرجع، أو فطركم وإليه ترجعون؟
قلنا: لأنّ الخلق والإيجاد نعمة من الله تعالى توجب الشّكر والبعث بعد الموت وعيد وتهديد يوجب الزّجر، فكان إضافته النعمة إلى نفسه أظهر في الشّكر، وإضافته البعث إليهم أبلغ في الزّجر.
فإن قيل: لم قال تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [الآية ٣٠] والتحسّر على الله تعالى محال؟
قلنا: هو تحسير للخلق، معناه قولوا يا حسرتنا على أنفسنا، لا تحسّرا من الله تعالى.
فإن قيل: لم نفى الله عن الشمس أن تدرك القمر دون عكسه وهو: ولا القمر ينبغي له أن يدرك الشمس؟
стр. 1790
قلنا: لأنّ سير القمر أسرع، فإنّه يقطع فلكه في شهر، والشمس لا تقطع فلكها إلّا في سنة، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بنفي الإدراك لبطء سيرها، والقمر خليقا بأن يوصف بالسّبق لسرعة سيره هذا سؤال الزّمخشري ﵀ وجوابه. ويردّ عليه أن سرعة سير القمر يناسب أن ينفى الإدراك عنه، لأنّه إذا قيل لا القمر ينبغي له أن يدرك الشمس مع سرعة سيره، علم بالطريق الأولى أنّ الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر مع بطء سيرها: فإذا قيل: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر أمكن أن يقال إنّما لم تدركه لبطء سيرها، فأمّا القمر فيجوز أن يدركها لسرعة سيره.
فإن قيل: لم قال الله تعالى وَآيَةٌ لَهُمْ [الآية ٤١] ، أي لأهل مكّة، أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ (٤١) أي ذرّيّة أهل مكّة، أو ذرّيّة قوم نوح (ع) فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الآية ٤١] ، والذّرّية اسم للأولاد، والمحمول في سفينة نوح (ع) آباء أهل مكّة، لا أولادهم؟
قلنا: الذّريّة من أسماء الأضداد تطلق على الآباء والأولاد بدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [آل عمران] . وصف جميع المذكورين بكونهم ذرّية وبعضهم آباء وبعضهم أبناء، فمعناه حملنا آباء أهل مكّة، أو حملنا أبناءهم، لأنهم كانوا في ظهور آبائهم المحمولين.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) يعنون الوعد بالبعث والجزاء، والوعد كان واقعا لا منتظرا؟
قلنا: معناه إنجاز هذا الوعد وصدقه، بحذف المضاف أو بإطلاق اسم الوعد على الموعود، كضرب الأمير ونسيج اليمن.
فان قيل: قولهم، كما ورد في التنزيل: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [الآية ٥٢] ، سؤال عن الباعث، فكيف طابقه ما بعده جوابا.
قلنا: معناه بعثكم الرّحمن الّذي وعدكم البعث، وأنبأكم به الرّسل، إلا أنه جيء به على هذه الطريقة، تبكيتا لهم وتوبيخا.
стр. 1791
فإن قيل: لم قال تعالى في صفة أهل الجنة: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ [الآية ٥٦] والظلّ إنّما يكون حيث تكون الشمس، ولهذا لا يقال لما في الليل ظلّ، والجنّة لا يكون فيها شمس، لقوله تعالى: لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) [الإنسان] ؟
قلنا: ظل أشجار الجنة من نور العرش، لئلّا تبهر أبصار أهل الجنة، فإنه أعظم من نور الشمس، وقيل من نور قناديل العرش.
فإن قيل: لم سمّى ، نطق اليد كلاما، ونطق الرجل شهادة، في قوله سبحانه: وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [الآية ٦٥] ؟
قلنا: لأن اليد كانت مباشرة، والرّجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه ليس بشهادة، بل إقرار بما فعل.
قلت: وفي الجواب نظر.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [الآية ٦٩] مع أنه (ص) قد روي عنه ما هو شعر، وهو قوله (ص) :
أنا النّبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب وقوله (ص) :
هل أنت إلّا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت قلنا: هذا ليس بشعر، لأن الخليل لم يعدّ مشطور الرّجز شعرا، وقوله (ص) «هل أنت إلا إصبع دميت» من مشطور بحر الرجز، كيف وقد روي أنه (ص) قال: «دميت ولقيت» بفتح الياء وسكون التاء، وعلى هذا لا يكون شعرا، وإنّما الرّاوي حرّفه فصار شعرا الثاني أن حدّ الشعر قول موزون مقفّى مقصود به الشعر والقصد منتف فيما روي عنه (ص) ، فكان كما يتّفق وجوده في كلّ كلام منثور من الخطب والرسائل ومحاورات الناس، ولا يعدّه أحد شعرا.
فإن قيل: لم قال تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [الآية ٧١] والله تعالى منزّه عن الجارحة؟
قلنا: هو كناية عن الانفراد بخلق الأنعام، والاستبداد به بغير شريك كما يقال في الحبّ وغيره من أعمال القلب، هذا ممّا عملته يداك ويقال لمن لا يد له يداك أو يديك، وكذا
стр. 1792
قوله تعالى: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:
٧٥] .
فإن قيل: لم سمّى تعالى قوله: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [الآية ٧٨] مثلا، وهو ليس بمثل، وإنّما هو استفهام إنكار؟
قلنا: سمّاه، سبحانه، مثلا، لما دلّ عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهو إنكار الإنسان قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، مع أنّ العقل والنّقل كليهما يشهدان بقدرة الله، ﷻ ، على ذلك.
стр. 1793
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يس» «١»
قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) .
وهاتان استعارتان. ومن أوضح الأدلّة على ذلك، أنّ الكلام كلّه في أوصاف القوم المذمومين. وهم في أحوال الدّنيا دون أحوال الاخرة.
ألا ترى قوله تعالى بعد ذلك:
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) . وإذا كان الكلام محمولا على أحوال الدّنيا دون أحوال الاخرة، وقد علمنا أنّ هؤلاء القوم الّذين ذهب الكلام إليهم، كان النّاس يشاهدونهم غير مقمحين بالأغلال، ولا مضروبا عليهم بالأسداد، علمنا أنّ الكلام خرج مخرج قوله سبحانه: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: ٧] وكأنّ ذلك وصف لما كان عليه الكفّار عند سماع القرآن، من تنكيس الأذقان، وليّ الأعناق، ذهابا عن الرّشد، واستكبار عن الانقياد للحقّ، وضيق صدر بما يرد عليهم من مواقع البيان، وقوارع القرآن. وقد اختلف في معنى الإقماح. فقال قوم:
هو غضّ الأبصار واستشهدوا بقول بشر بن أبي «٢» خازم في ذكر السفينة:
стр. 1794
ونحن على جوانبها قعود نغضّ الطّرف كالإبل القماح وقال قوم: المقمح: الرافع رأسه متعمّدا. فكأنّ هؤلاء المذمومين شبّهوا على المبالغة في وصف تكارههم للإيمان، وتضايق صدورهم لسماع القرآن، بقوم عوقبوا فجذبت أذقانهم بالأغلال إلى صدورهم مضمومة إليها أيمانهم، ثمّ رفعت رؤوسهم، ليكون ذلك أشدّ لإيلامهم، وأبلغ في عذابهم.
وقيل: إنّ المقمح الغاضّ بصره بعد رفع رأسه، فكأنّه جامع بين الصّفتين جميعا.
وقيل: إنّ قوله تعالى: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ يعني به أيمانهم المجموعة بالأغلال إلى أعناقهم، فاكتفي بذكر الأعناق من الأيمان، لأن الأغلال تجمع بين الأيمان والأعناق.
وكذلك معنى السّدّ المجعول بين أيديهم ومن خلفهم، إنّما هو تشبيه بمن قصر خطوه وأخذت عليه طرقه.
ولما كان ما يصيبهم من هذه المشاقّ المذكورة والأحوال المذمومة، إنّما هو عقيب تلاوة القرآن عليهم، ونفث قوارعه في أسماعهم، حسن أن يضيف سبحانه ذلك إلى نفسه، فيقول: إنّا جعلناهم على تلك الصفات.
وقد قرئ «سدّا» بالفتح، و «سدّا» بالضم. وقيل إن السّدّ بالفتح ما يصنعه الناس، والسّدّ بالضمّ ما يصنعه الله تعالى.
وقال بعضهم: المراد بذكر السّدّ هاهنا: الإخبار عن خذلان الله سبحانه إيّاهم، وتركه نصرهم ومعونتهم، كما تقول العرب في صفة الضّالّ المتحيّر:
فلان لا ينفذ في طريق يسلكه، ولا يعلم أمامه أم وراءه خير له. وعلى ذلك قول الشاعر:
فأصبح لا يدري وإن كان حازما أقدّامه خير له أم وراءه وأمّا قوله سبحانه: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الآية ٩] ، فهو أيضا في معنى الختم والطّبع، وواقع على الوجه الّذي يقعان عليه. وقد تقدّم إيماؤنا إليه.
стр. 1795
وقوله سبحانه: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) .
وهذه استعارة. والمراد نخرج منه النّهار، ونستقصي تخليص أجزائه، حتّى لا يبقى من ضوء النهار شيء مع ظلمة الليل، فإذا النّاس قد دخلوا في الظلام. وهذا معنى قوله تعالى: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ كما يقال: أفجروا، إذا دخلوا في الفجر، وأنجدوا، وأتهموا، إذا دخلوا نجدا وتهامة.
والسّلخ: إخراج الشيء ممّا لابسه، والتحم به. فكلّ واحد من اللّيل والنّهار، متّصل بصاحبه اتّصال الملابس بأبدانها، والجلود بحيوانها.
ففي تخليص أحدهما من الاخر، حتّى لا يبقى معه منه طرف، ولا عليه منه أثر، آية باهرة، ودلالة ظاهرة. فسبحان الله ربّ العالمين.
وقوله سبحانه في ذكر البعث: قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) وهذه استعارة. لأن المرقد هاهنا عبارة عن الممات، فشبّهوا حال موتهم بحال نومهم، لأنها أشبه الأشياء بها. وكذلك قوة شبه حال الاستيقاظ بحال الأحياء والإنشار، وعلى ذلك قوله (ص) :
«إنّكم تموتون كما تنامون، وتبعثون كما تستيقظون» «١» . وقال بعضهم:
الاستعارة هاهنا أبلغ من الحقيقة. لأنّ النوم أكثر من الموت، والاستيقاظ أكثر من الإحياء بعد الموت. لأن الإنسان الواحد يتكرّر عليه النوم واليقظة مرات، وليس كذلك حال الموت والحياة.
وقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) . وهذه استعارة.
والمراد بالطّمس هاهنا: إذهاب نور الأبصار حتّى يبطل إدراكها، تشبيها بطمس حروف الكتاب، حتّى تشكل قراءتها.
وفيه أيضا زيادة معنى، لأنه يدلّ على محو آثار عيونهم، مع إذهاب أبصارها، وكسف أنوارها. وقيل معنى الطّمس إلحام الشّقوق الّتي بين الأجفان حتّى تكون مبهمة، لا شقّ فيها، ولا
стр. 1796
شفر لها. يقولون: أعمى مطموس وطميس، إذا كان كذلك.
وقوله سبحانه: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وقرئ: ننكسه بالتخفيف، وهذه استعارة. والمراد، والله أعلم، أنّا نعيد الشّيخ الكبير، إلى حال الطّفل الصّغير، في الضّعف بعد القوّة، والتّثاقل بعد النّهضة، والأخلاق «١» بعد الجدّة.
تشبيها بمن انتكس على رأسه، فصار أعلاه سفلا، وأسفله علوا.
وقوله سبحانه: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) وهذه استعارة. والمراد بالحيّ هاهنا: الغافل الّذي يستيقظ إذا أوقظ، ويتّعظ إذا وعظ.
فسمّى سبحانه المؤمن الّذي ينتفع بالإنذار حيّا لنجاته، وسمّى الكافر الّذي لا يصغي إلى الزّواجر ميتا لهلكه.
وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وهذه استعارة. والمراد بذكر الأيدي هاهنا، قسمان من أقسام اليد في اللغة العربية. إمّا أن تكون بمعنى القوّة، وبمعنى تحقيق الإضافة.
فكأنّه سبحانه قال: أولم يروا أنّا خلقنا لهم أنعاما، اخترعناها بقوّة تقديرنا، ومتقن تدبيرنا.
أو يكون المعنى أنّ هذه الأنعام، ممّا تولّينا خلقه، من غير أن يشاركنا فيه أحد من المخلوقين لأنّ المخلوقين قد يعملون سفائن البحر، ولا يعملون سفائن البرّ، الّتي هي الأنعام المذلّلة ظهورها، والمحلّلة لحومها. فهذا وجه فائدة الإضافة في قوله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا والله أعلم.
стр. 1797
سورة الصّافات ٣٧
стр. 1798
المبحث الأول أهداف سورة «الصافات» «١»
سورة «الصّافات» سورة مكّية، وآياتها [١٨٢] آية. نزلت بعد سورة «الأنعام» في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين بمكّة، فقد نزلت بعد الإسراء وقبيل الهجرة إلى المدينة.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لابتدائها بالقسم بالصّافات. والمراد بها الملائكة الّتي تقف صفوفا للعبادة، أو تصفّ أجنحتها في الهواء امتثالا للطّاعة، وانتظارا لوصول أمر الله إليها.
مقصود السورة
قال الفيروزآبادي: معظم ما تقصد إليه السورة هو: الإخبار عن صفّ الملائكة والمصلّين للعبادة، ودلائل الوحدانيّة، ورجم الشياطين، وذلّ الظّالمين، وعزّ المطيعين في الجنان، وقهر المجرمين في النّيران، ومعجزة نوح وحديث إبراهيم وفداء إسماعيل في جزاء الانقياد، وبشارة إبراهيم بإسحاق، والمنة على موسى وهارون بإيتاء الكتاب، وحكاية الناس في حال الدّعوة، وهلاك قوم لوط، وحبس يونس في بطن الحوت، وبيان فساد عقيدة المشركين في إثبات النسبة، ودرجات الملائكة في مقام العبادة، وما منح الله الأنبياء من النصر والتأييد، وتنزيه حضرة الجلال عن الأنداد والأضداد في قوله سبحانه:
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) .
стр. 1799
سياق السورة
تميّزت سورة «الصافات» بقصر الآيات، وسرعة الإيقاع، وكثرة المشاهد والمواقف، وتنوّع الصور والمؤثّرات.
وهي تستهدف، كسائر السور المكّيّة، بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من شوائب الشّرك في كلّ صوره وأشكاله، ولكنّها بصفة خاصّة تعالج صورة معيّنة من صور الشّرك، الّتي كانت سائدة في البيئة العربيّة الأولى، وتقف أمام هذه الصورة طويلا، وتكشف عن زيفها وبطلانها بوسائل شتّى. تلك هي الصورة الّتي كانت جاهليّة العرب تستسيغها، وهي تزعم أنّ هناك قرابة بين الله سبحانه والجنّ وتستطرد في تلك الأسطورة فتزعم أنّه من التّزاوج بين الله، سبحانه، والجن، ولدت الملائكة. ثمّ تزعم أنّ الملائكة إناث، وأنهنّ بنات الله! هذه الأسطورة تتعرض لحملة قويّة في هذه السّورة، تكشف عن تفاهتها وسخفها، ونظرا لأنّها هي الموضوع البارز الّذي تعالجه السّورة، فإنها تبدأ بالإشارة إلى طوائف من الملائكة:
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) .
ويتلوها حديث عن الشّياطين المردة، وتعرّضهم للرّجم بالشّهب الثاقبة، كي لا يقربوا من الملأ الأعلى، ولا يتسمّعوا لما يدور فيه، ولو كانوا حيث تزعم لهم أساطير الجاهلية ما طوردوا هذه المطاردة.
وبمناسبة ضلال الكافرين وتكذيبهم، تعرض السورة سلسلة من قصص الرّسل: نوح وإبراهيم وابنه، وموسى وهارون، وإلياس ولوط ويونس صلوات الله عليهم جميعا، تتكشّف فيها رحمة الله ونصره لرسله، وأخذه للمكذّبين بالعذاب والتنكيل. ويمكننا أن نقسم سورة الصّافّات إلى ثلاثة موضوعات رئيسة:
١- وصف الملائكة ومشاهد الاخرة
يستغرق الموضوع الأوّل من السورة الآيات [١- ٧٠] .
ويتضمّن افتتاح السّورة بالقسم بتلك الطوائف من الملائكة:
стр. 1800
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) ، على وحدانية الله ربّ المشارق والمغارب، مزيّن السّماء بالكواكب، ثمّ تجيء مسألة الشّياطين، وتسمّعهم للملأ الأعلى، ورجمهم بالشّهب الثاقبة، يتلوها سؤال لهم:
أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا [الآية ١١] ، من الملائكة والكواكب والشّياطين والشّهب؟، للتوصّل من هذا إلى تسفيه ما كانوا يقولونه عن البعث، وإثبات ما كانوا يستبعدونه ويستهزءون بوقوعه ومن ثم يعرض ذلك المشهد المطوّل للبعث والحساب والنعيم والعذاب، وهو مشهد فريد، حافل بالصورة والحركة، والمقابلة بينه وبين منازل الأبرار، وآلام الفجار.
٢- قصص الأنبياء
تتعرّض الآيات [٧١- ١٤٨] لبيان أن هؤلاء الضالين لهم نظائر في السّابقين، الّذين جاءتهم النّذر فكان أكثرهم من الضالّين، ويستطرد السّياق في قصص أولئك المنذرين، من قوم نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ولوط ويونس (ع) ، وكيف كانت عاقبة المنذرين وعاقبة المؤمنين.
ومن الظواهر المؤثّرة في هذا القصص، تجرّد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لربهم جلّ وعلا، وإخلاصهم له، فيونس (ع) يسبّح بحمد ربه ويناجيه في بطن الحوت، وإبراهيم (ع) يطيع الله ويستسلم لأمره، في قصة الذبح والفداء ونشاهد من الذابح والذبيح التجرّد والامتثال لأمر الله تعالى، في أعمق صورة، وأروعها، وأرفعها.
وقد كانت الإشارة إلى قصص الأنبياء لمحات سريعة في آيات قصيرة، تحتوي على عبرة القصة، والتذكير بمضمونها.
٣- أسطورة تعقبها الحقيقة
تناولت الآيات الممتدّة من ١٤٩ إلى الآية ١٨٢، حيث آخر السورة، الحديث عن الأسطورة الكاذبة، أسطورة نسبة الجنّ والملائكة إلى الله سبحانه، ثمّ فنّدت هذه الأسطورة، ونزّهت الله سبحانه عنها، وبيّنت أنّ الملائكة خلق من خلق الله، ملتزم بطاعته.
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) .
стр. 1801
وقرّرت الآيات وعد الله لرسله بالظفر والغلبة:
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) .
وتنتهي السورة بتنزيه الله سبحانه، والتسليم على رسله عليهم الصلاة والسلام، والاعتراف بربوبيّته وهي القضايا الّتي تناولتها السورة في الصميم.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
стр. 1802
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الصافات» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الصافّات» بعد سورة «الأنعام» ، وقد نزلت سورة الأنعام بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «الصافّات» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لابتدائها بالقسم به، والمراد به الملائكة الّتي تقف صفوفا للعبادة، أو تصفّ أجنحتها في الهواء، منتظرة وصول أمر الله إليها وتبلغ آيات هذه السورة اثنتين وثمانين ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
يقصد من هذه السورة إبطال الشرك، وقد كانوا يعبدون الملائكة ويزعمون أنّها بنات الله، ويتّخذون من الشّياطين قرناء يطيعونهم، ويزعمون أنّ بينهم وبين الله نسبا، وأنّهم يصعدون إلى السماء فيطّلعون على أسرارها ويخبرونهم بها، فابتدأت السّورة بإثبات وحدانيته تعالى، وأشارت إلى أن الملائكة عباد مسخّرون للعبادة وحراسة السماء من الشياطين وذكر السّياق أنّ الشياطين عباد مدحورون لا يعرفون شيئا من أخبار السماء، وأنّ الله تعالى أمر النبيّ (ص) أن يستفتيهم فيما يكون من أمرهم، وهم أضعف منهم خلقا، لينذرهم بقدرته على بعثهم وحسابهم مع شياطينهم وآلهتهم، وبما قصّ عليهم من أخبار الماضين ليكون فيها
стр. 1803
عبرة لهم ثم أمره ﷻ أن يستفتيهم ثانيا في صحّة ما زعموه من أن الملائكة بنات الله، ومن أنّ بينه وبين الجنّة نسبا وبهذا يدور السياق في هذه السورة على هذا الترتيب، وقد ختمت السّورة السابقة بالاستدلال بخلق السماوات والأرض على قدرته سبحانه على بعثهم وقد جاء في أوّل هذه السّورة أنهم أضعف من غيرهم خلقا، فيكون بعثهم أهون عليه جلّ وعلا من غيرهم، وهذا هو وجه ذكر هذه السّورة بعد سابقتها، إلى ما بينهما من الشّبه في الإنذار بعذاب الله تعالى.
إبطال الشرك الآيات [١- ١٠]
قال الله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) فأقسم بالملائكة الّتي تصطفّ لعبادته، وتزجر الشياطين عن معرفة أسرار سمائه على وحدانيّته وأشار بهذا إلى عبوديّتها له ثمّ وصف نفسه بما يدل على تفرّده بالألوهية، فذكر سبحانه، أنّه ربّ السماوات والأرض، وأنه زيّن السماء الدنيا بالكواكب، وحفظها من الشّياطين الّتي يزعمون أنّها تصعد إليها، فتعرف أسرارها وتلقيها إليهم، فهم يدحرون عنها كلّما اقتربوا منها، ولهم عذاب يترقّبهم دائما كلّما حاولوا ذلك: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) .
أخذ المشركين بالترهيب والترغيب الآيات [١١- ١٤٨]
ثمّ قال تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) فأمر النبي (ص) أن يستفتيهم في أمرهم، وقد سخّر لعبادته وطرد من رحمته من هو أشدّ منهم خلقا، ومن اتّخذوهم قرناء وآلهة، فلا يعجزه أن يبعثهم ويحشرهم مع قرنائهم وآلهتهم ثم ذكر جلّ وعلا أنهم عند بعثهم لا يتناصرون كما يزعمون، بل يلقي بعضهم التّبعة على بعض، ويشتركون في العذاب جميعا ثمّ ذكر ما أعدّه للمؤمنين بعد ذكر عذابهم، وذكر ما كان من عصيانهم لقرنائهم حينما كانوا يغوونهم بالكفر وإنكار البعث والجزاء، ووازن بين ما أعدّه للفريقين، إلى أن ذكر أن السبب في ضلال المشركين أنهم ألفوا آباءهم
стр. 1804
ضالّين: فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) .
ثمّ أخذ السّياق في ذكر حال من يقلّدونهم ليعتبروا بما حصل لهم، ويوازنوا بين من كفر ومن آمن منهم فذكر أخبار نوح وقومه، وأنّ الله تعالى ناداه فأجابه هو ومن آمن معه، فنجّاهم وجعل ذرّيّتهم هم الباقين، وترك على نوح سلاما في العالمين، وأغرق من كفر به فبادوا وذهبت آثارهم ثمّ ذكر السّياق أخبار إبراهيم وقومه، وأنّه جلّ وعلا رفع شأنه على من كفر به منهم، ورزقه ذرّية صالحة مباركة، وترك عليه سلاما باقيا في الآخرين ثم ذكر السّياق أخبار موسى وهارون، وأنّه جلّ وعلا نجّاهما وقومهما من ظلم فرعون، وترك عليهما سلاما باقيا في الآخرين ثم ذكر السّياق أخبار إلياس وقومه، وأنّ إلياس دعاهم إلى عبادة ربّهم وترك عبادة صنمهم بعل، فكذّبوه فاستحقّوا العذاب إلّا من آمن منهم، فإنّ الله سبحانه نجّاهم وترك عليهم سلاما في الآخرين ثم ذكر السّياق أخبار لوط وقومه، وأخبار يونس وقومه وذكر في يونس أنّ الله سبحانه أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون:
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨) .
إبطال نبوة الملائكة والجن الآيات [١٤٩- ١٨٢]
ثم قال تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) فأنكر عليهم أن يكون له بنات من الملائكة، وهم إنّما يرضون البنين لأنفسهم ويكرهون البنات وذكر جلّ وعلا أنهم لم يشهدوا خلق الملائكة إناثا حتّى يصحّ لهم أن يذهبوا إليه، وإنّما هو إفك لا دليل لهم عليه، ثمّ ذكر أنهم جعلوا بينه وبين الجنّة نسبا، وهم المجوس من العرب والفرس، وكانوا يقولون بإلهين، إله للخير، وإله للشّرّ، وأنّ إله الخير هو الله، وإله الشّرّ هو إبليس ثم ردّ عليهم بأنّ الجنّة يعلمون أنهم عباد محضرون للعذاب، ونزّه نفسه سبحانه عمّا يصفونه به من النّسب بينه وبين الجنّة، وبيّن بطلان جعلهم الجن آلهة وذكر سبحانه أنهم يعجزون عن إغواء المخلصين من عباده، ولا يغوون إلا من سبق في علم الله أن يكون من أهل الجحيم ومن يكن هذا شأنه لا يكون إلها ثم ذكر سبحانه تفرّده بعلوّ الشأن فقال: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) .
стр. 1805
ثم ختمت السّورة بتوبيخهم على شركهم، مع أنّهم كانوا يقولون لو أنّ عندنا كتابا منزّلا مثل الكتاب المنزّلة على الأوّلين لأخلصنا العبادة لله ثم ذكر السياق تهديده سبحانه الكفّار على كفرهم بعد أن أجيبوا إلى قولهم وذكر أنه جلّ شأنه كتب النصر لرسله وأتباعهم، وأمر النبي (ص) أن يعرض عنهم إلى أن يحين عذابهم، فسوف يبصرون منه ما يبصرون: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢) .
стр. 1806
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الصافات» «١»
أقول: هذه السورة بعد «يس» ك «الأعراف» بعد «الأنعام» ، وك «الشعراء» بعد «الفرقان» ، في تفصيل أحوال القرون المشار إلى إهلاكهم، كما أنّ تينك السّورتين تفصيل لمثل ذلك، كما تقدّم.
стр. 1807
المبحث الرابع مكنونات سورة «الصافات» «١»
١- وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) ..
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود: أنّ المراد بالثلاثة الملائكة «٢» .
٢- قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) .
قال السّدّيّ: هما شريكان في بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والاخر كافر. أخرجه ابن أبي حاتم.
وفي «العجائب» للكرماني: أنّهما يهوذا، وفطروس.
٣- فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) .
إلى آخر القصة: فيه قولان شهيران:
إسماعيل أو إسحاق، وقد أفردت في ذلك تأليفا ضمّنته حجج كلّ من القولين «٣» .
стр. 1808
بِذِبْحٍ [الآية ١٠٧] .
هو الكبش الّذي قرّبه ابن آدم فتقبّل منه. أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس. وأخرج عن الحسن: أن اسمه حرير.
إِلْ ياسِينَ (١٣٠) .
هو محمّد (ص) ، وآله: أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطّلب.
وقيل: كلّ مؤمن تقيّ.
وقيل: «ياسين» اسم كتاب من كتب الله. حكاه الكرماني في «عجائبه» .
٤- فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ [الآية ١٤٢] .
قال قتادة: يقال له لخم. أخرجه ابن أبي حاتم.
٥- فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ [الآية ١٤٥] .
قال جعفر: بشاطئ دجلة. أخرجه ابن أبي حاتم.
وقيل: بأرض اليمن. حكاه ابن كثير.
٦- إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) .
في حديث مرفوع:
يَزِيدُونَ (١٤٧) : عشرين ألفا «١» .
أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبيّ بن كعب.
وأخرج عن ابن عبّاس: ثلاثين ألفا.
وفي رواية: أربعين ألفا «٢» .
стр. 1809
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الصافات» «١»
١- وقال تعالى: وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) .
والاستسخار: المبالغة في السّخرية.
أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.
٢- وقال تعالى: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) .
الغول: مصدر غاله يغوله، إذا أهلكه وأفسده.
أقول: لعلّ الغول، وهو المصدر، قد أخذ من كلمة «الغول» ، وهي من أوهام العرب وأباطيلهم! والغريب أن جماعة من العرب في عصرنا، أطلقت «الغول» على ما يسمّى في العلم الحديث المادة «الرّوحية» في المخدّرات، الّتي أسموها: «الكحول» ، وذلك توهّما وخطأ. وكان ذلك بسبب أن كلمة «الغول» قد وردت في هذه الآية، توصف بها الخمر في الجنّة، أي: أنّ خمرة الجنة لا تهلك ولا تفسد العقول، كخمرة الدنيا.
وقوله تعالى: يُنْزَفُونَ (٤٧) بالبناء للمفعول من: نزف الشارب إذا ذهب عقله، ويقال للسّكران: نزيف ومنزوف.
٣- وقال تعالى: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) .
وقوله تعالى: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ، أي: فذهب إليها في خفية «٢» ، والأصل
стр. 1810
روغ الثعلب. وكذلك قوله سبحانه:
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) ، أي:
فأقبل عليهم مستخفيا.
واستعمال «الجار والمجرور» :
«عليهم» بعد «راغ» يشعرنا أنّ الفعل تضمّن معنى «ضربهم» ، أو فراغ عليهم يضربهم ضربا قويّا.
٤- وقال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) .
وقوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، أي:
صرعه على شقّه، فوقع أحد جبينيه على الأرض، تواضعا على مباشرة الأمر بصبر وجلد، ليرضيا الرّحمن ويخزيا الشّيطان.
أقول: والفعل «تلّ» يؤدّي في عصرنا معنى جذب بقوّة.
٥- وقال تعالى: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) .
والمليم: الداخل في الملامة، ويقال: ربّ لائم مليم، أي: يلوم غيره، وهو أحق منه باللوم.
أقول: ونحن محتاجون الى الفعل «ألام» في عربيّتنا المعاصرة، لأننا نعبر عن معناه بجملة لإيضاح ما نريد: أن فلانا مثلا، أحقّ باللوم قبل أن يلوم غيره.
стр. 1811
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الصافات» «١»
قال تعالى: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ٥] على «إنّ إلهكم ربّ» ونصب بعضهم رَبُّ السَّماواتِ [الآية ٥] وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) فجعله صفة للاسم الّذي وقعت عليه «إنّ» ، والأوّل أجود، لأنّ الأوّل في هذا المعنى، وهو متناول بعيد في التفسير.
وقال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [الآية ٦] بجعل «الكواكب» بدلا من «الزّينة» وبعضهم قرأ: (بزينة الكواكب) وليس يعني بعضها، ولكن زينتها حسنها.
وورد قوله تعالى: وَحِفْظاً [الآية ٧] بالنصب، باعتباره بدلا من اللفظ بالفعل، كأنّ السّياق: «وحفظناها حفظا» .
وقال تعالى: لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) وثقّل بعضهم، وليس للتثقيل معنى، إنّما معنى التثقيل «المتصدّقين» وليس هذا بذاك المعنى. انّما معنى هذا من «التّصديق» وليس من «التصدّق» ، وإنّما تضعّف هذه ويخفّف ما سواها، «والصّدقة» تضعّف صادها، وتلك غير هذه. إنّما سئل رجل: من صاحبه؟
فحكى عن قرينه في الدّنيا، فقال كما ورد في التنزيل: كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) إنّا لنبعث بعد الموت. أي: أتؤمن بهذا؟ أي:
تصدّق بهذا.
стр. 1812
وقال تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) تقول: «أكبّه لوجهه» و «أكببته لوجهه» لأنّه في المعنى شبه «أقصيته» .
وقال تعالى: مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧ يقول: كانوا كذلك عندكم.
стр. 1813
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الصافات» «١»
إن قيل: لم جمع تعالى لفظ «المشارق» هنا، وثنّاهما في سورة الرّحمن، ولم اقتصر هنا على ذكر «المشارق» ، وذكر ثمّة المغربين أيضا، وذكر المغارب مع المشارق، مجموعين في قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: ٤٠] وذكرهما مفردين في قوله تعالى قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) [الشعراء] ؟
قلنا: لأنّ القرآن نزل بلغة العرب على المعهود من أساليب كلامهم وفنونه، ومن أساليب كلامهم وفنونه:
الإجمال والتفصيل والبسط والإيجاز، فأجمل تارة بقوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) [الرّحمن] أراد مشرقي الصّيف والشتاء، ومغربيهما على الإجمال وفصّل تارة بقوله تعالى:
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج:
٤٠] أراد جمع مشارق السنة ومغاربها، وهي تزيد على سبعمائة وبسّط مرّة، بقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: ٤٠] ، وأوجز واختصر مرّة بقوله تعالى: وَرَبُّ الْمَشارِقِ [الآية ٥] لدلالة المذكور، وهي المشارق، على المحذوف، وهي المغارب، وكانت المشارق أولى بالذكر لأنها أشرف إمّا لكون الشروق سابقا في الوجود على الغروب، أو لأنّ المشارق منبع الأنوار والأضواء.
فإن قيل: لم خصّ سماء الدنيا، بقوله تعالى:
стр. 1814
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) مع أنّ غير سماء الدنيا مزيّنة بالكواكب أيضا؟
قلنا: إنّما خصّها بالذّكر لأنّا نحن نرى سماء الدنيا لا غير.
فإن قيل: لم مدح سبحانه نوحا (ع) بقوله: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) مع أنّ مرتبة الرّسل فوق مرتبة المؤمنين؟
قلنا: إنّما مدحه بذلك، تنبيها لنا على جلالة محلّ الإيمان وشرفه، وترغيبا في تحصيله والثبات عليه، والازدياد منه، كما قال تعالى في مدح إبراهيم (ع) : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) .
فإن قيل: لم قال تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) والنّظر إنّما يعدّى بإلى، قال الله تعالى وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف: ١٤٣] وقال: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [الروم: ٥٠] .
قلنا: «في» هنا بمعنى «إلى» كما في قوله تعالى: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [إبراهيم: ٩] الثاني: أنّ المراد به، نظر الفكر لا نظر العين، ونظر الفكر إنّما يعدّى بفي قال الله تعالى:
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ١٨٥] فصار المعنى ففكّر في علم النجوم أو في حال النجوم.
فإن قيل: لم استجاز إبراهيم (ع) أن يقول، كما ورد في التنزيل: إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) ولم يكن سقيما؟
قلنا: معناه سأسقم، كما في قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر: ٣٠] فهو من معاريض الكلام، قاله ليتخلّف عنهم إذا خرجوا إلى عيدهم، فيكيد أصنامهم.
وقال ابن الأنباري: أعلمه الله تعالى أنّه يمتحنه بالسّقم إذا طلع نجم كذا، فلمّا رآه علم أنه سيسقم. وقيل معناه: إنّي سقيم القلب عليكم، إذا عبدتم الأصنام، وتكهّنتم بنجوم لا تضرّ ولا تنفع. وقيل إنّه عرض له مرض، وكان سقيما حقيقة. وقال الزّمخشري: قد جوّز بعض الناس الكذب في المكيدة في الحرب، والتقيّة، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين. قال: والصحيح أن الكذب حرام إلّا إذا عرّض وورّى وإبراهيم صلوات الله عليه، عرّض بقوله وورّى، فإنه أراد أنّ من في عنقه الموت سقيم، كما قيل في المثل «كفى بالسلامة داء» وقال لبيد:
ودعوت ربّي بالسّلامة جاهدا
стр. 1815
ليصحّني فإذا السلامة داء وروي أن رجلا مات فجأة، فاجتمع عليه الناس وقالوا مات وهو صحيح، فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه؟
فإن قيل: لم لا يجوز النظر في علم النجوم، مع أنّ إبراهيم (ع) قد نظر فيه، وحكم منه؟
قلنا: ليس المنجّم كإبراهيم (ع) ، في أن الله تعالى أراه ملكوت السماوات والأرض فأبيح له النظر في علم النجوم والحكم منه.
فإن قيل: قوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) أي يسرعون، يدلّ على أنهم عرفوا أنّه هو الكاسر لها وقوله تعالى في سورة الأنبياء قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا [الأنبياء: ٥٩] ، وما بعده يدلّ على أنّهم ما عرفوا أنّه الكاسر، فكيف التوفيق بينهما؟
قلنا: يجوز أن يكون الّذي عرفه وزفّ إليه بعضهم، والّذي جهله وسأل عنه بعض آخر ويجوز أن الكلّ جهلوه وسألوا عنه، فلما عرفوا أنه الكاسر لها زفّوا إليه كلّهم.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى على لسان ابراهيم صلوات الله عليه إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [الآية ٩٩] .
قلنا: معناه إلى حيث أمرني ربّي بالمهاجرة، وهو الشّام. وقيل: إلى طاعة ربّي ورضاه. وقيل: إلى أرض ربّي وإنّما خصّها بالإضافة إلى الله تعالى، تشريفا لها وتفضيلا، لأنّها أرض مقدّسة مبارك فيها للعالمين، كما في قوله تعالى وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [الجنّ: ١٨] ، وقوله تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان: ٦٣] .
فإن قيل: ما المقصود بقوله تعالى:
سَيَهْدِينِ (٩٩) وهو كان مهتديا؟
قلنا: المقصود: سيثبّتني على ما أنا عليه من الهدى، ويزيدني هدى. وقيل: سَيَهْدِينِ (٩٩) إلى الجنّة. وقيل إلى الصّواب في جميع أحوالي. ونظيره قول موسى ﵊، كما ورد في التنزيل: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) [الشعراء] .
فإن قيل: كيف شاور إبراهيم ولده، ﵉، في ذبحه بقوله كما نصّ القرآن: فَانْظُرْ ماذا تَرى [الآية ١٠٢] ، مع أنّه كان حتما على إبراهيم،
стр. 1816
لأنه أمر به، لأنّ معنى قول إبراهيم (ع) كما ورد في التنزيل إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الآية ١٠٢] : أنّه أمر بذبحه في المنام، ورؤيا الأنبياء حقّ فإذا رأوا شيئا في المنام، فعلوه في اليقظة، كذا قاله قتادة والدليل على أنّ منامه كان وحيا بالأمر بالذبح، قوله تعالى حكاية على لسان ولد ابراهيم (ع) :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ [الآية ١٠٢] ؟
قلنا: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه في ذلك، ولكن ليعلم ما عنده من الصّبر، فيما نزل به من بلاء الله تعالى، فيثبّت قدمه إن جزع، ويأمن عليه الزّلل إن صبر وسلّم، وليعلم القصّة فيوطن نفسه على الذّبح، ويهوّنه عليها، فيلقى البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب الثواب بالانقياد والصبر لأمر الله تعالى قبل نزوله، وليكون سنّة في المشاورة فقد قيل لو شاور آدم الملائكة في أكل الشجرة، لما فرط منه ذلك.
فإن قيل: لم قيل له: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [الآية ١٠٥] وإنّما يكون مصدّقا لها، لو وجد منه الذّبح، ولم يوجد؟
قلنا: معناه قد فعلت غاية ما في وسعك، ممّا يفعله الذابح، من إلقاء ولدك، وإمرار الشفرة على حلقه ولكنّ الله تعالى منع الشفرة أن تقطع.
وقيل: إنّ الّذي رآه في المنام معالجة الذبح فقط، لا إراقة الدم وقد فعل ذلك في اليقظة، فكان مصدّقا للرؤيا.
فإن قيل: أين جواب «لمّا» في قوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما [الآية ١٠٣] ؟
قلنا: قيل هو محذوف تقديره:
استبشرا، واغتبطا، وشكرا لله تعالى على ما أنعم به عليهما من الفداء أو تقديره: سعدا، أو أجزل ثوابهما.
وقيل الجواب هو قوله تعالى:
وَنادَيْناهُ [الآية ١٠٤] والواو زائدة كما في قول امرئ القيس:
فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل أي فلمّا أجزنا ساحة الحي انتحى، كذا نقله ابن الأنباري في شرحه.
فإن قيل: لم قال تعالى في قصة إبراهيم (ع) : كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) وفي غيرها من القصص قبلها وبعدها: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) .
قلنا: لمّا سبق في قصة إبراهيم (ع) مرة: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) طرحه في الثاني تخفيفا واختصارا
стр. 1817
، واكتفاء بذكره مرّة، بخلاف سائر القصص.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) وهو كان من المرسلين، قبل زمان التنجية؟
قلنا: قوله تعالى إِذْ نَجَّيْناهُ [الآية ١٣٤] لا يتعلّق بما قبله، بل يتعلّق بمحذوف تقديره: واذكر لهم يا محمّد، إذ نجّيناه أو أنعمنا عليه إذ نجّيناه، وكذا السؤال في قوله تعالى:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) .
فإن قيل: لم قال الله تعالى:
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) و «أو» كلمة شكّ، والشّكّ على الله محال؟
قلنا: قيل «أو» هنا بمعنى «بل» ، فلا شكّ وقيل بمعنى «الواو» كما في قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء: ٤٣] وقوله تعالى: عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) [المرسلات] وقيل معناه، أو يزيدون في تقديركم، فلو رآهم أحد منكم لقال:
هم مائة ألف أو يزيدون، فالشّكّ إنّما دخل في حكاية قول المخلوقين، ونظيره قوله تعالى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) [النجم] .
فإن قيل: ما الحكمة في تكرار الأمر بالتولية والإبصار، في قوله تعالى:
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) .
قلنا: الحكمة تأكيد التهديد والوعيد.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَأَبْصِرْهُمْ [الآية ١٧٥] ثمّ قال ثانيا: وَأَبْصِرْ [الآية ١٧٩] ؟
قلنا: طرح ضمير المفعول تخفيفا واختصارا واكتفاء بسبق ذكره مرّة وقيل معنى الأوّل: وأبصارهم إذا نزل بهم العذاب، ومعنى الثاني: وأبصر العذاب إذا نزل بهم، فلا فرق بينهما في المعنى.
стр. 1818
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الصافات» «١»
قوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) هذه استعارة. والمراد بالقاصرات الطّرف هاهنا: اللواتي جعلن نظرهنّ مقصورا على أزواجهنّ. أي حبسن النّظر عليهم، فلا يتعدّينهم إلى غيرهم.
وجيء بذكر الطّرف على طريق المجاز. وإلّا فحقيقة المعنى أنهنّ حبسن الأنفس على الأزواج عفّة ودينا، وخلقا وصونا.
وإنّما وقعت الكناية عن هذا المعنى بقصر الطّرف، لأنّ طماح الأعين في الأكثر يكون سببا لتتبّع النفوس وتطرّب القلوب، وعلى هذا قول الشاعر:
وإنّك إن أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر «٢» والطّرف هاهنا واحد في تأويل
стр. 1819
الجميع، ونظيره قوله سبحانه: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [البقرة: ٧] .
أي على أسماعهم، أو مواضع استماعهم.
.
стр. 1820
سورة ص
المبحث الأول أهداف سورة «ص» «١»
سورة ص سورة مكية نزلت في الفترة المتوسّطة من حياة المسلمين بمكة، بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، وآياتها ٨٨ آية، وسميت ص لابتدائها بهذا الحرف.
مقاصد السورة
قال الفيروزآبادي: «معظم المقصود من سورة ص: بيان تعجّب الكفّار من نبوّة المصطفى (ص) ووصف الكافرين لرسول الله بالاختلاق والافتراء، واختصاص الحق تعالى بملك الأرض والسماء، وظهور أحوال يوم القضاء، وعجائب حديث داود وأوريا، وقصة سليمان، وذكر أيوب في الابتلاء والشفاء، وذكر إبراهيم وأولاده من الأنبياء، وحكاية أحوال ساكني جنة المأوى، وعجز حال الأشقياء في سقر ولظى، وواقعة إبليس مع آدم وحواء، وتهديد الكفار على تكذيبهم للمجتبى» قال تعالى:
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) .
قضايا السورة
أثارت سورة ص عددا من القضايا أهمها قضية التوحيد، وقضية الوحي، وقضية الحساب في الاخرة، وقد عرضت هذه القضايا الثلاث في مطلعها، الّذي يمثل الدهشة والاستغراب من كبار المشركين في مكة، حين جاءهم محمد (ص)
стр. 1821
يدعوهم إلى التوحيد، وساقت السورة شبهات الكافرين حول قضية الوحي.
فقد استكثروا أن يختار الله سبحانه رجلا منهم لينزل عليه الذكر من بينهم، وأن هذا الرجل هو محمد بن عبد الله الّذي لم تسبق له رئاسة فيهم، ولا إمارة فقالوا كما ورد في التنزيل:
أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [الآية ٨] .
وبيّنت السورة لهم، أنّ رحمة الله لا يمسكها شيء، إذا أراد أن يفتحها على من يشاء، وأنه ليس للبشر شيء من ملك السماوات والأرض، وإنّما يفتح الله رزقه ورحمته على من يشاء، وأنه يختار من عباده من يعلم استحقاقهم للخير، وينعم عليهم بشتى الإنعامات، بلا قيد ولا حدّ ولا حساب. في هذا السياق جاء تسخير الجبال والطير، وتسخير الجن والريح، فوق الملك وخزائن الأرض والسلطان والمتاع، وجاء مع القصّتين توجيه النبي (ص) إلى الصبر على ما يلقاه من المكذّبين:
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) .
كذلك جاءت قصة أيوب (ع) تصور ابتلاء الله سبحانه للمخلصين من عباده بالضّرّاء، وصبر أيوب (ع) مثل في الصبر رفيع وتصور السورة حسن العاقبة للصابرين.
ونلاحظ أن السياق، في سورة ص، يربط بين أربعة موضوعات رئيسة: هي شبهات الكافرين، وقصص الأنبياء، والمقابلة بين نعيم المتقين وعذاب الكافرين، ثم قصة خلق آدم (ع) وسجود الملائكة له وإباء إبليس.
١- شبهات الكافرين
تشتمل الآيات [١- ١٦] على شبهات الكافرين حول بشريّة الرسول، واختصاصه بالوحي، وإنكار توحيد الالهة في إله واحد، والرد على هذه المفتريات، وبيان جزاء المكذّبين، من قوم نوح وعاد وفرعون وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة.
إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) .
٢- قصص الأنبياء
تشتمل الآيات [١٧- ٤٨] على قصص وأمثلة من حياة الرسل صلوات الله عليهم.
وفي هذا القصص بيان لآثار رحمة
стр. 1822
الله بالرسل من قبل، وتذكير بما أغدق الله عليهم من نعمة وفضل، وبما آتاهم من ملك وسلطان ومن رعاية وإنعام، وذلك ردا على عجب الكافرين من اختيار الله لمحمد (ص) رسولا من بينهم، وما هو ببدع من الرسل، وفيهم من آتاه الله سبحانه إلى جانب الرسالة الملك والسلطان، وفيهم من سخّر له الجبال يسبّحن معه والطير، وفيهم من سخّر الله تعالى له الريح والشياطين، كداود وسليمان (ع) . فما وجه العجب أن يختار الله جلّ وعلا محمدا (ص) الصادق، لينزل عليه الذكر من بين قريش في آخر الزمان.
كذلك يصور هذا القصص رعاية الله تعالى الدائمة لرسله، وإحاطتهم بتوجيهه وتأديبه فقد كانوا بشرا، كما أن محمد (ص) بشر، وكان فيهم ضعف البشر، وكان الله سبحانه يرعاهم فلا يدعهم لضعفهم ولكن يبين لهم ويوجههم، ويبتليهم ليغفر لهم ويكرمهم، وفي هذا ما يطمئن قلب الرسول إلى رعاية ربه له، وحمايته له من أذى المشركين وفي تلك القصص سلوى ومواساة لما لقيه النبي من تكذيب واتهام وافتراء، وفيه دعوة إلى الصبر حتى ينال رضوان الله، كما ناله السابقون من الأنبياء.
٣- النعيم والجحيم
تعرض الآيات [٤٩- ٦٤] مشهد المؤمنين في الجنة، وقد فتحت أبوابها، وجرت أنهارها، وكثر حورها وولدانها، وتنوّعت أرزاقها:
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) .
كما تعرض مشهد الطاغين في النار، وقد اشتد لهيبها وتنوّع عذابها، واختصم الأتباع والرؤساء فيها، وأخذوا يبحثون عن ضعفاء المؤمنين بينهم فلا يجدونهم في النار، لأن هؤلاء الضعفاء في الجنة والرضوان.
٤- سجود الملائكة لآدم
تشتمل الآيات الممتدة من الآية ٦٥ إلى آخر السورة، على تأكيد وحدانية الله تعالى، وشمول قدرته وملكه في السماوات والأرض.
وتستعرض قصة آدم (ع) وسجود الملائكة له، كدليل على أن هؤلاء الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون كما تتضمّن القصة لونا من الحسد في نفس
стр. 1823
الشيطان، وهو الّذي أبعده الله عن رحمته، وطرده من جنّته، حينما استكثر على آدم فضل الله الّذي أعطاه وفي هذا إيحاء لهم ألا يستكثروا على محمد (ص) فضل الرسالة وتبليغ وحي السماء. كذلك تصوّر الآيات المعركة المستمرة بين الشيطان وأبناء آدم، والّتي لا يهدأ أوارها، ولا تضع أوزارها، والّتي يهدف من ورائها إلى إيقاع أكبر عدد منهم في حبائله، لإيرادهم النار معه، انتقاما من أبيهم آدم. وقد كان طرد إبليس من الجنة بسبب امتناعه عن السجود له، فالمعركة بين إبليس وذرية آدم معروفة الأهداف، ولكن أبناء آدم يستسلمون لعدوهم القديم.
وتختم السورة بتوكيد قضية الوحي، وإخلاص الرسول في تبليغ الرسالة، لا يبتغي أجرا ولا يتكلّف قولا وإنّما يبلّغ القرآن، وسيكون لهذا القرآن أبلغ الأثر في حياة البشرية.
стр. 1824
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «ص» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «ص» بعد سورة «القمر» وقبل سورة «الأعراف» ، ونزلت سورة «الأعراف» بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة «ص» في هذا التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لابتدائها بالقسم به، وتبلغ آياتها ثماني وثمانين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إنذار الكافرين بعذاب الدنيا والاخرة، وقد ابتدأت بإثباته بالقسم عليه، وبالقياس على من أهلك قبلهم من الأمم ثم أمر النبي (ص) بالصبر على طلبهم تعجيله استهزاء به، وقصّ عليه في ذلك قصص من صبر قبله من الأنبياء، ثم ذكر ما يكون إليه المآب بعد هلاكهم ثمّ ختمت السورة بالعود إلى تأكيد ذلك الإنذار، ليكون ختامها مناسبا لابتدائها فيرتبط آخرها بأولها وهي، في هذا، تشبه السورة السابقة فيما أنذر به فيها، وهذا هو وجه ذكرها بعدها.
إنذار الكفار بعقاب الدنيا والاخرة الآيات [١- ٧٠]
قال الله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)
стр. 1825
فأقسم بذلك أنهم سيعاقبون على كفرهم في الدنيا والاخرة، ولكنّهم في غفلة عن هذا وشقاق، وكم أهلك من قبلهم من الكفّار، فنادوا ولات حين مناص ثم ذكر سبحانه أنهم تعجبوا من أن ينذرهم بذلك واحد منهم، ومن أن يدعو إلى التوحيد وإبطال الالهة، وهذا يخالف الملّة الاخرة (النصرانية) الّتي تجعل الالهة ثلاثة ثم ذكر إنكارهم أن يختص بذلك دونهم وهو لا يمتاز بشيء عليهم ورد عليهم بأن ذلك يرجع إلى اختياره بمقتضى رحمته، ولا شريك له فيما يملكه من أمر سماواته وأرضه، فإن ادّعوا لهم ملكا في ذلك فليرتقوا في الأسباب: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) .
ثم ذكر جلّ وعلا أنه قد كذّب قبلهم من كان أقوى منهم من قوم نوح وعاد وفرعون فعاقبهم وأهلكهم، وسيكون مصيرهم مثلهم. ثم ذكر أنهم طلبوا تعجيل هذا العذاب استهزاء، وأمر النبي (ص) أن يصبر على استهزائهم، ويذكر ما كان من أمر الرسل قبله ليعتبر بما كان منهم وقد ذكر له في ذلك أخبار داود وسليمان وأيّوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل ﵈ ، وفصّل في بعضهم ما فصّله من أخبارهم، وأجمل في بعضهم ما أجمله من أمرهم، ليحمله على ما أمره به من الصبر على قومه. ثم لفت إلى أمر آخر يحمله أيضا على الصبر عليهم، وهو ما أعدّه سبحانه للمتقين والطاغين من حسن المآب للأولين وشرّه للاخرين، وقد فصّل فيهما ما فصل من أحوالهما، وذكر في الثاني ما يكون من التخاصم بين أهل النار وخزنتها، ثم ختم ذلك كله بتأكيد ما بدأ به من الإنذار، فقال جلّ وعلا: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) فإذا أراد إهلاكهم لم يمنعه غيره من آلهتهم ثم ذكر السياق على لسان الرسول أن ما ينذرهم به نبأ عظيم لا كذب فيه، وأيّد ذلك بأن ما ذكره من ذلك التخاصم بين أهل النار وخزنتهم، لم يكن للرسول به علم إذ يختصمون: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) .
العهد القديم بعقاب الكافرين الآيات [٧١- ٨٨]
ثم قال تعالى: