يدعوهم إلى التوحيد، وساقت السورة شبهات الكافرين حول قضية الوحي.
فقد استكثروا أن يختار الله سبحانه رجلا منهم لينزل عليه الذكر من بينهم، وأن هذا الرجل هو محمد بن عبد الله الّذي لم تسبق له رئاسة فيهم، ولا إمارة فقالوا كما ورد في التنزيل:
أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [الآية ٨] .
وبيّنت السورة لهم، أنّ رحمة الله لا يمسكها شيء، إذا أراد أن يفتحها على من يشاء، وأنه ليس للبشر شيء من ملك السماوات والأرض، وإنّما يفتح الله رزقه ورحمته على من يشاء، وأنه يختار من عباده من يعلم استحقاقهم للخير، وينعم عليهم بشتى الإنعامات، بلا قيد ولا حدّ ولا حساب. في هذا السياق جاء تسخير الجبال والطير، وتسخير الجن والريح، فوق الملك وخزائن الأرض والسلطان والمتاع، وجاء مع القصّتين توجيه النبي (ص) إلى الصبر على ما يلقاه من المكذّبين:
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) .
كذلك جاءت قصة أيوب (ع) تصور ابتلاء الله سبحانه للمخلصين من عباده بالضّرّاء، وصبر أيوب (ع) مثل في الصبر رفيع وتصور السورة حسن العاقبة للصابرين.
ونلاحظ أن السياق، في سورة ص، يربط بين أربعة موضوعات رئيسة: هي شبهات الكافرين، وقصص الأنبياء، والمقابلة بين نعيم المتقين وعذاب الكافرين، ثم قصة خلق آدم (ع) وسجود الملائكة له وإباء إبليس.
١- شبهات الكافرين
تشتمل الآيات [١- ١٦] على شبهات الكافرين حول بشريّة الرسول، واختصاصه بالوحي، وإنكار توحيد الالهة في إله واحد، والرد على هذه المفتريات، وبيان جزاء المكذّبين، من قوم نوح وعاد وفرعون وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة.
إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) .
٢- قصص الأنبياء
تشتمل الآيات [١٧- ٤٨] على قصص وأمثلة من حياة الرسل صلوات الله عليهم.
وفي هذا القصص بيان لآثار رحمة
стр. 1822
الله بالرسل من قبل، وتذكير بما أغدق الله عليهم من نعمة وفضل، وبما آتاهم من ملك وسلطان ومن رعاية وإنعام، وذلك ردا على عجب الكافرين من اختيار الله لمحمد (ص) رسولا من بينهم، وما هو ببدع من الرسل، وفيهم من آتاه الله سبحانه إلى جانب الرسالة الملك والسلطان، وفيهم من سخّر له الجبال يسبّحن معه والطير، وفيهم من سخّر الله تعالى له الريح والشياطين، كداود وسليمان (ع) . فما وجه العجب أن يختار الله جلّ وعلا محمدا (ص) الصادق، لينزل عليه الذكر من بين قريش في آخر الزمان.
كذلك يصور هذا القصص رعاية الله تعالى الدائمة لرسله، وإحاطتهم بتوجيهه وتأديبه فقد كانوا بشرا، كما أن محمد (ص) بشر، وكان فيهم ضعف البشر، وكان الله سبحانه يرعاهم فلا يدعهم لضعفهم ولكن يبين لهم ويوجههم، ويبتليهم ليغفر لهم ويكرمهم، وفي هذا ما يطمئن قلب الرسول إلى رعاية ربه له، وحمايته له من أذى المشركين وفي تلك القصص سلوى ومواساة لما لقيه النبي من تكذيب واتهام وافتراء، وفيه دعوة إلى الصبر حتى ينال رضوان الله، كما ناله السابقون من الأنبياء.
٣- النعيم والجحيم
تعرض الآيات [٤٩- ٦٤] مشهد المؤمنين في الجنة، وقد فتحت أبوابها، وجرت أنهارها، وكثر حورها وولدانها، وتنوّعت أرزاقها:
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) .
كما تعرض مشهد الطاغين في النار، وقد اشتد لهيبها وتنوّع عذابها، واختصم الأتباع والرؤساء فيها، وأخذوا يبحثون عن ضعفاء المؤمنين بينهم فلا يجدونهم في النار، لأن هؤلاء الضعفاء في الجنة والرضوان.
٤- سجود الملائكة لآدم
تشتمل الآيات الممتدة من الآية ٦٥ إلى آخر السورة، على تأكيد وحدانية الله تعالى، وشمول قدرته وملكه في السماوات والأرض.
وتستعرض قصة آدم (ع) وسجود الملائكة له، كدليل على أن هؤلاء الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون كما تتضمّن القصة لونا من الحسد في نفس
стр. 1823
الشيطان، وهو الّذي أبعده الله عن رحمته، وطرده من جنّته، حينما استكثر على آدم فضل الله الّذي أعطاه وفي هذا إيحاء لهم ألا يستكثروا على محمد (ص) فضل الرسالة وتبليغ وحي السماء. كذلك تصوّر الآيات المعركة المستمرة بين الشيطان وأبناء آدم، والّتي لا يهدأ أوارها، ولا تضع أوزارها، والّتي يهدف من ورائها إلى إيقاع أكبر عدد منهم في حبائله، لإيرادهم النار معه، انتقاما من أبيهم آدم. وقد كان طرد إبليس من الجنة بسبب امتناعه عن السجود له، فالمعركة بين إبليس وذرية آدم معروفة الأهداف، ولكن أبناء آدم يستسلمون لعدوهم القديم.
وتختم السورة بتوكيد قضية الوحي، وإخلاص الرسول في تبليغ الرسالة، لا يبتغي أجرا ولا يتكلّف قولا وإنّما يبلّغ القرآن، وسيكون لهذا القرآن أبلغ الأثر في حياة البشرية.
стр. 1824
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «ص» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «ص» بعد سورة «القمر» وقبل سورة «الأعراف» ، ونزلت سورة «الأعراف» بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة «ص» في هذا التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لابتدائها بالقسم به، وتبلغ آياتها ثماني وثمانين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إنذار الكافرين بعذاب الدنيا والاخرة، وقد ابتدأت بإثباته بالقسم عليه، وبالقياس على من أهلك قبلهم من الأمم ثم أمر النبي (ص) بالصبر على طلبهم تعجيله استهزاء به، وقصّ عليه في ذلك قصص من صبر قبله من الأنبياء، ثم ذكر ما يكون إليه المآب بعد هلاكهم ثمّ ختمت السورة بالعود إلى تأكيد ذلك الإنذار، ليكون ختامها مناسبا لابتدائها فيرتبط آخرها بأولها وهي، في هذا، تشبه السورة السابقة فيما أنذر به فيها، وهذا هو وجه ذكرها بعدها.
إنذار الكفار بعقاب الدنيا والاخرة الآيات [١- ٧٠]
قال الله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)
стр. 1825
فأقسم بذلك أنهم سيعاقبون على كفرهم في الدنيا والاخرة، ولكنّهم في غفلة عن هذا وشقاق، وكم أهلك من قبلهم من الكفّار، فنادوا ولات حين مناص ثم ذكر سبحانه أنهم تعجبوا من أن ينذرهم بذلك واحد منهم، ومن أن يدعو إلى التوحيد وإبطال الالهة، وهذا يخالف الملّة الاخرة (النصرانية) الّتي تجعل الالهة ثلاثة ثم ذكر إنكارهم أن يختص بذلك دونهم وهو لا يمتاز بشيء عليهم ورد عليهم بأن ذلك يرجع إلى اختياره بمقتضى رحمته، ولا شريك له فيما يملكه من أمر سماواته وأرضه، فإن ادّعوا لهم ملكا في ذلك فليرتقوا في الأسباب: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) .
ثم ذكر جلّ وعلا أنه قد كذّب قبلهم من كان أقوى منهم من قوم نوح وعاد وفرعون فعاقبهم وأهلكهم، وسيكون مصيرهم مثلهم. ثم ذكر أنهم طلبوا تعجيل هذا العذاب استهزاء، وأمر النبي (ص) أن يصبر على استهزائهم، ويذكر ما كان من أمر الرسل قبله ليعتبر بما كان منهم وقد ذكر له في ذلك أخبار داود وسليمان وأيّوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل ﵈ ، وفصّل في بعضهم ما فصّله من أخبارهم، وأجمل في بعضهم ما أجمله من أمرهم، ليحمله على ما أمره به من الصبر على قومه. ثم لفت إلى أمر آخر يحمله أيضا على الصبر عليهم، وهو ما أعدّه سبحانه للمتقين والطاغين من حسن المآب للأولين وشرّه للاخرين، وقد فصّل فيهما ما فصل من أحوالهما، وذكر في الثاني ما يكون من التخاصم بين أهل النار وخزنتها، ثم ختم ذلك كله بتأكيد ما بدأ به من الإنذار، فقال جلّ وعلا: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) فإذا أراد إهلاكهم لم يمنعه غيره من آلهتهم ثم ذكر السياق على لسان الرسول أن ما ينذرهم به نبأ عظيم لا كذب فيه، وأيّد ذلك بأن ما ذكره من ذلك التخاصم بين أهل النار وخزنتهم، لم يكن للرسول به علم إذ يختصمون: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) .
العهد القديم بعقاب الكافرين الآيات [٧١- ٨٨]
ثم قال تعالى:
стр. 1826
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) ، فذكر قصة خلق آدم وأمره الملائكة بالسجود له، وأنهم أطاعوه إلا إبليس لعنه الله وأنه عاقبه على ذلك بإخراجه من الجنة، وأنه عهد، وعهده الحقّ، أن يملأ جهنّم منه وممّن تبعه من الكافرين ثم ختم السورة بأنه لا يسألهم على هذا الإنذار من أجر، ولا يكلّفهم منه ما لا يطيقون: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) .
стр. 1827
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «ص» «١»
أقول: هذه السورة بعد «الصافات» ، ك «طس» بعد «الشعراء» ، وك «طه» و «الأنبياء» بعد «مريم» ، وك «يوسف» بعد «هود» ، في كونها متمّمة لها بذكر من بقي من الأنبياء، ممّن لم يذكروا فيها فإنه سبحانه ذكر، في الصافات، نوحا، وإبراهيم والذبيح، وموسى، وهارون ولوطا، وإلياس، ويونس.
وذكر، هنا، داود، وسليمان، وأيوب، وأشار إلى بقية من ذكر، فهي بعدها أشبه شيء «بالأنبياء» ، و «طس» بعد «مريم» و «الشعراء» .
стр. 1828
المبحث الرابع مكنونات سورة «ص» «١»
١- وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ [الآية ٦] .
قال مجاهد: أي عقبة بن أبي معيط.
زاد السّدّي: وأبو جهل، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطّلب، والأسود بن يغوث.
أخرجهما ابن أبي حاتم.
٢- ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ [الآية ٧] .
قال محمد بن كعب: يعني ملّة عيسى (ع) .
وقال مجاهد: ملّة قريش «٢» .
وأخرجهما ابن أبي حاتم «٣» .
٣- وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [الآية ١٦] .
قال قتادة: قال ذلك أبو جهل.
أخرجه ابن أبي حاتم «٤» .
وقال عطاء: النّضر بن الحارث.
أخرجه عبد بن حميد.
٤- وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ [الآية ٢١] .
هما ملكان. أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أنس بن مالك مرفوعا بسند ضعيف، ومن حديث ابن عبّاس
стр. 1829
موقوفا، وسمّاهما: جبريل، وميكائيل.
٥- الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) .
أخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التّيمي «١» : أنها عشرون ألف فرس.
٦- وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً [الآية ٣٤] .
قال ابن عباس: هو الشّيطان.
أخرجه ابن أبي حاتم.
وأخرج عن قتادة: أنه مارد يقال له:
أسيد.
وأخرج من طريق علي، عن ابن عباس: أنّه صخر الجنّي وعن السّدّي:
أنه شيطان اسمه: حقيق.
وروى عبد الرزاق، عن مجاهد: أنّ اسمه آصف.
وروى ابن جرير عنه: أن اسمه آصر.
٧- أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ [الآية ٤١] .
قال نوف البكالي «٢» . الشيطان الّذي مسّ أيّوب يقال له: مسعط. أخرجه ابن أبي حاتم.
٨- وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا [الآية ٦٢] .
قائل ذلك: أبو جهل، وسمّي من الرّجال: عمار بن [ياسر] وبلال، وصهيب، وخبّاب. أخرج ذلك ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد.
стр. 1830
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «ص» «١»
١- وقال تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) .
قالوا في «لات» :
هي لا المشبهة ب «ليس» زيدت عليها تاء التأنيث، كما زيدت على «ربّ» و «ثمّ» للتوكيد.
وتغيّر بذلك حكمها حيث لم تدخل إلّا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد مقتضييها، إمّا الاسم وإمّا الخبر، وامتنع بروزهما جميعا.
هذا مذهب الخليل، وتبعه سيبويه.
وعند الأخفش أنها «لا» النافية للجنس زيدت عليها التاء، وخصّت بنفي الأحيان.
هذا مجمل كلام ليس لنا أن نقبله بيسر، فما معنى قولهم إنّ «التاء» للتأنيث، وتاء التأنيث ساكنة مع الفعل، ومحركة بالحركات مع الاسم. وما معنى قولهم: إنها للتوكيد؟ وهل كل زيادة توكيد؟ وما معنى التوكيد؟
وما المؤكّد في ذلك؟ وإذا كانت للتأنيث فكيف يراد التوكيد؟ وما رأينا تاء للتأنيث تفيد التوكيد! وهل التاء في «ربّت» و «ثمّت» المفتوحتان للتأنيث والتوكيد؟
وأما اختصاصها بنفي الأحيان، فهذا قائم لأنها سمعت كذلك في لغة العرب.
ولعلّنا نستطيع أن نقول شيئا آخر في هذه التاء.
ومن ذلك تصوّرنا أن هذه «التاء» هي شيء من «ايت» السريانية. و «ايت»
стр. 1831
السريانية هذه تعني «ايش» أي: الشيء في العربية. وقد ركبت مع «لا» فصارت «لا ايت» ، ثم خفّفت فصار «لات» ، واستعملت استعمالا خاصّا.
وهي نظير «ليس» الّتي قال الخليل بتركيبها من «لا أيس» أي: لا وجود.
وكنا قد شرحنا هذا الشيء بتفصيل في الكلام على قوله تعالى: إِنِّي آنَسْتُ ناراً [طه: ١٠] .
ولنعد إلى «لات» لنقول: إن «ايت» بمعنى «شيء» بقي شيء منها في العربية، وذلك في مادة «أثث» . وإذا رجعنا إلى «أثاث» و «أثاثة» في المعجم، وجدنا أن عموم الدلالة فيهما يشير إلى أنها مطلق الشيء، ومن غير تخصيص، ثم جاء الاستعمال فقيّد وخصّص وصرفها إلى أشياء معيّنة.
وقد بقي لنا أن نقول: إن العرب ربما أدخلوا على «حين» التاء وقالوا:
لات حين بمعنى ليس حين.
وأما قول أبي وجزة:
العاطفون تحين ما من عاطف والمفضلون يدا إذا ما أنعموا فقال ابن سيده: قيل إنه أراد «العاطفون» مثل «القائمون» و «القاعدون» ، ثم زاد التاء في «حين» كما زادها الاخر في قوله:
نولّي قبل نأي داري جمانا وصلينا كما زعمت تلانا أراد الآن، فزاد التاء، وألقى حركة الهمزة على ما قبلها.
أقول: هذا قول المتقدّمين في كلمة «حين» ، وزيادة التاء في أولها. وعلى هذا يكون قولنا: «لات حين» من باب نفي «تحين» ب «لا» قبلها.
وأرى أن هذا المنقول من كلامهم قد يشعرنا أن «للتاء» ، في لغة قديمة، ما للألف واللام في أول الاسم، ولعل هذا شيء مما ورثته العربية من اللغات الّتي سبقتها! ٢- وقال تعالى: وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) .
والقطّ: القسط من الشيء، لأنه قطعة منه.
أقول: القطّ هو القسم، أي:
القطعة، وهو من الفعل، قطّ يقطّ أي:
قطع يقطع. والمصدر القطّ على فعل.
وقد أشرنا إلى كثير من المصادر الثلاثية على «فعل» ، أن الاسم منها يكون بكسر الفاء كالسّقط والنّقض
стр. 1832
والكسر والمسخ، وكله بكسر الفاء وسكون العين. وعلى هذا يكون «القطّ» القسم، أي القسط الّذي أرادوه.
٣- وقال تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ [الآية ١٧] .
قلنا: إن العربية قد أفادت من أعضاء الجسم في توليد المواد المفيدة، وفي هذه الآية «الأيد» ، وهو مصدر بمعنى القوة من «اليد» عضو الإنسان، وهكذا أخذ من الضلع والعظم والسن وغيرها فوائد عدة.
٤- وقال تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ.
أريد أن أنبه إلى أن الخصم، وإن كان مفردا في لفظه، فإنه يدل على الجمع في معناه، والآية شاهد.
وانظر: الآية التاسعة عشرة من سورة الحج.
٥- وقال تعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) .
والمعنى: وغلبني.
أقول: وهذا من معاني «عزّ» النادرة الّتي لا نعرفها في عصرنا.
٦- وقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ [الآية ٢٤] .
وقوله تعالى: وَقَلِيلٌ ما هُمْ للإبهام، وفيه تعجب من قلّتهم، و «ما» زائدة.
أقول وزيادة «ما» هذه رشّحت للتركيب الجميل للإبهام والتعجب من قلّتهم.
٧- وقال تعالى: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) .
والنصب قد يقرأ بفتح النون مع سكون الصاد، وبفتحهما وضمهما كالرّشد والرّشد. والنصب هو البلاء والشرّ.
وقد نبّهت على هذا، لأننا لا نعرف من هذه الكلمة إلا النصب، بفتحتين وهو التعب.
٨- وقال تعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [الآية ٤٢] .
والمعنى: وادفع برجلك الأرض.
٩- وقال تعالى: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا [الآية ٦٣] .
أقول: والسّخريّة والسخريّ والسّخريّ كله بمعنى مصدر سخر كالسّخر.
стр. 1833
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «ص» «١»
قال تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) فيزعمون أنّ موضع القسم هو في قوله سبحانه: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) .
وقال تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) فشبهوا (لات) ب (ليس) وأضمروا فيها اسم الفاعل ولا تكون (لات) إلّا مع «حين» وقرأ بعضهم بالرفع وَلاتَ حِينَ مَناصٍ فجعله في قوله مثل (ليس) كأن السياق «ليس أحد» وبإضمار الخبر.
وفي الشعر [من الخفيف وهو الشاهد الرابع والستون بعد المائتين] :
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
فجرّ «أوان» وحذف وأضمر «الحين» وأضاف الى «أوان» لأنّ (لات) لا تكون إلّا مع «الحين» .
وقال تعالى: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [الآية ٥] تقول «أتجعل مائة شاهد شاهدا واحدا» .
وقال تعالى: فَطَفِقَ مَسْحاً [الآية ٣٣] أي: يمسح مسحا.
وقال تعالى: رُخاءً [الآية ٣٦] والله أعلم، على «رخّيناها رخاء» .
стр. 1834
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «ص» «١»
إن قيل: أين جواب القسم في قوله تعالى ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) ؟.
قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه لما ذكر سبحانه حرفا من حروف المعجم على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز، كما قيل في كل سورة مفتتحة بحرف أتبعه القسم، محذوف الجواب، لدلالة التحدي عليه، كأنّ السياق: والقرآن ذي الذكر إنه لكلام معجز وكذلك إذا كان الحرف مقسما به، كأنّ السياق:
أقسمت ب «ص» والقرآن ذي الذكر، إن هذا الكلام معجز.
الثاني: أن «ص» خبر مبتدأ محذوف، على أنه اسم للسورة، كأن السياق يقول: هذه «ص» ، يعني: هذه السورة الّتي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر، كما تقول: هذا حاتم والله، تريد: هذا هو المشهور بالسخاء والله.
الثالث: أن جواب القسم: كم أهلكنا، وأصله لكم أهلكنا، فلمّا طال الكلام حذفت اللام تخفيفا كما في قوله تعالى وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) [الشمس] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) [الشمس] الرابع: أنّه قوله تعالى إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) وهو قول الكسائي. وقال الفرّاء: وهذا لا يستقيم في العربية لتأخّره جدا عن القسم.
فإن قيل: ما وجه المناسبة والارتباط بين قوله تعالى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
стр. 1835
[الآية ١٧] وقوله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ [الآية ١٧] ؟
قلنا: وجه المناسبة بينهما: أنه أمر أن يتقوّى على الصبر، بذكر قوة داود ﵇ على العبادة والطاعة.
الثاني: أن المعنى عرّفهم أن داود ﵇ ، مع كرامته وشهرة طاعته وعبادته، الّتي منها صوم يوم دون يوم، وقيام نصف الليل، كان شديد الخوف من عذابي، لا يزال باكيا مستغفرا.
فكيف حال هؤلاء مع أفعالهم؟
فإن قيل: لم قال الملكان لمّا دخلا على داود ﵇ كما ورد في التنزيل: خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ [الآية ٢٢] والملائكة لا يوجد منهم البغي والظلم، ولم قال تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [الآية ٢٣] إلى آخره، ولم يكن كما قال؟
قلنا: إنّما قالا ذلك على سبيل الفرض والتصوير للمسألة، ومثل ذلك لا يعدّ كذبا كما تقول في تصوير المسائل: زيد له أربعون شاة وعمرو له أربعون، وأنت تشير إليهما، فخلطاها وحال عليها الحول كم يجب فيها وليس لهما شيء، وتقول لي أربعون شاة، ولك أربعون، فخلطناها وما لكم شيء.
فإن قيل: لم حكم داود ﵇ على المدعى عليه بكونه ظالما قبل أن يسمع كلامه؟
قلنا: لم يحكم عليه إلا بعد اعترافه، كذا نقله السّدّي إلا أنه حذف ذكر الاعتراف في القصة، اختصارا لدلالة الحال عليه، كما تقول العرب: أمرته بالتجارة فكسب الأموال: أي فاتّجر، فكسب الأموال.
فإن قيل: ما معنى تكرار الحب في قوله تعالى: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي [الآية ٣٢] . وما معنى تعديته ب «عن» وظاهره أحببت حبّا مثل حب الخير، كما تقول أحببت حبّ زيد: أي أحببت حبّا مثل حبّ زيد؟
قلنا: أحببت في الآية بمعنى آثرت، كما يقول المخيّر بين شيئين: أحببت هذا: أي آثرته، وقد جاء استحب بمعنى آثر، قال الله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت: ١٧] . أي آثروه: لأنّ من أحبّ شيئا فقد آثره على غيره، و «عن» بمعنى «على» كما في قوله تعالى: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ
стр. 1836
[محمد: ٣٨] فيصير المعنى أي آثرت حب الخير على ذكر ربي. الثاني:
وهو اختيار الجرجاني صاحب معاني القرآن، أن «أحببت» بمعنى قعدت وتأخرت، مأخوذ من أحب الجمل إذا برك، ومنه قول الشاعر:
دعتك إليها مقلتاها وجيدها فملت كما مال المحبّ على عمد فالمحبّ هنا الجمل، والعمد علّة تكون في سنام الجمل، وكل من ترك شيئا وتجنّب أن يفعله فقد قعد عنه، فتأويل الآية: إنّي قعدت عن ربي لحبّ الخير، فيكون انتصاب حب على أنه مفعول له.
فإن قيل: لم قال سليمان ﵇، كما ورد في التنزيل: وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [الآية ٣٥] وهذا أشبه بالحسد والبخل بنعم الله تعالى على عبيده، بما لا يضرّ سليمان ﵇؟
قلنا: قال الحسن وقتادة رحمهما الله: المراد به لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي، كما فعله الشيطان الّذي لبس خاتمه وجلس على كرسيه الثاني: أن الله تعالى علم أنه لا يقوم غيره من عباده بمصالح ذلك الملك، فاقتضت حكمته سبحانه تخصيصه به، فألهمه أن يسأله تخصيصه به. الثالث:
أنه أراد بذلك ملكا عظيما، فعبر عنه بتلك العبارة، ولم يقصد بذلك إلّا عظم الملك وسعته، كما تقول لفلان:
ليس لأحد مثله من الفضل أو من المال، وتريد بذلك عظم فضله أو ماله، وإن كان في الناس أمثاله.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف أيوب ﵇: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً [الآية ٤٤] مع أن الصبر هو ترك الشكوى من ألم البلوى، على ما قيل، وهو قد شكا؟
قلنا: الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، ولا تسمّى جزعا لما فيها من إظهار الخضوع والعبودية لله تعالى، والافتقار إليه ويؤيده قول يعقوب ﵇، كما ورد في التنزيل: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
[يوسف: ٨٦] مع قوله فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف: ٨٣] وقولهم: الصبر ترك الشكوى، يعني إلى العباد. الثاني: أنه (ع) ، إنما طلب الشفاء من الله تعالى، بعد ما لم يبق منه إلا قلبه ولسانه، خيفة على قومه أن يفتنهم الشيطان بما كان يوسوس لهم
стр. 1837
به. ويقول إنه لو كان أيوب نبيّا لما ابتلي بما هو فيه، ولدعا الله تعالى بكشف ضرّه. وروي أنه ﵇ قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يلهني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان، فكشف الله تعالى ضرّه.
فإن قيل: قوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) يدل على أن غاية لعنة الله لإبليس يوم القيامة ثم تنقطع؟
قلنا: كيف تنقطع، وقد قال تعالى:
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ [الأعراف: ٤٤] يعني يوم القيامة أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) [الأعراف] وإبليس أظلم الظلمة ولكن مراده، في الآية، أن عليه اللعنة في طول مدة الدنيا فإذا كان يوم القيامة اقترن له باللعنة من أنواع العذاب، ما تنسى عنده اللعنة، وكأنها انقطعت.
стр. 1838
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «ص» »
قوله تعالى: وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) هذه استعارة على بعض الأقوال، وهو أن قوله تعالى ذُو الْأَوْتادِ معناه ذو الملك الثابت، والأمر الواطد، والأسباب الّتي بها يثبت السلطان، كما يثبت الخباء بأوتاده، ويقوم على عماده.
وقد يجوز أيضا أن ذُو الْأَوْتادِ معناه ذو الأبنية المشيّدة، والقواعد الممهّدة، الّتي تشبّه بالجبال في ارتفاع الرؤوس ورسوخ الأصول. لأن الجبال تسمى أوتاد الأرض. قال سبحانه:
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) [النّبأ] .
وقوله سبحانه: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) .
وقرئ: من فواق «٢» بالضم. وقد قيل إنهما لغتان، وذلك قول الكسائي.
وقال أبو عبيدة: من فتح أراد ما لها من راحة، ومن ضمّ أراد ما لها في إهلاكهم من مهلة، بمقدار فواق الناقة، وهي الوقفة الّتي بين الحلبتين.
والموضع الّذي يحقق الكلام بالاستعارة على قراءة من قرأ من فواق بالفتح، أن يكون سبحانه وصف تلك الصيحة بأنها لا إفاقة من سكرتها، ولا
стр. 1839
استراحة من كربتها، كما يفيق المريض من علّته، والسكران من نشوته.
والمراد أنه لا راحة للقوم منها. فجعل سبحانه الراحة لها على طريق المجاز والاتساع. ومثله كثير في الكلام.
وقوله سبحانه: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) . وهذا الكلام داخل في حيّز الاستعارة. لأن النعاج هاهنا كناية عن النساء. وقد جاءت في أشعارهم الكناية عن المرأة بالشاة.
وعلى ذلك قول الأعشى:
فرميت غفلة عينه عن شاته فأصبت حبة قلبها وطحالها «١» أي: عن امرأته. وقال عنترة:
يا شاة ما قنص لمن حلّت له حرمت عليّ وليتها لم تحرم «٢» وربما سمّوا الظّبية نعجة، والظبية شبيهة بالمرأة، فتكون اللفظة مستعارة على هذا التركيب.
وإنما شبّهت النساء بالنعاج، لأنّ النعاج يرتبطن للاحتلاب والاستنتاج، والنساء يصطفين للاستمتاع والاستيلاد.
وقوله تعالى في ذكر الخيل حاكيا عن سليمان ﵇ لمّا عرضت عليه فكاد أن يفوته، للشغل بها، وقت صلاة كان يصلّيها، فضرب رؤوسها وعراقيبها بالسيف، على ما وردت به الأخبار: رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وهذه استعارة. لأن المسح هاهنا- في أكثر أقوال أهل التأويل- كناية عن الضّرب بالسيف.
وامتسح رأسه: إذا فعل به ذلك. وهذه الباء هاهنا للإلصاق فكأنّ السّياق:
وألصق السيف بسوقها وأعناقها. كما يقول القائل: مسحت يدي بالمنديل.
стр. 1840
أي ألصقتها به. وعلى ذلك قول الشاعر «١» .
نمشّ «٢» بأعراف الجياد أكفّنا إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب أي نلصق أيدينا بأعرافها، كما نلصقها بالمناديل الّتي تمسح بها الأيدي. وقد صرّح بذلك الشاعر الاخر «٣» فقال:
أعرافهنّ لأيدينا مناديل
والشاهد الأعظم على ذلك ما ورد في التنزيل من قوله سبحانه:
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦] على قراءة من قرأ: (وأرجلكم) جرّا. أي ألصقوا المسح بهذه المواضع. وهذه الآية يستدل بها أهل العراق على أنّ استيعاب الرأس بالمسح ليس بواجب، خلافا لقول مالك. وقال لي الشيخ أبو بكر محمد بن موسى «٤» الخوارزمي- أدام الله توفيقه- عند بلوغي عليه في القراءة، من مختصر أبي جعفر الطّحاوي «٥» إلى هذه المسألة: سألت أبا علي الفارسي النحوي «٦» وأبا
стр. 1841
الحسن علي بن عيسى الرّمّاني «١» : هل يقتضي ظاهر الآية إلصاق الفعل بجميع المحل أو بالبعض؟ فقالا جميعا: إذا ألصق الفعل ببعض المحل تناوله الاسم. قال: وهذا يدل على الاقتصار، على مسح بعض الرأس كما يقوله أصحابنا.
وقوله سبحانه: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) وهذه استعارة. والمراد بها- والله أعلم- أولي القوى في العبادة، والبصائر في الطاعة.
ولا يجوز أن يكون المراد بالأبصار هاهنا الجوارح والحواس، لأن سائر الناس يشاركون الأنبياء ﵈ في خلق ذلك لهم. ولا يحسن مدح الإنسان بأن له يدا وقدما وعينا وفما.
وإنّما يحسن أن يمدح بأن له نفسا شريفة، وهمّة منيفة، وأفعالا جميلة.
وخلالا محمودة.
وقيل أيضا معنى أُولِي الْأَيْدِي: أي أولي النّعم في الدّين، لأن ورود اليد بمعنى النعمة مشهور في كلامهم، فإنهم أسدوا إلى الناس أيديا بدعايتهم إلى الإيمان، وافتلاتهم من حبائل الضّلال.
وأما قوله في هذه السورة: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [الآية ٧٥] فقد مضى، من الكلام على قوله تعالى في يس: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) [يس] ، ما هو بعينه الكلام على هذا الموضع، فلا فائدة في إعادته. وجملته أنّ المراد بقوله تعالى:
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ مزيّة الاختصاص بخلق آدم ﵇ من غير معونة معين، ولا مظاهرة ظهير.
стр. 1842
سورة الزّمر ٣٩
стр. 1843
المبحث الأول أهداف سورة «الزّمر» «١»
سورة «الزّمر» سورة مكية نزلت في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين بمكة، بعد الإسراء وقبيل الهجرة وآياتها ٧٥ آية.
نزلت بعد سورة «سبأ» ، وقد سميت سورة «الزّمر» بذلك الاسم، لقوله تعالى في آخرها:
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً [الآية ٧١] .
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [الآية ٧٣] .
وللسورة اسمان: سورة الزمر، وسورة «الغرف» ، لقوله تعالى:
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ [الآية ٢٠] .
أدلّة التوحيد
سورة الزمر تهزّ القلب هزّا، وتسكب فيه مؤثرات الإيمان بالله، وتستعرض أمامه أدلّة القدرة الإلهية، والجزاء العادل في الدنيا والاخرة، وتفتح باب الرجاء الأمل في رحمة الله ورضوانه، ومن آياتها الشهيرة قوله تعالى:
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) .
ومنذ افتتاح السورة إلى نهايتها وهي تؤكد قضية التوحيد الخالص. ففي مطلع السورة:
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ [الآية ٣] .
стр. 1844
وفي خلال السورة نجد لمسات متوالية للقلوب والأفئدة، تعرض عليها أدلّة القدرة ومشاهد الكون، وخلق الليل والنهار، وإنزال المطر وإنبات النبات، وبدء الخليقة، ومراحل خلق الجنين، وطبيعة النفس في اللجوء إلى الله سبحانه في الضّرّاء، والإعراض عنه في السّرّاء، مع أن الموت قائم على رؤوس العباد.
ظل الاخرة
مشاهد الاخرة تظلل السورة وتسيطر على ختامها، حيث نجد الملائكة حافّين من حول العرش، ونرى المؤمنين يساقون إلى الجنة أفواجا وجماعات في تكريم إلهي، وسلام ونعيم في الخلود، ونرى الكفّار يساقون إلى جهنّم زمرا في مهانة وإذلال.
«وظل الاخرة في السورة يتناسق مع جوّها، وأهداف اللّمسات الّتي تأخذ القلب البشري بها، فهذه اللمسات أقرب إلى جو الخشية والخوف والفزع والارتعاش، ومن ثمّ نجد الحالات الّتي ترسمها للقلب البشري هي حالات ارتعاشة وانتفاضة وخشية، نجد هذا في صورة القانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجو رحمة ربه، وفي صورة الّذين يخشون ربهم، حيث تقشعر جلودهم لهذا القرآن، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، كما نجده في التوجيه إلى التقوى، والخوف من العذاب والتخفيف منه، ثم نجده في مشاهد القيامة، وما فيها من فزع ومن خشية، وما فيها كذلك من إنابة وخشوع» .
فقرات السورة
١- التوحيد
في الآيات الأولى من السّورة المكوّنة لفقرتها الأولى، حثّ على إخلاص العبادة لله سبحانه، ثم نهي عن اتخاذ الأنداد والأولياء ثم نجد القرآن يلمس القلوب فيبين قدرة الله ﷻ في خلق الناس من نفس واحدة، وتزويجها من جنسها، وخلق الأنعام أزواجا كذلك، وخلقهم في بطون أمهاتهم في ظلمات ثلاث، ومنحهم خصائص جنسهم البشري أوّل مرة، ثم منحهم خصائص البقاء والارتقاء. وقد استغرقت هذه الفقرة الآيات [١- ٧] .
стр. 1845
٢- أنواع الإنسان وحالته
في الفقرة الثانية نجد أن الآيات [٨- ٢٠] قد لمست القلوب لمسة أخرى، وهي تعرض على الناس صورتهم في الضّرّاء وصورتهم في البأساء، وتريهم تقلّبهم وضعفهم وقلّة ثباتهم على نهج إلّا حين يتصلون بربهم ويتطلّعون إليه، ويقنتون له، فيعرفون الطريق، ويعلمون الحقيقة وينتفعون بما وهبهم الله من خصائص الإنسان.
ثم وجّهت الآيات النبيّ (ص) إلى إعلان كلمة التوحيد الخالصة، وإعلان خوفه من معصية الله، وإعلان تصميمه على منهجه وطريقه، وتركهم هم لمنهجهم وطريقهم، وبيان عاقبة هذا الطريق وذلك يوم يكون الحساب.
٣- في مظاهر القدرة
في الآيات [٢١- ٢٥] لفتة إلى حياة النبات في الأرض عقب إنزال الماء من السماء، ثم نهاية النبات في فترة وجيزة، وكذلك شأن الدنيا. ثم تشير الآيات إلى الكتاب المنزل من السماء، لتحيا به القلوب وتنشرح له الصدور مع تصوير لعاقبة المستجيبين لذكر الله، والقاسية قلوبهم من ذكر الله.
ثم تضرب الآيات مثالا لمن يعبد إلها واحدا، ومن يعبد آلهة متعددة، وهما لا يستويان مثلا، ولا يتّفقان حالا، كما لا يستوي العبد الّذي يملكه سادة متنازعون، والعبد الّذي يعمل لسيد واحد لا يتنازع أحد فيه.
ثم تضع حقيقة واقعة، وهي تعرّض الناس جميعا للموت والفناء، الرسول والمرسل إليهم وسيتنوع الجزاء يوم القيامة، فيجازى الكافرون في جهنم، ويجازى الصادقون المصدّقون جزاء المحسنين.
٤- نقاش متنوع
في الآيات [٣٦- ٦١] نلمس قدرة القرآن الفائقة على إقامة الحجّة، وإقناع الإنسان، وأخذ السبيل على النفس البشرية حتى لا تجد بدّا من الإذعان والانقياد. وقد تناولت هذه الفقرة التوحيد من جوانب متعددة في لمسات متنوعة، تبدأ بتصوير حقيقة القلب المؤمن، وموقفه بإزاء قوى الأرض واعتداده بالقوة الوحيدة، واعتماده عليها دون مبالاة بسواها من القوى الضئيلة الهزيلة. ومن ثم ينفض يده من هذه القوى الوهمية، ويكل أمره وأمر
стр. 1846
المجادلين له إلى يوم القيامة، ويمضي في طريقه ثابتا واثقا مستقيما بالمصير.
يتلو هذا بيان الرسول (ص) وأنه ليس وكيلا على العباد في هداهم وضلالهم، وإنما الله سبحانه هو المسيطر عليهم، الأخذ بناصيتهم في كل حالة من حالاتهم، وليس لهم من دونه شفيع فإن الشفاعة لله جميعا، وإليه سبحانه ملك السماوات والأرض، وإليه المرجع والمصير.
ثم تتعرّض الآيات لوصف المشركين وانقباض قلوبهم عند ذكر كلمة التوحيد، وانبساطها عند ذكر كلمة الشّرك وتعقّب على هذا بدعوة الرسول (ص) إلى إعلان كلمة التوحيد خالصة وترك أمور المشركين لله، وتصوّرهم يوم القيامة يودّون لو يفتدون بملء الأرض ومثله معه، وقد تكشّف لهم من الأمر ما يذهل ويخيف! وتعرض الآيات وضع الإنسان في حال الهلع والجزع، ثم في حال النعمة والرخاء فهو إذا أصابه الضّرّ دعا الله وحده، فإذا وهبه الله النّعم والرّخاء ادعى دعاوى عريضة، وقال: إنما أوتيته على علم عندي هذه الكلمة الّتي قالها من سبق من المتبطّرين والمتكبّرين، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وهو قادر على أن يبطش بكلّ جبّار عنيد، وما كان بسط الرزق وقبضه إلّا سنّة من سنن الله تجري وفق حكمته وتقديره، وهو وحده الباسط القابض بيده الخلق والأمر.
والله سبحانه قد فتح أبواب رحمته على مصاريعها بالتوبة، ودعا العصاة إلى الإنابة والاستقامة، واتّباع منهج الحق والعدل من قبل أن يأتي يوم الحساب فتندم كل نفس ظالمة، وتتمنى أن تعود إلى الدنيا لتستدرك ما فاتها. وفي هذا اليوم تظهر الكآبة في وجوه الكافرين، ويظهر الفوز والسرور في وجوه المؤمنين.
٥- الله مستحق للعبادة دون سواه
تعرض الآيات الأخيرة في السورة [٦٢- ٧٥] ألوان قدرة الله وجلاله وتفرّده بالملك والتصرف في كل شيء. وإذا تبيّن لنا آثار هذه القدرة، ظهرت أمامنا دعوة المشركين للنبي (ص) إلى مشاركتهم عبادة آلهتهم في مقابل أن يشاركوه عبادة إلهه، مستغربة مستنكرة، فكيف يعبد معه
стр. 1847
سبحانه غيره؟ وله وحده مقاليد السماوات والأرض.
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (٦٧) [الآية ٦٧] .
وهم يشركون به وهو وحده المعبود القادر القاهر.
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية ٦٧] .
فهي في تصرفه وملكه كما يتصرف الإنسان فيما هو داخل قبضته.
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.
[الآية ٦٧] .
وستطوى هذه السماوات وتبدل بقدرته سبحانه. وبمناسبة تصوير هذه الحقيقة على هذا النحو يوم القيامة، يعرض مشهدا فريدا من مشاهد القيامة، ينتهي بموقف الملائكة حافّين من حول العرش يسبّحون بحمد ربّهم.
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) .
стр. 1848
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الزّمر» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الزّمر» بعد سورة «سبأ» ، ونزلت سورة «سبأ» بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «الزّمر» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في آخرها: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً [الآية ٧١] إلى قوله: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [الآية ٧٣] . وتبلغ آياتها خمسا وسبعين آية.
الغرض منها وترتيبها
ما يبرز لنا من أغراض هذه السورة الحثّ على إخلاص العبادة لله تعالى، والنهي عن اتخاذ الوسائل من الأولياء والأولاد ونحوهم، ولهذا يدور السياق فيها على إقامة الأدلة والآيات على بطلان هذا الاعتقاد. ووجه ارتباطها بسورة «ص» أنه ذكر فيها أن مشركي مكة اعتمدوا على ما جاء في النصرانية من التثليث واتخاذ الولد، فجاءت هذه السورة بعدها لإبطال ما اعتمدوا عليه من ذلك، والحث على إخلاص العبادة لله وحده.
إبطال الوسائل من الأولياء والأولاد الآيات [١- ٧٥]
قال الله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) فذكر سبحانه
стр. 1849
وتعالى، من قدرته وحكمته، ما يستغنى معه عن الأولياء والأولاد. ثم أمر النبي (ص) أن يخلص العبادة له، وأوعد من يتّخذون من دونه أولياء يعبدونهم ليقربوهم إليه بحكمه بينهم يوم القيامة ثم ذكر جلّ وعلا، أن كل ما عداه مخلوق له فيستحيل أن يكون له ولد منهم، لأن الولد يجب أن يجانس والده في الألوهية، فهو خالق السماوات والأرض، ومكوّر الليل على النهار والنهار على الليل، إلى غير هذا مما ذكره من خلقه ثم ذكر أنهم، إن يكفروا بعد ذلك، فهو غني عنهم، ولا تزر وازرة وزر أخرى، فلا شفاعة لولي أو ولد أو غيرهما مما يعبدونهم.
ثم ذكر، سبحانه، أنه إذا مسّ الإنسان ضرّ لجأ إليه وحده، ونسي أولياءه وشفعاءه إليه، فإذا كشف الضّر عنه وصار في نعمة، نسيه واتّخذ له أندادا من الأولياء والشفعاء، ثم هدّد هذا الإنسان الجاحد الكافر بأنه سيتمتّع بكفره ثم يكون من أصحاب النار، لأنه لا يصح أن يستوي هو ومن يقنت إلى ربه ويعمل لآخرته، ولا يصح أن يستوي من يعلم أن العبادة لله وحده بمن لا يعلم ذلك، فيجب على المؤمنين أن يتّقوا ربهم وحده، وأن يكونوا أول المسلمين له، وليعبد غيرهم ما يشاءون من دونه، فسيكون لهم من العقاب ما يكون، وسيكون للّذين يخلصون العبادة له من الثواب ما يكون.
ثم ذكر أنه، جلّت قدرته، هو الّذي أنزل المطر فسلكه ينابيع في الأرض، ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه، ثم يهيج فتراه مصفرّا، ثم يجعله حطاما ففي ذلك دليل أيضا على تفرّده سبحانه بالألوهية، وأنه لا يشاركه في ألوهيّته ما يتخذونه من الشفعاء والأولاد، ثم ذكر أنه لا يعرف هذا إلا من استنار قلبه بالإسلام ثم نوّه السياق بشأن القرآن الّذي يأتي بمثل هذا البيان، مما تقشعرّ منه الجلود، وتلين منه القلوب، وجمع في هذا بين الوعد والوعيد على نحو ما سبق.
ثم ضرب مثلا لمن يتّخذ معه آلهة من الأولاد والأولياء بعبد فيه شركاء متشاكسون، فلا يمكنه أن يرضيهم كلهم وضرب مثلا لمن يعبد الله وحده بعبد خالص لرجل واحد،
стр. 1850
فيسهل عليه أن يرضيه وذكر أن ما ضربه مثلا في الحالين يفهمه كل من عنده حظ من العلم، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون. ثم أكمل السياق، بعد هذا، نسق الوعد والوعيد على نحو ما سبق.
ثم ذكر سبحانه أنه فيه وحده الكفاية لعبيده، فلا يصح أن يخاف من الشفعاء الّذين يخوّف المشركون بهم، وذكر أنهم لو سئلوا عن خالق السماوات والأرض لأجابوا بأنه هو الّذي خلقها، وإذا كان هذا شأنه فإنه إذا أراد أحدا بضرّ لا يكشفه شفعاؤهم، وإذا أراد أحدا برحمة لا يمكنهم أن يمسكوها عنه. ثم أكمل السياق، بعد هذا، نسق الوعد والوعيد على نحو ما سبق.
ثم ذكر جلّ وعلا أنهم يتخذون هؤلاء الشفعاء من الأصنام، لأنها تماثيل لأشخاص كانوا من المقربين عنده، لينفعوا بشفاعتها وشفاعة أصحابها لهم ورد عليهم بأن أولئك المقربين عبيد لا يملكون من أمره شيئا، وتلك الأصنام من الجماد الّذي لا يعقل، فلا شفاعة إلا لله وحده. ثم ذكر أنهم، مع هذا، إذا ذكر سبحانه وحده اشمأزّت قلوبهم، وإذا ذكر الّذين يتخذونهم شفعاء من دونه فرحوا واستبشروا، وهذا تناقض عجيب منهم، وأوعدهم على ذلك بما أوعدهم به، وبيّن أنهم يفعلون ذلك في حال النعمة والرخاء، فإذا مسّهم ضرّ توجّهوا إليه ﷻ وحده بالدعاء، ولا يلبثون، إذا كشفه عنهم، أن يعودوا إلى ما كانوا عليه، فينسبوا ما أوتوه من نعمة إلى علمهم بالأفلاك.
ولا يعلمون أنه سبحانه هو الّذي يبسط الرزق لمن يشاء، ويقبضه عمّن يشاء.
ثم تلطف في دعوتهم، فذكر أنهم أسرفوا بذلك على أنفسهم، ونهاهم أن يقنطوا مع ذلك من رحمته، لأنه يغفر الذنوب جميعا بالتوبة عنها، إلى غير هذا مما ذكره في ذلك الأسلوب من دعوتهم.
ثم ذكر سبحانه أنه خالق كل شيء وله مقاليد السماوات والأرض، وأمر النبيّ (ص) أن يخبرهم بأنه لا يصحّ مع هذا أن يطيعهم فيما يأمرونه به من عبادة أوليائهم وشفعائهم. ثم أكمل السياق، بعد هذا، نسق الوعد والوعيد على نحو ما سبق، إلى أن ذكر سبحانه
стр. 1851
أن الّذين كفروا يساقون إلى جهنم زمرا فيقابلهم خزنتها بما يقابلونهم به، وأن الّذين اتقوا ربهم يساقون إلى الجنة زمرا، فيقابلهم خزنتها بما يقابلونهم به، ويحمدون الله الّذي صدقهم وعده، وأورثهم الأرض يتبوّءون من الجنّة حيث يشاءون، فنعم أجر العاملين وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) .
стр. 1852
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الزّمر» «١»
لا يخفى وجه اتصال أولها باخر «ص» ، حيث قال سبحانه في «ص» : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) ثم قال هنا: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ [الآية ١] فكأنه قيل: هذا الذكر تنزيل.
وهذا تلاؤم شديد، بحيث أنه لو أسقطت البسملة لالتأمت الآيتان في السورتين كالآية الواحدة.
وقد ذكر الله تعالى في آخر «ص» قصة خلق آدم (ع) «٢» ، وذكر في صدر هذه قصة خلق زوجه، وخلق الناس كلّهم منه، وذكر خلقهم في بطون أمهاتهم خلقا من بعد خلق، ثم ذكر أنهم ميّتون، ثم ذكر وفاة النوم والموت، ثم ذكر القيامة، والحساب، والجزاء، والنار، والجنة «٣» . وقال جلّ وعلا: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) .
فذكر أحوال الخلق، من المبدأ إلى المعاد، متّصلا بخلق آدم المذكور في السورة الّتي قبلها.
стр. 1853
المبحث الرابع مكنونات سورة «الزّمر» «١»
١- وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ [الآية ٣٣] .
قال قتادة: هو النبي (ص) .
وقال السّدّي: هو جبريل.
٢- وَصَدَّقَ بِهِ [الآية ٣٣] .
هو النبيّ (ص) أخرجهما ابن أبي حاتم.
٣- أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الآية ٣٦] .
قال السّدّي: هو محمد (ص) أخرجه ابن أبي حاتم.
٤- إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الآية ٦٨] .
قال كعب الأحبار: هم اثنا عشر:
جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وحملة العرش ثمانية.
أخرجه ابن أبي حاتم. ورد ذلك من حديث أنس مرفوعا أخرجه الفريابي.
стр. 1854
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الزّمر» «١»
قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الآية ٢٣] .
قوله تعالى: مَثانِيَ جمع مثنى، وهو بيان لكونه متشابها، لأنّ القصص المكرّرة لا تكون إلّا متشابهة، فكأن المراد: مردّدة ومكررة.
٢- وقال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ [الآية ٢٩] .
أي: متنازعون.
أقول: والتشاكس والمشاكسة في لغة العصر ضرب من الشّغب والشّقاق والفتنة.
стр. 1855
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الزّمر» «١»
قال تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ [الآية ١٢] أي: وبذلك أمرت.
وقال: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها [الآية ١٧] لأنّ (الطاغوت) في معنى جماعة. وقال أيضا: أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ (٢٥٧) [البقرة] وإن شئت جعلته واحدا مؤنّثا.
وقال سبحانه: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [الآية ١٩] أي: أفأنت تنقذه.
وقال أيضا: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الآية ٢٢] بجعل قوله سبحانه: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ [الآية ٢٢] مكان الخبر.
وقال: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ [الآية ٢٤] فهذا لم يظهر له خبر في اللفظ، ولكنه في المعنى، والله أعلم، كأن السياق «أفمن يتّقي بوجهه أفضل أم من لا يتّقي» .
وقال تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الآية ٢٨] لأن قوله سبحانه: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الآية ٢٧] معرفة فانتصب خبره.
وقال: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ [الآية ٣٣] ثم قال أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) بجعل (الّذي) في معنى جماعة بمنزلة «من» .
وقال تعالى: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الآية ٦٠] بالرفع على الابتداء، ونصب بعضهم على البدل. وكذلك
стр. 1856
وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ [الأنفال ٣٧] بجعله بدلا من (الخبيث) ومنهم من قرأ (بعضه على بعض) فرفع على الابتداء.
أو شغل الفعل بالأول. وقرأ بعضهم:
(مسوادّة) وهي لغة لأهل الحجاز يقولون: «اسوادّ وجهه» و «احمارّ» يجعلونه «افعالّ» كما تقول للأشهب «قد اشهابّ» وللازرق «قد ازراقّ» .
وقال بعضهم لا يكون «افعالّ» في ذي اللون الواحد، وإنّما يكون في نحو الأشهب، ولا يكون في نحو الأحمر، وهما لغتان.
وقال تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [الآية ٦٤] أي «أفغير الله أعبد تأمرونني» كأن السياق أراد الإلغاء، والله أعلم، كما تقول «هل ذهب فلان. تدري» جعله على معنى «ما تدري» .
وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الآية ٦٥] .
وقال: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الآية ٧٥] ف مِنْ أدخلت هاهنا توكيدا، والله أعلم، نحو قولك: «ما جاءني من أحد» وثقّلت حَافِّينَ لأنها من «حففت» .
وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الآية ٧٣] فيقال إن قوله سبحانه وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها [الآية ٧٣] في معنى «قال لهم» كأن السياق يلقي الواو. وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة فيه. قال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد الخامس بعد المائة] :
فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلّا كلمّة حالم بخيال
فيشبه أن يكون يريد «فإذا ذلك لم يكن» . وقال بعضهم: «أضمر الخبر» وإضمار الخبر أحسن في الآية أيضا، وهو في الكلام.
وقال تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الآية ٦٧] أي: «في قدرته» نحو قوله جلّ وعلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (٢٥) [النساء] أي: وما كانت لكم عليه قدرة، وليس الملك لليمين دون الشمال وسائر البدن. وأما قوله سبحانه قَبْضَتُهُ فنحو قولك للرجل: «هذا في يدك وفي قبضتك» .
стр. 1857
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الزّمر» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) وكم من كاذب كفّار قد هداه الله تعالى فأسلم وصدق؟
قلنا: معناه لا يهديه إلى الإيمان مادام على كفره وكذبه. وقيل معناه:
لا يهديه إلى حجّة يلزم بها المؤمنين.
فإن قيل: كيف نستنتج أن في قوله تعالى: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ (٤) [الآية ٤] ردّا لقول من ادّعى أن له ولدا، وإبطالا لذلك، مع أنّ كل من نسب إليه سبحانه ولدا قال إنه اصطفاه من خلقه بجعله ولدا فاليهود يدّعون أنه عزير، والنصارى يدّعون أنه المسيح بن مريم ﵉، وطائفة من مشركي العرب يدعون أن الملائكة بنات الله تعالى؟
قلنا: هذا إن جعل ردّا على اليهود والنصارى كان معناه لاصطفى الولد من الملائكة لا من البشر، لأنّ الملائكة أشرف من البشر بلا خلاف بين اليهود ولا بين النصارى وإن كان ردّا على مشركي العرب كان معناه لاصطفى له ولدا من جنس يخلق كل شيء يريده ليكون ولدا موصوفا لصفته، ولم يصطف من الملائكة الّذين لا يقدرون على إيجاد جناح بعوضة ولا يردّ على هذا خلق عيسى (ع) الطير لأنه ليس بعام، أو لأن معنى خلقه التقدير من الطين، ثم إنّ الله تعالى يخلقه حيوانا
стр. 1858
بنفخ عيسى ﵇ وإظهارا لمعجزته.
فإن قيل: لم قال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [الآية ٦] وخلق حواء من آدم (ع) سابق على خلقنا منه، فكيف عطفه عليه بكلمة «ثمّ» ؟
قلنا: «ثم» هنا للترتيب في الإخبار لا في الإيجاد، كما تقول لصاحبك أعطيتك اليوم كذا ثم أعطيتك أمس أكثر منه: أي ثم أخبرك بكذا، ومنه قول الشاعر:
إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه الثاني: أن «ثم» متعلقة بمعنى واحِدَةٍ وعاطفة عليه لا على خَلَقَكُمْ، فمعناه خلقكم من نفس واحدة، وأفردت بالإيجاد ثم شفعت بزوج. الثالث: أن «ثم» على ظاهرها، لأن الله تعالى خلق آدم ثم أخرج أولاده من ظهره كالذّر، وأخذ عليهم الميثاق ثم ردهم إلى ظهره، ثم خلق منه حواء فالمراد بقوله تعالى خلقكم خلقا يوم أخذ الميثاق دفعة واحدة، لأن هذا الخلق الّذي نحن فيه بالتوالد والتناسل.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الآية ٦] مع أن الأنعام مخلوقة في الأرض لا منزلة من السماء؟
قلنا: قيل إن الله تعالى خلق الأزواج الثمانية في الجنّة ثم أنزلها على آدم (ع) بعد إنزاله. الثاني: أن الله تعالى أنزل الماء من السماء، والأنعام لا توجد إلا بوجود النبات، والنبات لا يوجد إلا بوجود الماء، فكأن الأنعام منزلة من السماء، ونظيره قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ [الأعراف: ٢٦] وإنما أنزل الماء الّذي لا يوجد القطن والكتان والصوف إلّا به.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف الّذي جاء بالصدق وصدق به: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) مع أنه يكفّر عنهم سيّئ أعمالهم ويجزيهم بحسنها أيضا؟
قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة التوبة.
فإن قيل: لم قال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً [الآية ٤٤] مع أنه جاء في الأخبار أن للأنبياء والعلماء
стр. 1859
والشهداء والأطفال شفاعة يوم القيامة؟
قلنا: معناه أن أحدا لا يملكها إلّا بتمليكه، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى (٢٨) [الأنبياء: ٢٨] .
فإن قيل: لم ذكّر الضمير في أوتيته وهو للنعمة في قوله تعالى: ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ [الآية ٤٩] ؟
قلنا: إنما ذكّره نظرا إلى المعنى، لأن معنى «نعمة» : «شيئا من النعمة وقسما منها» ، أو لأن النعمة والإنعام بمعنى واحد.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الآية ٥٥] والقرآن كلّه حسن؟
قلنا: معناه اتّبعوا أحسن وحي أو كتاب أنزل إليكم من ربّكم، وهو القرآن كله. وقيل أحسن القرآن الآيات المحكمات. وقيل أحسنه كل آية تضمنت أمرا بطاعة أو إحسان وقد سبق نظير هذه الآية في سورة الأعراف في قوله تعالى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها [الأعراف: ١٤٥] والأجوبة المذكورة ثمّة تصلح هنا، وكذا الأجوبة المذكورة هنا تصلح ثمّة، إلا الجواب الأول.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ [الآية ٦٥] مع أن الموحى إليهم جماعة، ولما أوحي إلى من قبله لم يكن في الوحي إليهم خطابه؟
قلنا: معناه الأول: ولقد أوحي إلى كل واحد منك ومنهم: لئن أشركت.
الثاني: أن فيه إضمارا تقديره: ولقد أوحي إليك وإلى الّذين من قبلك التوحيد، ثم ابتدئ فقيل لئن أشركت.
والثالث: أن فيه تقديما وتأخيرا تقديره: ولقد أوحي إليك لئن أشركت، وكذلك أوحي إلى الّذين من قبلك.
فإن قيل: لم عبّر سبحانه عن الذهاب بأهل الجنة والنار بلفظ السّوق في قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ٧١] وفي قوله سبحانه وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ [الآية ٧٣] والتعبير في الآيتين يحمل ضربا من الإهانة؟
قلنا: المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف، كما يفعل
стр. 1860
بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم حثّا وإسراعا بهم إلى دار الكرامة والرضوان، كما يفعل بمن يشرّف ويكرم من الوافدين على السلطان، فشتان ما بين السّوقين.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف النار: فُتِحَتْ أَبْوابُها [الآية ٧١] بغير واو، وقال في صفة الجنة: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الآية ٧٣] بالواو؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها أنها زائدة، قاله الفرّاء وغيره. الثاني: أنها واو الثمانية وأبواب الجنة ثمانية. الثالث:
أنها واو الحال، معناه: جاءوها وقد فتحت أبوابها قبل مجيئهم، بخلاف أبواب النار فإنها إنّما تفتح عند مجيئهم. والحكمة في ذلك من وجوه:
أحدها أن يستعجل أهل الجنة الفرح والسرور إذا رأوا الأبواب مفتّحة، وأهل النار يأتون النار وأبوابها مغلّقة ليكون أشدّ لحرّها. الثاني أنّ الوقوف على الباب المغلق نوع ذل وهوان، فصين عنه أهل الجنة لا أهل النار.
الثالث: أن الكريم يعجّل المثوبة ويؤخّر العقوبة، فلو وجد أهل الجنة بابها مغلقا لأثّر انتظار فتحه في كمال الكريم، بخلاف أهل النار.