← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(وزلزلوا حتّى يقول الرّسول) «١» يريد: «حتّى الرّسول قائل» ، جعل ما بعد «حتّى» مبتدأ. وقد يكون ذلك نحو قولك: «سرت حتّى أدخلها» ، إذا أردت: «سرت فإذا أنا داخل فيها» ، و «سرت» أمس حتّى أدخلها اليوم» ، أي: حتّى «أنا اليوم أدخلها فلا أمنع» . وإذا كان غاية للسير نصبته. وكذلك ما لم يجب، ممّا يقع عليه «حتّى» نحو لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) [الكهف] وأمّا وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج: ٤٧] فنصب ب «لن» كما نصب ب «أن» وقال بعضهم: إنّما هي «أن» جعلت معها «لا» كأنه يريد «لا أن يخلف الله وعده» فلمّا كثرت في الكلام حذفت، وهذا قول، وكذلك جميع «لن» في القرآن. وينبغي لمن قال ذلك القول أن يرفع «أزيد لن تضرب» لأنّها في معنى «أزيد لا ضرب له» . وكذلك ما نصب ب «إذن» تقول: «إذن آتيك» تنصب بها كما تنصب ب «أن» وب «لن» فإذا كان قبلها الفاء أو الواو رفعت، نحو قول الله وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) [الأحزاب] وقوله فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) [النساء] وقد يكون هذا نصبا أيضا عنده على إعمال «إذن» . وزعموا أنّه في بعض القراءة منصوب «٢» وإنّما رفع، لأنّ معتمد الفعل صار على الفاء والواو، ولم يحمل على «إذن» ، فكأنه قال: «فلا يؤتون الناس إذا نقيرا» و «ولا تمتّعون إذن» . وقوله تعالى لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ [الحديد: ٢٩] و (وحسبوا ألّا تكون فتنة) «٣»

стр. 212

وأَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩] فارتفع الفعل بعد «أن لا» ، «١» ، لأنّ ( «أن» ) هذه مثقّلة في المعنى، ولكنها خفّفت، وجعل الاسم فيها مضمرا والدليل على ذلك، أنّ الاسم يحسن فيها والتثقيل. ألا ترى أنّك تقول: «أفلا يرون أنّه لا يرجع إليهم» ، وتقول: «أنّهم لا يقدرون على شيء» و «أنّه لا تكون فتنة» . وقال تعالى آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ [آل عمران: ٤١ ومريم: ١٠] نصب، لأن هذا ليس في معنى المثقّل، إنّما هو آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ كما تقول: (آيتك أن تكلّم) ، وأدخلت «لا» للمعنى الذي أريد من النفي. ولو رفعت هذا، جاز على معنى آيتك أنّك لا تكلّم «٢» ، ولو نصب الاخر جاز على أن تجعلها «أن» الخفيفة التي تعمل في الأفعال «٣» . ومثل ذلك قوله تعالى إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) [الانشقاق] وقوله تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) [القيامة] . وقال إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [الآية ٢٣٠] وتقول: «علمت أن لا تكرّمني» و «حسبت أن لا تكرمني» . فهذا مثل ما ذكرت لك. فإنّما صار «علمت» و «استيقنت» ما بعده رفع لأنّه واجب. فلمّا كان واجبا لم يحسن أن يكون بعده «أن» التي تعمل في الأفعال، لأنّ تلك إنّما تكون في غير الواجب، ألا ترى أنك تقول «أريد أن تأتيني» فلا يكون هذا إلّا لأمر لم يقع، وارتفع ما بعد الظن وما أشبهه لأنه مشاكل للعلم، لأنه يعلم بعض الشيء إذا كان يظنّه. وأما «خشيت أن لا تكرمني» فهذا لم يقع. ففي مثل هذا تعمل أن الخفيفة، ولو رفعته على أمر قد استقرّ عندك، وعرفته، كأنّك جرّبته، فكان لا يكرمك، فقلت: «خشيت أن لا تكرمني» أي: خشيت أنّك لا تكرمني جاز.

стр. 213

وزعم «١» يونس «٢» ، أنّ ناسا من العرب يفتحون اللام التي في مكان «كي» «٣» ، وأنشدوا هذا البيت، فزعم أنّه سمعه مفتوحا [من الوافر وهو الشاهد الحادي بعد المائة] : يؤامرني ربيعة كلّ يوم ... لأهلكه وأقتني الدّجاجا «٤» وزعم خلف «٥» ، أنّها لغة لبني العنبر، وأنه سمع رجلا ينشد هذا البيت منهم مفتوحا [من الطويل وهو الشاهد الثاني بعد المائة] : فقلت لكلبيّي قضاعة إنّما ... تخبّر تخبرتماني أهل فلج لأمنعا «٦» يريد «من أهل فلج» . وقد سمعت أنا ذلك من العرب، وذلك أنّ أصل اللام الفتح، وإنما كسرت في الإضافة ليفرّق بينها وبين لام الابتداء. وزعم أبو عبيدة «٧» أنّه سمع لام «لعلّ» مفتوحة في لغة من يجرّ بها ما بعدها في قول الشاعر «٨» [من الوافر وهو الشاهد الثالث بعد المائة] : لعلّ الله يمكنني عليها ... جهارا من زهير أو أسيد «٩»

стр. 214

يريد «لعلّ عبد الله» فهذه اللام مكسورة لأنها إضافة. وقد زعم انه قد سمعها مفتوحة فهي مثل لام «كي» . وقد سمعنا من العرب من يرفع بعد «كيما» وأنشد «١» [من الطويل وهو الشاهد الرابع بعد المائة] : إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما ... يرجّى الفتى «٢» كيما يضرّ وينفع فهذا جعل «ما» اسما وجعل «يضرّ» و «ينفع» من صلته جعله اسما للفعل وأوقع «كي» عليه وجعل «كي» بمنزلة اللام. وقوله تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ «٣» وقوله أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) «٤» فيشبه أن تكون الفاء زائدة كزيادة «ما» ويكون الذي بعد الفاء بدلا من «أن» التي قبلها. وأجوده أن تكسر «إن» وأن تجعل الفاء جواب المجازاة. وزعموا أنه يقولون «أخوك فوجد» ، «بل أخوك فجهد» ، يريدون «أخوك وجد» و «بل أخوك جهد» فيزيدون الفاء. وقد فسّر الحسن «٥» حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها [الزمر: ٧٣] على حذف الواو. وقال: «معناها: قال لهم خزنتها» ، فالواو في هذا زائدة. قال الشاعر «٦» [من الكامل وهو الشاهد الخامس بعد المائة] : فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلّا كلمّة حالم بخيال «٧»

стр. 215

وقال «١» [من الكامل وهو الشاهد السادس بعد المائة] : فإذا، وذلك ليس إلّا حينه ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل «٢» كأنه زاد الواو وجعل خبره مضمرا، ونحو هذا مما خبره مضمر كثير. وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [الآية ٨٣] . وقوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [الآية ٨٤] فرفع هذا، لأنّ كلّ ما كان من الفعل على «يفعل هو» و «تفعل أنت» و «أفعل أنا» و «نفعل نحن» ، فهو أبدا مرفوع، لا تعمل فيه إلا الحروف التي ذكرت لك، من حروف النصب أو حروف الجزم والأمر والنهي والمجازاة. وليس شيء من ذلك هاهنا، وإنّما رفع لموقعه في موضع الأسماء. ومعنى هذا الكلام حكاية، كأنه قال: «استحلفناهم لا يعبدون» أي: قلنا لهم: «والله لا تعبدون» ، وذلك أنها تقرأ (يعبدون) «٣» وتَعْبُدُونَ «٤» . وقال تعالى: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) [الصافات] لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ [الصافات: ٨] . فإن شئت جعلت (لا يسّمّعون) مبتدأ، وان شئت قلت: هو في معنى «أن لا يسّمّعوا» فلمّا حذفت «أن» ارتفع، كما تقول: «أتيتك تعطيني وتحسن إليّ وتنظر في حاجتي» ومثله «مره يعطيني» إن شئت جعلته على «فهو يعطيني» ، وإن شئت على «أن يعطيني» . فلما ألقيت «أن» ارتفع. قال الشاعر «٥» [من الطويل وهو الشاهد السابع بعد المائة] :

стр. 216

ألا أيّهذا «١» الزّاجري أحضر الوغى «٢» وأن أتبع اللّذّات هل أنت مخلدي «٣» ف «أحضر» في معنى «أن أحضر» . وقوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الآية ٨٣] فجعله أمرا، كأنّه يقول: وإحسانا بالوالدين» أي: «أحسنوا إحسانا» . وقال تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [الآية ٨٣] فهو على احد وجهين: إمّا أن يكون يراد ب «الحسن» «الحسن» ، وكما تقول: «البخل» و «البخل» «٤» ، وإمّا أن يكون جعل «الحسن» هو «الحسن» في التشبيه كما تقول: «إنّما أنت أمل وشرب» . قال الشاعر «٥» [من الوافر وهو الشاهد الثامن بعد المائة] : وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيّة بينهم ضرب وجيع «دلفت» : «قصدت» فجعل التحية ضربا. وهذه الكلمة في الكلام ليست بكثير وقد جاءت في القرآن. وقد قرأها بعضهم (حسنا) «٦» يريد «قولوا لهم حسنا» وقرأ بعضهم (قولوا للنّاس حسنى) «٧» يؤنثها ولم ينوّنها، وهذا لا يكاد يكون، لأنّ «الحسنى» لا يتكلّم بها إلّا بالألف واللّام، كما لا يتكلّم بتذكيرها إلّا بالألف واللّام فلو قلت: «جاءني أحسن وأطول» لم يحسن حتّى تقول: «جاءني الأحسن والأطول» فكذلك هذا، يقول: «جاءتني الحسنى

стр. 217

والطّولى» . إلّا أنهم قد جعلوا أشياء من هذا أسماء نحو «دنيا» و «أولى» . قال الراجز «١» [وهو الشاهد التاسع بعد المائة] : في سعي دنيا طالما قد مدّت «٢» ويقولون: «هي خيرة النساء» [ «هنّ خيرات النّساء» ] «٣» لا يكادون يفردونه، وإفراده جائز. وفي كتاب الله فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) [الرحمن] وذلك أنّه لم يرد «أفعل» ، وإنما أراد تأنيث الخير، لأنّه لما وصف فقال: «فلان خير» ، أشبه الصفات، فأدخل الهاء للمؤنث «٤» . وقرأ: (تظّاهرون عليهم بالإثم والعدوان) [الآية ٨٥] فجعلها من «تتظاهرون» ، وأدغم التاء في الظاء وبها يقرأ من ذكر في الحاشية «٥» . والقراءة المشهورة التي بها نقرأ هي: تَظاهَرُونَ «٦» مخففة، بحذف التاء الاخرة، لأنّه زائدة، لغير معنى. وقرئ (وإن يأتوكم أسرى) [الآية ٨٥] «٧» وقرئت أَسْرى «٨» . وذلك لان

стр. 218

«أسير» «فعيل» وهو يشبه «مريض» لأنّ به عيبا كما بالمريض، وهذا «فعيل» مثله. وقد قالوا في جماعة «المريض» : «مرضى» وقالوا «أسارى» ، فجعلوها مثل «سكارى» و «كسالى» ، لأنّ جمع «فعلان» الذي به علّة قد يشارك جمع «فعيل» وجمع «فعل» نحو: «حبط» و «حبطى» و «حباطى» «١» و «حبج» و «حبجى» و «حباجى» «٢» . وقد قالوا أَسْرى كما قالوا سُكارى «٣» . وقرأ بعضهم (تفدوهم) [الآية ٨٥] «٤» من «تفدي» وبعضهم تُفادُوهُمْ «٥» من «فادى يفادي» وبها نقرأ، وكلّ ذلك صواب. وقال تعالى فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ [الآية ٨٥] ، وقال ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [المؤمنون: ٢٤ و ٣٣] ووَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ [القمر: ٥٠] رفع، لأن كل ما تحسن فيه الباء من خبر «ما» ، فهو رفع لأن «ما» لا تشبّه في ذلك الموضع بالفعل، وإنّما تشبّه بالفعل، في الموضع الذي تحسن فيه الباء، لأنها حينئذ تكون في معنى «ليس» ، لا يشركها معه شيء. وذلك قول الله ما هذا بَشَراً [يوسف: ٣١] . وتميم ترفعه، لأنّه ليس من لغتهم أن يشبهوا «ما» بالفعل. وأما قوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ [الآية ٨٣] ثم قال وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [الآية ٨٣] ثم قال ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ [الآية ٨٣] فلأنه ﷻ خاطبهم من بعد ما حدّث عنهم، وذا في الكلام والشعر كثير.

стр. 219

قال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد العاشر بعد المائة] : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت «٢» وإنّما يريدون «تقلّيت» . وقال عنترة [من الكامل وهو الشاهد الحادي عشر بعد المائة] : شطّت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا عليّ طلابك ابنة مخرم «٣» إنّما أراد «فأصبحت ابنة مخرم عسرا عليّ طلابها» . وجاز أن يجعل الكلام، كأنه خاطبها، لأنّه حين قال: «شطّت مزار العاشقين» ، كأنه قال: «شططت مزار العاشقين» لأنه إيّاها يريد بهذا الكلام. ومثله ممّا يخرج من أوله قوله «٤» [من الرجز وهو الشاهد الثاني عشر بعد المائة] : إنّ تميما خلقت ملموما فأراد القبيلة بقوله: «خلقت» ، ثمّ قال «ملموما» على الحي أو الرجل، ولذلك قال: مثل الصّفا لا تشتكي الكلوما ثم قال: قوما «٥» ترى واحدهم صهميما فجاء بالجماعة، لأنّه أراد القبيلة أو الحيّ ثم قال: لا راحم «٦» النّاس ولا مرحوما وقال الشاعر «٧» [من الطويل وهو الشاهد الثالث عشر بعد المائة] : أقول له «٨» والرّمح يأطر متنه ... تأمّل خفافا إنّني أنا ذلك و «تبيّن خفافا» ، يريد «أنا هو» . وفي

стр. 220

كتاب الله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] فأخبر بلفظ الغائب وقد كان في المخاطبة، لأنّ ذلك يدلّ على المعنى. وقال الأسود «١» [من البسيط وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائة] : وجفنة كإزاء الحوض مترعة ... ترى جوانبها بالشّحم مفتونا فيكون على أنه حمله على المعنى، أي: ترى كلّ جانب منها، أو جعل صفة الجميع واحدا كنحو ما جاء في الكلام. وقوله «يأطر متنه» . يثني متنه. وكذلك الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) [الفاتحة] ثم قال تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥] لأنّ الذي أخبر عنه هو الذي خاطب. قال رؤبة «٢» [من الرجز وهو الشاهد الخامس عشر بعد المائة] : الحمد لله الأعزّ الأجلل ... أنت مليك الناس ربّا فاقبل «٣» وقال زهير «٤» [من الوافر وهو الشاهد السادس عشر بعد المائة] : فإنّي لو ألاقيك اجتهدنا ... وكان لكلّ منكرة كفاء «٥» فأبرئ موضحات الرّأس منه ... وقد يشفي من الجرب الهناء «٦» وقال الله ﵎ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)

стр. 221

[الذاريات] فذكّر بعد التأنيث كأنه أراد: هذا الأمر الذي كنتم به تستعجلون. ومثله فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ [الأنعام: ٧٨] فيكون هذا على: الذي أرى ربّي أي: هذا الشيء ربّي «١» ، وهذا يشبه قول بعض المفسّرين، في قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [الآية ١٨٧] قال: إنّما دخلت «إلى» لأن معنى «الرّفث» و «الإفضاء» واحد، فكأنه قال: الإفضاء إلى نسائكم» ، وإنّما يقال: «رفث بامرأته» ولا يقال: «إلى امرأته» وذا عندي كنحو ما يجوز من «الباء» في مكان «إلى» في قوله تعالى: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف: ١٠٠] وإنّما هو «أحسن اليّ» فحذف «إلى» ووضع «الباء» مكانها «٢» وفي مكان «على» في قوله تعالى فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [آل عمران: ١٥٣] إنّما هو «غمّا على غمّ» وقوله تعالى وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ «٣» أي: «على قنطار» كما تقول: «مررت به» و «مررت عليه» كما قال الشاعر «٤» - وأخبرني من أثق به أنه سمعه من العرب [من الوافر وهو الشاهد الرابع والعشرون] : إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها «٥» يريد «عنّي» . وذا نحو وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [الآية ١٤] لأنك تقول: «خلوت إليه وصنعنا كذا وكذا» و «خلوت به» . وإن شئت جعلتها في معنى قوله تعالى مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢ والصف: ١٤] أي: «مع الله» ، وكما قال وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ [الأنبياء: ٧٧] أي: «على القوم» «٦» .

стр. 222

وقال ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ [الآية ٨٥] وفي موضع آخر ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ [النساء: ١٠٩] كبعض ما ذكرنا، وهو كثير في كلام العرب، وردّد التنبيه توكيدا. وتقول: «ها أنا هذا» و «ها أنت هذا فتجعل «هذا» للذي يخاطب، وتقول: «هذا أنت» . وقد جاء أشدّ من ذا، قال الله ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص: ٧٦] والعصبة هي تنوء بالمفاتيح. قال «١» [وهو الشاهد السابع عشر بعد المائة من مجزوء الوافر] : تنوء بها فتثقلها ... عجيزتها. يريد: «تنوء بعجيزتها، أي: لا تقوم إلّا جهدا بعد جهد» قال الشاعر «٢» [من البسيط وهو الشاهد الثامن عشر بعد المائة] : مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر «٣» وهو يريد أن السنوات بلغت هجرا، و «هجر» رفع لأنّ القصيدة مرفوعة ومثل ذا قول الشاعر «٤» [من الطويل وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائة] : وتلحق خيل لا هوادة بينها ... وتشقى الرّماح بالضّياطرة الحمر «٥» والضياطرة، هم يشقون بالرماح. و «الضياطرة» هم العظام وواحدهم «ضيطار» مثل «بيطار» ومثل قول الشاعر «٦» [من الطويل وهو الشاهد العشرون بعد المائة] : لقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل بذي الفقارة عاقل «٧»

стр. 223

يريد: حتّى ما تزيد مخافة وعل على مخافتي. وقال تعالى فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٩) وتفسيره: «فقليلا يؤمنون» و «ما» زائدة كما قال تجلى شأنه: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩] يقول: «فبرحمة من الله» وقال إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) [الذاريات] أي: لحقّ مثل أنّكم تنطقون، وزيادة «ما» في القرآن والكلام، نحو ذا كثير. قال «١» [من المنسرح وهو الشاهد الحادي والعشرون بعد المائة] : لو بأبانين جاء يخطبها ... خضّب ما أنف خاطب بدم «٢» أي: خضّب بدم أنف خاطب. وقال تعالى وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [الآية ٨٩] فان قيل فأين جواب وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ [الآية ٨٩] قلت: «جوابه في القرآن كثير» ، واستغني عنه في هذا الموضع إذ عرف معناه «٣» . كذلك جميع الكلام إذا طال تجيء فيه أشياء ليس لها أجوبة في ذلك الموضع ويكون المعنى مستغنى به، نحو قول الله وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [الرعد: ٣١] فيذكرون ان تفسيره: «لو سيّرت الجبال بقرآن غير هذا لكان هذا القرآن ستسيّر به الجبال» فاستغني عن اللّفظ بالجواب، إذ عرف المعنى. وقال تعالى لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران: ١٨٨] ، ولم يجئ ل «تحسبنّ» الأول بجواب، وترك للاستغناء بما في القرآن

стр. 224

من الأجوبة. وقال تعالى وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ [آل عمران: ١٨٠] معناه «لا يحسبنّه خيرا لهم» وحذف ذلك الكلام، وكان فيما بقي دليل على المعنى. ومثله وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) [يس] ثمّ قال تعالى وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ [يس: ٤٦] من قبل أن يجيء بقوله «فعلوا كذا وكذا» لأنّ ذلك في القرآن كثير، استغني به. وكان في قوله جل شأنه وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ «١» دليل على أنّهم أعرضوا فاستغني بهذا وكذلك جميع ما جاز فيه نحو هذا. وقال تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) [الإسراء] ولعلّ معنى قوله تعالى وَلِيُتَبِّرُوا على معنى: «خلّيناهم وإيّاكم لم نمنعكم منهم بذنوبكم» . وقال لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ، ولم يذكر أنّه خلّاهم وإيّاهم على وجه الترك في حال الابتلاء بما أسلفوا ثمّ لم يمنعهم من أعدائهم أن يسلّطوا عليهم بظلمهم. وقال وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ [الأنعام: ٩٣] فليس لهذا جواب. وقال تعالى وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ [البقرة: ١٦٥] فجواب هذا إنّما هو في المعنى، وهذا كثير «٢» . وسنفسّر كل ما مررنا به إن شاء الله. وزعموا أنّ هذا البيت ليس له جواب [من الطويل وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المائة] : ودويّة قفر تمشّى نعامها ... كمشي النّصارى في خفاف الأرندج «٣» يريد «وربّ دويّة» ثمّ لم يأت له بجواب. وقال «٤» [من البسيط وهو

стр. 225

الشاهد الثالث والعشرون بعد المائة] : حتّى إذا أسلكوه في قتائدة ... شلّا كما تطرد الجمّالة الشّردا فهذا ليس له جواب إلّا في المعنى. وزعم بعضهم أنّ هذا البيت [من الكامل وهو الشاهد الخامس بعد المائة] : فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلّا كلمّة حالم بخيال قالوا: الواو فيه ليست بزائدة ولكن الخبر مضمر. وقال تعالى بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [الآية ٩٠] ف «ما» وحدها اسم، وأَنْ يَكْفُرُوا تفسير له نحو: «نعم رجلا زيد» «١» وأَنْ يُنَزِّلَ بدل من بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. وقال تعالى وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ [الآية ٩١] بنصب مُصَدِّقاً لأنه خبر معرفة. وتَقْتُلُونَ في معنى «قتلتم» . كما قال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائة] : ولقد أمرّ «٣» على اللّئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني

стр. 226

يريد: «لقد مررت» بقوله «أمرّ» . وقوله تعالى وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ [الآية ٩٦] فهو نحو «ما زيد بمزحزحه أن يعمّر» و «ما زيد بضارّه أن يقوم» ف «أن يعمّر في موضع رفع وقد حسنت الباء كما تقول: «ما عبد الله بملازمه زيد» . وقوله تعالى مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [الآية ٩٧] ، فمن العرب من يقول: (لجبرئيل) فيهمزون ولا يهمزون، وكذلك (إسرائيل) «١» منهم من يهمز ومنهم من لا يهمز، ويقولون (ميكائيل) «٢» فيهمزون ولا يهمزون ويقولون وَمِيكالَ كما قالوا وَجِبْرِيلَ. وقال بعضهم (جبرعل) ولا أعلم وجهه إلّا أني قد سمعت (إسرائل) وقال بعضهم (إسراييل) فأمال الراء» . وقال أبو

стр. 227

الحسن «١» : في «جبريل» «ست لغات: جبراييل «٢» وجبرئيل «٣» وجبرئل «٤» جبراعيل جبرعيل جبرعل وجبريل «٥» وجبريل «٦» فعليل فعليل وجبرائل «٧» جبراعل. وقال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) فأظهر الاسم وقد ذكره في أوّل الكلام، قال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائة] : ليت الغراب غداة ينعب دائبا ... كان الغراب مقطّع الأوداج «٨» وقال تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً [الآية ١٠٠] فهذه واو تجعل مع حرف الاستفهام، وهي مثل الفاء التي في قوله: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ [الآية ٨٧] . فهذا في

стр. 228

القرآن والكلام كثير، وهما زائدتان في هذا الوجه «١» . وهي مثل الفاء، التي في قولك: «أفا لله لتصنعنّ كذا وكذا» وقولك للرجل: «أفلا تقوم» . وإن شئت، جعلت الفاء والواو، هاهنا، حرف عطف. وقوله تعالى وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ [الآية ١٠٢] ف هارُوتَ ومارُوتَ معطوفان على الْمَلَكَيْنِ، وبدل منهما، ولكنهما أعجميان فلا ينصرفان وموضعهما جر. و «بابل» لم ينصرف لتأنيثه «٢» ، وذلك أن اسم كل مؤنث، على حرفين أو ثلاثة، أوسطها ساكن، فهو ينصرف، وما كان سوى ذلك من المؤنّث فهو لا ينصرف ما دام اسما للمؤنّث. وقال تعالى حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما [الآية ١٠٢] فليس قوله فَيَتَعَلَّمُونَ جوابا لقوله فَلا تَكْفُرْ [الآية ١٠٢] ، إنما هو مبتدأ ثم عطف عليه فقال وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [الآية ١٠٢] . وقال يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [الآية ١٠٢] لأنّ كلّ واحد منهما زوج، فالمرأة زوج والرجل زوج. قال تعالى: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [النساء: ١] وقال مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود: ٤٠ والمؤمنون: ٢٧] . وقد يقال أيضا «هما زوج» للاثنين، كما يقول: «هما سواء» و: «هما سيّان» «٣» . [والزوج أيضا: النمط يطرح على الهودج] «٤» . قال الشاعر «٥» [من الكامل وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائة] : من كلّ محفوف يظلّ عصيّه ... زوج عليه كلّة وقرامها

стр. 229

وقد قالوا: «الزوجة» . قال الشاعر «١» [من البسيط وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائة] : زوجة أشمط مرهوب بوادره ... قد صار «٢» في رأسه التخويص والنّزع «٣» وقال تعالى وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [الآية ١٠٢] فهذه لام الابتداء تدخل بعد العلم وما أشبهه ويبتدأ بعدها، تقول: «لقد علمت لزيد خير منك» قال تعالى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) [ص] وقال لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا [يوسف: ٨] . وقال: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ [الآية ١٠٣] ، فليس لقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا جواب في اللفظ، ولكنّه في المعنى يريد «لأثيبوا» فقوله لَمَثُوبَةٌ يدل على «لأثيبوا» فاستغني به عن الجواب «٤» . وقوله لَمَثُوبَةٌ هذه اللام للابتداء كما فسرت لك. وقال تعالى وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ [الآية ١٠٢] ثم قال لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) يعني بالأوّلين الشياطين، لأنّهم قد علموا ولَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني الانس «٥» . وكان في قوله سبحانه لَمَثُوبَةٌ دليل على «أثيبوا» فاستغني به عن الجواب. وقال تعالى ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ [الآية ١٠٥] أي: «ولا من المشركين» لا يودّون أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ [الآية ١٠٥] . وقال تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [الآية

стр. 230

١٠٦] وقرأ بعضهم (ننسأها) «١» أي نؤخّرها، وهو مثل إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧] لأنّه تأخير. «النسيئة» و «النسيء» أصله واحد من «أنسأت» ، إلّا أنّك تقول: «أنسأت الشيء أي: أخّرته ومصدره: النسيء. و: «أنسأتك الدّين» أي: جعلتك تؤخّره. كأنه قال: «أنسأتك» ، ف «نسأت» «٢» و «النسيء» ، أنّهم كانوا يدخلون الشهر في الشهر. وقرأ بعضهم (أو ننسها) «٣» كل ذلك صواب. وجزمه بالمجازاة. والنسيء في الشهر: التأخير. وقال تعالى أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ [الآية ١٠٨] ومن خفّف قال: (سيل) «٤» ، فإن قيل: كيف جعلتها بين بين، وهي تكون بين الياء الساكنة وبين الهمزة والياء الساكنة لا تكون بعد ضمّة، والسين مضمومة؟ قلت أمّا في «فعل» فقد تكون الياء الساكنة بعد الضمة لأنهم قد قالوا «قيل» و «بيع» وقد تكون الياء في بعض «فعل» واوا خالصة لانضمام ما قبلها وهي معه في حرف واحد كما تقول: «لم توطؤ الدابّة» وكما تقول: «قد رؤس فلان» «٥» .

стр. 231

وقال تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ [الآية ١١١] ، فزعموا أن «الهود» : جماعة «الهائد» . و «الهائد» : التائب الراجع الى الحقّ. وقال تعالى في مكان آخر وَقالُوا كُونُوا هُوداً [الآية ١٣٥] أي: كونوا راجعين الى الحق، «هائد» و «هوّد» مثل «ناقه» و «نقّه» ، و «عائد» و «عوّد» ، و «حائل» و «حوّل» ، و «بازل» و «بزّل» «١» وجعل مَنْ كانَ واحدا لأنّ لفظ «من» واحد وجمع «٢» في قوله هُوداً أَوْ نَصارى. وفي هذا الوجه تقول: «من كان كان صاحبك» . قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [الآية ١١٤] إنّما هو «من أن يذكر فيها اسمه» ، ولكنّ حروف الجرّ تحذف مع «أن» كثيرا ويعمل ما قبلها فيها، حتى تكون في موضع نصب، أو تكون أَنْ يُذْكَرَ بدلا من «المساجد» يريدون: «من أظلم ممّن منع أن يذكر» . وقال تعالى وَسَعى فِي خَرابِها [الآية ١١٤] فهذا على «منع» و «سعى» ثم قال أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ [الآية ١١٤] فجعله جميعا لأنّ «من» تكون في معنى الجماعة. وقال تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [الآية ١١٥] لأنّ «أينما» من حروف الجزم من المجازاة والجواب في الفاء. وقال جلّ شأنه وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [الآية ١١٧] بالرفع على العطف، كأنّه إنّما يريد أن يقول: «إنّما يقول كن فيكون» وقد يكون أيضا بالرفع على الابتداء. وقال إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) [النحل] فان جعلت (يكون) ها هنا معطوفة، نصبت، لأنّ أَنْ نَقُولَ نصب ب «أن» كأنه يريد: أَنْ نَقُولَ (فيكون) . فان قيل: «كيف والفاء ليست في هذا المعنى؟ فإنّ الفاء والواو قد تعطفان على ما قبلهما وما بعدهما، وإن لم يكن في معناه نحو «ما أنت وزيدا» ، وإنّما يريد «لم تضرب زيدا» ، وترفعه على «ما أنت وما زيد» ، وليس ذلك معناه. ومثل قولك: «إيّاك والأسد» . والرفع في قوله تعالى فَيَكُونُ على الابتداء نحو

стр. 232

قوله: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ [الحج: ٥] . قال الشاعر «١» فرفع على الابتداء [من الوافر وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائة] : يعالج عاقرا أعيت «٢» عليه ... ليلقحها فينتجها حوارا وقال الشاعر «٣» أيضا [من الطويل وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائة] : وما هو إلّا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتّى ما أكاد أجيب والنصب في قوله «فأبهت» على العطف والرفع على الابتداء. وقال تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وقد قرئت «٤» (ولا تسأل) وكلّ هذا رفع، لأنّه ليس بنهي، وإنّما هو حال، كأنّه قال «أرسلناك بشيرا ونذيرا وغير سائل أو غير مسؤول» ، وقد قرئتا جزما جميعا على النهي «٥» . وقال تعالى يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [الآية ١٢١] كما يقولون: «هذا حقّ عالم» وهو مثل «هذا عالم كلّ عالم» . وقال تعالى وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ [الآية ١٢٤] أي: اختبره. و «إبراهيم» هو المبتلى فلذلك انتصب. وقال تعالى لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [الآية ١٢٤] لأنّ العهد هو

стр. 233

الذي لا ينالهم، وقرأ بعضهم: (لا ينال عهدي الظالمون) «١» والكتاب بالياء. وإنما قرءوا (الظالمون) لأنّهم جعلوهم الذين لا ينالون. وقال: إن قوله تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [الآية ١٢٥] على اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [الآية ١٢٢] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وألحقت الهاء في «المثابة» لمّا كثر من يثوب إليه كما تقول: «نسّابة» و «سيّارة» لمن يكثر ذلك منه «٢» . وقال في قوله تعالى وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [الآية ١٢٥] «٣» يريد (واتّخذوا) كأنّه يقول «واذكروا نعمتي وإذ اتّخذوا مصلّى من مقام إبراهيم» ووَ اتَّخِذُوا بالكسر وبها نقرأ «٤» لأنّها تدلّ على الغرض. وأمّا وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الآية ١٢٥] ف (السّجود) جماعة «السّاجد» كما تقول: «قوم قعود» و «جلوس» . قال تعالى وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الآية ١٢٦] ف مَنْ آمَنَ بدل على التبيان، كما تقول «أخذت المال نصفه» و «رأيت القوم ناسا منهم» . ومثل ذلك يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ [الآية ٢١٧] يريد: عن قتال فيه. وجعله بدلا. ومثله وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] ومثله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: ٧٥] شبيه هذا أيضا إلا أنه قدر فيه حرف الجرّ. وقرأ (ومن كفر فأمتعه قليلا) [الآية

стр. 234

١٢٦] على الأمر ثُمَّ أَضْطَرُّهُ [الآية ١٢٦] فجزم (فأمتعه) على الأمر «١» ، وجعل الفاء جواب المجازاة. وقرأ بعضهم فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ، وبها نقرأ «٢» ، رفع على الخبر وجواب المجازاة الفاء. وقال تعالى وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا [الآية ١٢٧] أي كان إسماعيل هو الذي يدعو: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا. قال تعالى وَأَرِنا مَناسِكَنا [الآية ١٢٨] وقرأ بعضهم (وأرنا) بإسكان الراء «٣» كما تقول «قد علم ذلك» «٤» وبالكسر نقرأ «٥» . وواحد «المناسك» : «منسك» مثل «مسجد» «٦» ويقال أيضا: «منسك» «٧» . وقال تعالى إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [الآية ١٣٠] فزعم أهل التأويل أنه في

стр. 235

معنى «سفّه نفسه» «١» وقال يونس «٢» : «أراها لغة» «٣» . ويجوز في هذا القول: «سفهت زيدا» ، وهو يشبه «غبن رأيه» و «خسر نفسه» ألا أنّ هذا كثير، ولهذا معنى ليس لذاك. تقول: «غبن في رأيه» و «خسر في أهله» و «خسر في بيعه» . وقد جاء لهذا نظير، قال: «ضرب عبد الله الظّهر والبطن» «٤» ومعناه: على الظّهر والبطن» كما قالوا: «دخلت البيت» وإنّما هو «دخلت في البيت» وقوله: «توجّه مكّة والكوفة» وإنّما هو: إلى مكّة والكوفة. ومما يشبه هذا قول الشاعر [من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون] : نغالي اللّحم للأضياف نيئا ... ونبذله إذا نضج القدور يريد: نغالي باللحم. ومثل هذا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ [الآية ٢٣٣] يقول: «لأولادكم» وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ [الآية ٢٣٥] أي: على عقدة النّكاح «٥» . وأحسن من ذلك أن تقول: إنّ «سفه نفسه» جرت مجرى «سفه» إذ كان الفعل غير متعدّ، وإنّما عدّاه الى «نفسه» و «رأيه» وأشباه ذا ممّا هو في المعنى نحو «سفه» إذا لم يتعدّ. وأمّا «غبن» و «خسر» فقد يتعدّى الى غيره تقول: «غبن خمسين» و «خسر خمسين» . وقال تعالى وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ [الآية ١٣٢] فهو- والله أعلم- «وقال يعقوب يا بنيّ» ، لأنّ قوله تعالى وَوَصَّى بِها يتضمّن أنه قال لهم شيئا، فأجري الأخير على معنى الأوّل وإن شئت قرأت وَيَعْقُوبُ لأنّه معطوف، كأنك قلت: «ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب» «٦» ثمّ فسّر ما قال يعقوب، قال: «يا بنيّ» .

стр. 236

وقال تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ [الآية ١٣٣] استفهام مستأنف. ثمّ قال إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ [الآية ١٣٣] فأبدل «إذ» الاخرة من الأولى «١» . وقال تعالى إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [الآية ١٣٣] على البدل «٢» ، وهو في موضع جرّ، إلّا أنها أعجمية فلا تنصرف «٣» . وأمّا قوله تعالى إِلهاً واحِداً [الآية ١٣٣] فهو على الحال «٤» . وقال تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ [الآية ١٣٤] كأنّه يقول: «قد مضت» ثم استأنف فقال: لَها ما كَسَبَتْ «٥» . وقال بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ [الآية ١٣٥] (بالنصب) . وقال صِبْغَةَ اللَّهِ [الآية ١٣٨] بالنصب. لأنّهم حين قيل لهم كما ورد في التنزيل: كُونُوا هُوداً [الآية ١٣٥] كأنه قيل لهم: «اتّخذوا هذه الملّة» فقالوا: «لا» بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي: نتّبع ملّة إبراهيم، ثمّ أبدلت «الصّبغة» من «الملّة» «٦» فقرئ: صِبْغَةَ اللَّهِ بالنّصب. أو يكون المعنى: «كونوا أصحاب ملّة» ثم حذف لفظ «أصحاب» كما في قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [الآية ١٧٧] يريد: «برّ من آمن بالله» . والصّبغة: هي الدين «٧» . وقرأ: (أتحاجّونّا) «٨» [الآية ١٣٩] مثقّلة لأنهما حرفان مثلان فأدغم أحدهما في الاخر «٩» ، واحتمل الساكن قبلهما إذا

стр. 237

كان من حروف اللّين الياء والواو والألف إذا كنّ سواكن. وقرأ بعضهم أَتُحَاجُّونَنا [الآية ١٣٩] «١» فلم يدغم ولكن أخفى فجعل حركة الأولى خفيفة وهي متحرّكة في الوزن، وهي في لغة الذين يقولون: «هذه مائة دّرهم» يشمّون شيئا من الرفع ولا يبيّنون، وذلك الإخفاء. وقد قرئ هذا الحرف على ذلك ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ [يوسف: ١١] بين الإدغام والإظهار «٢» . ومثل ذلك إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ [يوسف: ١٣] وأشباه هذا كثير، وإدغامه أحسن «٣» حتّى يسكّن الأوّل. قرأ بعضهم من الآية ١٤٠ من المائدة: (أم يقولون إنّ إبراهيم) «٤» وقد قرأ بعضهم «أم تقولون» [الآية ١٤٠] «٥» على قُلْ أَتُحَاجُّونَنا و «أم تقولون» . ومن قرأ (أم يقولون) جعله استفهاما مستأنفا كما تقول: «إنّها لإبل» ثمّ تقول: «أم شاء» «٦» . قال تعالى وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً [الآية ١٤٣] قال: يعني «القبلة» » ولذلك أنّث. وقال تعالى

стр. 238

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [الآية ١٤٥] قال لأنّ معنى قوله تعالى وَلَئِنْ أَتَيْتَ. ولو أتيت. ألا ترى أنّك تقول: «لئن جئتني ما ضربتك» على معنى «لو» كما في قوله تعالى وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا [الروم: ٥١] قال: يقول تعالى: «ولو أرسلنا ريحا» لأنّ معنى «لئن» «١» مثل معنى «لو» لأنّ «لو» لم تقع وكذلك «لئن» كذا يفسّره المفسّرون «٢» . وهو في الإعراب على أنّ آخره معتمد لليمين، كأنّه قال «والله ما تبعوا» أي: ما هم بمتّبعين. وقال الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [الآية ١٤٧] على ضمير الاسم ولكن استغني عنه لمّا ذكره كأنّه قال. «هو الحقّ من ربّك» . قال تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [الآية ١٤٨] على: «ولكل أمّة وجهة» . وقد قرأ قوم (ولكلّ وجهة) «٣» فلم ينوّنوا «كلّ» . وهذا لا يكون لأنك لا تقول: «لكلّ رجل هو ضاربه» ولكن تقول: «لكلّ رجل ضارب» فلو كان «هو مولّ» كان كلاما. فأما «مولّيها» على وجه ما قرأ، فليس بجائز. وقال تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا [الآية ١٥٠] ، فهذا معنى «لكن» «٤» وزعم يونس «٥» أنّه سمع أعرابيا فصيحا يقول: «ما أشتكي شيئا إلّا خيرا» وذلك أنّه قيل له: «كيف تجدك» . وتكون «إلّا» بمنزلة الواو نحو قول الشاعر «٦» [من الكامل وهو الشاهد الثلاثون بعد المائة] : وأرى لها دارا بأغدرة السيدان ... لم يدرس لها رسم

стр. 239

إلّا رمادا هامدا دفعت ... عنه الرياح خوالد سحم «١» أراد: أرى لها دارا ورمادا. وقال بعض أهل العلم إنّ الذين ظلموا هاهنا هم ناس من العرب كانوا يهودا أو نصارى، فكانوا يحتجّون على النبي (ص) ، فأمّا سائر العرب فلم يكن لهم حجّة، وكانت حجّة من يحتجّ منكسرة. إلّا أنّك تقول لمن تنكسر حجته «إنّ لك علي الحجة ولكنّها منكسرة، وإنّك تحتجّ بلا حجّة وحجّتك ضعيفة» . وقال تعالى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [الآية ١٥٠] كأنه يقول: «لأنّ لا يكون للناس عليكم حجّة ولأتمّ عليكم» عطف على الكلام الأوّل «٢» . وقوله تعالى كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [الآية ١٥١] فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [الآية ١٥٢] أي كما فعلت هذا فاذكروني. وقال تعالى وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ [الآية ١٥٤] على: ولا تقولوا هم أموات. وقال تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [آل عمران: ١٦٩] بالنصب «٣» على «تحسب» ، ثمّ قال بَلْ أَحْياءٌ أي: بل هم أحياء. ولا يكون أن تجعله على الفعل: لأنّه لو قال: «بل احسبوهم أحياء» كان قد أمرهم بالشك. وقال تعالى فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [الآية ١٥٨] ف «اطّوّف» «يطّوّف» وهي من «تطوّف» . فأدغم التاء في الطاء، فلما سكنت جعل قبلها ألفا حتّى يبتدأ بها. وإنّما قال تعالى فَلا جُناحَ عَلَيْهِ لأنّ ذلك كان مكروها في الجاهليّة، فأخبر سبحانه أنه ليس بمكروه عنده. وقال تعالى أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [الآية ١٦١] لأنه أضاف اللعنة ثمّ قال خالِدِينَ فِيها [الآية ١٦٢] بالنّصب على الحال.

стр. 240

وقرأ بعضهم (ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب إنّ القوّة لله جميعا) [الآية ١٦٥] ف «١» ف «إنّ» مكسورة على الابتداء إذ قال: (لو ترى) «٢» . وقرأ بعضهم: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [الآية ١٦٥] «٣» . كأنّ السّياق: «ولو يرون أنّ القوّة لله» أي: «لو يعلمون» ، لأنّهم لم يكونوا علموا، قدر ما يعاينون من العذاب. ويجوز أن تكسر همزة إنّ، ويقرأ ب وَلَوْ يَرَى أو (ولو ترى) تقول للرجل: «أما والله لو تعلم» ، و «لو يعلم» قال الشاعر «٤» [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والثلاثون بعد المائة] : إن يكن طبّك الدّلال فلو في ... سالف الدّهر والسنين الخوالي «٥» فهذا ليس له جواب إلّا في المعنى. وقال «٦» (من الخفيف وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائة) : فبحظّ ممّا تعيش ولا تذ ... هب بك التّرّهات في الأهوال «٧» فأضمر «فعيشي» . وقرأ بعضهم (ولو ترى) وفتح «أن» «٨» على (ترى) وليس ذلك، لأن النبيّ (ص) لم يعلم، ولكن أراد أن يعلم ذلك النّاس كما قال

стр. 241

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ «١» ليخبر النّاس عن جهلهم، وكما قال تعالى أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ١٠٧] «٢» . وقال: إنّ إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [الآية ١٧٣] إنّما هي «الميّته» خففت وكذلك قوله تعالى بَلْدَةً مَيْتاً [ق: ١١] يريد به «ميّتا» ولكن يخففون الباء كما يقولون في «هيّن» و «ليّن» : «هين» و «لين» خفيفة. قال الشاعر «٣» [من الخفيف وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائة] : ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فثقّل وخفّف في معنى واحد. فاما «الميتة» فهي الموت. وقال تعالى فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [الآية ١٧٥] ، فزعم بعضهم أنه تعجّب منهم كما قال جلّ شأنه قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) [عبس] تعجّبا من كفره. وقال بعضهم فَما أَصْبَرَهُمْ أي: ما أصبرهم، و: ما الذي أصبرهم «٤» . وقال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ [الآية ١٧٦] فالخبر مضمر كأنه يقول: «ذلك معلوم لهم، بأنّ الله نزّل الكتاب» لأنه قد أخبرنا في الكتاب أن ذلك قد قيل لهم، فالكتاب حق. وقال تعالى وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [الآية ١٧٧] ، ثم قال وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [الآية ١٧٧] ووَ أَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ [الآية ١٧٧] فهو على أوّل الكلام «ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله وأقام الصلاة وآتى الزّكاة» ثم قال تعالى

стр. 242

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ [الآية ١٧٧] ، ف وَالْمُوفُونَ رفع على «لكنّ الموفين» يريد «برّ الموفين» ، فلمّا لم يذكر «البرّ» ، أقام السّياق وَالْمُوفُونَ مقام البرّ، كما في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] بنصبها على وَسْئَلِ والمراد «أهل القرية» ، ثمّ نصب الصَّابِرِينَ على فعل مضمر كما لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ [النساء: ١٦٢] ثم ورد وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ بالنصب على فعل مضمر، ثمّ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ، بالرّفع على الابتداء، أو بعطفه على «الرّاسخين» . قال الشاعر «١» [من الكامل وهو الشاهد السابع والستون بعد المائة] : لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر النّازلين بكلّ معترك ... والطّيّبون معاقد الأزر ومنهم من يقول «النازلون» و «الطيبين» «٢» . ومنهم من يرفعهما جميعا «٣» ، وينصبهما جميعا «٤» ، كما فسّرت لك. ويكون الصَّابِرِينَ معطوفا على ذَوِي الْقُرْبى [الآية ١٧٧] أي «وآتى الصّابرين» . وأمّا «البأساء» و «الضّراء» في قوله تعالى: فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [الآية ١٧٧] فبناهما على «فعلاء» التي لها «أفعل» لأنهما اسمان كما قد جاء «أفعل» في الأسماء ليس معه «فعلاء» نحو «أحمد» «٥» . وقد قالوا «أفعل» في الصّفة ولم يجيء له «فعلاء» ، قالوا: «أنت من ذاك أوجل» و «أوجر» ولم يقولوا: «وجلاء» ولا «وجراء» وهما من الخوف. ومنه «رجل أوجل» و «أوجر» . وقال تعالى فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ [الآية ١٨٧] أي: «فعليه

стр. 243

اتباع بالمعروف أو أداء إليه بإحسان» على الذي يطلب. وقال تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [الآية ١٨٠] ف الْوَصِيَّةُ على الاستئناف، كأنه- والله أعلم- إِنْ تَرَكَ خَيْراً فالوصيّة «١» لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا. وقال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [الآية ١٨٣] . ثمّ قال أَيَّاماً [الآية ١٨٤] أي: كتب الصّيام أيّاما. لأنّك شغلت الفعل بالصيام، حتّى صار هو يقوم مقام الفاعل، وصارت الأيّام، كأنّك قد ذكرت من فعل بها. وقال تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [الآية ١٨٤] ، يقول «فعليه عدّة» رفع، وإن شئت نصبت «العدّة» على «فليصم عدّة» إلّا أنّه لم يقرأ «٢» . وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [الآية ١٨٥] ، وهو معطوف على ما قبله، كأنّه قال «ويريد لتكملوا العدّة» «٣» وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ [الآية ١٨٥] . وأمّا قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦] فإنّما معناه يريد هذا ليبيّن لكم. قال الشاعر «٤» [من الطويل وهو الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائة] : أريد لأنسى ذكرها فكأنّما تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل فمعناه: أريد هذا الشيء، لأنسى ذكرها، «أو يكون أضمر» «أن» بعد اللام، وأوصل الفعل إليها بحرف الجر. قال تعالى فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [الآية ٢١٣] فعدّى الفعل بحرف الجرّ، والمعنى: عرّفهم الاختلاف حتّى تركوه. وقال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [الآية ١٨٤] وقد

стр. 244

قرئت: (فدية طعام مساكين) «١» وهذا ليس بالجيّد، إنما الطّعام تفسير للفدية، وليست الفدية بمضافة الى الطعام. وقوله تعالى يُطِيقُونَهُ يعني الصيام. وقرأ بعضهم (يطوّقونه) «٢» ، أي يتكلّفون الصيام. ومن قرأ: (مساكين) «٣» ، فهو يعني جماعة الشهر، لأنّ لكلّ يوم مسكينا. ومن قرأ مِسْكِينٍ، فإنّما أخبر ما يلزمه في ترك اليوم الواحد. وقال تعالى وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [الآية ١٨٤] ، لأنّ «أن» الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة الاسم، كأنه قال: «والصيام خير لكم» . ثمّ قال شَهْرُ رَمَضانَ [الآية ١٨٥] على تفسير الأيام، كأنّه حين قال أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [الآية ١٨٤] فسّرها سبحانه فقال: «هي شهر رمضان» «٤» وقد نصب بعضهم، فقرأ: (شهر رمضان) «٥» وذلك جائز على الأمر، كأنه قال: «شهر رمضان فصوموا» ، أو بجعله «٦» ظرفا على

стр. 245

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [الآية ١٨٣] (شهر رمضان) أي: «في شهر رمضان» و «رمضان» في موضع جر، لأنّ الشّهر أضيف اليه، ولكنّه لا ينصرف. وقال تعالى الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى [الآية ١٨٥] ، فموضع هُدىً وبَيِّناتٍ نصب، لأنه قد شغل الفعل ب الْقُرْآنُ، وهو كقولك: «وجد عبد الله ظريفا» . وأمّا قوله تعالى وَالْفُرْقانِ [الآية ١٨٥] فجرّ على «وبيّنات من الفرقان» . وقوله تعالى يَرْشُدُونَ [الآية ١٨٦] لأنها من: «رشد» «يرشد» «١» ولغة للعرب «رشد» «يرشد» «٢» وقد قرئت (يرشدون) «٣» . وفي قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ [الآية ١٨٨] جزم على العطف، ونصب إذا جعل جوابا بالواو. وقوله تعالى هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [الآية ١٨٩] بجرّ وَالْحَجِّ لأنه لمّا عطف على «الناس» انجرّ باللام. وقال تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى [الآية ١٨٩] يريد به «برّ من اتّقى» . وقال تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [الآية ١٩٥] كأنه يقول: أيديكم «إلى التهلكة» . والباء زائدة «٤» قال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائة] : كثيرا بما يتركن في كلّ حفرة ... زفير القواضي نحبها وسعالها يقول: «كثيرا يتركن» وجعل الباء و «ما» زائدتين. وأما قوله تعالى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [الآية ١٩٤] ، فإنّ الله لم يأمر بالعدوان، بل طلب إليهم أن: «ائتوا إليهم الذي يسمّى بالاعتداء» أي: افعلوا بهم كما فعلوا بكم، كما تقول: «إن تعاطيت

стр. 246

مني ظلما تعاطيته منك» والثاني ليس بظالم. قال عمرو بن شأس «١» [من الطويل وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المائة] : جزينا ذوي العدوان بالأمس مثله ... قصاصا سواء حذوك النّعل بالنّعل وأما قوله تعالى فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) فيريد: إنّ الله لهم. وكذلك قوله تعالى: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) لأنه قال فَإِنِ انْتَهَوْا وهو قد علم أنّهم لا ينتهون إلّا بعضهم، فكأنه قال: «إن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الظالمين منهم» فأضمر، كما في فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ [الآية ١٩٦] أي: فعليه ما استيسر «٢» كما تقول «زيدا أكرمت» وأنت تريد «أكرمته» وكما تقول «إلى من تقصد أقصد» تريد إليه. وأمّا قوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [الآية ١٩٦] فإنّك تقول: «أحصرني مرضي» «٣» أي: جعلني أحصر نفسي. وتقول: «حصرت الرجل» أي: حبسته، فهو «محصور» «٤» . وزعم يونس «٥» عن أبي عمرو «٦» أنّه يقول: «حصرته إذا منعته عن كلّ وجه» وإذا منعته من التقدّم خاصّة فقد «أحصرته» ، ويقول بعض العرب في المرض وما أشبهه من الإعياء والكلال: «أحصرته» . وقال تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ [الآية ١٩٦] أي: فعليه فدية. وقال تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [الآية ١٩٦] فإنما قال عَشَرَةٌ كامِلَةٌ وقد ذكر سبعة وثلاثة، ليخبر أنّها مجزية، وليس ليخبر عن عدّتها،

стр. 247

ألا ترى أن قوله تعالى كامِلَةٌ إنّما هي «وافية» . وقد ذكروا أنّه في حرف ابن مسعود «١» «تسع وتسعون نعجة أنثى» «٢» وذلك أن الكلام يؤكد بما يستغنى به عنه، كما قال تعالى فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: ٣٠ وص: ٧٣] . وقد يستغنى بأحدهما، ولكنّ تكرير الكلام، كأنه أوجب. ألا ترى أنك تقول: «رأيت أخويك كليهما» ولو قلت: «رأيت أخويك» ، استغنيت فتجيء ب «كليهما» توكيدا. وقال بعضهم في قول ابن مسعود «أنثى» ، إنّه إنّما أراد «مؤنّثة» ، يصفها بذلك، لأنّ ذلك قد يستحبّ من النساء. وقال تعالى ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الآية ١٩٦] ، وإذا وقفت قلت: «حاضري» لأنّ الياء إنّما ذهبت في الوصل لسكون اللام من «المسجد» ، وكذلك غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ [المائدة: ١] وقوله تعالى عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) [النبأ] وفِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) [النازعات] وأشباه هذا مما ليس هو حرف إعراب. وحرف الإعراب الذي يقع عليه الرفع والنّصب والجرّ، ونحو «هو» و «هي» ، فإذا وقفت عليه، فأنت فيه بالخيار، إن شئت ألحقت الهاء، وإن شئت لم تلحق. وقد قالت العرب في نون الجميع ونون الاثنين في الوقف بالهاء فقالوا: «هما رجلانه» و «مسلمونه» و «قد قمته» إذا أرادوا: قد قمت» «٣» وكذلك ما لم يكن حرف إعراب، إلّا أنّ بعضه أحسن من بعض، وهو في المفتوح أكثر. فأمّا «مررت بأحمر» و «يعمر» فلا يكون الوقف في هذا بالهاء، لأنّ هذا قد ينصرف عن هذا الوجه. وكذلك ما لم يكن حرف

стр. 248

إعراب ثم كان يتغير عن حاله، فإنه لا تلحق فيه الهاء، إذا سكت عليه. وأمّا قوله تعالى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [المائدة: ٢٩] فإذا وقفت قلت «تبوء» ، لأنّها «أن تفعل» ، فإذا وقفت على «تفعل» ، لم تحرّك. قال تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا [يونس: ٨٧] ، إذا وقفت عليه قلت: «أن تبوّأ» لأنه «أن تفعّلا» ، وأنت تعني فعل الاثنين، فهكذا الوقف عليه. قال تعالى وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [يونس: ٩٣] فإذا وقفت قلت: «مبوّأ» لا تقول «مبوّءا» ، لأنه مضاف، فإذا وقفت عليه لم يكن ألفا. ولو أثبت فيه الألف، لقلت في وقف غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ: «محلّين» ، ولكنه مثل «رأيت غلامي زيد» فإذا وقفت قلت: «غلامي» . وقال تعالى فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ [الشعراء: ٦١] ، فإذا وقفت قلت: «تراءى» ، ولم تقل: «تراءيا» ، لأنّك قد رفعت الجمعين بذا الفعل، ولو قلت: «تراءيا» ، كنت قد جئت باسم مرفوع بذا الفعل، وهو الالف، ويكون قولك «الجمعان» ليس بكلام إلّا على وجه آخر. وقال تعالى فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ [الآية ١٩٨] ، فصرف «عرفات» لا لأنّها تلك الجماعة التي كانت تنصرف، وإنّما صرفت لأنّ الكسرة والضمة في التاء، صارت بمنزلة الياء والواو في «مسلمين» و «مسلمون» لأنه تذكيره، وصارت التنوين في نحو «عرفات» و «مسلمات» ، بمنزلة النون فلما سمّي به ترك على حاله، كما يترك «مسلمون» «١» ، إذا سمّي به على حاله حكاية. ومن العرب من لا يصرف ذا، إذا سمّي به، ويشبّه التاء بهاء التأنيث في نحو «حمدة» ، وذلك قبيح ضعيف «٢» . قال الشاعر «٣» [من الطويل وهو الشاهد السابع والثلاثون بعد المائة] : تنوّرتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال

стр. 249

ومنهم من لا ينوّن «أذرعات» ولا «عانات» وهو مكان. وقال تعالى وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى [الآية ٢٠٣] ، كأنّه حين ذكر هذه الرّخصة، قد أخبر عن أمر، فقال لِمَنِ اتَّقى: أي: ذلك لمن اتّقى «١» . وقال تعالى وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ [الآية ٢٠٤] إذا كان هو يشهد «٢» وقرأ بعضهم: (ويشهد الله) «٣» أي أن الله سبحانه هو الذي يشهد. وقال تعالى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ [الآية ٢٠٤] من «لددت» «تلدّ» و «هو ألدّ» و «هم قوم لدّ» و «امرأة لدّاء» و «نسوة لدّ» . قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ [الآية ٢٠٧] يقول: «يبيعها» كما تقول «شريت هذا المتاع» أي: بعته و «شريته» : اشتريته أيضا، يجوز في المعنيين جميعا، كما تقول: «إنّ الجلّ لأفضل المتاع» ، وإنّ «الجلّ لأردؤه» «٤» ، وعلى ذلك يجوز مع كثير مثله، وكذلك «الجلل» ، يكون العظيم، ويكون الصغير. وكذلك «السّدف» يكون الظلمة والضّوء. وقال الشاعر «٥» [من الرمل وهو الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائة] : وأرى أربد قد فارقني ... ومن الأرزاء رزء ذو جلل «٦» أي: عظيم. وقال الاخر «٧» [من الطويل وهو الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائة] :

стр. 250

ألا إنّما أبكي ليوم لقيته ... بجر ثم صاد كلّ ما بعده جلل أي: صغير. وأما قوله تعالى ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [الآية ٢٠٧] فإن انتصاب (ابتغاء) على الفعل، وهو على يشري، كأنه قال «لابتغاء مرضاة الله» فلمّا نزع اللام، عمل الفعل. ومثله حَذَرَ الْمَوْتِ [الآية ٢٤٣] وأشباه هذا كثير. قال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد الأربعون بعد المائة] : وأغفر عوراء الكريم ادّخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرّما لما حذف اللّام عمل فيه الفعل. وقال تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [الآية ٢٠٨] و «السّلم» : الإسلام. وقوله تعالى وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [محمد: ٣٥] ذلك: الصلح. وقال بعضهم في «الصلح» : «السّلم. وقال تعالى وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ [النساء: ٩١] وهو الاستسلام. وقال تعالى وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) [الفرقان] أي: قالوا «براءة منكم» لأنّ «السّلام» في بعض الكلام هو: البراءة. تقول: «إنّما فلان سلام بسلام» أي: لا يخالط أحدا. قال الشاعر «٢» [من الوافر وهو الشاهد الحادي والأربعون بعد المائة] : سلامك ربّنا في كلّ فجر ... بريئا ما تغنّثك «٣» الذّموم يعني تأوّبك، يقول: «براءتك» . وقال تعالى إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [الذاريات: ٢٥] وهذا فيما يزعم المفسّرون: قالوا خيرا. كأنه- والله أعلم- سمع منهم التوحيد، فقد قالوا خيرا، فلما عرف أنهم موحّدون قال: «سلام عليكم» ، فسلّم عليهم. فهذا الوجه رفع على الابتداء. وقال بعضهم: «ما كان من كلام الملائكة فهو نصب، وما كان من الإنسان فهو رفع في السلام» . وهذا ضعيف ليس بحجّة وقال تعالى:
следующие страницы →