وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ [الأنفال ٣٧] بجعله بدلا من (الخبيث) ومنهم من قرأ (بعضه على بعض) فرفع على الابتداء.
أو شغل الفعل بالأول. وقرأ بعضهم:
(مسوادّة) وهي لغة لأهل الحجاز يقولون: «اسوادّ وجهه» و «احمارّ» يجعلونه «افعالّ» كما تقول للأشهب «قد اشهابّ» وللازرق «قد ازراقّ» .
وقال بعضهم لا يكون «افعالّ» في ذي اللون الواحد، وإنّما يكون في نحو الأشهب، ولا يكون في نحو الأحمر، وهما لغتان.
وقال تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [الآية ٦٤] أي «أفغير الله أعبد تأمرونني» كأن السياق أراد الإلغاء، والله أعلم، كما تقول «هل ذهب فلان. تدري» جعله على معنى «ما تدري» .
وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الآية ٦٥] .
وقال: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الآية ٧٥] ف مِنْ أدخلت هاهنا توكيدا، والله أعلم، نحو قولك: «ما جاءني من أحد» وثقّلت حَافِّينَ لأنها من «حففت» .
وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الآية ٧٣] فيقال إن قوله سبحانه وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها [الآية ٧٣] في معنى «قال لهم» كأن السياق يلقي الواو. وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة فيه. قال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد الخامس بعد المائة] :
فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلّا كلمّة حالم بخيال
فيشبه أن يكون يريد «فإذا ذلك لم يكن» . وقال بعضهم: «أضمر الخبر» وإضمار الخبر أحسن في الآية أيضا، وهو في الكلام.
وقال تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الآية ٦٧] أي: «في قدرته» نحو قوله جلّ وعلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (٢٥) [النساء] أي: وما كانت لكم عليه قدرة، وليس الملك لليمين دون الشمال وسائر البدن. وأما قوله سبحانه قَبْضَتُهُ فنحو قولك للرجل: «هذا في يدك وفي قبضتك» .
стр. 1857
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الزّمر» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) وكم من كاذب كفّار قد هداه الله تعالى فأسلم وصدق؟
قلنا: معناه لا يهديه إلى الإيمان مادام على كفره وكذبه. وقيل معناه:
لا يهديه إلى حجّة يلزم بها المؤمنين.
فإن قيل: كيف نستنتج أن في قوله تعالى: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ (٤) [الآية ٤] ردّا لقول من ادّعى أن له ولدا، وإبطالا لذلك، مع أنّ كل من نسب إليه سبحانه ولدا قال إنه اصطفاه من خلقه بجعله ولدا فاليهود يدّعون أنه عزير، والنصارى يدّعون أنه المسيح بن مريم ﵉، وطائفة من مشركي العرب يدعون أن الملائكة بنات الله تعالى؟
قلنا: هذا إن جعل ردّا على اليهود والنصارى كان معناه لاصطفى الولد من الملائكة لا من البشر، لأنّ الملائكة أشرف من البشر بلا خلاف بين اليهود ولا بين النصارى وإن كان ردّا على مشركي العرب كان معناه لاصطفى له ولدا من جنس يخلق كل شيء يريده ليكون ولدا موصوفا لصفته، ولم يصطف من الملائكة الّذين لا يقدرون على إيجاد جناح بعوضة ولا يردّ على هذا خلق عيسى (ع) الطير لأنه ليس بعام، أو لأن معنى خلقه التقدير من الطين، ثم إنّ الله تعالى يخلقه حيوانا
стр. 1858
بنفخ عيسى ﵇ وإظهارا لمعجزته.
فإن قيل: لم قال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [الآية ٦] وخلق حواء من آدم (ع) سابق على خلقنا منه، فكيف عطفه عليه بكلمة «ثمّ» ؟
قلنا: «ثم» هنا للترتيب في الإخبار لا في الإيجاد، كما تقول لصاحبك أعطيتك اليوم كذا ثم أعطيتك أمس أكثر منه: أي ثم أخبرك بكذا، ومنه قول الشاعر:
إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه الثاني: أن «ثم» متعلقة بمعنى واحِدَةٍ وعاطفة عليه لا على خَلَقَكُمْ، فمعناه خلقكم من نفس واحدة، وأفردت بالإيجاد ثم شفعت بزوج. الثالث: أن «ثم» على ظاهرها، لأن الله تعالى خلق آدم ثم أخرج أولاده من ظهره كالذّر، وأخذ عليهم الميثاق ثم ردهم إلى ظهره، ثم خلق منه حواء فالمراد بقوله تعالى خلقكم خلقا يوم أخذ الميثاق دفعة واحدة، لأن هذا الخلق الّذي نحن فيه بالتوالد والتناسل.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الآية ٦] مع أن الأنعام مخلوقة في الأرض لا منزلة من السماء؟
قلنا: قيل إن الله تعالى خلق الأزواج الثمانية في الجنّة ثم أنزلها على آدم (ع) بعد إنزاله. الثاني: أن الله تعالى أنزل الماء من السماء، والأنعام لا توجد إلا بوجود النبات، والنبات لا يوجد إلا بوجود الماء، فكأن الأنعام منزلة من السماء، ونظيره قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ [الأعراف: ٢٦] وإنما أنزل الماء الّذي لا يوجد القطن والكتان والصوف إلّا به.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف الّذي جاء بالصدق وصدق به: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) مع أنه يكفّر عنهم سيّئ أعمالهم ويجزيهم بحسنها أيضا؟
قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة التوبة.
فإن قيل: لم قال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً [الآية ٤٤] مع أنه جاء في الأخبار أن للأنبياء والعلماء
стр. 1859
والشهداء والأطفال شفاعة يوم القيامة؟
قلنا: معناه أن أحدا لا يملكها إلّا بتمليكه، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى (٢٨) [الأنبياء: ٢٨] .
فإن قيل: لم ذكّر الضمير في أوتيته وهو للنعمة في قوله تعالى: ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ [الآية ٤٩] ؟
قلنا: إنما ذكّره نظرا إلى المعنى، لأن معنى «نعمة» : «شيئا من النعمة وقسما منها» ، أو لأن النعمة والإنعام بمعنى واحد.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الآية ٥٥] والقرآن كلّه حسن؟
قلنا: معناه اتّبعوا أحسن وحي أو كتاب أنزل إليكم من ربّكم، وهو القرآن كله. وقيل أحسن القرآن الآيات المحكمات. وقيل أحسنه كل آية تضمنت أمرا بطاعة أو إحسان وقد سبق نظير هذه الآية في سورة الأعراف في قوله تعالى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها [الأعراف: ١٤٥] والأجوبة المذكورة ثمّة تصلح هنا، وكذا الأجوبة المذكورة هنا تصلح ثمّة، إلا الجواب الأول.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ [الآية ٦٥] مع أن الموحى إليهم جماعة، ولما أوحي إلى من قبله لم يكن في الوحي إليهم خطابه؟
قلنا: معناه الأول: ولقد أوحي إلى كل واحد منك ومنهم: لئن أشركت.
الثاني: أن فيه إضمارا تقديره: ولقد أوحي إليك وإلى الّذين من قبلك التوحيد، ثم ابتدئ فقيل لئن أشركت.
والثالث: أن فيه تقديما وتأخيرا تقديره: ولقد أوحي إليك لئن أشركت، وكذلك أوحي إلى الّذين من قبلك.
فإن قيل: لم عبّر سبحانه عن الذهاب بأهل الجنة والنار بلفظ السّوق في قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ٧١] وفي قوله سبحانه وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ [الآية ٧٣] والتعبير في الآيتين يحمل ضربا من الإهانة؟
قلنا: المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف، كما يفعل
стр. 1860
بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم حثّا وإسراعا بهم إلى دار الكرامة والرضوان، كما يفعل بمن يشرّف ويكرم من الوافدين على السلطان، فشتان ما بين السّوقين.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف النار: فُتِحَتْ أَبْوابُها [الآية ٧١] بغير واو، وقال في صفة الجنة: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الآية ٧٣] بالواو؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها أنها زائدة، قاله الفرّاء وغيره. الثاني: أنها واو الثمانية وأبواب الجنة ثمانية. الثالث:
أنها واو الحال، معناه: جاءوها وقد فتحت أبوابها قبل مجيئهم، بخلاف أبواب النار فإنها إنّما تفتح عند مجيئهم. والحكمة في ذلك من وجوه:
أحدها أن يستعجل أهل الجنة الفرح والسرور إذا رأوا الأبواب مفتّحة، وأهل النار يأتون النار وأبوابها مغلّقة ليكون أشدّ لحرّها. الثاني أنّ الوقوف على الباب المغلق نوع ذل وهوان، فصين عنه أهل الجنة لا أهل النار.
الثالث: أن الكريم يعجّل المثوبة ويؤخّر العقوبة، فلو وجد أهل الجنة بابها مغلقا لأثّر انتظار فتحه في كمال الكريم، بخلاف أهل النار.
стр. 1861
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الزّمر» «١»
قوله تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الآية ٥] .
هذه استعارة. والمعنى يعلي هذا على هذا. وذلك مأخوذ من قولهم:
كار العمامة على رأسه يكورها: إذا أدارها عليه. وقد قالوا: طعنه فكوّره، أي صرعه. ومنه قول أبي كبير الهذلي: «٢» متكوّرين على المعاري بينهم ضرب كتعطاط المزاد الأنجل ومنه الحديث المأثور: (نعوذ بالله من الحور بعد الكور) «٣» أي من الإدبار بعد الإقبال. وقيل من القلة بعد الكثرة. لأنهم يسمّون القطيع الكثير من البقر وغيرها كورا. ومنه قول أبي ذؤيب «٤» في صفة الثور:
стр. 1862
ولا شبوب من الثيران أفرده عن كوره كثرة الإغراء والطّرد أي عن سربه الكثير.
فيجوز أن يكون معنى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ على قول من يقول: طعنه فكوّره، يريد: فصرعه. أي يلقي الليل على النهار، ويلقي النهار على الليل.
ويكون المعنى على قول من يذهب إلى أن الكور اسم للكثرة، أي يكثر أجزاء الليل على أجزاء النهار، حتى يخفي ضوء النهار وتغلب ظلمة الليل.
ويكوّر النهار على الليل: أي يكثر أجزاء النهار، حتى تظهر وتنتشر وتتلاشى فيها أجزاء الليل وتضمحل.
وقوله سبحانه: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الآية ٤٢] وفي هذا الكلام استعارة خفيّة. وذلك أنّ قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ ٢ مَوْتِها أي يقبضها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها منسوق تعبير. فظاهر الخطاب يقتضى أنه سبحانه يتوفّى الأنفس الّتي لم تمت في منامها أيضا.
ونحن نجد أمارة بقاء نفس النائم في جسده بأشياء كثيرة. منها ظهور التنفس والحركة وحذف لسانه بالكلمة بعد الكلمة، وغير ذلك مما يجري مجراه.
فيكون معنى توفّي النفس النائمة هاهنا اقتطاعها عن الأفعال التمييزية، والحركات الإرادية، كالعزوم «١» والقصود وترتيب القيام والقعود، إلى غير ذلك ممّا في معناه.
وقال بعضهم: الفرق بين قبض النوم وقبض الموت أن قبض النوم يضادّ اليقظة وقبض الموت يضادّ الحياة.
وقبض النوم تكون الروح معه في البدن، وقبض الموت تخرج الروح معه من البدن.
وقوله سبحانه: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) وهذه
стр. 1863
استعارة. وقد اختلف في المراد بالجنب هاهنا. فقال قوم: معناه في ذات الله.
وقال قوم: معناه في طاعة الله، وفي أمر الله. لأنه ذكر الجنب على مجرى العادة في قولهم: هذا الأمر مغال في جنب ذلك الأمر أي في جهته. لأنه إذا عبّر عنه بهذه العبارة دل على اختصاصه به من وجه قريب من معنى صفته.
وقال بعضهم: معنى فِي جَنْبِ اللَّهِ أي في سبيل الله، أو في الجانب الأقرب إلى مرضاته، بل الأوصل إلى طاعاته.
ولمّا كان الأمر كلّه يتشعّب إلى طريقين: إحداهما هدى ورشاد، والأخرى غيّ وضلال، وكلّ واحد منهما مجانب لصاحبه، أو هو في جانب، والاخر في جانب، وكان الجنب والجانب بمعنى واحد، حسنت العبارة هاهنا عن سبيل الله بجنب الله، على النحو الّذي ذكرناه.
وقوله تعالى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ٦٣] وهذه استعارة.
والمقاليد: المفاتيح. قال أبو عبيدة:
واحدها مقليد، وواحد الأقاليد إقليد.
وهما بمعنى واحد وقال غيره: واحدها قلد على غير قياس.
وقال أبو عمرو بن العلاء «١» : وجهه في العربية أن يكون الواحد على لفظ مقلد، ثم تجمع على «مقالد» فمن شاء أن يشبع كسرة اللام قال: «مقاليد» كما قالوا: درهم ودراهيم.
قال: وسمعت أبا المنذر يقول:
واحد المفاتيح مفتاح. وواحد المفاتح مفتح والمعنيان جميعا واحد.
والمراد بمقاليد السماوات والأرض هاهنا، والله أعلم، أي مفاتيح خيراتهما، ومعادن بركاتهما، من إدرار الأمطار، وإيراق الأشجار، وسائر وجوه المنافع، وعوائد المصالح.
وقد وصف سبحانه السماء في عدة مواضع بأنّ لها خزائن وأبوابا، فحسن على مقتضى الكلام أن توصف بأن لها مقاليد وأغلاقا.
قال سبحانه: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ [الأعراف: ٤٠] وقال تعالى:
стр. 1864
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) [القمر] وقال عزّ من قائل: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [المنافقون: ٧] .
وقالوا: خزائن السماوات الأمطار، وخزائن الأرض النبات. وقد يجوز أن يكون معنى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي طاعة السماوات والأرض ومن فيهن. كما يقال: ألقى فلان إلى فلان مقاليده، أي: أطاعه، وفوّض إليه أمره.
وعلى ذلك قول الأعشى: «١» فتى لو ينادي الشّمس ألقت قناعها أو القمر السّاري لألقى المقالدا أي لسلّم العلوّ إليه، واعتراف له به.
وقال بعض العلماء: ليس قول الشاعر هاهنا: ينادي الشمس، من النداء الّذي هو رفع الصوت، وإنّما هو من المجالسة. تقول: ناديت فلانا، إذا جالسته في النادي. فكأنه قال: لو يجالس الشمس لألقت قناعها شغفا به، وتبرّجا له. وهذا من غريب القول.
وقوله سبحانه: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الآية ٦٧] وهاتان استعارتان.
ومعنى قبضته هاهنا أي ملك له خالص، قد ارتفعت عنه أيدي المالكين من بريّته، والمتصرّفين فيه من خليقته.
وقد ورث تعالى من عباده ما كان ملّكهم في دار الدنيا من ذلك، فلم يبق ملك إلّا انتقل، ولا مالك إلّا بطل.
وقيل أيضا: معنى ذلك أن الأرض في مقدوره، كالذي يقبض عليه القابض، فتستولي عليه كفّه، ويحوزه ملكه، ولا يشاركه فيه غيره.
ومعنى قوله تعالى: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ أي مجموعات في ملكه، ومضمومات بقدرته. واليمين هاهنا بمعنى الملك. يقول القائل: هذا ملك يميني. وليس يريد اليمين الّتي هي الجارحة. وقد يعبّرون عن القوة أيضا باليمين. فيجوز على هذا التأويل أن يكون معنى قوله سبحانه:
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ أي يجمع أقطارها ويطوي انتشارها بقوته، كما قال سبحانه:
стр. 1865
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤] وقيل في اليمين هاهنا وجه آخر. وهو أن تكون بمعنى القسم. لأنه سبحانه لما قال: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) [الأنبياء] كان التزامه تعالى فعل ما أوجبه على نفسه بهذا الوعد، كأنه قسم أقسم به، ليفعلنّ ذلك. فأخبر سبحانه في هذا الموضع من السورة الأخرى أن السّماوات مطويّات بيمينه، أي بذلك الوعد الّذي ألزم به نفسه سبحانه.
وجرى مجرى القسم الّذي لا بد من أن يقع الوفاء به، والخروج منه.
والاعتماد على القولين المتقدمين أولى.
стр. 1866
الفهرس
سورة الروم
المبحث الأول ٣ أهداف سورة «الروم» ٣ سبب نزول السورة ٣ فصلان مترابطان ٤ الأفكار العامة للسورة ٥ عالمية الدعوة الاسلامية ٦ المبحث الثاني ٧ ترابط الآيات في سورة «الروم» ٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٧ الغرض منها وترتيبها ٧ تسلية المؤمنين ٨ وسائل تثبيتهم ٨ المبحث الثالث ١١ أسرار ترتيب سورة «الروم» ١١ المبحث الرابع ١٣ مكنونات سورة «الروم» ١٣
стр. 1867
المبحث الخامس ١٥ لغة التنزيل في سورة «الروم» ١٥ المبحث السادس ١٧ المعاني اللغوية في سورة «الروم» ١٧ المبحث السابع ١٩ لكل سؤال جواب في سورة «الروم» ١٩ المبحث الثامن ٢٣ المعاني المجازية في سورة «الروم» ٢٣
سورة «لقمان»
المبحث الأول ٢٩ أهداف سورة «لقمان» ٢٩ فقرات السورة ٣٠ الجولة الاولى ٣٠ الجولة الثانية ٣١ الجولة الثالثة ٣١ المبحث الثاني ٣٣ ترابط الآيات في سورة «لقمان» ٣٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٣٣ الغرض منه وترتيبها ٣٣ التنويه بحكمة القرآن ٣٤ بيان حكمة لقمان ٣٤ الدعوة إلى ما اتفقت عليه الحكمتان ٣٤
стр. 1868
المبحث الثالث ٣٧ أسرار ترتيب سورة «لقمان» ٣٧ المبحث الرابع ٣٩ مكنونات سورة «لقمان» ٣٩ المبحث الخامس ٤١ لغة التنزيل في سورة «لقمان» ٤١ المبحث السادس ٤٣ المعاني اللغوية في سورة «لقمان» ٤٣ المبحث السابع ٤٥ لكل سؤال جواب في سورة «لقمان» ٤٥ المبحث الثامن ٤٩ المعاني المجازية في سورة «لقمان» ٤٩
سورة «السجدة»
المبحث الأول ٥٥ أهداف سورة «السجدة» ٥٥ أسماء السورة ٥٥ مخاطبة القلوب ٥٥ أفكار السورة ونظامها ٥٦ المبحث الثاني ٥٩ ترابط الآيات في سورة «السجدة» ٥٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٥٩ الغرض منها وترتيبها ٥٩
стр. 1869
إثبات تنزيل القرآن ٦٠ أخذهم بالترغيب والترهيب إلى الايمان به ٦٠ المبحث الثالث ٦٣ أسرار ترتيب سورة «السجدة» ٦٣ المبحث الرابع ٦٥ مكنونات سورة «السجدة» ٦٥ المبحث الخامس ٦٧ لغة التنزيل في سورة «السجدة» ٦٧ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «السجدة» ٦٩ المبحث السابع ٧١ لكل سؤال جواب في سورة «السجدة» ٧١ المبحث الثامن ٧٥ المعاني المجازية في سورة «السجدة» ٧٥
سورة «الأحزاب»
المبحث الأول ٨١ أهداف سورة «الأحزاب» ٨١ أحداث السّورة ٨١ فصول السورة ٨٢ غزوة الأحزاب وبني قريظة ٨٣ زوجات الرسول (ص) ٨٥ قصة زينب بنت جحش ٨٥
стр. 1870
أدب بيت النبوة ٨٧ تحمل الإنسان للأمانة ٨٨ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٩١ المبحث الثاني ٩١ ترابط الآيات في سورة «الأحزاب» ٩١ الغرض منها وترتيبها ٩١ إبطال تبني زيد بن حارثة ٩١ أمر النبي بتخيير نسائه ٩٣ تزويج النبي مطلّقة زيد ٩٣ إرشاد النبي إلى آداب عامة ٩٤ خصائص النبي في أزواجه ٩٤ إرشاد النبي إلى ما يجب ستره من نسائه وغير هن ٩٥ المبحث الثالث ٩٧ أسرار ترتيب سورة «الأحزاب» ٩٧ المبحث الرابع ٩٩ مكنونات سورة «الأحزاب» ٩٩ المبحث الخامس ١٠٣ لغة التنزيل في سورة «الأحزاب» ١٠٣ المبحث السادس ١٠٧ المعاني اللغوية في سورة «الأحزاب» ١٠٧ المبحث السابع ١٠٩ لكل سؤال جواب في سورة «الأحزاب» ١٠٩ المبحث الثامن ١١٧ المعاني المجازية في سورة «الأحزاب» ١١٧
стр. 1871
سورة «سبأ»
المبحث الأول ١٢١ أهداف سورة «سبأ» ١٢١ موضوعات السورة ١٢١ فصول السورة ١٢٣ ١- الألوهيّة وإثبات البعث ١٢٣ ٢- داود وسليمان ١٢٣ ٣- قصة سبأ ١٢٤ ٤- الشرك والتوحيد ١٢٥ ٥- مشاهد القيامة والجزاء ١٢٥ ٦- الدعوة الى التأمّل والتفكّر ١٢٦ المبحث الثاني ١٢٩ ترابط الآيات في سورة «سبأ» ١٢٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٢٩ الغرض منها وترتيبها ١٢٩ الاعتراض الأول على يوم القيامة ١٢٩ الاعتراض الثاني على يوم القيامة ١٣٠ الاعتراض الثالث والرابع على يوم القيامة ١٣٠ الخاتمة ١٣١ المبحث الثالث ١٣٣ أسرار ترتيب سورة «سبأ» ١٣٣ المبحث الرابع ١٣٥ مكنونات سورة «سبأ» ١٣٥ المبحث الخامس ١٣٧ لغة التنزيل في سورة «سبأ» ١٣٧
стр. 1872
المبحث السادس ١٣٩ المعاني اللغوية في سورة «سبأ» ١٣٩ المبحث السابع ١٤١ لكل سؤال جواب في سورة «سبأ» ١٤١ المبحث الثامن ١٤٣ المعاني المجازية في سورة «سبأ» ١٤٣
سورة «فاطر»
المبحث الأول ١٤٧ أهداف سورة «فاطر» ١٤٧ موضوعات السورة ١٤٧ سياق السورة ١٤٨ فقرات السورة ١٤٨ ١- رحمة الله وفضله ١٤٨ ٢- آيات الله في الكون ١٤٩ ٣- الله غني عن عبادتنا ١٤٩ ٤- كتابان إلهيان ١٥٠ ٥- دلائل الإيمان ١٥٠ المبحث الثاني ١٥٣ ترابط الآيات في سورة «فاطر» ١٥٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٥٣ الغرض منها وترتيبها ١٥٣ اختصاص الله تعالى بالحمد ١٥٣ آيات تدل على اختصاصه بالحمد ١٥٤
стр. 1873
المبحث الثالث ١٥٧ أسرار ترتيب سورة «فاطر» ١٥٧ المبحث الرابع ١٥٩ مكنونات سورة «فاطر» ١٥٩ المبحث الخامس ١٦١ لغة التنزيل في سورة «فاطر» ١٦١ المبحث السادس ١٦٣ المعاني اللغوية في سورة «فاطر» ١٦٣ المبحث السابع ١٦٥ لكل سؤال جواب في سورة «فاطر» ١٦٥ المبحث الثامن ١٦٧ المعاني المجازية في سورة «فاطر» ١٦٧
سورة «يس»
المبحث الأول ١٧١ أهداف سورة «يس» ١٧١ مقصود السورة ١٧١ ملامح السورة ١٧٢ فصول السورة ١٧٣ ١- رسالة ورسول ١٧٣ قصة أصحاب القرية ١٧٤ ٢- أدلة الايمان ١٧٤ ٣- وحي لا شعر ١٧٥
стр. 1874
المبحث الثاني ١٧٧ ترابط الآيات في سورة «يس» ١٧٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٧٧ الغرض منها وترتيبها ١٧٧ حاجتهم إلى رسول لإنذارهم ١٧٧ إثبات قدرته على عذابهم ١٧٨ المبحث الثالث ١٨١ أسرار ترتيب سورة «يس» ١٨١ المبحث الرابع ١٨٣ مكنونات سورة «يس» ١٨٣ المبحث الخامس ١٨٥ لغة التنزيل في سورة «يس» ١٨٥ المبحث السادس ١٨٩ المعاني اللغوية في سورة «يس» ١٨٩ المبحث السابع ١٩١ لكل سؤال جواب في سورة «يس» ١٩١ المبحث الثامن ١٩٥ المعاني المجازية في سورة «يس» ١٩٥
سورة «الصافات»
المبحث الأول ٢٠١ أهداف سورة «الصافات» ٢٠١ مقصود السورة ٢٠١
стр. 1875
سياق السورة ٢٠٢ ١- وصف الملائكة ومشاهد الاخرة ٢٠٢ ٢- قصص الأنبياء ٢٠٣ ٣- أسطورة تعقبها الحقيقة ٢٠٣ المبحث الثاني ٢٠٥ ترابط الآيات في سورة «الصافات» ٢٠٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٠٥ الغرض منها وترتيبها ٢٠٥ إبطال الشرك ٢٠٦ أخذ المشركين بالترهيب والترغيب ٢٠٦ إبطال نبوة الملائكة والجن ٢٠٧ المبحث الثالث ٢٠٩ أسرار ترتيب سورة «الصافات» ٢٠٩ المبحث الرابع ٢١١ مكنونات سورة «الصافات» ٢١١ المبحث الخامس ٢١٣ لغة التنزيل في سورة «الصافات» ٢١٣ المبحث السادس ٢١٥ المعاني اللغوية في سورة «الصافات» ٢١٥ المبحث السابع ٢١٧ لكل سؤال جواب في سورة «الصافات» ٢١٧ المبحث الثامن ٢٢٣ المعاني المجازية في سورة «الصافات» ٢٢٣
стр. 1876
سورة «ص»
المبحث الأول ٢٢٧ أهداف سورة «ص» ٢٢٧ مقاصد السورة ٢٢٧ قضايا السورة ٢٢٧ ١- شبهات الكافرين ٢٢٨ ٢- قصص الأنبياء ٢٢٨ ٣- النعيم والجحيم ٢٢٩ سجود الملائكة لآدم ٢٢٩ المبحث الثاني ٢٣١ ترابط الآيات في سورة «ص» ٢٣١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٣١ الغرض منها وترتيبها ٢٣١ إنذار الكفار بعقاب الدنيا والاخرة ٢٣١ العهد القديم بعقاب الكافرين ٢٣٢ المبحث الثالث ٢٣٥ أسرار ترتيب سورة «ص» ٢٣٥ المبحث الرابع ٢٣٧ مكنونات سورة «ص» ٢٣٧ المبحث الخامس ٢٣٩ لغة التنزيل في سورة «ص» ٢٣٩ المبحث السادس ٢٤٣ المعاني اللغوية في سورة «ص» ٢٤٣
стр. 1877
المبحث السابع ٢٤٥ لكل سؤال جواب في سورة «ص» ٢٤٥ المبحث الثامن ٢٤٩ المعاني المجازية في سورة «ص» ٢٤٩
سورة «الزّمر»
المبحث الأول ٢٥٥ أهداف سورة «الزّمر» ٢٥٥ أدلّة التوحيد ٢٥٥ ظل الاخرة ٢٥٦ فقرات السورة ٢٥٦ ١- التوحيد ٢٥٦ ٢- أنواع الإنسان وحالته ٢٥٧ ٣- في مظاهر القدرة ٢٥٧ ٤- نقاش متنوع ٢٥٧ ٥- الله مستحق للعبادة دون سواه ٢٥٨ المبحث الثاني ٢٦١ ترابط الآيات في سورة «الزّمر» ٢٦١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٦١ الغرض منها وترتيبها ٢٦١ إبطال الوسائل من الأولياء والأولاد ٢٦١ المبحث الثالث ٢٦٥ أسرار ترتيب سورة «الزّمر» ٢٦٥
стр. 1878
المبحث الرابع ٢٦٧ مكنونات سورة «الزّمر» ٢٦٧ المبحث الخامس ٢٦٩ لغة التنزيل في سورة «الزّمر» ٢٦٩ المبحث السادس ٢٧١ المعاني اللغوية في سورة «الزّمر» ٢٧١ المبحث السابع ٢٧٣ لكل سؤال جواب في سورة «الزّمر» ٢٧٣ المبحث الثامن ٢٧٧ المعاني المجازية في سورة «الزّمر» ٢٧٧
стр. 1879
الجزء الثامن
سورة غافر ٤٠
المبحث الأول أهداف سورة «غافر» «١»
سورة «غافر» سورة مكية، نزلت في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين في مكة، بعد الإسراء وقبيل الهجرة.
وآياتها ٨٥ آية نزلت بعد سورة «الزمر» .
أربعة أسماء: تسمى هذه السورة سورة «غافر» ، لقوله تعالى في أوّلها:
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ [الآية ٣] .
وتسمى سورة «المؤمن» لاشتمالها على حديث مؤمن آل فرعون «واسمه خربيل» في قوله تعالى:
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الآية ٢٨] .
وسورة «الطّول» ، لقوله تعالى:
ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) .
وتسمى «حم الأولى» لأنها السورة الأولى في الحواميم.
روح السورة
الروح الساري في سورة «غافر» هو الصراع الدائر بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والدعوة والتكذيب، وأخيرا قضية العلو في الأرض والتجبّر بغير الحق، وبأس الله الذي يأخذ المتجبّرين. وفي ثنايا أهداف السورة الأصلية نجد أنها تلمّ بموقف المؤمنين المهتدين الطائعين، ونضر الله إيّاهم، واستغفار الملائكة لهم، واستجابة الله
стр. 1880
لدعائهم، وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم.
وجو السورة كله، من ثمّ، كأنه جو معركة، وهي المعركة بين الإيمان والطغيان، بين الهدى والضلال، بين المتكبرين المتجبّرين في الأرض وبأس الله الذي يأخذهم بالدمار والتنكيل.
وتتنسّم، خلال هذا الجو، نسمات الرحمة والرضوان حين يجيء ذكر المؤمنين.
ويتمثّل روح السورة في عرض مصارع الغابرين، كما يتمثل في عرض مشاهد القيامة، وهذه وتلك تتناثر في سياق السورة وتتكرر بشكل ظاهر، وتعرض في صورها العنيفة المرهوبة المخيفة. ومنذ بداية السورة إلى نهايتها نجد آيات تلمس القلب، وتهزّ الوجدان، وتعصف بكيان المكذّبين، وقد ترقّ آيات السورة فتتحول إلى لمسات وإيقاعات تمس القلب برفق، وهي تعرض صفات الله تعالى، غافر الذنب وقابل التوب، ثم تصف حملة العرش، وهم يدعون ربّهم ليتكرّم على عباده المؤمنين ثم تعرض الآيات الكونية والآيات الكامنة في النفس البشرية.
موضوعات السورة
يمكننا أن نقسم سورة غافر بحسب موضوعاتها إلى أربعة فصول:
الفصل الأول: صفات الله
تبدأ الآيات، من ٤ إلى ٢٠، بعرض افتتاحية السورة، وبيان أن الكتاب منزّل من عند الله سبحانه.
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ للمؤمنين التائبين، وهو: شَدِيدِ الْعِقابِ للعصاة المذنبين.
ثم تقرر أن الوجود كلّه مسلّم مستسلم لله جلّ وعلا، وأنه لا يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فيشذّون عن سائر الوجود بهذا الجدال، ومن ثمّ فهم لا يستحقون أن يأبه لهم رسول الله (ص) ، مهما تقلّبوا في الخير والمتاع، فإنّما هم صائرون إلى ما صارت إليه أحزاب المكذّبين قبلهم وقد أخذهم الله أخذا، بعقاب يستحق العجب والإعجاب، ومع الأخذ في الدنيا، فإن عذاب الآخرة ينتظرهم هناك. ذلك بينما حملة العرش ومن حوله يعلنون إيمانهم بربّهم، ويتوجهون
стр. 1881
إليه بالعبادة، ويستغفرون للذين آمنوا من أهل الأرض، ويدعون لهم بالمغفرة والنعيم والفلاح. وفي الوقت ذاته تعرض مشهد الكافرين وهم ينادون:
لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) .
وهم في موقف المذلة والانكسار يقرون بذنبهم، ويعترفون بربهم فلا ينفعهم الاعتراف والإقرار، ومن هذا الموقف بين يدي الله في الآخرة، يعود السياق ليعرض أمام الناس مظاهر أنعم الله عليهم، ليأخذ بأيديهم إلى طريق الإيمان بالله.
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) .
ويعرض السياق مشهد ذلك اليوم في صورة حية مؤثرة: فقد برز الجميع أمام الله جلّ وعلا، العالم بالظواهر والبواطن وفي المشهد تبلغ الروح الحلقوم، وتذهب صولة الظالمين والطغاة، فلا يجدون حميما ولا شفيعا يطاع في شفاعته لقد أصبح الملك والأمر والقضاء لله الواحد القهار.
الفصل الثاني: رجل مؤمن يجاهد بالكلمة
يستغرق الفصل الثاني الآيات [٢١- ٥٥] .
ويبدأ بلفت المشركين إلى ما أصاب المكذّبين قبلهم ثم يعرض، من قصة موسى (ع) مع فرعون وهامان وقارون، جانبا يمثل موقف الطغاة من دعوة الحق، ويعرض فيها حلقة جديدة لم تعرض في قصة موسى من قبل، ولا تعرض إلا في هذه السورة، وهي حلقة ظهور رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، يدافع عن موسى (ع) ، ويصدع بكلمة الحق والإيمان في تلطّف وحذر في أول الأمر، ثم في صراحة ووضوح في النهاية، ويعرض في جدله مع فرعون حجج الحق وبراهينه القوية الناصعة، ويحذرهم يوم القيامة، ويمثل لهم بعض مشاهده في أسلوب مؤثر، ويذكّرهم بموقفهم وموقف الأجيال قبلهم من يوسف (ع) ورسالته ويستطرد السياق بالقصة حتى يصل طرفها بالآخرة فإذا هم هناك، وإذا هم
стр. 1882
يتحاجّون في النار، وإذا حوار بين الضعفاء والذين استكبروا، وحوار لهم جميعا مع خزنة جهنّم يطلبون فيه الخلاص، ولات حين خلاص وفي ظل هذا المشهد يوضح الحق سبحانه أن العاقبة للمرسلين في الدنيا ويوم القيامة، فقد نصر الله موسى رغم جبروت فرعون ثم يدعو الرسول الأمين إلى الصبر والثقة بوعد الله الحق، والتوجه إلى الله بالتسبيح والحمد والاستغفار.
الفصل الثالث: الترغيب والترهيب
يستغرق الفصل الثالث من الآية [٥٦- ٧٧] ويبدأ بتقرير أن الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان إنما يدفعهم إلى هذا كبر في نفوسهم عن الحق، وهم أصغر وأضأل من هذا الكبر ويوجّه القلوب حينئذ إلى هذا الوجود الكبير الذي خلقه الله جلت قدرته وهذا الوجود أكبر من الناس جميعا، لعلّ المتكبّرين يتصاغرون أمام عظمة خلق الله، وتتفتّح بصيرتهم فلا يكونون عميا:
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) .
ويذكّر هذا الفصل الناس بمجيء الساعة، ثم يفتح الباب أمامهم إلى دعاء الله سبحانه والاستجابة لأمره ويبيّن لهم أنّ الذين يستكبرون عن عبادته تعالى سيدخلون جهنّم أذلاء صاغرين. ويعرض هذا القسم في هذا الموقف بعض آيات الله الكونية التي يمرون عليها غافلين، يعرض عليهم الليل وقد جعله الله سكنا، والنهار مبصرا، والأرض قرارا والسماء بناء، ويذكرهم بأنفسهم وقد صورهم، ويوجههم إلى دعوة الله مخلصين له الدين. وفي هذا القسم عينه، يأمر الله تعالى رسوله (ص) أن يبرأ من عبادة الذين يدعون من دون الله سبحانه، وأن يعلن إسلامه لرب العالمين ثم يؤكّد السياق أنّ الله الواحد هو الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة، وهو الذي يحيي ويميت. ثم يلفت الحقّ تعالى رسوله (ص) إلى أمر الذين يجادلون في الله، وينذرهم عذاب يوم القيامة في مشهد عنيف، تعلق فيه الأغلال في أعناقهم، ويسحبون في الحميم، ويحرقون في النار جزاء كفرهم
стр. 1883
وشركهم بالله وفي ضوء هذا المشهد يوجّه الله رسوله إلى الصبر والثقة بأن وعد الله حق، سواء أأبقاه حتى يشهد ما يعدهم، أم توفاه قبل أن يراه، فسيتحقق الوعد هناك.
الفصل الرابع: نهاية الظالمين
يشتمل الفصل الرابع على الآيات الأخيرة من السورة [٧٨- ٨٥] ، ويذكر أن الله أرسل رسلا وأنبياء كثيرين لهداية الناس، منهم من ذكر في القرآن، ومنهم من لم يذكر:
وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ [الآية ٧٨] ، وأن يقدم معجزة لقومه:
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الآية ٧٨] .
على أن في الكون آيات قائمة وبين أيديهم آيات قريبة، ولكنهم يغفلون عن تدبّرها ... هذه الأنعام المسخّرة لهم من سخّرها؟ وهذه الفلك التي تحملهم أليست آية يرونها؟ ومصارع الغابرين، ألا تثير في قلوبهم العظة والتقوى؟! وتختم السورة بإيقاع قوي على مصرع من مصارع المكذبين وهم يرون بأس الله فيؤمنون، حيث لا ينفعهم الإيمان:
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥) .
стр. 1884
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «غافر»
«١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «غافر» بعد سورة «الزّمر» ، وقد نزلت سورة «الزمر» بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «غافر» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أوّلها: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ [الآية ٣] وتبلغ آياتها خمسا وثمانين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة كالغرض من السورة السابقة، وهو الحث على إخلاص العبادة لله. ولهذا ذكرت بعدها، والفرق بينهما في ذلك أنّ المشركين أخذوا في السورة السابقة بطريق الدليل على فساد اعتقادهم في شفعائهم، وإن جاء فيه شيء من الترغيب والترهيب، وأخذوا في هذه السورة بطريق الترغيب والترهيب، وإن جاء فيه شيء من الطريق الأول.
التمهيد بالترهيب والترغيب الآيات [١- ١٢]
قال الله تعالى: حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) فذكر، سبحانه، من صفاته أنه عزيز عليم يغفر الذنب ويقبل التوب، ويأخذ بالعقاب الشديد، وإليه المصير. وذكر أنه لا يجادل في ذلك إلا الذين كفروا به، ونهى النبي (ص) أن يغترّ في ذلك
стр. 1885
بما اغترّوا به من تقلّبهم في البلاد، فقد سبقهم إلى هذا الغرور من كان أشدّ منهم من قوم نوح والأحزاب من بعدهم، فكذّبوا رسلهم وهمّوا بهم ليأخذوهم فأخذهم الله بعقابه وأهلكهم. ثم شرع السياق في الترغيب بعد الترهيب، وذلك بالتذكير أن الملائكة يستغفرون لمن آمن به جلّ وعلا، ويطلبون منه أن يدخلهم ما وعدهم به من جناته. ثم عاد السياق إلى ترهيب الكافرين بعذاب الآخرة بعد ترهيبهم بعذاب الدنيا، إلى قوله تعالى في بيان السّبب: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) .
الأمر بإخلاص العبادة لله الآيات [١٣- ٥٤]
ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فذكر الدليل على تفرّده بالألوهية، وأمر بإخلاص العبادة له، ثم وصف نفسه، جلّ وعلا، بأنه رفيع الدرجات يختار لرسالته من يشاء لينذر يوم التّلاقي.
ومضى في ترهيبهم بهذا اليوم إلى أن ذكر أنه ليس للظالمين فيه حميم ولا شفيع ممّا يعدّونه من دونه، وأنه هو الذي يقضي فيه بالحق، والذين يعبدون من دونه لا يقضون بشيء. ثم أخذ السياق في ترهيبهم بما حصل لمن كفر قبلهم، وكانوا أشدّ منهم قوّة وآثارا في الأرض فلم تغن عنهم قوّتهم شيئا ولا آلهتهم وذكر من أخبار هؤلاء الكفّار خبر فرعون وهامان وقارون مع موسى. وتمتاز قصتهم هنا بتفصيل ما كان فيها من مؤمن آل فرعون، إلى أن ذكر ما حاق بهم من سوء العذاب في دنياهم وأخراهم. وختم ذلك بما كان من نصر موسى وقومه: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) .
ختم السورة بالترهيب والترغيب الآيات [٥٥- ٨٥]
ثم قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) فأمر النبي (ص) بالصبر على هؤلاء المشركين المغترين بدنياهم، ووعده
стр. 1886
بالنصر عليهم، كما نصر موسى وقومه على فرعون وهامان وقارون وذكر سبحانه أن الذي يحملهم على الجدال في آياته بغير دليل تكبّرهم أن يكونوا مرؤوسين، وما هم ببالغي ما يريدون من ذلك، فلا بدّ من تحقّق وعد الله عليهم، ومهما بلغوا فإنهم لا يعجزون الذي خلق السماوات والأرض وخلق ذلك أكبر من خلق الناس. ثم ذكر سبحانه، أنه لا يستوي أمر المؤمنين وأولئك المتكبّرين، وأن الساعة التي يفصل فيها بين الفريقين آتية لا ريب فيها وأمر المؤمنين أن يستمرّوا على الإخلاص في عبادته ليستجيب لهم، ويقيهم ممّا أعدّه لمن يستكبر عن عبادته. ثمّ ذكر ممّا يوجب عبادته عليهم أنه، جلّ وعلا، هو الذي جعل لهم الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا، إلى غير هذا مما ذكره من الآيات الدّالّة على قدرته وعظمته وتفضّله وإنعامه.
ثم بيّن السّياق العجب، بعد هذا، من أولئك المتكبّرين الذين يجادلون في آيات الله. ومضى في تهديدهم على ذلك إلى قوله تعالى: ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) .
ثم أمر تعالى النبي (ص) بالصبر ووعده بالنصر عليهم، وذكر أنه سيريه في الدنيا بعض الذي يعدهم، ثمّ يرجعهم إليه فينتقم منهم أشدّ انتقام، ولكلّ من ذلك أجل يأتي فيه، وشأنه في ذلك شأن الرسل قبله، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، فإذا جاء أمره حلّ وعده عليهم. وفي سياق ترغيبهم وترهيبهم ذكر تعالى أنه هو الذي جعل لهم الأنعام لركوبهم وأكلهم، إلى غير هذا مما ذكره من نعمه عليهم، ثم أمرهم أن يسيروا في الأرض لينظروا عاقبة الذين كفروا من قبلهم، وقد اغترّوا بقوّتهم فاستهزأوا برسلهم وفرحوا بما عندهم من العلم، فلمّا أخذهم الله بعذابه قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنّا به مشركين: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥) .
стр. 1887
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «غافر»
«١» أقول: وجه إيلاء الحواميم السبع»
سورة «الزمر» : تآخي المطالع في الافتتاح بتنزيل الكتاب. وفي مصحف أبيّ بن كعب: أول الزمر (حم) وتلك مناسبة جليلة.
ثم إنّ الحواميم ترتّبت لاشتراكها في الافتتاح ب (حم) ، وبذكر الكتاب بعد (حم) ، وأنها مكية، بل ورد في الحديث أنها نزلت جملة.
وفيها شبه من ترتيب ذوات (الر) الست «٣» .
فانظر إلى ثانية الحواميم، وهي «فصّلت» ، كيف شابهت ثانية ذوات (الر) ، أي «هود» في تغيير الأسلوب في وصف الكتاب. في «هود» :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ (١) [الآية ١] ، وفي فصّلت: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ [الآية ٣] . وفي سائر ذوات (الر) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ «٤» ، وفي سائر الحواميم: تَنْزِيلُ الْكِتابِ أو وَالْكِتابِ «٥» .
وروينا عن جابر بن زيد وابن عباس في ترتيب نزول السور: أن الحواميم
стр. 1888
نزلت عقب «الزمر» ، وأنها نزلت متتاليات كترتيبها في المصحف:
«المؤمن» ، ثم «السجدة» ، ثم «الشورى» ، ثم «الزخرف» ، ثم «الدخان» ، ثم «الجاثية» ، ثم «الأحقاف» . ولم يتخلّلها نزول غيرها.
وتلك مناسبة جليّة واضحة في وضعها هذا.
ثم ظهر لي لطيفة أخرى، وهي: أنه في كل ربع من أرباع القرآن توالت سبع سور مفتتحة بالحروف المقطعة. فهذه السبع مصدرة ب (حم) وسبع في الربع الذي قبله ذوات (الر) الست متوالية، و (المص) الأعراف، فإنها متّصلة ب «يونس» على ما تقدمت الإشارة إليه. وافتتح أول القرآن بسورتين من ذلك، وأول النصف الثاني بسورتين «١» .
وقال الكرماني في «العجائب» «٢» :
ترتيب الحواميم السبع لما بينها من التشاكل الذي خصت به، وهو: أن كل سورة منها استفتحت بالكتاب أو وصفه، مع تفاوت المقادير في الطول والقصر، وتشاكل الكلام في النظام.
قلت وانظر إلى مناسبة ترتيبها، فإن مطلع غافر مناسب لمطلع الزمر، ومطلع فصلت التي هي ثانية الحواميم مناسب لمطلع هود، التي هي ثانية ذوات (الر) ومطلع الزخرف مؤاخ لمطلع الدخان، وكذا مطلع الجاثية لمطلع الأحقاف «٣» .
стр. 1889
المبحث الرابع مكنونات سورة «غافر» «١»
١- وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الآية ٢٨] أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي: أنه ابن عم فرعون. وتقدّم الخلاف في اسمه في الآية ٢٠ من سورة القصص.
٢- وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) .
قال زيد بن أسلم: هم النّبيون، والملائكة، والمؤمنون.
وقال السّدّي: الملائكة فقط.
أخرجهما ابن أبي حاتم.
стр. 1890
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «غافر» «١»
قال تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) .
أقول: ربما استطعنا أن نضع إشارات نقف عندها، فنقطّع هذه الآية على النحو الآتي:
غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير.
أقول: يتبين لنا من هذه التجزئة جمال هذا النظم البديع، الذي اتصفت به لغة القرآن، وعلى هذا يتّفق إحسان النظم مع إحكام المعاني والأغراض.
ألا ترى أنه حين جاء قوله تعالى:
غافِرِ الذَّنْبِ جاء بعده التَّوْبِ وليس «التوبة» ، ليتوفر هذا النحو من المماثلة في الأبنية، فيحسن بذلك النّظم.
ثم قال: ذِي الطَّوْلِ فتمّ بذلك ما ذهبنا إليه من حسن هذه الديباجة العامرة.
٢- وقال تعالى: رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ [الآية ٨] .
أردت أن أشير إلى أنّ الفصيح «صلح» مثل كتب، الذي ورد في الآية، قد عدل عنه في اللغة المعاصرة خطأ إلى «فعل» مثل «عظم» .
٣- وقال تعالى: كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ [الآية ٢١] .
المراد بقوله تعالى: وَآثاراً
стр. 1891
الحصون والقصور..
أقول: وهذا يؤيّد قول المعاصرين في الكلام على مصنّفات أحدهم من الكتب وغيرها: آثاره.
٤- وقال تعالى: ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) .
وهو من قولهم: «سجر التنوّر» إذا ملأه بالوقود.
أقول: وما زال هذا الفعل معروفا في العامية الدارجة في العراق، وهو بالسين فيقولون سجر التنور، مرة، وبالشين، شجر التنوّر أخرى.
وهم يتوسعون فيه فتقول الخبّازة:
خبزت «شجارا» واحدا أو «شجارين» أي: ما يعدل إيقاد التنوّر بالوقود خبزا في كل مرة.
стр. 1892
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «غافر» «١»
قال تعالى: حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ فهذا على البدل.
وأما غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ فقد يكون معرفة لأنك تقول: «هذا ضارب زيد مقبلا» إذا لم ترد به التنوين. ثم قال سبحانه ذِي الطَّوْلِ [الآية ٣] فيكون على البدل وعلى الصفة، ويجوز فيه الرفع على الابتداء والنصب على خبر المعرفة إلا في ذِي الطَّوْلِ فإنّه لا يكون فيه النصب على خبر المعرفة لأنه معرفة. و «التوب» هو جماعة التوبة ويقال «عومة» و «عوم» في «عوم السّفينة» . قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائتين] .
عوم السّفين فلمّا حال دونهم فيد القريّات فالفتكان فالكرم قال تعالى: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ [الآية ٥] بالجمع على «الكلّ» لأن الكلّ مذكّر معناه معنى الجماعة.
وقال سبحانه: وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) أي: لأنّهم أو بأنّهم وليس أَنَّهُمْ في موضع مفعول. ليس مثل قولك «أحقّت أنهم» .
وقال جلّ وعلا: وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً [الآية ٧] فانتصابه كانتصاب: «لك مثله عبدا» بجعل وَسِعْتَ ل كُلَّ شَيْءٍ وهو مفعول به، والفاعل التاء، وجعل
стр. 1893
(الرّحمة) و (العلم) تفسيرا قد شغل عنهما الفعل، كما شغل «المثل» بالهاء، فلذلك نصب تشبيها بالمفعول بعد الفاعل.
وقال تعالى: يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ [الآية ١٠] . فهذه اللام هي لام الابتداء: كأنه: يُنادَوْنَ فيقال لهم، لأنّ النداء قول. ومثله في الإعراب يقال: «لزيد أفضل من عمرو» .
وقال تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ [الآية ١٦] بإضافة المعنى، فلذلك لا ينون «اليوم» كما: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) [الذاريات] وهذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) [المرسلات] . معناه: هذا يوم فتنتهم. ولكن لما ابتدأ الاسم وبقي عليه، صار الجرّ أولى. وكانت الإضافة في المعنى إلى الفتنة، وهذا إنّما يكون إذا كان «اليوم» في معنى «إذ» ، وإلّا فهو قبيح.
ألا ترى أنك تقول «لقيتك زمن زيد أمير» أي: إذ زيد أمير. ولو قلت:
«ألقاك زمن زيد أمير» ، لم يحسن.
وقال تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ [الآية ١٥] على الابتداء.
والنصب جائز لو كان في الكلام على المدح.
وقال سبحانه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [الآية ١٦] . فهذا على ضمير «يقول» .
وقال تعالى: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ [الآية ١٨] . فانتصاب كاظِمِينَ على الحال، كأنّ المعنى:
«القلوب لدى الحناجر في هذه الحال» .
وقال تعالى: عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) . فمن نوّن جعل (المتكبّر الجبار) من صفته، ومن لم ينوّن أضاف (القلب) الى (المتكبر) .
وقال تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي [الآية ٣٦] . بعضهم يضم النون كأنه أتبعها ضمة النون التي في (هامان) كما قالوا:
«منتن» فكسروا الميم للكسرة التي في التاء، وبينها حرف ساكن فلم يحل.
وكذلك لم تحل الباء في قوله تعالى:
ابْنِ لِي.
وقال تعالى: وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ [الآية ٤٦] . فإن شئت جعلت النَّارُ بدلا من سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) ورفعتها على وَحاقَ، وإن شئت جعلتها تفسيرا ورفعتها على
стр. 1894
الابتداء كأنك تقول: «هي النار» وإن شئت جررت على أن تجعل النَّارُ بدلا من الْعَذابِ كأنّ المراد: «سوء النار» .
وقال تعالى: غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) وفيه ضمير «يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون» : غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ (٤٦) فإنّما هو مصدر كما تقول: «آتيه ظلاما» تجعله ظرفا وهو مصدر جعل ظرفا، ولو قلت «موعدك غدرة» أو «موعدك ظلام» فرفعته كما تقول: «موعدك يوم الجمعة» ، لم يحسن لأنّ هذه المصادر وما أشبهها من نحو «سحر» لا تجعل إلا ظرفا، والظرف كلّه ليس بمتمكّن.
وقال تعالى: إِنَّا كُلٌّ فِيها [الآية ٤٨] بجعل كُلٌّ اسما مبتدأ، كما تقول: «إنّا كلّنا فيها» .
وقال سبحانه: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) و (تقوم) «١» كلّ جائز، وكذلك كل جماعة مذكّر أو مؤنّث من الإنس، فالتذكير والتأنيث في فعله جائز.
وقال تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) أي «في الإبكار» . وقد تقول «بالدار زيد» تريد «زيد في الدّار» .
وقال تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [الآية ٦٠] فقوله سبحانه: أَسْتَجِبْ إنّما هو «أفعل» [وما] هذه الألف سوى ألف الوصل. ألا ترى أنّك تقول:
«بعت» «تبيع» ثم تقول «أبيع» فتجيء فيها ألف ل «أفعل» فهي نظير الياء والتاء في «يفعل» و «تفعل» تقطع كل شيء كان على «أفعل» ، في وصل كان أو قطع.
وقال تعالى: كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً [الآية ٤٧] «فالتبع» يكون واحدا وجماعة، ويجمع فيقال «أتباع» .
وقال تعالى: لِتَرْكَبُوا مِنْها [الآية ٧٩] فكأن السياق أضمر «شيئا» .
وقال سبحانه: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) وقال جلّ وعلا:
стр. 1895
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) [النساء] .
فيجوز أن يكون آل فرعون أدخلوا مع المنافقين في الدرك الأسفل، وهو أشدّ العذاب.
وأمّا قوله تعالى: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) [المائدة] . فقوله جلّ شأنه: لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً من عالم أهل زمانه.