من الإيمان، والله تعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا [الآية ١٥] ؟
قلنا: معناه إنما المؤمنون إيمانا كاملا، كما في قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر/ ٢٨] ، وقوله (ص) «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» ، وقولهم:
الرجل من يصبر على الشدائد. ويردّ على هذا الجواب أن المنفي في أول الآية عن الإعراب نفس الإيمان الكامل، فلا يناسب أن يكون المثبت بعد ذلك الإيمان الكامل بل نفس الإيمان.
стр. 2067
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحجرات» «١»
١- في قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) استعارة. وقد قرئ «لا تقدّموا» بفتح التاء والدال، والمعنيان واحد، والمراد بذلك لا تسبقوا أمر الله ورسوله بفعل ما لم يأمرا به ويندبا اليه. وقال أبو عبيدة: العرب تقول فلان تقدّم بين يدي الإمام أي تعجّل بالأمر والنهي دونه، وذلك مضادّ لما وصف الله به ملائكته، إذ يقول:
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) [الأنبياء] . ومن قرأ تُقَدِّمُوا بضم التاء فإنما يريد به لا تقدّموا كلامكم بالحكم في الأمر قبل كلام الله سبحانه وكلام رسوله (ص) ، أي قبل الوحي النازل منه، وقبل أداء رسوله إليكم ما أوحي به وأمر بتبليغه.
٢- وفي قوله سبحانه: وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الآية ١٢] ، استعارة ومبناها على أصل معروف في كلام العرب، وهو تسميتهم المغتاب بآكل لحوم الناس، حتى قال شاعرهم «٢» :
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وقال حسان بن ثابت في مرثية ابنة له «٣» :
стр. 2068
حصان رزان لا تزنّ بزنية «١» وتصبح غرثى من لحوم الغوافل أي تمسك عن غيبة النساء الغافلات عن غيبتها، فتكون بإمساكها عن الغيبة التي يسمى فاعلها آكل لحم صاحبه، كأنها غرثى أي جائعة لم تطعم شيئا، لأنّ الغيبة، لمّا سمّيت أكلا وقرما «٢» حسن أن يسمّى تركها جوعا وغرثا.
ومعنى فَكَرِهْتُمُوهُ أي عافته أنفسكم، فكرهتموه، وهذا محذوف مقدّر في الكلام دلالة. وقال بعضهم تلخيص هذا المعنى أن من دعي إلى أكل لحم أخيه ميتا فعافته نفسه وكرهه من جهة طبعه، فإنه ينبغي له، إذا دعي إلى غيبة أخيه، أن تعاف ذلك نفسه من جهة عقله، لأنه يجب أن يكره هذا عقلا كما كره الأوّل طبعا لأنّ داعي العقل أحقّ بالاتّباع من داعي الطبع، إذ كان داعي الطبع أعمى جاهلا وداعي العقل بصيرا عالما، فكلاهما في صفة الناصح، إلّا أنّ نصح العقل سليم مأمون، ونصح الطبع ظنين مدخول.
стр. 2069
سورة ق
стр. 2070
المبحث الأول أهداف سورة «ق» «١»
سورة «ق» سورة مكية آياتها ٤٥ آية، نزلت بعد سورة «المرسلات» .
سورة الخطبة
كان (ص) يخطب خطبة الجمعة بسورة «ق» حتى قالت النساء: ما حفظنا سورة «ق» إلّا من خطبة النبي (ص) بها وهي سورة تحمل أصول التوحيد وتلفت النظر الى دلائل القدرة في خلق السماء والأرض وآثار الله الملموسة في إنزال المطر وإنبات النبات، وترشد الى سنن الله في إهلاك الظالمين، واستحقاق الوعيد للمكذّبين، وتجول بالإنسان داخل نفسه، وتستعرض مشاهد القيامة وجزاء المتّقين في الجنّة، وجزاء العصاة في النار.
وقد سلكت السورة في عرض معانيها أسلوبا رائعا أخّاذا، له سيطرته على النفس والحسّ، وطريقته الفذّة في هزّ أوتار القلوب.
جاء في «ظلال القرآن»
«سورة ق سورة رهيبة، شديدة الوقع بحقائقها، شديدة الإيقاع ببنائها التعبيري وصورها وظلالها وجرس فواصلها، تأخذ على النفس أقطارها، وتلاحقها في خطراتها وحركاتها، وتتعقّبها في سرّها وجهرها وفي باطنها وظاهرها تتعقّبها برقابة الله التي
стр. 2071
لا تدعها لحظة واحدة من المولد إلى الممات، إلى البعث، إلى الحشر، إلى الحساب وهي رقابة شديدة دقيقة رهيبة، تطبق على هذا المخلوق الإنساني الضعيف إطباقا كاملا شاملا، فهو في القبضة التي لا تغفل عنه أبدا، ولا تغفل من أمره دقيقا ولا جليلا، ولا تفارقه كثيرا ولا قليلا. كلّ نفس معدود، وكلّ هاجسة معلومة، وكلّ لفظ مكتوب، وكلّ حركة محسوبة.
والرقابة الكاملة الرهيبة مضروبة في وساوس القلب، كما هي مضروبة على حركة الجوارح. ولا حجاب ولا ستار دون هذه الرقابة النافذة، المطّلعة على السرّ والنّجوى اطّلاعها على العمل والحركة، في كلّ وقت، وفي كلّ حال.
وكلّ هذه حقائق معلومة، ولكنها تعرض في الأسلوب الذي يبديها وكأنها جديدة، تروع الحس روعة المفاجأة، وتهزّ النفس هزا، وترجّها رجّا وتثير فيها رعشة الخوف، وروعة الإعجاب، ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهول الرهيب.
وذلك كلّه الى صور الحياة، وصور الموت، وصور البلى، وصور البعث وصور الحشر، وإلى إرهاص الساعة في النفس، وتوقّعها في الحسّ، وإلى الحقائق الكونية المتجلّية في السماء والأرض، وفي الماء والنبات وفي التمر والطلع» : تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) .
فواتح السور
تبدأ سورة «ق» بهذا الحرف المنفرد: «ق» .
وقد بدأت بعض سور القرآن بهذه الأحرف المقطّعة، فمنها ما بدأ بحرف واحد مثل هذه السورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) [ص] ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) [القلم] .
ومنها ما بدأ بحرفين مثل طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) [طه] ومثل يس، حم.
ومنها ما بدأ بثلاثة أحرف مثل: الر، الم، طسم.
ومنها ما بدأ بأربعة أحرف مثل:
المص، المر.
ومنها ما بدأ بخمسة أحرف مثل:
كهيعص، حم عسق.
стр. 2072
معاني هذه الفواتح:
هناك رأيان في معنى هذه الفواتح:
الرأي الأول: أنّها ممّا استأثر الله تعالى بعلمه، ولذلك نجد في تفسير الجلالين، وهو تفسير مختصر، (ق) الله أعلم بمراده به.
الرأي الثاني: أنّ لها معنى، وقد ذهبوا في معناها مذاهب شتى:
١. فمنهم من قال: هي أسماء للسور التي بدأت بها.
٢. ومنهم من قال: هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته.
روي عن الضحاك في معنى الر: أنا الله أرفع.
٣. ومنهم من قال: هي قسم.
٤. ومنهم من قال: هي حروف للتنبيه، كالجرس الذي يقرع فينبّه التلاميذ لدخول المدرسة.
٥. ومنهم من قال: هي حروف للتحدّي وبيان إعجاز القرآن.
٦. وقيل إن هذه الأحرف قد اشتملت على المعاني جميعها، التي ذكرها العلماء في تفسيرها. فهي أسماء للسور، وهي إشارة الى أسماء الله تعالى وصفاته، وهي للقسم، وهي أدوات للتنبيه، وهي حروف للتحدّي والإعجاز، وهي أيضا مما استأثر الله بعلمه.
معاني سورة «ق»
هذه سورة مكية عنيت بسوق الحجج والأدلة على قدرة الله سبحانه، على تأكيد البعث والجزاء.
وقد بدأت السورة بمواجهة المشركين، وعرض أفكارهم، وعجبهم أن يكون الرسول بشرا مثلهم كما أنهم أنكروا البعث والحشر بعد الموت، واستدلّوا بدليل ساذج، هو تفسخ الأجسام وصيرورتها ترابا.
والقرآن يوضح قدرة الله تعالى وعلمه الشامل بما تأكله الأرض من أجسامهم، فهم لا يذهبون ضياعا إذا ماتوا وكانوا ترابا أما إعادة الحياة الى هذا التراب فقد حدثت من قبل، وهي تحدث من حولهم في عمليات الإحياء المتجددة التي لا تنتهي [الآيات ١- ٥] .
ويلفت القرآن نظر الناس الى آثار قدرة الله سبحانه، فالسماء سقف مرفوع والأرض بساط تحفظه
стр. 2073
الجبال، وتجري فيه الأنهار، وينمو فيه صنوف النبات والمطر ينزل فيبعث البركة والنماء، وينبت الحب والنخيل والأعناب، ويبعث الحياة في الزرع والأرض وبمثل هذه القدرة العالية يحيي الله الموتى ويبعثهم من قبورهم، بعد جمع ما تفرّق من أجزائهم الأصلية [الآيات ٦- ١١] . ويلفت القرآن النظر الى عبرة التاريخ، ويذكّر الناس بما أصاب قوم نوح من الغرق، وما أصاب المكذّبين من الوعيد والهلاك، ومنهم أصحاب الرّسّ (والرّسّ هي البئر) وأصحاب الرّسّ بقية من ثمود، كانت لهم بئر فكذبوا نبيّهم ودسّوه في البئر وأصحاب الأيكة: وهم قوم شعيب (ع) ، والأيكة: الغيضة، وهي الشجر الملتفّ الكثيف.
وقوم تبّع، وتبّع لقب لملوك حمير باليمن.
إنّ هؤلاء الأقوام أنكروا الرسالة الإلهية، وكذّبوا رسل الله إليهم، فاستحقّوا عذاب السماء، وهذا العذاب يصيب كلّ مكذّب بالله وأنبيائه [الآيات ١٢- ١٥] .
رقابة الله جلّ وعلا
خلق الله الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وصانع الآلة أدرى بتركيبها وأسرارها، فهو سبحانه عليم بخفايا الصدور، مطّلع على هواجس النفوس، قريب من عباده لا يغيب عنهم أينما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة وهناك ملائكة تسجّل أعمال العباد وتفوض حقيقة المراد منها الى الله تعالى. ولقد عرفنا نحن البشر وسائل للتسجيل، تسجل الحركة والنبرة، كالأشرطة الناطقة وأشرطة السينما والتلفزيون، فليس ببعيد على الله أن يجعل من ملائكته شهود عيان، يحصون على الإنسان أقواله وأفعاله، بالحق والعدل: كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) [الانفطار] .
مشاهد القيامة
تحدّثت السورة عن البعث والحشر، ولفت الأنظار إلى آثار الله سبحانه في الآفاق، وإلى سننه جلّ وعلا في التاريخ، والى عجيب صنعه في حنايا البشرية. ومن إعجاز القرآن: أنه ينتقل بالمشاهد من الماضي إلى الحاضر، ويلوّن في أسلوب العرض، ويعرّض
стр. 2074
النفس الانسانية لمختلف المؤثّرات، رغبة الهداية والإصلاح. قال تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) [طه] .
وقد عرضت سورة «ق» لمشاهد القيامة، وفي مقدّمتها حضور سكرة الموت فجأة، بلا مقدّمات، والموت طالب لا يملّ الطّلب، ولا يبطئ الخطى، ولا يخلف الميعاد: ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) أي تهرب وتفزع، والآن تعلم أنه حق لا مهرب منه ولا مفرّ. وتنتقل الآيات من سكرة الموت الى وهلة الحشر وهول الحساب، وهي مشاهد تزلزل الكبرياء الجامح، وتحارب الغرور والطغيان، وتدعو للتّقى والإيمان. فملك الموت ينفخ في الصور، فيقوم الناس من القبور ويهرع الجميع الى الحساب، وتأتي كلّ نفس ومعها سائق يسوقها، وشاهد يشهد عليها، وقد يكونان هما الملكين الكاتبين الحافظين لها في الدنيا، وقد يكونان غيرهما والأول أرجح. عندئذ يتيقّن المنكر، ويرى البعث والحشر والجزاء مشاهد أمامه ينظر إليها ببصر حديد نافذ، لا يحجبه حجاب من الغفلة أو التهاون. [الآيات ١٩- ٢٢] .
ويشتدّ غضب الجبّار على العصاة المعاندين، فيأمر الله الملكين السائق والشهيد أن يلقيا في النار كلّ كفّار عنيد، منّاع للخير متجاوز للحدود، شاكّ في الدّين، قد جعل مع الله إلها آخر، فاستحقّ العذاب الشديد.
ويشتدّ الخصام بين الشيطان وأتباعه من العصاة، يحاول كلّ أن يتنصّل من تبعة جرائمه، وينتهي الحوار بين المجرمين بظهور جهنّم تتلمّظ غيظا على من عصا الله، ويلقى فيها العصاة، ولكنها تزداد نهما وشوقا لعقاب المخالفين، وتقول في كظّة «١» الأكول النّهم، كما ورد في التنزيل: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) .
وعلى الضفّة الأخرى من هذا الهول، مشهد آخر وديع أليف رضيّ جميل. إنه مشهد الجنّة تقرب من المتّقين، حتّى تتراءى لهم من قريب، مع الترحيب والتكريم [الآيات ٣١- ٣٥] .
стр. 2075
ختام السورة
في الآيات الأخيرة من السورة [٣٨- ٤٥] ، نجد ختاما مؤكّدا للمعاني السابقة، متدثّرا إيقاعا سريعا، فيه لمسة التاريخ ومصارع الغابرين، وفيه لمسة المكمون المفتوح، وفيه لمسة البعث والحشر في مشهد جديد، ومع هذه اللمسات التوجيه الموحي للمشاعر والقلوب. فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وطلوع الشمس وغروبها، ومشهد الليل الذي يعقب الغروب، كلّها ظواهر مرتبطة بالسموات والأرض والقرآن يرجع إليها التسبيح والحمد والسجود، ويضم إليها الصبر والأمل في الله القويّ القادر، فعليك يا محمّد أن تبلّغ القرآن للناس، علّهم يتّعظون أو يخافون: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥) وفي ذلك تسلية للرسول (ص) ، وتثبيت لفؤاده، وتهديد ووعيد للعصاة والكافرين.
أهداف السورة إجمالا
قال الفيروزآبادي: مقصود سورة «ق» :
إثبات النبوة للرسول (ص) وبيان حجّة التوحيد والإخبار عن إهلاك القرون الماضية وعلم الحق تعالى بضمائر الخلق وأسرارهم وذكر الملائكة الموكلين بالخلق المشرفين على أقوالهم وذكر بعث القيامة، وذلّ العصاة يومئذ ومناظرة المنكرين بعضهم بعضا في ذلك اليوم وتغيّظ الجحيم على أهله، وتشرّف الجنّة بأهلها والخبر عن تخليق السماء والأرض، وذكر نداء إسرافيل (ع) بنفخه الصور، وتكليف الرسول (ص) أن يعظ الخلق بالقرآن المجيد.
стр. 2076
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «ق» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «ق» بعد سورة المرسلات، ونزلت سورة المرسلات بعد تسع آيات من سورة النجم، ونزلت سورة النجم بعد الهجرة الأولى للحبشة، وكانت هذه الهجرة في السنة السابعة من البعثة فيكون نزول سورة «ق» في ذلك التاريخ أيضا، وتكون من السور التي نزلت فيما بين الهجرة الى الحبشة والإسراء. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لابتدائها بالقسم به، وتبلغ آياتها خمسا وأربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إنذار المشركين بعذاب الدنيا والآخرة، وإثبات ذلك بالدليل مرّة وبالترهيب أخرى وهو يعود بهذا إلى سياق السور السابقة لسور «محمد» و «الفتح» و «الحجرات» . وقد ذكرت هذه السور الثلاث في مواضعها للمناسبات السابقة فلما انتهى منها عاد السياق الى ما كان عليه قبلها، وللفصل بينها، بذلك، فائدته في تنويع الأسلوب، وتجديد نشاط السامع.
إثبات الإنذار بالعذاب الآيات [١- ٣٨]
قال الله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) فأقسم على أن النبي (ص) بعث لينذرهم
стр. 2077
بعذابه، وذكر أنهم عجبوا أن يجيئهم منذر منهم، وأن يبعثوا لذلك بعد أن يصيروا ترابا وتتفرّق أجزاؤهم، وأجاب سبحانه عن هذا بأنه يعلم ما تفرّق من أجزائهم في الأرض فيقدر على جمعها، وكذلك يعلم أعمالهم، ويحفظها في كتاب عنده ليحاسبهم عليها، ثم أخذ السياق بعد هذا في ذكر آيات الله ﷻ في السماء والأرض، ليعلموا أن من يقدر عليها يقدر على بعثهم وعذابهم وانتقل منه الى ترهيبهم بذكر ما حصل لمن كذّب قبلهم من قوم نوح وأصحاب الرّسّ وغيرهم. ثم عاد السياق الى أخذهم بالدليل، فذكر أنه، سبحانه، لم يعي بالخلق الأول حتى يعيا عن إعادته وبيّن الخلق الأول بأن الله جلّت قدرته هو الذي خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه، فلم يتركه سدّى بل وكّل به ملكين يحفظان كل ما يلفظ به فإذا مات وبعث وجد أقواله وأفعاله محفوظة في كتابهما، وألقي في جهنّم على ما كان منه من كفر ومنع للخير وغيرهما ثم ذكر السياق بعد هذا ما أعده سبحانه لمن خشيه وآمن به، جمعا بين الترهيب والترغيب ثم ذكّرهم في إطار الترهيب، بمن أهلكه الله قبلهم ممن كان أشدّ منهم بطشا، ليعلموا أنه تعالى قادر على إهلاكهم وبعثهم بعد موتهم والى ذكر خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام من غير أن يمسّه لغوب، ليستدلوا به على قدرته على ذلك أيضا ثم ختمت السورة بأمر النبي (ص) بالصبر على تكذيبهم له في ذلك، وأن يستعين على هذا بالتسبيح بحمد ربّه قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ومن الليل وأدبار السجود ثم أمره أن يستمع يوم ينادي المنادي بما يكذّبونه فيه من بعثهم، إيذانا بأنه قريب منهم، ومضى السياق في هذا الى قوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥) .
стр. 2078
المبحث الثالث مكنونات سورة «ق» «١»
١- يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ [الآية ٤١] .
هو إسرافيل (ع) . أخرجه ابن عساكر عن يزيد بن جابر.
٢- مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) .
قال قتادة: كنّا نحدّث: أنه ينادي من بيت المقدس من الصّخرة. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
стр. 2079
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «ق» «١»
١- قال تعالى: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) .
قوله تعالى: مَرِيجٍ (٥) أي:
مضطرب، يقال: مرج الخاتم في إصبعه وجرج.
٢- وقال تعالى: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) .
أقول: «النخل» : اسم جمع، يكون جمعا مؤنّثا، مراعاة لمعناه، كما في هذه الآية بدلالة «باسقات» .
وقد يكون مفردا مؤنثا، كما في قوله تعالى:
وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) [الرحمن] .
وقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) [الحاقة] .
كما يكون مفردا مذكّرا في قوله سبحانه:
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) [القمر] .
أقول: وليس لنا أن نقول شيئا في ترجّح هذه الكلمة بين الإفراد تأنيثا وتذكيرا، وبين الجمع، إلا اعتبار الناحية التاريخية، [التي أباحت اللغة فيها، مثل هذا الترجّح] .
٣- وقال تعالى: وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) .
أي: هذا شيء لديّ، وفي ملكي مهيّأ.
٤- وقال تعالى:
стр. 2080
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) .
وقوله تعالى: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ أي:
أصغى.
أقول: وإلقاء السمع، بمعنى الإصغاء، لا نعرفه في العربية المعاصرة، فقد نقول:
أرهف السمع مثلا.
стр. 2081
المبحث الخامس
المعاني اللغوية في سورة «ق» «١» قال تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) قسم على قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [الآية ٤] .
وقال سبحانه: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) لم يذكر «انه رجع» وذلك، والله أعلم، لأنه كان على جواب كأنه قيل لهم: إنّكم ترجعون.
فقالوا: «أإذا كنا ترابا ذلك رجع بعيد» .
وقال تعالى: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ [الآية ١٥] تقول: لبست عليه لبسا.
وقال سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) بذكر أحدهما والاستغناء عن الآخر. فلم يقل: «عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد» . ومثل ذلك في قوله جل شأنه فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [النساء/ ٤] ، وقوله سبحانه يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر/ ٦٧] بالاستغناء بالواحد عن الجمع.
وقال سبحانه: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) أي: أملك به، وأقرب إليه في المقدرة عليه.
стр. 2082
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «ق» «١»
إن قيل: أين جواب القسم في قوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) ؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها أنه مضمر تقديره: إنهم مبعوثون بعد الموت.
الثاني: أنّه قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [الآية ٤] واللام محذوفة لطول الكلام والتقدير: لقد علمنا كما في قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) [الشمس] .
الثالث: أنه قوله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ [الآية ١٨] .
فإن قيل: لم قال تعالى: وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وقد أراد به الحبّ الحصيد، فأضاف الشيء إلى نفسه والإضافة تقتضي المغايرة بين المضاف والمضاف إليه؟
قلنا: معناه وحبّ الزرع الحصيد، أو النبات الحصيد. الثاني: أن إضافة الشيء الى نفسه جائزة عند اختلاف اللفظين، كما في قوله تعالى حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) [الواقعة] . وحَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) ، ووَعْدَ الصِّدْقِ [الأحقاف/ ١٦] .
فإن قيل: لم قال تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ولم يقل قعيدان، وهو وصف للملكين اللذين سبق ذكرهما بقوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ [الآية ١٧] ؟
قلنا: معناه عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، إلا أنه حذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، كما قال الشاعر:
стр. 2083
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
وقال آخر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطويّ رماني
الثاني: أنّ فعيلا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، قال الله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) [التحريم] . وقيل إنّما لم يقل قعيدان، رعاية لفواصل السورة.
فإن قيل: لم قال تعالى: أَلْقِيا [الآية ٢٤] والخطاب لواحد، وهو مالك خازن النار؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها: ما قاله المبرّد أن تثنية الفاعل أقيمت مقام تثنية الفعل للتأكيد باتحادهما حكما، كأنه قال ألق ألق، ونظيره قول امرئ القيس:
قفا نبك: أي قف قف. الثاني: أن العرب كثيرا ما يرافق الرجل منهم اثنان، فكثر على ألسنتهم خطاب الاثنين فقالوا: خليليّ وصاحبيّ، وقفا، واسمدا، وعوجا ونحو ذلك قال الفراء: سمعت ذلك من العرب كثيرا، قال وأنشدني بعضهم:
فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجتزّ شيحا
فقال لا تحبسانا والخطاب لواحد، بدليل قوله لصاحبي قال: وأنشدني أبو ثور:
فإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنّعا
وقال امرؤ القيس:
خليلىّ مرّا بي على أمّ جندب ... نقضّي لبانات الفؤاد المعذّب
ثم قال:
ألم تر أني كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
الثالث: أنه أمر للملكين، اللذين سبق ذكرهما، بقوله تعالى: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) .
فإن قيل: لم قال تعالى: غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) ولم يقل غير بعيدة، وهو وصف للجنة؟
قلنا: لأنه على زنة المصادر كالزّبير والصّليل، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكّر والمؤنث، أو على حذف الموصوف: أي مكانا غير بعيد،
стр. 2084
وكلا الجوابين للزمخشري، رحمه الله تعالى.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) بعد قوله سبحانه: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ [الآية ٣١] بمعنى قربت؟
قلنا: فائدته التأكيد، كقولهم: هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل.
فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [الآية ٣٧] وكل إنسان له قلب، بل كل حيوان؟
قلنا: المراد بالقلب هنا العقل، كذا قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قال ابن قتيبة: لمّا كان القلب موضعا للعقل كنّي به عنه. الثاني: أنّ المراد لمن كان له قلب واع لأن من لا يعي قلبه، فكأنه لا قلب له ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [الأعراف/ ١٧٩] .
стр. 2085
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «ق» «١»
قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) . أراد سبحانه أنه يعلم غيب الإنسان ووساوس إضماره، ونجيّ أسراره. فكأنه، باستبطانه ذلك منه، أقرب إليه من وريده. لأن العالم بخفايا قلبه، أقرب إليه من عروقه وعصبه.
وليس القرب هاهنا من جهة المسافة والمساحة، ولكن من جهة العلم والإحاطة.
وفي قوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) استعارة. والمراد بسكرة الموت هاهنا:
الكرب الذي يتغشّى المحتضر عند الموت، فيفقد له تمييزه، ويفارق معه معقوله. فشبّه تعالى ذلك بالسّكرة من الشراب، إلا أنّ هذه السّكرة مؤلمة.
وقوله تعالى: بِالْحَقِّ يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جاءت بالحقّ من أمر الآخرة، حتى عرفه الإنسان اضطرارا، ورآه جهارا. والآخر أن يكون المراد بِالْحَقِّ هاهنا أي بالموت، الذي هو الحقّ.
وفي قوله سبحانه: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) استعارة، والمراد بها ما يراه الإنسان عند زوال التكليف عنه، من أعلام السّاعة، وأشراط القيامة، فتزول عنه اعتراضات الشكوك، ومشتبهات الأمور، يصدّق بما كذّب، ويقرّ بما جحد، ويكون كأنّه قد نفذ
стр. 2086
بصره بعد وقوف، وأحدّ بعد كلال ونبوّ. فهذا معنى قوله سبحانه: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) .
وفي قوله تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) استعارة:
لأن الخطاب للنار والجواب منها، في الحقيقة لا يصحان. وإنما المراد- والله أعلم- أنها في ما ظهر من امتلائها، وبان من اغتصاصها بأهلها، بمنزلة الناطقة بأنه لا مزيد فيها، ولا سعة عندها. وذلك كقول الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني
ولم يكن هناك قول من الحوض على الحقيقة، ولكن المعنى أن ما ظهر من امتلائه في تلك الحال، جار مجرى القول منه فأقام تعالى الأمر المدرك بالعين، مقام القول المسموع بالأذن.
وقيل: المعنى أنّا نقول لخزنة جهنّم هذا القول، ويكون الجواب منهم على حدّ الخطاب. ويكون ذلك من قبيل:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف/ ٨٢] بإسقاط المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
وذلك كقولهم: يا خيل الله اركبي.
والمراد يا رجال الله اركبي.
وعلى القول الأول، يكون مخرج هذا القول لجهنّم على طريق التقرير، لاستخراج الجواب بظاهر الحال، لا على طريق الاستفهام والاستعلام. إذ كان الله سبحانه قد علم امتلاءها قبل أن يظهر ذلك فيها. وإنما قال سبحانه هذا الكلام ليعلم الخلائق صحّة وعده، إذ يقول تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) [هود] . والوجه في قوله تعالى في الحكاية عن جهنم:
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) بمعنى لا من مزيد فيّ. وليس ذلك على طريق طلب الزيادة، وهذا معروف في الكلام.
ومثله قوله (ص) : «وهل ترك عقيل لنا من دار؟» «١» ، أي ما ترك لنا دارا.
وفي قوله :
стр. 2087
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) استعارة مضى نظير لها في ما تقدّم. والمعنى أنه بالغ في الإصغاء الى الذّكرى، وأشهدها قلبه فكان كالملقي إليها سمعه، دنوّا من سماعها، وميلا الى قائلها.
والمراد بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [الآية ٣٧] أي عقل ولبّ. ويعبّر عنهما بالقلب، لأنهما يكونان بالقلب. أو يكون المعنى: لمن كان به قلب ينتفع به.
لأنّ من القلوب مالا ينتفع به، إذا كان مائلا إلى الغيّ، ومنصرفا عن الرّشد.
стр. 2088
الفهرس
سورة «غافر» المبحث الأول أهداف سورة «غافر» ٣ روح السورة ٣ موضوعات السورة ٤ الفصل الأول: صفات الله ٤ الفصل الثاني: رجل مؤمن يجاهد بالكلمة ٥ الفصل الثالث: الترغيب والترهيب ٦ الفصل الرابع: نهاية الظالمين ٧ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «غافر» ٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٩ الغرض منها وترتيبها ٩ التمهيد بالترهيب والترغيب ٩ الأمر بإخلاص العبادة ١٠ ختم السورة بالترهيب والترغيب ١٠
стр. 2089
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «غافر» ١٣ المبحث الرابع مكنونات سورة «غافر» ١٥ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «غافر» ١٧ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «غافر» ١٩ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «غافر» ٢٣ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «غافر» ٢٧
سورة «فصلت»
المبحث الأول أهداف سورة «فصّلت» ٣١ روح السورة ٣١ موضوعا السورة ٣٢ الموضوع الأول ٣٢ الموضوع الثاني ٣٢ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «فصّلت» ٣٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٣٥
стр. 2090
الغرض منها وترتيبها ٣٥ بيان الغرض من نزول القرآن ٣٥ شرف الغرض الذي تدعو اليه ٣٦ المبحث الثالث مكنونات سورة «فصّلت» ٣٩ المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «فصّلت» ٤١ المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «فصّلت» ٤٣ المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «فصّلت» ٤٧ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «فصّلت» ٤٩
سورة «الشورى»
المبحث الأول أهداف سورة «الشورى» ٥٥ روح السورة ٥٥ موضوع السورة ٥٦ الفصل الأول: وحدة أهداف الرسالات ٥٦ الفصل الثاني: صفات الجماعة المسلمة ٥٨ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الشورى» ٦١
стр. 2091
تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٦١ الغرض منها وترتيبها ٦١ اتفاق الرّسل على شرع الإسلام ٦١ المبحث الثالث مكنونات سورة «الشورى» ٦٥ المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الشورى» ٦٧ المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الشورى» ٦٩ المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الشورى» ٧١ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الشورى» ٧٥
سورة «الزخرف»
المبحث الأول أهداف سورة «الزخرف» ٧٩ أفكار السورة ٧٩ فصول السورة ٨٠ ١- شبهات الكافرين ٨٠ ٢- مناقشة ومحاجة ٨١ ٣- من أساطير المشركين ٨٢
стр. 2092
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الزخرف» ٨٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٨٥ الغرض منها وترتيبها ٨٥ التمهيد لتنزيه الله سبحانه عن الأولاد ٨٥ إبطال بنوة الملائكة ٨٦ إبطال بنوة عيسى ٨٧ المبحث الثالث مكنونات سورة «الزخرف» ٨٩ المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الزخرف» ٩١ المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الزخرف» ٩٣ المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الزخرف» ٩٧ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الزخرف» ١٠١
سورة «الدخان»
المبحث الأول أهداف سورة «الدخان» ١٠٥ أفكار السورة ١٠٥ فضل السورة ١٠٥
стр. 2093
سياق السورة ١٠٦ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الدخان» ١٠٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٠٩ الغرض منها وترتيبها ١٠٩ إنزال يوم العذاب ١٠٩ المبحث الثالث مكنونات سورة «الدخان» ١١١ المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الدخان» ١١٣ المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الدخان» ١١٥ المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الدخان» ١١٧ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الدخان» ١١٩
سورة «الجاثية»
المبحث الأول أهداف سورة «الجاثية» ١٢٣ الغرض من السورة ١٢٣ سمات السورة ١٢٤ منهج السورة ١٢٤
стр. 2094
درسان في السورة ١٢٥ شبهات الكفر وأدلة الإيمان ١٢٥ عناد الكافرين وعقابهم يوم الدين ١٢٦ مشاهد القيامة ١٢٧ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الجاثية» ١٢٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٢٩ الغرض منها وترتيبها ١٢٩ إثبات وجود الله تعالى ١٢٩ الرد على الدهرية ١٣٠ المبحث الثالث لغة التنزيل في سورة «الجاثية» ١٣٣ المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «الجاثية» ١٣٥ المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «الجاثية» ١٣٧ المبحث السادس المعاني المجازية في سورة «الجاثية» ١٣٩
سورة «الأحقاف»
المبحث الأول أهداف سورة «الأحقاف» ١٤٣ سورة الإيمان والتوحيد ١٤٣
стр. 2095
أربعة مقاطع ١٤٤ ١- نقاش المشركين ١٤٤ ٢- الفطرة السليمة والفطرة السقيمة ١٤٥ ٣- قصة عاد ١٤٧ ٤- إيمان الجن ١٤٩ مقصود السورة اجمالا ١٥٠ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأحقاف» ١٥١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٥١ الغرض منها وترتيبها ١٥١ إنذار الكفار بالعذاب ١٥١ المبحث الثالث مكنونات سورة «الأحقاف» ١٥٥ المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الأحقاف» ١٦١ المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الأحقاف» ١٦٣ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الأحقاف» ١٦٥
стр. 2096
سورة «محمد» (ص)
المبحث الأول أهداف سورة «محمد» (ص) ١٦٩ ١- التحريض على قتال المشركين ١٦٩ ٢- خصال المنافقين ١٧١ ٣- حديث عن المشركين والمؤمنين ١٧٣ مقصود السورة اجمالا ١٧٤ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «محمد» (ص) ١٧٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٧٥ الغرض منها وترتيبها ١٧٥ التحريض على القتال ١٧٥ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «محمد» (ص) ١٧٩ المبحث الرابع مكنونات سورة «محمد» (ص) ١٨١ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «محمد» (ص) ١٨٣ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «محمد» (ص) ١٨٥ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «محمد» (ص) ١٨٧
стр. 2097
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «محمد» (ص) ١٨٩
سورة «الفتح»
المبحث الأول أهداف سورة «الفتح» ١٩٣ صلح الحديبية ١٩٣ بيعة الرضوان ١٩٤ شروط الصلح ١٩٥ الأحداث وسورة «الفتح» ١٩٦ الله يبارك بيعة الرضوان ١٩٦ ظهور الإسلام ١٩٧ وصف الصحابة ١٩٨ مقاصد السورة الاجمالية ١٩٨ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفتح» ٢٠١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٠١ الغرض منها وترتيبها ٢٠١ التنويه بصلح الحديبية ٢٠١ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفتح» ٢٠٥ المبحث الرابع مكنونات سورة «الفتح» ٢٠٧
стр. 2098
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفتح» ٢٠٩ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الفتح» ٢١١ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الفتح» ٢١٣ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الفتح» ٢١٧
سورة «الحجرات»
المبحث الأول أهداف سورة «الحجرات» ٢٢١ الآداب العامة ٢٢١ منهج الحياة ٢٢١ معاني السورة ٢٢٢ الإيمان قول وعمل ٢٢٤ الهدف الاجمالي للسورة ٢٢٤ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحجرات» ٢٢ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٢٥ الغرض منها وترتيبها ٢٢٥ أدب المؤمنين مع الله ورسوله ٢٢٦ أدب المؤمنين في سماع الأخبار ٢٢٦ ترغيب المؤمنين في الصلح ٢٢٦
стр. 2099
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «ص» ٢٢٩ المبحث الرابع مكنونات سورة «الحجرات» ٢٣١ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحجرات» ٢٣٣ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحجرات» ٢٣٥ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحجرات» ٢٣٧ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحجرات» ٢٤٠
سورة «ق»
المبحث الأول أهداف سورة «ق» ٢٤٥ سورة الخطبة ٢٤٥ جاء في «ظلال القرآن» ٢٤٥ فواتح السور ٢٤٦ معاني سورة «ق» ٢٤٧ رقابة الله جلّ وعلا ٢٤٨ مشاهد القيامة ٢٤٨ ختام السورة ٢٥٠
стр. 2100
أهداف السورة إجمالا ٢٥٠ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «ق» ٢٥١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٥١ الغرض منها وترتيبها ٢٥١ إثبات الإنذار بالعذاب ٢٥١ المبحث الثالث مكنونات سورة «ق» ٢٥٣ المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «ق» ٢٥٥ المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «ق» ٢٥٧ المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «ق» ٢٥٩ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «ق» ٢٦٣
стр. 2101
الجزء التاسع
سورة الذّاريات (٥١)
стр. 2102
المبحث الأول أهداف سورة «الذّاريات» «١»
سورة مكّيّة وآياتها ستّون آية، نزلت بعد سورة الأحقاف.
معاني السورة
بدأت السورة بهذا القسم:
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وهي كلمات غير مطروقة وغير متداولة، وقد سئل الإمام علي كرّم الله وجهه، عن معنى قوله تعالى:
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فقال ﵁: هي الريح، فسئل عن فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فقال: هي السحاب، فسئل عن فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فقال: هي السفن، فسئل عن فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) فقال: هي الملائكة.
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) هي الريح التي تذرو التراب وغيره، فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) أي السحب الحاملة للمطر، والوقر الحمل الثقيل، فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) أي السفن الجارية في البحر جريا سهلا، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) أي الملائكة التي تقسم وتوزع أمور الله من الأمطار والأرزاق وغيرها.
لقد أقسم الله، ﷻ ، بالريح وبالسحب وبالسفن وبالملائكة، وفي هذا القسم ما يوحي بأن الرزق بيد الله، فهو الذي يسوق السحاب، وهو الذي يسخر الريح للسفن، وهو الذي جعل الملائكة أصنافا تقسم الأمور، فالخلق
стр. 2103
البديع المنظم وراءه قوة عليا مبدعة، هي قوّته سبحانه الذي وعد الناس أن يجازيهم بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، ووعده واقع لا محالة.
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) الحبك بضمتين جمع حبيكة وهي الطريق ومدار الكواكب. والمراد الطرائق التي هي مسير الأجرام السماوية من نجوم وكواكب، يقسم الله عزّ وعلا بالسماء المتّسقة المحكمة الترتيب، بما فيها من نجوم وكواكب تسلك طريقها مسرعة في مجراتها العظيمة بنظام دقيق وإبداع شامل، على أن المشركين يخوضون في حديث باطل وقول متناقض مضطرب، فصنع الله محكم، وعمل الكافرين باطل مضطرب، فتراهم حينا يقولون عن النبي (ص) إنّه شاعر، وتارة يقولون: ساحر، ومرة ثالثة يقولون: مجنون. وهذا دليل على التخبط وفساد الرأي.
وقد رسمت السورة صورة الكافرين يذوقون عذاب جهنم ويقال لهم: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) .
أي تعرضوا لعذاب النار وقد كنتم تستعجلون مجيئه، استهزاء بأمره واستبعادا لوقوعه.
وعلى الضفّة الاخرى، وفي الصفحة المقابلة، يرتسم مشهد آخر لفريق آخر، فريق مستيقن بالآخرة، مستيقظ للعمل الصالح، فريق المتقين الذين أدّوا حقوق الله سبحانه بالصلاة وقيام الليل، وأدّوا حقوق الناس بالزكاة والصدقة.
آيات الله في الأرض والسماء
تشير الآية ٢٠ الى آثار قدرة الله في خلق الأرض، فيقول سبحانه: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) . وإذا تأمّلنا مضمون هذه الآية، وجدنا أنّ هذا الكوكب الذي نعيش عليه معرض هائل لآيات الله وعجائب صنعته، هذه الأرض تكاد تنفرد باستعدادها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته، ولو اختلّت خصيصة واحدة من خصائص الأرض الكبيرة جدا لتعذر وجود هذا النوع من الحياة عليها. ولو تغيّر حجمها صغرا أو كبرا، لو تغيّر وضعها من الشمس قربا أو بعدا، لو تغيّر حجم الشمس ودرجة حرارتها، لو تغير ميل الأرض على محورها هنا أو هنا، لو
стр. 2104
تغيّرت حركتها حول نفسها أو حول الشمس سرعة أو بطئا، لو تغيّر حجم القمر أو بعده عنها، لو تغيّرت نسبة الماء الى اليابس فيها زيادة أو نقصا ... لو ... لو ... لو، الى آلاف الموافقات العجيبة المعروفة والمجهولة التي تتحكم في صلاحيتها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته، أليست هذه آية، أو آيات معروضة في هذا المعرض الالهي؟
«وتنوع مشاهد هذه الأرض ومناظرها، حيثما امتدّ الطرف، وحيثما تنقلت القدم، وعجائب هذه المشاهد التي لا تنفد: من واد وجبل، ووهاد وبطاح، وبحار وبحيرات، وأنهار وغدران، وقطع متجاورات، وجنّات وأعناب، وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ... وكل مشهد من هذه المشاهد تتناوله يد الإبداع والتغيير الدائبة التي لا تفتر عن الإبداع والتغيير» .
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) خلق الله الإنسان، ونفخ فيه من روحه، وشق له السمع والبصر وزوّده بالحواس المتعددة، ووسائل الإدراك المختلفة.
«وحيثما وقف الإنسان يتأمّل عجائب نفسه، التقى أسرارا تدهش وتحيّر:
تكوين أعضائه وتوزيعها، وظائفها وطريقة أدائها لهذه الوظائف، عملية الهضم والامتصاص، عملية التنفّس والاحتراق، دورة الدم في القلب والعروق، الجهاز العصبي وتركيبه وإدارته للجسم، الغدد وإفرازها وعلاقتها بنمو الجسد وانتظامه، تناسق هذه الأجهزة كلّها وتعاونها وتجاوبها الكامل الدقيق، وكل من هذه تنطوي تحتها عجائب وفي كل عضو وكل جزء من عضو خارقة تحيّر الألباب» .
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) .
فبيد الله الخلق والرزق والهدى والضلال، وأرزاق السماء تشمل الأرزاق المادية والمعنوية.
وفي السماء أسباب أقواتكم، فالظواهر الفلكية، وجريان الشموس والكواكب وتوابعها، واختلاف الليل والنهار، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وبثّ فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخّر بين السماء والأرض، كل هذه الظواهر ذلّلها الله لخدمة الإنسان، فليس الرزق موقوفا
стр. 2105
على شيء يتعلق بالأرض وحدها، بل الأمر كله لله تعالى، يقبض ويبسط وإليه المآب.
ثم يعقب الله سبحانه بالقسم: بحق رب الأرض والسماء إن هذا الأمر لحق مثل نطقكم، فهل تشكّون في أنكم تنطقون؟.
قصة ابراهيم
يشتمل القطاع الثاني من سورة «الذاريات» على الإشارة الى قصص إبراهيم ولوط وموسى (ع) ، وعاد قوم هود (ع) ، وثمود قوم صالح (ع) ، ثم آية عن قوم نوح (ع) . وهذا القصص مرتبط بما قبله، ومرتبط بما بعده في سياق السورة.
وإبراهيم (ع) أبو البشر اتخذه الله سبحانه، خليلا، وأرسل اليه ملائكة مكرّمين، فأكرم الخليل وفادتهم، وقرّب لهم عجلا سمينا، ودعاهم للأكل منه، ولكنّهم أمسكوا عن الطعام، فخاف منهم إبراهيم. فلما أحسّوا خوفه أخبروه بأنهم ملائكة من السماء أرسلهم الله إليه، ثم بشروه بغلام حليم.
وأقبلت زوجته، وقد استولى عليها هول المفاجأة، فضربت وجهها بأطراف أصابعها، وصاحت متعجّبة من الحمل، وهي عجوز عقيم، فأخبرتها الملائكة بأنه لا وجه للعجب، كذلك أمر الله، وهو الحكيم في أعماله العليم بعباده.
قصة لوط
واتّجهت الملائكة بعد ذلك الى لوط (ع) ، فلما رآهم لوط أنكرهم وضاق بهم ذرعا، فقالت له الملائكة:
يا لوط إنا رسل ربّك، جئنا لإنقاذك ومن معك من المؤمنين، فأسر بأهلك في ظلام الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، فقد حقت عليها كلمة العذاب مثل هؤلاء الظالمين.
ولم تجد الملائكة في قرى قوم لوط غير أهل بيت واحد من المسلمين: هو لوط وابنتاه.
ولما خرج لوط وابنتاه، جعل الله ديارهم عاليها سافلها، وساق إليهم عاصفة رعدية أمطرتهم بحجارة مسمومة، استأصلت شأفتهم وتركتهم أثرا بعد عين، وجعلهم الله عظة وعبرة للمعتبرين.