المبحث الأول أهداف سورة «الذّاريات» «١»
سورة مكّيّة وآياتها ستّون آية، نزلت بعد سورة الأحقاف.
معاني السورة
بدأت السورة بهذا القسم:
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وهي كلمات غير مطروقة وغير متداولة، وقد سئل الإمام علي كرّم الله وجهه، عن معنى قوله تعالى:
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فقال ﵁: هي الريح، فسئل عن فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فقال: هي السحاب، فسئل عن فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فقال: هي السفن، فسئل عن فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) فقال: هي الملائكة.
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) هي الريح التي تذرو التراب وغيره، فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) أي السحب الحاملة للمطر، والوقر الحمل الثقيل، فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) أي السفن الجارية في البحر جريا سهلا، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) أي الملائكة التي تقسم وتوزع أمور الله من الأمطار والأرزاق وغيرها.
لقد أقسم الله، ﷻ ، بالريح وبالسحب وبالسفن وبالملائكة، وفي هذا القسم ما يوحي بأن الرزق بيد الله، فهو الذي يسوق السحاب، وهو الذي يسخر الريح للسفن، وهو الذي جعل الملائكة أصنافا تقسم الأمور، فالخلق
стр. 2103
البديع المنظم وراءه قوة عليا مبدعة، هي قوّته سبحانه الذي وعد الناس أن يجازيهم بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، ووعده واقع لا محالة.
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) الحبك بضمتين جمع حبيكة وهي الطريق ومدار الكواكب. والمراد الطرائق التي هي مسير الأجرام السماوية من نجوم وكواكب، يقسم الله عزّ وعلا بالسماء المتّسقة المحكمة الترتيب، بما فيها من نجوم وكواكب تسلك طريقها مسرعة في مجراتها العظيمة بنظام دقيق وإبداع شامل، على أن المشركين يخوضون في حديث باطل وقول متناقض مضطرب، فصنع الله محكم، وعمل الكافرين باطل مضطرب، فتراهم حينا يقولون عن النبي (ص) إنّه شاعر، وتارة يقولون: ساحر، ومرة ثالثة يقولون: مجنون. وهذا دليل على التخبط وفساد الرأي.
وقد رسمت السورة صورة الكافرين يذوقون عذاب جهنم ويقال لهم: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) .
أي تعرضوا لعذاب النار وقد كنتم تستعجلون مجيئه، استهزاء بأمره واستبعادا لوقوعه.
وعلى الضفّة الاخرى، وفي الصفحة المقابلة، يرتسم مشهد آخر لفريق آخر، فريق مستيقن بالآخرة، مستيقظ للعمل الصالح، فريق المتقين الذين أدّوا حقوق الله سبحانه بالصلاة وقيام الليل، وأدّوا حقوق الناس بالزكاة والصدقة.
آيات الله في الأرض والسماء
تشير الآية ٢٠ الى آثار قدرة الله في خلق الأرض، فيقول سبحانه: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) . وإذا تأمّلنا مضمون هذه الآية، وجدنا أنّ هذا الكوكب الذي نعيش عليه معرض هائل لآيات الله وعجائب صنعته، هذه الأرض تكاد تنفرد باستعدادها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته، ولو اختلّت خصيصة واحدة من خصائص الأرض الكبيرة جدا لتعذر وجود هذا النوع من الحياة عليها. ولو تغيّر حجمها صغرا أو كبرا، لو تغيّر وضعها من الشمس قربا أو بعدا، لو تغيّر حجم الشمس ودرجة حرارتها، لو تغير ميل الأرض على محورها هنا أو هنا، لو
стр. 2104
تغيّرت حركتها حول نفسها أو حول الشمس سرعة أو بطئا، لو تغيّر حجم القمر أو بعده عنها، لو تغيّرت نسبة الماء الى اليابس فيها زيادة أو نقصا ... لو ... لو ... لو، الى آلاف الموافقات العجيبة المعروفة والمجهولة التي تتحكم في صلاحيتها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته، أليست هذه آية، أو آيات معروضة في هذا المعرض الالهي؟
«وتنوع مشاهد هذه الأرض ومناظرها، حيثما امتدّ الطرف، وحيثما تنقلت القدم، وعجائب هذه المشاهد التي لا تنفد: من واد وجبل، ووهاد وبطاح، وبحار وبحيرات، وأنهار وغدران، وقطع متجاورات، وجنّات وأعناب، وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ... وكل مشهد من هذه المشاهد تتناوله يد الإبداع والتغيير الدائبة التي لا تفتر عن الإبداع والتغيير» .
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) خلق الله الإنسان، ونفخ فيه من روحه، وشق له السمع والبصر وزوّده بالحواس المتعددة، ووسائل الإدراك المختلفة.
«وحيثما وقف الإنسان يتأمّل عجائب نفسه، التقى أسرارا تدهش وتحيّر:
تكوين أعضائه وتوزيعها، وظائفها وطريقة أدائها لهذه الوظائف، عملية الهضم والامتصاص، عملية التنفّس والاحتراق، دورة الدم في القلب والعروق، الجهاز العصبي وتركيبه وإدارته للجسم، الغدد وإفرازها وعلاقتها بنمو الجسد وانتظامه، تناسق هذه الأجهزة كلّها وتعاونها وتجاوبها الكامل الدقيق، وكل من هذه تنطوي تحتها عجائب وفي كل عضو وكل جزء من عضو خارقة تحيّر الألباب» .
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) .
فبيد الله الخلق والرزق والهدى والضلال، وأرزاق السماء تشمل الأرزاق المادية والمعنوية.
وفي السماء أسباب أقواتكم، فالظواهر الفلكية، وجريان الشموس والكواكب وتوابعها، واختلاف الليل والنهار، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وبثّ فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخّر بين السماء والأرض، كل هذه الظواهر ذلّلها الله لخدمة الإنسان، فليس الرزق موقوفا
стр. 2105
على شيء يتعلق بالأرض وحدها، بل الأمر كله لله تعالى، يقبض ويبسط وإليه المآب.
ثم يعقب الله سبحانه بالقسم: بحق رب الأرض والسماء إن هذا الأمر لحق مثل نطقكم، فهل تشكّون في أنكم تنطقون؟.
قصة ابراهيم
يشتمل القطاع الثاني من سورة «الذاريات» على الإشارة الى قصص إبراهيم ولوط وموسى (ع) ، وعاد قوم هود (ع) ، وثمود قوم صالح (ع) ، ثم آية عن قوم نوح (ع) . وهذا القصص مرتبط بما قبله، ومرتبط بما بعده في سياق السورة.
وإبراهيم (ع) أبو البشر اتخذه الله سبحانه، خليلا، وأرسل اليه ملائكة مكرّمين، فأكرم الخليل وفادتهم، وقرّب لهم عجلا سمينا، ودعاهم للأكل منه، ولكنّهم أمسكوا عن الطعام، فخاف منهم إبراهيم. فلما أحسّوا خوفه أخبروه بأنهم ملائكة من السماء أرسلهم الله إليه، ثم بشروه بغلام حليم.
وأقبلت زوجته، وقد استولى عليها هول المفاجأة، فضربت وجهها بأطراف أصابعها، وصاحت متعجّبة من الحمل، وهي عجوز عقيم، فأخبرتها الملائكة بأنه لا وجه للعجب، كذلك أمر الله، وهو الحكيم في أعماله العليم بعباده.
قصة لوط
واتّجهت الملائكة بعد ذلك الى لوط (ع) ، فلما رآهم لوط أنكرهم وضاق بهم ذرعا، فقالت له الملائكة:
يا لوط إنا رسل ربّك، جئنا لإنقاذك ومن معك من المؤمنين، فأسر بأهلك في ظلام الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، فقد حقت عليها كلمة العذاب مثل هؤلاء الظالمين.
ولم تجد الملائكة في قرى قوم لوط غير أهل بيت واحد من المسلمين: هو لوط وابنتاه.
ولما خرج لوط وابنتاه، جعل الله ديارهم عاليها سافلها، وساق إليهم عاصفة رعدية أمطرتهم بحجارة مسمومة، استأصلت شأفتهم وتركتهم أثرا بعد عين، وجعلهم الله عظة وعبرة للمعتبرين.
стр. 2106
إشارات الى قصص الأنبياء
أشارت الآيات [٣٨- ٤٦] الى العبرة والعظة من قصة موسى (ع) ، ومن قصص غيره من الأنبياء في لمحة عاجلة.
لقد أرسل الله موسى ومعه سلطان الهيبة وجلال النبوة، إلى فرعون وملئه، فأعرض فرعون عن موسى واتهمه بالسحر والجنون، فأغرق الله فرعون وجنده في البحر وألبسه ثوب الخزي والندم.
وآية أخرى في عاد قوم نبي الله هود (ع) ، حينما كذبوا نبيهم فأرسل الله، ﷻ ، عليهم ريحا عاتية تحمل العذاب والدمار.
وآية ثالثة في ثمود أمهلهم الله ثلاثة أيام، ثم أرسل عليهم صاعقة فأصبحوا هالكين.
والحجارة التي أرسلت على قوم لوط (ع) ، والريح التي ارسالات على عاد، والصاعقة التي أرسلت على ثمود، كلها قوى كونية مدبرة بأمر الله سبحانه، مسخّرة بمشيئته ونواميسه، يسلطها على من يشاء في إطار تلك النواميس فتؤدّي دورها الذي يكلّفها الله، كأيّ جند من جند الله.
آية رابعة في قوم نوح (ع) ، فقد أهلكوا وأغرقوا لفسوقهم وكفرهم وخروجهم عن طاعة الله عزّ وعلا.
وللتنبيه الى بدائع صنعه إيقاظا للعاطفة الدينية، عاد السياق فذكر أنّ الله تعالى رفع السماء ووسّعها، وخلق الأرض ومهّدها، وأعدّها لما عليها من الكائنات ومن كل شيء في هذه الأرض، ذكرا وأنثى ليكون ذلك وسيلة للعظة والاعتبار.
ثم يحث القرآن الناس على أن يتخلّصوا من آثار المادّة والهوى والشيطان، فرارا بدينهم، وطمعا في رحمة خالقهم، وأن يلجئوا إلى حماه وفضله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) .
وتكشف الآيات عن طبيعة المعاندين في جميع العصور، فقد كذّبوا الرسل واتّهموهم بالجنون أو السحر، كأنّما وصى السابق منهم اللاحق، وكأن الكفر في طبيعته ملّة واحدة، والرسالات كلها فكرة واحدة، فمن كذّب برسول واحد فكأنّما كذّب برسل الله أجمعين.
стр. 2107
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) .
هذه السورة تربط القلب البشري بالله، سبحانه، وترشده الى عظيم صنعه، وفي ختام السورة يؤكد الله، ﷻ هذا المعنى فيبيّن أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعرفوه ويوحّدوه ويؤمنوا به، فهو غنيّ بذاته، وهم في حاجة وافتقار اليه.
إن معنى العبادة هو الخلافة في الأرض، وهو غاية الوجود الإنساني، وهو أوسع من مجرد الشعائر وأشمل.
وتتمثل حقيقة العبادة في أمرين رئيسيّين:
الأول: هو استقرار معنى العبودية لله تعالى في النفس، أي استقرار الشعور بأنه ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود، إلا رب واحد والكل له عبيد.
والثاني: هو التوجه الى الله ، بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة.
بهذا وذلك يتحقّق معنى العبادة، ويصبح العمل كالشعائر والشعائر كعمارة الأرض، وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله كلها عبادة وكلها تحقيق للوظيفة الأولى التي خلق الله الجن والإنس لها، وكلها خضوع للناموس العام الذي يتمثل في عبودية كل شيء لله دون سواه.
والمؤمن الحق هو الحريص على أداء واجباته ومرضاة ربه، وهو لا يعني نفسه بأداء الواجبات تحقيقا لمعنى العبادة في الأداء، أما الغايات فموكولة لله يأتي بها وفي قدره الذي يريده.
إن الله تعالى لم يخلق الجن والإنس ليستعين بهم، لجلب منفعة لذاته أو دفع مضرة، وما يريد الله منهم أن يرزقوا أحدا من خلقه أو يطعموه. إنّ الله هو الكفيل برزقهم، والمتفضّل عليهم بما يقوم بمعيشتهم، وهو سبحانه ذو القدرة والقوة، وهو الغالب على أمره فلا يعجزه شيء.
وفي ضوء هذه الحقيقة ينذر الذين ظلموا، فلم يؤمنوا بأن لهم نصيبا من العذاب مثل نصيب من سبقهم من الظالمين، فالله يمهل ولا يهمل، وتختتم السورة بهذا الإنذار الأخير:
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ
стр. 2108
فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
(٦٠) .
المعنى الاجمالي للسورة
قال الفيروزآبادي: «معظم مقصود سورة الذاريات ما يأتي: «القسم بأن البعث والقيامة حق، والإشارة إلى عذاب أهل الضلالة، وثواب أرباب الهداية، وحجّة الوحدانية، وكرامة إبراهيم في باب الضيافة، وهلاك قوم لوط وفرعون وقومه لمخالفتهم أمر الله، وتدمير عاد وثمود وقوم نوح وخسرانهم، وخلق السماوات والأرض للنفع والإفادة، وزوجية المخلوقات للدلالة على قدرة الخالق، وتخليق الخلق لأجل العبادة واستحقاق المنكرين للعذاب والعقوبة» .
стр. 2109
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الذاريات» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الذاريات» بعد سورة «الأحقاف» ، ونزلت سورة «الأحقاف» بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «الذاريات» في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها:
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) وتبلغ آياتها ستين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إنذار المشركين بعذاب الدنيا والاخرة، وقد أخذوا فيها بالدليل، ومرّة بالترهيب، كما أخذوا بذلك في السورة السابقة، ولهذا جمع بينهما في الذكر، وجاء ترتيب هذه السورة بعد سابقتها.
إثبات الإنذار بالعذاب الآيات [١- ٦٠]
قال الله تعالى: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) فأقسم بهذا على أن ما يوعدون به من العذاب إن لم يؤمنوا به لصادق ثم أقسم، جلّ وعلا، بالسماء ذات الحبك على أن قولهم في إنكاره مختلف تناقضه أفعالهم، لأنهم كانوا يربطون الركائب عند قبور الأكابر ليركبوها عند حشرهم، ثم أوعدهم على هذا بما أوعدهم به ثم ذكر أنهم يسألون عن
стр. 2110
يومه استعجالا له واستهزاء به، وأجاب بأنه يكون يوم يفتنون على النار ويقال لهم: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) . ثم ذكر ما يكون للمتقين فيه من جنات وعيون، ليجمع بهذا بين طريق الترهيب وطريق الترغيب، ثم انتقل السّياق من هذا إلى الاستدلال بآياته، سبحانه، في الأرض وفي أنفسهم وفي السماء لإثبات قدرته على بعثهم وعذابهم، وختمه بالقسم كما بدأ به: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) .
ثم أخذ السياق بعد هذا في ذكر ما فعله الله ﷻ بالمكذّبين قبلهم ترهيبا لهم بهم، فذكر من ذلك خبر قوم لوط بعد أن مهد له بذكر أخبار الملائكة الذين أرسلوا بهلاكهم مع إبراهيم، ثم ذكر بعد ذلك خبر موسى وفرعون، وخبر عاد وما أهلكوا به من الريح العقيم، وخبر ثمود وما أخذوا به من الصاعقة، وخبر قوم نوح من قبلهم وهو معلوم.
ثم عاد السياق إلى إثبات قدرته على ذلك، بالسماء التي بناها وأوسعها، والأرض التي فرشها ومهّدها، إلى غير هذا من آثار قدرته، ثم أمرهم أن يفرّوا إليه سبحانه من عذابه، وألا يجعلوا معه آلهة أخرى لا تدفع عنهم منه شيئا، ثم ذكر أنهم يسلكون في تكذيب ذلك طريق المكذّبين قبلهم، فيزعمون أن من ينذرهم به ساحر أو مجنون، وذكر السياق أمر الله تعالى نبيّه (ص) أن يعرض عنهم لأنه لا لوم عليه بعد أن بلّغهم إنذارهم، وأن يكتفي بالتذكير لأن فيه الكفاية للمؤمنين، ثم ذكر تعالى أنه لم يخلق الجن والإنس عبثا، وإنما خلقهم لعبادته وتوحيده، وهو غنيّ عنهم لا يحتاج الى شيء منهم، فإذا أشركوا به فإن لهم ذنوبا من العذاب مثل ذنوب من سبقهم من أولئك المكذبين: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) .
стр. 2111
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الذاريات» «١»
أقول: لما ختمت «ق» بذكر البعث، واشتملت على ذكر الجزاء، والجنة والنار، وغير ذلك من أحوال القيامة، افتتحت هذه السورة بالإقسام على إنّ ما توعدون من ذلك لصادق، وإن الدين، وهو الجزاء، لواقع.
ونظير ذلك: افتتاح «المرسلات» بذلك، بعد ذكر الوعد والوعيد والجزاء في سورة «الإنسان» .
стр. 2112
المبحث الرابع مكنونات سورة «الذاريات» «١»
١- ضَيْفِ إِبْراهِيمَ [الآية ٢٤] .
قال عثمان بن محصن: كانوا أربعة من الملائكة: جبريل، وميكائيل وإسرافيل، وروفائيل، أخرجه ابن أبي حاتم.
٢- وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) .
قال مجاهد: هو إسماعيل. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
وقال الكرماني بعد حكايته: أجمع المفسّرون على أنه إسحاق، إلا مجاهدا فإنه قال هو إسماعيل.
٣- فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) .
قال مجاهد: لوط وابنتاه.
وقال قتادة: وأهل بيته.
وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر.
أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 2113
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الذاريات» «١»
١- قال تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) .
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) دعاء عليهم كقوله جلّ وعلا: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) [عبس] .
والخراصون: الكذّابون المقدّرون ما لا يصحّ، وهم أصحاب القول المختلف.
أقول: وأصل الخرص الحزر، كخرص النخل، وهو تقدير ما عليه من حمل. ولما كان الخرص حزرا وتقديرا، فقد يتعرّضون إلى الكذب، إمّا عن قصد وإمّا عن غير قصد.
أقول: والخرص ممّا لا تعرفه الفصيحة المعاصرة، ولكننا نعرفه في الدارجة العراقية الجنوبية.
стр. 2114
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الذاريات» «١»
قال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) واحدها «الحباك» .
وقال تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) أي:
متى يوم الدّين، فقيل لهم: يوم هم على النار يفتنون. لأن ذلك اليوم يوم طويل فيه الحساب، وفيه فتنتهم على النار.
وقال تعالى: ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ [الآية ٥٩] أي سجلا «٢» من العذاب.
стр. 2115
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الذاريات» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) و «الصادق» وصف القائل لا وصف الوعد؟
قلنا: قيل «صادق» بمعنى «مصدوق» كقوله تعالى: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) [الحاقة] وقوله: ماءٍ دافِقٍ (٦) [الطارق] وقيل معناه «لصدق» ، فإن المصدر قد جاء على وزن اسم الفاعل كقولهم:
قمت قائما، وقولهم: لحقت بهم اللائمة: أي اللوم.
فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) والمتقون لا يكونون في الجنة في العيون؟
قلنا: معناه أنهم في الجنات، والعيون الكثيرة محدّقة بهم من كل ناحية، وهم في مجموعها لا في كل عين. ونظيره قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) [القمر] لأنه بمعنى أنهار، إلا أنه- والله أعلم- عدل عنها رعاية للفواصل.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧) ، أي في قرى قوم لوط (ع) ، وقرى قوم لوط ليست موجودة، فكيف توجد فيها العلامة؟
قلنا: الضمير في قوله تعالى فِيها عائد إلى تلك الناحية والبقعة لا إلى مدائن قوم لوط. الثاني: عائد إليها، ولكن «في» بمعنى «من» كما في قوله تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً [النحل: ٨٤] ، وقوله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها [النساء: ٥] . ويؤيد هذا الوجه
стр. 2116
مجيئه مصرحا به في سورة العنكبوت بلفظ «من» في قوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) [العنكبوت] ثم قيل: الآية آثار منازلهم الخربة وقيل هي الحجارة التي أبقاها الله تعالى حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقيل هي الماء الأسود الذي يخرج من الأرض.
فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الآية ٤٩] ، أي صنفين، مع أن العرش والكرسي والقلم واللوح لم يخلق منها إلا واحد؟
قلنا قيل: معناه ومن كل حيوان خلقنا ذكرا أو أنثى. وقيل معناه: ومن كل شيء تشاهدونه خلقنا صنفين كالليل والنهار، والصيف والشتاء، والنور والظلمة، والخير والشر، والحياة والموت، والبحر والبر، والسماء والأرض، والشمس والقمر ونحو ذلك.
فإن قيل: لم قال تعالى هنا: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الآية ٥٠] ، وقال سبحانه، في موضع آخر: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] ؟
قلنا: معنى قوله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي الجأوا إليه بالتوبة، وقيل معناه: ففرّوا من عقوبته إلى رحمته ومعنى قوله سبحانه: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي يخوفكم عذاب نفسه أو عقاب نفسه. وقال الزجّاج: معنى «نفسه» «إياه» ، كأنه قال : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢] أي إياه، فظهر أنه لا تناقض بين الآيتين.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) وإذا قلنا، خلقهم للعبادة كان مريدا لها منهم، فكيف أرادها منهم ولم توجد منهم؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها أنه عام أريد به الخاص وهم المؤمنون، بدليل خروج البعض منه، بقوله تعالى:
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: ١٧٩] ومن خلق لجهنم لا يكون مخلوقا للعبادة.
الثاني: أنه على عمومه، والمراد بالعبادة التوحيد، وقد وحّده الكل يوم أخذ الميثاق، وهذا الجواب يختص بالإنس، لأنّ أخذ الميثاق مخصوص بهم في الآية. وقيل معناه: إلا ليكونوا عبيدا لي. وقيل معناه: إلا ليذلّوا ويخضعوا وينقادوا لما قضيته وقدّرته
стр. 2117
عليهم، فلا يخرج عنه أحد منهم.
وقيل معناه إلّا ليعبدوني إن اختاروا العبادة لا قسرا وإلجاء. وقيل إلا ليعبدوني العبادة المرادة في قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرعد: ١٥] والعموم ثابت في الوجوه الخمسة.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) بعد قوله سبحانه: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ؟
قلنا: معناه ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ لأنفسهم، وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) :
أي أن يطعموا عبيدي، وإنما أضاف الإطعام إلى ذاته المقدسة لأن الخلق عياله وعبيده، ومن أطعم عيال غيره فكأنه أطعمه، ويؤيّده ما جاء في الحديث الصحيح «إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني» أي استطعمك عبدي فلم تطعمه.
стр. 2118
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الذاريات» «١»
في قوله سبحانه في صفة حجارة القذف: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) استعارة. والمسوّمة: المعلمة. وأصل ذلك مستعمل في تسويم الخيل للحرب. أي تعليمها بعلامات تتميّز بها من خيل العدو شبّهت هذه الحجارة بها لأنها معلّمة بعلامات تدلّ على مكروه المصابين، وضرر المعاقبين، كما كانت الخيل المسوّمة تدل على ذلك في لقاء الأعداء. وإرسال هذه للعراك كإرسال تلك للهلاك.
وقيل: إن التسويم في تلك الحجارة هو أن تجعل نكتة سوداء في الحجر الأبيض، أو نكتة بيضاء في الحجر الأسود.
وقيل: كان عليها أمثال الطوابيع والخواتيم. وقد تكلمنا على نظير هذه الاستعارة في «هود» .
والمراد بقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّكَ أي خلقها سبحانه كذلك من غير أن يفعلها فاعل، أو يجعلها جاعل. فلأجل هذه الحال وجب أن يجعل لها تعالى هذا الاختصاص بقوله: عِنْدَ رَبِّكَ. وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك أنها مسوّمة في سلطان الله تعالى وملكوته.
وفي موضع العقاب المعدّ للمذنبين من خلقه.
وفي قوله تعالى: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) .
وقد قيل: إن المراد بها أنه أعرض بجنوده الذين هم كالركن له، والحجارة دونه. وقد يسمّى أعوان المرء وأنصاره
стр. 2119
أركانه واعتماده «١» ، إذ كان بهم يصول، وإليهم يؤول.
وقيل أيضا معنى ذلك فتولّى «٢» وسلطانه، فإن ذلك كالركن له والمانع منه. ونظيره قوله سبحانه حاكيا عن لوط (ع) : قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) [هود] ، أي إلى عزّ دافع، وسلطان قامع.
وفي قوله سبحانه: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) استعارة. ومعنى العقيم هاهنا التي لا تحمل القطار، ولا تلقح الأشجار، ولا تعود بخير، ولا تنكشف عن عواقب نفع. فهي كالمرأة التي لا يرجى ولدها، ولا ينمى عددها.
стр. 2120
سورة الطّور (٥٢)
стр. 2121
المبحث الأول أهداف سورة «الطور» «١»
سورة الطور سورة مكية وآياتها ٤٩ آية، نزلت بعد سورة السجدة.
القسم في صدر السورة
وَالطُّورِ (١) : الجبل فيه شجر، والأرجح أنّ المقصود به هو الطور المعروف في القرآن، وهو الجبل الذي تلقّى موسى (ع) عنده كلام الله ﷻ . قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) [مريم] .
وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) : الأقرب أن يكون كتاب موسى (ع) الذي كتب له في الألواح المناسبة بينه وبين الطور.
وقيل هو اللوح المحفوظ تمشيا مع ما بعده، البيت المعمور والسقف المرفوع، ولا يمتنع أن يكون هذا هو المقصود.
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) : قد يكون هو الكعبة فهي عامرة بالطواف حولها في جميع الأوقات.
وقيل هو بيت في السماء حيال الكعبة يدخله كلّ يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه بل يدخل غيرهم في اليوم التالي.
وذلك يرمز الى كثرة الملائكة وهم خلق مكرّمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
стр. 2122
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) : هو السماء.
وقد نسب ذلك الى سفيان الثوري عن الإمام علي ﵁، قال تعالى: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) [الأنبياء] .
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) : المملوء، وهو أنسب شيء يذكر مع السماء، في انفساحه وامتلائه وامتداده.
وقد يكون معنى المسجور: المتّقد، كما في قوله تعالى في سورة أخرى:
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) [التكوير] أي توقّدت نيرانا عند نهاية الحياة، وذلك يمهّد لجواب القسم، وهو: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) .
وقد سمع عمر ﵁ هذه الآية ذات ليلة فتأثّر بها واشتدّ خوفه وعاد الى بيته مريضا، ومكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه.
وعمر ﵁ سمع السورة قبل ذلك وقرأها وصلى بها، فقد كان رسول الله (ص) يصلي بها المغرب، ولكنها في تلك الليلة صادفت من عمر قلبا مكشوفا، وحسّا مفتوحا، فنفذت إليه.
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) .
ومشهد السماء الثابتة المبنية بقوّة وهي تضطرب وتتقلّب كما يضطرب الموج في البحر من هنا إلى هناك بلا قوام، ومشهد الجبال الراسية الصلبة تسير خفيفة رقيقة لا ثبات لها ولا استقرار أمر مذهل مزلزل، من شأنه أن يذهل الإنسان.
وفي آيات أخرى ذكر القرآن أن السماء تنشقّ على غلظها وتتعلق الملائكة بأطرافها، كما ذكر اضطراب الكون وسائر الموجودات يوم القيامة.
إن قلوب أهل مكة التي جحدت الاخرة، وأنكرت البعث والجزاء، تحتاج الى حملة عنيفة يقسم الله، جلّت قدرته، فيها بمقدّسات في الأرض والسماء بعضها مكشوف ومعلوم، وبعضها مغيّب مجهول، على وقوع العذاب يوم القيامة وسط مشهد هائل ترتج له الأرض والسماء: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) [ابراهيم] .
وفي وسط هذا المشهد المفزع نرى
стр. 2123
ونسمع ما يزلزل ويرعب من ويل وهول وتقريع وتفزيع.
إن المجرمين يساقون سوقا إلى جهنّم ويدفعون في ظهورهم دفعا، حتّى إذ أوصل بهم الدفع الى حافة النار قيل لهم هذه هي النار، فهل هي سحر كما زعمتم أن القرآن سحر وأن محمّدا ساحر، أم أنها الحق الهائل الرهيب؟
أم أنتم لا تبصرون النار كما كنتم لا تبصرون الحقّ في القرآن؟.
نعيم الجنة
من شأن القرآن أن يقابل بين عذاب الكافرين ونعيم المتّقين، وفي الآيات [١٧- ٢٨] نجد حديثا عن ألوان التكريم التي يتمتع بها المتقون. فهم في الجنات يتمتّعون بألوان اللذائذ الحسية والمعنوية، وقد ألحق الله الذرية بالإباء إذا اشتركوا معهم في الإيمان وقصروا عنهم في العبادة والطاعة.
أدلة القدرة
في الجزء الأخير من السورة، نجد أن الآيات لها وقع خاص. ورنين يأخذ على النفس البشرية كلّ أنحائها، ويجبه المنكرين بالعديد من الحجج، ويستفهم منهم بطريقة لاذعة ساخرة لا يملك أيّ منصف معها غير التسليم.
والآيات تبدأ بتوجيه الخطاب إلى رسول الله أن يبلغ الدعوة، فهو أمين على وحي السماء، بعيد عن الاتهام بالكذب والجنون. وتسرد الآيات اتّهام الكفّار له بأنّه شاعر أو متقوّل ادّعى القرآن من عند نفسه، ونسبه الى الله، فتطلب منهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن إن كانوا صادقين في دعواهم.
وأمامهم أدلّة القدرة، فهل خلقوا من غير خالق؟ أم خلقوا أنفسهم؟ وإذا انتفى لم يبق الا احتمال ثالث وهو أنهم خلق الله.
ويتوالى هذا الاستفهام الإنكاري يقرّعهم بالحجة بعد الحجة، وبالدليل تلو الدليل.
فهذه السماء العالية من خلقها؟ هل هم خلقوها؟
وهل تطلب منهم يا محمد أجرا على تبليغ الرسالة؟
وهل يملكون أمر الغيب؟ وأمر
стр. 2124
الغيب لا يطلع عليه إلّا الله .
وهل لهم إله يتولاهم غير الله؟ تنزه الله عن شركهم.
وعند ما وصل جحودهم وعنادهم إلى هذا الحد من الغلوّ في الباطل، أمر الله، جلّ وعلا، رسوله (ص) أن يعرض عنهم ويتركهم حتّى يلاقوا مصيرهم، وفي هذا اليوم لا ينفعهم كيدهم ولا تنجيهم مؤامراتهم.
стр. 2125
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الطور» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الطور» بعد سورة «السجدة» ، ونزلت سورة «السجدة» بعد «الإسراء» وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «الطور» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها: وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) وتبلغ آياتها تسعا وأربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة الإنذار بعذاب الدنيا والاخرة، وبهذا تشارك السورتين السابقتين في الغرض المقصود منهما، وهذا هو وجه ذكرها بعدهما.
إثبات الإنذار بالعذاب الآيات [١- ٤٩]
قال الله تعالى: وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ، فأقسم بهذا على وقوع ذلك العذاب، وذكر أنه يوم تمور السماء وتسير الجبال، وحينئذ يكون الهلاك للمكذّبين به، ويصلون النار بما كانوا يعملون ثم ذكر ما أعد فيه للمتقين من جنات ونعيم، ليجمع بهذا بين طريق الترهيب وطريق الترغيب، قد أطال في هذا
стр. 2126
الطريق، إلى أن ذكر مما يقوله المتقون في سبب نعيمهم: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) .
ثم انتقل السياق من هذا الى أمر النبي (ص) بأن يستمر على تذكيره بما أنزل عليه من ذلك الإنذار، لأنه حق ليس بقول كاهن ولا مجنون ولا شاعر كما يزعمون، ولأنهم لا ينكرون عن عقل، وإنما هم قوم طاغون ثم أمرهم، جلّ وعلا، على سبيل الإلزام، أن يأتوا بمثله إن كانوا صادقين في ما يفترونه عليه، ليظهر عجزهم ويبطل ما زعموه من أنه كاهن أو مجنون أو شاعر. ثم سلك طريقا آخر في إلزامهم فذكر أنهم لم يخلقوا من غير شيء، بلى لا بد لهم من خالق، وأنهم لا يملكون شيئا من أمر هذا الخلق حتّى يقطعوا بنفي الحساب والعقاب، وأنهم لم ينزل عليهم بذلك نبأ من السماء، فألزمهم بأنّ لهم خالقا هو الذي يتصرف في أمورهم، ولا يملكون أن يمنعوا ما يريده من حسابهم على أعمالهم وذكر سبحانه أنه لا شريك له في ذلك من الملائكة الذين يزعمون أنهم بناته ثم انتقل السياق الى إلزامهم بطريق آخر فذكر تعالى أن النبي (ص) لا يسألهم على إنذاره أجرا حتى يتهم فيه أو يثقلهم به، وأنهم لا علم عندهم بالغيب حتى يقطعوا بأنه لا حساب عليهم، وأنه لم يبق بعد هذا إلّا أن يريدوا الكيد والعذاب لأنفسهم لقيام هذه الإلزامات عليهم، أو يكون لهم إله غير الله يدفع العذاب عنهم سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) .
ثم ختمت السورة ببيان فرط طغيانهم وعنادهم في تكذيب ما أنذروا به، فذكر أنهم لو نزّل عليهم كسف من السماء لعذابهم لقالوا: هذا سحاب تراكم بعضه على بعض ليمطرنا، وأمر النبي (ص) أن يتركهم في هذا الطغيان والعناد حتّى يلاقوا ما ينكرون. ثم ذكر أن لهم عذابا دون عذاب الاخرة بتسليط المسلمين عليهم. وأمر النبي (ص) بالصبر الى أن يفي بهذا الوعد، فقال وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩) .
стр. 2127
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الطور» «١»
أقول: وجه وضعها بعد «الذاريات» :
تشابههما في المطلع والمقطع، فإنّ في مطلع كلّ منهما صفة حال المتّقين بقوله تعالى في الآيات ١٥- ١٧ من سورة الذاريات: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ، الآيات. وفي مقطع كل منهما صفة حال الكفّار، بقوله في تلك: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الذاريات:
٦٠] . وفي هذه: فَالَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ٤٢] «٢» .
стр. 2128
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الطور» «١»
١- قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) .
والمعنى: يوم يدفعون إلى النار دفعا.
وقرئ: «يدعون» من الدعاء.
أقول: ليس في العربية المعاصرة الفعل المضاعف «دع يدع» .
٢- وقال تعالى: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) .
المصيطر بالصاد، أي: الغالب.
وقرئ بالسين.
أقول: غلبت السين على المسيطر في العربية ولكن لغة التنزيل في القراءة المثبتة الغالبة جاءت بالصاد، وتعاقب السين والصاد معروف. ومثل هذا السراط والصراط، والكلمة بالسين في اللغة المعاصرة، وقد رسمت السين في القرآن تحت الصاد.
стр. 2129
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الطور» »
قال تعالى: وْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً فَوَيْلٌ
(١٠) دخلت الفاء لأنه في معنى: إذا كان كذا وكذا فأشبه المجازاة، لأن المجازاة يكون خبرها بالفاء.
وقال: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) لأنك تقول: «تربّصت زيدا» أي:
تربصت به «٢» » .
стр. 2130
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الطور» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) مع أن الحور العين في الجنة مملوكات ملك يمين لا ملك نكاح؟
قلنا: معناه قرنّاهم بهن من قولهم زوّجت إبلي: أي قرنت بعضها إلى بعض، وليس من التزويج الذي هو عقد النكاح، ويؤيّده أن ذلك لا يعدّى بالباء بل بنفسه كما قال تعالى:
زَوَّجْناكَها [الأحزاب: ٣٧] ويقال زوّجه امرأة ولا يقال بامرأة.
فإن قيل: لم قال الله تعالى في وصف أهل الجنة كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) أي مرهون في النار بعمله؟
قلنا: قال الزمخشري: كأن نفس كل عبد ترهن عند الله تعالى بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحا فك الرهن عنها، وخلصت، وإلا أوبقت. وقال غيره: هذه جملة من صفات أهل النار وقعت معترضة في صفات أهل الجنة ويؤيّده ما روي عن مقاتل، أنه قال: معناه: كل امرئ كافر بما عمل من الكفر مرتهن في النار، والمؤمن لا يكون مرتهنا، لقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) [المدّثّر] .
فإن قيل: لم قال تعالى في حقّ النبي (ص) : فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) ، وكل
стр. 2131
واحد غيره كذلك لا يكون كاهنا ولا مجنونا بنعمة الله تعالى؟
قلنا: معناه فما أنت بحمد الله وإنعامه عليك، بالصدق والنبوة، بكاهن ولا مجنون كما يقول الكفار.
وقيل الباء هنا بمعنى «مع» ، كما في قوله تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: ٢٠] . وقوله تعالى:
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٥٢] ويقال: أكلت الخبز بالتمر: أي معه.
فإن قيل: ما معنى الجمع في قوله تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الآية ٤٨] ؟
قلنا: معناه التفخيم والتعظيم، والمراد بحيث نراك ونحفظك ونظيره في معنى العين قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) [طه: ٣٩] ونظيره في الجمع للتفخيم والتعظيم قوله تعالى:
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [القمر: ١٤] وقوله تعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [يس: ٧١] .
стр. 2132
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الطور» «١»
في قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) استعارة، أي إن كانوا حكماء عقلاء كما يدّعون، فكيف تحملهم أحلامهم وعقولهم على أن يرموا رسول الله (ص) بالسّحر والجنون، وقد علموا بعده عنهما، ومباينته لهما؟
وهذا القول منهم سفه وكذب، وهاتان الصفتان منافيتان لأوصاف الحلماء، ومذاهب الحكماء.
ومخرج قوله سبحانه: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا مخرج التبكيت لهم، والإزراء عليهم. ونظير هذا الكلام قوله سبحانه حاكيا عن قوم شعيب (ع) :
قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا [هود: ٨٧] أي دينك وما جئت به من شريعتك التي فيها الصلوات وغيرها من العبادات، تحملك على أمرنا بترك ما يعبد آباؤنا.
وقد مضى الكلام على ذلك في موضعه.
وفي قوله سبحانه وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩) وقد قرئ: (وأدبار النجوم) بفتح الهمزة استعارة على القراءتين جميعا.
فمن قرأ بفتح الهمزة كان معناه:
وأعقاب النجوم. أي أواخرها إذا انصرفت. كما يقال: جاء فلان في أعقاب القوم. أي في أواخرهم. وتلك صفة تخصّ الحيوان المتصرّف الذي
стр. 2133
يوصف بالمجيء والذّهاب، والإقبال والإدبار. ولكنها استعملت في النجوم على طريق الاتساع. فأمّا قراءة من قرأ: وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩) بالكسر، وهي القراءة المثبتة في المصحف الشريف، فمعناه قريب من المعنى الأول. فكأنه سبحانه وصفها بالإدبار بعد الإقبال. والمراد بذلك الأفول بعد الطلوع، والهبوط بعد الصعود.
стр. 2134
سورة النّجم (٥٣)
стр. 2135
المبحث الأول أهداف سورة «النجم» «١»
سورة «النجم» سورة مكية وآياتها ٦٢ آية، نزلت بعد سورة «الإخلاص» .
١- تكريم الرسول
في مطلع السورة نعيش لحظات مع قلب النبي محمد (ص) ، مكشوفة عنه الحجب، مزاحة عنه الأستار، يتلقى من الملأ الأعلى، يسمع ويرى ويحفظ ما وعى، وهي لحظات خصّ بها ذلك القلب المصفّى، حينما عرج به في رحاب الملأ الأعلى.
أقسم الله، جلّ وعلا، بالثريا إذا سقطت عند الفجر، أن محمدا راشد غير ضال، مهتد غير غاو، مخلص غير مغرض، مبلّغ عن الحق بالحق غير واهم، لا مفتر ولا مبتدع، ولا ناطق عن الهوى في ما يبلّغكم من الرسالة، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) وهو يبلّغكم ما يوحى إليه صادقا أمينا.
وقد رأى النبي (ص) جبريل (ع) مرتين على صورته التي خلق عليها، الأولى عند غار حراء، وكان ذلك في مبدأ الوحي حينما رآه النبي يسدّ الأفق بخلقه الهائل، ثم دنا منه فتدلى نازلا مقتربا إليه فكان أقرب ما يكون منه على قاب قوسين أو أدنى، وهو تعبير عن منتهى القرب، فأوحى إلى عبد الله ما أوحى، بهذا الإجمال والتفخيم والتهويل.
والثانية، كانت ليلة الإسراء والمعراج، فقد دنا منه جبريل وهو على هيئته التي خلقه الله بها مرة أخرى
стр. 2136
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) أي شجرة ينتهي إليها علم الخلائق، أو انتهت إليها صحبة جبريل (ع) لرسول الله (ص) حيث وقف جبريل وصعد محمد (ص) درجة أخرى أقرب الى عرش ربه.
٢- أوهام المشركين
تتحدث الآيات [١٩- ٢٨] عن آلهة المشركين المدّعاة، اللات والعزى ومناة، وعن أوهامهم، عن الملائكة وأساطيرهم حول بنوتها لله، واعتمادهم في هذا كلّه على الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، في حين أن الرسول (ص) يدعوهم الى ما دعاهم إليه عن تثبّت وروية ويقين.
٣- الإعراض عن الملحدين
أما المقطع الثالث من السورة، فيشمل الآيات [٢٩- ٣٢] ، ويوجه الخطاب إلى الرسول (ص) أن يعرض عنهم، وأن يهمل شأنهم، وأن يدع أمرهم لله، الذي يعلم المسيء والمحسن، ويجزي المهدي والضال، ويملك أمر السماوات والأرض وأمر الدنيا والاخرة، ويحاسب بالعدل فلا يظلم أحدا، ويتجاوز عن الذنوب التي لا يصرّ عليها فاعلوها هو الخبير بالنيات والطوايا، لأنه خالق البشر المطّلع على حقيقتهم في أطوار حياتهم جميعا.
٤- الصغائر من الذنوب
الصغائر هي ما دون الفاحشة، وهي القبلة واللمسة والمباشرة والنظرة وغيرها فإذا التقى الختانان، وتوارت الحشفة، فقد وجب الغسل، وهذه هي الفاحشة.
روى البخاري ومسلم أن رسول الله (ص) قال: «إن الله تعالى إذا كتب على ابن آدم حظّه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» .
وروى ابن جرير أن ابن مسعود قال:
زنا العين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدّم بفرجه كان زانيا وإلّا فهو اللّمم، وكذا قال مسروق والشعبي.
ويرى فريق من العلماء أن اللّمم هو الإلمام بالذنوب ثم التوبة منها،
стр. 2137
فصاحب اللمم يقع في الكبائر أو يرتكب الآثام غير مصر عليها، ثم يندم ويتوب من قريب.
قال ابن جرير عن أبي هريرة ﵁: «أراه رفعه» في الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [الآية ٣٢] . قال اللّمّة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللّمّة من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود. قال فذلك الإلمام.
وروى ذلك موقوفا على الحسن.
وهذا التفسير يفتح باب التوبة أمام الجميع حتى مرتكب الكبيرة لا ييأس، فإذا صدق في توبته، وأخلص في نيته، وأكد عزمه على التوبة النصوح، فإنّ أمامه رحمة الله الواسعة التي يشمل بها التائبين، ويستأنس لذلك بما في الآية من المغفرة:
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢) .
والآية كما نرى تفتح باب الرجاء، وتدل الناس على عظيم فضل الله. فهو سبحانه خلقهم، وهو أعلم بهم.
وحينما يذنبون لا يغلق باب الرحمة في وجوههم بل يفتح أبواب القبول للتائبين، ويغفر للمستغفرين، قال تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) [الزمر] .
وفي الصحيح أن رسول الله (ص) قال: «ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى سماء الدنيا حينما يبقى ثلث الليل الأخير فينادي: يا عبادي هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من طالب حاجة فأقضيها له حتى يطلع الفجر» . [والنزول هاهنا ليس النزول المعهود، وهو بكيفيّة لا يعلمها إلّا الله ﷻ ] .
٥- حقائق العقيدة
وفي الآيات الأخيرة من السورة [٣٣- ٦٢] تعود الفواصل القصيرة والتنغيم الكامل في أسلوب بسيط، وإيقاع يسير، وتقرّر الآيات الحقائق الأساسية للعقيدة كما هي ثابتة منذ إبراهيم ﵇ صاحب الحنيفية الأولى، وتعرّف البشر بخالقهم، فاثاره واضحة
стр. 2138
أمام الناس، فهو الخالق الرازق صاحب الطّول والإنعام، ومنه المبدأ وإليه المنتهى. وهو الذي أهلك المكذبين من عاد وثمود وقوم نوح، ولكنكم يا أهل مكة تضحكون وتسخرون، وتسترسلون في غيكم وعنادكم، وأولى بكم أن تسجدوا لله سبحانه، وأن تعبدوه وأن تقبلوا على دينه، مقرّين لله بالعبودية ولمحمد (ص) بالرسالة.
стр. 2139
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النجم» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «النجم» بعد سورة «الإخلاص» ، وكان نزولها بعد الهجرة الأولى للحبشة، وكانت هذه الهجرة في السنة السابعة من البعثة. فلمّا نزلت هذه السورة أشيع كذبا أنه نزل فيها بعد قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهن لترتجى وأن قريشا أسلمت حين آمن النبي (ص) بشفاعة آلهتها في تلك الشائعة المفتراة، فرجع مهاجرو الحبشة حين أشيع ذلك بينهم، فرأوا أن قريشا لا تزال على كفرها، وبهذا تكون سورة النجم من السور التي نزلت فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أوّلها: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) وتبلغ آياتها اثنتين وستين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات أن ما جاء به النبي (ص) من وحي الملائكة، وهذا يقتضي أن الملائكة عباد الله من وظيفتهم الوحي وغيره، فلهذا انتقل الكلام في هذه السورة من هذا الغرض الى إبطال بنوّتهم لله تعالى ولا شك في أن هذا الغرض يتصل بما جاء في السورة السابقة من زعمهم الباطل أن الرسول (ص) كاهن أو مجنون أو شاعر.
стр. 2140
نزول جبريل بالدعوة
الآيات [١- ٦٢] قال الله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) .
فأقسم بهذا على أن النبي (ص) ما ضلّ وما ينطق عن الهوى، كما هو شأن الكاهن والمجنون والشاعر وإنما ينطق عن الوحي الذي ينزله عليه الملك جبريل ثم ذكر أن جبريل تارة ينزل إليه من السماء بالوحي، وتارة يصعد هو إليه بالسماء فيتلقاه منه، ويرى في ذلك ما يرى من آيات ربه الكبرى.
ثم انتقل السياق من هذا إلى إبطال ما يزعمونه من أن هذه الملائكة بنات الله، وكانوا يتخذون لها أصناما يعبدونها من اللات والعزّى ومناة، فذكر ما يتخذونه من هذه الأصنام الثلاثة، وأبطل أن يكون له منها بنات، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. وهم لا يرضون لأنفسهم إلا البنين، وذكر أن هذه مزاعم يقلّدون فيها آباءهم ولا دلهم عليها، ثم أبطل ما يتمنونه من شفاعتها لهم، وذكر جلّ وعلا أن كم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا بعد إذنه ورضاه.
ثم عاد السياق إلى تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى من غير علم، فذكر أمر الله تعالى النبي (ص) أن يعرض عمّن يتولى بعد هذا عنه، لأنهم لا يريدون الحق وإنما يريدون الحياة الدنيا. ثم ذكر ﷻ أن له ما في السماوات والأرض ليجزي المحسن والمسيء بعمله، فلا تنفع هناك شفاعة شفيع له.
وذكر سبحانه أن المحسنين هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلّا اللمم، وأنه سيكون معهم واسع المغفرة ثم ذكر الذي تولى من المشركين واعتمد على ما يزعمه من شفاعة الملائكة له، فرد عليه بأنه لا علم عنده بذلك من الغيب، وبما ورد في صحف موسى وإبراهيم: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) ، إلى غير هذا مما نقله عن هذه الصحف ثم ذكر أن ما يوحى إلى النبي (ص) نذير من تلك النّذر التي أنزلت قبله، وأن ما ينذر به قد قربت ساعته، وأنكر عليهم أن يعجبوا ويضحكوا ممّا ينذرهم به، ولا يبكوا وهم سامدون: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [الآية ٦٢] .