عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) أي شجرة ينتهي إليها علم الخلائق، أو انتهت إليها صحبة جبريل (ع) لرسول الله (ص) حيث وقف جبريل وصعد محمد (ص) درجة أخرى أقرب الى عرش ربه.
٢- أوهام المشركين
تتحدث الآيات [١٩- ٢٨] عن آلهة المشركين المدّعاة، اللات والعزى ومناة، وعن أوهامهم، عن الملائكة وأساطيرهم حول بنوتها لله، واعتمادهم في هذا كلّه على الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، في حين أن الرسول (ص) يدعوهم الى ما دعاهم إليه عن تثبّت وروية ويقين.
٣- الإعراض عن الملحدين
أما المقطع الثالث من السورة، فيشمل الآيات [٢٩- ٣٢] ، ويوجه الخطاب إلى الرسول (ص) أن يعرض عنهم، وأن يهمل شأنهم، وأن يدع أمرهم لله، الذي يعلم المسيء والمحسن، ويجزي المهدي والضال، ويملك أمر السماوات والأرض وأمر الدنيا والاخرة، ويحاسب بالعدل فلا يظلم أحدا، ويتجاوز عن الذنوب التي لا يصرّ عليها فاعلوها هو الخبير بالنيات والطوايا، لأنه خالق البشر المطّلع على حقيقتهم في أطوار حياتهم جميعا.
٤- الصغائر من الذنوب
الصغائر هي ما دون الفاحشة، وهي القبلة واللمسة والمباشرة والنظرة وغيرها فإذا التقى الختانان، وتوارت الحشفة، فقد وجب الغسل، وهذه هي الفاحشة.
روى البخاري ومسلم أن رسول الله (ص) قال: «إن الله تعالى إذا كتب على ابن آدم حظّه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» .
وروى ابن جرير أن ابن مسعود قال:
زنا العين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدّم بفرجه كان زانيا وإلّا فهو اللّمم، وكذا قال مسروق والشعبي.
ويرى فريق من العلماء أن اللّمم هو الإلمام بالذنوب ثم التوبة منها،
стр. 2137
فصاحب اللمم يقع في الكبائر أو يرتكب الآثام غير مصر عليها، ثم يندم ويتوب من قريب.
قال ابن جرير عن أبي هريرة ﵁: «أراه رفعه» في الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [الآية ٣٢] . قال اللّمّة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللّمّة من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود. قال فذلك الإلمام.
وروى ذلك موقوفا على الحسن.
وهذا التفسير يفتح باب التوبة أمام الجميع حتى مرتكب الكبيرة لا ييأس، فإذا صدق في توبته، وأخلص في نيته، وأكد عزمه على التوبة النصوح، فإنّ أمامه رحمة الله الواسعة التي يشمل بها التائبين، ويستأنس لذلك بما في الآية من المغفرة:
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢) .
والآية كما نرى تفتح باب الرجاء، وتدل الناس على عظيم فضل الله. فهو سبحانه خلقهم، وهو أعلم بهم.
وحينما يذنبون لا يغلق باب الرحمة في وجوههم بل يفتح أبواب القبول للتائبين، ويغفر للمستغفرين، قال تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) [الزمر] .
وفي الصحيح أن رسول الله (ص) قال: «ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى سماء الدنيا حينما يبقى ثلث الليل الأخير فينادي: يا عبادي هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من طالب حاجة فأقضيها له حتى يطلع الفجر» . [والنزول هاهنا ليس النزول المعهود، وهو بكيفيّة لا يعلمها إلّا الله ﷻ ] .
٥- حقائق العقيدة
وفي الآيات الأخيرة من السورة [٣٣- ٦٢] تعود الفواصل القصيرة والتنغيم الكامل في أسلوب بسيط، وإيقاع يسير، وتقرّر الآيات الحقائق الأساسية للعقيدة كما هي ثابتة منذ إبراهيم ﵇ صاحب الحنيفية الأولى، وتعرّف البشر بخالقهم، فاثاره واضحة
стр. 2138
أمام الناس، فهو الخالق الرازق صاحب الطّول والإنعام، ومنه المبدأ وإليه المنتهى. وهو الذي أهلك المكذبين من عاد وثمود وقوم نوح، ولكنكم يا أهل مكة تضحكون وتسخرون، وتسترسلون في غيكم وعنادكم، وأولى بكم أن تسجدوا لله سبحانه، وأن تعبدوه وأن تقبلوا على دينه، مقرّين لله بالعبودية ولمحمد (ص) بالرسالة.
стр. 2139
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النجم» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «النجم» بعد سورة «الإخلاص» ، وكان نزولها بعد الهجرة الأولى للحبشة، وكانت هذه الهجرة في السنة السابعة من البعثة. فلمّا نزلت هذه السورة أشيع كذبا أنه نزل فيها بعد قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهن لترتجى وأن قريشا أسلمت حين آمن النبي (ص) بشفاعة آلهتها في تلك الشائعة المفتراة، فرجع مهاجرو الحبشة حين أشيع ذلك بينهم، فرأوا أن قريشا لا تزال على كفرها، وبهذا تكون سورة النجم من السور التي نزلت فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أوّلها: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) وتبلغ آياتها اثنتين وستين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات أن ما جاء به النبي (ص) من وحي الملائكة، وهذا يقتضي أن الملائكة عباد الله من وظيفتهم الوحي وغيره، فلهذا انتقل الكلام في هذه السورة من هذا الغرض الى إبطال بنوّتهم لله تعالى ولا شك في أن هذا الغرض يتصل بما جاء في السورة السابقة من زعمهم الباطل أن الرسول (ص) كاهن أو مجنون أو شاعر.
стр. 2140
نزول جبريل بالدعوة
الآيات [١- ٦٢] قال الله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) .
فأقسم بهذا على أن النبي (ص) ما ضلّ وما ينطق عن الهوى، كما هو شأن الكاهن والمجنون والشاعر وإنما ينطق عن الوحي الذي ينزله عليه الملك جبريل ثم ذكر أن جبريل تارة ينزل إليه من السماء بالوحي، وتارة يصعد هو إليه بالسماء فيتلقاه منه، ويرى في ذلك ما يرى من آيات ربه الكبرى.
ثم انتقل السياق من هذا إلى إبطال ما يزعمونه من أن هذه الملائكة بنات الله، وكانوا يتخذون لها أصناما يعبدونها من اللات والعزّى ومناة، فذكر ما يتخذونه من هذه الأصنام الثلاثة، وأبطل أن يكون له منها بنات، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. وهم لا يرضون لأنفسهم إلا البنين، وذكر أن هذه مزاعم يقلّدون فيها آباءهم ولا دلهم عليها، ثم أبطل ما يتمنونه من شفاعتها لهم، وذكر جلّ وعلا أن كم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا بعد إذنه ورضاه.
ثم عاد السياق إلى تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى من غير علم، فذكر أمر الله تعالى النبي (ص) أن يعرض عمّن يتولى بعد هذا عنه، لأنهم لا يريدون الحق وإنما يريدون الحياة الدنيا. ثم ذكر ﷻ أن له ما في السماوات والأرض ليجزي المحسن والمسيء بعمله، فلا تنفع هناك شفاعة شفيع له.
وذكر سبحانه أن المحسنين هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلّا اللمم، وأنه سيكون معهم واسع المغفرة ثم ذكر الذي تولى من المشركين واعتمد على ما يزعمه من شفاعة الملائكة له، فرد عليه بأنه لا علم عنده بذلك من الغيب، وبما ورد في صحف موسى وإبراهيم: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) ، إلى غير هذا مما نقله عن هذه الصحف ثم ذكر أن ما يوحى إلى النبي (ص) نذير من تلك النّذر التي أنزلت قبله، وأن ما ينذر به قد قربت ساعته، وأنكر عليهم أن يعجبوا ويضحكوا ممّا ينذرهم به، ولا يبكوا وهم سامدون: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [الآية ٦٢] .
стр. 2141
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النجم» «١»
أقول: وجه وضعها بعد «الطور» :
أنها شديدة المناسبة لها، فإن «الطور» ختمت بقوله تعالى: وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩) . وافتتحت هذه بقوله سبحانه: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) .
ووجه آخر: أن «الطور» ذكر فيها ذرية المؤمنين، وأنهم تبع لآبائهم «٢» ، وهذه فيها ذكر ذرية اليهود «٣» في قوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [الآية ٣٢] .
ولما قال هناك في المؤمنين: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١] . أي: ما نقصنا الآباء بما أعطينا البنين، مع نفعهم بما عمل آباؤهم. قال هنا في صفة الكفّار أو بني الكفّار: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) خلاف ما ذكر في المؤمنين الصّغار.
وهذا وجه بيّن بديع في المناسبة، من وادي التضاد.
стр. 2142
المبحث الرابع مكنونات سورة «النجم» «١»
١- وَالنَّجْمِ [الآية ١] .
قال مجاهد: الثريّا.
وقال السّدّي: الزّهرة.
أخرجهما ابن أبي حاتم.
وقيل: هو زحل.
وقيل: هو محمد (ص) .
حكاهما الكرماني.
٢- عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) .
قال الربيع، والسّدّي: هو جبريل.
أخرجه ابن أبي حاتم.
٣- فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ
[الآية ١٠] .
قال ابن عبّاس: هو محمد (ص) .
وقال الحسن: هو جبريل «٢» .
أخرجهما ابن أبي حاتم «٣» .
٤- أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) .
قال السّدّي: هو العاصي بن وائل.
وقال مجاهد: الوليد بن المغيرة «٤» .
أخرجهما ابن أبي حاتم.
стр. 2143
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النجم» «١»
١- وقال تعالى: وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) .
سامدون، أي: شامخون مبرطمون «٢» .
وقيل: لاهون ولاعبون.
أقول: وهذا من الكلم الذي لم يتّضح للمفسرين، واختلافهم البعيد في فهمه دليل على ذلك.
стр. 2144
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «النجم» «١»
قال تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) جماعة «القوّة» وبعض العرب يقول:
«حبوة» و «حبى» فينبغي لهؤلاء أن يقولوا: «القوى» ، بكسر القاف، في هذا القياس. ويقول بعض العرب «رشوة» و «رشا» ، ويقول بعضهم «رشوة» و «رشا» . وبعض العرب يقول:
«صور» ، و «صور» والجيدة «صور» وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر:
٦٤] .
وقال تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) فقوله تعالى: أَلَّا تَزِرُ بدل من قوله سبحانه بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) أي: بأن لا تزر.
стр. 2145
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النجم» «١»
إن قيل: الضلال والغواية واحدة، فما الحكمة في قوله تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) .
قلنا: قيل إن بينهما فرقا لأنّ الضلال ضدّ الهدى، والغيّ ضدّ الرّشد، وهما مختلفان مع تقاربهما. وقيل معناه: ما ضلّ في قوله ولا غوى في فعله، ولو ثبت اتحاد معناهما، لكان من باب التأكيد باللفظ المخالف، مع اتّحاد المعنى.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) أدخل كلمة الشك، والشّكّ محال على الله تعالى؟
قلنا: «أو» هنا للتخيير لا للشّكّ، كأنّه قال : إن شئتم قدّروا ذلك القرب بقاب قوسين، وإن شئتم قدّروه بأدنى منهما. وقيل معناه:
بل أدنى. وقيل هو خطاب لهم بما هو معهود بينهم. وقيل هو تشكيك لهم لئلّا يعلموا قدر ذلك القرب، ونظيره قوله تعالى وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) [الصافات] والكلام فيهما واحد.
فإن قيل: قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) .
من رؤية القلب لا من رؤية البصر، فأين مفعولها الثاني؟
قلنا: هو محذوف تقديره:
أفرأيتموها بنات الله وأنداده، فإنهم كانوا يزعمون أن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله .
فإن قيل: لم قال الله تعالى: الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠)
стр. 2146
فوصف الثالثة بالأخرى، والعرب إنما تصف بالأخرى الثانية لا الثالثة، فظاهر اللفظ يقتضي أن يكون قد سبق ثالثة أولى، ثم لحقتها الثالثة الأخرى فتكون ثالثتان؟
قلنا: الأخرى نعت للعزّى تقديره:
أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة لأنها ثالثة الصنمين في الذكر، وإنما أخّر الأخرى رعاية للفواصل، كما قال سبحانه: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) [طه] ولم يقل أخر رعاية للفواصل.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) ، أي لا يقوم مقام العلم، مع أنه يقوم مقام العلم في صورة القياس؟
قلنا: المراد به هنا الظّن الحاصل من اتّباع الهوى دون الظّنّ الحاصل من النظر والاستدلال ويؤيده قوله تعالى قبل هذا: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ [الآية ٢٣] .
فإن قيل: لم قال تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) وقد صح في الأخبار وصول ثواب الصدقة والقراءة والحج وغيرها الى الميت؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها ما قاله ابن عبّاس ﵄ أنها منسوخة بقوله تعالى: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١] ، معناه أنه أدخل الأبناء الجنّة بصلاح الآباء، قالوا وهذا لا يصح لأنّ الآيتين خبر، ولا نسخ في الخبر. الثاني: أن ذلك مخصوص بقوم إبراهيم وموسى (ع) ، وهو حكاية ما في صحفهم، فأمّا هذه الأمّة فلها ما سعت وما سعى لها.
الثالث أنه على ظاهره، ولكن دعاء ولده وصديقه وقراءتهما وصدقتهما عنه من سعيه أيضا، بواسطة اكتسابه للقرابة أو الصداقة أو المحبّة من الناس، بسبب التقوى والعمل الصالح.
فإن قيل: لم قال تعالى بعد تعديد النقم: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) والآلاء هي النعم؟
قلنا: إنما قال سبحانه بعد تعديد النعم والنقم نعم، لما فيها من الزجر والمواعظ، فمعناه: فبأيّ نعم ربّك الدالّة على وحدانيته تشكّ يا وليد بن المغيرة.
стр. 2147
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النجم» «١»
في قوله سبحانه: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١) استعارة. والمراد، والله أعلم، أنّ ما اعتقده القلب من صحة ذلك المنظر الذي نظره، والأمر الذي باشره، لم يكن عن تخيّل وتوهّم، بل عن يقين وتأمّل. فلم يكن بمنزلة الكاذب من طريق تعمد الكذب، ولا من طريق الشكوك والشّبه.
وفي قوله سبحانه: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) استعارة. وهي قريبة المعنى من الاستعارة الأولى. والمراد، والله أعلم، أن البصر لم يمل عن جهة المبصر إلى غيره ميلا يدخل عليه به الاشتباه، حتّى يشكّ فيما رآه. ولا طغى، أي لم يجاوز المبصر ويرتفع عنه، فيكون مخطئا لإدراكه، متجاوزا لمحاذاته.
فكأنّ تلخيص المعنى: أنّ البصر لم يقصّر عن المرئي فيقع دونه، ولم يزد عليه فيقع وراءه، بل وافق موضعه، ولم يجاوز موقعه. وأصل الطّغيان طلب العلوّ والارتفاع، من طريق الظلم والعدوان، وهو في صفة البصر خارج «٢» على المجاز والاتساع.
стр. 2148
سورة القمر (٥٤)
стр. 2149
المبحث الأول أهداف سورة «القمر» «١»
سورة «القمر» سورة مكية، آياتها ٥٥ آية، نزلت بعد سورة «الطارق» .
انشقاق القمر
يصف مطلع السورة حادثا فذّا هو انشقاق القمر بقدرة الله تعالى معجزة لرسول الله (ص) .
وقد وردت روايات متواترة، من طرق شتّى، عن وقوع انشقاق القمر في مكّة قبل الهجرة.
جاءت هذه الروايات في البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد، وغيرها من كتب الثّقات.
وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله (ص) فقالت قريش هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا:
انظروا ما يأتيكم من السّفار فإنّ محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلّهم، قال: فجاء السّفار فقالوا ذلك.
وهذه الروايات، مع غيرها، تتفق على انشقاق القمر بمكّة.
كما ثبت أنّ أهل مكة قابلوا هذه الآية بالعناد، وادّعوا أن محمدا (ص) سحر أهل مكة حتى يشاهدوا القمر منشقّا ثم اتّفقوا على أن يسألوا عن الحادث المسافرين القادمين إلى مكّة، وقد شهد المسافرون بأنهم شاهدوا القمر نصفين في ذلك اليوم، فادّعى
стр. 2150
أهل مكة أن محمّدا (ص) سحر الناس جميعا.
قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) .
ويرى بعض المفسّرين أنّ الآية تخبر عن الأحداث الكونية المقبلة، فعند قيام الساعة ستنشق الأرض والسماوات كما قال سبحانه إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) [الانشقاق] . كما ينشق القمر وينفصل بعضه عن بعض، وتتناثر النجوم، وتبدّل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات.
سياق السورة وافكارها
في الآيات [١- ٨] وصف لجحود الكافرين، وعدم إيمانهم بالقرآن، وانصرافهم عنه إلى الهوى والبهتان.
وفي الآيات تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين بيوم الجزاء، فهم يخرجون من قبورهم خاشعين من الذل، في حالة سيئة من الرعب والهول، فيسرعون الخطى ليوم الحشر كأنهم جراد منتشر، وقد أسقط في أيديهم، فيقول الكافرون هذا يوم صعب عسر.
خمس حلقات من مصارع المكذبين
الآيات [٩- ٤٢] تشتمل على عرض سريع لمصارع قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وفرعون وملئه، وكلّها موضوعات سبقت في سور مكّية ولكنها تعرض في هذه السورة عرضا خاصّا، يحيلها جديدة كلّ الجدّة، فهي تعرض عنيفة عاصفة، وحاسمة قاصمة يفيض منها الهول، ويتناثر حولها الرعب ويظللها الدمار والفزع.
وأخصّ ما يميزها في سياق السورة، أنّ كلّا منها يمثل حلقة عذاب رهيبة سريعة لاهثة مكروبة، يشهدها المكذّبون، وكأنّما يشهدون أنفسهم فيها، ويحسّون إيقاعات سياطها فإذا انتهت الحلقة وبدءوا يستردّون أنفاسهم اللاهثة المكروبة، عاجلتهم حلقة جديدة أشدّ هولا ورعبا، حتّى تنتهي الحلقات الخمس في هذا الجو المفزع الخانق.
١- قوم نوح
[الآيات ٩- ١٧] ونلمح في الآيات مشهد المكذّبين،
стр. 2151
يتهمون نوحا (ع) بالجنون، ونوح يظهر لله ضعفه ويدعوه أن ينتصر له، وتستجيب السماء فينهمر المطر وتنفجر عيون الأرض، ويلتقي ماء السماء بماء الأرض، ثم يغرق الكافرون، وينجي الله نوحا ومن آمن معه، ويطرح القرآن سؤالا لإيقاظ القلوب الى هول العذاب وصدق النذير: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) ؟
وهذا القرآن سهل التناول، ميسّر الإدراك، فيه جاذبية الصدق والبساطة وموافقة الفطرة، لا تفنى عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، وكلّما تدبّره القلب عاد منه بزاد جديد، وكلّما صحبته النفس زادت له ألفة، وبها أنسا: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) ؟ هذا هو التعقيب الذي يتكرّر بعد كل مصرع من مصارع السابقين.
٢- عاد قوم هود
[الآيات ١٨- ٢٢] أرسل الله عليهم ريحا عاتية، تدمّر كلّ شيء بإذن ربّها، وقد سلسلوا أنفسهم بالسلاسل حتّى لا تعصف بهم الريح، وشقّوا لأجسامهم شقوقا داخل الأرض، وتركوا رؤسهم خارجها، فكانت الريح تكسر رؤوسهم وتتركهم كالنخيل التي قطعت رؤوسها، وتركت أعجازها وجذورها.
٣- ثمود قوم صالح
[الآيات ٢٣- ٣٢] وقد أرسل إليهم نبي الله صالح ومعه الناقة، وأخبرهم بأن الماء قسمة بينهم وبينها، فللناقة يوم ولهم يوم، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم.
وكان اليوم الذي ترد فيه ثمود البئر، لا تأتي الناقة اليه ولا تشرب منه، ولكنها تسقيهم لبنا وفي اليوم التالي تحضر شربها وحدها. ومع وضوح هذه الآية، فإنّ ثمود ملّت هذه القسمة، وحرّضوا شقيّا من الأشقياء على قتل الناقة، فلما قتلها استحقّوا عقاب الله، وأرسل الله عليهم صيحة واحدة فكانوا كفتات الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لغنمه.
٤- قوم لوط
[الآيات ٣٣- ٤٠] اشتهر قوم لوط، ﵇، بالشذوذ الجنسي، حيث استغنى
стр. 2152
الرجال بالرجال، وهو انتكاس للفطرة وشرود في الرذيلة، ولقد حذرهم لوط مغبة فعلتهم، فكذبوه وجادلوا بالباطل، وجاءت الملائكة الى نبي الله لوط في صورة رجال عليهم مسحة الجمال والجلال، فرغب قوم لوط ان يفعلوا فعلتهم الشنعاء في الملائكة، وراودوه عن ضيفه ليفعلوا بهم اللّواط، فاستحقوا عقوبة السماء، وأرسل الله عليهم حاصبا أي ريحا تحمل الحجارة ليذوقوا العذاب.
٥- ثم تعرض حلقة قصيرة عن فرعون وعناده وجحوده، وعقاب الله له حيث أخذه أخذ عزيز مقتدر.
وفي الآيات الأخيرة من السورة [٤٣- ٥٥] تعقيب على هلاك السابقين، وتوجيه لأهل مكة بأنهم لن يكونوا أحسن حالا ممن سبقهم ثم إنّ السّاعة تنتظرهم وهي أدهى وأمرّ من كلّ عذاب شاهدوه فيما سبق، أو سمعوا وصفه فيما مرّ، من الطوفان الذي أصاب قوم نوح، الى الريح الصرصر مع عاد، الى الصاعقة مع ثمود، الى الحاصب مع قوم لوط، الى إغراق فرعون.
٥- حكمة الخالق
وتشير الآيات الى حكمة الله العالية وهذه الحكمة تظهر في خلق الكون، وفي خلق السماء والأرض، وفي خلق الإنسان، وفي خلق الطيور والحيوانات، وفي سائر خلق الله يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) [النور] .
إنّ قدرة الله تعالى وراء طرف الخيط البعيد لكل حادث، ولكلّ نشأة ولكلّ مصير، ووراء كل نقطة وكل خطوة وكل تبديل أو تغيير، إنّه قدر الله سبحانه، النافذ الشامل الدقيق العميق.
وأحيانا تخفى الحكمة على العباد، فيستعجلون أمرا، والله لا يعجّل لعجلة العباد فالواجب أن يرضى المؤمن بالقضاء والقدر، وأن يحني رأسه أمام حكمة الله ومشيئته.
ثم يعرض الختام مشهد المجرمين يسحبون في النار على وجوههم ليذوقوا العذاب. ويعرض مشهد المتقين في نعيم الجنة، ورضوان الله العلي القدير.
стр. 2153
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القمر» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «القمر» بعد سورة «الطارق» ، ونزلت سورة «الطارق» بعد سورة «البلد» ، ونزلت سورة «البلد» بعد سورة «ق» ، وكان نزول سورة «ق» فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة «القمر» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وتبلغ آياتها خمسا وخمسين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة: بيان اقتراب الساعة التي أنذر المشركون بها، وقد جاء في آخر سورة «النجم» ، أن ساعتهم قد أزفت، فجاءت هذه السورة بعدها في هذا الغرض تأكيدا له، ورجوعا إلى سياق سورة «الذاريات» وسورة «ق» من الإنذار بالعذاب، وقد جاءت سورة «النجم» بعد سورة «الذاريات» ، للمناسبة المذكورة فيها فلما انتهت مناسبتها عاد السياق الى أصله قبلها.
اقتراب ساعة العذاب الآيات [١- ٥٥]
قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) فذكر سبحانه أن ساعة عذابهم قد اقتربت، وأنهم مع
стр. 2154
هذا مستمرون في إعراضهم وزعمهم أن ما ينذرون به سحر لا حقيقة له، وأنهم يتبعون في تكذيبهم بذلك أهواءهم، وسيعلمون أنه أمر مستقر، ولقد جاءهم في القرآن من أنباء من قبلهم ما فيه مزدجر وحكمة لهم ثم أمر النبي (ص) أن يتولى عنهم لأنهم لا يتبعون إلا أهواءهم، وأخذ السياق في تهديدهم بذلك اليوم الذي اقترب أجله، وانتقل هذا السياق من تهديدهم بهذا الى تهديدهم بما حصل لمن كذّب قبلهم، ففصّل في هذا ما أجمل في قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) .
وذكر السياق ما حصل لقوم نوح، وما حصل لعاد، وما حصل لثمود، وما حصل لقوم لوط، وما حصل لآل فرعون، ثم ذكر أنهم ليسوا خيرا من أولئك المكذّبين قبلهم حتى يبقي الله عليهم، وأنه سبحانه سيهزم جمعهم ويهلكهم ثم يذيقهم عند قيام الساعة ما هو أدهى وأمرّ، وقد فصّل ما يحصل لهم فيها، ما يحصل فيها للمتقين، ليجمع بهذا بين الترهيب والترغيب، فقال سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) .
стр. 2155
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «القمر» «١»
أقول: لا يخفى ما في توالي هاتين السورتين من حسن التناسق في التسمية، لما بين «النجم» و «القمر» من الملابسة. ونظيره توالي «الشمس» و «الليل» و «الضحى» ، وقبلها سورة «الفجر» .
ووجه آخر: أن هذه السورة بعد «النجم» «كالأعراف» بعد «الأنعام» ، و «كالصافات» بعد «يس» : إنّها تفصيل لأحوال الأمم المشار إلى إهلاكهم في قوله، تعالى، هناك: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) [النجم] «٢» .
стр. 2156
المبحث الرابع مكنونات سورة «القمر» «١»
١- يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [الآية ٦] .
هو إسرافيل.
٢- فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) .
قال زرّ بن حبيش: يوم الأربعاء.
أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
٣- فَنادَوْا صاحِبَهُمْ [الآية ٢٩] .
هو قدار بن سالف، ويلقّب بالأحمير.
стр. 2157
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «القمر» «١»
١- قال تعالى: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) .
أقول: ولولا خط المصحف لكان الرسم: فما تغني النذر، بالياء في «تغني» . وخطّ المصحف في حذف الياء هذه كان لغرض صوتي، هو أن المد الطويل الذي تحققه الياء يحدث ضربا من الثّقل، عند وصل الفعل بالفاعل «النذر» . فكأن اتصال الكسرة بضمة النون هو اتصال منسجم، لا يتحقّق لو رسمت الياء، فاقتضت ما تستحق من المدّ.
٢- وقال تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) .
في قوله تعالى: يَدْعُ الدَّاعِ، وحذفت الواو من الفعل، والياء من الاسم لقصر المدّ الذي يقتضيه إحسان وصل الكلمة بالكلمة التي تتلوها، إحسانا في الأداء لا يتوفّر مع وجود أصوات المدّ.
وقوله تعالى: نُكُرٍ، أي:
منكر، وهو من باب الوصف بالمصدر.
٣- وقال تعالى: بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ [الآية ٢٥] .
والأشر: البطر المتكبر.
أقول: وفي لغة المعاصرين يقال:
مفترس أشر، أو طمّاع أشر أي: شديد الشراهة والإقبال على الافتراس والقتل والفتك.
стр. 2158
٤- وقال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) .
وقوله تعالى: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ، أي: الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان، وتتوطّأه البهائم، فيتحطّم ويتهشم.
стр. 2159
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «القمر» «١»
قال: خُشَّعاً [الآية ٧] بالنصب على الحال، أي يخرجون من الأجداث خشعا. وقرأ بعضهم (خاشعا) لأنها صفة مقدّمة فأجراها مجرى الفعل نظيرها: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ [القلم: ٤٣] [والمعارج: ٤٤] .
وقال تعالى: فِي يَوْمِ نَحْسٍ [الآية ١٩] قرئت: (يوم نحس) على الصفة.
وقال سبحانه: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [الآية ٢٤] بنصب البشر لما وقع عليه حرف الاستفهام، وقد أسقط الفعل على شيء من سببه.
وقال تعالى: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) بجعل المس يذاق في جواز الكلام، ويقال: «كيف وجدت طعم الضرب» ؟ وهذا مجاز.
وأما نصب «كلّ» ، ففي لغة من قال:
«عبد الله ضربته» وهو في كلام العرب كثير. وقد رفعت «كلّ» في لغة من رفع، ورفعت على وجه آخر.
وقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بجعل دبر واحد للجماعة في اللفظ. ومثل ذلك قوله ﷻ :
لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [ابراهيم: ٤٣] .
وقال تعالى: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) بجعل الخبر واحدا على الكل.
стр. 2160
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «القمر» «١»
إن قيل: ما الحكمة في إعادة التكذيب في قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا [الآية ٩] لماذا لم يقل عزّ من قائل: كذبت قبلهم قوم نوح عبدنا؟
قلنا: معناه كذّبوا تكذيبا بعد تكذيب. وقيل إن التكذيب الأول منهم بالتوحيد، والثاني بالرسالة. وقيل التكذيب الأول منهم لله تعالى، والثاني لرسوله (ص) .
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف ماء الأرض والسماء: فَالْتَقَى الْماءُ [الآية ١٢] ولم يقل فالتقى الماءان؟
قلنا: أراد به جنس المياه.
فإن قيل: الجزاء إنما يكون للكافر لا للمكفور، فلم قال تعالى: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) ؟
قلنا: جزاء مفعول له فمعناه: ففتحنا أبواب السماء وما بعده ممّا كان يسبّب إغراقهم جزاء لله تعالى لأنه مكفور به، فحذف الجار وأوصل الفعل بنفسه، كقوله تعالى وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف: ١٥٥] والجزاء يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول كسائر المصادر.
الثاني: أنه نوح (ع) إما لأنه مكفور به بحذف الجار، كما مر من الكفر الذي هو ضد الإيمان، أو لأنّ كلّ نبيّ نعمة منّ الله بها على قومه، ومنه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء] . وقال رجل للرشيد: الحمد لله عليك، فقال ما
стр. 2161
معنى هذا: فقال أنت نعمة حمدت الله عليها، فكأنه قال: جزاء لهذه النعمة المكفورة وكفران النعمة يتعدّى بنفسه، قال الله تعالى: وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) [البقرة] . الثالث: أن «من» بمعنى «ما» ، فمعناه: جزاء لما كان كفر من نعم الله تعالى على العموم. وقرأ قتادة كفر بالفتح: أي جزاء للكافرين.
فإن قيل: لم قال الله تعالى: أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) أي منقلع، ولم يقل منقعرة؟
قلنا: إنّما ذكر الصفة لأنّ الموصوف، وهو النخل، مذكّر اللفظ ليس فيه علامة تأنيث، فاعتبر اللفظ وفي موضع آخر اعتبر المعنى، وهو كونه جمعا، فقال سبحانه: أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) [الحاقة] ونظيرهما قوله تعالى: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) [الواقعة] وقال أبو عبيدة:
النخل يذكّر ويؤنّث، فجمع القرآن اللّغتين. وقيل إنّما ذكر رعاية للفواصل.
стр. 2162
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «القمر» «١»
في قوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) استعارة والمراد، والله أعلم، بتفتيح أبواب السماء تسهيل سبل الأمطار حتى لا يحبسها حابس، ولا يلفتها لافت.
ومفهوم ذلك إزالة العوائق عن مجاري العيون من السماء، حتى تصير بمنزلة حبيس فتح عنه باب، أو معقول أطلق عنه عقال. وقوله تعالى: فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) أي اختلط ماء الأمطار المنهمرة، بماء العيون المتفجرة، فالتقى ماءاهما على ما قدره الله سبحانه، من غير زيادة ولا نقصان.
وهذا من أفصح الكلام، وأوقع العبارات عن هذه الحال.
وفي قوله سبحانه: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) ولفظ إلقاء الذّكر مستعار: والمراد به أن القرآن لعظم شأنه، وصعوبة أدائه، كالعبء الثقيل الذي يشقّ على من حمله، وألقي عليه ثقله.
وكذلك قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) [المزمّل] . وكذلك قول القائل: «ألقيت على فلان سؤالا، وألقيت عليه حسابا» أي سألته عمّا يستكدّ له هاجسه، ويستعمل به خاطره.
وفي قوله سبحانه: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)
стр. 2163
استعارة، لأن المرارة لا يوصف بها إلا المذوقات والمتطعّمات ولكنّ الساعة لما كانت مكروهة عند مستحقّي العقاب، حسن وصفها بما يوصف به الشيء المكروه المذاق.
ومن عادة من يلاقي ما يكرهه، ويرى ما لا يحبّه، أن يحدث ذلك تهيّجا في وجهه، يدلّ على نفور جأشه، وشدّة استيحاشه، فكذلك هؤلاء إذا شاهدوا أمارات العذاب، ونوازل العقاب، ظهر في وجوههم ما يستدلّ به على فظاعة الحال عندهم، وبلوغ مكروهها من قلوبهم، فكانوا كلائك «١» المضغة المقرة «٢» ، وذائق الكأس الصّبرة، في فرط التقطيب، وشدة التهيج. وشاهد ذلك قوله سبحانه:
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) [المؤمنون] .
стр. 2164
سورة الرّحمن (٥٥)
стр. 2165
المبحث الأول أهداف سورة «الرحمن» «١»
سورة «الرحمن» سورة مدنية وآياتها ٧٨ آية، نزلت بعد سورة «الرعد» .
وتتميز سورة «الرحمن» بجرسها، وقصر آياتها، وتعاقب الآيات:
الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) . فنسمع هذا الرنين الأخّاذ، والإيقاع الصاعد الذاهب الى بعيد، والنعم المتعدّدة بتعليم القرآن، وخلق الإنسان، وتعليم البيان.. وكلّ هذه النعم مصدرها رحمة الرحيم الرحمن، صاحب الفضل والإنعام فإذا استرسلنا في قراءة السورة رأينا حشدا من مظاهر النعم، وآلاء الله الباهرة الظاهرة، في جميل صنعه، وإبداع خلقه، وفي فيض نعمائه، وفي تدبيره للوجود وما فيه، وتوجيه الخلائق كلّها الى وجهه الكريم ...
وسورة «الرحمن» ، إشهاد عام للوجود كلّه على الثّقلين: الإنس والجن، إشهاد في ساحة الوجود، على مشهد من كلّ موجود، مع تحدّ للجن والإنس إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الله، تحديا يتكرّر عقب بيان كلّ نعمة من نعمه، التي يعدّدها ويفصّلها، ويجعل الكون كلّه معرضا لها، وساحة الاخرة كذلك.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) .
تكررت هذه الآية في السورة إحدى وثلاثين مرة، لتذكّر الإنس والجن، بنعم الله الجزيلة عليهم، بأسلوب معجز يتحدّى بلغاء العرب ولا شك
стр. 2166
في أنّ هذه النعم الضافية، التي أسبغها ربهم عليهم، تستحق من العباد الشكر والايمان، لا الكفر والطغيان.
والآلاء جمع «ألى» ، أو «إلى» وهي النعمة، أي نعم الله عليكم وافرة، ترونها أمامكم، وخلفكم، وفوقكم، وتحتكم، فبأيّ هذه النعم تكذّبان؟
والخطاب هنا للجنّ والانس، لتذكيرهما بالإفضال المتلاحقة من الله تعالى، ولا يستطيعان أن يكذّبا، أو يجحدا، أيّ نعمة من هذه النعم.
روي أنّ رسول الله (ص) خرج على أصحابه، فقرأ عليهم سورة «الرحمن» ، من أوّلها إلى آخرها، فسكتوا، فقال النبي (ص) : لقد قرأتها على الجنّ، فكانوا أحسن ردّا منكم، كنت كلما أتيت على قوله تعالى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) قالوا: لا بشيء من نعمك ربّنا نكذّب، فلك الحمد.
كما روي أن قيس بن عاصم المنقري، جاء الى رسول الله (ص) فقال له: يا محمد، اتل عليّ شيئا ممّا أنزل عليك، فتلا عليه سورة «الرحمن» ، فقال: أعدها فأعادها (ص) فقال: والله إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وأسفله مغدق، وأعلاه مسفر، وما يقول هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنك رسول الله.
المعنى الإجمالي للسورة
المنّة على الخلق بتعليم القرآن، وتلقين البيان، ولفت أنظارهم إلى صحائف الوجود الناطقة بآلاء الله:
الشمس، والقمر، والنجم، والشجر، والسماء المرفوعة، والميزان الموضوع، وما فيها من فاكهة، ونخل، وحبّ، وريحان، والجن والإنس، والمشرقان، والمغربان، والبحران بينهما برزخ لا يبغيان، وما يخرج منهما، وما يجري فيهما.
فإذا تمّ عرض هذه الصحائف الكبار، عرض مشهد فنائها جميعا، مشهد الفناء المطلق للخلائق، في ظل الوجود المطلق لوجه الله الكريم الباقي، الذي إليه تتوجّه الخلائق جميعا، ليتصرف في أمرها بما يشاء، قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) .
وفي ظل الفناء المطلق للإنسان، والبقاء المطلق للرحمن، يجيء التهديد المروّع، والتحدّي الكوني للجن والإنس، ومن ثمّ يعرض السياق مشهد
стр. 2167
النهاية، مشهد القيامة، يعرض في صورة كونية، يرتسم فيها مشهد السماء حمراء سائلة، ومشهد العذاب للمجرمين، ثم يعرض ألوان الثواب للمتقين، ويصف الجنة وما فيها من نعيم مقيم أعدّه الله للمتقين، ويبين أن منازل الجنات مختلفة، ونعيمها متفاوت، والجزاء على قدر العمل.
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) .
قال المفسّرون: شؤون يبديها لا شؤون يبتديها «١» ، فهو سبحانه صاحب التدبير، الذي لا يشغله شأن عن شأن، ولا يندّ عن علمه ظاهر، ولا خاف والخلق كلهم يسألونه، فهو سبحانه مناط السؤال، وغيره لا يسأل، وهو معقد الرجاء ومظنة الجواب.
وهذا الوجود، الذي لا تعرف له حدود، كله منوط بقدره، متعلّق بمشيئته، وهو سبحانه قائم بتدبيره.
هذا التدبير الذي يتبع ما ينبت، وما يسقط من ورقة، وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض، وكل رطب وكل يابس، يتبع الأسماك في بحارها، والديدان في مساربها، والوحوش في أوكارها، والطيور في أعشاشها، وكل بيضة وكل فرخ، وكل خلية في جسم حي.
تفسير النسفي للاية
في تفسير قوله تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) ، قال النسفي: كل من في السماوات والأرض مفتقرون إليه، فيسأله أهل السماوات ما يتعلّق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم.
وكل وقت وحين، يحدث أمورا ويجدّد أحوالا كما روي أنه ﵇ تلاها، فقيل له وما ذلك الشأن؟ فقال: من شأن أن يغفر ذنبا ويفرّج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين. وعن ابن عيينة: الدهر عند الله يومان، أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا، فشأنه فيه الأمر، والنهي، والإحياء، والإماتة، والإعطاء، والمنع واليوم الاخر، هو القيامة، فشأنه فيه الجزاء، والحساب.
وقيل نزلت في اليهود حينما قالوا:
стр. 2168
إنّ الله لا يقضي يوم السبت شأنا.
وسأل بعض الملوك وزيره عن الآية، فاستمهله الى الغد، وذهب كئيبا يفكّر فيها فقال غلام له أسود: يا مولاي أخبرني ما أصابك، فأخبره، فقال الغلام أنا أفسرها للملك فأعلمه، فقال أيها الملك: شأن الله أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما ويسقم سليما، ويبتلي معافى ويعافي مبتلى، ويعزّ ذليلا، ويذلّ عزيزا، ويغني فقيرا. فقال الملك: أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة، فقال: يا مولاي هذا من شأن الله. وقيل سوق المقادير إلى المواقيت. وقيل إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل، وقال له أشكلت علي آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) وقد صح أن القلم جفّ، بما هو كائن الى يوم القيامة. فقال الحسين: كل يوم هو في شأن، فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها «١» أي يظهرها لعباده في واقع الناس، على وفق ما قدّره في الأزل، من إحياء وإماتة، وإعزاز وإذلال، وإغناء وإعدام، وإجابة داع، وإعطاء سائل، وغير ذلك «٢» فالناس يسألونه سبحانه بصفة مستمرّة، وهو سبحانه مجيب الدعاء، بيده الخلق والأمر، يغيّر ولا يتغيّر، يجير ولا يجار عليه، يقبض ويبسط ويخفض ويرفع، وهو بكل شيء عليم.
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) .
стр. 2169
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الرحمن» «١»
تاريخ نزولها وتسميتها
نزلت سورة «الرحمن» بعد سورة «الرعد» ، ونزلت سورة «الرعد» ، فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة «الرحمن» في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لافتتاحها به في قوله تعالى: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٩٩ (٢) وتبلغ آياتها ثماني وسبعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة، الدعوة إلى الله تعالى، بطريق الترغيب، وذلك بتعداد نعمه على عباده، وقد أخذ المشركون في السورة السابقة، بطريق الإنذار والترهيب، فأخذوا في هذه السورة بطريق الترغيب، تفنّنا في السياق، وتجديدا لنشاط السامع، على أنها لم تخل مع هذا من الأخذ بالترهيب أيضا.
تعداد نعم الله على عباده الآيات [١- ٧٨]
قال الله تعالى: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) فذكر سبحانه نعمته على عباده بإنزال القرآن لهدايتهم، وبخلقهم وتعليمهم البيان، وبخلق الشمس والقمر بحسبان، وبخلق النجم والشجر، وبرفع السماء ووضع الميزان، وبوضع الأرض وما فيها، من فاكهة ونخل وحبّ وريحان ثم ذكر سبحانه أنه خلق الإنسان من
стр. 2170
صلصال، والجانّ من نار، وأنه ربّ المشرقين والمغربين، وأنه مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان، ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وتجري فيهما السفن كالأعلام ثم ختم السياق بقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) ليبين أن الإنسان يتمتّع بذلك الى أجل، فلا يصح أن يغتر به وينسى ربّه ثمّ عدّد سبحانه نعمه، فذكر أنه يسأله من في السماوات والأرض، ما يحتاج إليه في دينه ودنياه كل يوم، وأنه سيفرغ لهم ويحاسبهم على جحد هذه النعم، فلا يمكنهم أن يفلتوا من حسابه وأنه سيرسل عليهم شواظا من نار ونحاس، فلا يمنعهم منهما أحد، وأن ذلك سيكون إذا انشقت السماء فكانت وردة كالدّهان ثم ذكر سبحانه ما يكون من حسابهم وعقابهم في ذلك اليوم وأعقبه جلّ شأنه بذكر ما أعدّه لمن خاف مقامه فلم يجحد ما أنعم به عليه، ومضى السياق في تفصيل هذا إلى أن ختمه بقوله تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨) .
стр. 2171
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الرحمن» «١»
أقول: لمّا قال في آخر القمر: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) . ثم وصف حال المجرمين في سقر، وحال المتّقين في جنّات ونهر، فصل هذا الإجمال في هذه السورة أتمّ تفصيل، على الترتيب الوارد في الإجمال.
فبدأ بوصف مرارة الساعة، والإشارة الى إدهائها، ثم وصف النار وأهلها «٢» ، والجنّة وأهلها «٣» ، ولذا قال فيهم: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) . وذلك هو عين التقوى «٤» .
ولم يقل: لمن آمن وأطاع، أو نحوه، لتتوافق الألفاظ في التفصيل والمفصّل.
وعرف بذلك، أنّ هذه السورة بأسرها، شرح لآخر السورة التي قبلها، فلله الحمد، على ما ألهم وفهّم.
стр. 2172
المبحث الرابع مكنونات سورة «الرحمن» «١»
١- وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب، وعطاء: أنها نزلت في أبي بكر «٢» .
стр. 2173
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الرحمن» «١»
١- وقال تعالى: يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
(٦٦) . قوله تعالى:
َّاخَتانِ
(٦٦) ، أي: فوّارتان بالماء.
أقول: والنّضخ والنّضح واحد، إلّا أنّ الأوّل أكثر وهذه من فوائد الإبدال الصوتي في العربية، ومثل هذا الهدير والهديل.
٢- وقال تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) .
«الرفرف» : ضرب من البسط، وقيل الوسائد، وقيل: كلّ ثوب عريض رفرف. وقرئ «رفارف خضر» وقرئ: (وعباقري حسان) .
стр. 2174
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الرحمن» «١»
قال تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) أي: بحساب. وأضمر الخبر. أظن، والله أعلم، كأنّه أراد يجريان بحساب «٢» .
وقال تعالى: ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وواحدها «الكمّ» .
وقال سبحانه: ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) وواحدها: «الفنن» «٣» .
وقال جلّ شأنه: مُدْهامَّتانِ (٦٤) تقول «ازورّ» و «ازوارّ» .
стр. 2175
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الرحمن» «١»
إن قيل: أيّ مناسبة بين رفع السماء ووضع الميزان حتى قرن بينهما؟
قلنا: لما صدّرت هذه السورة بتعديد نعمه سبحانه على عبيده، ذكر سبحانه من جملتها وضع الميزان الذي به نظام العالم وقوامه، ولا سيّما أن المراد بالميزان العدل في قول الأكثرين، والقرآن في قول، وكل ما تعرف به المقادير في قول، كالمكيال والميزان والذراع المعروف، ونحوها.
فإن قيل: قوله تعالى: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) أي لا تجاوزوا فيه العدل، مغن عمّا بعده من الجملتين، فما الحكمة في ورودهما؟
قلنا: المراد بالطغيان فيه أخذ الزائد، وبالإخسار فيه إعطاء الناقص، وأمر بالتوسط الذي هو إقامة الوزن بالقسط، ونهى عن الطرفين المذمومين.
فإن قيل: لم قال تعالى هنا:
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وهو الطين اليابس الذي لم يطبخ لكن له صلصلة: أي صوت إذا نقر وقال تعالى في موضع آخر:
مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر:
٢٦ و ٢٨] وقال تعالى: مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) [الصّافات] وقال تعالى: مِنْ تُرابٍ [الروم: ٢٠] ؟
قلنا: الآيات كلها متفقة في المعنى.
لأنّه تعالى خلق الإنسان من تراب، ثمّ جعله طينا، ثمّ حمأ مسنونا، ثم صلصالا.
فإن قيل: لم قال تعالى: