المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الرحمن» «١»
أقول: لمّا قال في آخر القمر: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) . ثم وصف حال المجرمين في سقر، وحال المتّقين في جنّات ونهر، فصل هذا الإجمال في هذه السورة أتمّ تفصيل، على الترتيب الوارد في الإجمال.
فبدأ بوصف مرارة الساعة، والإشارة الى إدهائها، ثم وصف النار وأهلها «٢» ، والجنّة وأهلها «٣» ، ولذا قال فيهم: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) . وذلك هو عين التقوى «٤» .
ولم يقل: لمن آمن وأطاع، أو نحوه، لتتوافق الألفاظ في التفصيل والمفصّل.
وعرف بذلك، أنّ هذه السورة بأسرها، شرح لآخر السورة التي قبلها، فلله الحمد، على ما ألهم وفهّم.
стр. 2172
المبحث الرابع مكنونات سورة «الرحمن» «١»
١- وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب، وعطاء: أنها نزلت في أبي بكر «٢» .
стр. 2173
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الرحمن» «١»
١- وقال تعالى: يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
(٦٦) . قوله تعالى:
َّاخَتانِ
(٦٦) ، أي: فوّارتان بالماء.
أقول: والنّضخ والنّضح واحد، إلّا أنّ الأوّل أكثر وهذه من فوائد الإبدال الصوتي في العربية، ومثل هذا الهدير والهديل.
٢- وقال تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) .
«الرفرف» : ضرب من البسط، وقيل الوسائد، وقيل: كلّ ثوب عريض رفرف. وقرئ «رفارف خضر» وقرئ: (وعباقري حسان) .
стр. 2174
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الرحمن» «١»
قال تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) أي: بحساب. وأضمر الخبر. أظن، والله أعلم، كأنّه أراد يجريان بحساب «٢» .
وقال تعالى: ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وواحدها «الكمّ» .
وقال سبحانه: ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) وواحدها: «الفنن» «٣» .
وقال جلّ شأنه: مُدْهامَّتانِ (٦٤) تقول «ازورّ» و «ازوارّ» .
стр. 2175
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الرحمن» «١»
إن قيل: أيّ مناسبة بين رفع السماء ووضع الميزان حتى قرن بينهما؟
قلنا: لما صدّرت هذه السورة بتعديد نعمه سبحانه على عبيده، ذكر سبحانه من جملتها وضع الميزان الذي به نظام العالم وقوامه، ولا سيّما أن المراد بالميزان العدل في قول الأكثرين، والقرآن في قول، وكل ما تعرف به المقادير في قول، كالمكيال والميزان والذراع المعروف، ونحوها.
فإن قيل: قوله تعالى: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) أي لا تجاوزوا فيه العدل، مغن عمّا بعده من الجملتين، فما الحكمة في ورودهما؟
قلنا: المراد بالطغيان فيه أخذ الزائد، وبالإخسار فيه إعطاء الناقص، وأمر بالتوسط الذي هو إقامة الوزن بالقسط، ونهى عن الطرفين المذمومين.
فإن قيل: لم قال تعالى هنا:
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وهو الطين اليابس الذي لم يطبخ لكن له صلصلة: أي صوت إذا نقر وقال تعالى في موضع آخر:
مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر:
٢٦ و ٢٨] وقال تعالى: مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) [الصّافات] وقال تعالى: مِنْ تُرابٍ [الروم: ٢٠] ؟
قلنا: الآيات كلها متفقة في المعنى.
لأنّه تعالى خلق الإنسان من تراب، ثمّ جعله طينا، ثمّ حمأ مسنونا، ثم صلصالا.
فإن قيل: لم قال تعالى:
стр. 2176
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فكرر ذكر الرب، ولم يكرره في سورة المعارج، بل أفرده فقال تعالى فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: ٤٠] وكذا في سورة المزمّل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) ؟
قلنا: إنما ذكر الرب تأكيدا، فكان التأكيد بهذا الموضع أليق منه بذينك الموضعين، لأنه موضع الامتنان وتعديد النعم، ولأنّ الخطاب فيه مع جنسين وهما الإنس والجن.
فإن قيل: بعض الجمل المذكورة في هذه السورة، ليست من النعم، كقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وقوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فكيف حسن الامتنان بعدها بقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) ؟
قلنا: من جملة الآلاء دفع البلاء وتأخير العقاب، فإبقاء من هو مخلوق للفناء نعمة. وتأخير العقاب عن العصاة أيضا نعمة، فلهذا امتنّ علينا بذلك.
فإن قيل: لم قال تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) والله تعالى لا يشغله شيء؟
قلنا: قال الزجّاج: الفراغ في اللغة على ضربين أحدهما الفراغ من شغل، والاخر القصد للشيء والإقبال عليه، وهو تهديد ووعيد، ومنه قولهم:
سأتفرّغ لفلان: أي سأجعله قصدي، فمعنى الآية سنقصد لعقابكم، وعذابكم، وحسابكم.
فإن قيل: لم وعد سبحانه الخائف جنّتين فقط؟
قلنا: لأن الخطاب للثّقلين، فكأنّه قيل لكلّ خائفين من الثقلين جنتان، جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجنّي. وقيل المراد به أن لكل خائف جنتين، جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي. وقيل جنة يثاب بها، وجنة يتفضّل بها عليه زيادة، لقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] أي الجنة وزيادة.
فإن قيل: لم قال تعالى: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ [الآية ٥٦] ولم يقل سبحانه فيهما، والضمير للجنتين؟
قلنا: الضمير لمجموع الآلاء المعدودة: من الجنتين، والعينين، والفاكهة، وغيرها، مما سبق ذكره.
وقيل: هو للجنتين، وإنّما جمع لاشتمال الجنتين على قصور ومنازل.
стр. 2177
وقيل: الضمير للمنازل والقصور، التي دل عليها ذكر الجنتين. وقيل: الضمير لمجموع الجنان، التي دل عليها ذكر الجنتين. وقيل: الضمير عائد الى الفرش، لأنها اقرب، وعلى هذا القول «في» بمعنى على، كما في قوله تعالى أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ [الطور:
٣٨] .
فإن قيل: لم قال الله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) أي لم يفتضّهن، ونساء الدنيا لا يفتضّهن الجان، فما الحكمة في تخصيص الحور بذلك؟
قلنا: معناه أن تلك القاصرات الطرف إنسيّات للإنس وجنّيات للجنّ، فلم يطمث الإنسيات إنسي، ولا الجنيات جني وهذه الآية دليل على أن الجنّ يواقعون كما يواقع الإنس.
وقيل فيها دليل، على أن الجني يغشى الإنسيّة في الدنيا.
стр. 2178
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الرحمن» «١»
في قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) ، استعارة: فالنجم هاهنا ما نجم من النبات. أي طلع وظهر.
والمراد بسجود النبات والشجر، والله أعلم، ما يظهر عليها من آثار صنعة الصانع الحكيم، والمقدّر العليم، بالتنقّل من حال الإطلاع، الى حال الإيناع، ومن حال الإيراق الى حال الإثمار، غير ممتنعة على المصرّف، ولا آبية على المدبّر.
وفي قوله سبحانه: وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) ، نلاحظ أن لفظ الميزان هاهنا مستعار، على أحد التأويلين. وهو أن يكون معناه العدل الذي تستقيم به الأمور، ويعتدل عليه الجمهور. وشاهد ذلك قوله تعالى:
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الإسراء: ٣٥] أي بالعدل في الأمور.
وروي عن مجاهد «٢» أنه قال:
القسطاس: العدل بالرومية. ويقال:
قسطاس، وقسطاس. بالضم والكسر، كقرطاس وقرطاس.
стр. 2179
وفي قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) استعارة. والمراد: أنه سبحانه أرسل البحرين طاميين، وأمارهما مائعين، وهما يلتقيان بالمقاربة، لا بالممازجة، فبينهما حاجز يمنعهما من الانحراف، ويصدّهما عن الاختلاط.
ومعنى قوله تعالى: لا يَبْغِيانِ (٢٠) أي لا يغلب أحدهما على الاخر، فيقلبه إلى صفته، لا الملح على العذب، ولا العذب على الملح. وكنى تعالى بلفظ البغي، عن غلبة أحدهما على صاحبه. لأن الباغي، في الشاهد، اسم لمن تغلّب من طريق الظلم بالقوة والبسطة، والتطاول والسطوة.
وقد مضى الكلام على مثل هذه الاستعارة في ما تقدّم. إلّا أن فيها هاهنا زيادة، أوجبت إعادة ذكرها.
وفي قوله سبحانه: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) استعارة. وقد تقدّم الكلام على نظيرها. والمراد:
وتبقى ذات ربّك وحقيقته. ولو كان محمولا على ظاهره، لكان فاسدا مستحيلا، على قولنا وقول المخالفين.
لأنه لا أحد يقول من المشبّهة والمجسّمة، الذين يثبتون لله سبحانه أبعاضا مؤلّفة، وأعضاء مصرّفة، إنّ وجه الله سبحانه يبقى، وسائره يبطل ويفنى. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
ومن الدليل على أن المراد بوجه الله هاهنا، ذات الله، قوله سبحانه: ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) ألا ترى أنه سبحانه، لمّا قال في خاتمة هذه السورة: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ قال: ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨) ولم يقل (ذو) لأن اسم الله غير الله، ووجه الله هو الله، وهذا واضح البيان، وقد مضى الكلام على هذا المعنى فيما تقدم.
وفي قوله سبحانه: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) استعارة. وقد كان والدي الطاهر الأوحد، ذو المناقب، أبو أحمد الحسين «١» ، ابن موسى
стр. 2180
الموسوي، ﵁ وأرضاه، سألني عن هذه الآية في عرض كلام جرّ ذكرها، فأجبته في الحال بأعرف الأجوبة المقولة فيها. وهو أن يكون المراد بذلك: سنعمد لعقابكم، ونأخذ في جزائكم، على مساوئ أعمالكم، وأنشدته بيت جرير كاشفا عن حقيقة هذا المعنى.
وهو قوله:
ألان وقد فرغت الى نمير ... فهذا حين صرت لها عذابا
فقال: فرغت إلى نمير، كما يقول:
عمدت إليها. فأعلمنا أن معنى فرغت هاهنا معنى عمدت وقصدت. ولو كان يريد الفراغ من الشغل لقال: فرغت لها، ولم يقل فرغت إليها.
وقال بعضهم: إنما قال سبحانه:
سَنَفْرُغُ لَكُمْ (٣١) ولم يقل: سنعمد.
لأنه أراد أي سنفعل فعل من يتفرغ للعمل من غير تجميع «١» فيه، ولا اشتغال بغيره عنه، ولأنه لما كان الذي يعمد الى الشيء ربّما قصّر فيه لشغله معه بغيره، وكان الفارغ له، في الغالب، هو المتوفّر عليه دون غيره، دللنا بذلك على المبالغة في الوعيد، من الجهة التي هي أعرف عندنا، ليقع الزجر بأبلغ الألفاظ، وأدلّ الكلام على معنى الإبعاد.
وقال بعضهم: أصل الاستعارة موضوع على مستعار منه ومستعار له، فالمستعار منه أصل، وهو أقوى.
والمستعار له فرع، وهو أضعف. وهذا مطّرد في سائر الاستعارات، فإذا تقرر ذلك كان قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) من هذا القبيل.
فالمستعار منه هاهنا ما يجوز فيه الشغل، وهو أفعال العباد، والمستعار له مالا يجوز فيه الشغل، وهو أفعال الله تعالى. والمعنى الجامع لهما الوعيد، إلّا أن الوعيد بقول القائل:
سأتفرّغ لعقوبتك، أقوى من الوعيد بقوله: سأعاقبك. من قبل أنه كأنما قال: سأتجرّد لمعاقبتك، كأنه يريد استفراغ قوّته في العقوبة له.
ثم جاء القرآن على مطرح كلام العرب، لأن معناه أسبق الى النفس، وأظهر للعقل، والمراد به تغليظ الوعيد، والمبالغة في التحذير. ومثل
стр. 2181
ذلك قوله تعالى في المدّثّر: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) فالمستعار منه هاهنا ما يجوز فيه المنع، وهو أفعال العباد، والمستعار له مالا يجوز فيه المنع، وهو أفعال القديم سبحانه كما قلنا أولا والمعنى الجامع لهما: التخويف والتهديد.
والتهديد بقول القائل: «ذرني وفلانا» ، إذا أراد المبالغة في وعيده، أقوى من قوله: خوّف فلانا من عقوبتي، وحذّره من سطوتي. وهذا بيّن بحمد الله تعالى.
وقد يجوز أن يكون لذلك وجه آخر، وهو أن يكون معنى قوله تعالى:
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أي سنفرّغ لكم ملائكتنا الموكّلين بالعذاب، والمعدين لعقاب أهل النار. ونظير ذلك قوله تعالى:
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر] أي جاء ملائكة ربّك. ويكون تقدير الكلام: وجاء ملائكة ربّك وهم صفّا صفّا. كما تقول: أقبل القوم وهم زحفا زحفا. والملك هاهنا لفظ الجنس، وإنما أعيد ذكر الملك ليدل على المحذوف الذي هو اسم الملائكة، لأنه ما كان يسوّغ أن يقول:
وجاء ربك وهم صفّا صفّا، ويريد الملائكة على التقدير الذي قدّرناه، لأنّ الكلام كان يكون ملبسا، والنظام مختلا مضطربا.
وقد يجوز أيضا أن يكون المعنى:
وجاء أمر ربك، والملك صفّا صفّا.
كلا القولين جائز.
وقرأ «١» حمزة والكسائي: (سيفرغ لكم) ، بالياء وفتحها.
стр. 2182
سورة الواقعة (٥٦)
стр. 2183
المبحث الأول أهداف سورة «الواقعة» «١»
سورة «الواقعة» سورة مكية آياتها ٩٦ آية، نزلت بعد سورة «طه» .
ثلاثة أصناف
عند قيام القيامة يرتفع شأن المؤمنين، وينخفض قدر المكذّبين، وينقسم الناس الى ثلاثة اقسام:
أصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال، والسّابقون المقرّبون.
وقد فصّلت الآيات [١٠- ٢٦] ما أعدّ للسابقين في جنات النعيم، فهم عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) ، مشبكة بالمعادن الثمينة، مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) في راحة وخلوّ بال من الهموم والمشاغل، ولهم في الجنة ما يشتهون، من المتعة والنعيم والحور العين، وحياتهم كلّها سلام: تسلّم عليهم الملائكة، ويسلّم بعضهم على بعض، ويبلغهم السلام من الرحمن.
أصحاب اليمين
تصف الآيات [٢٧- ٤٠] ما أعدّ لأصحاب اليمين، فهم في سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) والسّدر شجر النبق الشائك، ولكنه هنا مخضود شوكه ومنزوع، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) والطّلح شجر الموز، منضود معدّ للتداول، بلا كدّ ولا مشقة.
يتمتع أصحاب اليمين بألوان البهجة وصنوف التكريم، فهم في حدائق من شجر نبق لا شوك فيه، وشجر موز منتظم الثمر، وفي ظل منبسط، وماء
стр. 2184
يجري بين أيديهم كما يشاءون، ولديهم فاكهة كثيرة الكمّ والأنواع، لا تنقطع عنهم ولا يمنعون من تناولها، وقد أعدّ لهم في الجنة أسرّة عالية طاهرة، عليها زوجات طاهرات، قد خلقن خلقا جديدا يتّسم بالكمال والجمال، وأنشئن إنشاء جديدا من غير ولادة، وهنّ أبكار لم يمسسن عُرُباً [الآية ٣٧] متحبّبات إلى أزواجهنّ أَتْراباً (٣٧) كلهن في سن واحدة، في ريعان الشباب، وطراوة الصّبا.
أصحاب الشمال
تصف الآيات [٤١- ٥٧] ما أعدّ لأصحاب الشمال، فهم في سَمُومٍ (٤٢) وهو هواء ساخن ينفذ الى المسام، ويشوي الأجسام، وَحَمِيمٍ (٤٢) وهو ماء متناه في الحرارة، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) ظل من دخان أسود ساخن، لا بارد كسائر الظلال، ولا كريم ينتفع به، لأنهم كفروا بالله، وانغمسوا في الشهوات، وأنكروا البعث والجزاء.
آيات القدرة الالهية
تعرض الآيات [٥٨- ٧٤] آثار القدرة الإلهية المبدعة، وتحرّك قلوب المشاهدين، لينظروا في أصل خلقتهم، وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم، وفي الماء الذي يشربون، وفي النار التي يوقدون.
وهي طريقة فذة للقرآن الكريم، حين يلفت الإنسان الى أبسط مظاهر الحياة ومشاهدها، ليبني له أضخم عقيدة دينية، وأوسع تصوّر كوني. هذه المشاهدات التي تدخل في تجارب كلّ انسان، في النسل، في الزرع، في الماء، في النار فأيّ انسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟
من هذه المشاهدات البسيطة الساذجة، ينشئ القرآن العقيدة، لأنه يخاطب كل إنسان في بيئته.
وهذه المشاهدات البسيطة هي بذاتها أضخم الحقائق الكونية وأعظم الأسرار الربّانية:
نشأة الحياة الإنسانية ... وهي سر الأسرار.
نشأة الحياة النباتية معجزة كذلك، الماء أصل الحياة، النار ... المعجزة التي صنعت الحضارة الانسانية.
стр. 2185
أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) .
«إنّ دور البشر في أمر هذا الخلق لا يزيد على أن يودع الرجل ما يمني رحم امرأة، ثم ينقطع عمله وعملها، وتأخذ يد القدرة في العمل وحدها في هذا الماء المهين، تعمل وحدها في خلقه، وتنميته، وبناء هيكله، ونفخ الروح فيه، ومنذ اللحظة الأولى، وفي كل لحظة تالية، تتحقّق المعجزة، وتقع الخارقة التي لا يصنعها إلّا الله، والتي لا يدري البشر كنهها وطبيعتها، كما لا يعرفون كيف تقع، بله أن يشاركوا فيها» «١» .
الزرع والماء والنار
يتابع القرآن الكريم طرقاته على القلب البشري ليتأمّل، ويخاطب النفوس الإنسانية، ليرشدها الى مواطن القدرة فيما بين يديها.
فهذا الزرع الذي ينبت ويؤتي ثماره، ما دورهم فيه؟ إنهم يحرثون، ويلقون الحب والبذور التي صنعها الله.. ثم تسير الحبة في طريقها للنمو، سير العاقل، العارف الخبير بمراحل الطريق، الذي لا يخطئ ولا يضل.
إنّ يد القدرة هي التي تتولّى خطاها على طول الطريق، فإذا الحبة عود أخضر ناضر، وإذا النواة نخلة كاملة سامقة مثمرة.
ويتابع القرآن لمساته لاستثارة التفكير والتأمّل، فيناقش المخاطبين:
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) .
أي أخبروني أيّها المنكرون الجاحدون عن الماء العذب الذي تشربونه، هل فكّرتم وتدبّرتم من الذي صعّده من البحار والمحيطات، وجعله بخارا، ثمّ سحابا متراكما، ثمّ صيّره ماء عذبا فراتا.
ولو شاء الله سبحانه لجعل ذلك الماء ملحا مرّا، لا يحيي الزرع ولا الضّرع، ولا يستساغ لمرارته، فهلا تشكرون ربّكم على إنزال المطر، عذبا زلالا سائغا، لشرابكم أنتم وأنعامكم وزرعكم.
ثم يذكّر هم بنعمة النار التي يوقدونها: من الذي أنبت شجرتها
стр. 2186
الخضراء من الأرض، وأودع في الشجرة العناصر الأوّلية القابلة للاشتعال لقد جعل الله، سبحانه، النار في الدنيا تذكرة للناس بنار الاخرة وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) أي للمسافرين فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) أي نزّه الله، سبحانه، وأنسب إليه، ﷻ ، العظمة والقدرة والخلق والإبداع، فهو الإله العلي القدير.
مواقع النجوم
في الآيات [٧٥- ٨٠] نلمس سموّ القرآن وطهارته، وعلوّ شأنه ومنزلته.
وقد مهّدت الآيات ببيان آثار القدرة، في خلق النجوم، وتحديد أماكنها، وتنظيم سيرها، بحيث لا يصطدم نجم باخر. قال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) .
«ويقول الفلكيون، إنّ من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدّة بلايين نجم، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا يرى إلّا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحسّ به الأجهزة دون أن تراه هذه كلّها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أيّ احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم، من مجال نجم آخر، أو يصطدم بكوكب آخر، إلّا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط باخر في المحيط الهادي يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة، وهو احتمال بعيد وبعيد جدا ان لم يكن مستحيلا» «١» .
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) .
وليس قول كاهن، كما تدّعون، ولا قول مجنون، ولا مفتر على الله من أساطير الأولين، ولا تنزّلت به الشياطين الى آخر هذه الأقاويل. إنما هو قرآن كريم، كريم بمصدره، وكريم بذاته، وكريم باتجاهاته، كريم على الله، كريم على الملائكة، كريم على المؤمنين.
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) من دنس الشّرك والنفاق، ودنس الفواحش، أي لا تصل أنوار القرآن وبركاته وهدايته، إلّا إلى القلوب الطاهرة.
стр. 2187
وروي عن علي ﵁، وابن مسعود، ومالك، والشافعي، أنّ المعنى: لا يمسّه من كان على جنابة، أو حدث، أو حيض.
وروي عن ابن عبّاس، والشّعبي، وجماعة، منهم أبو حنيفة، أن المصحف، أو بعضه، يجوز للمحدث مسّه، وبخاصة للدرس والتعليم «١» .
نهاية الحياة
في الآيات [٨٣- ٩٦] نجد الإيقاع الأخير في السورة لحظة الموت، اللمسة التي ترتجف لها الأوصال، واللحظة التي تنهي كلّ جدال، واللحظة التي يقف فيها الحي بين نهاية طريق وبداية طريق، حيث لا يملك الرجوع ولا يملك النّكوص: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) .
وإننا لنكاد نسمع صوت الحشرجة، ونبصر تقبّض الملامح، ونحسّ الكرب والضيق، من خلال قوله تعالى:
فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) ، كما نكاد نبصر نظرة العجز، وذهول اليأس، في ملامح الحاضرين، من خلال قوله تعالى: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) .
هنا، في هذه اللحظة، وقد فرغت الروح من أمر الدنيا، وخلّفت وراءها الأرض وما فيها وهي تستقبل عالما لا عهد لها به، ولا تملك من أمره شيئا، إلّا ما ادّخرت من عمل، وما كسبت من خير أو شر.
فإن كان الميت المحتضر من السابقين في الإيمان، فروحه ترى علائم النعيم الذي ينتظرها: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) ، وهم دون المقرّبين السّابقين في المنزلة والدرجة، فإنّ الملائكة تبلّغه السلام من الله، ومن الملائكة ومن أقرانه أصحاب اليمين، وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فنزله عند ذلك، الحميم الساخن، والماء الحار، وعذاب الجحيم.
ثم تختم السورة في إيقاع عميق رزين، يفيد أن ما قصّه الله سبحانه في هذه السورة، حقّ ثابت، ويقين صادق لا شكّ فيه.
стр. 2188
إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) .
الأفكار العامة للسورة
قال الفيروزآبادي: معظم مقصود السورة: ظهور واقعة القيامة، وأصناف الخلق، بالإضافة الى العذاب والعقوبة، وبيان حال السّابقين بالطّاعة، وبيان حال قوم يكونون متوسّطين بين أهل الطّاعة، وأهل المعصية، ويذكر حال أصحاب الشمال، والغرقى في بحر الهلاك، وبرهان البعث من ابتداء الخلقة، ودليل الحشر والنشر من الحرث والزرع، وحديث الماء والنار، وما ضمنهما من النعمة والمنّة، ومن المصحف وقراءته في حالة الطهارة، وحال المتوفّى في ساعة السّكرة، وذكر قوم بالبشارة، وقوم بالخسارة، والشهادة للحق سبحانه بالكبرياء والعظمة «١» بقوله سبحانه: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) ، وقوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) ، أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) .
بدئ بذكر خلق الإنسان، ثم بما لا غنى له عنه، وهو الحبّ الذي منه قوته وقوّته، ثم الماء الذي منه سوغه وعجنه، ثمّ النّار التي بها نضجه وصلاحه «٢» .
فضل السورة
عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كلّ ليلة، لم تصبه فاقة أبدا» «٣» .
стр. 2189
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الواقعة» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الواقعة» بعد سورة «طه» ، ونزلت سورة «طه» فيما بين الهجرة الى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة «الواقعة» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) وتبلغ آياتها ستّا وتسعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة: تفصيل جزاء المؤمنين والكافرين في يوم القيامة، فهي من باب الدعوة بطريق الترغيب والترهيب، وبهذا تكون مناسبة للسّور التي ذكرت قبلها في هذا الغرض وهذا إلى أن سورة الرحمن قد اشتملت على تعداد النعم، ومطالبة الإنسان بالشكر عليها، ومنعه من جحدها، فجاءت سورة الواقعة بعدها، لبيان جزاء الشاكرين للنعم، والجاحدين لها.
تفصيل الجزاء الأخروي الآيات [١- ٩٦]
قال الله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) فذكر سبحانه أنه إذا قامت القيامة لا يكذّبها أحد، وأنّها تخفض قوما وترفع آخرين. ثم ذكر تعالى أنها إذا وقعت، ترجّ الأرض
стр. 2190
رجّا، وتبسّ الجبال بسّا، ويكون الناس ثلاثة أصناف: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسّابقون من أصحاب الميمنة، لأنّ أصحاب الميمنة على درجات، والسّابقون أعلاهم، وهم جماعة كثيرة من المهاجرين والأنصار وجماعة قليلة من التّابعين، ومن بعدهم ثم ذكر جلّ شأنه ما أعد لهم من الجزاء، وذكر بعده جزاء أصحاب اليمين ممّن لم يصل الى درجة السابقين، وذكر بعد جزائهم جزاء أصحاب الشمال، وأن سببه أنه أترفهم بنعمه، فكفروا به، وأنكروا أن يبعثهم بعد أن يصيروا ترابا وعظاما.
وأجاب سبحانه عن هذه بأنه لا بدّ من جمعهم بعد موتهم، ولا بدّ من عقابهم على كفرهم، بالأكل من شجر الزّقّوم، إلى غير هذا مما أعدّه لهم، ثم ذكر من آياته ما يدل على قدرته على بعثهم، فذكر أنه خلقهم من تلك النّطف التي لا يمكنهم أن يزعموا أنهم الخالقون لها، وأنّه قدّر بينهم الموت، وليس بمسبوق عاجز عن إعادتهم في ما لا يعلمون من الأوصاف والأخلاق ثم ذكر جلّ وعلا أنه هو الذي يخرج نبات ما يحرثون، وأنه هو الذي ينزل من المزن الماء الذي يشربون، وأنه هو الذي أنشأ الشجرة التي يقدحون النار منها، وقد جعلها تذكرة لنار يوم القيامة، ومتاعا لمن يوقدها: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) .
ثم أمر النبي (ص) أن يقوم بتسبيحه ليخالف طريق أولئك الكافرين، وأقسم لهم بمواقع النجوم، أن ما ينزله عليهم في ذلك قرآن كريم، يراد به خيرهم، ثم وبّخهم على تكذيبهم له، فيما حدّثهم به من تفصيل الجزاء الأخروي وذكر أنه لو صح ما يزعمون، من أنه لا جزاء بعد الموت، لأمكنهم أن يرجعوا أرواحهم إلى أبدانهم وقت خروجها، ليعوّقوا الجزاء الذي ينتظرهم وإذا لم يكن هذا في إمكانهم، فلا بد من ذلك الجزاء، ليلقى كل شخص ما يستحقه على عمله. فإن كان من المقربين (السّابقين) ، فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وإن كان من أصحاب اليمين (غير السابقين) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وإن كان من المكذّبين الضّالّين فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) .
стр. 2191
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الواقعة» «١»
أقول: هذه السورة متاخية مع سورة الرحمن، في أن كلّا منهما في وصف القيامة، والجنة والنار. وانظر الى اتصال قوله تعالى هنا: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) بقوله سبحانه هناك: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ [الرحمن: ٣٧] . ولهذا اقتصر في «الرحمن» على ذكر انشقاق السماء، وفي «الواقعة» على ذكر رجّ الأرض «٢» . فكأن السورتين، لتلازمهما واتحادهما، سورة واحدة.
ولهذا عكس الترتيب: فذكر في أول هذه السورة ما ذكر في آخر تلك، وفي آخر هذه ما في أول تلك، كما أشرت إليه في سورة آل عمران مع سورة البقرة.
فافتتحت «الرحمن» بذكر القرآن، ثم ذكر الشمس والقمر، ثمّ ذكر النبات، ثمّ خلق الإنسان، والجان من مارج من نار، ثمّ صفة القيامة، ثم صفة النّار، ثم صفة الجنة.
وابتدئت هذه بذكر القيامة ثمّ صفة الجنة، ثمّ صفة النار، ثمّ خلق الإنسان، ثمّ النبات، ثمّ الماء، ثمّ النار، ثمّ النّجوم، ولم تذكر في «الرحمن» ، كما لم تذكر هنا الشمس والقمر، ثم ذكر القرآن.
فكانت هذه السورة كالمقابلة لتلك.
стр. 2192
المبحث الرابع مكنونات سورة «الواقعة» «١»
١- وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) .
قال محمّد بن كعب: هم الأنبياء.
زاد مجاهد: وأتباعهم.
وقال ابن عبّاس: يوشع بن نون سبق إلى موسى، ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى النبي (ص) .
أخرج ذلك ابن أبي حاتم «٢» .
٢- وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
(٦١) .
قال بعضهم: في حواصل طير سود تكون ببرهوت «٣» كأنها الزّرازير «٤» ، أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 2193
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الواقعة» «١»
١- قال تعالى: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) .
وقوله تعالى: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها، أي: لا يأخذهم من شربها صداع، وقيل: لا يتفرّقون عنها.
ووَ لا يُنْزِفُونَ (١٩) ، أي: لا يسكرون.
٢- وقال تعالى: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) .
وقوله تعالى: تَفَكَّهُونَ (٦٥) ، أي:
تعجبون.
وعن الحسن: تندمون على تعبكم فيه، وإنفاقكم عليه، أو على ما اقترفتم من المعاصي، التي أصبتم بذلك من أجلها.
وقرئ (يتفكّهون) ، أي: يتندّمون.
٣- وقال تعالى: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) .
وقوله تعالى: لِلْمُقْوِينَ (٧٣) أي:
الذين ينزلون القواء وهي القفر.
وقيل: الذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام.
ويقال: أقويت من أيام، أي: لم آكل شيئا.
٤- وقال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) .
والمعنى فأقسم، و «لا» زائدة: وهي كقوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩] . والزيادة للتوكيد.
стр. 2194
٥- وقال تعالى: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) .
أي: متهاونون به، كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه، ولا يتصلّب فيه، تهاونا به.
٦- وقال تعالى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) .
أي: بلغت النفس، وإضمار الفاعل هو لمعرفته واشتهاره.
стр. 2195
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الواقعة» «١»
قال تعالى: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) . فقوله تعالى: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وقوله جلّ وعلا: ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) هو الخبر. تقول العرب: «زيد وما زيد» تريد «زيد شديد» .
وقال تعالى: إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (٢٦) إن شئت نصبت السلام بالقيل، وإن شئت جعلت السلام عطفا على القيل، كأنه تفسير له، وإن شئت جعلت الفعل يعمل في السلام، تريد «لا تسمع إلّا قيلا الخير» ، تريد: إلّا أنّهم يقولون الخير، والسلام هو الخير.
وقال تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) على المدح، بنصبه على الحال، كأنّ السّياق: «لهم هذا متّكئين» .
وقال تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) بإضمارهنّ من غير أن يذكرن قبل ذاك «٢» . وأمّا (الأتراب) فواحدهنّ «الترب» وللمؤنّث: «التربة» هي «تربي» وهي «تربتي» مثل «شبه» و «أشباه» و «الترب» و «التربة» جائزة في المؤنث، ويجمع: ب «الأتراب» ، كما تقول «حيّة» و «أحياء» ، إذا عنيت المرأة و «ميتة» و «أموات» .
وقال تعالى:
стр. 2196
فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) ، أي: من الشجرة:
فَشارِبُونَ عَلَيْهِ [الآية ٥٤] لأنّ «الشجر» يؤنّث ويذكّر. والتأنيث حمل على «الشجرة» ، لأن «الشجرة» قد تدل على الجميع، تقول العرب: «نبتت قبلنا شجرة مرّة وبقلة رديّة» وهم يعنون الجميع.
قال تعالى: فَشارِبُونَ شُرْبَ [الآية ٥٥] و (شرب) «١» مثل «الضّعف» و «الضّعف» .
وقال تعالى: وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) أي للمسافرين في الأرض القيّ «٢» .
تقول: «أقوى الشيء» إذا ذهب كلّ ما فيه.
وقال تعالى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) ثم قال سبحانه: فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) أي: غير مجزيّين مقهورين، ترجعون تلك النفس، وأنتم ترون كيف تخرج عند ذلك: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) أنّكم تمتنعون من الموت. ثم أخبرهم سبحانه فقال: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ أي: فله روح وريحان» وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) أي: فيقال له: «سلام لك» .
وقال تعالى: حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) بإضافة «حق» الى «اليقين» كما في قوله تعالى دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) [البيّنة] أي:
ذلك دين الملّة القيّمة، وذلك حقّ الأمر اليقين. وأما «هذا رجل السوء» فلا يكون فيه: هذا الرجل السوء. كما يكون في «الحقّ اليقين» لأن «السّوء» ليس ب «الرّجل» و «اليقين هو الحق» .
стр. 2197
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الواقعة» «١»
إن قيل: ما الحكمة من التكرار في قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) ؟
قلنا، فيه وجهان: أحدهما أنه تأكيد مقابل لما سبقه من التأكيد في قوله تعالى: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) . كأنه قال تعالى:
والسابقون هم المعروف حالهم، المشهور وصفهم. ونظيره قول أبي النجم: «أنا أبو النّجم وشعري شعري» . الثاني: أنّ معناه: والسابقون إلى طاعة الله، هم السابقون إلى جنته وكرامته، ثم قيل المراد بهم السابقون إلى الإيمان من كلّ أمّة، وقيل الذين صلّوا إلى القبلتين، وقيل أهل القرآن، وقيل السابقون الى المساجد، وقيل السابقون الى الخروج في سبيل الله، وقيل هم الأنبياء صلوات الله عليهم، فهذه خمسة أقوال.
فإن قيل: لم قال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) ، مع أن التخليد ليس صفة مخصوصة بالولدان في الجنة، بل كلّ أهل الجنة مخلّدون فيها، لا يشيبون ولا يهرمون، بل يبقى كلّ واحد أبدا على صفته التي دخل الجنة عليها؟
قلنا: معناه أنّهم لا يتحوّلون عن شكل الولدان. وقيل مقرّطون. وقيل مسوّرون، ولا إشكال على هذين القولين.
فإن قيل: لم قال تعالى: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)
стр. 2198
بتأنيث ضمير الشجر ثم تذكيره؟
قلنا: قد سبق جوابه في سورة القمر.
فإن قيل: لم قال تعالى: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أي فهلا تصدّقون، مع أنهم مصدّقون أنه خلقهم، بدليل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:
٨٧] ؟
قلنا: هم، وإن كانوا مصدّقين بألسنتهم، إلا أنهم لمّا كان مذهبهم على خلاف ما يقتضيه التصديق، فكأنهم مكذّبون به. الثاني: أنه تخصيص على التصديق بالبعث بعد الموت، بالاستدلال بالخلق الأول، فكأنه تعالى قال: هو الذي خلقكم أوّلا باعترافكم، فلا يمتنع عليه أن يعيدكم ثانيا، فهلا تصدّقون بذلك؟
فإن قيل: لم قال تعالى في الزرع:
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً [الآية ٦٥] ، «باللام» وقال تعالى في الماء: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً [الآية ٧٠] بغير لام؟
قلنا: الأصل، لغة، أن تذكر اللام في الموضعين، إذ لا بد منها في جواب «لو» ، إلّا أنها حذفت في الثاني اختصارا، وهي مؤدّية لدلالة الأولى عليها. الثاني: أن أصل هذه اللام للتأكيد، فذكرت مع المطعوم دون المشروب، لأنّ المطعوم مقدّم وجودا ورتبة، لأنه إنما يحتاج إلى الماء تبعا له، ولهذا قدّمت آية المطعوم على آية المشروب فلما كان الوعيد بفقد المطعوم أشدّ وأصعب، أكّدت تلك الجملة مبالغة في التهديد.
فإن قيل: التسبيح: التنزيه عن السوء، فما معنى بِاسْمِ في قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) لم لم يقل تعالى:
«فسبح ربك العظيم» ؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنّ الباء زائدة، والاسم بمعنى الذات، فصار المعنى ما قلتم. الثاني: أنّ الاسم بمعنى الذّكر، فمعناه فسبح بذكر ربك.
الثالث: أن الذّكر فيه مضمر، فمعناه فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك.
الرابع: قال الضّحّاك: معناه فصلّ باسم ربك: أي افتتح الصلاة بالتكبير.
فإن قيل: إذا كان القرآن صفة من صفات الله تعالى، قديمة قائمة بذاته المقدّسة، فلم قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ
стр. 2199
كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)
أي اللوح المحفوظ، أو المصحف على اختلاف القولين؟
قلنا: معناه مكتوب في كتاب مكنون، ولا يلزم، من كتابة القرآن في الكتاب، أن يكون القرآن حالا في الكتاب، كما لو كتب إنسان على كفه:
«ألف دينار» ، لا يلزم منه وجود ألف دينار في كفّه، وكذا لو كتب في كفّه العرش أو الكرسي، وكذا وكذا، قال تعالى في صفة النبي (ص) : يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧] . الثاني: أن القرآن لو كان حالّا في المصحف، فإما أن يكون جميعه حالّا في مصحف واحد، أو في كلّ مصحف، أو في بعضه ولا سبيل إلى الأول، لأن المصاحف كلّها سواء في الحكم في كتابته فيها، ولأنّ البعض ليس أولى بذلك من البعض ولا سبيل إلى الثاني، وإلّا يلزم تعدّد القرآن، وإنّه متّحد ولا سبيل الى الثالث، لأنّه كلّه مكتوب في كلّ مصحف، ولأنّ هذا المصحف ليس أولى بهذا البعض من ذلك المصحف وكذا الباقي، فثبت أنه ليس حالا في شيء منها، بل هو كلام الله تعالى، وكلامه صفة قديمة قائمة به سبحانه لا تفارقه.
فإن قيل: فإذا لم تفارقه، فلم سمّاه تعالى منزلا وتنزيلا، وقال سبحانه نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) [الشعراء] ونظائره كثيرة، وإذا فارقه، وباينه، يكون مخلوقا، لأنّ كل مباين له فهو غيره، وكلّ ما هو غيره هو مخلوق؟
قلنا: معنى إنزاله أنه، ، علّمه لجبريل فحفظه، وأمره أن يعلّمه للنبي (ص) ويأمره أن يعلّمه لأمّته، مع أنه لم يزل، ولا يزال، صفة الله تعالى، قائمة به لا تفارقه.
стр. 2200
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الواقعة» «١»
في قوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) استعارة. والمراد أنها إذا وقعت لم ترجع عن وقوعها، ولم تعدل عن طريقها، كما يقولون: قد صدق فلان الحملة ولم يكذب. أي ولم يرجع على عقبه، ويقف عن وجهة عزمه جبنا وضعفا، أو وجلا وخوفا.
وكاذبة هاهنا مصدر، كقولك: عافاه الله عافية، فيكون كذب كذبا وكاذبة.
وتلخيص المعنى: ليس لوقعتها كذب ولا خلف. وقيل أيضا: ليس لها قضيّة كاذبة، لإخبار الله سبحانه بها، وقيام الدلائل عليها، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه..
وذلك في كلامهم أظهر من أن يتعاطى بيانه.
وقيل أيضا: ليس لها نفس كاذبة في الخبر عنها، والإعلام بوقوعها.
والمعنيان واحد.
стр. 2201
سورة الحديد (٥٧)
стр. 2202
المبحث الأول أهداف سورة «الحديد» «١»
سورة «الحديد» سورة مدنية آياتها ٢٩ آية، نزلت بعد سورة «الزّلزلة» .
مطلع السورة
بدأت السورة ببيان قدرة الله العلي القدير، فهو الخالق الرازق مالك الملك، ذو الجلال والإكرام. وهو سبحانه أول بلا ابتداء، وآخر بلا انتهاء، وظاهر في كلّ ما تراه العين من سماء وأرض وجبال وبحار، وباطن فلا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار.
وهو خالق الكون كلّه، القائم على حفظه، المهيمن على جميع أمره، المطّلع على خفايا النفوس، المحاسب على القليل والكثير، المجازي على الفتيل والقطمير.
«ولما كان مدار السورة على تحقيق الإيمان في القلب، وما ينبثق عن هذه الحقيقة من خشوع وتقوى، ومن خلوص وتجرّد، ومن بذل وتضحية، فقد سارت في إقرار هذه الحقيقة في النفوس على نسق مؤثّر، أشبه ما يكون بنسق السور المكّية، حافل بالمؤثرات، ذات الإيقاع الاسر، للقلب والحس والمشاعر.
«وكان مطلعها خاصة مجموعة إيقاعات بالغة التأثير، تواجه القلب البشري بمجموعة من صفات الله سبحانه، فيها تعريف به مع الإيحاء الاسر بالخلوص له، نتيجة للشعور بحقيقة الألوهية المتفرّدة، وسيطرتها المطلقة على الوجود، ورجعة كل شيء
стр. 2203
إليها في نهاية المطاف، مع نفاذ علمها إلى خبايا القلوب وذوات الصدور» «١» .
أدلة التوحيد
الآيات الأولى من السورة [١- ٦] يمكن أن تكون عناصر لأدلة التوحيد وصفات الله العلي القدير. فكل شيء في الكون يتّجه إليه وحده سبحانه بالعبادة، ويعلن خضوعه وانقياده لقدرة الله، فالسماء مرفوعة، والأرض مبسوطة، والبحار جارية، والهواء مسخّر، والشمس مسيّرة، والقمر باهر، والكوكب زاهر، وكلّ شيء في مداره يسير، معلنا قدرة القدير، مسبّحا بلسان الحال، مظهرا لله العبادة والخضوع.
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) .
والقلب يهتزّ عند قراءة هذه الآيات وما بعدها، يهتزّ من جلال القدرة الإلهية، المؤثّرة المبدعة لكل شيء، المحيطة بكلّ شيء، المهيمنة على كلّ شيء، العلمية بكلّ شيء.
يهتزّ إجلالا للخالق، القادر، العليم، الخبير، المطّلع على خفايا الصدور يهتزّ القلب حين يجول في الوجود كله، فلا يجد إلا الله، ولا يرى إلا الله، ولا يحسّ غير الله، ولا يعلم له مهربا من قدرته، ولا مخبأ من علمه، ولا مرجعا إلّا إليه، ولا متوجّها إلّا لوجهه الكريم.
تثبيت الايمان
الآيات [٧- ١١] دعوة الى صدق الإيمان وتأكيده، وحث على الإنفاق في سبيل الله.
وظاهر من سياق السورة، أنّها كانت تعالج حالة في المجتمع المدني في فترة تمتد من العام الرابع الهجري، الى ما بعد فتح مكة فإلى جانب المهاجرين والأنصار، الذين ضربوا أروع الأمثال في تحقيق الإيمان، وفي البذل والتضحية بأرواحهم وأموالهم في إخلاص قادر، وتجرّد كامل. إلى جانب هذه الفئة الممتازة الفذّة، كانت
стр. 2204
هناك في الجماعة الاسلامية فئة أخرى، يصعب عليها البذل في سبيل الله، وتشقّ عليها تكاليف العقيدة في النفس والمال، وتزدهيها قيم الحياة الدنيا وزينتها، فلا تستطيع الخلاص من دعوتها وإغرائها.
وهؤلاء بصفة خاصة، نجد هذه الآيات تدعوهم إلى الإيمان وتحثّهم عليه، وتهتف بهم تلك الهتافات الموحية، لتخلّص أرواحهم من الإغراء، والخلود الى الأرض، وترفعها إلى مستوى الإيمان الحقّ، فيخاطبهم القرآن الكريم بقوله جلّ وعلا: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) .
مشاهد الاخرة
تعرض الآيات [١٢- ١٥] صورة وضيئة للمؤمنين والمؤمنات يوم القيامة يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [الآية ١٢] . والمشهد هنا جديد بين المشاهد القرآنية. إنه مشهد عجب. هؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم، ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعا لطيفا هادئا.
ذلك نورهم يشعّ منهم، ويفيض بين أيديهم. فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت، وأشعّت نورا يمتدّ منها فيرى أمامها ويرى عن يمينها. إنّه النور الذي أخرجها الله إليه، وبه، من الظلمات، والذي أشرق في أرواحها فغلت طينتها، أو لعلّه نور الأعمال الصالحة التي عملتها في الدنيا، ثم تبشّرهم ملائكة الرحمن بجنّات تجري من تحتها الأنهار ينعمون فيها بالخلود والفوز العظيم.
ولكنّ المشهد لا ينتهي عند هذا المنظر الطريف اللطيف. إنّ هناك المنافقين والمنافقات، في حيرة وضلال، في مهانة وإهمال، وهم يتعلّقون بأذيال المؤمنين والمؤمنات، ويقولون لهم: أنظروا إلينا لنقتبس من نوركم فيجيب المؤمنون إن النور، هنا، هو نور العمل الصالح، الذي عمل في الدنيا، فالدنيا عمل ولا حساب، والاخرة حساب ولا عمل، والجزاء الحقّ هنا من جنس العمل، ولذلك يحال بين المؤمنين والكافرين، ويذهب المؤمنون الى الرحمة
стр. 2205
والرضوان، ويذهب المنافقون إلى عذاب النار وبئس المصير.
القلوب الخاشعة
الربع الثاني من سورة الحديد يشتمل على الآيات [١٦- ٢٩] وفيها دعوة المؤمنين، إلى أن تكون قلوبهم خاشعة قانتة، تهتزّ لآيات الله وما نزل من الحق، وتستجيب لنداء السماء، وتؤثر الاخرة على الدنيا، والباقية على الفانية.
ومضمون الآيات، كما نرى، امتداد لموضوع السورة الرئيسي: تحقيق الإيمان في النفس، حتّى ينبثق عنها البذل الخالص في سبيل الله.
ويستهل هذا الرّبع برنّة عتاب من الله سبحانه للمؤمنين، الذين لم يصلوا إلى المرتبة السامية في الإيمان، وتلويح لهم بما كان من أهل الكتاب قبلهم من قسوة في القلوب وفسق في الأعمال، وتحذير من هذا المال الذي انتهى اليه أهل الكتاب بطول الأمد عليهم، مع إطماعهم في عون الله الذي يحيي القلوب كما يحيي الأرض بعد موتها، قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الآية: ١٦] .
وتتبع هذه الدعوة الى الخشوع والتقوى، دعوة تالية إلى إقراض الله قرضا حسنا، مع بيان ما أعدّه الله لمن يقرضونه في الدنيا من العوض المضاعف والأجر الكريم [انظر الآيتين] [١٨ و ١٩] .
والآية ٢٠ رسم رائع، وميزان عادل، يضع قيم الدنيا كلّها في كفّة، وقيم الاخرة في كفّة، حيث تبدو قيم الأرض لعبا، خفيفة الوزن، وترجّح كفة الاخرة، ويبدو فيها الجدّ الذي يستحقّ الاهتمام.
ومن ثمّ تهتف الآية ٢١ بهم ليسابقوا إلى قيم الأخرى، في جنّة عرضها كعرض السماء والأرض أعدّت للمتّقين.
والآيتان [٢٢- ٢٣] كلام مفيد في الايمان بالقضاء والقدر وبيان أن الأجل بيد الله ﷻ ، الذي خلق النفوس، وكتب أجلها ورزقها، حتّى لا نكثر الأسى على ما فاتنا، ولا نكثر الفرح بما جاءنا، فالقلب الموصول بالله، ثابت في المحن، راض في المنح.
стр. 2206
وتعرض الآيات [٢٥- ٢٧] طرفا من تاريخ دعوة الله في الأرض، تبدو فيه وحدة المنهج واستقامة الطريق، وأن الذي يحيد عنه في كل عهد هم الفاسقون.
وفي الآية الأخيرة من السورة، هتاف ودعوة للمؤمنين لتقوى الله، وصدق الإيمان برسوله، وبذلك يعطيهم الله نصيبين من رحمته ويجعل لهم نورا يمشون به ويغفر لهم، فضل الله ليس وقفا على أهل الكتاب كما يزعمون، إنّما هو بيد الله، سبحانه، يؤتيه من يشاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) .
وهكذا تبدو السورة من أولها الى آخرها مترابطة الحلقات، في خط واحد ثابت، تتوالى إيقاعاتها على القلوب، منوّعة ومتشابهة، فيها من التكرار القدر اللازم، لتعميق أثر الإيقاع في القلب، وطرقه وهو ساخن، وتلوين هذه المؤثّرات أمام المخاطبين: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) .
«وبعد فهذه السورة نموذج من النماذج القرآنية الواضحة، في خطاب القلوب البشرية، واستجاشتها بأسلوب عميق التأثير وهي في بدئها وسياقها وختامها، وفي طريقة تناولها للموضوع وسيرها فيه جولة بعد جولة، هي في هذا درس بديع للدعاة، يعلّمهم كيف يخاطبون الناس، وكيف يوقظون الفطرة، وكيف يستحيون القلوب» «١» .
قال الفيروزآبادي: «معظم مقصود السورة: الإشارة إلى تسبيح جملة المخلوقين والمخلوقات، في الأرض والسماوات، وتنزيه الحقّ في الذات والصفات، وأمر المؤمنين بإنفاق النفقات والصدقات، وذكر حيرة المنافقين والمنافقات في ساحة القيامة، وبيان خسّة الدنيا وعزّ الجنّات، وتسلية الخلق عند هجوم النكبات والمصيبات» «٢» في قوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) .
стр. 2207
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحديد» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الحديد» بعد سورة «الزّلزلة» ، ونزلت سورة «الزلزلة» بعد سورة «النساء» ، وكان نزول سورة «النساء» فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة «الحديد» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في الآية ٢٥ منها: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وتبلغ آياتها تسعا وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة الدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله، والإنفاق في سبيله وقد ذكرت هذه السورة بعد السورة السابقة، لأنّها ختمت بأمر النبي (ص) بتسبيح ربّه العظيم، فجاءت هذه السورة بعدها، وأوّلها في بيان أنّ كل ما في السماوات والأرض يسبّح بحمده.
الدعوة إلى الإيمان والإنفاق في سبيله الآيات [١- ٢٩]
قال الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) فذكر، سبحانه، أن كل ذلك يسبّح بحمده، وأنّ له ملكه، وأنّه يحيي ويميت، إلى غير هذا ممّا يوجب
стр. 2208
الإيمان به جلّ شأنه وبرسوله محمد (ص) . وذكر أن رسوله إنما يدعوهم ليؤمنوا به، وقد أخذ ميثاقهم بهذا منذ خلقهم، وأنه جاءهم بكتاب ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ثم دعاهم إلى الإنفاق في سبيله، وفضّل من أنفق وقاتل قبل الفتح، على من أنفق وقاتل بعده، ووعد من ينفق في سبيله بأن يضاعفه له يوم القيامة، ويكون لهم فيها نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ويقول المنافقون والمنافقات ممّن لم ينفقوا في سبيله للذين آمنوا أو أنفقوا انظروا لنقتبس من نوركم، فيقال لهم: ارجعوا وراءكم، ويحال بينهم وبينهم إلى غير هذا من التحاور الذي يجري بينهم في ذلك اليوم ثم ذكر تعالى أنه حان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل، فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، ثمّ ذكر من آياته جلّ وعلا أنّه يحيي الأرض بعد موتها، لتخشع قلوبهم له، ورغّبهم في الإيمان به وبرسله، بأنّ الذين آمنوا به سبحانه، وبرسله، هم الصّديقون والشهداء، ولهم أجرهم ونورهم، والذين كفروا وكذّبوا بآياته هم أصحاب الجحيم، ثمّ هوّن لهم أمر الحياة الدنيا فذكر أنها لعب ولهو إلى غير هذا مما هوّن به أمرها، وأمرهم أن يسابقوا إلى ما هو أعظم منها من نيل مغفرته وجنّته ثم ذكر أنّ ما يصيبهم في الأرض من قحط ونحوه، وفي أنفسهم من شرّ أو خير، فبقضائه وقدره. فلا يصحّ أن يحزنوا على ما فاتهم أو يفرحوا بما آتاهم، ليهوّن عليهم الإنفاق والجهاد في سبيله، ويحذّرهم من البخل والأمر به، ثم أشارت الآيات إلى أنّ ما يأمرهم به تعالى من ذلك، هو الذي أرسل به رسله بالبيّنات، وأنزل معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم من ينصره ورسله بالجهاد به في سبيله وذكر سبحانه من أولئك الرسل نوحا وإبراهيم (ع) وأنه جعل في ذرّيتهما النبوّة والكتاب، ثمّ قفّى على آثارهم برسله، وقفى بعدهم بعيسى ابن مريم (ع) ، فأخذ بهدايتهم قليل من أتباعهم، وفسق كثير منهم ثم أمر هذه الأمّة أن تؤمن بالله ورسوله، الذي جاء
стр. 2209
مصدّقا لأولئك الرسل، وذكر أنه يعطيهم نصيبين من رحمته بإيمانهم برسالتهم ورسالة أهل الكتاب قبلهم ثم رغّبهم في ذلك بأنهم ينالون به فضلا، يرى أهل الكتاب أنّه خاص بهم، فقال تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) .
стр. 2210
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحديد» «١»
قال بعضهم: وجه اتصالها بسورة «الواقعة» : أنها قدّمت بذكر التسبيح، وتلك ختمت بالأمر به.
قلت: وتمامه: أنّ أوّل «الحديد» واقع العلة للأمر به، وكأنه سبحانه قال: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) [الواقعة] لأنه سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية: ١] .