مني ظلما تعاطيته منك» والثاني ليس بظالم. قال عمرو بن شأس «١» [من الطويل وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المائة] :
جزينا ذوي العدوان بالأمس مثله ... قصاصا سواء حذوك النّعل بالنّعل
وأما قوله تعالى فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) فيريد: إنّ الله لهم.
وكذلك قوله تعالى: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) لأنه قال فَإِنِ انْتَهَوْا وهو قد علم أنّهم لا ينتهون إلّا بعضهم، فكأنه قال: «إن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الظالمين منهم» فأضمر، كما في فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ [الآية ١٩٦] أي: فعليه ما استيسر «٢» كما تقول «زيدا أكرمت» وأنت تريد «أكرمته» وكما تقول «إلى من تقصد أقصد» تريد إليه.
وأمّا قوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [الآية ١٩٦] فإنّك تقول: «أحصرني مرضي» «٣» أي: جعلني أحصر نفسي.
وتقول: «حصرت الرجل» أي:
حبسته، فهو «محصور» «٤» . وزعم يونس «٥» عن أبي عمرو «٦» أنّه يقول:
«حصرته إذا منعته عن كلّ وجه» وإذا منعته من التقدّم خاصّة فقد «أحصرته» ، ويقول بعض العرب في المرض وما أشبهه من الإعياء والكلال:
«أحصرته» .
وقال تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ [الآية ١٩٦] أي: فعليه فدية.
وقال تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [الآية ١٩٦] فإنما قال عَشَرَةٌ كامِلَةٌ وقد ذكر سبعة وثلاثة، ليخبر أنّها مجزية، وليس ليخبر عن عدّتها،
стр. 247
ألا ترى أن قوله تعالى كامِلَةٌ إنّما هي «وافية» .
وقد ذكروا أنّه في حرف ابن مسعود «١» «تسع وتسعون نعجة أنثى» «٢» وذلك أن الكلام يؤكد بما يستغنى به عنه، كما قال تعالى فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: ٣٠ وص: ٧٣] .
وقد يستغنى بأحدهما، ولكنّ تكرير الكلام، كأنه أوجب. ألا ترى أنك تقول: «رأيت أخويك كليهما» ولو قلت: «رأيت أخويك» ، استغنيت فتجيء ب «كليهما» توكيدا. وقال بعضهم في قول ابن مسعود «أنثى» ، إنّه إنّما أراد «مؤنّثة» ، يصفها بذلك، لأنّ ذلك قد يستحبّ من النساء.
وقال تعالى ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الآية ١٩٦] ، وإذا وقفت قلت: «حاضري» لأنّ الياء إنّما ذهبت في الوصل لسكون اللام من «المسجد» ، وكذلك غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ [المائدة: ١] وقوله تعالى عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) [النبأ] وفِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) [النازعات] وأشباه هذا مما ليس هو حرف إعراب. وحرف الإعراب الذي يقع عليه الرفع والنّصب والجرّ، ونحو «هو» و «هي» ، فإذا وقفت عليه، فأنت فيه بالخيار، إن شئت ألحقت الهاء، وإن شئت لم تلحق. وقد قالت العرب في نون الجميع ونون الاثنين في الوقف بالهاء فقالوا: «هما رجلانه» و «مسلمونه» و «قد قمته» إذا أرادوا: قد قمت» «٣» وكذلك ما لم يكن حرف إعراب، إلّا أنّ بعضه أحسن من بعض، وهو في المفتوح أكثر. فأمّا «مررت بأحمر» و «يعمر» فلا يكون الوقف في هذا بالهاء، لأنّ هذا قد ينصرف عن هذا الوجه. وكذلك ما لم يكن حرف
стр. 248
إعراب ثم كان يتغير عن حاله، فإنه لا تلحق فيه الهاء، إذا سكت عليه. وأمّا قوله تعالى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [المائدة: ٢٩] فإذا وقفت قلت «تبوء» ، لأنّها «أن تفعل» ، فإذا وقفت على «تفعل» ، لم تحرّك. قال تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا [يونس: ٨٧] ، إذا وقفت عليه قلت: «أن تبوّأ» لأنه «أن تفعّلا» ، وأنت تعني فعل الاثنين، فهكذا الوقف عليه. قال تعالى وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [يونس: ٩٣] فإذا وقفت قلت: «مبوّأ» لا تقول «مبوّءا» ، لأنه مضاف، فإذا وقفت عليه لم يكن ألفا. ولو أثبت فيه الألف، لقلت في وقف غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ: «محلّين» ، ولكنه مثل «رأيت غلامي زيد» فإذا وقفت قلت:
«غلامي» . وقال تعالى فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ [الشعراء: ٦١] ، فإذا وقفت قلت: «تراءى» ، ولم تقل: «تراءيا» ، لأنّك قد رفعت الجمعين بذا الفعل، ولو قلت: «تراءيا» ، كنت قد جئت باسم مرفوع بذا الفعل، وهو الالف، ويكون قولك «الجمعان» ليس بكلام إلّا على وجه آخر.
وقال تعالى فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ [الآية ١٩٨] ، فصرف «عرفات» لا لأنّها تلك الجماعة التي كانت تنصرف، وإنّما صرفت لأنّ الكسرة والضمة في التاء، صارت بمنزلة الياء والواو في «مسلمين» و «مسلمون» لأنه تذكيره، وصارت التنوين في نحو «عرفات» و «مسلمات» ، بمنزلة النون فلما سمّي به ترك على حاله، كما يترك «مسلمون» «١» ، إذا سمّي به على حاله حكاية. ومن العرب من لا يصرف ذا، إذا سمّي به، ويشبّه التاء بهاء التأنيث في نحو «حمدة» ، وذلك قبيح ضعيف «٢» . قال الشاعر «٣» [من الطويل وهو الشاهد السابع والثلاثون بعد المائة] :
تنوّرتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
стр. 249
ومنهم من لا ينوّن «أذرعات» ولا «عانات» وهو مكان.
وقال تعالى وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى [الآية ٢٠٣] ، كأنّه حين ذكر هذه الرّخصة، قد أخبر عن أمر، فقال لِمَنِ اتَّقى: أي: ذلك لمن اتّقى «١» .
وقال تعالى وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ [الآية ٢٠٤] إذا كان هو يشهد «٢» وقرأ بعضهم: (ويشهد الله) «٣» أي أن الله سبحانه هو الذي يشهد.
وقال تعالى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ [الآية ٢٠٤] من «لددت» «تلدّ» و «هو ألدّ» و «هم قوم لدّ» و «امرأة لدّاء» و «نسوة لدّ» .
قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ [الآية ٢٠٧] يقول: «يبيعها» كما تقول «شريت هذا المتاع» أي: بعته و «شريته» : اشتريته أيضا، يجوز في المعنيين جميعا، كما تقول: «إنّ الجلّ لأفضل المتاع» ، وإنّ «الجلّ لأردؤه» «٤» ، وعلى ذلك يجوز مع كثير مثله، وكذلك «الجلل» ، يكون العظيم، ويكون الصغير. وكذلك «السّدف» يكون الظلمة والضّوء. وقال الشاعر «٥» [من الرمل وهو الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائة] :
وأرى أربد قد فارقني ... ومن الأرزاء رزء ذو جلل «٦»
أي: عظيم. وقال الاخر «٧» [من الطويل وهو الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائة] :
стр. 250
ألا إنّما أبكي ليوم لقيته ... بجر ثم صاد كلّ ما بعده جلل
أي: صغير.
وأما قوله تعالى ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [الآية ٢٠٧] فإن انتصاب (ابتغاء) على الفعل، وهو على يشري، كأنه قال «لابتغاء مرضاة الله» فلمّا نزع اللام، عمل الفعل. ومثله حَذَرَ الْمَوْتِ [الآية ٢٤٣] وأشباه هذا كثير.
قال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد الأربعون بعد المائة] :
وأغفر عوراء الكريم ادّخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرّما
لما حذف اللّام عمل فيه الفعل.
وقال تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [الآية ٢٠٨] و «السّلم» :
الإسلام. وقوله تعالى وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [محمد: ٣٥] ذلك:
الصلح. وقال بعضهم في «الصلح» : «السّلم. وقال تعالى وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ [النساء: ٩١] وهو الاستسلام. وقال تعالى وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) [الفرقان] أي:
قالوا «براءة منكم» لأنّ «السّلام» في بعض الكلام هو: البراءة. تقول: «إنّما فلان سلام بسلام» أي: لا يخالط أحدا. قال الشاعر «٢» [من الوافر وهو الشاهد الحادي والأربعون بعد المائة] :
سلامك ربّنا في كلّ فجر ... بريئا ما تغنّثك «٣» الذّموم
يعني تأوّبك، يقول: «براءتك» .
وقال تعالى إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [الذاريات: ٢٥] وهذا فيما يزعم المفسّرون: قالوا خيرا. كأنه- والله أعلم- سمع منهم التوحيد، فقد قالوا خيرا، فلما عرف أنهم موحّدون قال:
«سلام عليكم» ، فسلّم عليهم. فهذا الوجه رفع على الابتداء. وقال بعضهم: «ما كان من كلام الملائكة فهو نصب، وما كان من الإنسان فهو رفع في السلام» . وهذا ضعيف ليس بحجّة وقال تعالى:
стр. 251
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف: ٨٩] فهذا يجوز على معنى: «سلام عليكم» في التسليم. او يكون على البراءة إلّا أنه جعله خبر المبتدأ، كأنه قال «أمري سلام» . أي:
أمري براءة منكم، وأضمر الاسم كما يضمر الخبر. وقال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد الرابع عشر] :
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا ءاأنت أم أمّ سالم
على: «أنت هي أم أمّ سالم» أي:
أشكلت عليّ بشبه أمّ سالم بك. وكلّ هذا قد أضمر الخبر فيه. ومثل ذلك لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا [الحديد: ١٠] فلمّا قال أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا كان فيه دليل على معنى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ «ومن أنفق من بعد الفتح» أي لا يستوي هؤلاء وهؤلاء.
وقال تعالى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [الآية ٢٠٨] لأنّ كل اسم على «فعلة» خفيف، إذا جمع حرّك ثانيه بالضمّ، نحو «ظلمات» و «غرفات» ، لأنّ مخرج الحرفين بلفظ واحد، إذا قرب أحدهما من صاحبه كان، أيسر عليهم. وقد فتحه بعضهم فقال:
«الرّكبات» و «الغرفات» ، و «الظلمات» ، وأسكن بعضهم ما كان من الواو، كما يسكّن ما كان من الياء، نحو «كلّيّات» أسكن اللام، لئلا تحوّل الياء واوا، فأسكنها في «خطوات» «٢» لأنّ الواو أخت الياء. وما كان على «فعلة» ، نحو «سلوة» و «شهوة» ، حرّك ثانيه في الجمع بالفتح، نحو «سلوات» و «شهوات» ، فإذا كان أوّله مكسورا، كسر ثانيه نحو «كسرة» و «كسرات» ، و «سدرة» ، و «سدرات» . وقد فتح بعضهم، ثاني هذا، كما فتح ثاني المضموم، واستثقل الضمّتين والكسرتين. وما كان من نحو هذا، ثانيه واو أو ياء، أو التقى فيه حرفان من جنس واحد، لم يحرّك، نحو:
«دومة» و «دومات» ، «وعوذة»
стр. 252
و «عوذات» وهي: المعاذة، و «بيضة» و «بيضات» ، و «ميتة» و «ميتات» . لأنّ هذا لو حرّك، لتغيّر وصار ألفا فكان يغيّر بناء الاسم، فاستثقلوا ذلك.
وقالوا: «عضة» و «عضات» فلم يحرّكوا لأنّ هذا موضع تتحرّك فيه لام الفعل، فلا يضعّف، ولولا أنّه حرك، لضعّف وأكثر ما في «الظلمات» و «الكسرات» وما أشبههما، أن يحرّك الثاني على الأوّل «١» . وقد دعاهم ذلك إلى أن قالوا «أذكر» فضمّوا الألف لضمة الكاف، وبينها حرف، فذلك أخلق.
وقد قال بعضهم: «أنا أنبوك» ، «أنا أجوك» ، فضم الباء والجيم، لضمّه الهمزة ليجعلها على لفظ واحد، فهذا أشدّ من ذاك. وقال: «هذا هو منحدر من الجبل» يريد «منحدر» ، فضم الدال لضمه الراء، كما ضم الباء والجيم، في «أنبوك» و «أجوك» .
وقرءوا كلمة «الملائكة» ، بالجرّ «٢» والرفع «٣» قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [الآية ٢١٠] لأنه قد قال ذلك في غير موضع. قال تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ [الفجر: ٢٢] وقال إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام:
١٥٨] و «الملك» في هذا الموضع جماعة كما تقول: «أهلك النّاس الدّينار والدّرهم» و «هلك البعير والشّاء. وقوله تعالى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ يعني أمره، لأنّ الله ﵎، لا يزول كما تقول: «قد خشينا أن تأتينا بنو أميّة» ، وإنما تعني حكمهم.
وقال تعالى وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [الآية ٢١٣] أي: «وما اختلف فيه إلّا الذين أوتوه بغيا بينهم من بعد ما جاءتهم البيّنات» .
стр. 253
وقال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [الآية ٢١٦] وقرأ بعضهم (حملته أمّه كرها) «١» والوجه هو:
كَرْهاً، بالضم، وبه نقرأ، وهما لغتان «٢» مثل «الغسل» و «الغسل» و «الضّعف» و «الضّعف» إلّا أنّه قد قال بعضهم إنه إذا كان في موضع المصدر كان «كرها» كما تقول: «لا تقوم إلّا كرها» وتقول: «لا تقوم الأعلى كره» وهما سواء مثل «الرّهب» و «الرّهب» وقال بعضهم: «الرّهب» كما قالوا:
«البخل» و «البخل» و «البخل» . وإنما قال تعالى: كُرْهٌ لَكُمْ أي: ذو كره وحذف «ذو» كما قال وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] .
وقال تعالى وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الآية ٢١٧] .
وقال جل شأنه وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الآية ٢١٧] ، على «وصدّ عن المسجد الحرام» .
ثم قال: وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ [الآية ٢١٧] على الابتداء.
وقرأ: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [الآية ٢١٧] فضعّف لأن أهل الحجاز، إذا كانت لام الفعل ساكنة ضعّفوا، وهي هاهنا ساكنة، أسكنها بالجزاء. وقرأ: (ومن يرتدّ منكم عن دينه فسوف) [المائدة: ٥٤] فلم يضاعف «٣» في لغة من لا يضاعف لأنّ من لا يضاعف «٤» كثير.
وقال: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ «٥» [الآية ٢١٩] إذا جعلت
стр. 254
ماذا بمنزلة (ما) . وان جعلت ماذا بمنزلة «الذي» ، قلت: (قل العفو) «١» والأولى منصوبة، وهذه مرفوعة، كأنه قال: «ما الذي ينفقون» فقال: «الذي ينفقون العفو» . وإذا نصبت فكأنه قال: «ما ينفقون» فقال:
«ينفقون العفو» لأن «ما» إذا لم تجعل بمنزلة «الذي» ، ف «العفو» منصوب ب «ينفقون» . وان جعلت بمنزلة «الذي» ، فهو مرفوع بخبر الابتداء، كما قال ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) [النحل] ، جعل ماذا بمنزلة «الذي» ، وقال ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [النحل: ٣٠] ، جعل ماذا بمنزلة «ما» . وقد يكون إذا جعلها بمنزلة «ما» ، وحدها، الرفع على المعنى. لأنّه لو قيل له: «ما صنعت» ؟
فقال: «خير» ، أي: الذي صنعت خير، لم يكن به بأس. ولو نصبت إذا جعلت «ذا» بمنزلة «الذي» ، كان أيضا جيّدا، لأنّه لو قيل لك: «ما الذي صنعت» فقلت: «خيرا» أي: صنعت خيرا. كان صوابا. قال الشاعر (من الوافر وهو الشاهد الثلاثون) :
دعي ماذا علمت سأتّقيه ... ولكن بالمغيّب نبّئيني
جعل «ما» و «ذا» بمنزلة «ما» وحدها، ولا يجوز أن يكون «ذا» بمنزلة «الذي» في هذا البيت لأنك لو قلت: «دعي ما الذي علمت» لم يكن كلاما. وقال أهل التأويل في قوله تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل: ٢٤] ، لأنّ الكفّار جحدوا أن يكون ربّهم أنزل شيئا، فقالوا لهم: «ما تقولون أنتم أساطير الأوّلين» أي: «الذي تقولون أنتم أساطير الأوّلين» ، ليس على «أنزل ربّنا أساطير الأوّلين» . وهذا المعنى فيما نرى- والله أعلم- كما قال تعالى وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [الآية ٢٢٠] أي: فهم إخوانكم.
قال تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [الآية ٢٢٢] والمحيض هو: الحيض.
وإنّما أكثر الكلام في المصدر إذا بني
стр. 255
هكذا، أن يراد به «المفعل» نحو قولك: «ما في برّك مكأل» أي: كيل.
وقد قيلت الأخرى أي: قيل «مكيل» وهو مثل «محيض» من الفعل، إذا كان مصدرا للّتي في القرآن، وهي أقل.
قال الشاعر «١» [من الكامل وهو الشاهد الثاني والأربعون بعد المائة] :
بنيت مرافقهنّ فوق مزلّة ... لا يستطيع بها القراد مقيلا
يريد: «قيلولة» . ويقول: «جئت مجيئا حسنا» . فبنوه على «مفعل» وهو مصدره.
وقال تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [الآية ٢٢٢] لأنك تقول:
«طهرت المرأة» ف «هي تطهر» . وقال بعضهم «طهرت» . وقالوا: «طلقت» «تطلق» و «طلقت» «تطلق» أيضا. ويقال للنّفساء إذا أصابها النّفاس: «نفست» فإذا أصابها الطلق (قيل) : «طلقت» .
قال تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [الآية ٢٢٥] تقول: «لغوت في اليمين» ف «أنا ألغو» «لغوا» ومن قال:
«هو يمحا» قال: «هو يلغا» «لغوا» و «محوا» . وقد سمعنا ذلك من العرب «٢» .
وتقول: «لغيت باسم فلان» ف «أنا ألغى به» أي: أذكره.
وقال تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [الآية ٢٢٦] ، تقول: «آلى من امرأته» ، يؤلي «إيلاء» و «ظاهر منها» «ظهارا» ، كما تقول «قاتل» «قتالا» .
تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ جعل ذلك لهم أجلا فَإِنْ فاؤُ [الآية ٢٢٦] يعني: «فإن رجعوا» لأنك تقول:
«فئت إلى الحقّ» .
وقال: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [الآية ٢٢٨] ممدودة مهموزة وواحدها «القرء» خفيفة مهموزة مثل: «القرع» وتقول:
«قد أقرأت المرأة» «إقراء» بالهمز، إذا صارت صاحبة حيض. وتقول: «ما قرأت حيضة قطّ» مثل: «ما قرأت قرآنا» . و: «قد قرأت حيضة أو حيضتين» بالهمز، و «ما قرأت جنينا قطّ» مثلها. أي: ما حملت.
و «القرء» : انقطاع الحيض، وقال
стр. 256
بعضهم: «ما بين الحيضتين «١» قال الشاعر «٢» [من الوافر وهو الشاهد الثالث والأربعون بعد المائة] :
ذراعي بكرة أدماء بكر ... هجان اللّون لم تقرأ جنينا «٣»
وأما قول الشاعر «٤» [من الطويل وهو الشاهد الرابع والأربعون بعد المائة] :
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمال فان «المقراة» : المسيل، وليس بمهموز.
وقال تعالى فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [الآية ٢٣٢] ، ينهى أزواجهنّ أن يمنعوهنّ من الأزواج.
وقال تعالى حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [الآية ٢٣٣] . تقول:
«بيني وبينك رضاعة» و «رضاع» وتقول: «اللّؤم والرّضاعة» وهي في كل شيء مفتوحة. وبعض بني تميم يكسرها، إذا كانت في الارتضاع يقول: «الرّضاعة» «٥» .
وقرأ قوله تعالى لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ [الآية ٢٣٣] برفع «تضارّ» على الخبر، يقول: «هكذا في الحكم أنّه تضارّ» في موضعه، صار على لفظه. ومثله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [الآية ٢٣٤] فخبر وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، يَتَرَبَّصْنَ [الآية ٢٣٤] «بعد موتهم» «٦» ولم يذكر «بعد
стр. 257
موتهم» كما يحذف بعض الكلام يقول: «ينبغي لهنّ أن يتربّصن» ، فلمّا حذف «ينبغي» ، وقع «يتربّصن» موقعه.
قال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد الخامس والأربعون بعد المائة] :
على الحكم المأتيّ يوما إذا قضى ... قضيّته أن لا يجوز ويقصد
فرفع «ويقصد على قوله:
«وينبغي» «٢» . ومن قرأ لا تُضَارَّ [الآية ٢٣٣] جعلها على النهي، وهذا في لغة من لم يضعّف، فأمّا من ضعّف، فإنّه يقول (لا تضارر) إذا أراد النهي، لأنّ لام الفعل ساكنة، إذا قلت «لا تفاعل» وأنت تنهى. إلا أنّ «تضار» ها هنا غير مضعّفة، لأنّ ليس في الكتاب إلّا راء واحدة «٣» .
وقال تعالى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ [الآية ٢٣٥] ف «الخطبة» الذّكر، و «الخطبة» :
التشهّد «٤» .
وقال تعالى: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا [الآية ٢٣٥] لأنه لمّا قال فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ كأنه قال: «تذكرون» وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا [الآية ٢٣٥] استثناء خارج على «ولكن» .
قال تعالى فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [الآية
стр. 258
٢٣٧] أي: فعليكم نصف ما فرضتم إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ [الآية ٢٣٧] وإن شئت نصبت (نصف ما فرضتم) على الأمر «١» .
قال تعالى وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [الآية ٢٣٧] «٢» .
وقرأ بعضهم (ولا تناسوا) «٣» ، وكلّ صواب. وقرأ بعضهم (ولا تنسوا الفضل) «٤» فكسر الواو لاجتماع الساكنين كما قرأ بعضهم: (اشتروا الضّلالة) «٥» .
قال تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [الآية ٢٣٩] يقول: «صلّوا رجالا أو صلّوا ركبانا» .
وقال تعالى ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ [الآية ٢٣٢] وذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ [الآية ٢٣٢] لأنّه خاطب رجالا، وقال في موضع آخر قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: ٣٢] لأنّه خاطب نساء، ولو ترك «ذلك» كما هي، ولم يلحق بها أسماء الذين خاطب كان كان جائزا. وقال: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [الأحزاب: ٣٠] ولم يقل «ذلكنّ» وقال: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) [التوبة] . وقال: ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ [المجادلة: ١٢] .
وليس بأبعد من قوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] فخاطب، ثمّ حدّث عن غائب، لأنّ الغائب هو الشاهد، في ذا المكان.
وقال هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً [المائدة: ٦٠] .
وقال تعالى:
стр. 259
وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا [الآية ٢٤١] أي: أحقّ ذلك حقّا «١» .
وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ [الآية ٢٤٥] بالنّصب، على إضمار «أن» بعد الفاء في فَيُضاعِفَهُ. وليس قوله تعالى يُقْرِضُ اللَّهَ لحاجة بالله ولكن هذا كقول العرب: «لك عندي قرض صدق» و «قرض سوء» لأمر تأتي، فيه مسرّته أو مساءته «٢» . وقال الشاعر «٣» [من البسيط وهو الشاهد السادس والأربعون بعد المائة] :
لا تخلطنّ خبيثات بطيّبة ... اخلع ثيابك منها وانج عريانا «٤»
كلّ امرئ سوف يجزى قرضه حسنا ... أو سيّئا أو مدينا مثل ما دانا «٥»
ف «القرض» : ما سلف من صالح أو من سيّئ.
قال تعالى: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الآية ٢٤٦] ف «أن» هاهنا «٦» [في ألّا] زائدة، كما زيدت بعد «فلمّا» ، و «لما» ، و «لو» ، فهي تزاد في هذا المعنى كثيرا. ومعناه «ومالنا لا نقاتل» ، فأعمل «أن» وهي زائدة، كما قال: «ما أتاني من أحد» فأعمل «من» وهي زائدة، قال الفرزدق «٧» [من البسيط وهو الشاهد السابع والأربعون بعد المائة] :
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إليّ لامت ذوو أحسابها عمرا «٨»
المعنى: لو لم تكن غطفان لها ذنوب. و «لا» زائدة، وأعملها.
وقال تعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الآية ٢٤٨] . و «السّكينة» هي:
стр. 260
الوقار. وأما الحديد فهو «السّكّين، مشدد الكاف. وقال بعضهم: «هي السّكّين» ، مثلها في التشدّيد، إلا أنّها مؤنثة فأنث «١» . والتأنيث ليس بالمعروف، وبنو قشير يقولون:
«سخّين» للسكين «٢» . وقال تعالى وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً [يوسف:
٣١] .
وقال تعالى وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الآية ٢٥١] «٣» .
بنصب النَّاسِ على إيقاع الفعل بهم، ثمّ الإبدال منهم بَعْضُهُمْ للتفسير.
وقال تعالى مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [الآية ٢٥٣] أي كلّمه الله، فلفظ الجلالة في ذا الموضع، رفع.
وقال وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [الآية ٢٥٣] أي رفع الله بعضهم درجات.
وقال لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [الآية ٢٥٥] تقول «وسن» «يوسن» «سنة» و «سنا» .
وقال وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما [الآية ٢٥٥] لأنه من «آده» «يؤوده» «أودا» وتفسيره:
لا يثقله.
وقال قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [الآية ٢٥٦] وإن شئت (الرّشد من الغيّ) «٤» مضمومة ومفتوحة.
وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [الآية ٢٥٧] ، «فالطّاغوت» جماعة في المعنى، وهو في اللفظ واحد، وقد جمع، فقالوا «الطّواغيت» .
وأمّا قوله تعالى:
стр. 261
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [الآية ٢٥٧] فبمعنى: «يحكم بأنّهم كذاك» ، كما تقول: «قد أخرجك الله من ذا الأمر» ، ولم تكن فيه قطّ.
وتقول: «أخرجني فلان من الكتبة» ، ولم تكن فيها قطّ. أي: لم يجعلني من أهلها ولا فيها.
وقال أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [الآية ٢٥٩] الكاف زائدة والمعنى- والله أعلم- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ [الآية ٢٥٨] «أو الذي مرّ على قرية» والكاف زائدة. وفي كتاب الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] يقول: «ليس كهو» لأنّ الله سبحانه ليس له مثيل.
قال تعالى لَمْ يَتَسَنَّهْ [الآية ٢٥٩] فتثبت الهاء للسكوت، وإذا وصلت حذفتها «١» مثل «اخشه» . وأثبتها بعضهم في الوصل، فقال لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ «٢» فجعل الهاء من الأصل وذلك في المعنى: لم تمرر عليه السنون ف «السّنة» منهم من يجعلها من الواو، فيقول: «سنيّة» ومنهم من يجعلها من الهاء، فيقول: «سنيهة» يجعل الذي ذهب منها هاء، كأنّه أبدلها من الواو كما قالوا: «أسنتوا» : إذا أصابتهم السّنون. أبدل التاء.
ويقولون: «بعته مساناة» و «مسانهة» .
ويكون: لَمْ يَتَسَنَّهْ أن تكون هذه الهاء للسكون. ويحمل قول الذين وصلوا بالهاء، على الوقف الخفيّ، وبالهاء نقرأ في الوصل.
وقال تعالى: قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) إذا عنى نفسه.
قرأ بعضهم (قال اعلم) بجزم على
стр. 262
الأمر، كما يقول: «اعلم أنّه قد كان كذا وكذا» كأنه يقول ذاك لغيره، وإنّما ينبّه نفسه والجزم أجود في المعنى، إلا أنه أقل في القراءة «١» والرّفع قراءة العامة، وبه نقرأ «٢» .
وأمّا قوله تعالى: على لسان النبي إبراهيم (ع) رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الآية ٢٦٠] فلم يكن ذلك شكّا من إبراهيم (ع) ولم يرد به رؤية القلب، وإنما أراد به رؤية العين «٣» .
وقول الله له أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [الآية ٢٦٠] كأنّه يقول: «ألست قد صدقت» أي: أنت كذلك. قال الشاعر «٤» [من الوافر وهو الشاهد الثالث والثلاثون] :
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وقوله تعالى، على لسان إبراهيم (ع) : لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [الآية ٢٦٠] أي:
قلبي ينازعني إلى النظر، فإذا نظرت اطمأنّ قلبي.
قال تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [الآية ٢٦٠] أي: قطّعهنّ وتقول منها: «صار» «يصور» «٥» . وقال
стр. 263
بعضهم فَصُرْهُنَّ «١» فجعلها من «صار» «يصير» وقال إِلَيْكَ لأنّه يريد: «خذ أربعة إليك فصرهنّ» .
وقوله تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [الآية ٢٦٥] «٢» وبعضهم قرأ (بربوة) «٣» ، (وبرباوة) «٤» . و (برباوة) «٥» ، كلّ من لغات العرب «٦» وهو كلّه من الرابية وفعله «ربا» «يربو» «٧» .
قال تعالى كَمَثَلِ صَفْوانٍ [الآية ٢٦٤] والواحدة «صفوانة» . ومنهم من يجعل «الصّفوان» واحدا «٨» فيجعله:
الحجر. ومن جعله جميعا جعله:
الحجارة مثل: «التمرة» و «التمر» . وقد قالوا «الكذّان» : و «الكذّانة» وهو شبه الحجر من الطّين.
قال تعالى فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ [الآية ٢٦٥] وقال مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ [الأنعام: ١٤١] و «الأكل» : هو:
ما يؤكل. و «الأكل» هو الفعل الذي يكون منك. تقول: «أكلت أكلا» و «أكلت أكلة واحدة» وإذا عنيت الطعام قلت: «أكلة واحدة» . قال [من الطويل وهو الشاهد الثامن والأربعون بعد المائة] :
стр. 264
ما أكلة أكلتها بغنيمة ... ولا جوعة أن جعتها بغرام
ففتح الألف لأنه يعني الفعل.
ويدلّك عليه «ولا جوعة» ، وإن شئت ضممت «الأكلة» ، وعنيت به الطعام.
وقال تعالى لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ [الآية ٢٦٦] وقال في موضع آخر ذُرِّيَّةً ضِعافاً [النساء: ٩] وكل سواء لأنّك تقول: «ظريف» و «ظراف» و «ظرفاء» ، هكذا جمع «فعيل» .
وقال تعالى فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ [الآية ٢٦٥] «١» .
وتقول في «الوابل» وهو: المطر الشّديد: «وبلت السّماء» «٢» و «أوبلت» مثل «مطرت» و «أمطرت» ، و «طلّت» و «أطلّت» من «الطلّ» ، و «غاثت» و «أغاثت» من «الغيث» . وقوله تعالى:
أَخْذاً وَبِيلًا (١١١) [المزّمّل] من ذا، يعني: شديدا «٣» . وقال تعالى الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [الآية ٢٦٨] وقرأ بعضهم (الفقر) «٤» مثل «الضّعف» و «الضّعف» وجعل «يعد» متعدّيا إلى مفعولين.
قال تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [الآية ٢٧٠] تحمل الكلام على الاخر، كما في قوله تعالى وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
[النساء:
١١٢] وإن شئت جعلت تذكير هذا على «الكسب» في المعنى كما في قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [الآية ٢٧١] كأنّه يقول:
«فالإيتاء خير والإخفاء» .
وأمّا قوله تعالى وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [الآية ٢٣١] فهذا على ما. وأما قوله تعالى أَوْ نَذَرْتُمْ [الآية ٢٧٠] فتقول: «نذر» ينذر على نفسه» «نذرا» و «نذرت مالي» ف «أنا
стр. 265
أنذره» «نذرا» أخبرنا بذلك يونس «١» عن العرب «٢» وفي كتاب الله إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً [آل عمران: ٣٥] . قال الشاعر «٣» [من مجزوء الكامل وهو الشاهد التاسع والأربعون بعد المائة] :
هم ينذرون دمي وأ ... نذر أن لقيت بأن أشدّا
وقال عنترة «٤» [من الكامل وهو الشاهد الخمسون بعد المائة] :
الشّاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والنّاذرين إذا لم ألقهما دمي
قال تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [الآية ٢٧٤] بجعل الخبر بالفاء لأنّ «الذي» في معنى «من» . و «من» يكون جوابها بالفاء في المجازاة لأنّ معناها «من ينفق ماله فله كذا» . وقال تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) [محمد] وقال وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) [محمد] وهذا في القرآن والكلام كثير ومثله «الذي يأتينا فله درهم» .
قال تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ [الآية ٢٧٩] تقول «قد أذنت منك بحرب» و «هو يأذن» .
وقال تعالى لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) «٥» . وقرأ بعضهم (لا تظلمون ولا تظلمون) «٦» كلّه سواء في المعنى.
وقال: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [الآية ٢٨٠] فكأنّه يقول:
стр. 266
«وان كان ممّن تقاضون ذو عسرة فعليكم ان تنظروا الى الميسرة» وقال بعضهم (فنظرة) «١» وإن شئت لم تجعل ل «كان» خبرا مضمرا وجعلت «كان» بمنزلة: «وقع» وقال بعضهم (ميسره) «٢» وليست بجائزة لأنّه ليس في الكلام «مفعل» «٣» . ولو قرءوها (موسره) لجاز، لأنّه من «أيسر» مثل: «أدخل» ، ف «هو مدخل» «٤» . وقرأ بعضهم (فناظره «٥» الى ميسرة) فجعلها «فاعل» من «ناظر» ، وجزمها للأمر.
وقال تعالى وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [الآية ٢٨٠] فكأنّه يقول:
«الصّدقة خير لكم» . ف وَأَنْ تَصَدَّقُوا اسم مبتدأ خَيْرٌ لَكُمْ خبر المبتدأ.
وقال تعالى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ [الآية ٢٨٢] أي: إن لم يكن الشهيدان رجلين، ثم قال فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ فالذي يستشهد رجل وامرأتان.
وقال تعالى وَلا تَسْئَمُوا [الآية ٢٨٢] من «سئمت» «تسأم» «سامة» و «سأمة» و «ساما» و «سأما» «٦» .
وقال تعالى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ [الآية ٢٨٢] بالجزم لأنّه نهي، وإذا وقفت قلت «يأب» فتقف بغير ياء.
وقال تعالى وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [الآية ٢٨٢] على النّهي، والرّفع
стр. 267
على الخبر «١» . وهو مثل لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها [الآية ٢٣٣] إلّا أنّه لم يقرأ (لا تضارّ) رفعا «٢» .
وقال تعالى فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ [الآية ٢٨٣] تقول: «رهن» . و «رهان» مثل:
«حبل» و «حبال» «٣» . وقال أبو عمرو «٤» «فرهن» «٥» وهي قبيحة لأنّ «فعلا» لا يجمع على «فعل» إلّا قليلا شاذا «٦» ، رغم أنّهم يقولون: «سقف» وسقف «٧» وقرءوا هذه الآية (سقفا من فضّة) «٨» وقالوا: «قلب» و «قلب» و «قلب» من «قلب النّخلة» و «لحد» و «لحد» ل «لحد القبر» ، وهذا شاذّ لا يكاد يعرف. وقد جمعوا «فعلا» على «فعل» ، فقالوا:
«ثطّ» و «ثطّ» ، و «جون» ، و «جون» و «ورد» و «ورد» . وقد يكون «رهن» جماعة» ل «الرّهان» كأنّه جمع الجماعة «٩» و «رهان» أمثل «١٠» من هذا الاضطرار. وقد قالوا: «سهم خشن» في «سهام خشن» خفيفة. وقال أبو
стр. 268
عمرو «١» : «قالت العرب: «رهن» ليفصلوا بينه وبين رهان الخيل قال الأخفش «٢» : «كلّ جماعة على «فعل» فإنّه يقال فيها «فعل» .
وقال تعالى فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ [الآية ٢٨٣] «يؤدّ» من «أدّى» «يؤدّي» فلذلك كان الهمز و «اؤتمن» بالهمز لأنها من «الأمانة» ، وموضع الفاء منها همزة، إلّا أنك إذا استأنفت، ثبتت ألف الوصل فيها، فلم تهمز موضع الفاء، لئلّا تجتمع همزتان.
وقال تعالى غُفْرانَكَ رَبَّنا [الآية ٢٨٥] فغفران بدل من اللفظ بالفعل، كأنه قال: «اغفر لنا غفرانك ربّنا» ومثله «سبحانك» إنّما هو «تسبيحك» أي «نسبّحك تسبيحك» وهو البراءة والتنزيه.
وفي قوله تعالى إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ [الآية ٢٨٢] فقوله بِدَيْنٍ تأكيد، نحو قوله تعالى فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) [الحجر وص: ٧٣] لأنّك تقول «تداينّا» ، فيدلّ على قولك «بدين» ، قال الشاعر «٣» [من الرجز وهو الشاهد الحادي والخمسون بعد المائة] :
داينت أروى والدّيون تقضى ... [فمطلت بعضا وأدّت بعضا] «٤»
تقول: «داينتها وداينتني فقد تداينّا» كما تقول: «قابلتها وقابلتني فقد تقابلنا» .
وقال تعالى أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ [الآية ٢٨٢] بإضمار «الشاهد» ثمّ قال إِلى أَجَلِهِ أي إلى الأجل الذي تجوز فيه شهادته، والله أعلم.
стр. 269
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «البقرة» «١»
لم قال تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ [الآية ٢] على سبيل الاستغراق، وكم ضال قد ارتاب فيه، ويؤيد ذلك قوله تعالى:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [الآية ٢٣] .
قلنا: المراد أنّه ليس محلّا للرّيب، أو معناه: لا ريب فيه عند الله ورسوله والمؤمنين، أو هو نفي معناه النّهي:
أي لا ترتابوا في أنه من عند الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها [الحج: ٧] .
فإن قيل: لم قال تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) والمتّقون مهتدون فكأنّ فيه تحصيلا لحاصل؟
قلنا: إنّما صاروا متّقين بما استفادوا من الهدى، أو أراد أنه ثبات لهم على الهدى وزيادة فيه، أو خصّهم بالذكر لأنّهم هم الفائزون بمنافعه حيث قبلوه واتّبعوه، كقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) [النازعات] أو أراد الفريقين من يتّقي ومن لم يتّق، واقتصر على أحدهما، كقوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] .
فإن قيل: المخادعة إنّما تتصوّر في حق من تخفى عليه الأمور ليتحقّق الخداع في حقّه يقال: خدعه إذا أراد به المكروه من حيث لا يعلم، والله تعالى لا يخفى عليه شيء فلم قال سبحانه يُخادِعُونَ اللَّهَ [الآية ٩] ؟
قلنا معناه يخادعون رسول الله، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] وقوله تعالى:
стр. 270
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] أو سمّى نفاقهم خداعا، لشبهه بفعل المخادع.
فإن قيل: لم حصر الفساد في المنافقين، بقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [الآية ١٢] ومعلوم أنّ غيرهم مفسد؟
قلنا: المراد بالفساد، الفساد بالنفاق وهم كانوا مختصّين به:
فإن قيل: لم قال الله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [الآية ١٥] والاستهزاء من باب العبث والسخرية وهو قبيح، والله تعالى منزه عن القبيح؟
قلنا: سمي جزاء الاستهزاء استهزاء، مشاكلة، كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] فالمعنى الله يجازيهم جزاء استهزائهم.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [الآية ١٩] ومعلوم أنّ الصّيب لا يكون إلّا من السماء؟
قلنا: الحكمة فيه، أنّ السّياق ذكر السماء معرفة، وأضافه إليها ليدلّ على أنّه من جميع آفاقها لا من أفق واحد، إذ كل أفق يسمّى سماء قال الشاعر:
ومن بعد أرض بيننا وسماء
فإن قيل: لم قال تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) مع أنّ المشركين لم يكونوا عالمين، أنّه لا ندّ له سبحانه ولا شريك له، بل كانوا يعتقدون أنّ له أندادا وشركاء؟.
قلنا: معناه: وأنتم تعلمون، أنّ الأنداد لا يقدرون على شيء ممّا سبق ذكره في الآية. أو وأنتم تعلمون أنّه ليس في التوراة والإنجيل جواز اتخاذ الأنداد.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ [الآية ٢٤] فعرّف النار هنا، ونكّرها في سورة التحريم؟
قلنا: لأنّ الخطاب في هذه مع المنافقين، وهم في أسفل النار المحيطة بهم، فعرّفت بلام الاستغراق أو العهد الذهني وفي تلك مع المؤمنين والذي يعذّب من عصاتهم بالنار يكون في جزء من أعلاها، فناسب تنكيرها لتقليلها. وقيل: لأنّ تلك الآية نزلت بمكّة قبل هذه الآية فلم تكن النار التي وقودها النّاس والحجارة معروفة فنكّرها ثم نزلت هذه الآية بالمدينة، فعرفت إشارة بها إلى ما عرفوه أولا.
стр. 271
فإن قيل: إنّ «تلبسوا» و «تكتموا» في قوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [الآية ٤٢] ، ليسا فعلين متغايرين فينهوا عن الجمع بينهما، بل أحدهما داخل في الاخر؟
قلنا: هما فعلان متغايران، لأنّ المراد بتلبيسهم الحق بالباطل، كتابتهم في التوراة ما ليس منها، وبكتمانهم الحقّ بقولهم لا نجد في التوراة صفة محمد (ص) .
فإن قيل: قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) ما فائدة الثاني، والأوّل يدل عليه ويقتضيه؟
قلنا: قوله تعالى: مُلاقُوا رَبِّهِمْ أي ملاقو ثواب ربّهم، ما وعدهم على الصبر والصلاة، وقوله تعالى: وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ أي موقنون بالبعث، فصار المعنى أنّهم موقنون بالبعث، وبحصول الثواب الموعود، فلا تكرار فيه.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [الآية ٥٩] ، وهم لم يبدّلوا غير الذي قيل لهم، لأنّهم قيل لهم قولوا حطّة فقالوا حنطة؟
قلنا: معناه فبدّل الذين ظلموا قولا قيل لهم، وقالوا قولا غير الذي قيل لهم؟
فإن قيل: قوله سبحانه: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٣) .
العثو: الفساد، فيصير المعنى ولا تفسدوا في الأرض مفسدين؟
قلنا: معناه ولا تعثوا في الأرض بالكفر، وأنتم مفسدون بسائر المعاصي.
فإن قيل: لم قال تعالى: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [الآية ٦١] وطعامهم كان المنّ والسلوى وهما طعامان؟
قلنا: المراد أنّه دائم غير متبدّل، وإن كان نوعين.
فإن قيل: لم قال ﷻ :
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الآية ٦١] وقتل النبيين لا يكون إلّا بغير الحق؟
قلنا: معناه بغير الحقّ في اعتقادهم، ولأنّ التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمّهم وإن كانت تلك الصفة لازمة للفعل، كما في عكسه، كقوله تعالى.
قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء: ١١٢] .
فإن قيل: لم قال تعالى: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) وانتقالهم من
стр. 272
صورة البشر إلى صورة القردة، ليس في وسعهم؟
قلنا هذا أمر إيجاد لا أمر إيجاب، فهو من قبيل قوله : كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٤٧ وسورة يس: ٨٢] .
فإن قيل: لم قال سبحانه: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [الآية ٦٨] ولفظة بين تقتضي شيئين فصاعدا، فكيف جاز دخولها على ذلك، وهو مفرد؟
قلنا: ذلك يشار به إلى المفرد والمثنّى والمجموع، ومنه قوله تعالى:
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨] وقوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) [آل عمران] وقوله تعالى:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ [آل عمران:
١٤] إلى قوله تعالى: ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فمعناه عوان بين الفارض والبكر، وسيأتي تمامه في قوله : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [الآية ٢٨٥] إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: قوله تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ [الآية ٧٤] كلاهما بمعنى واحد، فما فائدة الثاني؟
قلنا: التفجّر يدلّ على الخروج بوصف الكثرة، والثاني يدلّ على الخروج نفسه: وهما متغايران فلا تكرار.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [الآية ٧٩] والكتابة لا تكون إلّا باليد؟
قلنا: الحكمة فيه تحقيق مباشرتهم ذلك التحريف بأنفسهم، وذلك زيادة في تقبيح فعلهم، فإنّه يقال: كتب فلان كذا وإن لم يباشره بنفسه، بل أمر غيره به من كاتب له، ونحو ذلك.
فإن قيل: التولّي والإعراض واحد، فلم قال تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) .
قلنا: معناه: ثمّ تولّيتم عن الوفاء بالميثاق والعهد، وأنتم معرضون عن الفكر والنظر في عاقبة ذلك.
فإن قيل: قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الآية ٩٦] ما الحكمة في قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهم من جملة الناس؟
قلنا: إنّما خصّوا بالذكر بعد العموم،
стр. 273
لأنّ حرصهم على الحياة أشدّ، لأنّهم كانوا لا يؤمنون بالبعث.
فإن قيل: قوله : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [الآية ١٠٢] يدلّ على أن علم السحر لم يكن حراما.
قلنا: العمل به حرام، لأنّهما كانا يعلّمان الناس السحر ليجتنبوه، كما قال الله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [الآية ١٠٢] . نظيره لو سأل إنسان: ما الزنا؟
لوجب بيانه له ليعرفه فيجتنبه.
فإن قيل: قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) لم أثبت لهم العلم أولا مؤكدا بلام القسم، ثم نفاه عنهم.
قلنا: المثبت لهم، أنّهم علموا علما إجماليّا، أنّ من اختار السحر ماله في الاخرة من نصيب والمنفي عنهم، أنّهم لا يعلمون حقيقة ما يصيرون إليه، من تحسّر الاخرة، ولا يكون لهم نصيب منها فالمنفي غير المثبت، فلا تنافي.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) وإنّما يستقيم أن يقال: هذا خير من ذلك، إذا كان في كل واحد منهما خير، ولا خير في السحر؟
قلنا: خاطبهم على اعتقادهم أنّ في تعلم السحر خيرا، نظرا منهم إلى حصول مقصودهم الدنيويّ به.
فإن قيل: لم قال سبحانه هنا: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [الآية ١٢٦] وقال في سورة إبراهيم صلوات الله عليه: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: ٣٥] ؟
قلنا: في الدّعوة الأولى كان مكانا قفرا، فطلب منه أن يجعله بلدا آمنا وفي الدعوة الثانية كان بلدا غير آمن فعرّفه وطلب له الأمن، أو كان بلدا آمنا فطلب له ثبات الأمن ودوامه.
فإن قيل: أيّ مدح وشرف لإبراهيم صلوات الله عليه في قوله تعالى:
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) مع ما له من شرف الرسالة.
قلنا: قال الزجاج: المراد بقوله تعالى: لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) أي لمن الفائزين.
فإن قيل: الموت ليس في وسع
стр. 274
الإنسان وقدرته حتّى يصحّ أن ينهى عنه، على صفة أو يؤمر به على صفة، فلم قال تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) .
قلنا: معناه: اثبتوا على الإسلام، حتّى إذا جاءكم الموت متّم على دين الإسلام، فهو في المعنى أمر بالثبات على الإسلام والدوام عليه، أو نهي عن تركه.
فإن قيل: قوله : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا [الآية ١٣٧] . إن أريد به الله تعالى فلا مثل له، وإن أريد به دين الإسلام فلا مثل له أيضا، لأن دين الحق واحد؟.
قلنا: كلمة مثل زائدة. معناه: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، يعني بمن آمنتم به وهو الله تعالى، أو بما آمنتم به وهو دين الإسلام، و «مثل» قد تزاد في الكلام كما في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وقوله تعالى: كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: ١٢٢] ومثل بمعنى واحد وقيل الباء زائدة كما في قوله تعالى: بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم: ٢٥] أي مثل إيمانكم بالله أو بدين الإسلام.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ [الآية ١٤٣] وهو لم يزل عالما بذلك؟
قلنا: قوله تعالى: لِنَعْلَمَ أي لنعلم كائنا موجودا ما قد علمناه، أنّه يكون ويوجد، أو أراد بالعلم التمييز للعباد، كقوله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال: ٣٧] .
إن قيل: لم قال تعالى: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [الآية ١٤٤] وهذا يدل على أنّه (ص) ، لم يكن راضيا بالتوجّه إلى بيت المقدس، مع أنّ التوجّه إليه كان بأمر الله تعالى وحكمه؟
قلنا: المراد بهذا، رضا المحبّة بالطبع، لا رضا التسليم والانقياد الأمر الله تعالى.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ [الآية ١٤٥] ولهم قبلتان:
لليهود قبلة، وللنصارى قبلة؟.
قلنا: لمّا كانت القبلتان باطلتين مخالفتين لقبلة الحقّ، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة.
فإن قيل: كيف يكون للظالمين من اليهود أو غير هم حجة على المؤمنين، حتّى قال تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
стр. 275
عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
[الآية ١٥٠] ؟.
قلنا: معناه إلّا أن يقولوا ظلما وباطلا، كقول الرجل لصاحبه: مالك عندي حق، إلّا أن تظلم أو تقول الباطل وقيل معناه: والذين ظلموا منهم، ف «إلّا» هنا بمعنى واو العطف، كما في قوله تعالى: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ [النمل] وقيل:
«إلّا» فيهما بمعنى لكن. وحجّتهم أنّهم كانوا يقولون، لمّا توجه النبي (ص) إلى بيت المقدس: ما درى محمّد أين قبلته حتّى هديناه، وكانوا يقولون أيضا: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا، فلما حوّله الله تعالى إلى الكعبة انقطعت هذه الحجّة فعادوا يقولون:
لم تركت قبلة بيت المقدس؟ إن كانت باطلة فقد صلّيت إليها زمانا، وإن كانت حقّا فقد انتقلت عنها فهذا هو المراد به بقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وقيل: المراد به قولهم:
ما ترك محمّد قبلتنا إلّا ميلا لدين قومه وحبّا لوطنه، وقيل: المراد به قول المشركين: قد عاد محمّد إلى قبلتنا لعلمه أنّ ديننا حق، وسوف يعود إلى ديننا، وإنما سمّى الله باطلهم حجة لمشابهته الحجة في الصورة، كما قال الله تعالى: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ [الشورى:
١٦] أي باطلة، وقال سبحانه: فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر: ٨٣] .
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَلا تَكْفُرُونِ بعد قوله سبحانه: وَاشْكُرُوا لِي [الآية ١٥٢] والشكر نقيض الكفر، فمتى وجد الشكر انتفى الكفر؟
قلنا: قوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِي معناه استعينوا بنعمتي على طاعتي، وقوله سبحانه وَلا تَكْفُرُونِ معناه لا تستعينوا بنعمتي على معصيتي. وقيل:
الأوّل أمر بالشكر. والثاني أمر بالثبات عليه.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) [آل عمران] وأهل دينه لا يلعنونه إذا مات على دينهم؟.
قلنا: المراد بالناس المؤمنون فقط، أو هو على عمومه وأهل دينه يلعنونه في الاخرة، قال الله تعالى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [العنكبوت: ٢٥] وقال سبحانه: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [الأعراف: ٣٨] .
стр. 276
فإن قيل: ما الحكمة في لفظ «إله» في قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الآية ١٦٣] .
قلنا: لو قيل: وإلهكم واحد، لكان ظاهره إخبارا عن كونه واحدا في الإلهية، يعني لا إله غيره، ولم يكن إخبارا عن توحّده في ذاته، بخلاف ما إذا كرّر ذكر الإله، والآية إنّما سيقت لإثبات أحديّته في ذاته، ونفي ما يقوله النّصارى أنه واحد، والأقانيم ثلاثة:
أي الأصول كما أنّ زيدا واحد وأعضاؤه متعددة فلما قيل إله واحد دل على أحديّة الذات والصفة. ولقائل أن يقول: قوله تعالى واحِدٍ يحتمل الأحديّة في الذات، ويحتمل الأحدية في الصفات، سواء كرّر ذكر الإله أو لم يكرر، فلا يتم الجواب.
فإن قيل: ما الحكمة في التشبيه في قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ [الآية ١٧١] وظاهره تشبيه الكفّار بالرّاعي؟.
قلنا: فيه إضمار تقديره: ومثلك يا محمّد مع الكفار كمثل الرّاعي مع الأنعام، أو تقديره: ومثل الذين كفروا كمثل بهائم الرّاعي، أو ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الناعق بالبهائم، أو ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام كمثل الرّاعي.
فإن قيل: لم خصّ المنعوق بأنّه لا يسمع إلّا دعاء ونداء، مع أنّ كلّ عاقل كذلك أيضا لا يسمع إلّا دعاء ونداء؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: لا يَسْمَعُ [الآية ١٧١] أنّه لا يفهم كقولهم:
أساء سمعا، فأساء إجابة، أي أساء فيهما.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية ١٧٤] وقال في موضع آخر فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) [الحجر] ؟
قلنا: المنفي كلام التلطّف والإكرام، والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة فلا تنافي.
فإن قيل: لم قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [الآية ١٧٨] أي فرض، والقصاص ليس بفرض، بل الوليّ مخيّر فيه، بل مندوب إلى تركه؟
قلنا: المراد به فرض على القاتل التمكين، لا أنّه فرض على الوليّ الاستيفاء.
стр. 277
فإن قيل: لم قال تعالى: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [الآية ١٨٠] عطف الأقربين على الوالدين، وهما أقرب الأقربين، والعطف يقتضي المغايرة؟
قلنا: الوالدان ليسا من الأقربين، لأنّ القريب من يدلي إلى غيره بواسطة، كالأخ والعمّ ونحوهما، والوالدان ليسا كذلك، ولو كانا منهم لكان تخصيصهما بالذّكر لشرفهما، كقوله تعالى: وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [الآية ٩٨] .
فإن قيل: لم قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [الآية ١٨٣] وصوم هذه الأمة، ليس كصوم أمّة موسى وعيسى ﵉؟.
قلنا: التشبيه في أصل الصوم لا في كيفيّته أو في كيفيّة الإفطار، فإنّه، في أول الأمر كان الإفطار مباحا من غروب الشمس إلى وقت النوم فقط، كما كان في صوم من قبلنا، ثم نسخ بقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [الآية ١٨٧] ، أو في العدد أيضا على ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: فرض على النصارى صوم رمضان بعينه، فقدّموا عشرة أو أخّروا عشرة لئلّا يقع في الصيف، وجبروا التقديم والتأخير بزيادة عشرين، فصار صومهم خمسين يوما، بين الصيف والشتاء.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [الآية ١٨٥] بعد قوله تعالى: هُدىً لِلنَّاسِ.
قلنا: ذكر سبحانه أوّلا أنه هدى، ثم ذكر أنّه بيّنات من الهدى: أي من جملة ما هدى الله به عبيده، وفرّق به بين الحق والباطل، من الكتاب السماوية الهادية الفارقة بين الحق والباطل، فلا تكرار.
فإن قيل: ما الحكمة في إعادة ذكر المريض والمسافر؟
قلنا: الحكمة فيه أنّ الآية المتقدمة نسخ مما فيها تخيير الصحيح، وكان فيها تخيير المريض والمسافر أيضا.
فأعيد ذكرهما لئلّا يتوهم أنّ تخييرهما نسخ، كما نسخ تخيير الصحيح.
فإن قيل: قوله تعالى: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [الآية ١٨٦] يدلّ على أنّه يجيب دعاء الداعين،
стр. 278
ونحن نرى كثيرا من الداعين لا يستجاب لهم؟
قلنا: روي عن النبي (ص) ، أنّه قال: «ما من مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم، إلّا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إمّا أن يعجّل دعوته، وإمّا أن يدّخرها له في الاخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها» ولأنّ قبول الدعاء شرطه الطاعة الله تعالى، وأكل الحلال، وحضور القلب وقت الدعاء فمتى اجتمعت هذه الشروط حصلت الإجابة، ولأن الداعي قد يعتقد مصلحته في الإجابة، والله تعالى يعلم أنّ مصلحته في تأخير ما سأل، أو في منعه، فيجيبه إلى مقصوده الأصلي، وهو طلب المصلحة، فيكون قد أجيب وهو يعتقد أنّه منع عنه.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [الآية ١٩٦] ومعلوم أنّ ثلاثة وسبعة عشرة، ثم ما الحكمة في قوله تعالى: كامِلَةٌ والعشرة لا تكون إلّا كاملة، وكذا جميع أسماء الأعداد، لا تصدق على أقل من المذكور، ولا على أكثر منه؟
قلنا: الحكمة في قوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ أن لا يتوهم أنّ الواو بمعنى أو، كما في قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [النساء: ٣] وألا تحل التسع جملة، فنفى بقوله سبحانه: تِلْكَ عَشَرَةٌ ظنّ وجوب أحد العددين فقط، إما الثلاثة في الحج، أو السبعة بعد الرجوع، وأن يعلم العددين من جهتين جملة وتفصيلا، فيتأكّد العلم به، ونظيره فذلكة الحساب، وتنصيف الكتاب.
وأما قوله تعالى: كامِلَةٌ فتأكيد كما في قوله تعالى: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [الآية ٢٣٣] أو معناه كاملة في الثواب مع وقوعها بدلا من الهدى، أو في وقوعها موقع المتتابع مع تفرّقها، أو في وقوعها موقع الصوم بمكّة مع وقوع بعضها في غير مكّة، فالحاصل أنّه كمال، وصفا لا ذاتا.
فإن قيل: ما الحكمة في تكرار الأمر بالذكر في قوله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [الآية ١٩٨] .
قلنا: إنّما كرره تنبيها على أنّه سبحانه أراد ذكرا مكرّرا، لا ذكرا واحدا، بل مرّة بعد أخرى، ولأنه زاد في الثاني فائدة أخرى، وهي قوله
стр. 279
تعالى: كَما هَداكُمْ يعني اذكروه بأحديّته كما ذكركم بهدايته، أو إشارة الى أنّه جلّ وعلا أراد بالذكر الأوّل الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، وبالثاني الدعاء بعد الفجر بها، فلا تكرار.
فإن قيل: لم قال الله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ [الآية ١٩٨] إلى أن قال: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [الآية ١٩٩] وأراد به الإفاضة من عرفات بلا خلاف، وبعد المجيء إلى مزدلفة والذّكر فيها مرتين، كما فسّرنا كيف يفيضون من عرفات.
قلنا: فيه تقديم وتأخير تقديره: من ربّكم ثم أفيضوا من حيث أفاض النّاس، فإذا أفضتم من عرفات.
فإن قيل: لم قال الله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [الآية ٢٠٣] ومعلوم أنّ المتعجّل التارك بعض الرمي، إذا لم يكن عليه إثم، لا يكون على المتأخّر الآتي بالرمي كاملا؟
قلنا: كان أهل الجاهلية فريقين، منهم من جعل المتعجّل آثما، ومنهم من جعل المتأخّر آثما، فأخبر الله تعالى بنفي الإثم عنهما جميعا، أو معناه لا إثم على المتأخّر في تركه الأخذ بالرخصة، مع أنّ الله تعالى يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه، أو أنّ معناه أن انتفاء الإثم عنهما موقوف على التقوى، لا على مجرّد الرخصة أو العزيمة في الرمي ثمّ قيل المراد به تقوى المعاصي في الحجّ، وقيل تقوى المعاصي بعد الحجّ في بقيّة العمر، بالوفاء بما عاهد الله تعالى عليه، بعرفة وغيرها من مواقف الحجّ من التوبة والإنابة. والمشكل في هذه الآية قوله تعالى: فِي يَوْمَيْنِ والتعجيل المرخّص فيه، إنّما هو التعجيل في اليوم الثاني من أيام التشريق.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) وهو يدلّ على أنّها كانت إلى غيره، كقولهم: رجع إلى فلان عبده ومنصبه؟
قلنا: هو خطاب لمن كان يعبد غير الله تعالى، وينسب أفعاله إلى سواه فأخبرهم أنّه إذا كشف لهم الغطاء يوم القيامة، ردّوا ما أضافوه لغيره بسبب كفرهم وظلمهم ولأنّ رجع يستعمل بمعنى صار ووصل، كقولهم: رجع عليّ من فلان مكروه، قال الشاعر [بحر الطويل] :
стр. 280
وما المرء إلّا كالشّهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع ولأنّها كانت إليه قبل خلق عبيده، فلمّا خلقهم ملكهم بعضها خلافة ونيابة، ثم رجعت إليه بعد هلاكهم، ومنه قوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦] وقوله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [الفرقان: ٢٦] وإنّما قال سبحانه: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) ولم يقل إليه، وإن كان قد سبق ذكره مرة، لقصد التعميم والتعظيم.
فإن قيل: لم طابق الجواب السؤال في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [الآية ٢١٥] فإنّهم سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا عن بيان المصرف؟.
قلنا: قد تضمّن قوله تعالى: قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ بيان ما ينفقونه وهو كلّ خير، ثمّ زيد على الجواب بيان المصرف، ونظيره قوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ
[طه] .
فإن قيل: لم جاء «يسألونك» ثلاث مرات بغير واو: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ [الآية ٢١٥] ، يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ [الآية ٢١٧] ، يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [الآية ٢١٩] . ثم جاء ثلاث مرات بالواو: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ [الآية ٢١٩] ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى [الآية ٢٢٠] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ؟ [الآية ٢٢٢] .
قلنا: لأنّ سؤالهم عن الحوادث الأول وقع متفرّقا، وعن الحوادث الأخر وقع في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع دلالة على ذلك.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) . وعزمهم الطلاق ممّا يعلم، لا ممّا يسمع؟
قلنا: الغالب أنّ العزم على الطلاق، وترك الفيء، لا يخلو من دمدمة، وإن خلا عنها، فلا بدّ له أن يحدّث نفسه ويناجيها بما عزم عليه، وذلك حديث لا يسمعه إلّا الله تعالى، كما يسمع وسوسة الشيطان.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ [الآية ٢٢٨] ولا حقّ للنساء في الرجعة، وأفعل يقتضي الاشتراك؟
قلنا: المراد أنّ الزوج إذا أراد الرجعة وأبت، وجب إيثار قوله على قولها، لأنّ لها حقا في الرجعة.
стр. 281
فإن قيل: لم قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً [الآية ٢٢٨] والزوج أحقّ بالرجعة، سواء أراد الإصلاح أو الإضرار بها، بتطويل العدّة؟
قلنا: المراد أنّ الرجعة أصوب وأعدل، إن أراد الزوج الإصلاح، وتركها أصوب وأعدل، إن أراد الإضرار.
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [الآية ٢٤٣] وقوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: ٥٦] .
قلنا: المراد بالآية الأولى إماتة العقوبة مع بقاء الأجل، وبالآية الثانية الإماتة بانتهاء الأجل نظيره قوله تعالى في قصة موسى ﵇: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [الآية ٥٦] لأنّها كانت إماتة عقوبة، أو كان إحياؤهم آية لنبيّهم على ما عرف في قصّتهم، فصار كإحياء العزيز حين مرّ على قرية وآيات الأنبياء نوادر مستثناة، فكان المراد بالآية الثانية الموتة التي ليست بسبب آية نبي من الأنبياء أو إحياء قوم موسى آية له أيضا، فكان هذا جوابا عاما، مع أنّ في أصل السؤال نظرا، لأنّ الضمير في قوله تعالى: لا يَذُوقُونَ للمتّقين، والمقصود في قوله تعالى فِيها الجنّات، على ما يأتي بيانه في سورة الدخان، إن شاء الله على وجه يندفع به السؤال من أصله.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ [الآية ٢٤٧] والله تعالى لا يؤتي ملكه أحدا؟
قلنا: المراد بهذا الملك السلطنة، والرياسة التي أنكروا إعطاءها لطالوت وليس المراد بأنّه يعطي ملكه لأحد، لأنّ سياق الآية يمنعه.
فإن قيل: لم قال تعالى في الماء:
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ [الآية ٢٤٩] ولم يقل ومن لم يشربه، والماء مشروب لا مأكول؟
قلنا: طعم بمعنى أكل، وبمعنى ذاق، والذوق هو المراد هنا، وهو يعمّ.
فإن قيل: لم خصّ موسى وعيسى ﵉ من بين الأنبياء بالذكر في قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ [الآية ٢٥٣] ؟
стр. 282
قلنا: لما أوتيا من الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة، مع الكتابين العظيمين المشهورين.
فإن قيل: لم قال تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [الآية ٢٥٤] وفي يوم القيامة شفاعة الأنبياء وغيرهم بدليل قوله سبحانه: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الآية ٢٥٥] وقوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الأنبياء: ٢٨] وقوله تعالى: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] .
قلنا: هذه الآيات لا تدل على وجود الشفاعة يوم القيامة، بل تدل على أنّها لا توجد ولا تنفع من غير إذنه تعالى، ولا توجد لغير مرضيّ عنده، وهذا لا يتعارض مع وجودها، بل المتعارض معه هو الإخبار عن وجودها، لا الإخبار عن إمكان وجودها، ولو سلّم، فالمراد به نفي شفاعة الأصنام والكواكب التي كانوا يؤمنون بها.
ولهذا عرّض بذكر الكفّار، بقوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) وقيل: المراد، أنّه لا شفاعة في إثم ترك الواجبات، لأنّ الشّفاعة في الاخرة في زيادة الفضل لا غير، والخطاب مع المؤمنين في النفقة الواجبة وهي الزّكاة.
فإن قيل: لم قال الله تعالى:
وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ على وجه الحصر، وغيرهم ظالم أيضا؟
قلنا: لأنّ ظلمهم أشدّ، فكأنّه لا ظالم إلّا هم، نظيره قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر:
٢٨] .
فإن قيل لم قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [الآية ٢٥٧] بلفظ المضارع، ولم يقل أخرجهم بلفظ الماضي، والإخراج قد وجد، لأنّ الإيمان قد وجد؟
قلنا: لفظ المضارع فيه دلالة على استمرار ذلك الإخراج، من الله تعالى في الزمان المستقبل، في حقّ من آمن، بزيادة كشف الشبه ومضاعفة الهداية، وفي حقّ من لم يؤمن، ممّن قضى الله أنّه سيؤمن بابتداء الهداية وزيادتها، أيضا، ولفظ الماضي لا يدلّ على هذا المعنى.
فإن قيل: متى كان المؤمنون في ظلمات الكفر، والكافرون في نور الإيمان ليخرجوا من ذلك؟
стр. 283
قلنا: الإخراج يستعمل بمعنى المنع عن الدخول، يقال لمن امتنع عن الدخول في أمر خرج منه وأخرج نفسه منه، وإن لم يكن دخله فعصمة الله تعالى المؤمنين عن الدخول في ظلمات الضلال، إخراج لهم منها وتزيين قرناء الكفّار لهم الباطل الذي يصدّونهم به عن الحقّ، إخراج لهم من نور الهدى ولأنّ إيمان رؤساء أهل الكتاب بالنبي ﵊ قبل أن يظهر كان نورا لهم، وكفرهم به بعد ظهوره خروج منه إلى ظلمات الكفر، ولأنّه لمّا ظهرت معجزاته ﵊، وكان موافقه ومتّبعه خارجا من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومخالفه خارجا من نور العلم إلى ظلمات الجهل.
فإن قيل: لم انتقل إبراهيم (ع) إلى حجّة أخرى، وعدل عن نصرة الأولى، مع أنّه لم ينقطع بما عارضه به نمرود، من قتل أحد المجوسيين وإطلاق الاخر، فإن إبراهيم (ع) ما أراد هذا الإحياء والإماتة؟
قلنا: إمّا لأنّه رأى خصمه قاصر الفهم عن إدراك معنى الإحياء والاماتة التي أضافهما إبراهيم (ع) إلى الله تعالى، حيث عارض معارضة لطيفة، وعمي عن اختلاف المعنيين أو لأنّه علم أنّه فهم الحجة لكنه قصد التمويه والتلبيس على أتباعه وأشياعه فعدل إبراهيم (ع) إلى أمر ظاهر يفهمه كل أحد، ولا يقع فيه تمويه ولا تلبيس.
فإن قيل: لم طبع الله على قلبه فلم يعارض بالعكس في طلوع الشمس؟
قلنا: لأنّه لو عارض به لم يأت الله بها من المغرب، لأنّ ذلك أمارة قيام الساعة، فلا يوجد إلّا قريبا من قيامها، ولأنّه وأتباعه كانوا عالمين أن طلوعها من المشرق سابق على وجوده، فلو ادّعاه لكذّبوه.
فإن قيل: لم قال عزير ﵇ كما ورد في التنزيل- منكرا مستبعدا أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [الآية ٢٥٩] وهو نبيّ، والنبي لا تخفى عليه قدرة الله تعالى، على إحياء قرية خربة، وإعادة أهلها إليها؟
قلنا: لم يقله منكرا مستبعدا لعظيم قدرة الله تعالى، بل متعجبا من عظيم قدرته تعالى، أو طلبا لرؤية كيفية الإعادة، لأنّ كلمة «أنّى» بمعنى كيف أيضا. وقد نقل مجاهد أنّ المارّ على القرية القائل ذلك، كان رجلا كافرا
стр. 284
شاكّا في البعث، وإن كان الأول هو المشهور.
فإن قيل: لم قال الله تعالى لإبراهيم ﵇ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [الآية ٢٦٠] وقد علم أنّه أثبت الناس إيمانا؟
قلنا: ليجيب بما أجاب به، فتحصل به الفائدة الجليلة، للسّامعين من طلبه لإحياء الموتى.
فإن قيل: ما المقصود بقول إبراهيم (ع) كما ورد في التنزيل:
وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [الآية ٢٦٠] مع أنّ قلبه مطمئنّ بقدرة الله على الإحياء؟
قلنا: معناه ليطمئنّ قلبي، بعلم ذلك عيانا، كما اطمأن به برهانا أو ليطمئن بأنّك اتخذتني خليلا، أو بأني مستجاب الدعوة.
فإن قيل: فما الحكمة في قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [الآية ٢٦٠] أي فضمّهنّ، ولفظ الأخذ مغن عنه؟
قلنا: الحكمة فيه تأمّلها ومعرفة أشكالها وصفاتها، لئلّا يلتبس عليه بعد الإحياء، فيتوهّم أنّه غيرها.
فإن قيل: لم مدح الله سبحانه المتّقين بترك المنّ، ونهى عن المنّ أيضا، مع أنّه وصف نفسه بالمنّان، في نحو قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٦٤] ؟
قلنا: منّ بمعنى أعطى، ومنه المنّان في صفات الله تعالى. وقوله سبحانه:
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنعم عليهم، ونحو ذلك قوله تعالى: فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [سورة ص: ٣٩] . أما وقوله:
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ [محمد: ٤] ، فهو من الإنعام بالإطلاق من غير عوض. المنّ هنا بمعنى الاعتداد بالنعمة، وذكرها واستعظامها، وهو المذموم.
فإن قيل: قوله تعالى: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ [الحجرات: ١٧] من القسم الثاني.
قلنا: ذلك اعتداد بنعمة الإيمان، فلا يكون قبيحا، بخلاف نعمة المال، ولأنه يجوز أن يكون من صفات الله تعالى ما هو مدح في حقّه، ذم في حقّ العبد كالجبّار، والمتكبّر، والمنتقم، ونحو ذلك.
فإن قيل: لم قال تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ [الآية ٢٦٦] ثمّ قال فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [الآية ٢٦٦] ؟
قلنا: لمّا كان النخيل والأعناب أكرم
стр. 285
الشجر، وأكثرها منافع، خصّهما سبحانه بالذّكر وجعل الجنّة منهما، وإن كان فيها غير هما تغليبا لهما وتفضيلا.
فإن قيل: قوله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [الآية ٢٧٣] يدلّ بمفهومه على أنّهم كانوا يسألون الناس برفق، فلم قال سبحانه: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [الآية ٢٧٣] .
قلنا: المراد به نفي السؤال والإلحاف جميعا، كقوله تعالى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ [الآية ٧١] ، أو كقول الأعشى:
لا يغمز الساق من أين ولا وصب معناه ليس بساقه أين، ولا وصب، فغمزها.
فإن قيل: لم قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا [الآية ٢٧٥] ، ألحق الوعيد بأكله مع أنّ لابسه، ومدّخره، وواهبه، أيضا، في الإثم سواء؟
قلنا: لمّا كان أكثر الانتفاع والهمّ بالمال، إنّما هو الأكل، لأنه مقصود لا غناء عنه ولا بدّ منه، عبّر عن أنواع الانتفاع بالأكل كما يقال: أكل فلان ماله كلّه، إذا أخرجه في مصالح الأكل وغيره؟
فإن قيل: لم خص الأكل بذكر الوعيد، دون المطعم، وكلاهما آثم؟
قلنا: لأنّ انتفاعه الدنيويّ بالرّبا، أكثر من انتفاع المطعم.
فإن قيل: لم قال تعالى: قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [الآية ٢٧٥] والكلام إذ ذاك في الربا، ومقصودهم تشبيهه بالبيع فقياسه إنّما الربا مثل البيع في حلّه؟
قلنا: جاءوا بالتمثيل على طريق المبالغة، وذلك أنّه بلغ من اعتقادهم استحلال الربا، أنّهم جعلوه أصلا في الحلّ والبيع، وفرعا كقولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفّه، إذا أرادوا المبالغة.
فإن قيل: كيف قلتم إنّ أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وقد قال الله تعالى في حق آكل الربا: وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) ؟.
قلنا: الخلود يستعمل بمعنى طول البقاء وإن لم يكن بصفة التأبيد، يقال:
خلّد الأمير فلانا في الحبس، إذا طال حبسه، أو أنّ قوله تعالى: فَأُولئِكَ إشارة إلى من عاد إلى استحلال الربا،