وتعرض الآيات [٢٥- ٢٧] طرفا من تاريخ دعوة الله في الأرض، تبدو فيه وحدة المنهج واستقامة الطريق، وأن الذي يحيد عنه في كل عهد هم الفاسقون.
وفي الآية الأخيرة من السورة، هتاف ودعوة للمؤمنين لتقوى الله، وصدق الإيمان برسوله، وبذلك يعطيهم الله نصيبين من رحمته ويجعل لهم نورا يمشون به ويغفر لهم، فضل الله ليس وقفا على أهل الكتاب كما يزعمون، إنّما هو بيد الله، سبحانه، يؤتيه من يشاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) .
وهكذا تبدو السورة من أولها الى آخرها مترابطة الحلقات، في خط واحد ثابت، تتوالى إيقاعاتها على القلوب، منوّعة ومتشابهة، فيها من التكرار القدر اللازم، لتعميق أثر الإيقاع في القلب، وطرقه وهو ساخن، وتلوين هذه المؤثّرات أمام المخاطبين: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) .
«وبعد فهذه السورة نموذج من النماذج القرآنية الواضحة، في خطاب القلوب البشرية، واستجاشتها بأسلوب عميق التأثير وهي في بدئها وسياقها وختامها، وفي طريقة تناولها للموضوع وسيرها فيه جولة بعد جولة، هي في هذا درس بديع للدعاة، يعلّمهم كيف يخاطبون الناس، وكيف يوقظون الفطرة، وكيف يستحيون القلوب» «١» .
قال الفيروزآبادي: «معظم مقصود السورة: الإشارة إلى تسبيح جملة المخلوقين والمخلوقات، في الأرض والسماوات، وتنزيه الحقّ في الذات والصفات، وأمر المؤمنين بإنفاق النفقات والصدقات، وذكر حيرة المنافقين والمنافقات في ساحة القيامة، وبيان خسّة الدنيا وعزّ الجنّات، وتسلية الخلق عند هجوم النكبات والمصيبات» «٢» في قوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) .
стр. 2207
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحديد» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الحديد» بعد سورة «الزّلزلة» ، ونزلت سورة «الزلزلة» بعد سورة «النساء» ، وكان نزول سورة «النساء» فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة «الحديد» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في الآية ٢٥ منها: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وتبلغ آياتها تسعا وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة الدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله، والإنفاق في سبيله وقد ذكرت هذه السورة بعد السورة السابقة، لأنّها ختمت بأمر النبي (ص) بتسبيح ربّه العظيم، فجاءت هذه السورة بعدها، وأوّلها في بيان أنّ كل ما في السماوات والأرض يسبّح بحمده.
الدعوة إلى الإيمان والإنفاق في سبيله الآيات [١- ٢٩]
قال الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) فذكر، سبحانه، أن كل ذلك يسبّح بحمده، وأنّ له ملكه، وأنّه يحيي ويميت، إلى غير هذا ممّا يوجب
стр. 2208
الإيمان به جلّ شأنه وبرسوله محمد (ص) . وذكر أن رسوله إنما يدعوهم ليؤمنوا به، وقد أخذ ميثاقهم بهذا منذ خلقهم، وأنه جاءهم بكتاب ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ثم دعاهم إلى الإنفاق في سبيله، وفضّل من أنفق وقاتل قبل الفتح، على من أنفق وقاتل بعده، ووعد من ينفق في سبيله بأن يضاعفه له يوم القيامة، ويكون لهم فيها نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ويقول المنافقون والمنافقات ممّن لم ينفقوا في سبيله للذين آمنوا أو أنفقوا انظروا لنقتبس من نوركم، فيقال لهم: ارجعوا وراءكم، ويحال بينهم وبينهم إلى غير هذا من التحاور الذي يجري بينهم في ذلك اليوم ثم ذكر تعالى أنه حان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل، فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، ثمّ ذكر من آياته جلّ وعلا أنّه يحيي الأرض بعد موتها، لتخشع قلوبهم له، ورغّبهم في الإيمان به وبرسله، بأنّ الذين آمنوا به سبحانه، وبرسله، هم الصّديقون والشهداء، ولهم أجرهم ونورهم، والذين كفروا وكذّبوا بآياته هم أصحاب الجحيم، ثمّ هوّن لهم أمر الحياة الدنيا فذكر أنها لعب ولهو إلى غير هذا مما هوّن به أمرها، وأمرهم أن يسابقوا إلى ما هو أعظم منها من نيل مغفرته وجنّته ثم ذكر أنّ ما يصيبهم في الأرض من قحط ونحوه، وفي أنفسهم من شرّ أو خير، فبقضائه وقدره. فلا يصحّ أن يحزنوا على ما فاتهم أو يفرحوا بما آتاهم، ليهوّن عليهم الإنفاق والجهاد في سبيله، ويحذّرهم من البخل والأمر به، ثم أشارت الآيات إلى أنّ ما يأمرهم به تعالى من ذلك، هو الذي أرسل به رسله بالبيّنات، وأنزل معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم من ينصره ورسله بالجهاد به في سبيله وذكر سبحانه من أولئك الرسل نوحا وإبراهيم (ع) وأنه جعل في ذرّيتهما النبوّة والكتاب، ثمّ قفّى على آثارهم برسله، وقفى بعدهم بعيسى ابن مريم (ع) ، فأخذ بهدايتهم قليل من أتباعهم، وفسق كثير منهم ثم أمر هذه الأمّة أن تؤمن بالله ورسوله، الذي جاء
стр. 2209
مصدّقا لأولئك الرسل، وذكر أنه يعطيهم نصيبين من رحمته بإيمانهم برسالتهم ورسالة أهل الكتاب قبلهم ثم رغّبهم في ذلك بأنهم ينالون به فضلا، يرى أهل الكتاب أنّه خاص بهم، فقال تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) .
стр. 2210
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحديد» «١»
قال بعضهم: وجه اتصالها بسورة «الواقعة» : أنها قدّمت بذكر التسبيح، وتلك ختمت بالأمر به.
قلت: وتمامه: أنّ أوّل «الحديد» واقع العلة للأمر به، وكأنه سبحانه قال: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) [الواقعة] لأنه سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية: ١] .
стр. 2211
المبحث الرابع مكنونات سورة «الحديد» «١»
١- فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ [الآية ١٣] .
قال مجاهد: هو الحجاب الذي في سورة الأعراف «٢» .
وقال قتادة: حائط بين الجنّة والنّار.
أخرجهما ابن أبي حاتم «٣» .
٢- الْغَرُورُ (١٤) .
هو الشيطان.
٣- وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [الآية ٢٧] .
قال ابن حزم: وهو النبي (ص) أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 2212
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحديد» «١»
١- قال تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الآية ١٣] .
أقول: وقوله تعالى: انْظُرُونا أي:
انتظرونا.
وهذا يعني أن الثلاثي «نظر» يعني انتظر ومنه قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة:
٢٨٠] .
وقولهم:
إن غدا لناظره قريب.
٢- وقال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ [الآية ١٦] .
وقوله تعالى: يَأْنِ من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه، أي: وقته.
وهذا بمعنى مقلوبه «آن» ، أي «حان» ، وهذا القلب في الأفعال قد ورد في جملة مواد منها: رأى وراء، وعثا وعاث.
٣- وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الآية ٢٨] .
وقوله تعالى: كِفْلَيْنِ أي نصيبين من رحمته لإيمانكم بمحمد (ص) وإيمانكم بمن قبله.
стр. 2213
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحديد» «١»
قال تعالى: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [الآية ١٢] . يريد، والله أعلم، عن أيمانهم كما قال سبحانه:
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى: ٤٥] أي «بطرف» .
وقال تعالى: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الآية ١٣] من «نظرته» أي «أنظره» ومعناه: أنتظره.
وقال تعالى: إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [الآية ٢٢] . يريد، والله أعلم، «إلّا هو في كتاب» فجاز فيها الإضمار. وقد تقول: «عندي هذا ليس إلّا» تريد: ليس إلّا هو.
وقال تعالى: بِسُورٍ لَهُ بابٌ [الآية ١٣] معناه: والله أعلم، «وضرب بينهم سور» .
وقال تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) بالاستغناء بالأخبار التي في القرآن، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [الرعد: ٣١] ولم يكن في ذا الموضع خبر، والله أعلم بما ينزل هو، كما أنزل، وكما أراد ان يكون.
وقال تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ [الآية ٢٩] . يقول، والله أعلم: لأن يعلم.
وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الآية ١١] وليس هذا مثل
стр. 2214
الاستقراض من الحاجة، ولكنّه مثل قول العرب: «لي عندك قرض صدق» و «قرض سوء» إذا فعل به خيرا او شرّا. قال الشاعر:
[من الطويل وهو الشاهد التاسع والستون بعد المائتين] :
سأجزي سلامان بن مفرج قرضهم ... بما قدّمت أيديهم وأزلت
стр. 2215
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحديد» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الآية ٨] ثم قال سبحانه:
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) ؟
قلنا: معناه إن كنتم مؤمنين بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فإن شريعتهما تقتضي الإيمان بمحمد (ص) . الثاني: إن كنتم مؤمنين بالميثاق الذي أخذه عليكم يوم أخرجكم من ظهر آدم (ع) . الثالث:
أن معناه: أيّ عذر لكم في ترك الإيمان، والرسول يدعوكم إليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج، وقد ركّب الله تعالى فيكم العقول، ونصب لكم الأدلّة، ومكّنكم من النظر وأزاح عللكم، فما لكم لا تؤمنون إن كنتم مؤمنين بموجب مّا، فإن هذا الموجب لا مزيد عليه.
فإن قيل: لم قال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [الآية ١٠] ، ولم يذكر مع من لا يستوي، والاستواء لا يكون إلا بذكر اثنين، كقوله تعالى: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [المائدة: ١٠٠] ولا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ [الحشر:
٢٠] ؟
قلنا: هو محذوف تقديره: ومن أنفق وقاتل من بعد الفتح، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه.
فإن قيل: كيف يقال إن أعلى الدرجات بعد درجة الأنبياء درجة الصّدّيقين، والله تعالى قد حكم لكلّ مؤمن بكونه صدّيقا، بقوله تعالى:
стр. 2216
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الآية ١٩] ؟
قلنا: قال ابن مسعود ومجاهد: كلّ مؤمن صدّيق. الثاني: أنّ الصّدّيق هو الكثير الصدق، وهو الذي كلّ أقواله وأفعاله وأحواله صدق، فعلى هذا يكون المراد به بعض المؤمنين لا كلّهم. وقد روي عن الضّحّاك أنّها نزلت في ثمانية نفر، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام وهم أبو بكر، وعثمان، وعلي، وحمزة بن عبد المطلب، وطلحة، والزبير، وسعد، وزيد وألحق بهم عمر، ﵃ فصاروا تسعة.
فإن قيل: لم ذكر سبحانه هؤلاء المذكورين بكونهم شهداء، ومنهم من لم يقتل؟
قلنا: معناه أنّ لهم أجر الشهداء.
الثاني: أنه جمع بمعنى شاهد، فمعناه أنهم شاهدوه عند ربّهم على أنفسهم بالإيمان. الثالث أنه مبتدأ منقطع عمّا قبله لا معطوف عليه معناه: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم.
فإن قيل: لم قال تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الآية ٢١] والمسابقة من المفاعلة التي لا تكون إلا بين اثنين كقولك: سابق زيد عمرا؟
قلنا: قيل معناه سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في الميدان ويؤيّد هذا القول مجيئه بلفظ المسارعة في سورة آل عمران «١» . وقيل سابقوا ملك الموت، قبل أن يقطعكم بالموت، عن الأعمال التي توصلكم إلى الجنة وقيل سابقوا إبليس، قبل أن يصدّكم بغروره وخداعه عن ذلك.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الآية ٢١] . وقال تعالى في سورة آل عمران وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران: ١٣٣] فكيف يكون عرضها كعرض السماء الواحدة، وكعرض السماوات السبع؟
قلنا المراد بالسّماء جنس السماوات لا سماء واحدة، كما أن المراد بالأرض في الآيتين جنس الأرضين، فصار التشبيه في الآيتين بعرض السماوات السبع، والأرضين السبع.
فإن قيل: لم قال تعالى:
стр. 2217
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [الآية ٢٣] ولا أحد يملك نفسه عند مضرة تناله أن لا يحزن، ولا عند منفعة تناله أن لا يفرح، وليرجع كل واحد منا في ذلك إلى نفسه؟
قلنا: ليس المراد بذلك الحزن والفرح اللذين لا ينفك عنهما الإنسان بطبعه قسرا وقهرا بل المراد به الحزن المخرج لصاحبه، إلى الذهول عن الصبر والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء ثواب الصابرين، والفرح الطاغي الملهي عن الشكر، نعوذ بالله منهما.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ [الآية ٢٥] والميزان لم ينزل من السماء؟
قلنا قيل المراد بالميزان هنا العدل.
وقيل العقل. وقيل السلسلة التي أنزلها الله تعالى، على داود (ع) . وقيل هو الميزان المعروف، أنزله جبريل (ع) فدفعه إلى نوح (ع) وقال له: مر قومك يزنوا به.
فإن قيل: لم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ [الآية ٢٨] ، مع أن المؤمنين مؤمنون برسوله (ص) ؟
قلنا: معناه يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ﵉، آمنوا بمحمد (ص) فيكون خطابا لليهود والنصارى خاصة، وعليه الأكثرون.
وقيل معناه: يا أيها الذين آمنوا، يوم الميثاق اتّقوا الله، وآمنوا برسوله اليوم.
وقيل معناه: يا أيها الذين آمنوا بالله في العلانية باللسان، اتّقوا الله وآمنوا برسوله في السر بتصديق القلب.
стр. 2218
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحديد» «١»
في قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) استعارة عليه سبحانه، كإطلاقنا لذلك على غيره، لأنه سبحانه لا يأتي بالكلام المستعار، المجاز عليه، ولكن لأن ذلك اللفظ أبعد في البلاغة منزعا، وأبهر في الفصاحة مطلعا.
والواحد منّا، في الأكثر، إنما يستعير أغلاق الكلام، ويعدل عن الحقائق إلى المجازات، لأن طرق القول ربما ضاق بعضها عليه فخالف إلى «٢» ... بقية الكلام وربما استعصى بعضها على فكره فعدل إلى المطاوعة.
معنى قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ أي الذي لم يزل قبل الأشياء كلها، لا عن انتهاء مدة، وَالْآخِرُ أي الذي لا يزال بعد الأشياء كلّها لا إلى انتهاء غاية.
وَالظَّاهِرُ المتجلّي للعقول بأدلّته، وَالْباطِنُ أي الذي لا تدركه أبصار بريّته.
وقال بعضهم: قد يجوز أن يكون معنى الظاهر هاهنا أي العالم بالأشياء كلها. من قولهم: ظهرت على أمر فلان أي علمته. ويكون الظاهر مخصوصا بما كان في الوجود والجهر، ويكون الباطن مخصوصا بما كان في العدم والسر.
وتلخيص معنى الظاهر والباطن، أنه
стр. 2219
العالم بما ظهر وما بطن، بما استسرّ وما علن.
وفي قوله سبحانه: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ١٠] استعارة على ما تقدم في كلامنا من نظير ذلك.
والمعنى: أن الخلائق إذا فنوا وانقرضوا، خلّوا ما كانوا يسكنونه، وزالت أيديهم عما كانوا يملكونه «١» إلّا الله سبحانه، وصار تعالى كأنه قد ورث عنهم ما تركوه «٢» ... خلفوه. لأنه الباقي بعد فنائهم، والدائم بعد انقضائهم.
وفي قوله سبحانه: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [الآية ١٢] استعارة على أحد التأويلين.
وفي قوله سبحانه: مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) استعارة. ومعنى مولاكم: أي أملك بكم، وأولى بأخذكم. وهذا بمعنى المولى من طريق الرّق، لا المولى من جهة العتق. فكأنّ النار، نعوذ بالله منها، تملكهم رقّا، ولا تحرّرهم عتقا.
وفي قوله سبحانه: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) استعارة. ومعنى: بيد الله، أي ملك الله وقدرته، يبسطه إذا شاء على حسب المصالح والمفاسد، والمغاوي والمراشد. وقد مضى الكلام على نظائرها.
стр. 2220
سورة المجادلة (٥٨)
стр. 2221
المبحث الأول أهداف سورة «المجادلة» «١»
سورة «المجادلة» سورة مدنية وآياتها ٢٢ آية نزلت بعد سورة «المنافقون» .
تربية إلهية
سورة «المجادلة» ، حافلة بآداب التربية، وتهذيب السلوك، وتحذير المسلمين من مكايد المنافقين.
لقد نزلت هذه السورة بعد سورة «المنافقون» ، وكانت الجماعة الإسلامية في المدينة لا تزال في دور الإعداد والتكوين، وكان المسلمون يتألّفون من المهاجرين والأنصار وقد انضمّ إليهم، من لم يتلقّ من التربية الإسلامية القدر الكافي، ومن لم يتنفس في الجو الإسلامي فترة طويلة، كما دخل في الإسلام جماعة من المنافقين، حرصوا على الاستفادة المادية وأخذوا يتربّصون بالمسلمين الدوائر، ويعرضون ولاءهم على المعسكرات المناوئة للمسلمين، وهي معسكرات المشركين واليهود.
وقد اقتضت تربية النفوس وإعدادها للدور الكبير المقدر لها في الأرض، جهودا ضخمة وصبرا طويلا، وعلاجا بطيئا في صغار الأمور وكبارها.
ونحن نشهد في هذه السورة، وفي هذا الجزء كلّه، طرفا من تلك الجهود الضخمة وطرفا من الأسلوب القرآني كذلك في بناء تلك النفوس، وفي علاج الأحداث والعادات والنّزوات كما نشهد جانبا من الصراع الطويل، بين الإسلام وخصومه المختلفين، من مشركين ويهود ومنافقين.
стр. 2222
«ونشهد في سورة المجادلة، بصفة خاصة، صورة موحية من رعاية الله ﷻ للجماعة الناشئة، وهو يصنعها على عينه، ويربيها بمنهجه، ويشعرها برعايته، ويبني في ضميرها الشعور الحي بوجوده سبحانه معها، في أخصّ خصائصها، وأصغر شؤونها، وأخفى طواياها، وحراسته لها من كيد أعدائها، خفيّة وظاهرة، وأخذها في حماه وكنفه، وضمّها الى لوائه وظلّه، وتربية أخلاقها وعاداتها وتقاليدها تربية تليق بالجماعة التي تنضوي إلى كنف الله، وتنتسب إليه، وترفع لواءه في الأرض» «١» .
قصة المجادلة
سمّيت سورة «المجادلة» بهذا الاسم لاشتمالها على قصة المرأة المجادلة، وقد افتتح الله بها السورة حيث قال سبحانه: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) .
وقد روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في كتاب الطلاق من سننه، عن خولة بنت ثعلبة قالت: فيّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت:
فدخل عليّ يوما، فراجعته بشيء فغضب فقال، أنت عليّ كظهر أمي.
وكان الرجل، في الجاهلية، إذا قال ذلك لامرأته حرّمت عليه وكان ذلك أول ظهار في الإسلام، فندم أوس لساعته ثم دعاها لنفسه (طلب ملامستها) فأبت وقالت: والذي نفسي بيده لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله، فأتت الى رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله إنّ أوسا تزوّجني وأنا شابة غنية ذات أهل ومال، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وتفرّق أهلي، وكبرت سنّي ظاهر منّي، وقد ندم فهل من شيء تجمعني به وإياه تفتيني به؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: حرّمت عليه، أوما أراك الّا حرمت عليه.
فأعادت الكرّة، والرسول ﵊ يعيد عليها الجواب نفسه، حتى قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت له صحبتي،
стр. 2223
ونثرت له بطني، وإنّ له صبية صغارا، ان ضممتهم إليّ جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا وجعلت ترفع رأسها الى السماء، وتستغيث وتتضرّع، وتشكو الى الله، فنزلت الآيات الأربع من صدر سورة المجادلة. فقال رسول الله (ص) يا خولة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا، ثم تلا عليها الآيات. وقال لها (ص) مريه فليعتق رقبة، قالت يا رسول الله ليس عنده ما يعتق، قال فليصم شهرين متتابعين قالت والله إنه لشيخ ماله من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا وسقا «١» من تمر، قالت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده، فقال رسول الله (ص) : «فإنّا سنعينه بعرق من تمر» . قالت: يا رسول الله وأنا سأعينه بعرق آخر. قال الرسول: «قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدّقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا» ، قالت: ففعلت.
تلك قصة الظّهار، وهي تشير الى رعاية السماء لهذه الجماعة المؤمنة، ونزول الوحي يجيب عن أسئلتها ويحلّ مشاكلها، ويربّي نفوسها، ويهذّب أخلاقها، ويأخذ بيدها إلى الصراط القويم. وقد تضمّنت الآيات، إحاطة السميع البصير بكل صغيرة وكبيرة، واطّلاعه على جميع الأعمال وبينت أن المسارعة إلى ألفاظ الظّهار والطلاق منكر وزور وأنّ الزوجة غير الأم، فالأم حملت وأرضعت، وقد حرّم الله تعالى على الإنسان الزواج بأمه.
والزوجة أحلّ الله زواجها.
ثم رسم القرآن الكريم طريق الحل لمن بدرت منه بادرة بالظّهار، فقال لامرأته أنت عليّ كظهر أمي، ثم أراد أن يرجع عن ذلك، وأن يراجع زوجته فعليه أن يكفّر عن هذا الذنب، بتحرير رقبة فإن لم يجد، فبصوم ستين يوما، فإن لم يستطع، فعليه إطعام ستين مسكينا وفي ذلك نوع من التهذيب والتأديب، حتّى يضبط الناس أعصابهم ويحفظوا ألسنتهم في ساعة الغضب والتهوّر.
أهداف السورة
تبدأ السورة بهذه البداية الكريمة، وهي سماع الله العليّ القدير، شكوى امرأة فقيرة مغمورة، وقد استمع إليها
стр. 2224
جلّ جلاله من فوق سبع سماوات، وكان صوتها ضعيفا، لا يكاد يسمعه من يجلس بجوارها.
وفي البخاري والنسائي عن عائشة (رض) قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول الله (ص) في جانب البيت ما أسمع ما تقول. فأنزل الله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [الآية ١] الى آخر الآيات الأربع من صدر السورة.
وفي [الآيتين ٥- ٦] توكيد أنّ الذين يحادّون الله ورسوله، وهم أعداء الجماعة المسلمة التي تعيش في كنف الله، مكتوب عليهم الكبت والقهر في الأرض، والعذاب المهين في الاخرة، مأخوذون بما عملوا، أحصاه الله عليهم، ونسوه هم وهم فاعلوه:
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) .
و [الآية ٧] تؤكّد سعة علم الله سبحانه، وإحاطته بما في السماوات والأرض، واطّلاعه على السّر والنّجوى، ورقابته لكلّ صغير وكبير، ثمّ محاسبة الجميع بما قدّموا يوم القيامة والآية تخرج هذه المعاني في صورة عميقة التأثير، تترك القلوب وجلة، ترتعش مرّة وتأنس مرّة، وهي مأخوذة بمحضر الله الجليل: هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) .
وفي [الآيات ٨- ١٠] يشهّر القرآن بموقف المنافقين، الذين يبيّتون الكيد والدّسّ للمؤمنين، ويهدّدهم بأنّ أمرهم مكشوف وأن عين الله مطّلعة عليهم ونجواهم بالإثم والعدوان، ومعصية الرسول مسجّلة، وسيحاسبون عليها، ويلقون جزاءهم، في جهنم وبئس المصير.
ثم تستطرد الآيات الى تربية المسلمين، وتهذيب نفوسهم بهذا الخصوص، فتنهاهم عن الحديث الخافت المحتوي على الإثم والعدوان، ومعصية الرسول (ص) وذلك يؤكد أنه كان بين جماعة المسلمين قوم لم يترسّخ الإيمان في قلوبهم، وكانوا يقلّدون المنافقين، في التّناجي بالهمز واللّمز، والإثم والمعصية، وكان القرآن الكريم يواكب هؤلاء جميعا، فيكشف المنافقين، ويرشد المسلمين وينزل الهدى والرحمة أجمعين.
و [الآيات ١١- ١٣] استطراد في
стр. 2225
تربية المسلمين، وتعليمهم أدب السماحة والطاعة، في مجلس الرسول (ص) ومجالس العلم والذكر، وهو أدب رفيع قدّمه القرآن الكريم من عشرات القرون، ليحثّ الناس على التعاون، والتكافل، والسلوك المهذّب: إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا. كما تحثّ الآيات على توفير العلم، وترسّم أدب السؤال والحديث، مع رسول الله (ص) وتحثّ على الجد والتوقير في هذا الأمر.
ويبدأ الربع الثاني في السورة بالآية ١٤، وقد تحدثت مع ما بعدها عن المنافقين، الذين يتولّون اليهود ويتامرون معهم، ويدارون تأمرهم بالكذب والحلف للرسول وللمؤمنين.
وهم في الاخرة كذلك حلّافون كذّابون، يتقون بالحلف والكذب، ما يواجههم من عذاب الله، كما كانوا يتقون بهما في الدنيا، ما يواجههم من غضب رسول الله، والمؤمنين، مع توكيد أن الذين يحادّون الله ورسوله، كتب الله عليهم أنّهم في الأذلّين، وأنهم هم الأخسرون، وأن الله ورسوله هم الغالبون.
وفي ختام السورة نجد صورة كريمة للمؤمن، الذي يستعلي بإيمانه، ويجعل الإيمان هو النسب وهو الحياة، وهو العقيدة الغالية التي تصله بالمؤمنين والمسلمين، وتحجب مودّته عن أعداء الله، ولو كانوا أقرب الناس إليه.
وكذلك كان المهاجرون والأنصار، الذين ضحّوا بكلّ شيء في سبيل العقيدة، فكتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيّدهم بروح منه، وجعلهم قدوة لكل فئة مخلصة، ولكلّ مسلم مخلص، فمودّة المسلم، وحبه، وإخلاصه، وتعاونه، لا تكون إلّا للمسلمين الصادقين ثم هو في الوقت نفسه يحجب مودّته عن الخائنين، وإن كانوا أقاربه، أو أصهاره، أو عشيرته.
ومن سمات هذا الدّين، أن تحبّ لله وأن تكره لله: أن تحبّ المتّقين، وتصل المؤمنين، وتتعاون مع الهداة الصالحين، وأن تحجب مودّتك عن الفاسقين، لأنك بهذا تنفّذ أمر الله ، وتهجر من عصى الله سبحانه فمن أحبّ من أحبّ الله، فكأنما يحبّ الله.
المقصد الإجمالي للسورة
قال الفيروزآبادي: «معظم مقصود
стр. 2226
سورة المجادلة هو بيان حكم الظّهار وذكر النّجوى والسّرار، والأمر بالتوسّع في المجالس، وبيان فضل أهل العلم، والشكاية من المنافقين، والفرق بين حزب الرحمن وحزب الشيطان» «٣» والحكم على الأول بالفلاح، وعلى الثاني بالخسران. قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) .
стр. 2227
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المجادلة» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «المجادلة» بعد سورة «المنافقون» ، ونزلت سورة «المنافقون» بعد غزوة بني المصطلق، في السنة الخامسة من الهجرة فيكون نزول سورة «المجادلة» ، فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [الآية ١] وتبلغ آياتها اثنتين وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
نزلت هذه السورة في خولة بنت ثعلبة، امرأة أوس بن الصامت وكان قد ظاهر منها بقوله، أنت عليّ كظهر أمي، وكان الظّهار من أشدّ طلاق الجاهلية، لأنّه في التحريم أوكد، فأتت النبي (ص) فقالت له: إنّ أوسا تزوّجني وأنا شابّة مرغوب فيّ، فلمّا خلا سنّي وكثر ولدي جعلني كأمّه، وإنّ لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا.
فروى بعضهم أن النبي (ص) قال لها:
ما عندي في أمرك شيء. وروى بعضهم أنه قال لها: حرّمت عليه.
فقالت له: يا رسول الله، فاقتي ووجدي. فأنزل الله هذه السورة في تحريم الظّهار، وبيان حكمه، وأوعد، ﷻ ، من يخالف ذلك أشدّ وعيد وقد ناسب هذا السياق الكلام
стр. 2228
على المنافقين، الذين يحادّون الله ورسوله، لتحذيرهم من مخالفة ما جاء في الظّهار وغيره من الأحكام، ولتوبيخهم على ما يتناجون به فيما بينهم، من الإثم والعدوان، ومعصية النبي (ص) وبهذا تشارك هذه السورة سورة «الحديد» ، في معالجتها أحوال أولئك المنافقين، ويكون ذكرها بعدها لهذه المناسبة.
بيان حكم الظهار الآيات [١- ٢٢]
قال الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) ، فذكر أحكام الظّهار وختمها، بقوله تعالى: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) ثم أوعد، جلّ وعلا، الذين يحادّون في هذا ونحوه من المنافقين، بأنّه سبحانه سيخذلهم كما خذل أمثالهم من قبلهم، ولهم بعد هذا عذاب مهين، يوم يبعثهم فينبّئهم بما يكيدون به للإسلام في سرّهم، لأنه يعلم ما في السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء مما يتناجى به الناس فيما بينهم.
ثم ذكر أنه نبأهم عمّا يفعلونه في نجواهم، فعادوا إليها، وتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية النبي (ص) ، فأعاد نهيهم عن هذه النّجوى الآثمة، وأمرهم أن يتناجوا بالبرّ والتقوى، وأن يتأدّبوا في مجالسهم مع النبي (ص) فإذا قيل لهم تفسّحوا فيها فسحوا، وإذا قيل لهم انشزوا منها نشزوا ثمّ أمرهم سبحانه، إذا أرادوا مناجاة النبي (ص) بشيء، أن يقدّموا بين يدي نجواه صدقة تطهّر قلوبهم، فلا يناجونه إلّا بما فيه خير ومصلحة لهم، فإذا لم يجدوا ما يتصدّقون به لفقرهم، فإنه سبحانه يعفو عنهم، وإذا أشفقوا أن يتصدّقوا حرصا على مالهم وتاب عليهم فلم يكلّفهم بذلك، فليحافظوا على ما وجب عليهم من الصلاة والزكاة ونحوهما، ولا يفرّطوا فيها كما فرّطوا في تلك الصدقة ثم وبّخ أولئك المنافقين على موالاتهم لليهود الذين يؤلّبونهم على إخوانهم، وهم أجانب لا يريدون بهم خيرا وذكر أنهم يوالونهم في السّر ويحلفون كذبا أنهم لا يوالونهم، وأوعدهم على ذلك بما أوعدهم به إلى أن ختم السورة
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المجادلة» «١»
أقول: لما كان في مطلع «الحديد» ذكر صفاته الجليلة، ومنها: الظاهر والباطن، وقوله سبحانه في [الآية ٤] منها: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، افتتح هذه بذكر أنه سبحانه سمع قول المجادلة التي شكت الى الرسول (ص) ولهذا قالت عائشة ﵂، حين نزلت:
«سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي ناحية البيت لا أعرف ما تقول» «٢» .
وذكر بعد ذلك قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [الآية ٧] . وهو تفصيل لقوله تعالى:
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: ٤] .
وبذلك تعرف الحكمة في الفصل بها بين «الحديد» و «الحشر» ، مع تأخيهما في الافتتاح ب «سبح» .
стр. 2231
المبحث الرابع مكنونات سورة «المجادلة» «١»
١- قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ [الآية ١] هي خولة بنت ثعلبة.
٢- فِي زَوْجِها [الآية ١] هو أوس بن الصّامت. كما في «المستدرك «٢» » عن عائشة.
وعند ابن أبي حاتم عن أبي العالية:
خولة بنت دليج «٣» .
٣- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى [الآية ٨] .
هم اليهود. نهاهم النبي (ص) عمّا كانوا يفعلون في تناجيهم، «أي تحدّثهم» سرّا ناظرين إلى المؤمنين ليوقعوا في قلوبهم الريبة.
٤- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً [الآية ١٤] .
قال السّدّيّ: بلغنا أنها نزلت في عبد الله بن نبتل من المنافقين. أخرجه ابن أبي حاتم.
٥- لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ [الآية ٢٢] .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عمر بن الخطاب
стр. 2232
قال: لو كان أبو عبيدة حيّا لاستخلفته «١» .
قال سعيد: وفيه أنزلت هذه الآية، حينما قتل أباه.
وأخرج عن ابن شوذب قال: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح، حينما قتل أباه يوم بدر.
وقال ابن عسكر: روى ابن فطيس، عن ابن عبّاس، أنّ الآية عنى بها جماعة من الصحابة.
فقوله تعالى: وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ [الآية ٢٢] يريد أبا عبيدة، لأنه قتل أباه يوم أحد. أَوْ أَبْناءَهُمْ [الآية ٢٢] يريد أبا بكر، لأنه دعى ابنه للبراز يوم بدر، فأمره رسول الله (ص) أن يقعد. أَوْ إِخْوانَهُمْ [الآية ٢٢] يريد مصعب بن عمير، لأنه قتل أخاه أبا عزيز يوم أحد. أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [الآية ٢٢] يريد عليّا ونحوه ممن قتلوا عشائرهم.
стр. 2233
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المجادلة» «١»
١- قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الآية ٥] .
وقوله تعالى: يُحَادُّونَ أي:
يعادون ويشاقّون.
أقول: الفعل «حادّ» على «فاعل» والإدغام واجب جرت عليه العربية، فأما قوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [النساء: ١١٥] ، فقد فكّ الإدغام فيه لحاجة صوتية يقتضيها حسن الأداء «٢» ، والله أعلم. وأما قوله تعالى: كُبِتُوا فمعناه: أخزوا وأهلكوا.
أقول: هذا معنى «الكبت» في لغة التنزيل، ولا أدري كيف أدرك المعاصرون من أصحاب علم النفس هذه المادة، فصنعوا منها مصطلحا، هو «الكبت» بمعنى أن الإنسان يكظم ويخفي من الأفكار والمعضلات والهموم، ما يدفعه إلى سلوك خاص أو تصرّف مشين.
والذي أراه في هذه الحال أن يلجأ إلى كلمة أخرى، هي «الزّمّ» التي تفي بمعنى الإخفاء والكظم ...
٢- وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [الآية ٨] .
أقول: «النّجوى» هي المسارّة، وتكون في الخير والشر، والمراد بها في الآية «النجوى» التي هي الإثم والكفر، ويدلّنا على ذلك الفعل في الآية الكريمة: وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ.
стр. 2234
وإذا جئنا إلى الآية اللاحقة وجدنا قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى [الآية ٩] .
٣- وقال تعالى: وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [الآية ١١] .
وقوله تعالى: انْشُزُوا أي:
انهضوا.
أقول: كأنّ الفعل قد أخذ من «النّشز» ، وهو ما ارتفع من الأرض، والناهض من مكانه كأنه يرتفع.
وعلى هذا قرئ قوله تعالى: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) [الملك] ، بزاي معجمة.
كما جاء قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة:
٢٥٩] .
٤- وقال تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ [الآية ١٣] .
وقوله تعالى: بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ استعارة ممّن له يدان.
والمعنى: قبل نجواكم، كقول عمر:
من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدّمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم، ويستنزل به اللئيم. يريد: قبل حاجته.
стр. 2235
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المجادلة» «١»
قال تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ [الآية ٢] خفيفة، ومن ثقّل جعلها من «تظهّر» ثم أدغم التاء في الظاء.
وقوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [الآية ٣] المعنى: «فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا، فمن لم يجد فإطعام ستين مسكينا، ثمّ يعودون لما قالوا «٢» : «أن لا نفعله» «فيفعلونه» هذا الظّهار، يقول «هي عليّ كظهر أمّي» وما أشبه هذا من الكلام، فإذا أعتق رقبة أو أطعم ستين مسكينا، عاد لهذا الذي قد قال: «إنّه عليّ حرام» ففعله «٣» .
стр. 2236
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المجادلة» «١»
إن قيل: لأي معنى خص الله تعالى الثلاثة والخمسة بالذكر في النّجوى دون غيرهما من الأعداد في قوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ [الآية ٧] ؟
قلنا: لأنّ قوما من المنافقين، تخلّفوا للتّناجي على هذين العددين مغايظة للمؤمنين، فنزلت الآية على صفة حالهم، تعريضا بهم، وتسميعا لهم وزيد فيها ما يتناول كلّ متناجيين غير تينك الطائفتين، وهو قوله تعالى: وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ [الآية ٧] .
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) ؟
قلنا: فائدته الإخبار عن المنافقين أنّهم يحلفون على أنهم ما سبّوا رسول الله (ص) وأصحابه، مع اليهود، كاذبين متعمدين للكذب، فهي اليمين الغموس «٢» ، فكان ذلك نهاية في بيان ذمّهم.
стр. 2237
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المجادلة» «١»
يقول تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [الآية ٧] .
ظاهر هذا الكلام: محمول على المجاز والاتساع لأنّ المراد به إحاطته تعالى بعلم نجوى المتناجين، ومعاريض المتخافتين فكأنّه سبحانه يعلم جميع ذلك، سامع للحوار، وشاهد للسّرار.
ولو حمل هذا الكلام على ظاهره لتناقض. ألا ترى أنه تعالى لو كان رابعا لثلاثة في مكان على معنى قول المخالفين، استحال أن يكون سادسا لخمسة في غير ذلك المكان إلّا بعد أن يفارق المكان الأوّل، ويصير إلى المكان الثاني فينتقل كما تنتقل الأجسام، ويجوز عليه الزوال، والمقام، تنزّه سبحانه عن هذا السياق، وهذا واضح بحمد الله وتوفيقه.
وفي قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [الآية ١٢] استعارة. وقد مضت لها نظائر كثيرة.
والمراد بقوله تعالى: بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ أي أمام نجواكم، وذلك كقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف: ٥٧] أي مطرقة أمام الغيث الوارد، ومبشّرة بالخير الوافد.
وفي قوله سبحانه: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الآية ١٦]
стр. 2238
استعارة. والكلام وارد في شأن المنافقين.
والمراد أنهم جعلوا إظهار الإيمان الذي يبطنون ضدّه جنّة، يعتصمون بها ويستلئمون «١» فيها تعوّذا بظاهر الإسلام الذي يسع من دخل فيه، ويعيذ من تعوّذ به.
وفي قوله سبحانه: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) .
استعارة. والمراد بالكتابة هاهنا الحكم والقضاء. وإنّما كنى تعالى عن ذلك بالكتابة، مبالغة في وصف ذلك الحكم بالثبات، وأنّ بقاءه كبقاء المكتوبات.
وفي قوله سبحانه: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [الآية ٢٢] استعارتان، إحداهما قوله تعالى: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، ومعناه أنه ثبّته في قلوبهم، وقرّره في ضمائرهم، فصار كالكتابة الباقية، والرّقوم الثابتة، على ما أشرنا إليه من الكلام على الاستعارة المتقدّمة. وذلك كقول القائل: هو أبقى من النقش في الحجر، ومن النقش في الزّبر.
والاستعارة الأخرى قوله تعالى:
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ولذلك وجهان: إمّا أن يكون المراد بالروح هاهنا القرآن، لأنه حياة في الأديان، كما أنّ الروح حياة في الأبدان. وقال سبحانه: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] والمراد القرآن.
والوجه الاخر أن يكون الروح هاهنا معنى النّصر والغلبة والإظهار للدّولة.
وقد يعبّر عن ذلك بالريح. والرّوح والريح يرجعان إلى معنى واحد. وقال سبحانه: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: ٤٦] أي دولتكم واستظهاركم.
стр. 2239
سورة الحشر ٥٩
стр. 2240
المبحث الأول أهداف سورة «الحشر» «١»
سورة الحشر سورة مدنية، آياتها ٢٤ آية، نزلت بعد سورة البيّنة.
نزلت هذه السورة في بداية السنة الرابعة من الهجرة، بعد غزوة أحد، وقبل غزوة الأحزاب، وهي تحكي قصّة غزوة بني النضير ، ولكنّها، على طريقة القرآن الكريم، تحكي أحداث الغزوة، وما صاحب هذه الأحداث وتربّي النفوس وتؤكد على معالم الإيمان، وبذلك يكون القصص هادفا، ورواية الأحداث وسيلة عملية لتقويمها، ومعرفة حكم الله فيها، واستنباط العظة والعبرة منها.
والقرآن الكريم فيه القصة، وفيه أحداث التاريخ، وفيه العظة والعبرة، وفيه الحكم والتشريع، وفيه التهذيب والتربية، وقد استطاع أن يمزج ذلك كلّه بطريقته الخاصة، ليصل به إلى قلب المؤمن، وليسهم في بناء الفرد الصالح والأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح والأمة الصالحة.
قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:
١١٠] .
غزوة بني النضير
قدم رسول الله (ص) المدينة ومعه رسالته الهادية، وقد آمن به جمع من المهاجرين والأنصار، ثم عقد معاهدات مع يهود المدينة على حرّية الأديان، وعلى المعايشة السلمية في
стр. 2241
المدينة، وعلى ألّا يكون اليهود لا عليه ولا له.
«وكان يهود بنو النضير حلفاء الخزرج، وبينهم وبين المسلمين عهود خاصة يأمن بها كل منهم الاخرة» لكنّ بني النضير لم يوفوا بهذه العهود، حسدا منهم وبغيا، فقد ذهب رسول الله (ص) في عشرة من أصحابه الى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين، بحكم ما بينه وبينهم من عهود، فاستقبله اليهود بالبشر والتّرحاب، ووعدوا بأداء ما عليهم بينما كانوا يدبّرون أمرا لاغتيال رسول الله (ص) ومن معه، وكان (ص) ، جالسا إلى جدار من بيوتهم، فقال بعضهم لبعض: إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فهل من رجل منكم يعلو هذا البيت فيلقي صخرة عليه فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا لذلك، فصعد ليلقي صخرة على رسول الله (ص) ، فاطّلع (ص) على قصدهم، فقام كأنّما ليقضي أمرا فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلّة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة.
وأمر رسول الله (ص) ، بالتهيؤ لحرب بني النّضير، لظهور الخيانة منهم، ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم، وكان قد سبق هذا إقذاع كعب بن الأشرف، من بني النضير، في هجاء رسول الله (ص) وما قيل من أنّ كعبا ورهطا من بني النضير، اتصلوا بكفار قريش اتصال تامر وتحالف وكيد، ممّا جعل رسول الله (ص) يأذن لمحمد ابن مسلمة في قتل كعب بن الأشرف، فقتله. فلما كان التبييت للغدر برسول الله (ص) في محلة بني النضير، لم يبق مفر من نبذ عهدهم.
ثم أرسل النبي (ص) إليهم، محمد بن مسلمة ليقول لهم اخرجوا من بلادي فقد هممتم بالغدر.
وتجهز الرسول (ص) لقتال بني النضير، وحاصر محلّتهم، وأمهلهم ثلاثة أيام، وقيل عشرة، ليفارقوا المدينة، على أن يأخذوا أموالهم، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم.
وتهيّأ بنو النضير للرحيل ولكنّ المنافقين في المدينة، أرسلوا إليهم يحرّضونهم على الرفض والمقاومة، وقالوا لهم لا تخرجوا من دياركم، وتمنّعوا في حصونكم ونحن معكم إن
стр. 2242
قوتلتم قاتلنا معكم وان أخرجتم خرجنا معكم وقد حكى القرآن عمل المنافقين وشهّر بنفاقهم وكذبهم، قال تعالى:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) .
وقد طمع اليهود في معونة المنافقين ومؤازرتهم، فتحصّنوا في حصونهم، وتأخروا عن الجلاء، وظنوا أنّهم مانعتهم حصونهم من الله، فحاصرهم (ص) وضيّق عليهم الخناق، ثم أمر بقطع نخيلهم ليكون ذلك أدعى الى تسليمهم، ثم قذف الله الرعب في قلوب اليهود، ولم يجدوا معونة من المنافقين، ويئسوا من صدق وعودهم، فسألوا رسول الله (ص) أن يجليهم ويكف عن دمائهم، وأنّ ما لهم ممّا حملت الإبل من أموالهم إلّا آلة الحرب. فأجابهم النبي (ص) إلى طلبهم، وصار اليهود يخرّبون بيوتهم بأيديهم، كي لا يسكنها المسلمون.
ولمّا سار اليهود، نزل بعضهم بخيبر، ومن أكابرهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق.
ومنهم من سار الى أذرعات بالشام، وقد أسلم منهم اثنان: يامين بن عمرو، وأبو سعد بن وهب.
وكانت أموال بني النضير فيئا خالصا لله وللرسول، ولم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فقسّمها رسول الله (ص) بين المهاجرين خاصة، دون الأنصار، عدا رجلين من الأنصار فقيرين، هما سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة وكان المهاجرون قد تركوا بلادهم وأموالهم، وهاجروا فرارا بدينهم الى المدينة وقد استقبلهم الأنصار، بالبشر والتّرحاب، والمعونة الصادقة، والإيثار الكريم.
فلما فاتت الفرصة، وزّع النبي (ص) الفيء على المهاجرين خاصة لتحسين أحوالهم المادّية، ولكي لا يكون المال متداولا بين الأغنياء وحدهم.
قال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ
стр. 2243
وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(٦) .
تسلسل أفكار السور
١- وصفت سورة الحشر حصار بني النضير، وعناية الله بالمؤمنين، وانتهاء الحصار بجلاء اليهود وانتصار المؤمنين. [الآيات ١- ٤] .
٢- تحدّثت عن قطع المسلمين للنخيل، وبيّنت أنّ ذلك كان بأمر الله سبحانه، ليذلّ به اليهود، ويخزي الفاسقين. [الآية ٥] .
٣- ذكرت حكم الفيء والغنائم، التي غنمها المسلمون من بني النضير، وبينت أنّها توزع على المهاجرين لسدّ حاجتهم، ولا يعطى الأنصار منها شيئا، لأنها ليست غنيمة حرب، استخدم فيها الكر والفر وركوب الإبل والخيل، ولكنّها غنيمة حصار محدود، انتهى بتسليم اليهود، بعد أن ألقى الله سبحانه الرعب في قلوبهم. [الآيتان ٦- ٧] .
٤- باركت السورة كفاح المجاهدين، وخروجهم من مكة إلى المدينة، حفاظا على الدين وفداء للعقيدة، كما باركت كرم الأنصار وأريحيّتهم، ووصفتهم بالسماحة والإيثار، والمحبة للبذل والعطاء.
كما باركت الأجيال اللاحقة، التي ولدت في محاضن الدعوة، وكانت ثمرة كريمة، لتربط المهاجرين والأنصار [الآيات ٨- ١٠] .
٥- حملت السورة على المنافقين، وكشفت نفاقهم وكيدهم واتهمتهم بالجبن والصّغار. [الآيات ١١- ١٣] .
٦- بينت أن اللقاء بين المنافقين وأهل الكتاب، لقاء في الظاهر فقط، وبينهم من العداوة والإحن ما يظهر في الشدائد: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الآية ١٤] .
٧- أشارت إلى قصة الشيطان مع عابد قيل إنّه يسمى برصيصا، أغراه الشيطان بارتكاب الفاحشة، ثم استدرجه الى الكفر، ثم تولى عنه وخذله، ومثله كمثل المنافقين، زيّنوا لليهود المقاومة، والتحصّن، ضد المسلمين، ثم خذلوهم. [الآية ١٦] .
٨- في الجزء الأخير، تلتفت السورة الى المؤمنين، فتأمرهم بالتقوى
стр. 2244
والعمل الصالح، وتبيّن فضل القرآن الكريم وأثره في هداية القلوب.
[الآيات ١٨- ٢١] .
تختم السورة بذكر أسماء الله الحسنى، فهو سبحانه مالك الملك، الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ تقدّست أسماؤه، وتنزهت عن النقص السَّلامُ الذي يشمل عباده بالأمان والطمأنينة ويمنحهم السلامة والراحة، الْمُؤْمِنُ واهب الأمن وواهب الايمان، الْمُهَيْمِنُ الرقيب على كل شيء الْعَزِيزُ الغالب، الْجَبَّارُ القاهر، الْمُتَكَبِّرُ البليغ الكبرياء والعظمة، الْخالِقُ الْبارِئُ الموجد، الْمُصَوِّرُ خالق الصور للكائنات.
ومن معناها إعطاء الملامح المتميزة، والسمات التي تمنح لكل شيء شخصيته الخاصة، لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى الدالة على الصفات العالية، والكمال المطلق، فهو سبحانه متصف بكل كمال، ومنزّه عن كل نقص.
المقصد الإجمالي للسورة
قال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة الحشر هو:
الخبر عن جلاء بني النضير، وقسم الغنائم، وتفصيل حال المهاجرين والأنصار، والشكاية من المنافقين في واقعة بني قريظة وذكر برصيصا «١» والنظر الى العواقب وتأثير نزول القرآن الكريم وذكر أسماء الحق تعالى وصفاته وبيان أن جميع المخلوقات تدل على عظمته وكماله وتنزيهه، في قوله سبحانه: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) .
النظام الاقتصادي في الإسلام
أشارت الآية السابعة، من سورة الحشر، إلى الحكمة من توزيع الفيء على المهاجرين وحدهم، دون الأغنياء من أهل المدينة، بقوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ أي كي
стр. 2245
لا يكون الفيء، أي الغنيمة، متداولا بين الأغنياء دون الفقراء. وهذه قاعدة هامة، من قواعد النظام الاقتصادي في الإسلام.
وقد احترم الإسلام الملكية الفردية، لأنها حافز طبيعي للعمل والإنتاج، ولكنّه قلّم أظفار هذه الملكية، وحارب جبروت المال وطغيانه، بما يأتي:
١- فرض الإسلام الزكاة، وجعلها نسبة متفاوتة حسب التعب في كسب المال. فزكاة المال نسبتها ٢: ٢١ في المائة، وكذلك زكاة التجارة ٢: ٢١ في المائة من رأس المال، وزكاة الزراعة ٥ في المائة، أو ١٠ في المائة. وقريب منها زكاة الماشية، وزكاة الرّكاز، وهو المال، أو البترول، أو المعادن والكنوز التي توجد في باطن الأرض، نسبتها ٢٠ في المائة.
وهكذا، كلما كان عمل العبد أظهر، كانت نسبة الزكاة أقل وكلّما كان عمل القدرة الإلهية أظهر كانت نسبة الزكاة أكثر، فكانت النسبة ٢٠ في المائة في الرّكاز و ٢: ٢١ في المائة في التجارة ... إلخ.
٢- حرّم الإسلام الرّبا والاحتكار، وهما الوسيلتان الرئيستان، لجعل المال دولة بين الأغنياء، أي يتداوله الأغنياء، ولا يصل إليه الفقراء.
٣- جعل للإمام الحقّ في أن يأخذ فضول أموال الأغنياء، فيردّها على الفقراء وأن يفرض الضرائب في أموال الأغنياء، عند خلوّ بيت المال.
٤- جعل هناك صدقات موسمية مثل صدقة الفطر، والأضحية والهدف في الحج، والكفّارات مثل كفّارة اليمين، والظّهار والفطر في رمضان، وكلّها تنتهي الى إطعام المساكين أو كسوتهم والتوسعة عليهم.
٥- حث الإسلام على الصدقة والترحم والتكافل، والمودة والتعاطف بين الناس وبذلك نجد أن النظام الاقتصادي في الإسلام نظام متميز، ليس فيه مساوئ الرأسمالية أو الشيوعية، بل فيه محاسنهما مع التجرّد من عيوبهما، وذلك نظام العليم الخبير، البصير بالنفوس الذي أعطى الإنسان حقّ التملك، ثم جعله موظّفا في ماله، يجب عليه أن ينفق، وأن