← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

المدينة، وعلى ألّا يكون اليهود لا عليه ولا له. «وكان يهود بنو النضير حلفاء الخزرج، وبينهم وبين المسلمين عهود خاصة يأمن بها كل منهم الاخرة» لكنّ بني النضير لم يوفوا بهذه العهود، حسدا منهم وبغيا، فقد ذهب رسول الله (ص) في عشرة من أصحابه الى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين، بحكم ما بينه وبينهم من عهود، فاستقبله اليهود بالبشر والتّرحاب، ووعدوا بأداء ما عليهم بينما كانوا يدبّرون أمرا لاغتيال رسول الله (ص) ومن معه، وكان (ص) ، جالسا إلى جدار من بيوتهم، فقال بعضهم لبعض: إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فهل من رجل منكم يعلو هذا البيت فيلقي صخرة عليه فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا لذلك، فصعد ليلقي صخرة على رسول الله (ص) ، فاطّلع (ص) على قصدهم، فقام كأنّما ليقضي أمرا فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلّة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة. وأمر رسول الله (ص) ، بالتهيؤ لحرب بني النّضير، لظهور الخيانة منهم، ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم، وكان قد سبق هذا إقذاع كعب بن الأشرف، من بني النضير، في هجاء رسول الله (ص) وما قيل من أنّ كعبا ورهطا من بني النضير، اتصلوا بكفار قريش اتصال تامر وتحالف وكيد، ممّا جعل رسول الله (ص) يأذن لمحمد ابن مسلمة في قتل كعب بن الأشرف، فقتله. فلما كان التبييت للغدر برسول الله (ص) في محلة بني النضير، لم يبق مفر من نبذ عهدهم. ثم أرسل النبي (ص) إليهم، محمد بن مسلمة ليقول لهم اخرجوا من بلادي فقد هممتم بالغدر. وتجهز الرسول (ص) لقتال بني النضير، وحاصر محلّتهم، وأمهلهم ثلاثة أيام، وقيل عشرة، ليفارقوا المدينة، على أن يأخذوا أموالهم، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم. وتهيّأ بنو النضير للرحيل ولكنّ المنافقين في المدينة، أرسلوا إليهم يحرّضونهم على الرفض والمقاومة، وقالوا لهم لا تخرجوا من دياركم، وتمنّعوا في حصونكم ونحن معكم إن

стр. 2242

قوتلتم قاتلنا معكم وان أخرجتم خرجنا معكم وقد حكى القرآن عمل المنافقين وشهّر بنفاقهم وكذبهم، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) . وقد طمع اليهود في معونة المنافقين ومؤازرتهم، فتحصّنوا في حصونهم، وتأخروا عن الجلاء، وظنوا أنّهم مانعتهم حصونهم من الله، فحاصرهم (ص) وضيّق عليهم الخناق، ثم أمر بقطع نخيلهم ليكون ذلك أدعى الى تسليمهم، ثم قذف الله الرعب في قلوب اليهود، ولم يجدوا معونة من المنافقين، ويئسوا من صدق وعودهم، فسألوا رسول الله (ص) أن يجليهم ويكف عن دمائهم، وأنّ ما لهم ممّا حملت الإبل من أموالهم إلّا آلة الحرب. فأجابهم النبي (ص) إلى طلبهم، وصار اليهود يخرّبون بيوتهم بأيديهم، كي لا يسكنها المسلمون. ولمّا سار اليهود، نزل بعضهم بخيبر، ومن أكابرهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق. ومنهم من سار الى أذرعات بالشام، وقد أسلم منهم اثنان: يامين بن عمرو، وأبو سعد بن وهب. وكانت أموال بني النضير فيئا خالصا لله وللرسول، ولم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فقسّمها رسول الله (ص) بين المهاجرين خاصة، دون الأنصار، عدا رجلين من الأنصار فقيرين، هما سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة وكان المهاجرون قد تركوا بلادهم وأموالهم، وهاجروا فرارا بدينهم الى المدينة وقد استقبلهم الأنصار، بالبشر والتّرحاب، والمعونة الصادقة، والإيثار الكريم. فلما فاتت الفرصة، وزّع النبي (ص) الفيء على المهاجرين خاصة لتحسين أحوالهم المادّية، ولكي لا يكون المال متداولا بين الأغنياء وحدهم. قال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ

стр. 2243

وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) . تسلسل أفكار السور ١- وصفت سورة الحشر حصار بني النضير، وعناية الله بالمؤمنين، وانتهاء الحصار بجلاء اليهود وانتصار المؤمنين. [الآيات ١- ٤] . ٢- تحدّثت عن قطع المسلمين للنخيل، وبيّنت أنّ ذلك كان بأمر الله سبحانه، ليذلّ به اليهود، ويخزي الفاسقين. [الآية ٥] . ٣- ذكرت حكم الفيء والغنائم، التي غنمها المسلمون من بني النضير، وبينت أنّها توزع على المهاجرين لسدّ حاجتهم، ولا يعطى الأنصار منها شيئا، لأنها ليست غنيمة حرب، استخدم فيها الكر والفر وركوب الإبل والخيل، ولكنّها غنيمة حصار محدود، انتهى بتسليم اليهود، بعد أن ألقى الله سبحانه الرعب في قلوبهم. [الآيتان ٦- ٧] . ٤- باركت السورة كفاح المجاهدين، وخروجهم من مكة إلى المدينة، حفاظا على الدين وفداء للعقيدة، كما باركت كرم الأنصار وأريحيّتهم، ووصفتهم بالسماحة والإيثار، والمحبة للبذل والعطاء. كما باركت الأجيال اللاحقة، التي ولدت في محاضن الدعوة، وكانت ثمرة كريمة، لتربط المهاجرين والأنصار [الآيات ٨- ١٠] . ٥- حملت السورة على المنافقين، وكشفت نفاقهم وكيدهم واتهمتهم بالجبن والصّغار. [الآيات ١١- ١٣] . ٦- بينت أن اللقاء بين المنافقين وأهل الكتاب، لقاء في الظاهر فقط، وبينهم من العداوة والإحن ما يظهر في الشدائد: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الآية ١٤] . ٧- أشارت إلى قصة الشيطان مع عابد قيل إنّه يسمى برصيصا، أغراه الشيطان بارتكاب الفاحشة، ثم استدرجه الى الكفر، ثم تولى عنه وخذله، ومثله كمثل المنافقين، زيّنوا لليهود المقاومة، والتحصّن، ضد المسلمين، ثم خذلوهم. [الآية ١٦] . ٨- في الجزء الأخير، تلتفت السورة الى المؤمنين، فتأمرهم بالتقوى

стр. 2244

والعمل الصالح، وتبيّن فضل القرآن الكريم وأثره في هداية القلوب. [الآيات ١٨- ٢١] . تختم السورة بذكر أسماء الله الحسنى، فهو سبحانه مالك الملك، الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ تقدّست أسماؤه، وتنزهت عن النقص السَّلامُ الذي يشمل عباده بالأمان والطمأنينة ويمنحهم السلامة والراحة، الْمُؤْمِنُ واهب الأمن وواهب الايمان، الْمُهَيْمِنُ الرقيب على كل شيء الْعَزِيزُ الغالب، الْجَبَّارُ القاهر، الْمُتَكَبِّرُ البليغ الكبرياء والعظمة، الْخالِقُ الْبارِئُ الموجد، الْمُصَوِّرُ خالق الصور للكائنات. ومن معناها إعطاء الملامح المتميزة، والسمات التي تمنح لكل شيء شخصيته الخاصة، لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى الدالة على الصفات العالية، والكمال المطلق، فهو سبحانه متصف بكل كمال، ومنزّه عن كل نقص. المقصد الإجمالي للسورة قال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة الحشر هو: الخبر عن جلاء بني النضير، وقسم الغنائم، وتفصيل حال المهاجرين والأنصار، والشكاية من المنافقين في واقعة بني قريظة وذكر برصيصا «١» والنظر الى العواقب وتأثير نزول القرآن الكريم وذكر أسماء الحق تعالى وصفاته وبيان أن جميع المخلوقات تدل على عظمته وكماله وتنزيهه، في قوله سبحانه: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) . النظام الاقتصادي في الإسلام أشارت الآية السابعة، من سورة الحشر، إلى الحكمة من توزيع الفيء على المهاجرين وحدهم، دون الأغنياء من أهل المدينة، بقوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ أي كي

стр. 2245

لا يكون الفيء، أي الغنيمة، متداولا بين الأغنياء دون الفقراء. وهذه قاعدة هامة، من قواعد النظام الاقتصادي في الإسلام. وقد احترم الإسلام الملكية الفردية، لأنها حافز طبيعي للعمل والإنتاج، ولكنّه قلّم أظفار هذه الملكية، وحارب جبروت المال وطغيانه، بما يأتي: ١- فرض الإسلام الزكاة، وجعلها نسبة متفاوتة حسب التعب في كسب المال. فزكاة المال نسبتها ٢: ٢١ في المائة، وكذلك زكاة التجارة ٢: ٢١ في المائة من رأس المال، وزكاة الزراعة ٥ في المائة، أو ١٠ في المائة. وقريب منها زكاة الماشية، وزكاة الرّكاز، وهو المال، أو البترول، أو المعادن والكنوز التي توجد في باطن الأرض، نسبتها ٢٠ في المائة. وهكذا، كلما كان عمل العبد أظهر، كانت نسبة الزكاة أقل وكلّما كان عمل القدرة الإلهية أظهر كانت نسبة الزكاة أكثر، فكانت النسبة ٢٠ في المائة في الرّكاز و ٢: ٢١ في المائة في التجارة ... إلخ. ٢- حرّم الإسلام الرّبا والاحتكار، وهما الوسيلتان الرئيستان، لجعل المال دولة بين الأغنياء، أي يتداوله الأغنياء، ولا يصل إليه الفقراء. ٣- جعل للإمام الحقّ في أن يأخذ فضول أموال الأغنياء، فيردّها على الفقراء وأن يفرض الضرائب في أموال الأغنياء، عند خلوّ بيت المال. ٤- جعل هناك صدقات موسمية مثل صدقة الفطر، والأضحية والهدف في الحج، والكفّارات مثل كفّارة اليمين، والظّهار والفطر في رمضان، وكلّها تنتهي الى إطعام المساكين أو كسوتهم والتوسعة عليهم. ٥- حث الإسلام على الصدقة والترحم والتكافل، والمودة والتعاطف بين الناس وبذلك نجد أن النظام الاقتصادي في الإسلام نظام متميز، ليس فيه مساوئ الرأسمالية أو الشيوعية، بل فيه محاسنهما مع التجرّد من عيوبهما، وذلك نظام العليم الخبير، البصير بالنفوس الذي أعطى الإنسان حقّ التملك، ثم جعله موظّفا في ماله، يجب عليه أن ينفق، وأن

стр. 2246

يتصدّق عن طواعية، ورغبة في الثواب العاجل والآجل، قال تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧] وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) [البقرة] .

стр. 2247

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحشر» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الحشر بعد سورة البيّنة ونزلت سورة البيّنة فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك فيكون نزول سورة الحشر في ذلك التاريخ أيضا والحقّ أنها من السّور التي نزلت فيما بين غزوة بدر وصلح الحديبية، لأنها نزلت في غزوة بني النّضير، وكانت هذه الغزوة في السنة الرابعة من الهجرة. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في [الآية ٢] منها هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ وتبلغ آياتها أربعا وعشرين آية. الغرض منها وترتيبها نزلت هذه السورة، في غزوة بني النضير من يهود المدينة وكانوا قد نقضوا عهدهم مع النبي (ص) فأمرهم أن يخرجوا من المدينة فأبوا، وبعث إليهم عبد الله بن أبيّ رئيس المنافقين ألّا يخرجوا، فإن قاتلهم المسلمون كانوا معهم عليهم، وإن أخرجوهم خرجوا معهم فحاصرهم المسلمون، حتى رضوا أن يخرجوا من المدينة، على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلّا آلة الحرب، ولم يفعل المنافقون شيئا مما وعدوهم به، وبهذا يظهر وجه ذكر هذه السورة بعد سورة المجادلة، لأن الكلام فيهما يتناول ما كان من موالاة المنافقين لليهود.

стр. 2248

الكلام على غزوة بني النضير الآيات [١- ٤] قال الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) ، فذكر تسبيح ما في السماوات وما في الأرض له، وأنه سبحانه عزيز حكيم ومهّد بهذا لما أراده من بيان فضله على المسلمين في هذه الغزوة فذكر جلّ شأنه، أنه هو الذي أخرج بني النضير من ديارهم لأول الحشر، الذي سيكون بإخراج اليهود جميعهم من جزيرة العرب وكان المسلمون لا يظنّون أن يخرجوا، وكانوا هم يظنون أنّ حصونهم تمنعهم من الله، فقذف في قلوبهم الرعب حتى رضوا بالخروج ولولا هذا لعذّبوا في الدنيا بالقتل، ولهم في الاخرة عذاب النار ثم ذكر سبحانه أنّ ما قطعه المسلمون من أشجارهم قبل الصلح، وما تركوه منها كان بإذنه، وكان في أنفسهم شيء ممّا قطعوه منها، ولعلّهم ندموا على قطعها بعد أن صار ما بقي منها لهم ثم ذكر تعالى أنّ ما أفاءه عليهم من أموالهم لم يكن بقتال وأنّ حكم ما أفاءه عليهم بغير قتال أن يكون سهم منه لله والرسول، ينفق في عمارة المساجد ونحوها، وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطّلب، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، فلا يأخذ لأغنياء منه شيئا، وإنّما يأخذه فقراء المهاجرين، الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم تعويضا لهم وقد أثنى سبحانه عليهم في هجرتهم وتضحيتهم بأموالهم، وأثنى بعدهم على الأنصار الذين آووهم في دار هجرتهم، وطابت نفوسهم بتوزيع أموال بني النّضير عليهم وأثنى بعد الفريقين على من يجيء بعدهم، ويسلك سبيلهم، في ما كان من تضحية وإيثار وتحابّ ثم ذكر ما كان من قول المنافقين لبني النضير لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الآية ١١] وذكر سبحانه أنهم كاذبون في وعدهم لهم، فلئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولّنّ الأدبار جميعا لأنهم يرهبون المسلمين أشد من رهبتهم من الله، فلا يقاتلونهم إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر لأنهم ضعاف بسبب عداوة بعضهم لبعض، فيحسبهم من ينظر إليهم أنهم على وفاق، ولكنّ قلوبهم مختلفة

стр. 2249

متفرّقة فمثلهم في ذلك كمثل أهل بدر من قبلهم، حينما ذاقوا وبال أمرهم، ولم يغن بعضهم عن بعض شيئا، وكمثل الشيطان حينما يغوي الإنسان على الكفر، ثم يتبرأ منه: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) . ثم أمر، سبحانه، المؤمنين بتقواه، وأن ينظر كل واحد منهم ما قدّمه لغده ونهاهم أن يكونوا كأولئك المنافقين واليهود، والذين نسوه فأنساهم أنفسهم. ثم يمضي السياق بعد ذلك إلى تعظيم شأن القرآن الذي ينزل بمثل هذه الآيات والمواعظ. فذكر تعالى أنه لو أنزله على جبل لتصدّع من خشية منزله، وأتبع ذلك بشرح عظمته، جلّت قدرته، فذكر من صفاته ما ذكر، إلى أن ختمها بقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) .

стр. 2250

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحشر» «١» آخر سورة المجادلة نزل فيمن قتل أقرباؤه من الصحابة يوم بدر «٢» ، وأوّل الحشر نزل في غزوة بني النضير «٣» وهي عقبها، وذلك نوع من المناسبة والربط. وفي آخر المجادلة: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [الآية ٢١] . وفي أول هذه: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الآية ٢] . وفي آخر المجادلة، الآية ٢٢، ذكر من حادّ الله ورسوله «٤» ، وفي أول هذه ذكر من شاقّ الله ورسوله «٥» .

стр. 2251

المبحث الرابع مكنونات سورة «الحشر» «١» ١- أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الآية ٢] . هم بنو النّضير «٢» . ٢- لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [الآية ٢] . قال ابن عبّاس: هو الشّام. أخرجه ابن أبي حاتم «٣» . ٣- مِنْ أَهْلِ الْقُرى [الآية ٧] . قال مقاتل: يعني قريظة والنّضير وخيبر. أخرجه ابن أبي حاتم. ٤- إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ [الآية ١٦] . هو برصيصا العابد. ذكره ابن كثير «٤» .

стр. 2252

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحشر» «١» ١- قال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ [الآية ٦] . أقول: الإيجاف من الوجيف وهو السير السريع. ومعنى قوله تعالى: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ، أي ما أوجفتم على تحصيله وغنمه، خيلا ولا ركابا، ولا تعبتم في القتال عليه، وإنّما مشيتم على أرجلكم. والمعنى: أن ما خوّل الله رسوله من أموال بني النّضير، لم تحصّلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلّطه الله عليهم، وعلى ما في أيديهم، كما كان يسلّط رسله على أعدائهم. ٢- وقال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الآية ٩] . أقول: الخصاصة الخلّة، وأصلها خصاص البيت، أي: فروجه. وهذه الخلّة، أي: الفرجة استعيرت للحاجة أو الفقر، فكأن صاحبها به مثل هذا النقص.. ٣- وقال تعالى: وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الآية ١٤] أي متفرقة. أقول: كأنّ قوله تعالى: شَتَّى جمع شتيت، وقد أنسي المفرد فاستعملت الكلمة استعمال المفرد صفة. ونظير هذا كلمة «فوضى» أقول: لعلها في الأصل فضّى جمع فضيض!

стр. 2253

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحشر» «١» قال تعالى: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ [الآية ٢] أي: «فجاءهم أمر الله» ، وقال بعضهم أي: آتاهم العذاب، لأنك تقول: «أتاه» و «آتاه» كما تقول: «ذهب» و «أذهبته» . وقال تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الآية ٥] وهي من «اللّون» في الجماعة، وواحدته «لينة» ، وهو ضرب من النخل، ولكن لمّا انكسر ما قبلها انقلبت الى الياء. وقال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [الآية ٦] تقول: «فاء عليّ كذا وكذا» و «أفاءه الله» كما تقول: «جاء» و «أجاءه الله» وهو مثل «ذهب» وأذهبته» . وقال تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً [الآية ٧] و «الدّولة» في هذا المعنى أن يكون ذلك المال مرّة لهذا، ومرّة لهذا، وتقول: «كانت لنا عليهم الدّولة» . وأمّا انتصابها، فعلى تقدير «كي لا يكون الفيء دولة» و «كي لا تكون دولة» أي: «لا تكون الغنيمة دولة» ويزعمون أنّ «الدولة» أيضا في المال، لغة للعرب، ولا تكاد تعرف «الدولة في المال» . وقال تعالى: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الآية ٩] أي: ممّا أعطوا. وقال تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ [الآية ١٢] برفع الاخر لأنه معتمد لليمين، لأن هذه اللام التي في أول الكلام، إنّما تكون لليمين كقول

стр. 2254

الشاعر «١» [من الطويل، وهو الشاهد السبعون بعد المائتين] : لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذن لا أقيلها وقال تعالى: أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها [الآية ١٧] بنصب «خالدين» على الحال و (في النار) خبر. ولو كان في الكلام «إنّهما في النار» كان الرفع في «خالدين» جائزا. وليس قولهم: إذا جئت ب «فيها» مرتين فهو نصب «بشيء» إنّما «فيها» توكيد جئت بها، أو لم تجئ بها، فهو سواء. ألا ترى أنّ العرب كثيرا ما تجعله حالا إذا كان «فيها» التوكيد، وما أشبهه. وهو في القرآن منصوب في غير مكان. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها [البيّنة: ٦] .

стр. 2255

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحشر» «١» إن قيل: لم قال تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الآية ٩] . والإيمان ليس مكانا يتبوأ، لأن معنى التّبوّء اتخاذ المكان منزلا؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: وأخلصوا الإيمان، كقول الشاعر: علفتها تبنا وماء باردا أي وسقيتها ماء باردا. ثانيا: أنه على ظاهره بغير إضمار ولكنه مجاز، فمعناه أنهم جعلوا الإيمان مستقرّا وموطنا، لتمكّنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا دار الهجرة كذلك، وهي المدينة. فإن قيل: لم قال تعالى: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ [الآية ١٢] بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، وحرف الشرط إنّما يدخل على ما يحتمل وجوده وعدمه. قلنا: معناه: ولئن نصروهم على الفرض والتقدير، كقوله تعالى للنبي (ص) : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزّمر: ٦٥] وقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] والله تعالى، كما يعلم ما يكون قبل كونه، فهو يعلم ما لا يكون، أن لو كان كيف يكون. فإن قيل: ما معنى قوله تعالى للمؤمنين: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الآية ١٣] ، أي في صدور المنافقين أو اليهود، على اختلاف القولين، وظاهره: لأنتم أشدّ خوفا من الله، فإن كان «من» متعلّقا

стр. 2256

بأشدّ، لزم ثبوت الخوف لله تعالى، كما تقول: زيد أشدّ خوفا في الدار من عمرو. وذلك محال، وإن كان «من الله» متعلّقا بالخوف فأين الذي فضل عليه المخاطبون وأيضا فإن الآية تقتضي إثبات زيادة الخوف للمؤمنين، وليس المراد ذلك باتفاق المفسرين؟ قلنا: «رهبة» مصدر رهب، مبنيّ لما لم يسمّ فاعله فكأنه قيل أشدّ مرهوبية، يعني أنكم في صدورهم أهيب من الله فيها، كذا فسّره ابن عباس ﵄، تقول زيد أشدّ ضربا في الدار من عمرو، يعني مضروبية. فإن قيل: كيف يستقيم التفضيل بأشدّية الرهبة، مع أنهم كانوا لا يرهبون الله، لأنهم لو رهبوه لتركوا النفاق والكفر؟ قلنا معناه أنّ رهبتهم في السر منكم أشدّ من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم وكانوا يظهرون للمؤمنين رهبة شديدة من الله تعالى. فإن قيل: لم ورد في التنزيل على لسان إبليس: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ [الآية ١٦] . وهو لا يخاف الله تعالى، لأنه لو خافه لما خالفه، ثم أضلّ عبيده؟ قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة الأنفال. فإن قيل ما الحكمة في تنكير النفس والغد، في قوله تعالى: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الآية ١٨] ؟ قلنا: أما تنكير النفس، فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدّمت للاخرة، كأنه تعالى قال: ولتنظر نفس واحدة في ذلك، وأين تلك النفس. وأمّا تنكير الغد فلعظمته، وإبهام أمره، كأنه قال لغد لا يعرف كنهه لعظمه. فإن قيل: لم قال تعالى، لِغَدٍ وأراد به يوم القيامة، والغد عبارة عن يوم بينه وبيننا ليلة واحدة؟ قلنا: الغد له مفهومان: أحدهما ما ذكرتم. والثاني مطلق الزمان المستقبل ومنه قول الشاعر: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنّني عن علم ما في غد عمي وأراد به مطلق الزمان المستقبل، كما أراد بالأمس مطلق الزمان الماضي، فصار لكل واحد منهما مفهومان ويؤيّده أيضا قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ

стр. 2257

تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس: ٢٤] وقيل إنما أطلق على يوم القيامة اسم الغد، تقريبا له، كقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: ١] وقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل: ٧٧] وكأنه تعالى قال: إن يوم القيامة لقربه يشبه ما ليس بينكم وبينه إلا ليلة واحدة، ولهذا روي عن النبي (ص) أنه قال «اعمل لليلة صبيحتها يوم القيامة» قالوا أراد بتلك الليلة ليلة الموت. فإن قيل: ما الفرق بين الخالق والبارئ، حتى عطف تعالى أحدهما على الاخر؟ قلنا: الخالق هو المقدّر لما يوجده، والبارئ هو المميّز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة. وقيل الخالق المبدئ، والبارئ المعيد.

стр. 2258

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحشر» «١» في قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الآية ٩] . استعارة: لأن تبوّأ الدار هو استيطانها والتمكّن فيها، ولا يصحّ حمل ذلك على حقيقته في الإيمان. فلا بدّ إذن من حمله على المجاز والاتساع. فيكون المعنى أنهم استقرّوا في الإيمان، كاستقرارهم في الأوطان. وهذا من صميم البلاغة، ولباب الفصاحة. وقد زاد اللفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقا. ألا ترى كم بين قولنا: استقرّوا في الإيمان، وبين قولنا: تبوّءوا الإيمان. وأنا أقول، أبدا، إن الألفاظ خدم للمعاني، لأنها تعمل في تحسين معارضها، وتنميق مطالعها. وقوله سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الآية ٢١] هو على سبيل المجاز. والمعنى أن الجبل لو كان ممّا يعي القرآن، ويعرف البيان لخشع من سماعه، ولتصدّع من عظم شأنه، على غلظ أجرامه، وخشونة أكنافه. فالإنسان أحقّ بذلك منه، إذ كان واعيا لقوارعه، عالما بصوادعه.

стр. 2259

سورة الممتحنة (٦٠)

стр. 2260

المبحث الأول أهداف سورة «الممتحنة» «١» سورة الممتحنة سورة مدنية آياتها ١٣ آية، نزلت بعد سورة الأحزاب. قصة نزول السورة هاجر الرسول (ص) الى المدينة، واستطاع أن يؤلّف بين المهاجرين والأنصار، وأن يضع أسس الدعوة الإسلامية، وأن يصنع أمّة تميّزت بالأخلاق الكريمة، والصفات الحميدة. وقد وقف كفار مكّة في وجه الدعوة الإسلامية، ووقعت عدة معارك بين المسلمين والمشركين منها: بدر وأحد والخندق والأحزاب والحديبية. ثمّ توقّفت هذه المعارك بعد صلح الحديبية، وكان من أهم نصوص الصلح: وضع الحرب بين الفريقين عشر سنين، وأنّ من أراد أن يدخل في حلف محمد دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل فيه. وعلى أثر ذلك دخلت قبيلة خزاعة في حلف رسول الله (ص) ودخلت قبيلة بكر في حلف قريش. ثمّ إنّ قريشا نقضت العهد بمساعدتها قبيلة بكر حليفتها على قتال خزاعة حليفة النبي حتّى قتلوا منهم عشرين رجلا، وقد لجأت خزاعة الى الحرم لتحتمي به، ولكنّ ذلك لم يمنع رجال بكر من متابعتها، فاستنصرت خزاعة برسول الله (ص) ، وذهب رجال منهم إلى المدينة فأخبروا رسول الله بما كان

стр. 2261

من غدر بكر بهم ومعاونة قريش عليهم، وأنشد عمرو بن سالم، بين يديه: يا ربّ إنى ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا هم بيّتونا بالوتير هجّدا ... وقتلونا ركّعا وسجّدا فانصر هداك الله نصرا أيّدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا فقال له رسول الله (ص) نصرت يا عمرو بن سالم. وأخذ رسول الله يتجهّز لفتح مكّة، وطوى الأخبار عن الجيش كي لا يشيع الأمر فتعلم قريش فتستعدّ للحرب، والرسول الأمين لا يريد أن يقيم حربا بمكّة، بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس بهم، فدعا الله قائلا: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتها في بلادها» . حاطب يفشي السر كان حاطب من كبار المسلمين، وقد شهد مع النبي غزوة بدر مخلصا في جهادها، ولكنّ في النفس الانسانية جوانب ضعف تطغى في بعض الأحيان عليها، وتهوي بها من المنازل العالية الى الحضيض. لقد كتب حاطب كتابا إلى قريش، يخبرهم فيه بعزم المسلمين على فتح مكّة، واستأجر امرأة من مزينة تسمّى سارة، وجعل لها عشرة دنانير مكافأة، وأمرها ان تتلطّف وتحتال حتّى توصل كتابه الى قريش، فأخذت المرأة الكتاب فأخفته، وسلكت طريقها الى مكة. ثم أخبر الله رسوله بما صنع حاطب، فأرسل النبيّ علي بن أبي طالب والزبير بن العوام في إثر المرأة، فأدركاها في الطريق، واستخرجا منها الكتاب، فأحضراه الى رسول الله (ص) فدعا رسول الله (ص) حاطبا، فأطلعه على الكتاب، ثم قال له: ما حملك على هذا؟ فقال حاطب: يا رسول الله لا تعجل عليّ، فو الله إنّي لمؤمن بالله ورسوله، ما غيّرت ولا بدّلت، ولكنّي كنت امّرأ ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم ولم أفعل ذلك ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإيمان. ورأى النبيّ صدق لهجة حاطب، وحسن نيّته في ما أقدم عليه من ذلك

стр. 2262

الذنب، فقال لمن حوله: أما إنّه قد صدقكم في ما أخبركم به. ونظر النبيّ إلى ماضي الرجل في الجهاد، وحسن بلائه في الذود عن حرمات الإسلام، فرغب في العفو عنه. أمّا عمر بن الخطاب، فقد كبرت عليه هذه الخيانة، فنظر إلى حاطب وقال له: قاتلك الله، ترى رسول الله يخفي الأمر، وتكتب أنت إلى قريش؟ يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فتبسّم رسول الله، من حماسة عمر، وقال: وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطّلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم. وفي هذه الحادثة أنزل الله صدر سورة الممتحنة يحذّر المؤمنين من أن يوالوا عدوّهم، أو يطلعوه على بعض أسرارهم مهما يكن السبب الذي يدفع الى ذلك، فإنّ العدوّ عدو حيثما كان، وموادّة العدوّ خيانة ليس بعدها خيانة. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الآية ١] . فكرة السورة تسير السورة مع النفس الإنسانية، تحاول جاهدة أن تربي المسلمين تربية خاصة، عمادها الولاء للدعوة وحدها، والمودة لله، والمحبة لله، والتجمع على دعوة الله. على هذا المعنى قامت الدعوة الإسلامية، وظهر الإيثار والأخوّة بين المهاجرين والأنصار. ومن شعائر هذا الدين بغض الفاسقين والملحدين في دين الله، وقد انتهزت السورة فرصة ضعف حاطب، فجعلت ذلك وسيلة عملية لتهذيب النفوس، ورسم المثل الأعلى للمسلم. وقد عالجت السورة مشكلة الأواصر القريبة، والعصبيات الصغيرة، وحرص النفوس على مألوفاتها الموروثة، ليخرج المسلم من الضيق المحلي إلى الأفق العالمي الإنساني. «لقد كان القرآن بهذا الأسلوب في التربية ينشئ في هذه النفوس صورة جديدة، وقيما جديدة، وموازين جديدة، وفكرة جديدة عن الكون والحياة والإنسان ووظيفة المؤمنين في الأرض، وغاية الوجود الانساني.

стр. 2263

«وكان كأنما يجمع هذه النباتات الصغيرة الجديدة في كنف الله، ليعلمهم الله، ويبصّرهم بحقيقة وجودهم وغايته، وليفتح أعينهم على ما يحيط بهم من عداوات ومكر وكيد، وليشعرهم أنّهم رجاله وحزبه، وأنه يريد بهم أمرا ويحقّق بهم قدرا، ومن ثمّ فهم يوسمون بسمته، ويحملون شارته، ويعرفون بهذه الشارة وتلك السمة بين الأقوام جميعا، في الدنيا والاخرة وإذن فليكونوا خالصين له، منقطعين لولايته، متجرّدين من كل وشيجة غير وشيجته في عالم الشعور وعالم السلوك» . تسلسل أفكار السورة سورة الممتحنة من أولها الى آخرها تنظم علاقة المسلمين بالمشركين، وتدعو إلى تقوية أواصر المودة بين المسلمين، وحفظ هذه الوشائج قوية متينة بين المؤمنين، وتبيّن أنّ عداوة الكافرين للمسلمين أصيلة قديمة، فقد أخرجهم كفّار مكّة من ديارهم وأهلهم وأموالهم [الآية ١] وإذا انتصر المشركون عليهم عاملوهم معاملة الأعداء، رجاء أن يعودوا بهم من الإيمان إلى الكفر، وحينئذ لا تنفعهم أرحامهم ولا أولادهم ولا تنجيهم من عقاب الله [الآيتان ١- ٣] . ثم ترسم السورة قدوة حسنة بإبراهيم الخليل ومن معه من المؤمنين، حينما آمنوا بالله وأخلصوا له النية، وتجردوا من كل عاطفة نحو قومهم المشركين. وأعلنوا براءتهم من الشرك وأهله، وقد استغفر إبراهيم لأبيه، فلما تأكّد لإبراهيم إصرار أبيه على الشرك تبرّأ منه. ذلك ركب الإيمان، وطريق المؤمنين في تاريخ البشرية يتّسم بالتضحية والفداء، والاستعلاء على رغبات النفس في صلة الأقارب من المشركين فالمودّة لله وللمؤمنين [الآيات ٤- ٦] . ولعل الله أن يهدي هؤلاء المشركين فيدخلوا في دين الله، وبذلك تتحوّل العداوة إلى مودّة، وقد فتحت مكّة بعد ذلك، وعاد الجميع إخوة متحابّين [الآية ٧] . وقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق، فهو نبي الهدى والسلام والإسلام في طبيعته دين سلام، فاسمه مشتقّ من السلام والله، تقدّست

стр. 2264

أسماؤه، اسمه السلام والإسلام لا يمنع من موالاة الكفار، والبرّ بهم، وتحرّي العدل في معاملتهم، ما داموا لم يقاتلونا في الدين. ولكنّ الإسلام ينهى أشدّ النهي عن موالاة الكفّار المقاتلين أو الذين يستعدون لقتال المسلمين، ويرى كشف خطط المسلمين لهم خيانة للعقيدة وللأمة الاسلامية. «وهذا التوجيه يتفق مع اتجاه السورة كلها الى إبراز قيمة العقيدة، وجعلها هي الراية الوحيدة التي يقف تحتها المسلمون فمن وقف معهم تحتها فهو منهم، ومن قاتلهم فيها فهو عدوهم، ومن سالمهم فتركهم لعقيدتهم، ودعوتهم، ولم يصدّ الناس عنها، ولم يحل بينهم وبين سماعها، ولم يفتن المؤمنين بها، فهو مسالم لا يمنع الإسلام من البرّ به والقسط معه» [الآيتان ٨- ٩] . وكان صلح الحديبية ينص على أنّ من جاء مسلما بدون إذن وليّه يردّه المسلمون إلى أهل مكّة، ومن جاء إلى مكّة مشركا لا يردّونه. ثمّ أسلمت نساء من أهل مكّة وجاء أزواجهنّ يطلبونهنّ، فنزلت هذه الآيات تؤيّد أنّ المرأة لا يصح أن تردّ إلى زوجها الكافر لأنها لا تحل له بعد أن آمنت بالله وبقي الزوج على الشرك، وكانت المرأة تمتحن، أي تحلف بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماسا للدنيا، وبالله ما خرجت إلّا حبّا لله ورسوله، فإذا حلفت، كان لنا الظاهر والله أعلم بالسرائر. عندئذ تعيش في المجتمع المسلم. فإن تزوجت أعاد زوجها المسلم إلى الزوج المشرك ما أنفقه عليها، وكذلك إذا ذهبت زوجة مسلمة الى المشركين مرتدّة، فإذا تزوّجت يردّ المشركون للمسلم المهر الذي دفعه لها [الآيات ١٠- ١١] . ثمّ بيّن الله سبحانه لرسوله (ص) كيف يبايع النساء على الإيمان وقواعده الأساسية، وهي التوحيد، وعدم الشرك بالله إطلاقا، وعدم اقتراف المحرمات وهي السرقة، والزنا، وقتل الأولاد، والإتيان ببهتان يفترينه، ثم طاعة الرسول في كل ما يأمر به، أي امتثال المأمورات واجتناب المحرمات [الآية ١٢] . وفي ختام السورة تجد آية تجمع

стр. 2265

الهدف الكبير فتنهى عن موالاة من غضب الله عليهم من اليهود والمشركين [الآية ١٣] . مقصود السورة إجمالا قال الفيروزآبادي: معظم مقصود السورة: النهي عن موالاة الخارجين عن ملّة الإسلام، والاقتداء بالسلف الصالح في طريق الطاعة والعبادة، وانتظار المودّة بعد العداوة، وامتحان المدّعين بمطالبة الحقيقة، وأمر الرسول بكيفية البيعة مع أهل الستر والعفّة، والتجنّب من أهل الزيغ والضلالة، في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣) .

стр. 2266

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الممتحنة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الممتحنة بعد سورة الأحزاب، وكان نزولها بعد صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، فتكون من السّور التي نزلت فيما بين هذا الصلح وغزوة تبوك. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في [الآية ١٠] منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ وتبلغ آياتها ثلاث عشرة آية. الغرض منها وترتيبها يقصد من هذه السورة نهي المؤمنين عن موالاة المشركين بعد نهيهم عن موالاة اليهود، وكان المسلمون قد عقدوا مع قريش هدنة في صلح الحديبية لمدة أربع سنين، فنزلت هذه السورة بعد هذا الصلح ليفهمه المسلمون على حقيقته، لأنّه لم يقض على ما بين الفريقين من عداء، وإنّما كان اتّفاقا على وضع الحرب بينهم هذه المدّة، ولا شكّ في أنّ هذه السورة تشبه سورة الحشر في نهي المؤمنين عن موالاة غيرهم، وهذا هو وجه المناسبة بينهما. النهي عن موالاة المشركين الآيات [١- ١٣] قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الآية ١]

стр. 2267

، فنهاهم عن موالاة المشركين الذين أخرجوهم من ديارهم، ووبّخ من يسرّ إليهم بالمودة من المنافقين، وذكر أنهم إن يلتقوا بهم يكونوا لهم أعداء ويؤذوهم بالفعل والقول، وهدّدهم إذا راعوا في ذلك ما بينهم من قرابة بأنها لن تنفعهم يوم القيامة، بل يفصل فيها بينهم، ولا ينتفع بعضهم بقرابة بعض، ثمّ أخبرهم، جلّ وعلا، بما كان من إبراهيم والذين معه إذ تبرّأوا من قومهم وعادوهم، ليكون لهم قدوة حسنة فيهم ثم ذكر أنهم إذا عادوهم ترجى مودّتهم بإسلامهم، لأنّ العداوة قد تكون سببا في المودّة، ثم ذكر، سبحانه، أنه لا ينهاهم عن موالاة الذين لم يقاتلوهم في الدّين، ولم يخرجوهم من ديارهم، وإنّما ينهاهم عن موالاة الذين فعلوا ذلك معهم. وكان في صلح الحديبية أن يردّ النبي (ص) على قريش من يهاجر إليه منهم، فجاءته سبيعة بنت الحارث مسلمة، وهو لا يزال بالحديبية، فأقبل زوجها يطلب ردّها إليه على ما جاء في الصلح بينهم، وكذلك فعل غيرها من النساء، فجاء أهلهن يطلبون ردّهن، فأجابهم النبي (ص) بأن هذا الشرط في الرجال دون النساء، وذكر الله تعالى في ذلك أنه إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات فليمتحنوهنّ، فإن علموهنّ مؤمنات لا يرجعوهنّ إلى الكفّار، لأنّهنّ محرّمات عليهم، وهم محرّمون عليهنّ وأحلّ للمسلمين أن ينكحوهنّ إذا دفعوا لهنّ مهورهنّ، إلى غير هذا ممّا ذكره في أمرهنّ ثمّ أمر النبي (ص) إذا جاءه المؤمنات مهاجرات يبايعنه، ألّا يشركن، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان من نميمة أو نحوها، ولا يعصينه في معروف أن يبايعهنّ ويستغفر لهنّ الله، إنّ الله غفور رحيم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣) .

стр. 2268

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الممتحنة» «١» أقول: لمّا كانت سورة الحشر في المعاهدين من أهل الكتاب، عقّبت بهذه لاشتمالها على ذكر المعاهدين من المشركين، لأنها نزلت في صلح الحديبية «٢» . ولمّا ذكر، سبحانه، في سورة الحشر، موالاة المؤمنين بعضهم بعضا، ثمّ موالاة الذين من أهل الكتاب، افتتح هذه السورة بنهي المؤمنين عن اتّخاذ الكفّار أولياء، لئلا يشابهوا المنافقين في ذلك وكرّر ذلك وبسطه، إلى أن ختم به، فكانت في غاية الاتّصال ولذلك، كان الفصل بها بين الحشر والصف، مع تأخيهما في الافتتاح ب سَبَّحَ.

стр. 2269

المبحث الرابع مكنونات سورة «الممتحنة» «١» ١- وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ [الآية ١] . نزلت في حاطب بن أبي بلتعة. ٢- عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الآية ٧] . قال ابن شهاب: نزلت في جماعة، منهم أبو سفيان. أخرجه ابن أبي حاتم. ٣- لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ [الآية ٨] . نزلت في قتيلة أمّ أسماء بنت أبي بكر، كما في «المستدرك» . ٤- إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ [الآية ١٠] . أخرج الطبراني عن عبد الله: أنّها نزلت في أمّ كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد ابن أبي حبيب: أنّه بلغه أنّها نزلت في أميمة بنت بشر، امرأة أبي حسّان بن الدحداحة. وعن مقاتل: أنّها نزلت في سعيدة، امرأة صيفي بن الراهب. ٥- وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ [الآية ١١] . قال الحسن: نزلت في أمّ الحكم بنت أبي سفيان، ارتدّت فتزوّجها رجل ثقفي، ولم ترتدّ امرأة من قريش غيرها، فأسلمت مع ثقيف، حينما أسلموا، أخرجه ابن أبي حاتم. ٦- لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الآية ١٣] . قال ابن مسعود: هم اليهود والنّصارى. أخرجه ابن أبي حاتم.

стр. 2270

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الممتحنة» «١» ١- وقال تعالى: إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ [الآية ٤] . أقول برآء مثل شركاء، جمع بريء، واجتماع الهمزتين مع المد يجعلها ثقيلة، ومن أجل ذلك قرئت «براء» بالضم، و «براء» بالكسر.

стр. 2271

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الممتحنة» «١» قال تعالى: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ [الآية ٤] . استثناء خارج من أول الكلام.

стр. 2272

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الممتحنة» «١» إن قيل: ممّ استثني قوله تعالى: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ [الآية ٤] ؟ قلنا: من قوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ [الآية ٤] . لأنه سبحانه أراد بالأسوة الحسنة قوله الذي حكاه عنه وعن أتباعه وأشياعه، ليقتدوا به ويتخذوه سنّة يستنّون بها واستثنى سبحانه استغفاره لأبيه، لأنه كان عن موعدة وعدها إيّاه. فإن قيل: فإن كان استغفاره لأبيه، أو وعده لأبيه بالاستغفار مستثنى من الأسوة، فكيف عطف عليه قوله وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٤] وهو لا يصح استثناؤه ألا ترى إلى قوله تعالى: فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [الفتح: ١١] ؟ قلنا: المقصود بالاستثناء هو الجملة الأولى فقط، وما بعدها ذكر لأنه من تمام كلام إبراهيم صلوات الله عليه، لا بقصد الاستثناء كأنه قال: أنا أستغفر لك، وما في طاقتي إلّا الاستغفار. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الآية ١٢] ، ومعلوم أن النبي (ص) لا يأمر إلّا بمعروف، فلماذا لم يقتصر على قوله تعالى وَلا يَعْصِينَكَ؟ قلنا: الحكمة فيه سرعة تبادر الأفهام إلى قبح المعصية منهنّ لو وقعت، من غير توقّف الفهم على المقدّمة التي أوردتم في السؤال.

стр. 2273

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الممتحنة» «١» في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الآية ١] . استعارة على أحد التأويلين، وهو أن يكون المعنى: تلقون إليهم بالمودة ليتمسّكوا بها منكم. كما يقول القائل: ألقيت إلى فلان بالحبل ليتعلّق به، وسواء أقال: ألقيت بالحبل، أم ألقيت الحبل. وكذلك لو قال: ألقيت إلى فلان بالمودة، أو ألقيت إليه المودّة. وكذلك قولهم: رميت إليه بما في نفسي، وما في نفسي، بمعنى واحد. وقال الكسائي: تقول العرب: ألقه من يدك، وألق به من يدك، واطرحه من يدك، واطرح به من يدك، كلام عربي صحيح. وقد قيل: إن في الكلام مفعولا محذوفا، فكأنه تعالى قال: تلقون إليهم أسرار النبي (ص) بالمودة التي بينكم. وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين، كانوا يخالّون قوما من المنافقين، فيتسقّطونهم أسرار النبي (ص) ، استزلالا لهم، واستغمارا لعقولهم. وفي قوله سبحانه: وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [الآية ٢] استعارة. لأنّ بسط الألسن على الحقيقة لا يتأتّى كما يتأتّى بسط الأيدي وإنّما المراد إظهار الكلام السيّئ فيهم بعد زمّ الألسن عنهم، فيكون الكلام كالشيء الذي بسط بعد انطوائه، وأظهر بعد إخفائه. وقد يجوز أيضا أن يكون تعالى إنّما

стр. 2274

حمل بسط الألسن على بسط الأيدي، ليتوافق الكلام، ويتزاوج النظام لأنّ الأيدي والألسن مشتركة في المعنى المشار إليه: فللأيدي الأفعال، وللألسن الأقوال وتلك ضررها بالإيقاع، وهذه ضررها بالسّماع. وقوله سبحانه: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الآية ١٠] وقرأ أبو عمرو وحده (تمسّكوا) بالتشديد، وقرأ بقية السبعة تُمْسِكُوا بالتخفيف. وهذه استعارة. والمراد بها: لا تقيموا على نكاح المشركات، وخلاط الكافرات، فكنى سبحانه عن العلائق التي بين النساء والأزواج بالعصم، وهي هاهنا بمعنى الحبال، لأنّها تصل بعضهم ببعض، وتربط بعضهم إلى بعض. وإنما سميت الحبال عصما، لأنها تعصم المتعلق بها والمستمسك بقوّتها. قال الشاعر: وآخذ من كل حيّ عصما أي حبالا. وهي بمعنى العهود في هذا الشعر. وقال أبو عبيدة: العصمة: الحبل والسّبب وقال غيره: العصم: العقد. فكأنه تعالى قال: ولا تمسّكوا بعقد الكوافر، أي بعقود نكاحهن. وأبو حنيفة يستشهد بهذه الآية على أنه لا عدّة في الحربيّة إذا خرجت إلى دار الإسلام مسلمة، وبانت من زوجها بتخليفها له في دار الحرب كافرا. ويقول: إنّ في الاعتداد منه تمسّكا بعصمة الكافر التي وقع النهي عن التمسّك بها. ويذهب أنّ الكوافر هاهنا جمع فرقة كافرة، كما أن الخوارج جمع فرقة خارجة، ليصح حمل الكوافر على الذكور الإناث. ويكون قوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا خطابا للنبي (ص) والمؤمنين. والمعنى: ولا تأمروا النساء بالاعتداد من الكفّار، فتكونوا كأنكم قد أمرتموهنّ بالتمسّك بعصمهم. وقال أبو يوسف «١» ، ومحمد «٢» يجب عليها العدّة.

стр. 2275

سورة الصّف ٦١

стр. 2276

المبحث الأول أهداف سورة «الصف» «١» سورة الصف سورة مدنية، آياتها ١٤ آية، نزلت بعد سورة التغابن. وهي سورة تدعو الى وحدة الصف، وتماسك الأمة، وتحثّ على الجهاد، وتنفّر من الرياء، وتبيّن أنّ الإسلام كلمة الله الأخيرة الى الأرض، وأنّ رسالات السماء كانت دعوة هادفة لبناء الإنسان والدعوة إلى الخير والعدل، وقد أرسل الله سبحانه موسى (ع) بالتوراة، فلما انحرف اليهود عن تعاليم السماء، أرسل الله عيسى (ع) مجدّدا لناموس التوراة، ومبشّرا برسالة محمد (ص) . وقد كانت رسالة محمد (ص) بالهدى ودين الحق، متممة للرسالات السابقة، مشتملة على مبادئ الحق واليسر والعدل والمساواة، وقد كره المشركون انتصار النور والخير، فحاولوا مقاومة هذه الدعوة وإطفاء نورها، ولكنّ الله أيّد الإسلام، حتّى طوى ممالك الفرس والروم، وعمّ المشارق والمغارب. وقد حاولت الصليبيّة الحاقدة اجتياح بلاد الإسلام في فترات متعددة، من بينها الحرب الصليبية التي انتهت بهزيمة المعتدين وانتصار المسلمين، ووجّهت الصليبيّة ضرباتها للمسلمين في الأندلس، وحاولت تصفية الإسلام أيّام الدولة العثمانية، وأطلقت على تركيا اسم «الرجل المريض» ، والبلاد التي تحت يدها «تركة الرجل المريض» . فلمّا قام كمال أتاتورك،

стр. 2277

وأعلن إلغاء الخلافة الإسلامية، كبّر له الغرب وهلّل، وتراجعت الجيوش الغربية من أمام تركيا، وجعلوا من أتاتورك بطلا عملاقا لقضائه على الخلافة الإسلامية. وفي هذه الأيام، تقوى الحركة الإسلامية في تركيا، وتمتلئ المساجد والمدارس الإسلامية بالباحثين، وتشتد سواعد الحزب الإسلامي هناك، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره المشركون. سبب نزول السورة جمهور المفسرين على أن صدر هذه السورة نزل حينما اشتاق المسلمون إلى معرفة أحب الأعمال إلى الله، فأنزل الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) . فلمّا أخبرهم الله بأن أفضل الأعمال بعد الإيمان هو الجهاد في سبيل الله، كره الجهاد قوم، وشقّ عليهم أمره، فقال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) . هدفان للسورة لسورة الصف هدفان رئيسان: الهدف الأول: الدعوة إلى الجهاد والحثّ عليه، والتحذير من كراهيته، والفرار منه، وبيان ثوابه وفضله، وأنّه تجارة رابحة. وتبع ذلك ترسيخ العقيدة، ووجوب اتفاق الظاهر مع الباطن، ووجوب الطاعة للقائد، وتماسك الأمّة، وترابط بنيانها حتّى تصبح صفّا واحدا، محكم الأساس، قويّ الوشيجة والرّباط، كأنّه بنيان مرصوص. فالآيات الأربع الأولى: دعوة الجهاد، والتحذير من الخوف والجبن، وبيان أن العقيدة السليمة تستتبع التضحية والفداء، حتّى يصبح جيش الإسلام قويّ البنيان، متلاحم الصفوف. والآيات [١٠- ١٢] صورة رائعة لفضل الجهاد وثوابه، فهو أربح تجارة، وأفضل سبيل للمغفرة ودخول الجنة، وهو باب النصر والفتح، والبشرى للمؤمنين بالسيادة والعزّة. والهدف الثاني: بيان وحدة الرسالات. فالرسالات الإلهية كلّها

стр. 2278

دعوة إلى التوحيد، وثورة على الباطل، وإصلاح للضمير، وإرساء لمعالم الفضيلة، ومحاربة للرذيلة. وقد دعا الرسل جميعا إلى توحيد الله، وتكفّل كلّ رسول بإرشاد قومه وهدايتهم، ونصحهم الى ما فيه الخير، وتحذيرهم من الانحراف والشر. وفي سورة الصف نجد الآية الخامسة تبيّن رسالة موسى (ع) لقومه، وتذكر عنت اليهود، وإيذاءهم لموسى، وتجريحهم له، وانصرافهم عن روحانيّة الدعوة إلى مادّية المال. وفي الآية السادسة، نجد عيسى ﵇ يجدّد أمر الناموس، ويصيح باليهود صيحات ضارعة، ويعظهم ويدعوهم للإيمان، ويحثّهم على الصدقة، والعناية بالروح، وتقديم الخير لوجه الله. والمسيح يبشّر برسالة أحمد خاتم المرسلين. فالرسالات كلّها حلقات متتابعة في تاريخ الهداية والإصلاح، والإسلام كان ختام هذه الرسالات وآخرها، والمهيمن عليها فقد حفظ تاريخها في القرآن، ودعا إلى الإيمان بالملائكة والكتاب والرسل. قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) [البقرة] . وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله (ص) قال: «إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمّها وأكملها إلّا موضع لبنة، فجعل الناس يقولون لو وضعت هذه اللبنة، فأنا هذه اللبنة وأنا خاتم الرسل» . وقال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) [البقرة] . وفي آخر آية من السورة دعوة للمسلمين أن ينصروا دين الله، كما نصر الحواريون دين عيسى، أيّام كان دينه توحيدا خالصا والعاقبة دائما للمتقين. والعبرة المستفادة من هذه الدعوة: استنهاض همّة المؤمنين بالدين الأخير، الأمناء على منهج الله في الأرض، ورثة العقيدة والرسالة الإلهية، المختارين لهذه المهمّة الكبرى

стр. 2279

استنهاض همتهم لنصرة الله، ونصرة دينه، ونصرة رسالته وشريعته: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ [الآية ١٤] . المقصد الاجمالي للسورة قال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة الصف هو: «عتاب الذين يقولون ولا يعلمون بمقتضى ما يقولون، وتشريف صفوف الغزاة والمصلّين، والتنبيه إلى جفاء بني إسرائيل، وإظهار دين المصطفى على سائر الأديان، وبيان التجارة الرابحة مع الرحمن الرحيم، والبشارة بنصر أهل الإيمان على الكفر والخذلان» .

стр. 2280

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الصف» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الصفّ بعد سورة التّغابن، ونزلت سورة التغابن بعد سورة التحريم، ونزلت سورة التحريم بعد سورة الحجرات، ونزلت سورة الحجرات فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة الصف في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) . وتبلغ آياتها أربع عشرة آية. الغرض منها وترتيبها غرض هذه السورة الحثّ على الجهاد في سبيل الله، وتوبيخ المنافقين على تقاعسهم عنه، وقد كان هذا ناشئا من موالاتهم للمشركين، فكانوا يكرهون قتالهم لأنّهم يبطنون الشرك مثلهم، فالسياق فيها مع المنافقين كالسياق في السورة التي قبلها، ولهذا ذكرت بعدها. الحث على الجهاد الآيات [١- ١٤] قال الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) ، فذكر تسبيح كل شيء له ليسبّحه أولئك المنافقون ويؤمنوا به ثمّ وبخهم على أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون، فيقولون ما لا يفعلون،
следующие страницы →