← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

المبحث الأول أهداف سورة «الصف» «١» سورة الصف سورة مدنية، آياتها ١٤ آية، نزلت بعد سورة التغابن. وهي سورة تدعو الى وحدة الصف، وتماسك الأمة، وتحثّ على الجهاد، وتنفّر من الرياء، وتبيّن أنّ الإسلام كلمة الله الأخيرة الى الأرض، وأنّ رسالات السماء كانت دعوة هادفة لبناء الإنسان والدعوة إلى الخير والعدل، وقد أرسل الله سبحانه موسى (ع) بالتوراة، فلما انحرف اليهود عن تعاليم السماء، أرسل الله عيسى (ع) مجدّدا لناموس التوراة، ومبشّرا برسالة محمد (ص) . وقد كانت رسالة محمد (ص) بالهدى ودين الحق، متممة للرسالات السابقة، مشتملة على مبادئ الحق واليسر والعدل والمساواة، وقد كره المشركون انتصار النور والخير، فحاولوا مقاومة هذه الدعوة وإطفاء نورها، ولكنّ الله أيّد الإسلام، حتّى طوى ممالك الفرس والروم، وعمّ المشارق والمغارب. وقد حاولت الصليبيّة الحاقدة اجتياح بلاد الإسلام في فترات متعددة، من بينها الحرب الصليبية التي انتهت بهزيمة المعتدين وانتصار المسلمين، ووجّهت الصليبيّة ضرباتها للمسلمين في الأندلس، وحاولت تصفية الإسلام أيّام الدولة العثمانية، وأطلقت على تركيا اسم «الرجل المريض» ، والبلاد التي تحت يدها «تركة الرجل المريض» . فلمّا قام كمال أتاتورك،

стр. 2277

وأعلن إلغاء الخلافة الإسلامية، كبّر له الغرب وهلّل، وتراجعت الجيوش الغربية من أمام تركيا، وجعلوا من أتاتورك بطلا عملاقا لقضائه على الخلافة الإسلامية. وفي هذه الأيام، تقوى الحركة الإسلامية في تركيا، وتمتلئ المساجد والمدارس الإسلامية بالباحثين، وتشتد سواعد الحزب الإسلامي هناك، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره المشركون. سبب نزول السورة جمهور المفسرين على أن صدر هذه السورة نزل حينما اشتاق المسلمون إلى معرفة أحب الأعمال إلى الله، فأنزل الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) . فلمّا أخبرهم الله بأن أفضل الأعمال بعد الإيمان هو الجهاد في سبيل الله، كره الجهاد قوم، وشقّ عليهم أمره، فقال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) . هدفان للسورة لسورة الصف هدفان رئيسان: الهدف الأول: الدعوة إلى الجهاد والحثّ عليه، والتحذير من كراهيته، والفرار منه، وبيان ثوابه وفضله، وأنّه تجارة رابحة. وتبع ذلك ترسيخ العقيدة، ووجوب اتفاق الظاهر مع الباطن، ووجوب الطاعة للقائد، وتماسك الأمّة، وترابط بنيانها حتّى تصبح صفّا واحدا، محكم الأساس، قويّ الوشيجة والرّباط، كأنّه بنيان مرصوص. فالآيات الأربع الأولى: دعوة الجهاد، والتحذير من الخوف والجبن، وبيان أن العقيدة السليمة تستتبع التضحية والفداء، حتّى يصبح جيش الإسلام قويّ البنيان، متلاحم الصفوف. والآيات [١٠- ١٢] صورة رائعة لفضل الجهاد وثوابه، فهو أربح تجارة، وأفضل سبيل للمغفرة ودخول الجنة، وهو باب النصر والفتح، والبشرى للمؤمنين بالسيادة والعزّة. والهدف الثاني: بيان وحدة الرسالات. فالرسالات الإلهية كلّها

стр. 2278

دعوة إلى التوحيد، وثورة على الباطل، وإصلاح للضمير، وإرساء لمعالم الفضيلة، ومحاربة للرذيلة. وقد دعا الرسل جميعا إلى توحيد الله، وتكفّل كلّ رسول بإرشاد قومه وهدايتهم، ونصحهم الى ما فيه الخير، وتحذيرهم من الانحراف والشر. وفي سورة الصف نجد الآية الخامسة تبيّن رسالة موسى (ع) لقومه، وتذكر عنت اليهود، وإيذاءهم لموسى، وتجريحهم له، وانصرافهم عن روحانيّة الدعوة إلى مادّية المال. وفي الآية السادسة، نجد عيسى ﵇ يجدّد أمر الناموس، ويصيح باليهود صيحات ضارعة، ويعظهم ويدعوهم للإيمان، ويحثّهم على الصدقة، والعناية بالروح، وتقديم الخير لوجه الله. والمسيح يبشّر برسالة أحمد خاتم المرسلين. فالرسالات كلّها حلقات متتابعة في تاريخ الهداية والإصلاح، والإسلام كان ختام هذه الرسالات وآخرها، والمهيمن عليها فقد حفظ تاريخها في القرآن، ودعا إلى الإيمان بالملائكة والكتاب والرسل. قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) [البقرة] . وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله (ص) قال: «إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمّها وأكملها إلّا موضع لبنة، فجعل الناس يقولون لو وضعت هذه اللبنة، فأنا هذه اللبنة وأنا خاتم الرسل» . وقال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) [البقرة] . وفي آخر آية من السورة دعوة للمسلمين أن ينصروا دين الله، كما نصر الحواريون دين عيسى، أيّام كان دينه توحيدا خالصا والعاقبة دائما للمتقين. والعبرة المستفادة من هذه الدعوة: استنهاض همّة المؤمنين بالدين الأخير، الأمناء على منهج الله في الأرض، ورثة العقيدة والرسالة الإلهية، المختارين لهذه المهمّة الكبرى

стр. 2279

استنهاض همتهم لنصرة الله، ونصرة دينه، ونصرة رسالته وشريعته: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ [الآية ١٤] . المقصد الاجمالي للسورة قال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة الصف هو: «عتاب الذين يقولون ولا يعلمون بمقتضى ما يقولون، وتشريف صفوف الغزاة والمصلّين، والتنبيه إلى جفاء بني إسرائيل، وإظهار دين المصطفى على سائر الأديان، وبيان التجارة الرابحة مع الرحمن الرحيم، والبشارة بنصر أهل الإيمان على الكفر والخذلان» .

стр. 2280

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الصف» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الصفّ بعد سورة التّغابن، ونزلت سورة التغابن بعد سورة التحريم، ونزلت سورة التحريم بعد سورة الحجرات، ونزلت سورة الحجرات فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة الصف في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) . وتبلغ آياتها أربع عشرة آية. الغرض منها وترتيبها غرض هذه السورة الحثّ على الجهاد في سبيل الله، وتوبيخ المنافقين على تقاعسهم عنه، وقد كان هذا ناشئا من موالاتهم للمشركين، فكانوا يكرهون قتالهم لأنّهم يبطنون الشرك مثلهم، فالسياق فيها مع المنافقين كالسياق في السورة التي قبلها، ولهذا ذكرت بعدها. الحث على الجهاد الآيات [١- ١٤] قال الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) ، فذكر تسبيح كل شيء له ليسبّحه أولئك المنافقون ويؤمنوا به ثمّ وبخهم على أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون، فيقولون ما لا يفعلون،

стр. 2281

ويتقاعسون عن الجهاد مع المسلمين. وذكر جلّ وعلا أنه يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفّا، فيثبتون في قتالهم ولا يتقهقرون. ثمّ حذرهم عاقبة زيفهم، أن يزيغ قلوبهم فيصيروا إلى الكفر الصريح، كما أزاغ قلوب قوم موسى حينما زاغوا وآذوه، ثم رغّبهم في الإيمان بتبشير عيسى بالنبي الذي يدعوهم إليهم: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الآية ٦] . ثم ذكر سبحانه أنهم يريدون إطفاء نوره، وأنه سيتمّ نوره ويظهر دينه على الدين كله ثم دلّهم على ما ينجيهم في أخراهم، وهو أن يصدقوا في إيمانهم، ويجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم، ليغفر لهم ذنوبهم في أخراهم وينيلهم نصرا قريبا في دنياهم، وهو فتح مكة ثم أمرهم أن يكونوا أنصارا لله مخلصين كحواريي عيسى حينما قال لهم: من أنصاري إلى الله؟ فقالوا: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤) .

стр. 2282

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الصف» «١» أقول: في سورة الممتحنة ذكر، سبحانه، الجهاد في سبيل الله، وبسطه في هذه السورة أبلغ بسط.

стр. 2283

المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الصف» «١» وقال تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) . كأنّ أصله: «يريدون أن يطفئوا نور الله» كما جاء في سورة براءة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة.

стр. 2284

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الصف» «١» قال تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ [الآية ٣] أي: كبر مقتكم مقتا، ثم قال: أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) أي: قولكم. وقال: وَأُخْرى تُحِبُّونَها [الآية ١٣] أي: وتجارة أخرى

стр. 2285

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الصف» «١» إن قيل: ما فائدة (قد) في قوله تعالى: وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الآية ٥] . قلنا: فائدتها التأكيد، كأنه قال: وتعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه. هذا جواب الزمخشري: وقال غيره: فائدتها التكثير، لأن (قد) مع الفعل المضارع تارة تأتي للتقليل كقولهم: إن الكذوب قد يصدق، وتارة تأتي للتكثير كقول الشاعر: قد أعسف النّازح المجهود معسفة ... في ظلّ أخضر يدعو هامة البوم وإنما يتمدّح بما يكثر وجوده منه، لا بما يقلّ. فإن قيل: لم قال عيسى (ع) كما ورد في التنزيل: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الآية ٦] ولم يقل محمّد، ومحمّد أشهر أسماء النبي (ص) ؟ قلنا: إنّما قال أحمد، لأنّه مذكور في الإنجيل بعبارة تفسيرها أحمد لا محمّد وإنما كان كذلك، لأنّ اسمه في السماء أحمد وفي الأرض محمد، فنزل في الإنجيل اسمه السماوي. وقيل إن أحمد أبلغ في معنى الحمد من محمّد، من جهة كونه مبنيّا على صيغة التفضيل. وقيل محمّد أبلغ من جهة كونه على صيغة التكثير. فإن قيل: لم قال تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) ولم يقل

стр. 2286

سبحانه هذه، والمشار إليه البيّنات، وهي مؤنثة؟ قلنا: معناه هذا الذي جئت به، فالإشارة إلى المأتيّ به. فإن قيل: ما وجه صحّة التشبيه، وظاهره تشبيه كونهم أنصار الله، بقول عيسى ﵇ كما ورد في التنزيل: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [الآية ١٤] . قلنا: التشبيه محمول على المعنى، تقديره: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصارا لعيسى (ع) حينما قال لهم من أنصاري إلى الله.

стр. 2287

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الصف» «١» في قوله سبحانه: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الآية ٥] استعارة. وكنّا أغفلنا الكلام على نظيرها في آل عمران. وهو قوله تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [الآية ٨] لأنّ ذلك أدخل في باب الكلام على الآي المتشابهة، وأبعد من الكلام على الألفاظ المستعارة. إلّا أنّنا رأينا الإشارة إلى هذا المعنى هاهنا، لأنّه ممّا يجوز أن يجري في مضمار كتابنا هذا، فنقول: إنّ المراد بقوله تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا أي لا تحمّلنا من التكاليف ما لا طاقة لنا به، فتزيغ قلوبنا، أي تميل عن طاعتك، وتعدل عن طريق مرضاتك، فتصادفها زائغة، أو يحكم عليها الزّيغ عند كونها زائغة. وقد يجوز أن يكون المراد بذلك: أي أدم لنا ألطافك وعصمك لتدوم قلوبنا على الاستقامة، ولا تزيغ عن مناهج الطاعة. وحسن أن يقال: لا تزغ قلوبنا بمعنى الرّغبة في إدامة الألطاف، لمّا كان إعدام تلك الألطاف في الأكثر يكون عنه زيغ القلوب، ومواقعة الذنوب. وأما قوله تعالى في هذه السورة: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، فهو أوضح فيما يذهب إليه من الأول، لأنه، سبحانه، لمّا زاغوا عن الحقّ، حكم عليهم بالزّيغ عنه، وحكمه بذلك أن يأمر أولياءه بذمّهم ولعنهم والبراءة منهم، عقوبة لهم على ذميم فعلهم.

стр. 2288

وقد يجوز أن يكون معنى ذلك أنّهم لمّا زاغوا عن الحقّ خذلهم وأبعدهم وخلّاهم واختيارهم، وأضاف، سبحانه، الفعل إلى نفسه من طريق الاتّساع، لمّا كان وقوع الزّيغ منهم مقابلا لأمره لهم باتّباع الحقّ، وسلوك الطريق النهج. كما قال تعالى: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي [المؤمنون: ١١٠] أي وقع نسيانكم لذكري، في مقابلة أمر أولئك العباد النّاصحين لكم بأن تسلكوا الطريق الأسلم، وتتّبعوا الدين الأقوم.

стр. 2289

سورة الجمعة ٦٢

стр. 2290

المبحث الأول أهداف سورة «الجمعة» «١» سورة الجمعة سورة مدنية، وآياتها ١١ آية. نزلت بعد سورة يوسف. وقد عنيت السورة بتربية المسلمين وجمعهم على الحق والإيمان، ودعوتهم إلى المحافظة على صلاة الجمعة، والامتناع عن الانشغال بغيرها من اللهو أو البيع، وقد مهّدت لذلك ببيان أنّ كلّ شيء يسبّح بحمد الله سبحانه. وقد منّ الله، ﷻ ، على العرب بإرسال نبيّ الهدى والرّحمة ليرشدهم إلى الخير، ويأخذ بأيديهم إلى الطهارة والفضيلة. وقارنت السورة بين المسلمين واليهود، وعيّرت اليهود بإهمالهم تعاليم التوراة وإعراضهم عنها، وشبّهتهم بالحمار يحمل كتب العلم ولا يفيد منها، وهو تشبيه رائع معناه أن التوراة بشّرت بنبيّ الله محمد (ص) ، ودعت أهلها إلى الإيمان به، لكنهم لم ينتفعوا بهداية التوراة، فحرموا أنفسهم الانتفاع بأبلغ نافع، مع قرب هذا الانتفاع منهم. تسلسل أفكار السورة بدأت السورة بمطلع رائع، يقرر حقيقة التسبيح المستمرّ يصدر عن كلّ ما في الوجود، بقوله تعالى يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) . جاء في تفسير النسفي: «التسبيح إمّا أن يكون تسبيح خلقة، يعني إذا نظرت الى كلّ شيء دلّتك خلقته على وحدانيّة الله، سبحانه، وتنزيهه عن الأشباه أو

стр. 2291

تسبيح معرفة بأن يجعل الله بلطفه في كلّ شيء ما يعرف به الله تعالى وينزّهه ألا ترى إلى قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] أو تسبيح ضرورة، بأن يجري الله التسبيح على كلّ جوهر من غير معرفته بذلك» . وبيّنت السورة أن الله قد اختار العرب ليرسل فيهم نبيّ آخر الزمان، ليطهّرهم ويعلّمهم القرآن والأحكام الشرعية، وحسن تقدير الأمور بعد أن كانوا في الجاهلية في ضلال وكفر وانحلال [الآية ٢] . وقد وصف جعفر بن أبي طالب ضلال الجاهلية للنجاشي ملك الحبشة، فقال: «أيّها الملك، كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منا الضعيف. فكنّا على ذلك، حتّى بعث الله إلينا رسولا لنوحّده ولنعبده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الامانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء.. ونهانا عن الفواحش وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام» . لقد اختار الله الجزيرة العربية، لتحمل رسالة الإصلاح، وليمتدّ هذا النور الهادي إلى ممالك الفرس والروم، حيث كانت هذه البلاد العريقة قد انغمست في الترف والانحلال ... «وبين مظاهر الفساد الشامل، ولد الرجل الذي وحّد العالم جميعه، وقد كان اليهود يزعمون أنّهم شعب الله المختار، وأنّهم هم أولياؤه من دون الناس، فبيّنت الآيات أنّهم لم يعودوا صالحين لحمل رسالة السماء فقد أخلدوا إلى الدنيا وكرهوا الموت، لأنهم لم يقدّموا عملا صالحا، بل قدّموا الدّسّ والخداع والوقيعة: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ مطّلع عليهم، وسيجزيهم على عملهم [الآيات ٥- ٨] . والمقطع الأخير من السورة يتحدّث عن صلاة الجمعة، وهي فريضة أسبوعية يتلاقى المسلمون فيها لتعلّم أمور دينهم، وتنظيم حياتهم، وتفقّد

стр. 2292

شؤونهم. وهي وسيلة للعبادة والطاعة، وصفاء النفس، وطهارة الروح. والإسلام دين ودنيا، عقيدة وسلوك، شرائع وآداب، علم وعمل، عبادة وسيادة. فإذا انتهت صلاة الجمعة خرج المسلم باحثا عن رزقه، نشيطا في عمله فعبادة الله تكون في المسجد بالصلاة، وتكون خارج المسجد بالتجارة والزراعة وطلب القوت من حلال. وفي الحديث الصحيح: «إنّ لربّك عليك حقّا، وإنّ لبدنك عليك حقّا، وإنّ لزوجك عليك حقّا، فأعط كلّ ذي حقّ حقّه» . وكان عراك بن مالك، إذا صلى الجمعة، انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: «اللهمّ إنّي أحببت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين» .

стр. 2293

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الجمعة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الجمعة بعد سورة الصفّ، ونزلت سورة الصف فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة الجمعة في ذلك التاريخ أيضا وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في الآية التاسعة منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ. وتبلغ آياتها إحدى عشرة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة الحثّ على العمل بالعلم، وتوبيخ من لا يعمل بعلمه من المنافقين واليهود، ولهذا- والله أعلم- جعلت هذه السورة بعد سورة الصفّ، لأنّها توافقها وتوافق السور التي قبلها في هذا السياق. الحث على العمل بالعلم الآيات [١- ١١] قال الله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) ، فذكر سبحانه تسبيح ذلك له، وأنه بعث في الأمّيّين رسولا يعلّمهم ويزكّيهم، ليجمعوا بهذا بين العلم والعمل به. ثمّ ذمّ اليهود الذين يعلمون التوراة ولا يعملون بها، فجعل مثلهم في حملها وعدم الانتفاع بها، كمثل الحمار يحمل أسفارا ثمّ ذكر، جلّ وعلا، ما يتّكلون عليه في ترك العمل، وهو زعمهم أنهم أولياؤه من

стр. 2294

دون الناس، فلا يؤاخذهم كما يؤاخذ غيرهم، فأمرهم إن كانوا صادقين في هذا أن يتمنّوا الموت ليثبتوا ما يزعمونه من حسن عاقبتهم وذكر أنّهم لا يتمنّونه أبدا لخوفهم من أعمالهم، وأنّه لا بدّ من هذا الموت الذي يفرّون منه لينبئهم بما كانوا يعملون ثم أمر المنافقين ومن يتباطأ مثلهم عن العمل، أن يسعوا إلى صلاة الجمعة عند النداء لها، وأن يتركوا عند سماعهم نداءها ما يتعاطونه من البيع، فإذا أدّوها خرجوا إلى ما كانوا عليه من أعمال الدنيا ثمّ ذمّ ما كان يحصل منهم من الخروج قبل أدائها، عند حضور تجارة أو نحوها، فقال تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) .

стр. 2295

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الجمعة» «١» أقول: ظهر لي في وجه اتّصالها بما قبلها: أنه تعالى لمّا ذكر في سورة الصفّ حال موسى (ع) مع قومه، وأذاهم له، ناعيا عليهم ذلك «٢» ذكر في هذه السورة حال الرّسول (ص) ، وفضل أمّته، تشريفا لهم، ليظهر فضل ما بين الأمّتين، ولذا لم يعرض فيها لذكر اليهود. وأيضا لمّا ذكر، سبحانه، هناك حكاية عن قول عيسى (ع) : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] . قال هنا: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) . إشارة إلى أنه (ص) هو الذي بشّر به عيسى (ع) . وهذا وجه حسن في الربط. وأيضا، لما ختم سبحانه تلك السورة بالأمر بالجهاد، وسمّاه تجارة، ختم هذه بالأمر بالجمعة، وأخبر أنها خير من التجارة الدنيوية. وأيضا: فتلك سورة الصفّ، والصفوف تشرع في موضعين: القتال، والصلاة، فناسب تعقيب سورة صف القتال بسورة صلاة تستلزم الصف ضرورة، وهي الجمعة، لأنّ الجماعة شرط فيها، دون سائر الصلوات. فهذه وجوه أربعة فتح الله بها.

стр. 2296

المبحث الرابع مكنونات سورة «الجمعة» «١» ١- وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) . أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعا: أنهم قوم سلمان «٢» . وأخرج أبن أبي حاتم عن مجاهد، قال: هم الأعاجم «٣» .

стр. 2297

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الجمعة» «١» قال تعالى: أَسْفاراً [الآية ٥] واحدها «السّفر» . وقال بعض النحويين لا يكون ل «الأسفار» واحد كنحو «أبابيل» و «أساطير» ، ونحو قول العرب: «ثوب أكباش» وهو الرديء الغزل، و «ثوب مزق» للمتمزّق. وقال تعالى: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الآية ٩] أي والله أعلم، من صلاة يوم الجمعة..

стр. 2298

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الجمعة» «١» إن قيل: لم قال تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الآية ٩] والسعي: العدو والعدو إلى صلاة الجمعة، وإلى كل صلاة، مكروه؟ قلنا: المراد بالسعي القصد. وقال الحسن: ليس هو السعي على الأقدام، ولكنه على النيّات والقلوب، ويؤيّد قول الحسن قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) [النجم] ، وقول الداعي في دعاء القنوت: وإليك نسعى ونحفد «٢» ، وليس المراد به العدو والإسراع بالقدم. فإن قيل: لم قال تعالى: انْفَضُّوا إِلَيْها [الآية ١١] . والمذكور شيئان اللهو والتجارة؟ قلنا: قد سبق جواب هذا في سورة التوبة في قوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٣٤] والذي يؤيّده هنا ما قاله الزّجّاج معناه: «وإذا رأوا تجارة انفضّوا إليها» «أو لهوا انفضّوا إليه» ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. وقرأ ابن مسعود ﵁ (إليهما) بضمير التثنية، وعليه فلا حذف.

стр. 2299

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الجمعة» «١» في قوله سبحانه: وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) استعارة. والمراد: ولا يتمنّون الموت أبدا، خوفا مما فرط منهم من الأعمال السيئة، والقبائح المجترحة. ونسب تعالى تلك الأفعال إلى الأيدي، لغلبة الأيدي على الأعمال، وإن كان فيها ما يعمل بالقلب واللسان.

стр. 2300

سورة المنافقون ٦٣

стр. 2301

المبحث الأول أهداف سورة «المنافقون» «١» سورة «المنافقون» سورة مدنيّة، آياتها ١١ آية نزلت بعد سورة الحج. النفاق هو إظهار الإسلام أمام المسلمين، وإضمار غير الإسلام. والنفق بفتحتين سرب في الأرض يكون له مخرج من موضع آخر، ونافق اليربوع إذا أتى النّافقاء، أي دخل من مكان وخرج من مكان، ومنه قيل «نافق الرجل» إذا دخل في الإسلام أمام المسلمين، ودخل في عداوة الإسلام أمام غير المسلمين. والنفاق قسمان: القسم الأول: نفاق العقيدة، وهو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر. والقسم الثاني: نفاق العمل، وهو الرياء والسمعة والتظاهر وإبراز الأمور على غير حقيقتها. النفاق في المدينة لم يظهر النفاق في مكّة، لأن المسلمين كانوا مستضعفين، وكان أهل مكة يعلنون لهم العداء، ويجابهونهم بالإيذاء. ثمّ هاجر النبيّ (ص) إلى المدينة، والتفّ حوله الأنصار والمهاجرون، وقويت شوكته بوحدة المسلمين وتماسكهم، وظلّ الإسلام يتفوّق يوما بعد يوم، ويدخل فيه وجوه أهل المدينة من رجال الأوس والخزرج ووجهائهم وأهل العصبية فيهم عندئذ رأى بعض المنافقين أن يدخلوا في

стр. 2302

الإسلام مجاملة لأهله، وأن يبيّتوا الكيد والخداع للمسلمين. وقد قبل النبي (ص) من الناس ظواهرهم، وترك بواطنهم الى الله. ولكن الأحداث كانت تعرّف المسلمين بهؤلاء المنافقين، فإذا وقع المسلمون في شدة أو انهزموا في معركة، تجرّأ هؤلاء المنافقون على تجريحهم والتشهير بهم جهارا نهارا. وإذا أنعم الله على المؤمنين بالنصر، اختبأ المنافقون في جحورهم، وغيّروا طريقتهم، وانتقلوا من باب المواجهة إلى الكيد والدّسّ في الخفاء. وكان اليهود في المدينة يكوّنون جبهة قوية، وقد ساندوا المنافقين وشجّعوهم، وكوّن الطرفان جبهة متّحدة لمناوأة الإسلام والمسلمين. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول زعيم المنافقين بالمدينة، وكان من وجهاء الأنصار، وكان قومه ينظمون له الخرز ليتوّجوه ملكا عليهم. فلمّا جاء الإسلام للمدينة، وتعاظمت قوّة المسلمين يوما بعد آخر، وأصبح النبيّ الأمين صاحب الكلمة النافذة، والأمر المطاع، اشتدّ حقد عبد الله بن أبيّ لضياع الملك من بين يديه، وكوّن جبهة للنفاق تشيع السوء والفتنة، وتدبّر الكيد والأذى للمسلمين. وشاء الله، سبحانه، أن يمتحن المسلمين بوجود اليهود في المدينة، وبوجود المنافقين فترة طويلة صاحبت نشوء الدعوة بالمدينة. ولم يشأ الله، ﷻ ، أن يعرّف النبي (ص) بأسمائهم إلّا في آخر حياته، وقد أخفى النبي (ص) أسماءهم عن الناس، وأعلم واحدا فقط من الصحابة بها، هو النعمان بن مقرن، ليظلّ أمرهم مستورا. وكان بعضهم ينكشف أمره من سلوكه وفعله، وقوله، وقسمات وجهه، وتعبيراتها. قال تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) [محمد] . قصة نزول السورة في كثير من كتب التفسير والسيرة: أن هذه السورة نزلت في أعقاب غزوة بني المصطلق، وقد انتصر فيها المسلمون، وغنموا غنائم كثيرة، وقد وقعت في شعبان من السنة الخامسة للهجرة (ديسمبر ٦٢٦ م) . وبعد

стр. 2303

المعركة ازدحم على الماء رجلان أحدهما أجير لعمر بن الخطاب، وهو «جهجاه بن سعيد» ، والثاني حليف بني عون بن الخزرج، وهو سنان الجهني وتضاربا. فقال جهجاه يا للمهاجرين، وقال سنان يا للأنصار، فاجتمع عليهما المتسرعون من المهاجرين والأنصار حتى كادوا يقتتلون، وأوشكت أن تقوم الفتنة بين المهاجرين والأنصار. فلمّا سمع رسول الله (ص) الصراخ، خرج مسرعا يقول: «ما بال دعوى الجاهلية» ؟ فأخبروه الخبر، فصاح غاضبا: «دعوا هذه الكلمة، فإنّها فتنة» وأدرك الفريقين، فهدّأ من ثورتهما، وكلّم المضروب حتّى أسقط حقّه وبذلك سكنت الفتنة، وتصافي الفريقان. ولكن عبد الله بن أبيّ عزّ عليه أن تنطفئ هذه الشرارة قبل أن تحدث حريقا بين المسلمين، وأن تموت هذه الفتنة قبل أن تذهب بما في صفوف المسلمين من وحدة وائتلاف، فأخذ يهيّج من معه من الأنصار، ويثير ضغينتهم ضدّ المهاجرين، وجعل يقول في أصحابه: «والله ما رأيت كاليوم مذلّة. لقد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منّتنا، والله ما عدنا وجلايب قريش هذه إلّا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك.. «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ» يقصد بالأعز نفسه، وبالأذلّ رسول الله (ص) . ثم أقبل ابن أبيّ على من حضره من قومه يلومهم ويعنّفهم فقال: «هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم في بلادكم، وأنزلتموهم منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتّى استغنوا. أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير بلادكم. ثمّ لم ترضوا ما فعلتم حتّى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا، فقتلتم دونهم، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا على من حوله حتّى ينفضّوا» . وكان في القوم زيد بن أرقم، وهو يومئذ غلام لم يبلغ الحلم، أو قد بلغ حديثا، فنقل كلام ابن أبيّ إلى الرسول (ص) ، فتغيّر وجه رسول الله (ص) ، وتأثّر من معه من المهاجرين والأنصار، وشاع في الجيش ما قاله ابن أبيّ، حتّى ما كان للناس حديث غيره، وقال عمر للنبيّ (ص) : يا رسول الله مر بلالا فليقتله، وهنا

стр. 2304

ظهر النبيّ (ص) - كدأبه- بمظهر القائد المحنّك والحكيم البعيد النظر، إذ التفت إلى عمر وقال: «فكيف إذا تحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» ؟ ولكنه قدّر في الوقت نفسه أنه إذا لم يتّخذ خطة حازمة فقد يستفحل الأمر. لذلك أمر أن يؤذّن في الناس بالرحيل، في ساعة لم يكن يرتحل فيها المسلمون. وترامى الى ابن أبيّ ما بلغ النبيّ (ص) عنه، فأسرع الى حضرته ينفي ما نسب إليه ويحلف بالله ما قاله ولا تكلّم به، ولم يغيّر ذلك من قرار النبيّ بالرحيل. قال ابن اسحق: «فلمّا استقلّ رسول الله (ص) وسار، لقيه أسيد بن الحضير، فحيّاه بتحية النبوّة وسلم عليه، ثمّ قال: يا نبيّ الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها. فقال رسول الله (ص) : أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال: وأيّ صاحب يا رسول الله؟ قال: عبد الله بن أبيّ. قال وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. قال أسيد: فأنت يا رسول الله، والله، تخرجه منها إن شئت، هو، والله، الذليل وأنت العزيز، في عزّ من الرحمن ومنعة المسلمين. قال أسيد: يا رسول الله ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك، وإنّ قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا. ثمّ مشى رسول الله (ص) بالناس يومهم ذاك حتّى أمسى، وليلتهم حتّى أصبح، وصدر يومهم ذاك حتّى آذتهم الشمس ثمّ نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياما. وإنّما فعل ذلك رسول الله ليشغل الناس عن كلام عبد الله بن أبيّ. ونزلت سورة (المنافقون) في ابن أبيّ، ومن كان على مثل أمره. ولمّا نزلت السورة قال رسول الله (ص) : يا غلام، إنّ الله قد صدّقك وكذّب المنافقين. ولما ظهر كذب عبد الله بن أبيّ، قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب الى رسول الله يستغفر لك، فلوى رأسه وقال: أمرتموني أن أؤمن فأمنت، وأمرتموني أن أزكّي مالي فزكّيت، وما بقي إلّا أن أسجد لمحمد، فنزل فيه قوله تعالى:

стр. 2305

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) . وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ما كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله، إنّه قد بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه فإن كنت لا بدّ فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني، وإنّي أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلا مؤمنا بكافر، فأدخل النار فقال رسول الله (ص) بل نترفّق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا. مع السورة وصفت الآيات الأربع الأولى من السورة رياء المنافقين، وكشفت خداعهم: إنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويسارعون بالشهادة لله سبحانه بالوحدانية ولمحمد (ص) بالرسالة، وهم كاذبون في هذه الشهادة، لأنّها لا تطابق عقيدتهم، ولا توافق ما يضمرونه في قلوبهم [الآية ١] . وكانوا يحلفون بالله كذبا، ويتحصّنون بهذا الإيمان، وبئست أفعال الرجال، الكذب والأيمان الفاجرة [الآية ٢] . لقد تكرّر نفاقهم، وطبع الله على قلوبهم، فلا ينفذ إليهم الهدى والإيمان [الآية ٣] . وكان فيهم أقوام صباح الوجوه، أشدّاء البنية، فصحاء الألسنة فإذا تكلّموا أعجبوا السّامع بكلامهم المعسول، ولكنّ واقعهم لا يوافق ظاهرهم وإن عداوتهم ضاربة، فاحذرهم واتّق جانبهم في حياتك «١» ، فإنهم سيلقون مصيرهم المحتوم بالهلاك والنكال [الآية ٤] . وتشير الآيات [٤- ٨] إلى ما حدث من عبد الله بن أبيّ بن سلول، في أعقاب غزوة بني المصطلق، وقد مرّت قصتها. ولمّا انكشف أمره، دعاه الناس ليستغفر له الرسول الأمين، فأعرض ولوى وجهه، خوفا من مواجهة الرسول بالحقيقة. [الآية ٥] .

стр. 2306

وكان ابن أبيّ قد طلب من بعض الأنصار أن يمسكوا نفقتهم ومساعدتهم عن المهاجرين، حتّى ينفضّوا عن النبيّ الكريم، فذكر القرآن أنّ خزائن الله عامرة، وخيره لا ينفد، وهو الرزّاق ذو القوّة المتين [الآية ٧] . وكان ابن أبيّ يبيّت كيدا مع أتباعه، ويتوعّد بأن يخرج النبيّ من المدينة ذليلا فبيّن الله سبحانه أنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين بالإيمان، وبمساعدة الرحمن، وبعون الله القويّ المتين ولكنّ المنافقين لا يفقهون هذه المعاني الكريمة [الآية ٨] . أمّا المقطع الأخير في السورة، ويشمل الآيات [٩- ١١] ، فإنّه يتوجّه إلى المؤمنين بالنداء ألّا تشغلهم أموالهم ولا أولادهم عن تذكّر ربهم، والقيام بحقّه، جلّ وعلا، ومرضاته، وتأمرهم بالصدقة والزكاة وعمل الخير، فالله باعث الرزق، وله الحمد في الأولى والاخرة. فأنفق أيّها الإنسان وأنت صحيح ولا تمهل، حتّى إذا بلغت الروح الحلقوم تمنيت العودة للدنيا، لإخراج الصدقة وعمل الصالحات ولكن الأجل إذا جاء لا يتأخّر لحظة، بل يساق الإنسان الى الخبير العليم، جزاء ما قدّم. وهكذا تختم السورة بهذه الدعوة إلى الإخلاص لله سبحانه، وامتثال أوامره، فهو، جلّت قدرته، مطّلع وشاهد، وهو الحكيم العادل. المعنى الاجمالي للسورة قال الفيروزآبادي: معظم مقصود السورة: تقريع المنافقين وتبكيتهم، وبيان ذلّهم وكذبهم، وذكر تشريف المؤمنين وتبجيلهم، وبيان عزّهم وشرفهم، والنهي عن نسيان ذكر الحقّ تعالى، والغفلة عنه، والإخبار عن ندامة الكفّار بعد الموت، وبيان أنه لا تأخير ولا إمهال بعد حلول الأجل، في قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١) .

стр. 2307

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المنافقون» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة «المنافقون» بعد سورة الحجّ، وكان نزولها بعد غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة من الهجرة، فتكون من السّور التي نزلت فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [الآية ١] وتبلغ آياتها إحدى عشرة آية. الغرض منها وترتيبها نزلت هذه السورة، فيما كان من مؤامرة المنافقين على المهاجرين، في رجوعهم من غزوة بني المصطلق وذلك أنهم تأمروا على إخراجهم من المدينة بعد رجوعهم إليها، وكان زيد بن أرقم قد حضر مؤامرتهم فأخبر النبيّ (ص) بها. فلمّا بلغهم ذلك ذهبوا إليه، فأنكروها على عادتهم، فنزلت هذه السورة لفضح مؤامرتهم، وتصديق زيد بن أرقم. ولا شك في أنّ سياقها، في هذا، سياق سورة الجمعة والسور المذكورة قبلها، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعد سورة الجمعة. مؤامرة المنافقين على المهاجرين الآيات [١- ١١] قال الله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١)

стр. 2308

فكذّبهم في ذلك ثمّ ذكر سبحانه أنهم يتخذون هذه الأيمان الكاذبة وقاية لهم ثمّ ذكر أنّ من يراهم تعجبه أجسامهم، فإذا خبرهم وجدهم كالخشب المسنّدة في عدم العقل، وهم جبناء يحسبون كلّ صيحة عليهم ثم ذكر ما كان من مؤامرتهم حينما نهوا من حضرهم من الأنصار أن ينفقوا على المهاجرين حتّى ينفضّوا من المدينة، واتّفقوا على أنّهم إذا رجعوا إليها يخرجونهم منها ثمّ نهى المؤمنين أن تلهيهم أموالهم وأولادهم كما ألهت أولئك المنافقين، وأن ينفقوا ممّا رزقهم، سبحانه، ولا يسمعوا لهم، حتّى لا يأتي أحدهم الموت فيتمنّى لو يتأخّر أجله، ليتدارك ما فاته من الصدقة: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١) .

стр. 2309

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المنافقون» «١» أقول: وجه اتّصالها بما قبلها: أنّ سورة الجمعة ذكر فيها المؤمنون، وهذه ذكر فيها أضدادهم، وهم المنافقون. ولهذا أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة: أنّ رسول الله (ص) كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة، يحرّض بها المؤمنين، وبسورة «المنافقون» يفزّع بها المنافقين. وتمام المناسبة: أنّ السورة التي بعدها فيها ذكر المشركين والسورة التي قبل الجمعة فيها ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى «٢» والتي قبلها، وهي الممتحنة فيها ذكر المعاهدين من المشركين «٣» والتي قبلها، وهي الحشر فيها ذكر المعاهدين من أهل الكتاب «٤» ، فإنّها نزلت في بني النضير، حين نبذوا العهد وقوتلوا. وبذلك اتّضحت المناسبة في ترتيب هذه السور الستّ هكذا، لاشتمالها على أصناف الأمم، وفي الفصل بين المسبّحات بغيرها «٥» لأنّ إيلاء سورة المعاهدين من أهل الكتاب بسورة المعاهدين من المشركين أنسب من

стр. 2310

غيره. وإيلاء سورة المؤمنين بسورة المنافقين أنسب من غيره. فظهر بذلك أن الفصل بين المسبّحات التي هي نظائر لحكمة دقيقة من لدن حكيم خبير، فلله الحمد على ما فهّم وألهم. هذا وقد ورد عن ابن عباس في ترتيب النزول: أنّ سورة «التغابن» نزلت عقب الجمعة «١» ، وتقدّم نزول سورة «المنافقون» فما فصل بينهما إلّا لحكمة، والله أعلم.

стр. 2311

المبحث الرابع مكنونات سورة «المنافقون» «١» ١- لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [الآية ٧] . وأيضا: ٢- لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [الآية ٨] . قيل نزلت هاتان الآيتان حكاية على لسان عبد الله بن أبيّ بن سلول. كما أخرجه البخاري «٢» وغيره، عن زيد بن أرقم.

стр. 2312

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «المنافقون» «١» قال تعالى: خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [الآية ٤] ويقرأ بعضهم «الخشب» . وقال تعالى: لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ [الآية ٥] لأن كلام العرب إذا كان في السّخريّ أو في التكثير قيل (لوّى لسانه) و «رأسه» . وخفّف بعضهم، واحتج بقول الله : لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ [النساء: ٤٦] .

стр. 2313

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «المنافقون» «١» إن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [الآية ١] ؟ قلنا: لو قال تعالى: قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يشهد إنهم لكاذبون، لكان يوهم أنّ قولهم هذا كذب، وليس المراد أن شهادتهم هذه كذب، بل المراد أنهم كاذبون في غير هذه الشهادة. وقال أكثر المفسّرين: إنه تكذيب لهم في هذه الشهادة، لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا، ولم يعتقدوا أنه رسول الله بقلوبهم، فسمّاهم كاذبين لذلك، فعلى هذا يكون ذلك تأكيدا. فإن قيل: المنافقون ما برحوا على الكفر، فلم قال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [الآية ٣] ؟ قلنا: معناه ذلك الكذب الذي حكم عليهم به، أو ذلك الإخبار عنهم بأنّهم ساء ما كانوا يعملون، بسبب أنهم آمنوا بألسنتهم ثُمَّ كَفَرُوا [الآية ٣] بقلوبهم فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [الآية ٣] كما قال تعالى في وصفهم: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) [البقرة] الثاني: أن المراد به أهل الرّدّة منهم. فإن قيل: لم قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [الآية ٤] ولم يقل هي العدو؟ قلنا: عَلَيْهِمْ هو ثاني مفعولي يحسبون تقديره: يحسبون كل صيحة واقعة عليهم أي: لجبنهم وهلعهم،

стр. 2314

فالوقف على قوله تعالى عَلَيْهِمْ وقوله سبحانه: هُمُ الْعَدُوُّ ابتداء كلام. وقيل إن المفعول الثاني هو قوله تعالى هُمُ الْعَدُوُّ ولكن تقديره: يحسبون أهل كل صيحة عليهم هم العدو، الأول أظهر بدليل عدم نصب العدوّ.

стр. 2315

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «المنافقون» «١» في قوله تعالى: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) استعارة. والمراد بخزائن السماوات والأرض مواضع أرزاق العباد، من مدارّ السحاب، ومخارج الأعشاب، وما يجري مجرى ذلك من الأرفاق. وقال بعضهم: المراد بالخزائن، هاهنا، مقدورات الله سبحانه، لأنّ فيها كلّ ما يشاء إخراجه من مصالح العباد. ومنافع البلاد. وقد مضى الكلام على هذا المعنى فيما تقدّم.
следующие страницы →