← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

التقاء نفسين وقلبين وروحين وبتعبير شامل التقاء إنسانين، تربط بينهما حياة مشتركة، وآمال مشتركة، وآلام مشتركة، ومستقبل مشترك، يلتقي في الذّرّيّة المرتقبة، ويتقابل في الجيل الجديد، الذي ينشأ في العشّ المشترك، الذي يقوم عليه الوالدان حارسين لا يفترقان» . وقد حظيت تشريعات الأسرة بعناية القرآن والسّنّة، والفقه الإسلامي والدراسات الإسلامية. وندرك، من روح الدين الإسلامي ومن تشريعاته، رغبته في استقرار الأسرة، واستمرار الرابطة الزوجية. «وقد أحاط الإسلام رابطة الزوجية بكل الضمانات التي تكفل استقرارها واستمرارها، وفي سبيل هذه الغاية يرفعها إلى مرتبة الطاعات، ويعين على قيامها بمال الدولة للفقراء والفقيرات، ويفرض الآداب التي تمنع التبرّج والفتنة، كي تستقرّ العواطف ولا تلتفّ القلوب على هتاف المتبرّجة ويفرض حد الزنا واحد القذف، ويجعل للبيوت حرمتها بالاستئذان عليها، والاستئذان بين أهلها في داخلها» . وفي كتب الصّحاح حشد رائع من الأحاديث النبوية الشريفة تتضمن التوصية بالنساء، وإحسان معاملتهن، وتطييب خواطرهنّ وتجعل طاعة المرأة لزوجها فريضة، ومحافظتها على بيته وسرّه وأولاده حقّا واجبا، ورعايتها لما تحت يدها أمانة وتحثّ الزوجين على تقوية الروابط بينهما، والتعاون من أجل وحدة الهدف واستبقاء الحياة الزوجية، وتربية الأبناء والذّرّيّة، فيقول النبي (ص) : «استوصوا بالنساء خيرا» . ويقول ﵊: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته. الرجل راع وهو مسؤول عن رعيّته، والمرأة في بيت زوجها راع وهي مسؤولة عن رعيّتها.. وكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته» . الطلاق نزل القرآن الكريم من عند العليم الخبير، البصير بالنفوس وطبائعها، والعواطف وجموحها، والغرائز وتكوينها فقد تصاب سفينة الحياة الزوجية ببعض الصّدمات والاضطرابات، وعندئذ يوصي القرآن الرجل بالتريّث والترقّب، وعدم اتّباع الهوى ونزوات الغضب.

стр. 2347

فإذا اشتد الخلاف بين الزوجين، وكثر النزاع بينهما، فلا مانع من التّفاهم بالمعروف على نقاط الخلاف، ودراسة أسباب النزاع، ليتعرّف كلّ طرف على ما يؤلمه من الطرف الاخر، وهذه المعرفة يمكن أن تكون وسيلة عملية إلى أن يتجنّب كلّ طرف ما يؤلم شريك حياته، أو يخفف من هذه الآلام وهذا نوع من استدامة العشرة أو تحمل المسيرة. فإذا لم يجد التفاهم الشخصيّ بين الزوجين، وتفاقمت الأمور وتحوّلت إلى النّفور والنشوز، والرّغبة في الإعراض والفرار، فليس الطلاق أوّل خاطر يهدي اليه الإسلام، بل لا بدّ من محاولة يقوم بها الآخرون، وتوفيق يحاوله أهل الخبرة والتجربة، أو أهل العلم والمعرفة بشئون الحياة الزوجية، أو بعض الأقارب المحنّكين. قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) [النساء] . وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨] . وفي نصوص القرآن والسنة والآثار ما يحضّ على استبقاء الحياة الزوجية، والقناعة والرّضا، وعدم التطلّع إلى الآخرين. قال تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [الحجر: ٨٨] . ويقول النبي (ص) «إن الله لا يحبّ الذوّاقين ولا الذوّاقات، فإذا تزوّجتم فلا تطلّقوا» . وجاء رجل إلى سيّدنا عمر ﵁، يريد أن يطلّق زوجته، فسأله عمر عن السبب، فقال الرجل إنّي لا أحبّها، فقال له عمر: أو كلّ البيوت تبنى على الحبّ؟ فأين التذمّم وأين الوفاء؟ أي إنك أعطيت زوجتك أملا وعهدا صادقا، وذمّة بأن تكون لك، فاتق الله في هذا العهد، وهذه الذمة، وهذا الأمل فلا تهدم بيتك بيدك، ولا تخيّب آمالا تعلّقت بك. وقد سمّى الله الزواج ميثاقا غليظا، ثمّ حثّ على حسن العشرة، أو على الفراق بالمعروف، والإحسان إلى الزوجة ومكارمتها، وترك بعض الأموال والمهر تطييبا لخاطرها، وتعويضا لها عمّا أصابها من أضرار.

стр. 2348

قال تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) [النساء] . مع السورة ممّا شرعه الله تعالى للحدّ من الطلاق، أنه سبحانه لم يبح الطلاق في كل وقت، بل أمر بالصبر والتريث والانتظار فقد يكون الرجل واقعا تحت تأثير غضب جامح، أو نزوة عارضة. كما أنّ المرأة إنسان مرهف الإحساس في حاجة إلى التلطّف وحسن المعاملة. ويتمثّل ذلك فيما يأتي: ١- ينبغي أن يكون الطلاق في طهر لم تجامع فيه المرأة حتّى تستقبل عدّتها بدون تطويل عليها. ٢- ينبغي أن تقيم المرأة في بيت الزوجية، فهو بيتها ما دامت على ذمّة الزوج، ولا يجوز خروجها منه إلّا في حالة الضرورة، بأن يترتّب على بقائها في البيت نزاع لا يطاق، أو إساءة لأهل الزوج، أو ارتكاب لذنوب كبيرة. ٣- أباح الله للزوج مراجعة زوجته في فترة العدّة، ولعلّ في بقائها في بيت زوجها ما يجعله يعدل عن الطلاق ثمّ إنّ القلوب بيد الله تعالى، وهو سبحانه مقلّب القلوب. قال تعالى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) . ٤- إذا أتمّت المرأة عدّتها فيجب أن يمسكها الزوج بالمعروف، أو يفارقها بالمعروف ولا بدّ من الإشهاد على الطلاق أو الرّجعة، حتّى تكون الحياة بين الزوجين ناصعة نزيهة. ٥- حثّ القرآن على التّقوى ومراقبة الله تعالى، وإدراك أنّ الرزق بيده سبحانه والمال رزق، والتوفيق رزق، وينبغي أن يكون المؤمن متوكلّا على الله في كلّ حال فهو مقدّر الأمور وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) فلكلّ حياة ولكلّ أمر قدر، وكلّ شيء مقدّر بمقداره، وبزمانه وبمكانه وبملابساته، وبنتائجه وأسبابه، وليس شيء مصادفة، وليس شيء جزافا في هذا الكون كلّه، وفي نفس الإنسان وحياته.

стр. 2349

٦- لقد بيّن القرآن في سورة البقرة عدّة المطلّقة، بأنها ثلاث حيضات، فإذا حاضت المرأة ثلاث مرات تأكّدت من خلوّ رحمها من الحمل، ويباح لها الزواج بعد مدة العدة. قال تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] وفي الآية الرابعة من سورة الطلاق بيان عدة المرأة التي لا تحيض، إمّا لصغر سنّها أو لكبر سنّها فالمرأة قبل البلوغ لا تحيض، وبعد سن الخمسين سنة لا ينزل عليها الحيض. ومثل هذه المرأة عدّتها ثلاثة أشهر، أمّا المرأة الحامل فعدّتها وضع الحمل. وتتخلّل آيات الطلاق دعوة الى تقوى الله، وبيان أنّ هذه الأحكام من عند الله، ومن يتّق الله ويطع أوامره ويحسن معاملة الطرف الاخر، فله أجر عظيم، وثواب كبير. ٧- وتفيد الآيتان ٦ و ٧ أنّ الزوجة في فترة العدة لا تزال على ذمة الزوج، ولذلك يجب أن تسكن في سكن مناسب لحالة الزوج، ولا يصحّ أن يحتال الزوج لينزل ضررا بزوجته ومهما طالت فترة الحمل فيجب على الزوج أن يساهم في نفقة الحامل حتّى تضع حملها، وفي فترة الرضاعة يجب على الزوج أن يساهم في نفقة الرضاعة، ودفع أجرتها للأم، وهذه النفقة تقدّر بحال الزوج ويساره أو إعساره. وبذلك وضع القرآن أصولا يلتزمها كلّ إنسان، فالفقير ينفق حسب حالته، والغني ينفق ممّا أعطاه الله، والأرزاق بيد الله فهو سبحانه الميسّر، وهو الرزّاق ذو القوّة المتين، قال تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) . ٨- وقد عالجت السورة كل أنواع الكيد والحيل في إصابة الشريك بالأذى عند إنهاء الحياة الزوجية، بقوله تعالى وَلا تُضآرُّوهُنَّ وهذا القول يشمل كل أنواع العنت التي لا يحصرها نصّ قانوني مهما اتّسع وفي الحديث الشريف: «لا ضرر ولا ضرار» ، وهو أصل عامّ ينهى المؤمن عن ضرر الناس، فضلا عن إضراره بمن كانت زوجة له.

стр. 2350

وتفيد السورة أنّ الرزق بيد الله، وأنّ الأمل في وجه الله وبذلك تنتهي الحياة الزوجية بالأدب الجميل الرفيع، وبالأمل في استئناف حياة أفضل وأيسر سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) . وفي ختام سورة الطلاق تعرض السورة عددا من المؤثرات العاطفية تظهر فيها قدرة الله وجلاله، فإن تغلّب شريك على شريكه الاخر، أو استطاع أن يظلمه، فليتذكر قدرة الله وعقابه للظالمين. لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدرا ... الظّلم شيمته يفضي إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم [فالآيات ٨- ١٢] وإن كانت في غير موضوع الطلاق، إلّا أنّها تعزف على نغمة مؤثّرة، وتهتف بالقلوب حتّى ترقّ، وبالأفئدة حتّى ترعى جلال الله فالله تعالى أخذ القرى واحدة بعد أخرى، عند ما كذّبت برسلها وقد ساق القرآن هذه العبرة في مصير الذين عتوا عن أمر ربّهم ورسله، فلم يسمعوا ولم يستجيبوا، لتذكّر الناس بالمصير البائس الذي ينتظر من لا يتّقي ولا يطيع، كما تذكّرهم بنعمة الله على الناس في إرسال الرسل، وإنزال التشريع لهداية البشر، وإخراجهم من الظلمات الى النور. ١٠- والآية الاخيرة في السورة تشير إلى قدرة الله العالية الذي خلق السماوات السبع والأرضين السبع، وهو العليم بما يناسب كلّ المخلوقات والموجودات في السماء والأرض. ثمّ إنّ هذه الأحكام موكولة الى الضمائر، واليقين الجازم بسعة علم الله، واطّلاعه على جميع أفعال العباد. وهكذا تختتم السورة بما يدعو القلوب إلى الإخبات والإنابة فسبحان الحكيم العليم، الذي أحسن كلّ شيء خلقه، وهو الخبير بما يناسب عباده، والمطّلع على خفايا القلوب، وهو عليم بذات الصدور. المعنى الإجمالي للسورة قال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة الطلاق ما يأتي: بيان طلاق السّنّة، وأحكام العدّة، والتوكّل على الله في الأمور، وبيان نفقة النساء حال الحمل والرضاعة، وبيان عقوبة المعتدين وعذابهم، وأنّ التكليف على

стр. 2351

قدر الطاقة، وللصالحين الثواب والكرامة، وبيان إحاطة العلم والقدرة في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) .

стр. 2352

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الطلاق» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الطلاق بعد سورة الإنسان. ونزلت سورة الإنسان بعد سورة الرحمن، ونزلت سورة الرحمن فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك. فيكون نزول سورة الطلاق في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الآية ١] وتبلغ آياتها اثنتي عشرة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السّورة بيان أحكام الطلاق والعدّة، وكان المشركون يأخذون في ذلك بشرائع جائرة في حقّ النّساء، فنزلت هذه السّورة بإنصافهنّ في طلاقهنّ وعدّتهنّ، وتحذير المشركين من الإصرار على شرائعهم الجائرة في هذا وغيره وبهذا يكون سياق هذه السّورة قريبا من سياق السّور السّابقة، وتظهر المناسبة في ذكرها بعد سورة التغابن. حكم الطلاق والعدة الآيات [١- ١٢] قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ

стр. 2353

فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) فذكر سبحانه أحكام الطلاق والعدّة في سبع آيات من هذه السّورة وذكر، ﷻ ، في خلالها من الوعيد على مخالفتها ما ذكر، ثمّ ختم ذلك بذكر ما حصل للقرى السابقة حينما عتت عن أمر ربها من شدّة الحساب، ونكر العذاب، وخسر العاقبة، ليحذّرهم مخالفة ما ذكره من الأوامر والأحكام وليتّقي هذا، أولو الألباب من المؤمنين ثم ذكر تعالى أنه قد أنزل إليهم، بهذا، ما فيه شرف لهم، لأنه يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، وأنّ من يؤمن به، ويعمل صالحا يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، قد أحسن الله له رزقا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) .

стр. 2354

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الطلاق» «١» أقول: لمّا وقع في سورة التغابن: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ [الآية ١٤] ، وكانت عداوة الأزواج تفضي إلى الطلاق، وعداوة الأولاد قد تفضي إلى القسوة، وترك الإنفاق عليهم، عقّب ذلك بسورة فيها ذكر أحكام الطلاق، والإنفاق على الأولاد والمطلّقات بسببهم.

стр. 2355

المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «الطلاق» «١» قال تعالى: قَدْراً (٣) وقرأ بعضهم (قدرا) وهما لغتان. وقال تعالى: مِنْ وُجْدِكُمْ [الآية ٦] و «الوجد» : المقدرة ومن العرب من يكسر في هذا المعنى فأما «الوجد» إذا فتحت الواو فهو «الحبّ» . وهو في المعنى، والله أعلم، «أسكنوهنّ من حيث سكنتم ممّا تقدرون عليه» . وقال تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الآية ١٢] بجعل (الأرض) جماعة، كما تقول: «هلك الشاة والبعير» وأنت تعني جميع الشاء وجميع الإبل.

стр. 2356

المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «الطلاق» «١» إن قيل: لم قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الآية ١] أفرد الخطاب أولا، ثمّ جمعه ثانيا؟ قلنا: أفرد سبحانه النبيّ (ص) أولا بالخطاب، لأنه إمام أمّته وقدوتهم، إظهارا لتقدّمه ورئاسته، وأنه وحده في حكم كلّهم، وسادّ مسدّ جميعهم. الثاني: أن معناه: يا أيّها النبي قل لأمّتك إذا طلّقتم النساء. فإن قيل: لم قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. ونحن نرى كثيرا من الأتقياء مضيّقا عليهم رزقهم؟ قلنا معناه: يجعل له مخلّصا من هموم الدنيا والاخرة. وعن النبيّ (ص) أنّه قال: مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة. وقال ابن عبّاس ﵄: ينجيه من كلّ كرب في الدنيا والاخرة. والصحيح أنّ هذه الآية عامّة، وأنّ الله يجعل لكلّ متّق مخرجا من كلّ ما يضيق على من لا يتّقي، ولذا قال النبيّ (ص) «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ [الآية ٢] . وجعل يقرأها ويعيدها» وأمّا تضييق رزق الأتقياء، فهو مع ضيقه وقلّته، يأتيهم من حيث لا يأملون ولا يرجون وتقليله لطف بهم ورحمة، ليتوفّر حظّهم في الاخرة ويخفّ حسابهم، ولتقلّ عوائقهم عن الاشتغال بمولاهم، ولا يشغلهم الرخاء والسّعة عمّا خلقوا له من الطاعة

стр. 2357

والعبادة، ولهذا اختار الأنبياء والأولياء والصّدّيقون الفقر على الغنى. فإن قيل لم قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الآية ٣] ، أي من يتق به فيما نابه كفاه الله شرّ ما أهمّه، وقد رأينا كثيرا من الناس يتوكّلون على الله في بعض أمورهم وحوائجهم، ولا يكفون همّها؟ قلنا: محال أنّه يتوكل على الله حقّ التوكّل ولا يكفيه همّه، بل ربما قلق وضجر واستبطأ قضاء حاجته بقلبه أو بلسانه أيضا، ففسد توكّله وإليه الإشارة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ [الآية ٣] أي نافذ حكمه، يبلغ ما يريده ولا يفوته مراد، ولا يعجزه مطلوب، وبقوله تعالى: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) أي جعل لكل شيء، من الفقر والغنى، والمرض والصحة، والشدة والرخاء، ونحو ذلك، أجلا، ومنتهى ينتهي إليه لا يتقدّم عنه ولا يتأخّر. فإن قيل: قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الآية ٤] ، علّقه بشكّنا مع أنّ عدّتهنّ ذلك سواء أوجد شكّنا أم لا؟ قلنا: المراد بالشّكّ الجهل بمقدار عدة الآيسة والصغيرة، وإنما علّق به لأنّه، لمّا نزل بيان عدّة ذوات الأقراء في سورة البقرة، قال بعض الصحابة ﵃: قد بقي الكبار والصغار لا ندري كم عدّتهنّ، فنزلت هذه الآية على هذا السبب، فلذلك جاءت مقيّدة بالشّكّ والجهل. فإن قيل: إذا كانت المطلّقة طلاقا بائنا تجب لها النفقة عند بعض العلماء، فما الحكمة في قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ [الآية ٦] ؟ قلنا: الحكمة فيه، أن لا يتوهّم أنه إذا طالت مدّة الحمل بعد الطلاق حتّى مضت مدّة عدّة الحائل، سقطت النفقة فنفى سبحانه هذا الوهم، بقوله: حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الآية ٦] . فإن قيل: لم قال هنا: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) ، وقال تعالى في موضع آخر: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) [الشرح] فكيف التوفيق بينهما؟ قلنا: المراد بقوله تعالى «مع» بعده لأنّ الضّدّين لا يجتمعان. فإن قيل: لم قال تعالى:

стр. 2358

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فنسب العتوّ إليها، وقال تعالى فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها بلفظ الماضي، مع أنّ الحساب والعذاب المرتّبين على العتوّ، إنّما هما في الاخرة لا في الدنيا؟ قلنا: معناه عتا أهلها، وإنّما جيء به على لفظ الماضي تحقيقا له وتقريرا، لأنّ المنتظر من وعد الله تعالى ووعيده آت لا محالة، وما هو كائن فكأنّه قد حصل، ونظيره قوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ [الأعراف: ٥٠] وما أشبهه.

стр. 2359

سورة التّحريم ٦٦

стр. 2360

المبحث الأول أهداف سورة «التحريم» «١» سورة التحريم سورة مدنية، آياتها ١٢ آية، نزلت بعد سورة الحجرات. شاء الله، سبحانه، أن يكون الرسول بشرا به قوّة الإنسان، وتجارب الإنسان، ومحاولات الإنسان، وضعف الإنسان، لتكون سيرة هذا الرسول الإنسان نموذجا عمليا للمحاولة الناجحة، يراها ويتأثّر بها من يريد القدرة الميسّرة العملية الواقعية، التي لا تعيش في هالات، ولا في خيالات. وهذه السورة فيها عتاب للرسول الأمين على تحريمه ما أحل الله له، ولو كتم النبيّ (ص) من أمر القرآن شيئا لكتم هذا العتاب. إن هذا القرآن كتاب الحياة بكلّ ما فيها، وقد شاء الله أن يواكب الوحي حياة الرسول الأمين، فيبارك الخطوات الناجحة، ويقوّم ما يحتاج الى تقويم، وبذلك تكون القدوة في متناول الناس، قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (٢١) . لقد عاتب القرآن رسول الله في قبوله الفداء من أسرى بدر، وفي إذنه للمخلّفين بالقعود عن الجهاد، وفي إعراضه عن الأعمى الذي ألحّ في السؤال، وفي تحريمه ما أحلّ الله له. كما عرض القرآن جوانب القوّة والجهاد والتربية والسلوك للنبيّ الأمين، وجعل حياته الخاصة والعامة كتابا مفتوحا لأمّته وللبشريّة كلّها، تقرأ فيه صورة العقيدة، وترى فيه تطبيقاتها

стр. 2361

الواقعية، ومن ثمّ لا يجعل فيها سرّا مخبوءا ولا سترا مطويّا، بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن، ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العاديّ، حتّى مواضع الضعف البشريّ، الذي لا حيلة فيه لبشر، بل إنّ الإنسان ليكاد يلمح القصد في كشف هذه المواضع في حياة الرسول (ص) للناس. إن حياة الرسول ملك للدعوة، وهي الصورة المنظورة الممكنة التطبيق من العقيدة، وقد جاء ليعرضها للناس في شخصه وفي حياته، كما يعرضها بقوله وفعله، ولهذا خلق، ولهذا جاء، لتكون السّنّة هي ما أثر عن الرسول (ص) من قول أو فعل أو تقرير، وليكون هو النموذج العمليّ الملموس في دنيا الناس، يتعرّض للأحزان، ويموت ابنه، ويصاب في غزوة أحد، وتنتشر الإشاعات عن زوجته عائشة، ويعيب المنافقون عليه بعض الأمور، لتكون الصورة كاملة للإنسان بكلّ ما فيه، وليكون الوحي بعد ذلك فيصلا، ودليلا هاديا في ما ينبغي سلوكه في هذه الحياة. قصة التحريم تزوّج النبيّ (ص) تسع نساء لحكم إلهية، ولتكون هذه الزوجات مبلّغات لشئوون الوحي في ما يخصّ النساء. وقد قضى النبيّ صدر حياته مع خديجة، وكان عمره، عند زواجه منها، ٢٥ سنة وعمرها أربعين، وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنوات، ولم يتزوّج غيرها في حياتها، وكان وفيا لذكراها، وقد ماتت خديجة وعمره خمسون عاما. ثم تزوّج النبيّ عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر وأمّ سلمة، وقد مات زوجها شهيدا فضم النبي إليه عيالها من أبي سلمة وتزوجها وزينب بنت جحش زوج مولاه ومتبنّاه زيد، ليكون ذلك تشريعا للناس في إباحة زواج الإنسان من زوجة ابنه المتبنّى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) [الأحزاب] . ولمّا تزوّج النبيّ جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، أعتق الصحابة أقاربها وأسلم أهلها، وكانت أيمن

стр. 2362

امرأة على قومها ثمّ تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مهاجرة إلى الحبشة، ثمّ ارتدّ زوجها وتنصّر، فخطبها النبيّ، وجاءت من الحبشة إلى المدينة ثمّ تزوّج، إثر فتح خيبر صفيّة بنت حيي بن أخطب زعيم بني النضير وكانت آخر زوجاته ميمونة بنت الحارث بن حزن، وهي خالة خالد بن الوليد وعبد الله بن عبّاس. وكانت لكل زوجة من أزواجه (ص) قصة وسبب في زواجه منها، ولم يكن معظمهنّ شابّات، ولا ممن يرغب فيهنّ الرجال لجمال، وكلّ نسائه قد سبق لهن الزواج ما عدا عائشة، فقد كانت البكر الوحيدة بين نسائه. وقد أنجب النبيّ (ص) جميع أبنائه من خديجة، فقد رزق منها صبيّين وأربع بنات، وقد مات الصبيان في صدر حياته، وبقيت البنات الى ما بعد الرسالة ثم ماتت ثلاث من بناته في حياته، وهن: رقيّة وزينب وأمّ كلثوم، وعاشت فاطمة ﵂ ستة أشهر بعد وفاة أبيها (ص) . ولم ينجب ﵊ من زوجة أخرى غير خديجة. وكان المقوقس ملك مصر قد أهدى إليه جاريتين هما مارية وسيرين، فتسرّى بمارية، وأهدى سيرين إلى حسّان بن ثابت. ولما كانت مارية جارية، لم يكن لها بيت بجوار المسجد، فكان بيتها في عوالي المدينة، في المحلّ الذي يقال له الآن مشربة أمّ إبراهيم، وقد رزق النبي منها بمولود ذكر سمّاه إبراهيم تيمّنا بإبراهيم الخليل (ع) . وقد ماتت خديجة والنبيّ في الخمسين، ولم يرزق بمولود من نسائه جميعا طوال عشر سنوات، ثمّ رزق إبراهيم وقد تخطّى إلى الستّين، ففاضت نفسه بالمسرّة، وامتلأ قلبه الإنساني الكبير أنسا وغبطة، وارتفعت مارية بهذا الميلاد في عينيه الى مكانة سمت بها عن مقام مواليه إلى مقام أزواجه، وزادت عنده حظوة وقربا. كان طبيعيا أن يدسّ ذلك، في نفوس سائر زوجاته، غيرة تزايدت أضعافا بأنها أمّ إبراهيم، وبأنهنّ جميعا لا ولد لهنّ، وكان النبيّ (ص) يتردّد كل يوم على إبراهيم، ويحمله بين يديه، ويفرح لابتسامته البريئة، ويسرّ بنموّه وجماله. وكانت المرأة في الجاهلية تسام

стр. 2363

الخسف صغيرة، وتمسك على الذّل كبيرة، فلمّا جاء الإسلام حرّم وأد البنات، وسما بالمرأة إلى منزلة عالية، ووصّى النبي بالنساء خيرا، وعامل نساءه معاملة حسنة، وجعل لنسائه من المكانة ما لم يكن معروفا قط عند العرب. قالت عائشة ﵂: «كان النبي، إذا خلا بنسائه، ألين الناس، وأكرم الناس، ضحاكا بسّاما» . تحريم مارية حدث أن جاءت مارية القبطية من عوالي المدينة إلى رسول الله، وكانت حفصة في زيارة لبيت أبيها، فدخلت مارية في حجرة حفصة، وأقامت بها وقتا مع النبي (ص) ، وعادت حفصة فوجدت مارية في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها وهي أشدّ ما تكون غيرة، وجعلت كلّما طال بها الانتظار تزداد الغيرة بها شدّة، فلمّا خرجت مارية ودخلت حفصة قالت يا نبيّ الله «لقد جئت إليّ شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك بمثله، في يومي وفي دوري وعلى فراشي» . قال: «ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها» قالت: بلى، فحرّمها وقال: «لا تذكري ذلك لأحد» فذكرته لعائشة، فأظهره الله ، فأنزل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [الآية ١] ، فبلغنا أن النبيّ (ص) كفّر يمينه وأصاب جاريته. تحريم العسل روى البخاري عن عائشة قالت كان النبي (ص) ، يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيّتنا دخل عليها، فلتقل له: أكلت مغافير «١» ؟ إني أجد منك ريح مغافير، قال: «لا، ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدا» .. فهذا هو ما حرّمه على نفسه وهو حلال له، وقد نزل بشأنه: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [الآية ١] . ويبدو أنّ التي حدّثها الرسول (ص)

стр. 2364

هذا الحديث وأمرها بستره، قالته لزميلتها، ثم اطلع الله رسوله على حديثهما. قال ابن جرير الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرمه النبيّ (ص) على نفسه شيئا كان الله قد أحلّه له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون كان شرابا من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك غير أنّه أيّ ذلك كان، فإنّه كان تحريم شيء كان له حلالا، فعاتبه الله على تحريمه على نفسه» . النبيّ (ص) يهجر نساءه كان من جراء هذا الحادث، وهو تحريم مارية أو تحريم العسل، وما كشف عنه من مكايدات في بيت الرسول (ص) ، أن غضب النبي، فالى من نسائه لا يقربهن شهرا، وهمّ بتطليقهنّ، ثمّ نزلت هذه السورة وقد هدأ غضبه (ص) فعاد إلى نسائه. روى الإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، أن ابن عبّاس سأل عمر عن المرأتين اللتين قال الله تعالى لهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [الآية ٤] فقال عمر: هما عائشة وحفصة، ثم قال عمر: كنّا معشر قريش قوما نغلب النساء فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، قال عمر: فبينما أنا في أمر، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا كذا، فقلت لها: ومالك أنت، ولم هاهنا وما تكلّفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجبا لك يا ابن الخطّاب؟ ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله (ص) حتّى يظل يومه غضبان، وإن أزواج رسول الله (ص) ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل قال: فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت أتراجعين رسول الله (ص) حتّى يظلّ يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنّا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله، يا بنيّة لا يغرّنك هذه التي أحذّرك عقوبة حسنها وحب رسول الله (ص) إيّاها. واعتزل رسول الله (ص) نساءه شهرا، منقطعا عنهنّ في مشربة منعزلة، واستأذن عمر على رسول الله (ص) ثلاث مرّات حتّى أذن له، قال عمر: فدخلت، فسلّمت على رسول الله (ص) ، فإذا هو متّكئ على رمل حصير قد أثّر في جنبه، فقلت:

стр. 2365

أطلّقت يا رسول الله نساءك، فرفع رأسه إليّ وقال: لا، فقلت: الله أكبر، ولو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فغضبت علي امرأتي يوما، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي (ص) ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟ فتبسّم رسول الله (ص) ، فقلت يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرّنك أن كانت جارتك هي أوسم أو أحبّ إلى رسول الله (ص) منك، فتبسّم أخرى، فقلت: استأنس يا رسول الله؟ قال: نعم فجلست، فرفعت رأسي في البيت فو الله ما رأيت في البيت شيئا يردّ البصر إلّا هيبة مقامه، فقلت ادع الله يا رسول الله أن يوسّع على أمّتك فقد وسّع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال: أفي شكّ أنت يا ابن الخطّاب؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدنيا. فقلت استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم ألا يدخل عليهنّ شهرا، من شدّة موجدته عليهنّ. اصطفاء الرسول (ص) يقول تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) [الحج] . لقد اصطفى الله سبحانه محمدا (ص) ليبلّغ الرسالة الأخيرة للناس، واختاره إنسانا تتمثّل فيه العقيدة الإسلامية بكلّ خصائصها، وتتجسّم فيه بكل حقيقتها «ويكون هو بذاته وبحياته الترجمة الصحيحة الكاملة لطبيعتها واتجاهها، إنسانا قد اكتملت طاقاته الإنسانية كلّها، ضليع التكوين الجسدي، قويّ البنية، سليم البناء، صحيح الحواسّ، يقظ الحس، يتذوّق المحسوسات تذوقا كاملا سليما، وهو في الوقت ذاته حيّ العاطفة والطبع، سليم الحساسية، يتذوق الجمال، منفتح للتلقّي، والاستجابة، وهو في الوقت ذاته كبير العقل، واسع الفكر، فسيح الأفق، قويّ الارادة، يملك نفسه ولا تملكه ثمّ هو، بعد ذلك كلّه، النبيّ الذي تشرق روحه بالنور الكلّيّ، والذي

стр. 2366

تطيق روحه الإسراء والمعراج، والذي ينادى من السماء، والذي يرى نور ربّه، والذي تتصل حقيقته بحقيقة كلّ شيء في الوجود من وراء الأشكال والظواهر، فيسلم عليه الحصى والحجر، ويحنّ له الجذع، ويرتجف به جبل أحد ثمّ تتوازن في شخصيته هذه الطاقات كلّها، فإذا هي التوازن المقابل لتوازن العقيدة التي اختير لها» . مع السورة ١: حرّم النبي (ص) مارية القبطية على نفسه، أو حرم العسل على نفسه، مرضاة لزوجاته وتنزّل وحي السماء، يفيد أنّ ما أحلّه الله لا ينبغي أن يحرّمه الإنسان. ٢: أباح الله للإنسان إذا حرّم حلالا أو أقسم على يمين ورأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ثم يكفّر عن يمينه. ٣: أخبر النبي (ص) حفصة بتحريم مارية، وأنّ أبا بكر وعمر يليان أمر هذه الأمة من بعده، وأمرها أن تكتم ذلك، ولكنّها لم تكتمه، وأخبرت به عائشة، وعلم النبيّ بذلك، فلام حفصة على إفشاء سرّه، وأخبرها أنّه لم يعلم هذا السر من عائشة، ولكن من العليم الخبير. ٤: أدّبت السورة عائشة وحفصة، وبيّنت أنّ التامر وإفشاء السر مؤلم للنبي، ومقلق لهذا القلب الكبير وهذا أمر يستحقّ التوبة والإنابة ثمّ بيّنت أنّ إيلام النبيّ أمر كريه، وسيرتدّ الكيد على صاحبه، لأنّ النبيّ معه قوة غالبة يكفي أنّ معه الله والملائكة وصالح المؤمنين. ٥: هدّد الله نساء النبيّ بالطلاق، وبأن يعوّضه الله منهنّ بنساءهنّ المثل العليا في القنوت والعبادة والتوبة والجمال وقد أثمر هذا التهديد ثمرته، فعادت نساؤه إلى الطاعة والخضوع، واستأنف النبيّ حياته متفرّغا لرسالته، وتبليغ دعوته ومرضاة ربّه، قرير العين في بيته ومع أسرته. والآيات ترسم صورة من الحياة البيتية لهذا الرجل الذي كان ينهض بإنشاء أمّة، وإقامة دولة، على غير مثال معروف، وعلى غير نسق مسبوق، أمة تنهض بحمل أمانة العقيدة الإلهية في صورتها الأخيرة، وتنشئ في الأرض مجتمعا ربّانيّا في صورة واقعية يتأسّى بها الناس.

стр. 2367

وفي ظلال هذا الحادث، تهيب الآيات ٦- ٩: بالذين آمنوا ليؤدّوا واجبهم في بيوتهم، من التربية والتوجيه والتذكير، فيقوا أنفسهم وأهليهم النار، ويرسم لهم مشهدا من مشاهدها، وحال الكفار عندها. ثمّ تجدّد الدعوة إلى التوبة النصوح، وتصور لهم الجنّة التي تنتظر التائبين ثمّ تدعو النبي (ص) إلى جهاد الكفار والمنافقين وحماية المجتمع الإسلامي من الداخل والخارج. فالآيات الأولى [١- ٥] : دعوة لتوبة نساء النبيّ وحماية بيته ونفسه. والآيات التالية [٦- ٩] : دعوة لتوبة المؤمنين ومحافظتهم على تربية أولادهم وبناتهم، لأنّ الأسرة هي قوام المجتمع. ثمّ تجيء الجولة الثالثة والأخيرة، وكأنّها التكملة المباشرة لتهديد عائشة وحفصة، فقد تحدّثت الآيات [١٠- ١٢] عن امرأة نوح (ع) وامرأة لوط (ع) ، كمثل للكفر في بيت مؤمن، وهو تهديد مستتر لكلّ زوجة تخون زوجها وتخون رسالته ودعوته، فلن ينجيها من العذاب أنّ أقرب الناس إليها نبيّ رسول، أو داعية كريم، ولا يضرّ المرأة المؤمنة أن يكون أقرب الناس إليها طاغية جبّارا، أو ملكا متسلّطا معتدّا وقد ذكرت امرأة فرعون كمثل للإيمان في بيت كافر، وجعلت السورة في ختامها نموذجا رفيعا للمرأة المؤمنة، يتمثّل في آسية (ع) امرأة فرعون التي استعلت على المال والملك والجاه والسلطان، ورغبت في ما عند الله. ويتمثّل في مريم ابنة عمران (ع) ، المتطهّرة المؤمنة القانتة المصدقة بكلمات ربّها وكتبه. وبذلك نجد المرأة في ركب الإيمان، ويتحدّث القرآن عنها كنموذج للخير يتمثّل في أمّ موسى (ع) ، وفي أم عيسى (ع) ، وفي بلقيس التي أسلمت لله رب العالمين، وفي امرأة فرعون التي زهدت في ملك فرعون، ورغبت في ثواب الله ربّ العالمين. المعنى الإجمالي للسورة قال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة التحريم ما يأتي: عتاب الرسول (ص) في التحريم والتحليل، قبل ورود وحي سماويّ، وتعيير الأزواج الطّاهرات على إيذائه

стр. 2368

وإظهار سرّه، والأمر بالتحرّز والتجنّب من جهنّم، والأمر بالتوبة النصوح، والوعد بإتمام النور في القيامة، والأمر بجهاد الكفار بطريق السياسة، ومع المنافقين بالبرهان والحجّة، وبيان أن القرابة غير نافعة بدون الإيمان والمعرفة، وأنّ قرب المفسدين لا يضرّ مع وجود الصدق والإخلاص، والخبر عن صدق إيمان امرأة فرعون، وتصديق مريم بقوله تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) .

стр. 2369

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التحريم» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة التحريم بعد سورة الحجرات، ونزلت سورة الحجرات فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة التحريم في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [الآية ١] ، وتبلغ آياتها اثنتي عشرة آية. الغرض منها وترتيبها نزلت هذه السورة في ما كان من عائشة وحفصة حين شرب النبي (ص) عسلا عند زينب بنت جحش، فتواطأتا وقالتا له: إنّا نشمّ منك ريح المغافير. وهو جمع مغفر، أو مغفر، أو مغفور، أو مغفار، أو مغفير، وهو شيء ينضحه الثّمام «٢» يشبه العسل، وريحه كريهة منكرة. فلمّا سمع منهما ذلك حرّم العسل على نفسه، فنزلت هذه السورة لعتابه على تحريم ما أحلّ الله له، وتهديد نسائه بطلاقهنّ إن لم يتبن عن هذه الغيرة فيما بينهنّ والمناسبة بين هذه السورة وسورة الطلاق أنّها في شأن النساء أيضا. قصة التحريم الآيات [١- ١٢] قال الله تعالى:

стр. 2370

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) ، فعاتب النبي (ص) على تحريم العسل الذي أحلّه له ابتغاء مرضاة أزواجه، وذكر، سبحانه، أنه شرع لهم أن يتحلّلوا من أيمانهم بالكفّارة، ليتحلّل النبيّ (ص) من يمينه ويعود إلى شرب العسل وكان النبيّ (ص) قد أسرّ إلى حفصة بتحريمه لئلّا يحرّمه أصحابه على أنفسهم اقتداء به، فأخبرت به عائشة، وأطلعه الله على إفشائها سرّه ثم ذكر، جلّ وعلا، لهما أنهما إن يتوبا ممّا فعلا كان خيرا لهما لأنّ قلوبهما مالت عن الحق بما فعلا، وأنهما إن يستمرّا على تظاهرهما على النبي (ص) ، فإنه، جلّ شأنه، هو مولاه وجبريل والمؤمنون والملائكة، وعسى، إن طلقهنّ، أن يبدله أزواجا خيرا منهن ثم انتقل السياق منهنّ إلى المؤمنين عامّة، فأمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم من مثل هذا نارا وقودها الناس والحجارة، وذكر سبحانه أنه يقال لوقودها من الكفّار: لا تعتذروا اليوم، إنما تجزون ما كنتم تعملون ثم أمرهم أن يتوبوا إليه تعالى توبة نصوحا ليكفّر عنهم سيئاتهم ويدخلهم جناته، ويجعل لهم نورا يسعى بين أيديهم وأيمانهم، فيقولوا ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا، إنّك على كل شيء قدير. ثم أمر النبي (ص) بمجاهدة الكفّار والمنافقين لئلّا تشغله تلك الأمور من نسائه عنها، وضرب مثلا لنسائه امرأة نوح وامرأة لوط حين خانتا زوجيهما، فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، ليحذرن هذا المصير إذا اخترن أن يتظاهرن على النبي (ص) . وضرب لهنّ مثلا آخر في الترغيب بعد الترهيب، اثنتين من المؤمنات السابقات: إحداهما، امرأة فرعون حينما طلبت منه، ﷻ ، أن يبني لها بيتا في الجنّة وينجيها من فرعون وقومه والثانية، مريم ابنة عمران، وقد ختمت السورة بها فقال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) .

стр. 2371

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التحريم» «١» أقول: هذه السورة متاخية مع التي قبلها بالافتتاح بخطاب النبي (ص) ، وتلك مشتملة على طلاق النساء، وهذه على تحريم الإيلاء. وبينهما من المناسبة ما لا يخفى. ولمّا كانت تلك في خصام نساء الأمّة، ذكر في هذه خصومة نساء النبي (ص) إعظاما لمنصبهنّ أن يذكرن مع سائر النسوة، فأفردن بسورة خاصة، ولهذا ختمت بذكر امرأتين في الجنة: آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران.

стр. 2372

المبحث الرابع مكنونات سورة «التحريم» «١» ١- لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [الآية ١] . هي سرّيّته مارية. كما أخرجه الحاكم، والنّسائي من حديث أنس، والبزّاز من حديث ابن عبّاس، والطبراني من حديث أبي هريرة، والضّياء في «المختارة» من حديث عمر «٢» . ٢- وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ [الآية ٣] . هي حفصة. ٣- حَدِيثاً [الآية ٣] . هو تحريم مارية. كما في الأحاديث المذكورة. ٤- عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [الآية ٣] . قال مجاهد: الذي عرّف أمر مارية،

стр. 2373

وأعرض عن قوله: «إنّ أباك وأباها يليان الناس بعدي» «١» مخافة أن يفشو. أخرجه ابن أبي حاتم. ٥- إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ [الآية ٤] . ٦- وَإِنْ تَظاهَرا [الآية ٤] . هما عائشة وحفصة، كما في «الصحيح» «٢» عن عمر، لمّا سأله ابن عبّاس عنهما. ٧- وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [الآية ٤] . قال النبيّ (ص) : «أبو بكر وعمر» أخرجه الطبراني في «الأوسط» من حديث ابن مسعود «٣» ، وأخرجه أيضا عن ابن عمر وابن عبّاس موقوفا، وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن الضّحّاك وغيره. وأخرج عن سعيد بن جبير، قال: نزلت في عمر خاصّة. ٨- امْرَأَتَ نُوحٍ [الآية ١٠] . والعة. ٩- وَامْرَأَتَ لُوطٍ [الآية ١٠] . والهة.

стр. 2374

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «التحريم» «١» ١- وقال تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً [الآية ٣] . أقول: ودلّت (بعض) على الواحد، وهي نظير قوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ [الشعراء] . ٢- وقال تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [الآية ٤] . الخطاب إلى الاثنين، والفاعل جمع، وهذا شيء عرفناه في لغة التنزيل، اقتضته حكمة وبلاغة. ٣- وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [الآية ٨] . وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي، والنصح صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا بها على طريقها متداركة للفرطات، ماحية للسيئات. أقول: وهذا أسلوب من أساليب البلاغة العربية في الصفات والموصوفات.

стр. 2375

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «التحريم» «١» قال: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [الآية ٤] بجعل الفاعل جماعة، لأنهما اثنان من اثنين. وقال: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ [الآية ١٢] وامْرَأَتَ فِرْعَوْنَ [الآية ١١] على: «وضرب الله امرأة فرعون ومريم مثلا» .

стр. 2376

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «التحريم» «١» إن قيل: قوله تعالى: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [الآية ٤] ، إن كان المراد به الفرد فأيّ فرد هو، وأيضا فإنه لا يناسب مقابلة الملائكة الذين هم جمع وإن كان المراد به الجمع، فلماذا لم يكتب في المصحف بالواو؟ قلنا: هو فرد أريد به الجمع كقولك: لا يفعل هذا الفعل الصالح من الناس، تريد به الجنس كقولك: لا يفعله من صلح منهم، وقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) [المعارج] ، وقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) [العصر] ، وقوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [الحاقة: ١٧] ، وقوله تعالى: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر: ٦٧] ونظائره كثيرة. الثاني أنه يجوز أن يكون جمعا، ولكنه كتب في المصحف بغير واو على اللفظ، كما جاءت ألفاظ كثيرة في المصحف على اللفظ دون اصطلاح الخط. فإن قيل: لم قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) ولم يقل ظهراء، وهو خبر عن الجمع، وهم الملائكة؟ قلنا: هو فرد وضع موضع الجمع كما سبق. الثاني: اسم على وزن المصدر كالزميل والدبيب والصليل، فيستوي فيه الإفراد والتثنية والجمع. الثالث: أن فعيلا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، بدليل قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) [ق] .

стр. 2377

فإن قيل: قوله تعالى بعد ذلك تعظيم للملائكة ومظاهرتهم، وقد تقدّمت نصرة الله تعالى وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله سبحانه أعظم؟ قلنا: مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله تعالى، فكأنّه فضل نصرته بهم على سائر وجوه نصرته لفضلهم وشرفهم، ولا شكّ أنّ نصرته بجميع الملائكة أعظم من نصرته بجبريل وحده، أو بصالح المؤمنين. فإن قيل: كيف قال تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ [الآية ٥] إلى آخر الآية، فأثبت الخيريّة لهنّ باتصافهنّ بهذه الصفات، وإنّما تثبت لهن الخيريّة بهذه الصفات لو لم تكن تلك الصفات ثابتة في نساء النبي (ص) وهي ثابتة فيهن؟ قلنا: المراد به «خيرا» منكن في حفظ قلبه ومتابعة رضاه، مع اتصافهن بهذه الصفات المشتركة بينكنّ، وبينهنّ. فإن قيل: لم أخليت الصفات كلها عن الواو، وأثبتت بين الثيبات والأبكار؟ قلنا: لأنهما صفتان متضادتان لا تجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات، فلم يكن بد من الواو، ومن جعلها واو الثمانية فقد سها، لأن واو الثمانية لا يفسد الكلام بحذفها بخلاف هذه. فإن قيل: هذه الصفات إنما ذكرت في معرض المدح، وأي مدح في كونهن ثيّبات؟ قلنا التثييب مدح من وجه، فإن الثّيب أقبل للميل بالنقل، وأكثر تجربة وعقلا، والبكارة مدح من وجه، فإنها أطهر وأطيب وأكثر مراغبة وملاعبة. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) ، بعد قوله سبحانه: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ؟ قلنا: قيل: المراد بالأمر الأول الأمر بالعبادات والطاعات، وبالأمر الثاني الأمر بتعذيب أهل النار، وقيل هو تأكيد. فإن قيل: لم قال تعالى: تَوْبَةً نَصُوحاً [الآية ٨] ولم يقل توبة نصوحة؟ قلنا: لأن «فعولا» من أوزان المبالغة الذي يستوي في لفظه الذكور والإناث كقولهم: امرأة صبور وشكور ونحوهما.

стр. 2378

فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: مِنْ عِبادِنا [الآية ١٠] بعد قوله تعالى: كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ [الآية ١٠] . قلنا: مدحهما والثناء عليهما بإضافتهما إليه إضافة التشريف والتخصيص، كما في قوله تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ [الفرقان: ٦٣] وقوله تعالى: فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) [الفجر] وهو مبالغة في المعنى المقصود، وهو أن الإنسان لا ينفعه إلا صلاح نفسه لا صلاح غيره، وإن كان ذلك الغير في أعلى مراتب الصلاح والقرب من الله تعالى. فإن قيل: لم قال تعالى: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) ولم يقل سبحانه من القانتات؟ قلنا: معناه كانت من القوم القانتين: أي المطيعين لله تعالى، يعني رهطها وأهلها، فكأنه تعالى قال: وكانت من بنات الصالحين. وقيل إن الله تعالى لمّا تقبلها في النذر وأعطاها مرتبة الذكور الذين كان لا يصلح النذر إلّا بهم، عاملها معاملة الذكور، في بعض الخطاب إشارة إلى ذلك، وقال تعالى: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) [آل عمران] وقال تعالى: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) ، أو رعاية للفواصل.

стр. 2379

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «التحريم» «١» في قوله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [الآية ٤] استعارة ومعنى صغت قلوبكما: أي مالت وانحرفت. قال النضر بن شميل «٢» : يقال قد صغوت إليه وصغيت، وصغيت، وأصغيت إليه، وهو الكلام. ولم تمل قلوبهما على الحقيقة، وإنما اعتقد قلباهما خلاف الاستقامة في إطاعة النبي (ص) ، فحسن أن يوصف بميل القلبين من هذا الوجه. وذلك كقول القائل: قد مال إلى فلان قلبي: إذا أحبّه. وقد نفر عن فلان قلبي إذا أبغضه. والقلب في الأمرين جميعا بحاله، لم يخرج عن نياطه، ولم يزل عن مناطه. وإنما قال سبحانه: قلوبكما، والخطاب مع امرأتين، لأن كل شيئين من شيئين تجوز العبارة عنهما بلفظ الجمع في عادة العرب. قال الراجز «٣» :

стр. 2380

ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور التّرسين وقال الله سبحانه في موضع آخر: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] وإنما أراد سبحانه قطع يمين السارق، ويمين السارقة. وذلك مشهور في اللغة. وفي قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [الآية ٨] استعارة. لأن «نصوحا» من أسماء المبالغة. يقال: رجل نصوح. إذا كان كثير النصح لمن يستنصحه. وذلك غير متأتّ في صفة التوبة على الحقيقة. فنقول: إن المراد بذلك، والله أعلم، أنّ التوبة لمّا كانت بالغة غاية الاجتهاد في تلافي ذلك الذّنب، كانت كأنها بالغة غاية الاجتهاد في نصح صاحبها، ودلالته على طريق النجاة بها. فحسن أن تسمّى «نصوحا» من هذا الوجه. وقال بعضهم: النّصوح: هي التوبة التي يناصح الإنسان فيها نفسه، ويبذل مجهوده في إخلاص الندم، والعزم على ترك معاودة الذنب. وقرأ أبو بكر بن عياش «١» عن عاصم «٢» : (نصوحا) بضم النون. على المصدر. وقرأ بقية السبعة (نصوحا) بفتح النون على صفة التوبة. وفي قوله سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما [الآية ١٠] استعارة: لأن وصف المرأة بأنها تحت الرجل ليس يراد به حقيقة الفوق والتّحت، وإنما المراد أنّ منزلة المرأة منخفضة عن منزلة الرجل، لقيامه عليها، وغلبته على أمرها. كما قال سبحانه:

стр. 2381

الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: ٣٤] . وكما يقول القائل: فلان الجندي تحت يدي فلان الأمير. إذا كان من شحنة عمله، أو متصرّفا على أمره. وكما يقول الاخر: لا آخذ رزقي من تحت يدي فلان. إذا كان هو الذي يلي إطلاق رزقه، وتوفية مستحقّه، وذلك مشهور في كلامهم.

стр. 2382

سورة الملك ٦٧

стр. 2383

المبحث الأول أهداف سورة «الملك» «١» سورة الملك سورة مكية، آياتها ٣٠ آية، نزلت بعد سورة الطور. لها من اسمها أكبر نصيب. إنها سورة تعرض بركات الله في هذه الدنيا، وقدرته العالية، وحكمته السامية: فهو الخالق الرزاق المهيمن، المدبّر الحكيم المبدع الذي أبدع كل شيء خلقه. وتلفت السورة نظر الإنسان الى خلق الأرض، وخلق السماء والطير والرزق، والسمع والأبصار، والموت والحياة، والزرع والثمار، والماء والهواء والفضاء. وتحثّ القلب على التفكير والتأمّل، والنظر في ملكوت السماوات والأرض، وتهيج فيه البحث والاستنباط ليصل بنفسه الى التعرف على قدرة الله وجلاله، وسابغ فضله على الناس أجمعين. مطلع السورة مطلع السورة مطلع جامع يهزّ القلب هزّا، وينبّه إلى بركات الله ونعمه وقدرته. تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) . وعن حقيقة الملك والقدرة، تتفرّع مختلف الصور التي عرضتها السورة، ومختلف الحركات المغيبة والظاهرة، التي نبّهت القلوب إليها. «فمن الملك ومن القدرة كان خلق

стр. 2384

الموت والحياة، وكان الابتلاء بهما، وكان خلق السماوات وتزيينها بالمصابيح، وجعلها رجوما للشياطين، وكان إعداد جهنّم بوصفها وهيئتها وخزنتها، وكان العلم بالسّرّ والجهر، وكان جعل الأرض ذلولا للبشر، وكان الخسف والحاصب والنكير على المكذّبين، وكان إمساك الطير في السماء، وكان القهر والاستعلاء، وكان الرزق كما يشاء، وكان الإنشاء، وهبة السمع والأبصار والأفئدة، وكان الخلق في الأرض والحشر، وكان الاختصاص بعلم الاخرة، وكان عذاب الكافرين، وكان الماء الذي به الحياة فكل حقائق السورة وموضوعاتها مستمدة من ذلك المطلع ومدلوله الشامل الكبير» «١» . مع آيات السورة [الآية ١] : تبدأ السورة بتمجيد الله سبحانه، بقوله: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ فهو ﷻ كثير البركة تفيض بركته على عباده، وهو المالك المهيمن على الخلق، وهو القادر قدرة مطلقة بلا حدود ولا قيود، يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد، وهو على كلّ شيء قدير. [الآية ٢] : ومن آثار قدرته، سبحانه، أنه خلق الموت السابق على الحياة واللاحق بها، والحياة التي تشمل الحياة الأولى والحياة الاخرة، ليمتحن الإنسان بالوجود والاختيار والعقل والكسب، حتّى يعمل في الحياة الأولى ليرى جزاء عمله في الحياة الاخرة. [الآية ٣] : يوجّه القرآن النظر إلى خلق السماوات السبع، ويذكر أنها طبقات على أبعاد متفاوتة، وليس في خلقها خلل ولا اضطراب، وانظر إليها بعينيك فهل تستطيع أن تجد بها نقصا أو عيبا؟ [الآية ٤] : تأمّل كثيرا في هذا الكون وشاهد عجائبه، فلن تجد فيه إلّا الإبداع والتنسيق، والضبط والإحكام. [الآية ٥] : لقد رفع الله السماء الدنيا، وخلق فيها الكواكب والنجوم زينة للسماء، وهداية للمسافرين، وهذه النجوم منها الباهر الزاهر والخافت، والمفرد والمجتمع ولكلّ نجم مكان ومسار وطريق خاص، وهذه النجوم منها شهب تنزّل على الشياطين الذين

стр. 2385

يحاولون استراق السمع، والتنصّت على كلام الملائكة، فيرجمون بالشهب التي تقتلهم أو تخبلهم. [الآية ٦] : ومن كفر بالله فإنه يستحقّ عذاب جهنّم، وبئس هذا المصير. [الآية ٧] : إن جهنّم تتميّز غيظا ممّن عصى الله، وتغلي وتفور حنقا على الكفّار. [الآية ٨] : كلّما ألقي جماعة من الكفّار في النار، سألهم خزنة جهنّم: ألم يأتكم رسول ينذركم هول هذا اليوم؟ [الآية ٩] : ويجيب الكفّار بأن الرسول قد جاءنا، ولكن العمى أضلّنا فكذّبنا بالرسول، وقلنا ما أنزل الله من وحي ولا رسالة، واتّهمنا الرسول بالضلال والكذب. [الآية ١٠] : ولو حكّمنا عقلنا وسمعنا، لاهتدينا إلى الحقّ وآمنّا، وحفظنا أنفسنا من هذا الهلاك ومن هذا العذاب. [الآية ١١] : لقد جاء هذا الاعتراف بالذنب متأخّرا في غير وقته، فسحقا وعذابا لأصحاب جهنّم، حيث لا يؤمنون إلّا بعد فوات الأوان. [الآية ١٢] : إنّ المؤمن يحسّ رقابة الله عليه، ويخشى عقابه وإن لم يره بعينه، أو يخشى ربّه وهو في خفية عن الأعين غائبا عن الناس. وله مغفرة لذنبه وأجر كبير جزاء عمله. [الآية ١٣] : ما يفعله العبد مكشوف ظاهر أمام الله، وسيّان أجهرتم بأقوالكم، أم أسررتم بها، فالله مطلع عليها. [الآية ١٤] : ألا يعلم الخالق الأشياء التي خلقها؟ وهو سبحانه عالم بخفيّات الأمور ودقائقها، وهو اللطيف الخبير. [الآية ١٥] : ثم ينتقل بهم السياق من ذوات أنفسهم إلى الأرض التي خلقها الله لهم وذلّلها، وأودعها أسباب الحياة. فهذه الأرض تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة، ثم تدور حول الشمس بسرعة حوالى خمسة وستين ألف ميل في الساعة. ومع هذه السرعة يبقى الإنسان على ظهرها آمنا مستريحا مطمئنّا. وقد جعل الله الهواء المحيط بالأرض محتويا للعناصر التي تحتاج إليها الحياة بالنسب الدقيقة اللازمة،
следующие страницы →