← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: ٣٤] . وكما يقول القائل: فلان الجندي تحت يدي فلان الأمير. إذا كان من شحنة عمله، أو متصرّفا على أمره. وكما يقول الاخر: لا آخذ رزقي من تحت يدي فلان. إذا كان هو الذي يلي إطلاق رزقه، وتوفية مستحقّه، وذلك مشهور في كلامهم.

стр. 2382

سورة الملك ٦٧

стр. 2383

المبحث الأول أهداف سورة «الملك» «١» سورة الملك سورة مكية، آياتها ٣٠ آية، نزلت بعد سورة الطور. لها من اسمها أكبر نصيب. إنها سورة تعرض بركات الله في هذه الدنيا، وقدرته العالية، وحكمته السامية: فهو الخالق الرزاق المهيمن، المدبّر الحكيم المبدع الذي أبدع كل شيء خلقه. وتلفت السورة نظر الإنسان الى خلق الأرض، وخلق السماء والطير والرزق، والسمع والأبصار، والموت والحياة، والزرع والثمار، والماء والهواء والفضاء. وتحثّ القلب على التفكير والتأمّل، والنظر في ملكوت السماوات والأرض، وتهيج فيه البحث والاستنباط ليصل بنفسه الى التعرف على قدرة الله وجلاله، وسابغ فضله على الناس أجمعين. مطلع السورة مطلع السورة مطلع جامع يهزّ القلب هزّا، وينبّه إلى بركات الله ونعمه وقدرته. تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) . وعن حقيقة الملك والقدرة، تتفرّع مختلف الصور التي عرضتها السورة، ومختلف الحركات المغيبة والظاهرة، التي نبّهت القلوب إليها. «فمن الملك ومن القدرة كان خلق

стр. 2384

الموت والحياة، وكان الابتلاء بهما، وكان خلق السماوات وتزيينها بالمصابيح، وجعلها رجوما للشياطين، وكان إعداد جهنّم بوصفها وهيئتها وخزنتها، وكان العلم بالسّرّ والجهر، وكان جعل الأرض ذلولا للبشر، وكان الخسف والحاصب والنكير على المكذّبين، وكان إمساك الطير في السماء، وكان القهر والاستعلاء، وكان الرزق كما يشاء، وكان الإنشاء، وهبة السمع والأبصار والأفئدة، وكان الخلق في الأرض والحشر، وكان الاختصاص بعلم الاخرة، وكان عذاب الكافرين، وكان الماء الذي به الحياة فكل حقائق السورة وموضوعاتها مستمدة من ذلك المطلع ومدلوله الشامل الكبير» «١» . مع آيات السورة [الآية ١] : تبدأ السورة بتمجيد الله سبحانه، بقوله: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ فهو ﷻ كثير البركة تفيض بركته على عباده، وهو المالك المهيمن على الخلق، وهو القادر قدرة مطلقة بلا حدود ولا قيود، يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد، وهو على كلّ شيء قدير. [الآية ٢] : ومن آثار قدرته، سبحانه، أنه خلق الموت السابق على الحياة واللاحق بها، والحياة التي تشمل الحياة الأولى والحياة الاخرة، ليمتحن الإنسان بالوجود والاختيار والعقل والكسب، حتّى يعمل في الحياة الأولى ليرى جزاء عمله في الحياة الاخرة. [الآية ٣] : يوجّه القرآن النظر إلى خلق السماوات السبع، ويذكر أنها طبقات على أبعاد متفاوتة، وليس في خلقها خلل ولا اضطراب، وانظر إليها بعينيك فهل تستطيع أن تجد بها نقصا أو عيبا؟ [الآية ٤] : تأمّل كثيرا في هذا الكون وشاهد عجائبه، فلن تجد فيه إلّا الإبداع والتنسيق، والضبط والإحكام. [الآية ٥] : لقد رفع الله السماء الدنيا، وخلق فيها الكواكب والنجوم زينة للسماء، وهداية للمسافرين، وهذه النجوم منها الباهر الزاهر والخافت، والمفرد والمجتمع ولكلّ نجم مكان ومسار وطريق خاص، وهذه النجوم منها شهب تنزّل على الشياطين الذين

стр. 2385

يحاولون استراق السمع، والتنصّت على كلام الملائكة، فيرجمون بالشهب التي تقتلهم أو تخبلهم. [الآية ٦] : ومن كفر بالله فإنه يستحقّ عذاب جهنّم، وبئس هذا المصير. [الآية ٧] : إن جهنّم تتميّز غيظا ممّن عصى الله، وتغلي وتفور حنقا على الكفّار. [الآية ٨] : كلّما ألقي جماعة من الكفّار في النار، سألهم خزنة جهنّم: ألم يأتكم رسول ينذركم هول هذا اليوم؟ [الآية ٩] : ويجيب الكفّار بأن الرسول قد جاءنا، ولكن العمى أضلّنا فكذّبنا بالرسول، وقلنا ما أنزل الله من وحي ولا رسالة، واتّهمنا الرسول بالضلال والكذب. [الآية ١٠] : ولو حكّمنا عقلنا وسمعنا، لاهتدينا إلى الحقّ وآمنّا، وحفظنا أنفسنا من هذا الهلاك ومن هذا العذاب. [الآية ١١] : لقد جاء هذا الاعتراف بالذنب متأخّرا في غير وقته، فسحقا وعذابا لأصحاب جهنّم، حيث لا يؤمنون إلّا بعد فوات الأوان. [الآية ١٢] : إنّ المؤمن يحسّ رقابة الله عليه، ويخشى عقابه وإن لم يره بعينه، أو يخشى ربّه وهو في خفية عن الأعين غائبا عن الناس. وله مغفرة لذنبه وأجر كبير جزاء عمله. [الآية ١٣] : ما يفعله العبد مكشوف ظاهر أمام الله، وسيّان أجهرتم بأقوالكم، أم أسررتم بها، فالله مطلع عليها. [الآية ١٤] : ألا يعلم الخالق الأشياء التي خلقها؟ وهو سبحانه عالم بخفيّات الأمور ودقائقها، وهو اللطيف الخبير. [الآية ١٥] : ثم ينتقل بهم السياق من ذوات أنفسهم إلى الأرض التي خلقها الله لهم وذلّلها، وأودعها أسباب الحياة. فهذه الأرض تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة، ثم تدور حول الشمس بسرعة حوالى خمسة وستين ألف ميل في الساعة. ومع هذه السرعة يبقى الإنسان على ظهرها آمنا مستريحا مطمئنّا. وقد جعل الله الهواء المحيط بالأرض محتويا للعناصر التي تحتاج إليها الحياة بالنسب الدقيقة اللازمة،

стр. 2386

فنسبة الأكسجين ٢١ في المائة، ونسبة الأزوت أو النتروجين ٧٨ في المائة، والبقيّة من ثاني أكسيد الكربون وعناصر أخرى. وهذه النسب هي اللّازمة لقيام الحياة على الأرض. وحجم الأرض وحجم الشمس وحجم القمر، وبعد الأرض عن الشمس والقمر، ذلك كلّه بنسب لازمة لاستمرار الحياة على ظهر الأرض. إن الحيوان يتنشّق الهواء فيمتصّ الأكسجين ويلفظ ثاني أكسيد الكربون، والنباتات تمتصّ ثاني أكسيد الكربون، وبكيمياء سحرية يغذّي النبات نفسه، ويلفظ الأكسجين الذي نتنفّسه، وبدونه تنتهي الحياة بعد خمس دقائق ولو كانت هذه المقايضة غير موجودة، فإن الحياة الحيوانية أو النباتية كانت تستنفد في النهاية كل الأكسجين، أو كل ثاني أكسيد الكربون تقريبا. ومتى انقلب التوازن تماما ذوى النبات، أو مات الإنسان. والأرزاق المخبوءة في جوف الأرض، من معادن جامدة وسائلة، كلّها ترجع الى طبيعة تكوين الأرض والأحوال التي لابستها، والله يتفضّل على الإنسان بتسخير الأرض والنبات والفضاء والهواء له: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الآية ١٥] وإلى الله النشور والرجوع في يوم الحساب. [الآيتان ١٦ و ١٧] : هذه الأرض الذّلول التي يأمن الإنسان عليها ويهدأ ويستريح، تتحوّل، إذا أراد الله، إلى دابّة جامحة فيها الزلازل والبراكين، كما يمكن أن ينزل الله الصواعق والعواصف الجامحة التي تعصف بالإنسان، وتدمّره: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ [الرعد: ١٣] . [الآية ١٨] : ولقد كذّب الكفّار السابقون رسلهم، فعاقبهم الله أشدّ العقاب: لقد غرق قوم نوح، وأهلكت ثمود بصاعقة، وأهلكت عاد بريح عاتية، وأهلك فرعون وقومه بالغرق في بحر القلزم (البحر الأحمر) . إنّ الإنسان قويّ بالقدر الذي وهبه الله من القوة، ولكنّ هذا الكون الهائل زمامه في يد خالقه، ونواميسه من صنعه، وما يصيب الإنسان منها مقدّر مرسوم: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) [القمر] . [الآية ١٩] : فليتأمل الإنسان أسراب الطير ترتفع وتنخفض، وتبسط أجنحتها

стр. 2387

وتقبضها، في حركة ممتعة تدعو الى التأمّل والتدبّر، فقدرة الله ممسكة بهذا الطائر، في قبضه وبسطه، والله سبحانه ييسّر له أمره، ويهيّئ وينسّق ويعطي القدرة، ويرعى كلّ شيء في كلّ لحظة، رعاية الخبير البصير. [الآية ٢٠] : من هذا الذي يحميكم من بطش الله وغضبه؟ من هذا الذي يدفع عنكم بأس الرحمن إلّا الرحمن؟ إنّ الكافر في غرور، يظنّ أنه آمن بعيد عن بطش الله به، وما هو ببعيد. [الآية ٢١] : من يرزق البشر إن أمسك الله الماء؟ أو أمسك الهواء، أو أمسك الحياة عنهم؟ إنّ بعض النفوس تعرض عن الله في طغيان وتبجّح ونفور، مع أنها تعيش عالة على الله في حياتها ورزقها. [الآية ٢٢] : ترسم الآية مشهد جماعة يمشون على وجوههم لا هدف لهم ولا طريق، ومشهد جماعة أخرى تسير مرتفعة الهامات، مستقيمة الخطوات في طريق مستقيم لهدف مرسوم. ثم تستفهم أيّهما أهدى؟ [الآية ٢٣] : لقد خلق الله الناس، وجعل لهم السمع ليسمعوا، والأبصار ليبصروا، والأفئدة ليتفكّروا في جليل قدرة الله ولكنّ الإنسان قلّما يفكّر في شكر نعمة الله عليه، وامتثال أمره واجتناب نواهيه، والاعتراف له بالفضل والمنّة. «ويذكر العلم أنّ حاسة السمع تبدأ بالأذن الخارجية، والصوت ينتقل منها إلى طبلة الأذن، ثم ينتقل إلى التّيه داخل الأذن والتيه يشتمل على أربعة آلاف قوس صغيرة، متّصلة بعصب السمع في الرأس. وفي الأذن مائة ألف خليّة سمعية، وتنتهي الأعصاب بأهداب دقيقة، دقة وعظمة تحيّر الألباب. «ومركز حاسّة الإبصار العين، التي تحتوي على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء، وهي أطراف أعصاب الإبصار، وتتكوّن العين من الصلبة والقرنية والمشيمة والشبكية، وذلك بخلاف العدد الهائل من الأعصاب والأوعية» «١» . فأمّا الأفئدة، فهي هذه الخاصّيّة التي صار بها الإنسان إنسانا، وهي قوّة

стр. 2388

الإدراك والتمييز، والمعرفة التي استخلف بها الإنسان في هذا الملك العريض. [الآية ٢٤] : إنّ ربكم هو الذي برأكم في الأرض، وبعثكم في أرجائها على اختلاف ألسنتكم وألوانكم، وأشكالكم وصوركم، وكما بدأكم يعيدكم، وإليه تحشرون وترجعون. [الآية ٢٥] : ويسألون سؤال الشاك المستريب، عن يوم الجزاء والحساب. [الآية ٢٦] : قل علم هذا اليوم عند الله، وما عليّ إلّا البلاغ والبيان أما العلم فعند صاحب العلم، والواحد بلا شريك. [الآية ٢٧] : ولو أذن الله لرأى البشر يوم الحساب واقعا لا محالة، وعند هذه المفاجأة ورؤية الحساب والجزاء، سيظهر الحزن والاستياء عليهم، وتؤنّبهم الملائكة، وتقول لهم: هذا هو اليوم الذي كنتم تستعجلون وقوعه والآية جرت على طريقة القرآن في عرض ما سيكون حاضرا مشاهدا، بمفاجأة شعورية تصويرية، توقف المكذّب والشاكّ وجها لوجه مع مشهد حاضر، لما يكذّب به أو يشكّ فيه. [الآية ٢٨] : روي أن كفّار مكّة كانوا يتربّصون بالنبيّ (ص) أن يهلك فيستريحوا منه ومن دعوته، فقال لهم القرآن: سواء أهلك النبيّ (ص) حسب أمانيّهم، أو ﵀ ومن معه، فلن يغيّر ذلك من وضعهم، لأنّ عذابا أليما ينتظرهم، ولن تجيرهم الأصنام، ولن يجيرهم من الرحمن إلّا الإيمان. [الآية ٢٩] : إنّ المؤمنين في قربى مع الرحمن، فهم يؤمنون به ويتوكّلون عليه، وهم موصولون بالله منتسبون إليه، وسيتبيّن للكافرين من الضّالّ ومن المهتدي، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والاخرة. [الآية ٣٠] : أخبروني إن ذهب ماؤكم في الأرض، ولم تصل إليه الدّلاء، من يأتيكم بماء جار نابع فائض متدفق، تشربونه عذبا زلالا. وهكذا تختم السورة بهذه اللمسة القريبة من القلب، تذكرة بفضل الله الذي أجرى المياه، ولو شاء لحرم الإنسان مصدر الحياة، ولا ينقذ الإنسان من الله إلّا الله قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات: ٥٠] .

стр. 2389

المعنى الإجمالي للسورة قال الفيروزآبادي: معظم مقصود السورة: بيان استحقاق الله تعالى الملك، وخلق الحياة والموت للتجربة والاختبار، والنظر إلى السماوات للعبرة، واشتعال النجوم والكواكب للزينة، وما أعدّ للمنكرين من العذاب والعقوبة، وما وعد به المتّقون من الثواب والكرامة، وتأخير العذاب عن المستحقّين بالفضل والرّحمة، وحفظ الطيور في الهواء بكمال القدرة، واتّصال الرزق إلى الخليقة بالنّوال والمنّة، وبيان حال أهل الضّلالة والهداية، وتعجّل الكفّار بمجيء يوم القيامة، وتهديد المشركين بزوال النعمة، بقوله جلّ وعلا: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠) . أسماء السورة لسورة «تبارك» في القرآن والسنن سبعة أسماء: «سورة «الملك» لمفتتحها، «والمنجية» لأنّها تنجي قارئها من العذاب. و «المانعة» ، لأنها تمنع قارئها من عذاب القبر. «والدافعة» لأنها تدفع بلاء الدنيا وعذاب الاخرة عن قارئها. و «الشافعة» لأنها تشفع في القيامة لقارئها، «والمجادلة» لأنها تجادل منكرا ونكيرا، فتناظرهما كي لا يؤذيا قارئها، والسابع: «المخلّصة» ، لأنها تخاصم زبانية جهنم، لئلا يكون لهم يد على قارئها» «١» . وفي شأن السورة قال رسول الله (ص) «إن سورة من كتاب الله ما هي إلّا ثلاثون آية، شفعت لرجل فأخرجته من النار وأدخلته الجنّة، وهي سورة «تبارك» «٢» .

стр. 2390

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الملك» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الملك بعد سورة الطّور، ونزلت سورة الطور بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة الملك في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) . وتبلغ آياتها ثلاثين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى، وقد جمع فيها بين دعوتهم بالدليل ودعوتهم بالترهيب والترغيب، فاتّصل سياقها بما ختمت به سورة التحريم من ترهيب المخالفين وترغيبهم وهذا هو وجه المناسبة بين السورتين. الدعوة الى الإيمان بالله تعالى الآيات [١- ٣٠] قال الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) فذكر أنّ الملك بيده وحده، وأنه على كل شيء قدير، وأنه خلق الموت والحياة ليبلونا: أيّنا أحسن عملا، وأنه خلق سبع سماوات طباقا لا تفاوت في خلقها ولا فطور، وأنه زيّن السماء الدنيا بمصابيح من الكواكب وجعلها رجوما بالغيب لشياطين الإنس، وأعدّ لهم خاصّة عذاب السعير، وأعدّ

стр. 2391

للكافرين عامّة عذاب جهنم وبئس المصير. وقد فصّل السياق من هولها ما فصّل ثمّ ذكر، سبحانه، أن الذين يخشونه لهم مغفرة وأجر كبير، ليجمع بهذا بين الترهيب والترغيب ثمّ هدّدهم بأنّه يعلم سرّهم وجهرهم، فيحاسبهم على كلّ أعمالهم واستدلّ على علمه بخلقه لهم، وأنه لطيف خبير وذكر، على سبيل التهديد أيضا، أنّه مهّد لهم الأرض وهيّأ لهم فيها أسباب الرزق، فإذا أصرّوا على كفرهم فإنهم لا يأمنون أن يخسفها بهم، أو يرسل حاصبا من الريح فيهلكهم ثمّ أكّد ذلك التخويف بالمثال والدليل، وذكر المثال في ما فعله بمن أصرّ على الكفر قبلهم، وذكر الدليل في إمساكه الطير فوقهم ثم ذكر أنه، إن أراد عذابهم، فإنه لا ينجيهم منه ما يملكون من قوّة وجند، وإن أمسك رزقه فإنه لا يرزقهم ما يتّخذون من آلهة ثم ذكر أنهم يعلمون ذلك ولكنهم يلجّون في عتوّ ونفور وأيد ما ذكره من وضوح أمرهم بتمثيل حالهم بمن يمشي مليّا على وجهه، وتمثيل حال المؤمنين بمن يمشي سويّا على صراط مستقيم، ثم عاد السياق إلى ذكر الدليل، فذكر أنه، جلّ شأنه، هو الذي أنشأهم وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأنه هو الذي ذرأهم في الأرض وإليه يحشرون. ثم ذكر أنهم يقولون على سبيل الاستهزاء متى هذا الوعد بالعذاب؟ وأمر النبي (ص) أن يجيبهم بأنّ علمه عنده، وليس عليه إلّا أن ينذرهم به، وبأنّهم حينما يرونه قريبا منهم تساء وجوههم، ويقال لهم توبيخا: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) أي تطلبون ثمّ أمره أن يخبرهم بأنه، إن مات هو ومن معه أو تأخّر أجلهم، فإنه لا بد من عذابهم، ولا أحد يجيرهم منه ثمّ ختم السورة بأمره أن يذكر لهم أنه آمن به هو ومن معه وتوكّلوا عليه وأنّهم سيعلمون من هو في ضلال مبين: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠) .

стр. 2392

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الملك» «١» أقول: ظهر لي بعد الجهد: أنه، لمّا ذكر في آخر التحريم، امرأتي نوح ولوط الكافرتين، وامرأة فرعون المؤمنة، افتتحت هذه السورة بقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الآية ٢] ، مرادا بهما الكفر والإيمان في أحد الأقوال، للإشارة إلى أن الجميع بخلقه وقدرته، ولهذا كفرت امرأتا نوح ولوط، ولم ينفعهما اتصالهما بهذين النبيّين الكريمين، وآمنت امرأة فرعون، ولم يضرّها اتصالها بهذا الجبّار العنيد، لما سبق في كلّ من القضاء والقدر. ووجه آخر: وهو أن «تبارك» متصل بقوله في آخر الطلاق: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الآية ١٢] . فزاد ذلك بسطا في هذه الآية: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) إلى قوله سبحانه: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ. [الآية ٥] وإنّما فصلت بسورة التحريم لأنّها كالتتمة لسورة الطلاق.

стр. 2393

المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الملك» «١» ١- قال تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الآية ٨] . والكلام على النار، فكأنها كالمغتاظة على أهلها لشدة غليانها بهم. وقوله تعالى: تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ، أي: تتقطّع. ويقولون: فلان يتميّز غيظا ويتقصّف غضبا. أقول: وأصل الميز التمييز بين الأشياء، ومزت الشيء أميزه: عزلته وفرزته. وفي التنزيل: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران: ١٧٩] . وامتاز القوم إذا تميّز بعضهم من بعض. أقول: وقد كنت تكلمت على قوله تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) [يس] : أي تميّزوا وانفردوا عن المؤمنين. كما تكلّمنا على الفعل في العربية المعاصرة.

стр. 2394

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الملك» «١» قال تعالى: طِباقاً [الآية ٣] وواحدها «الطبق» . وقال: خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) تقول: «خسأته» ف «خسأ» فهو خاسئ. وقال تعالى: إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ [الآية ١٩] بالجمع لأنّ «الطير» جماعة مثل قولك «صاحب» و «صحب» و «شاهد» و «شهد» و «راكب» و «ركب» . وقال تعالى: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) لأنهم كانوا يقولون، كما ورد في التنزيل: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ص: ١٦] وائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ [العنكبوت: ٢٩] حينما رأوا العذاب. وقال تعالى: ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠) أي: غائرا، ولكنه وصف بالمصدر، ومنها قولنا: «ليلة غمّ» أي: ليلة «غامّة» . وقال تعالى: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أي: إنكاري.

стр. 2395

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الملك» «١» إن قيل: ما الحكمة في تقديم الموت على الحياة في قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الآية ٢] . قلنا: إنما قدّم سبحانه الموت لأنه هو المخلوق أوّلا. قال ابن عبّاس ﵄: أراد به خلق الموت في الدنيا، والحياة في الاخرة ولو سلّم أنّ المراد به الحياة في الدنيا، فالموت سابق عليها، لقوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: ٢٨] . فإن قيل: لم قال تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [الآية ٣] ، مع أنّ في خلقه سبحانه تفاوتا عظيما، فإنّ الأضداد كلّها من خلقه ، وهي متفاوتة، والسماوات أيضا متفاوتة في الصغر والكبر والارتفاع والانخفاض، وغير ذلك؟ قلنا: المراد بالتفاوت هنا الخلل والعيب والنقصان في مخلوقه تعالى، ويؤيّده قوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) أي: من شقوق وصدوع في السماء. فإن قيل: لم قال تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [الآية ١٦] والله ليس في السماء ولا في غير السماء، بل هو سبحانه منزّه عن كل مكان؟ قلنا: من ملكوته في السماء، لأنها مسكن ملائكته ومحل عرشه وكرسيّه واللوح المحفوظ، ومنها تنزّل أقضيته وكتبه وأوامره ونواهيه.

стр. 2396

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الملك» «١» في قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) استعارة. وقد مضت لها نظائرها فيما تقدّم. والمراد بذكر اليد هاهنا استيلاء الملك وتدبير الأمر. يقال: هذه الدار في يد فلان أي في ملكه. وهذا الأمر في يد فلان أي هو المدبّر له. فمعنى بِيَدِهِ الْمُلْكُ أي: هو مالك الملك، ومدبّر الأمر. وقوله سبحانه: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) هو من الاستعارات المشهورة. والمراد بها، والله أعلم، أي: كرّر أيّها الناظر بصرك إلى السماء مفكّرا في عجائبها، ومستنبطا غوامض تركيبها، يرجع إليك بصرك بعيدا ممّا طلبه، ذليلا بفوت ما قدّره. والخاسئ في قول قوم: البعيد. من قولهم: خسأت الكلب. إذا أبعدته. وفي قول قوم هو الذليل. يقال رجل خاس أي ذليل، وقد خسي أي خضع وذلّ. والحسير: البعير المعيى، الذي قد بلغ السير مجهوده، واعتصر عوده. فتلخيص المعنى أنّ البصر يرجع بعد سروحه في طلب مراده، وإبعاده في غايات مرامه، كالّا، معيى، بعيدا من إدراك بغيته، خائبا من نيل طلبته. وفي قوله سبحانه، في صفة نار جهنّم، نعوذ بالله منها: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ، استعارتان، إحداهما:

стр. 2397

قوله تعالى: سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) والشهيق: الصوت الخارج من الجوف عند تضايق القلب من الحزن الشديد، والكمد الطويل، وهو صوت مكروه السماع. فكأنه سبحانه وصف النار بأنّ لها أصواتا مقطّعة تهول من سمعها، ويصعق من قرب منها. والاستعارة الأخرى قوله سبحانه: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ من قولهم: تغيّظت القدر: إذا اشتدّ غليانها، ثمّ صارت الصفة به مخصوصة بالإنسان المغضب. فكأنه سبحانه وصف النار، نعوذ بالله منها، بصفة المغيظ الغضبان، الذي من شأنه إذا بلغ ذلك الحدّ أن يبالغ في الانتقام، ويتجاوز الغايات في الإيقاع والإيلام. وقد جرت عادتهم في صفة الإنسان الشديد الغيظ بأن يقولوا: يكاد فلان يتميّز غيظا، أي تكاد أعصابه المتلاحمة تتزايل، وأخلاطه المتجاورة تتنافى وتتباعد، من شدة اهتياج غيظه، واحتدام طبعه. فأجرى سبحانه هذه الصفة، التي هي أبلغ صفات الغضبان، على نار جهنّم لمّا وصفها بالغيظ، ليكون التمثيل في أقصى منازله، وأعلى مراتبه. وفي قوله سبحانه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها [الآية ١٥] استعارة: لأنّ (الذّلول) من صفة الحيوان المركوب. يقال: بعير ذلول، وفرس ذلول: إذا أمكن من ظهره، وتصرّف على مراده راكبه. وضدّ ذلك وصفهم للمركوب المانع ظهره، والممتنع على راكبه بالصّعب والمصعب. والمعنى: أنه سبحانه جعل الأرض للناس كالمركوب الذلول، ممكنة من الاستقرار عليها، والتصرّف فيها، طائعة غير مانعة، ومذعنة غير مدافعة. والمراد بقوله تعالى: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها، أي في ظهورها وأعاليها، وأعلى كلّ شيء منكب له. وقال بعضهم: معنى ذلك أنه سبحانه، لمّا أصابنا في بعض الأحيان بالرّجفان والزلازل التي لا قرار معها على وجه الأرض، وخلق الجبال الخشن الملامس، الصعبة المسالك، لتكون للأرض ثقلا وللخلق معقلا، أعلمنا سبحانه أنه، لولا ما أنعم به علينا من تسكين الأرض وتوطئتها، ونفي الحزونة والوعوث عن أكثرها

стр. 2398

حتى أمكنت من التصرّف على ظهرها، لما كان عليها مثبت قدم، ولا مسرح نعم. وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتابنا الكبير. وفي قوله سبحانه: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) استعارة، المراد بها صفة من يخبط في الضلال، وينحرف عن طريق الرّشاد. لأنّهم يصفون من تلك حاله بأنّه ماش على وجهه. فيقولون: فلان يمشي على وجهه، ويمضي على وجهه، إذا كان كذلك. وإنّما شبّهوه بالماشي على وجهه، لأنّه لا ينتفع بمواقع بصره، إذ كان البصر في الوجه. وإذا كان الوجه مكبوبا على الأرض كان الإنسان كالأعمى الذي لا يسلك جددا، ولا يقصد سددا. ومن الدليل على أن قوله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ هو من الكنايات عن عمى البصر، قوله تعالى في مقابل ذلك: أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا: لأن السّويّ ضدّ المنقوص في خلقه، والمبتلى في بعض كرائم جسمه.

стр. 2399

سورة القلم ٦٨

стр. 2400

المبحث الأول أهداف سورة «القلم» «١» سورة القلم سورة مكّيّة، وآياتها ٥٢ آية، نزلت بعد سورة العلق. وتشير الروايات الى أنها من أوائل السور نزولا. ونلمح، من سياق السورة، أنها نزلت بعد الجهر بالدعوة الإسلامية في مكّة، حيث تعرّض النبي الأمين للاتهام بالجنون، فنزلت السورة تنفي عنه هذه التهمة، وتصف مكارم أخلاقه، وتتهدّد المكذّبين وتتوعدهم، وتذكر قصة أصحاب الجنة الذين منعوا زكاة الثمار والفاكهة، فأهلك الله جنّتهم، وكذلك يهلك كلّ كافر معاند. وتوجهت السورة الى أهل مكة بهذا الاستفهام الإنكاري: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ؟ هل يستوي المستقيم والفاجر؟ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) ؟ هل تطلب منهم أجرا كبيرا على تبليغ الرسالة؟ إنهم يستطيعون أداءه ولذلك يتثاقلون عن اتّباعك. ثم تذكر السورة طرفا من قصة يونس (ع) من باب التسلية والاعتبار. وتختم السورة ببيان حقد الكافرين وحسدهم، حتّى إن عيونهم ينبعث منها شرار الحسد والغيظ، ويتّهمون النبيّ (ص) بالجنون، وما يحمل إليهم إلّا الذكر والهداية للعالمين. مع آيات السورة [الآية الأولى] أقسم الله، سبحانه، بالقلم والدواة والكتابة، ليدل على عظيم شأنها في نشر الرسالات والدعوات والعلم والمعرفة، وكانت

стр. 2401

أول آية من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) [العلق] . [الآيتان ٢ و ٣] نفى القرآن عن النبي (ص) الاتّهام الكاذب بالجنون، ثم أثبت أنّ له أجرا كاملا غير منقوص على تبليغ الرسالة. [الآية ٤] ومدحه الله، ، بحسن الخلق، فقال سبحانه وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) . لقد كان خلقه القرآن، وكان جامعا للصفات الكريمة، والقدوة الحسنة، فقد اتّصف بالفصاحة والشجاعة والكرم والحلم، والأدب والعفّة والنزاهة والأمانة، والصدق والرحمة والتسامح واللّين وحسن المعاملة. وكان حسن الصورة، معتدل القوام، جيّاش العواطف، قويّا في دين الله، حريصا على تبليغ الرّسالة، قائدا ومعلما ومربّيا وموجها، أمينا على وحي السماء. وكانت عظمة أخلاقه في أنّه تمثّل القرآن سلوكا وهديا وتطبيقا، فكان قرآنا متحرّكا، يجد فيه الصحابة القدوة العملية، والتطبيق الأمين للوحي، فيقتدون بخلقه وعمله وهديه وسلوكه. لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (٢١) [الأحزاب] . [الآيتان ٥ و ٦] فسيكشف الغد عن حقيقة النبيّ وحقيقة مكذّبيه، ويثبت: أيّهم الممتحن بما هو فيه، وأيّهم الضالّ في ما يدّعيه، وستبصر ويبصرون غلبة الإسلام، واستيلاءك عليهم بالقتل والأسر، وهيبتك في أعين الناس أجمعين، وصيرورتهم أذلّاء صاغرين. [الآية ٧] إنّ ربك هو الذي أوحى إليك، فهو يعلم أنك المهتدي والمكذّب بك ضالّ عن طريق الهدى وسيجازى كلّ إنسان بحسب ما يستحقّ. [الآيتان ٨ و ٩] وقد ساوم الكفار النبيّ، وعرضوا عليه أن يعبدوا إلهه يوما، وأن يعبد آلهتهم يوما، فيصيب كلّ واحد بحظّه من إله الاخر، فنزل قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) [الكافرون] . وفي كتب السيرة أنّ الكفّار حرّضوا أبا طالب على أن يكف عنهم محمّدا، وأن ينهاه عن عيب آلهتهم، فقال

стр. 2402

النبي (ص) لعمّه: والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه. وقد نزل الوحي ينهاه عن طاعة المكذّبين، وينهاه عن قبول المساومة أو الحل الوسط، فإمّا إيمان أو لا إيمان: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) : الإدهان هو اللين والمصانعة، أي ودّ المشركون لو تلين لهم في دينك بالركون إلى آلهتهم، وتتخلّى عن مهاجمتها، حتّى يتركوا خصامك وجدالك. [الآيات ١٠- ١٣] نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة، وقيل في الأخنس بن شريق، وكلاهما كان ممّن خاصموا رسول الله (ص) ولجّوا في حربه. والآيات تصفه بتسع صفات كلّها ذميم: ١- فهو حلّاف، كثير الحلف. ٢- مهين، لا يحترم نفسه ولا يحترم الناس قوله. ٣- وهو همّاز، يهمز الناس ويعيبهم بالقول والإشارة. ٤- وهو مشّاء بنميم، يمشي بين الناس بالنميمة والفتنة والفساد. ٥- وهو منّاع للخير، بخيل ممسك وكان يمنع الناس من الإيمان، ويهدّد من يحسّ منه الاستعداد للإيمان. ٦- وهو معتد، متجاوز للحقّ والعدل ثم هو معتد على النبيّ (ص) وعلى المسلمين. ٧- وهو أثيم، كثير الآثام، لا يبالي بما ارتكب ولا بما اجترح. ٨- عتلّ بعد ذلك، جامع للصفات المذمومة، وهو فظّ غليظ جاف. ٩- زنيم، أي لصيق في قومه متّهم في نسبه، أو معروف بالشرور والآثام. [الآيات ١٤- ١٦] تذكر هذه الآيات موقفه من دين الله، وجحوده بنعمة الله عليه فلأنّه صاحب مال وولد، إذا تلي عليه القرآن استهزأ بآياته، وسخر من الرسول (ص) وهذه وحدها تعدل كلّ ما مرّ من وصف ذميم، سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) ، أي سنجعل له سمة وعلامة على أنفه والمراد أنّا سنبيّن أمره بيانا واضحا حتّى لا يخفى على أحد، أو سنذلّه في الدنيا غاية الإذلال، ونجعله ممقوتا مذموما مشهورا بالشّرّ.

стр. 2403

[الآيات ١٧- ٣٣] : هذه الآيات تتناول قصّة أصحاب الجنة، وهم قوم ورثوا عن أبيهم بستانا جميلا مثمرا يانعا، وكان أبوهم يخرج زكاة البستان، ويوزع مقدارا منه على الفقراء والمساكين، ولكنهم خالفوا أباهم ومنعوا حقّ الفقراء والمساكين، فعاقبهم الله بهلاك البستان، وكذلك يعاقب الكافرين يوم القيامة. وقد عرضتها الآيات عرضا رائعا يمثل خطوات القصة، وضعف تدبير الإنسان أمام تدبير الله الواحد الدّيّان، فلنسر مع الآيات. [الآيتان ١٧- ١٨] : لقد استقرّ رأي أصحاب الجنّة أن يقطعوا ثمرها عند الصباح، دون أن يستثنوا منه شيئا للمساكين، وأقسموا على هذا، وعقدوا النيّة عليه. [الآيتان ١٩ و ٢٠] : فطرق تلك الجنة طارق من أمر الله ليلا، وهم نيام فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) أي كالبستان الذي صرمت ثماره أي قطعت، كأنّها مقطوعة الثمار، فقد ذهب الطائف الذي طاف عليها بثمرها كله. [الآيات ٢١- ٢٤] : فنادى بعضهم بعضا في الصباح، وانطلقوا يتحدّثون في خفوت، زيادة في إحكام التدبير، ويوصي بعضهم بعضا أن يحتجزوا الثمر كله، ويحرموا منه المساكين. [الآية ٢٥] : وغدوا مصمّمين على حرد «١» المساكين ومنعهم وحرمانهم، قادرين عند أنفسهم على المنع وحجب منفعتها عن المساكين. [الآيتان ٢٦ و ٢٧] : فلمّا شاهدوا بستانهم ورأوه محترقا أنكروه، وشكّوا فيه وقالوا: أبستاننا هذا أم نحن ضالون طريقه ثمّ تيقّنوا أنّه بستانهم، وقد حاق بهم الحرمان والندم. [الآيات ٢٨ ٣٢] : وبعد أن حدث ما حدث، ألقى كلّ منهم تبعة ما وقع على غيره، وتشاحنوا، ثمّ تركوا التلاوم، واعترفوا بالخطيئة أمام العاقبة الرديئة، عسى أن يغفر الله لهم، ويعوّضهم من الجنّة الضائعة. [الآية ٣٣] : هكذا يكون عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه، وأنعم به عليه، ومنع حقّ البائس الفقير وفي الاخرة عذاب أكبر من هذا العذاب،

стр. 2404

لكلّ جاحد بنعمة الله، ولكلّ مكذّب بالدّين والإيمان. فليعلم ذلك المشركون وأهل مكة، وليحذروا عاقبة كفرهم وعنادهم. والقصة مسوقة لغاية معيّنة هي بيان عاقبة الجحود ومنع حقّ الله. إنّها عاقبة سيّئة في الدنيا وفي الاخرة وفي القصة تهديد للكافرين، وعظة للمؤمنين. [الآية ٣٤] : وفي مقابل ما أعدّ للكافرين، بيان بالنعيم الذي أعد للمتّقين. [الآيات ٣٥- ٤٧] : وعند هاتين الخاتمتين يدخل القرآن معهم في جدل لا تعقيد فيه ولا تركيب، ويتحدّاهم، ويحرجهم بالسؤال تلو السؤال، عن أمور ليس لها إلّا جواب واحد تصعب فيه المغالطة ويهدّدهم في الاخرة بمشهد رهيب، وفي الدنيا بحرب من العزيز الجبّار القويّ الشديد. [الآيات ٤٨- ٥٠] : توجّه الآيات النبي الكريم إلى الصبر على تكاليف الرسالة، والصبر على الأذى والتكذيب وتذكر له تجربة أخ له من قبل ضاق صدره بتكذيب قومه، وهو يونس (ع) . قصة يونس أرسل الله يونس بن متى (ع) الى أهل قرية نينوى بجوار مدينة الموصل بالعراق، فاستبطأ إيمانهم وشقّ عليه تلكّؤهم، وضاق صدره بتكذيبهم، فهجرهم مغاضبا لهم. وقاده الغضب الى شاطئ البحر، حيث ركب سفينة مع آخرين فلمّا كانوا في وسط اللجة ثقلت السفينة، وتعرّضت للغرق، فأقرعوا بين الركاب للتخفّف من واحد منهم، لتخفّ السفينة، فكانت القرعة على يونس: فألقوه في اليم، فابتلعه الحوت، عندئذ نادى يونس وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) مملوء غيظا، لوقوعه في كرب شديد، في ظلمات البحر، وفي بطن الحوت، وفي وسط اللجة، نادى ربه قائلا: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) [الأنبياء] ، فتداركته نعمة من ربّه، فنبذه الحوت على الشاطئ مريضا سقيما، ثمّ يسّر الله له الأمور، واصطفاه وأوحى إليه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا به وجعله الله من الصّالحين، حيث ردّ إليه الوحي، وشفّعه في نفسه وقومه. [الآيات ٥٠- ٥٢] : وفي ختام

стр. 2405

السورة نجد مشهدا للكافرين، وهم يتلقّون الدّعوة من الرسول الكريم، في غيظ عنيف، وحسد عميق، ينسكب في نظرات مسمومة قاتلة، يوجّهونها إليه. قال جار الله الزمخشري: قوله تعالى وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) ، يعني أنّهم، من شدّة تخوّفهم، ونظرهم إليك سرّا، بعيون العداوة والبغضاء، يكادون يزلّون قدمك، أو يهلكونك، من قولهم: نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني، أو يكاد يأكلني، أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله. وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية. وقد كان الكفار يريدون إصابة النبي (ص) بعيونهم وحسدهم، فعصمه الله تعالى وأنزل عليه الآية. وقد صح في الحديث من عدة طرق: «إنّ العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر» . وروى الإمام أحمد عن أبي ذر مرفوعا: «إن العين لتولع بالرجل بإذن الله حتى يصعد حالقا «١» ثمّ يتردّى منه» . وممّا يحفظ المؤمن من الحسد خمسة أشياء، هي: ١- قراءة قل أعوذ بربّ الفلق، وقل أعوذ بربّ النّاس. ٢- إخراج صدقة. ٣- أن نقول: (لا اله الا الله وحده لا شريك له) ثم نقرأ قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) عشر مرات بعد صلاة المغرب، وعشر مرات بعد صلاة الصبح. ٤- قراءة قوله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢) . ٥- وأهم شيء في الوقاية من الحسد: الثقة الكاملة والاعتقاد اليقيني بأن الله هو النّافع الضّارّ، وأنّ أحدا لن ينفعك إلّا بإذن الله، ولن يضرّك إلّا بمشيئة الله. المعنى الإجمالي للسورة بيان محاسن الأخلاق النبوية، وسوء

стр. 2406

أخلاق بعض الكفّار، وعذاب مانعي الزكاة، وضرب المثل بقصة أصحاب الجنة، وتقريع المجرمين وتوبيخهم، وإقامة الحجّة عليهم، وتهديد المشركين المكذّبين بالقرآن. وأمر الرسول (ص) بالصبر، والإشارة إلى حال يونس (ع) في قلّة الصبر. وقصد الكفار رسول الله (ص) ليصيبوه بالعين في قوله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) . أسماء السورة: للسورة اسمان: سورة ن، وسورة القلم والاسم الثاني أشهر من الأول.

стр. 2407

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القلم» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة القلم بعد سورة العلق، وكانت سورة العلق أوّل ما نزل من القرآن، فيكون نزول سورة القلم فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) وتبلغ آياتها اثنتين وخمسين آية. الغرض منها وترتيبها لمّا نزل جبريل على النبي (ص) بغار حراء، رجع إلى خديجة متغيّر الوجه، فقالت له: ما لك؟ فذكر لها نزول جبريل عليه، فذهبت به إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل، وكان نصرانيا فسأل النبي (ص) عما حصل له فأخبره، فقال له: والله لئن بقيت على دعوتك لأنصرنّك نصرا عزيزا. ووقعت تلك الواقعة في ألسنة قريش فقالوا إنه لمجنون فنزلت هذه السورة لتثبيته، وإنذارهم بالعذاب على كفرهم، وبهذا تشارك السورة السابقة في غرض الإنذار، ويظهر وجه المناسبة في ذكرها بعدها. تثبيت النبي (ص) الآيات [١- ٥٢] قال الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) فأقسم، جلّ وعلا، بهذا

стр. 2408

على أنّ النبيّ (ص) غير مجنون كما يزعمون، وأن له أجرا غير ممنون، وأنه على خلق عظيم ثمّ ذكر له أنّه سيبصر ويبصرون من هو المجنون وأنه، سبحانه، هو الذي يعلم الضالّ والمهتدي. ونهاه أن يطيع منهم كل همّاز مشّاء بالنّميمة منّاع للخير، إلى غير هذا ممّا ذكره من صفاتهم ومنها أن أحدهم يعطيه الله المال والبنين فيقابل هذا بتكذيب آياته أنفة وحمية ثمّ ذكر أنه سيصيبه بما يذهب بأنفته وحميته سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) وأنه يختبرهم بأموالهم وبنيهم كما اختبر أصحاب الجنّة حين أقسموا ليجنونها في الصّباح، ولم يقولوا إن شاء الله، فأصابها بآفة أتت على أثمارها. وقد ذهبوا إليها في الصباح، وهم يتنادون ألّا يدخلنّها مساكين عليهم فلما رأوها اعترفوا بضلالهم، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) ، ثمّ ذكر، سبحانه، أنّ عذاب أولئك المشركين في الدنيا سيكون كعذاب أصحاب هذه الجنّة، ولهم عذاب في الاخرة أكبر من عذاب الدنيا وأنّ للمتّقين عنده جنات النعيم. وأنكر أن يسوي في هذا بين المسلمين والمجرمين، وأنكر عليهم أن يحكموا بأنّهم في هذا مثلهم وذكر أنّه لا علم عندهم ولا أيمان تثبت هذا الحكم وأنه إذا أمكن شركاءهم أن يضمنوا لهم هذا، فليأتوا بهم يوم يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يدعون إليه وهم سالمون فيأبون. ثم ختمت السورة بأمر الله تعالى النبي (ص) أن يتركه هو ومن يكذب بما أنزل عليه وذكر له أنه سيملي لهم ليأخذهم بعذابه. ثمّ أمره أن يصبر لحكمه ولا يضيق به كما ضاق يونس (ع) حينما التقمه الحوت، لأنّه لولا أنّه تداركه بنعمته لأخرجه من بطنه وهو مذموم، ولكنه اجتباه وجعله من الصالحين. ثمّ ذكر أن أولئك المشركين إنّما يحملهم أشدّ العداوة عند سماع القرآن على قولهم إنه لمجنون وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢) .

стр. 2409

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «القلم» «١» أقول: لمّا ذكر سبحانه في آخر «تبارك» التهديد بتغوير الماء «٢» ، استظهر عليه في هذه السورة بإذهاب ثمر أصحاب البستان في ليلة يطاف عليه فيها، وهم نائمون، فأصبحوا لم يجدوا له أثرا، حتّى ظنوا أنّهم ضلّوا الطريق «٣» . وإذا كان هذا في الثمار وهي أجرام كثيفة، فالماء الذي هو لطيف رقيق أقرب إلى الإذهاب، ولهذا قال سبحانه: وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) . وقال هناك: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً [الآية ٣٠] ، إشارة إلى أنه يسري عليه، في ليلة، كما سرى على الثمرة، في ليلة.

стр. 2410

المبحث الرابع مكنونات سورة «القلم» «١» ١- وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) . قال السّدّي: نزلت في الأخنس بن شريق. وقال مجاهد: في الأسود بن عبد يغوث. أخرجهما ابن أبي حاتم. وقيل: في الوليد بن المغيرة. حكاه الكرماني. ٢- أَصْحابَ الْجَنَّةِ [الآية ١٧] . كانت بصروان قرية باليمن بينها وبين صنعاء ستة أميال. أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. ٣- أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ [الآية ٢٢] . قال مجاهد: كان عنبا. أخرجه ابن أبي حاتم.

стр. 2411

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «القلم» «١» ١- وقال تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) . العتلّ: الغليظ الجافي، وهو من: عتله إذا قاده بعنف وغلظة. والزّنيم: الدعيّ، قال حسان: وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما ... نيط خلف الراكب القدح الفرد المقصود بالعتلّ والزنيم وبنعوت أخرى في الآيات السابقات، هو الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان موسرا، وكان له عشرة بنين، فكان يقول لهم: من أسلم منعته رفدي. أقول: ولا نعرف «العتلّ» في العربية المعاصرة، ولكننا نعرف الزنيم في اللغة السائرة، وهي من ألفاظ السّبّ والشتم لدى العامّة، والزنيم عندهم الفاسد الساقط المروءة، وقد يكون ابن زنى. ٢- وقال تعالى: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) . وقوله تعالى: كَالصَّرِيمِ، أي: كالمصروم، وقيل: الصريم الليل، أي: احترقت واسودّت. وقيل النهار، أي: يبست وذهبت خضرتها. أقول: والصريم ضرب من النبات ذو شوك، يعرفه أهل الزرع في العراق. ٣- وقال تعالى: فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) ، أي: يتسارّون فيما بينهم. ٤- وقال تعالى: وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) .

стр. 2412

والحرد: المنع: وقرئ (على حرد) بفتحتين، أي: على غيظ وغضب. ٥- وقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) . أقول: في الآية إشارة إلى مثل يضرب في شدّة الأمر، وصعوبة الخطب، ويتمثّل في الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام، (جمع خدمة وهي الخلخال) . وأصله في الروع والهزيمة، وتشمير المخدّرات عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن، قال حاتم: أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا والمراد بقوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ: يوم يشتدّ الأمر ويتفاقم. ٦- وقال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) . واستدرجه إلى كذا إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتّى يورّطه فيه. وقوله تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) أي: من الجهة التي لا يشعرون منها أنّه استدراج، وهو الإنعام عليهم. وقوله جلّ وعلا: وَأُمْلِي لَهُمْ أي: أمهلهم. ٧- وقال تعالى: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) . المغرم: الغرامة، أي: لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا، فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم، فيثبّطهم ذلك عن الإيمان.

стр. 2413

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «القلم» «١» قال تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) أي «أيّكم المفتون» . وقال: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ٥١] وهذه «إن» التي تكون للإيجاب، وهي في معنى الثقيلة، إلّا أنّها ليست بثقيلة، لأنك إذا قلت: «إن كان عبد الله لظريفا» فمعناه «إن عبد الله لظريف قبل اليوم» ف «إن» تدخل في هذا المعنى، وهي خفيفة.

стр. 2414

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «القلم» «١» إن قيل: لم قال تعالى: وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) أي ولا يقولون إن شاء الله، فسمّى الشرط استثناء؟ قلنا: إنّما سماه استثناء لأنه في معناه، فإنّ معنى قولك «لأخرجن إن شاء الله» ، و «لا أخرج إلّا أن يشاء الله» قول واحد. وقال عكرمة: المراد به حقيقة الاستثناء: أي أنهم لا يستثنون حقّ المساكين، والجمهور على الأول. فإن قيل: لم سمّى أوسطهم الاستثناء تسبيحا، فقال كما ورد في التنزيل أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) ، أي لولا تستثنون؟ قلنا: إنّما سماه تسبيحا لاشتراكهما في معنى التعظيم، لأنّ الاستثناء تفويض إليه، وإقرار، بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلا إلّا بمشيئته سبحانه والتسبيح تنزيه عن السوء. الثاني: أنه كان استثناؤهم قول «سبحان الله» . الثالث: أن معناه لولا تنزّهون أنفسكم وأموالكم عن حق الفقراء. فإن قيل: لم قال تعالى: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ [الآية ٤٣] ، ولا تكليف في الدار الاخرة؟ قلنا: لا يدعون إليه تكليفا وتعبّدا، ولكن توبيخا وتعنيفا على تركه في الدنيا. فإن قيل: لم قال تعالى: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، وهم إنّما كانوا يدعون إلى الصلاة. فإن المراد بالآية دعاؤهم إلى الجماعات بأذان المؤذن حينما يقول: حيّ على الصلاة؟

стр. 2415

قلنا: عبّر سبحانه عن الصلاة بالسجود لأنه من أركانها، بل هو أعظم الأركان وغايتها، كما عبّر عنها بالركوع وبالقرآن. فإن قيل: لم قال تعالى: وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) ، أي صحيحون، مع أنّ الصحة ليست شرطا لوجوب الصلاة؟ قلنا: وجوب الخروج إلى الصلاة بالجماعة مشروط بالصحة، وهو المراد.

стр. 2416

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «القلم» «١» في قوله سبحانه: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) استعارة. والمراد بها الكناية عن هول الأمر وشدّته، وعظم الخطب وفظاعته: لأنّ من عادة الناس أن يشمّروا عن سوقهم عند الأمور الصّعبة، التي يحتاج فيها إلى المعاركة، ويفزع عندها إلى الدّفاع والممانعة. فيكون تشمير الذيول عند ذلك أمكن للقراع، وأصدق للمصاع. وقد جاء في أشعارهم ذكر ذلك في غير موضع. قال قيس «٢» بن زهير بن جذيمة العبسي: فإن شمّرت لك عن ساقها فويها ربيع فلا تسأم «٣» وقال الاخر «٤» : قد شمّرت عن ساقها فشدّوا وجدّت الحرب بكم فجدّوا وفي قوله سبحانه:

стр. 2417

فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) استعارة. ولها نظائر في القرآن. منها قوله تعالى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) [المزّمّل] وقوله سبحانه: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) [المدّثّر] . ومعنى ذلك أن الكلام خرج على مذهب للعرب معروف، وغرض مقصود. يقول قائلهم لمخاطبه إذا أراد تغليظ الوعيد لغيره: ذرني وفلانا فستعلم ما أنزله به. فالمراد إذن بهذا الخطاب النبي (ص) . فكأنه تعالى قال له: ذر عقابي وهؤلاء المكذّبين. أي اترك مسألتي في التخفيف عنهم، والإبقاء عليهم. لأنّ الله سبحانه لا يجوز عليه المنع، فيصحّ معنى قوله تعالى لنبيّه (ص) : ذرني وكذا، لأنه المالك لا ينازع، والقادر لا يدافع. وفي قوله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) استعارة. والمراد بالإزلاق هاهنا: إزلال القدم حتّى لا يستقر على الأرض. وذلك خارج على طريقة للعرب معروفة. يقول القائل منهم: نظر إليّ فلان نظرا يكاد يصرعني به. وذلك لا يكون إلا نظر المقت والإبغاض، وعند النزاع والخصام. وقال الشاعر: يتقارضون إذا التقوا في موقف نظرا يزيل مواقف الأقدام وقد أنكر بعض العلماء أن يكون المراد بقوله تعالى: لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ [الآية ٥١] الإصابة بالعين، لأنّ هذا من نظر السخط والعداوة، وذلك من نظر الاستحسان والمحبّة.

стр. 2418

سورة الحاقّة ٦٩

стр. 2419

المبحث الأول أهداف سورة «الحاقّة» «١» سورة الحاقّة سورة مكّيّة، آياتها ٥٢ آية، نزلت بعد سورة الملك. هي نموذج للسورة المكّيّة، التي تستولي على القلوب، بأهوالها ومشاهدها، وأفكارها المتتابعة، وفواصلها القصيرة. في بداية السّورة نلحظ هذه الرهبة من اسمها، الحاقّة، لأنّ وقوعها حقّ يقينيّ ثمّ تصف مصارع المكذبين، من ثمود الى عاد الى فرعون ثمّ تنتقل الى مشاهد القيامة وأهوالها وصورها، وتنوّع الناس إلى فريقين، فريق يأخذ كتابه باليمين، وفريق يأخذ كتابه بالشّمال ويلقى كل فريق ما يستحق. وفي المقطع الأخير من السورة، تؤكّد الآيات صدق رسول الله، وتنفي عنه تهم المشركين، وتثبت أنّ القرآن حقّ يقين، من عند رب العالمين. مع آيات السورة [الآيات ١- ٣] : الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) . القيامة ومشاهدها وأحداثها تشغل معظم هذه السورة، ومن ثمّ تبدأ السورة باسم من أسماء القيامة: (الحاقّة) : أي الساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجيء، وهي آتية لا ريب فيها، من «حقّ يحق» ، بالكسر، أي «وجب» . وهذا المطلع يوحي بقدرة القدير، وضعف الإنسان فهو لن يترك سدى، بل أمامه يوم كلّه حقّ وعدل.

стр. 2420

والألفاظ في السورة توحي بهذا المعنى وتؤكده: الْحَاقَّةُ ثم يتبعها باستفهام حافل بالاستهوال والاستعظام مَا الْحَاقَّةُ ما هي؟ أيّ شيء هي؟ أي حقّها أن يستفهم عنها لعظمها، وهذا أسلوب من الكلام يفيد التفخيم والمبالغة في الغرض الذي يساق له. وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) أيّ شيء أعلمك ما هي، فهي خارجة عن دائرة علم المخلوقات، لعظم شأنها، ومدى هولها وشدّتها ثم يسكت الأسلوب فلا يجيب عن هذا السؤال لتذهب النفس في هوله وشدته كل مذهب. ومن أسماء القيامة الحاقة، والقارعة لأنّها تقرع القلوب بأهوالها. [الآيتان ٤- ٥] : تصف ما أصاب ثمود من العذاب وثمود كانت تسكن الحجر في شمالي الحجاز، بين الحجاز والشام، وقد كذبوا نبيّهم، فأرسل الله عليهم صيحة أهلكتهم وسمّيت الصيحة هنا طاغية، لأنّها جاوزت الحدّ في الشّدّة وسمّيت، في سور أخرى، بالصاعقة وبالرجفة والزّلزلة وهي صفات للصيحة تبيّن أثرها فيمن نزلت بهم. [الآيات ٦- ٨] : تصف قصّة هلاك عاد، وقد كذبوا رسولهم، فأرسل الله عليهم ريحا باردة عاتية، استمرّت سبع ليال وثمانية أيام، حُسُوماً متتابعة، حتى هلك القوم أجمعون وقد كانوا يسكنون بالأحقاف، في جنوب الجزيرة بين اليمن وحضرموت، وكانوا أشدّاء بطّاشين جبّارين وكان الجزاء من جنس العمل. [الآيتان ٩- ١٠] : تصفان مجيء فرعون ومن تقدّمه من الأمم التي كفرت بآيات الله، كقوم نوح وعاد وثمود، والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي انقلبت بهم، وهي قرى قوم لوط. فقد عصى هؤلاء رسل الله، الذين أرسلوا إليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. [الآيتان ١١- ١٢] : ترسمان مشهد الطوفان والسفينة الجارية، وتشيران بهذا المشهد إلى مصرع قوم نوح حينما كذّبوا، وتمتنّان على البشر بنجاة أصولهم التي انبثقوا منها. والمشهور أن الناس كلهم من سلائل نوح وذريته. [الآيات ١٣- ١٨] : تصف أهوال القيامة وأحداثها، فإسرافيل ينفخ في الصور، وتسوّى الأرض والجبال،
следующие страницы →