المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «القلم» «١»
في قوله سبحانه: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) استعارة. والمراد بها الكناية عن هول الأمر وشدّته، وعظم الخطب وفظاعته: لأنّ من عادة الناس أن يشمّروا عن سوقهم عند الأمور الصّعبة، التي يحتاج فيها إلى المعاركة، ويفزع عندها إلى الدّفاع والممانعة. فيكون تشمير الذيول عند ذلك أمكن للقراع، وأصدق للمصاع.
وقد جاء في أشعارهم ذكر ذلك في غير موضع. قال قيس «٢» بن زهير بن جذيمة العبسي:
فإن شمّرت لك عن ساقها فويها ربيع فلا تسأم «٣» وقال الاخر «٤» :
قد شمّرت عن ساقها فشدّوا وجدّت الحرب بكم فجدّوا وفي قوله سبحانه:
стр. 2417
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) استعارة. ولها نظائر في القرآن.
منها قوله تعالى: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) [المزّمّل] وقوله سبحانه: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) [المدّثّر] . ومعنى ذلك أن الكلام خرج على مذهب للعرب معروف، وغرض مقصود. يقول قائلهم لمخاطبه إذا أراد تغليظ الوعيد لغيره: ذرني وفلانا فستعلم ما أنزله به. فالمراد إذن بهذا الخطاب النبي (ص) . فكأنه تعالى قال له: ذر عقابي وهؤلاء المكذّبين. أي اترك مسألتي في التخفيف عنهم، والإبقاء عليهم. لأنّ الله سبحانه لا يجوز عليه المنع، فيصحّ معنى قوله تعالى لنبيّه (ص) : ذرني وكذا، لأنه المالك لا ينازع، والقادر لا يدافع.
وفي قوله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) استعارة. والمراد بالإزلاق هاهنا: إزلال القدم حتّى لا يستقر على الأرض. وذلك خارج على طريقة للعرب معروفة. يقول القائل منهم: نظر إليّ فلان نظرا يكاد يصرعني به. وذلك لا يكون إلا نظر المقت والإبغاض، وعند النزاع والخصام. وقال الشاعر:
يتقارضون إذا التقوا في موقف نظرا يزيل مواقف الأقدام وقد أنكر بعض العلماء أن يكون المراد بقوله تعالى: لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ [الآية ٥١] الإصابة بالعين، لأنّ هذا من نظر السخط والعداوة، وذلك من نظر الاستحسان والمحبّة.
стр. 2418
سورة الحاقّة ٦٩
стр. 2419
المبحث الأول أهداف سورة «الحاقّة» «١»
سورة الحاقّة سورة مكّيّة، آياتها ٥٢ آية، نزلت بعد سورة الملك.
هي نموذج للسورة المكّيّة، التي تستولي على القلوب، بأهوالها ومشاهدها، وأفكارها المتتابعة، وفواصلها القصيرة.
في بداية السّورة نلحظ هذه الرهبة من اسمها، الحاقّة، لأنّ وقوعها حقّ يقينيّ ثمّ تصف مصارع المكذبين، من ثمود الى عاد الى فرعون ثمّ تنتقل الى مشاهد القيامة وأهوالها وصورها، وتنوّع الناس إلى فريقين، فريق يأخذ كتابه باليمين، وفريق يأخذ كتابه بالشّمال ويلقى كل فريق ما يستحق.
وفي المقطع الأخير من السورة، تؤكّد الآيات صدق رسول الله، وتنفي عنه تهم المشركين، وتثبت أنّ القرآن حقّ يقين، من عند رب العالمين.
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٣] : الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) .
القيامة ومشاهدها وأحداثها تشغل معظم هذه السورة، ومن ثمّ تبدأ السورة باسم من أسماء القيامة:
(الحاقّة) : أي الساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجيء، وهي آتية لا ريب فيها، من «حقّ يحق» ، بالكسر، أي «وجب» .
وهذا المطلع يوحي بقدرة القدير، وضعف الإنسان فهو لن يترك سدى، بل أمامه يوم كلّه حقّ وعدل.
стр. 2420
والألفاظ في السورة توحي بهذا المعنى وتؤكده:
الْحَاقَّةُ ثم يتبعها باستفهام حافل بالاستهوال والاستعظام مَا الْحَاقَّةُ ما هي؟ أيّ شيء هي؟ أي حقّها أن يستفهم عنها لعظمها، وهذا أسلوب من الكلام يفيد التفخيم والمبالغة في الغرض الذي يساق له.
وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) أيّ شيء أعلمك ما هي، فهي خارجة عن دائرة علم المخلوقات، لعظم شأنها، ومدى هولها وشدّتها ثم يسكت الأسلوب فلا يجيب عن هذا السؤال لتذهب النفس في هوله وشدته كل مذهب.
ومن أسماء القيامة الحاقة، والقارعة لأنّها تقرع القلوب بأهوالها.
[الآيتان ٤- ٥] : تصف ما أصاب ثمود من العذاب وثمود كانت تسكن الحجر في شمالي الحجاز، بين الحجاز والشام، وقد كذبوا نبيّهم، فأرسل الله عليهم صيحة أهلكتهم وسمّيت الصيحة هنا طاغية، لأنّها جاوزت الحدّ في الشّدّة وسمّيت، في سور أخرى، بالصاعقة وبالرجفة والزّلزلة وهي صفات للصيحة تبيّن أثرها فيمن نزلت بهم.
[الآيات ٦- ٨] : تصف قصّة هلاك عاد، وقد كذبوا رسولهم، فأرسل الله عليهم ريحا باردة عاتية، استمرّت سبع ليال وثمانية أيام، حُسُوماً متتابعة، حتى هلك القوم أجمعون وقد كانوا يسكنون بالأحقاف، في جنوب الجزيرة بين اليمن وحضرموت، وكانوا أشدّاء بطّاشين جبّارين وكان الجزاء من جنس العمل.
[الآيتان ٩- ١٠] : تصفان مجيء فرعون ومن تقدّمه من الأمم التي كفرت بآيات الله، كقوم نوح وعاد وثمود، والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي انقلبت بهم، وهي قرى قوم لوط.
فقد عصى هؤلاء رسل الله، الذين أرسلوا إليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
[الآيتان ١١- ١٢] : ترسمان مشهد الطوفان والسفينة الجارية، وتشيران بهذا المشهد إلى مصرع قوم نوح حينما كذّبوا، وتمتنّان على البشر بنجاة أصولهم التي انبثقوا منها. والمشهور أن الناس كلهم من سلائل نوح وذريته.
[الآيات ١٣- ١٨] : تصف أهوال القيامة وأحداثها، فإسرافيل ينفخ في الصور، وتسوّى الأرض والجبال،
стр. 2421
وتدكّ كالكرة فيستوي عاليها بأسفلها عندئذ نزلت النازلة، وجاءت القيامة.
وقد انفرط عقد الكون المنظور، واختلّت روابطه وضوابطه التي تمسك به، فترى السماء مشقّقة واهية مسترخية، ساقطة القوة بعد ما كانت محكمة. والسماء مسكن الملائكة، فإذا انشقت تعلّق الملائكة بجوانبها وأطرافها، والعرش فوقهم يحمله ثمانية: ثمانية أملاك، أو ثمانية صفوف منهم، أو ثمانية أصناف، أو طبقات من طبقاتهم، أو ثمانية مما يعلم الله، ولا ندري نحن من هم ولا ما هم.
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فالكلّ مكشوف، مكشوف الجسد، مكشوف النفس، مكشوف الضمير، مكشوف المصير.
ألا إنه لأمر عصيب، وقوف الإنسان عريان الجسد، عريان النفس، عريان المشاعر، عريان التاريخ، عريان العمل، ما ظهر منه وما استتر، أمام تلك الحشود الهائلة من خلق الله من الإنس والجن والملائكة، وتحت جلال الله وعرشه المرفوع فوق الجميع.
[الآيات ١٩- ٢٤] : تصف مشهد المؤمن الناجي، وهو ينطلق في فرحة غامرة بين الجموع الحاشدة، وتملأ الفرحة جوانحه فيهتف: اقرءوا كتابي فأنا من الناجين، لقد أيقنت بالجزاء والحساب. فيعيش حياة ناعمة، في جنّة عالية، ثمارها قريبة التناول، ويقول لهم ربّهم جل ثناؤه: كلوا وتمتّعوا جزاء عملكم السابق، وطاعتكم لربكم.
[الآيات ٢٥- ٢٩] : تصف حسرة المشرك، وبؤسه ويأسه، فهو يتمنّى أنّه لم يأت للموقف، ولم يؤت كتابه، ولم يدر ما حسابه، كما يتمنّى أن لو كانت هذه القارعة هي القاضية، التي تنهي وجوده أصلا، فلا يعود بعدها شيئا.
ثمّ يتحسّر أن لا شيء نافعه مما كان يعتز به أو يجمعه، فلا المال أغنى أو نفع، ولا السلطان بقي أو دفع، والرّنّة الحزينة الحسيرة المديدة في طرف الفاصلة الساكنة، وفي ياء العلة بعد المد بالألف، في تحزّن وتحسّر، تشعر بالحسرة والأسى والحزن العميق.
[في الآيات ٣٠- ٣٢] : يقال لملائكة العذاب خذوه إلى جهنّم، فيبتدره سبعون ألف ملك، كلّهم يبادر إلى جعل الغلّ في عنقه، ويتقدّم
стр. 2422
ليصطلي نار الجحيم ويشوى بها، ويدخل في سلسلة طولها سبعون ذراعا تلفّ على جميع جسمه وذراع واحد من سلاسل النار تكفيه، ولكن الآية تكشف عن شدة العذاب وهوله، حفظنا الله من عذاب النار.
[الآيتان ٣٣- ٣٤] : تذكّران أسباب العذاب والسعير، فقد خلا قلب هذا الكافر من الإيمان بالله، كما خلا قلبه من الرحمة بالعباد، ومن العطف على المساكين، ومن الحثّ على إطعامهم والبرّ بهم.
[الآيات ٣٥- ٣٧] : تخبرنا أنّ الكافر لا يجد له صديقا ولا حميما يؤنسه، ولا يأكل الا غسالة أهل جهنم من القيح والصديد، وهو طعام لا يأكله إلّا المذنبون، المتصفون بالخطيئة، فليتّق الله كلّ غنيّ في ماله، وليعلم أنّ للمساكين والأرامل والشيوخ والأطفال حقا في هذا المال، وسيترك المال لورثته ويسأل هو عن زكاته.
[الآيات ٣٨- ٤٣] : تبيّن لنا أنّ الوجود أضخم بكثير ممّا يرى البشر، والكون مملوء بعقول فعّالة غير عقولنا.
«إنّ الإنسان قد يكون جهازا، ولكن من الذي يدير هذا الجهاز؟ لأنه بدون أن يدار لا فائدة منه، والعلم لا يعلل من يتولى إدارته، وكذلك لا يزعم أنه مادي. لقد بلغنا من التقدم درجة تكفي لأن نوقن بأن الله سبحانه قد منح الإنسان قبسا من نوره» «١» .
والآيات تقسم بما تشاهدون من المخلوقات وبما غاب عنكم. وقال عطاء: ما تبصرون من آثار القدرة، وما لا تبصرون من أسرار القدرة.
إن القرآن كلام الله ومنهج الله وشريعة الله، وليس قول شاعر ولا قول كاهن انّما هو قول رسول أرسل به من عند الله، فحمله الى عباد الله بأمانة وإخلاص في تبليغ الرسالة.
في [الآيات ٤٤- ٤٦] : أن قدرة الله قدرة بالغة، ولو تقوّل محمّد بعض الأقاويل، لعاجلناه بالعقوبة، وأزهقنا روحه، فكان كمن قطع وتينه. وهذا تصوير للهلاك بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه، إذ يأخذه السيّاف بيمينه، ويكفحه بالسيف ويضرب عنقه.
стр. 2423
[في الآية ٤٧] : أنّ أحدا لا يمنعنا من عقوبة محمد، والتنكيل به إذا افترى علينا.
[الآيات ٤٨- ٥٢] : تخبرنا أنّ القرآن يذكّر القلوب التّقيّة فتتذكّر أنّ الحقيقة، التي جاء بها، كامنة فيها فهو يثيرها ويذكّرها فتتذكّر أما المطموسة قلوبهم فهم يكذّبون بهذا القرآن، والقرآن حجة على الكافرين في الدنيا، وحسرة عليهم إذا رأوا عذاب الاخرة.
وهذا القرآن عميق في الحقّ، عميق في اليقين، تنزيل من ربّ العالمين، فعلينا أن نعظّم الله، وأن ننزّهه ونجلّه، ونعترف له بالقدرة والعظمة فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) .
المعنى الإجمالي للسورة
الخبر عن صعوبة القيامة، وهلاك الأمم المكذّبة لرسلها، وذكر نفخة الصور، وانشقاق السماوات، وحال السّعداء والأشقياء في وقت قراءة الكتاب، وذلّ الكفار مقهورين في أيدي الزبانية، وإثبات أن القرآن العظيم وحي من عند الله سبحانه، وليس بقول شاعر ولا كافر، والأمر بتسبيح الركوع «١» في قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) .
стр. 2424
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحاقّة» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الحاقّة بعد سورة الملك، ونزلت سورة الملك بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة الحاقة في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) وتبلغ آياتها اثنتين وخمسين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات يوم القيامة، وبيان ما فيه من ثواب وعقاب. وبهذا يكون سياقها في سياق الإنذار الذي جاء في السورة السابقة، وهذا هو وجه المناسبة بين السورتين.
إثبات يوم القيامة الآيات [١- ٥٢]
قال الله تعالى: الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) والحاقّة الساعة الثابتة التي لا ريب فيها. وقد ذكر، سبحانه، أن ثمود وعادا كذّبا بها فأهلكا بما أهلكا به، وأنّ فرعون ومن قبله والمؤتفكات (قوم لوط) كذّبوا بها فأخذوا أخذة رابية وأنه، جلّ وعلا، نجّى من آمن بها من قوم نوح حينما طغى الماء، فحملهم في الجارية، وأغرق من كذّب بها، ليجعلها تذكرة لنا وتعيها آذاننا، فإذا جاء يومها بأهواله
стр. 2425
من النّفخ في الصّور وغيره، يعرض الناس على ربّهم: فأمّا من أوتي كتابه بيمينه، فينال ما ذكره من الثواب، وأمّا من أوتي كتابه بشماله، فينال ما ذكره من العقاب ثم أقسم ، بما يبصرون وما لا يبصرون من خلقه، أنّ ذلك قول رسول كريم، لا يشكّ في صدقه، وليس بقول شاعر ولا كاهن يغلب الكذب فيه. ثم ذكر سبحانه أنه لو تقوّله الرسول (ص) عليه لأخذ بيمينه وقطع عنقه، ولم يمكّن أحدا أن يحجزه عنه ثم ذكر تعالى أن القرآن تذكرة للمتّقين، وأنه يعلم تكذيبهم له فيعاقبهم به ويجعله حسرة عليهم، وأنّه لحقّ اليقين: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) .
стр. 2426
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحاقّة» «١»
أقول: لمّا وقع في سورة «ن» ، أي «القلم» ، ذكر يوم القيامة مجملا في قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [الآية ٤٢] ، شرح ذلك في هذه السورة بناء على هذا اليوم، وشأنه العظيم «٢» .
стр. 2427
المبحث الرابع مكنونات سورة «الحاقّة» «١»
١- وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ [الآية ٧] .
قال الرّبيع بن أنس: كان أوّلها الجمعة. أخرجه ابن أبي حاتم.
٢- وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ [الآية ١٧] .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: لم يسمّ من حملة العرش إلّا إسرافيل. قال: وميكائيل ليس من حملة العرش.
وأخرج عن أبي الزاهرية قال: أنبئت أنّ لبنان أحد حملة العرش الثمانية يوم القيامة.
وذكر يحيى بن سلّام، قال: بلغني أن روفيل من حملة العرش.
стр. 2428
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحاقّة» «١»
١- قال تعالى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [الآية ١٧] .
أقول والأرجاء جمع رجا، وهو الجانب.
ولا نعرف من هذا إلا الجمع، أمّا المفرد فغير معروف في الاستعمال.
ونظير «الأرجاء» هذه «آناء» في قوله تعالى:
وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ [طه: ١٣٠] .
والإناء جمع إنى.
стр. 2429
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحاقّة» «١»
قال تعالى: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
(١٢) لأنك تقول: «وعت ذاك أذني» ، و «وعاه سمعي» ، و «أوعيت الزاد» ، و «أوعيت المتاع» كما قال الشاعر «٢» [من البسيط، وهو الشاهد الحادي والسبعون بعد المائتين] :
الخير يبقي وإن طال الزّمان به «٣» ... والشرّ أخبث ما أوعيت من زاد
وقال تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) : فالفعل وقع على النفخة إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع.
وقال تعالى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [الآية ١٧] وواحدها «الرّجا» وهو مقصور.
وقال تعالى: إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) جعل، والله أعلم، من «الغسل» وزيد الياء والنون، بمنزلة «عفرين» و «كفرين» .
وقال تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) على المعنى، لأنّ معنى (أحد) معنى جماعة.
стр. 2430
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحاقّة» «١»
قيل: لم قال تعالى: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ [الآية ٦] ، ولم يقل «صرصرة» ، كما قال تعالى: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) (عاتية) وهو صفة لمؤنث، لأنها الشديدة الصوت أو الشديدة البرد؟
قلنا: لأنّ الصرصر وصف مخصوص بالرّيح لا يوصف به غيرها، فأشبه باب حائض وطامث وحامل، بخلاف عاتية فإنّ غير الريح من الأسماء المؤنّثة يوصف به.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى [الآية ٧] أي في تلك الليالي والأيّام، والنبي (ص) ما رآهم ولا يراهم فيها؟
قلنا: «فيها» ظرف، لقوله تعالى (صرعى) ، لا لقوله تعالى (فترى) ، والرؤية هنا من رؤية العلم والاعتبار، فصار المعنى فتعلمهم صرعى في تلك الليالي والأيام، بإعلامنا حتّى كأنّك تشاهدهم.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) إلى قوله سبحانه: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) والمراد بها هنا النفخة الأولى، وهي نفخة الصّعق، بدليل ما ذكر بعدها من فساد العالم العلويّ والسفليّ والعرض إنّما يكون بعد النفخة الثانية، وبين النفختين من الزمان ما شاء الله تعالى، فلم قال سبحانه:
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ [الآية ١٨] .
قلنا: وضع اليوم موضع الوقت
стр. 2431
الواسع الذي يقع فيه النفختان وما بعدهما.
فإن قيل: لم قال تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) ؟
قلنا: معناه تيقّنت، والظّنّ يطلق بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى:
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) [البقرة] .
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف أهل النار: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) . وقال سبحانه في موضع آخر: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) [الغاشية] ، وفي موضع آخر إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) [الدخان] ، وفي موضع آخر: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) [الواقعة] ، وفي موضع آخر: أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ [البقرة: ١٧٤] ؟
قلنا: معناه إلّا من غسلين وما أشبهه، أو وضع الغسلين موضع كل طعام مؤذ كريه. الثاني: أنّ العذاب ألوان والمعذّبون طبقات فمنهم أكلة الزّقّوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضّريع، لكل باب منهم جزء مقسوم.
فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) يعني أن القرآن قول جبريل (ع) ، مع أنه قول الله تعالى لا قول جبريل؟
قلنا: معناه عند الأكثرين أن المراد به النبي (ص) ، والمعنى أنه يقوله ويتكلم به، على وجه الرسالة من عند الله، لا من تلقاء نفسه، كما تزعمون.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) أخبر عن الفرد بالجمع؟
قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في آخر سورة البقرة.
стр. 2432
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحاقّة» «١»
في قوله تعالى: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) استعارة.
والمراد بالصّرصر الباردة. وهو مأخوذ من الصّرّ. والعاتية: الشديدة الهبوب التي ترد بغير ترتيب، مشبّهة بالرجل العاتي، وهو المتمرّد الذي لا يبالي على ما أقدم، ولا في ما ولج ووقع.
وفي قوله سبحانه: فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) استعارة: المراد بالرّابية هاهنا: العالية القاهرة. من قولهم: ربا الشيء إذا زاد. والرّبا مأخوذ من هذا.
فكأنّ تلك الأخذة كانت قاهرة لهم، وغالبة عليهم.
وفي قوله سبحانه: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) استعارة.
والمراد بها قريب من المراد بالاستعارتين الأوليين، وهو تشبيه للماء في طموّ أمواجه، وارتفاع أثباجه «٢» بحال الرجل الطاغي، الذي علا متجبرا وشمخ متكبرا.
وقال بعضهم: معنى طغى الماء أي كثر على خزّانه، فلم يضبطوا مقدار ما خرج منه كثرة، لأن للماء خزنة، وللرياح خزنة من الملائكة ﵈، يخرجون منهما على قدر ما يراه الله سبحانه من مصالح العباد، ومنافع البلاد، على ما وردت به الآثار.
وفي قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) ، استعارة. وكان الوجه أن
стр. 2433
يقال في عيشة مرضيّة. ولكن المعنى خرج على مخرج قولهم: شعر شاعر، وليل ساهر. إذا شعر في ذلك الشعر وسهر في ذلك الليل، فكأنهما وصفا بما يكون فيهما، لا بما يكون منهما.
فبان أنّ تلك العيشة، لما كانت بحيث يرضي الإنسان فيها حاله جاز أن توصف هي بالرضا. فيقال راضية.
على المعنى الذي أشرنا إليه. وعلى ذلك قول أوس بن حجر: «٢» جدلت على ليلة ساهرة بصحراء شرج إلى ناظره «٣» وصف الليلة بصفة الساهر فيها، وظاهر الصفة أنها لها.
وقال بعضهم: إنّما قال تعالى:
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) لأنها في معنى ذات رضى، كما قيل: لابن وتامر. أي ذو لبن وتمر.
وكما قالوا لذي الدّرع: دارع، ولذي النّبل: نابل، ولصاحب الفرس: فارس. وإنما جاءوا به على النّسب، ولم يجيئوا به على الفعل. وعلى ذلك قول النابغة الذبياني «٤» :
كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب أي: ذي نصب. قال فكأن العيشة أعطيت من النعيم حتّى رضيت، فحسن أن يقال: راضية، لأنّها بمنزلة الطالب للرضا، كما أنّ الشهوة بمنزلة الطالب المشتهى.
وفي قوله سبحانه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) استعارة على أحد التأويلات، وهو أن يكون المراد باليمين هاهنا القوّة والقدرة. فيكون المعنى: أنه لو فعل ما نكره فعله لانتقمنا منه عن قدرة، وعاقبناه عن قوّة.
وقد يجوز أن تكون اليمين هاهنا
стр. 2434
راجعة على النبي (ص) فيكون المعنى:
لو فعل ذلك لسلبناه قدرته، وانتزعنا منه قوّته. ويكون ذلك كقوله سبحانه:
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: ٢٠] أي تنبت الدّهن على بعض التأويلات. وكقول الشاعر «٥» :
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج أي نرجو الفرج.
стр. 2435
سورة المعارج ٧٠
стр. 2436
المبحث الأول أهداف سورة «المعارج» «١»
سورة المعارج سورة مكية، آياتها ٤٤ آية، نزلت بعد سورة الحاقّة.
تبدأ السورة بمطلع متميّز، وهو سؤال طرحه أحد الكافرين عن يوم القيامة، سؤال تهكّم او استعجال لهذا اليوم.
وفي الإجابة عن هذا السؤال، وصفت السورة يوم القيامة وألوان الهوان النفسي والحسّي الذي يصيب الكافرين فيه، ثم وصفت هلع الإنسان وجزعه، واستثنت المؤمنين الموصولين بالله تعالى، فهم في يقين ثابت، وأدب كريم.
تنوع أساليب القرآن
سورة المعارج جولة من جولات المعركة الطويلة الشّاقّة، التي خاضها القرآن في داخل النفس البشرية، وخلال دروبها ومنحنياتها، ورواسبها وركامها، وهي أضخم وأشقّ من المعارك الحربية.
لقد سلك القرآن الكريم كل سبيل، ليصل الى نفوس المشركين ويقنع الجاحدين، ويثبّت المؤمنين وقد لوّن القرآن في طرق الهداية والدعوة، ومواجهة النفوس الجامحة.
«فتارة يواجهها بما يشبه الطوفان الغامر، من الدلائل الموحية والمؤثّرات الجارفة وتارة يواجهها بما يشبه السياط اللاذعة وتارة يواجهها بما يشبه المناجاة الحبيبة، والمسارّة الودود، التي تهفو لها المشاعر وتأنس
стр. 2437
بها القلوب وتارة يواجهها بالهول المرعب، والصرخة المفزعة، التي تفتح الأعين على الخطر الداهم القريب وتارة يواجهها بالحقيقة في بساطة ونصاعة وتارة يواجهها بالأمل والرجاء، الذي يهتف لها ويناجيها وتارة يتخيّل مساربها ودروبها ومنحنياتها، فيلقي عليها الأضواء الكاشفة.. ومئات اللمسات والمؤثّرات، يطلع عليها قارئ القرآن الكريم» «١» ، وهو يتابع تلك المعركة الطويلة، التي قادها القرآن على عادات الجاهلية وركامها حتى انتصر عليها.
وسورة المعارج لون من ألوان البيان القرآني، في تقرير حقيقة الاخرة، وما فيها من جزاء، وموازين هذا الجزاء، وإقرار هذه الحقيقة في النفوس. وتكاد تكون لونا من ألوان السياط اللاذعة، والأضواء الكاشفة، التي ساقها القرآن الكريم لتفتح عيون المشركين على ما هم فيه من ضلال، وما ينتظرهم من حساب وعقاب.
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٥] : يسأل المشركون «٢» رسول الله (ص) سؤال استهزاء عن العذاب الذي يخوّفهم به ويجيب الله سبحانه، بأنه واقع لا شك في وقوعه، ولا يستطيع أحد دفعه وهذا العذاب من الله ذي الدرجات العلى. ويأمر الله تعالى نبيه (ص) بالصبر الجميل الهادئ.
[الآيات ٦- ١٤] : كان الكفّار ينكرون حقيقة الاخرة، ويرونها بعيدة الوقوع، وقد لقيت منهم معارضة نفسية عميقة، وكانوا يتلقّونها ببالغ العجب والدهشة والاستغراب.
وقد بيّنت الآيات أن ذلك اليوم قريب الوقوع، وكل آت قريب، ثم رسمت مشاهد هذا اليوم، في مجال الكون وأغوار النفس، وهي مشاهد توحي بالهول الشديد، في الكون وفي النفس. وفي يوم القيامة تكون السماء (كالمهل) والمهل: ذوب المعادن الكدر، أي كدرديّ «٣» الزيت. وتكون
стр. 2438
الجبال (كالعهن) : أي كالصوف الواهن المنتفش. ويتمنّى الكافر في ذلك اليوم لو يفتدى من العذاب ببنيه، وزوجته وأخيه، وقبيلته وجميع من في الأرض. وهي صورة للهول الشديد الذي يصيب الكافر فيتمنّى النجاة ولو قدّم أعز الناس إليه. ومن كان يفتديهم بنفسه في الحياة.
[الآيات ١٥- ١٨] : تردع هذه الآيات هذا الكافر، عن تلك الأماني المستحيلة، في الافتداء بالبنين والعشيرة. وتبيّن للكافر أنّ ما أمامه هو النار، تتلظّى وتتحرّق، وتنزع الجلود عن الوجوه والرؤوس نزعا وهي غول مفزعة تنادي من أعرض عن الحق، وحرص على المال، وبخل به ليدخل فيها.
[الآيات ١٩- ٢١] : جبل الإنسان على الهلع فهو قليل الصبر، شديد الحرص، يجزع إذا نزل به الضرّ والألم، فلا يتصوّر أن هناك فرجا ومن ثم يأكله الجزع، ويمزّقه الهلع، كما يغلبه الحرص والبخل عند وجود المال والعافية.
[الآيات ٢٢- ٣٥] : تستثني هذه الآيات المصلّين، فإنّهم يحافظون على صلاتهم، فتمنحهم الصلاة الثبات والاستقرار، وتراهم صابرين في البأساء، شاكرين في النعماء، يخرجون زكاة أموالهم، ويتصدّقون على الفقراء، ويصدّقون بيوم الجزاء، ويخافون غضب الله وعقابه، ويتّسمون بالاستقامة والعفة، وحفظ الفروج عن الحرام، والتمتّع بالحلال من الزوجة وملك اليمين، وأداء الشهادة بالحق والعدل، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها، وأداء سننها وآدابها وخشوعها تلك الصفات هي صفات هذا الفريق المؤمن، الذي يستحق الجنّة والتكريم، ويتمتّع بالنعيم الحسّي، والنعيم الروحي: أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) .
[الآيتان ٣٦- ٣٧] : تعرض هاتان الآيتان مشهدا من مشاهد الدعوة في مكة، والمشركون يسرعون الخطى، الى المكان الذي يكون فيه الرسول (ص) يتلو القرآن الكريم ثم يتفرّقون حواليه جماعات وفئات، لا ليسمعوا ويهتدوا، ولكن ليستطلعوا ثم يتفرقوا، يدبرون الكيد والردّ على ما سمعوا.
[الآية ٣٨] : أيطمعون في دخول
стр. 2439
الجنة، وهم على هذه الحال من الإعراض والتكذيب؟.
[الآيات ٣٩- ٤١] : لقد خلقوا من ماء مهين، وهم يعلمون أصل خلقتهم والله سبحانه قادر على أن يخلق خيرا منهم، وهم لا يسبقونه ولا يفوتونه، ولا يهربون من مصيرهم المحتوم.
ثم تتجه الآيتان ٤٢ و ٤٣ في الختام، الى وعيدهم وتهديدهم بيوم الجزاء، يوم يخرجون من القبور مسرعين، كأنّما هم ذاهبون الى نصب يعبدونه، وهم يُوفِضُونَ أي يسرعون.
وترسم الآية الأخيرة [الآية ٤٤] سماتهم، وتلمح صورة ذليلة عانية، في ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون به، فيستريبون فيه ويشكّون.
مجمل ما تضمنته السورة
«بيان جزاء الكافر في استعجال العذاب، وطول القيامة وهولها، وشغل الخلائق في ذلك اليوم المهيب، وتصوير النفس البشرية في السرّاء والضرّاء، وبيان محافظة المؤمنين على خصال الخير، وطمع الكفار في غير مطمع، وذلّ الكافرين يوم القيامة» «٤» في قوله تعالى: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) .
стр. 2440
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المعارج» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة المعارج بعد سورة الحاقّة، ونزلت سورة الحاقّة بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة المعارج في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى: مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) وتبلغ آياتها أربعا وأربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة، بيان قرب العذاب الذي أنذر به الكافرون، وبهذا يكون سياقها في سياق الإنذار المذكور في السّور السابقة وهذا هو وجه ذكر هذه السورة بعدها.
بيان قرب العذاب الآيات [١- ٤٤]
قال الله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) ، فذكر سبحانه، أنهم يسألون تعجيل عذاب واقع بهم، توبيخا على سؤالهم ثم أمر النبي (ص) أن يصبر على استهزائهم بذلك السؤال، وذكر سبحانه أنهم يرون هذا العذاب بعيدا وأنه يراه قريبا، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) ، إلى غير هذا مما ذكره من أحواله ثم ذكر أن الإنسان خلق هلوعا، فلا يقوى على ما أمره به من الصبر إلا قليل منهم، وهم
стр. 2441
المصلّون الذين هم على صلاتهم دائمون، إلى غير هذا ممّا ذكره من صفاتهم، وقد ختمها تعالى بقوله:
أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) . ثم وبّخ الكافرين على إقبالهم مسرعين نحو النبيّ (ص) يسألونه ذلك السؤال على سبيل الاستهزاء كأنّ كلّ واحد منهم، يطمع أن يدخل جنة نعيم، ولا يكون جزاؤه ذلك العذاب ثم ردعهم عن ذلك الطمع الكاذب، وذكر سبحانه أنه خلقهم من نطفة لا حياة فيها، فهو قادر على بعثهم وعذابهم، وعلى أن يبدّل خيرا منهم ثم أمر النبي (ص) أن يتركهم في لهوهم حتى يأتي ما يوعدون به، فيخرجوا من أجداثهم يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) .
стр. 2442
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المعارج» «١»
أقول: هذه السورة كالتتمّة لسورة الحاقّة، في بقية وصف يوم القيامة والنار «٢» .
وقال ابن عباس: إنّها نزلت عقب سورة الحاقّة «٣» وذلك أيضا من وجوه المناسبة في الوضع.
стр. 2443
المبحث الرابع مكنونات سورة «المعارج» «١»
١- سَأَلَ سائِلٌ [الآية ١] .
قال ابن عباس: هو النّضر بن الحارث. أخرجه ابن أبي حاتم وقيل: هو محمد (ص) .
وقيل: نوح (ع) . حكاهما الكرماني.
стр. 2444
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المعارج» «١»
١- وقال تعالى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) .
قوله تعالى: مُهْطِعِينَ (٣٦) ، أي:
مسرعين نحوك، مادّي أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك.
٢- وقال تعالى: عِزِينَ (٣٧) .
وقوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) ، أي فرقا شتّى جمع عزة، وأصلها عزوة كأنّ كلّ فرقة، تعتزى إلى غير من تعتزي إليه الأخرى.
أقول: وهذا الجمع ممّا ألحق بجمع المذكر السالم، ولهذه الألفاظ الملحقة بهذا الجمع كالسنين والثبين والمئين وغيرها دلالة تاريخية، وهي أنّ هذا الجمع كان عامّا لا يتصل بالعلم المذكر العاقل ولا صفته.
٣- وقال تعالى: كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ.
وقوله تعالى: يُوفِضُونَ (٤٣) أي:
يسرعون إلى الداعي، مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصابهم.
أقول: والفعل «أوفض» من الأفعال التي نجهلها في العربية المعاصرة.
стр. 2445
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المعارج» «١»
قال تعالى: كَلَّا إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) بالنصب على البدل من الهاء «٢» وخبر «إن» (نزّاعة) «٣» وان شئت جعلت (لظى) رفعا على خبر (إنّ) ورفعت (نزّاعة) على الابتداء.
وقال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) . ثم قال سبحانه: إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) فجعل (الإنسان) جميعا، ويدلّك على ذلك أنّ السّياق قد استثنى منه جميعا.
وقال تعالى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) كما تقول «ما لك قائما» وواحدة «العزين» العزة. مثل «ثبة» و «ثبين» .
стр. 2446
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المعارج» «١»
لم قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) ويفسّره ما بعده، والإنسان في حال خلقه ما كان موصوفا بهذه الصفات؟
قلنا: «هلوعا» حال مقدّرة. فالمعنى مقدرا فيه الهلع كما في قوله تعالى:
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ [الفتح: ٢٧] وهم ليسوا محلّقين حال الدخول.
فإن قيل: لم قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) ، ثم قال تعالى في موضع آخر من القرآن الكريم:
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) [المؤمنون] فهل بينهما فرق؟
قلنا: المراد بالدوام المواظبة والملازمة أبدا. وقيل: المراد به سكونهم فيها بحيث لا يلتفتون يمينا ولا شمالا واختاره الزجّاج وقال:
اشتقاقه من الدائم بمعنى الساكن، كما جاء في الحديث «أنه (ص) نهى عن البول في الماء الدائم» قلت: وقوله تعالى عَلى ينفي هذا المعنى فإنه لا يقال: هو على صلاته ساكن، بل يقال: هو في صلاته ساكن. والمراد بالمحافظة عليها أداؤها على أكمل وجوهها، جامعة لجملة سننها وآدابها، فالدوام يرجع إلى الصلاة نفسها والمحافظة على أحوالها.
стр. 2447
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المعارج» «١»
في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) استعارة. والمراد بدعائها من أدبر وتولّى، والله أعلم، أنّه لما استحقها بإدباره عن الحق، صارت كأنها تدعوه إليها، وتسوقه نحوها. وعلى ذلك قول ذي الرمّة «٢» في صفة الثور:
غدا بوهبين مجتازا لمرتعه بذي الفوارس تدعو أنفه الرّبب والرّبب جمع ربّة، وهي نبت من نبات الصيف.
يقول لما وجد رائحة الرّبب، مضى نحوها، فكأنها دعته إلى أكلها. وقد يجوز أيضا، أن يكون المراد بذلك أنّها لا يفوتها ذاهب، ولا يعجزها هارب.
فكأنها تدعو الهارب منها فيجيبها مدّا له بأسبابها، وردّا له إلى عذابها.
وقال بعض المفسّرين: إنّه تخرج عنق من النار فتتناول الكافر حتّى تقحمه فيها، فكأنها بذلك الفعل داعية إلى دخولها.
وقد يجوز أن يكون المراد أنّها تدعو من أدبر عن الحق. بمعنى أنّها تخوّفه، بفظاعة الخبر عنها، وتغليظ الوعيد بها، فكأنها تستعطفه الى الرشد، وتستصرفه عن الغيّ. وحكي عن المبرّد أنه قال: تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) .
стр. 2448
أي تعذّبه. وحكي عن الخليل: أنّ أعرابيا قال لآخر: دعاك الله. أي عذّبك الله. وقال ثعلب:
معنى دعاك الله. أي أماتك الله. فعلى هذا القول دخل الكلام في باب الحقيقة، ويخرج عن حيز الاستعارة.
стр. 2449
سورة نوح ٧١
стр. 2450
المبحث الأول أهداف سورة «نوح» «١»
سورة نوح سورة مكية، آياتها ٢٨، نزلت بعد سورة النحل.
فكرة السورة
السورة قصة نبيّ من أولي العزم من الرسل، أرسله الله تعالى إلى قومه ليدعوهم إلى الإيمان، فقاوموا دعوته، وأنكروا رسالته، فلفت نوح (ع) نظرهم إلى التأمّل في خلق السماء والشمس والقمر، والأرض والنبات وسائر المخلوقات، ولكنّهم صمّوا آذانهم عن سماع الحق، وحجبوا عيونهم عن النظر في الأدلّة الواضحة والحجّة الدامغة، فاستحقّوا عقاب الله وأغرقوا بالطوفان في الدنيا، ولهم في الاخرة عذاب شديد.
أهداف الرسالات
السورة نموذج حيّ لمعاناة الرسل مع قومهم، وجهادهم في سبيل الدعوة، لقد مكث نوح (ع) مع قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما، وما آمن معه إلّا قليل ولقد كان عناد قومه سببا في هلاكهم. وكأن الله سبحانه أراد أن يحذّر أهل مكة من العناد، وأن يذكّرهم بمن أهلك من الكافرين قال تعالى:
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) [الإسراء] .
يعني لقد أهلك الله قوم نوح، وأهلك من بعده عددا كبيرا كعاد وثمود وفرعون وكان هلاكهم جزاء عادلا، وعقابا مناسبا، لقوم يعلم الله إصرارهم
стр. 2451
على الكفر، وبعدهم عن قبول الحق.
لقد صبر الرسل، وصابروا، من أجل إبلاغ الدعوة إلى قومهم، وحملوا كلمة الله ناصعة نقية واضحة سليمة، وعرضوها أمام العيون والقلوب لتبصر وترى آثار قدرة الله وعظيم خلقه، وليكون إيمانها عن بيّنة ويقين، ولئلا يحتجّ إنسان يوم القيامة بأن الرسالة لم تبلغه قال تعالى:
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:
١٦٥] .
ومن هؤلاء الرسل، خمسة كانوا أكثر معاناة مع قومهم، وهم سيدنا نوح، وسيدنا ابراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى، وسيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام.
وقد كان جهادهم مع قومهم، آية في تحمّل البلاء والصبر على الإيذاء والعناد، قال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥] .
لقد صبر نوح (ع) دهرا طويلا على قومه، وألقي ابراهيم (ع) في النار، وأوذي موسى (ع) أبلغ الأذى فصبر، وحاول اليهود الإيقاع بالمسيح (ع) والإغراء بقتله فرفعه الله تعالى اليه، وكان خاتم الرسل محمد (ص) يتحمّل صنوف الأذى وألوان الاضطهاد في مكّة، ويتحمل نفاق المنافقين وكيد اليهود في المدينة. ولكنّ العاقبة كانت للمتقين. لقد أدّى الرسل واجبهم، وبلّغوا رسالتهم، ونجّاهم الله مع المؤمنين، ثم عاقب الجاحدين.
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) [الصافات] .
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٤] : أرسل الله نوحا (ع) ، ليدعو قومه إلى عبادة الله سبحانه وطاعته، وقد بلّغ نوح دعوة ربه إلى قومه، ولخّص دعوته في ثلاث كلمات: اعبدوا الله وحده واتقوه وآمنوا به عن يقين وأطيعوا رسولكم فيما يأمركم به، وينهاكم عنه.
وبهذا الإيمان تستحقّون مغفرة الله لكم، والبركة في أعماركم، ولا شكّ أنّ للطاعات مدخلا في راحة البال واستقرار العيش، وهدوء النفس، وهذا بلا ريب، يطيل هناءة العمر، ويجعله مباركا حافلا بالأعمال النافعة.
стр. 2452
[الآيات ٥- ٩] : تعبّر الآيات عن جهود نبيّ كريم، في دعوة قومه إلى الإيمان، فهو يؤدّي رسالته، وينهض بدعوة قومه ويناجي ربّه قائلا ما معناه:
لقد دعوت قومي إلى عبادتك والإيمان بك في الليل والنهار، وانتهزت كلّ فرصة مناسبة، لدعوتهم وإرشادهم ولكنّهم لم يستجيبوا لدعوة الله، وقابلوها بالجحود والعناد، وأغلقوا في وجه الدعوة قلوبهم، وسدّوا منافذ العلم إلى نفوسهم، فجعلوا أصابعهم في آذانهم، ليمنعوها من السمع، وغطّوا عيونهم بثيابهم ليمنعوها من الإبصار واستمروا في عنادهم وكفرهم.
وقد لوّن نوح (ع) في أساليب الدعوة، فدعاهم علنا في أماكن التجمّع فلم يستجيبوا، فدعا كل فرد على حدة، وحاول استمالة الأشخاص واقناعهم، فلم يلق قبولا.
[الآيات ١٠- ١٢] : وقد دعاهم إلى التوبة والإنابة، وطلب المغفرة من الله فإذا صدقوا في توبتهم غمرهم الله بالنعم، وأنزل عليهم المطر، ورزقهم الأموال والذّريّة، والبساتين النضرة والمياه الجارية.
[الآيات ١٣- ٢٠] : لم لا تعظّمون الله وهو خالق الأوّلين والآخرين في أطوار وجودهم، وجميع ما في الكون يدلّ على الله؟ فالسماوات السبع المتطابقة بعضها فوق بعض، والشمس والقمر، وخلق الإنسان ونموّه كما ينمو النبات، ثم عودته إلى الأرض بعد الموت، والأرض الممهّدة، المهيّأة للانتفاع بما في باطنها من كنوز ومعادن، وما في ظاهرها من زراعة وصناعة وتجارة، هذه المخلوقات كلّها تدلّ على الإله الخالق.
[الآيات ٢١- ٢٥] : في هذا المقطع نسمع آلام نبيّ كريم، قدم لقومه مختلف الحجج والبراهين، ولكنّ قومه قابلوا دعوته بالتكذيب والعصيان، واتّبعوا الخاسرين الهالكين، والزعماء المضللين، وبيّتوا أمرهم بالكيد لنوح ودعوته، وتواصوا بالبقاء على كفرهم ومألوفهم وعبادة أصنامهم، وخصّوا بالذكر الأصنام الخمس الكبار وهي:
ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وهي أصنام كان قوم نوح يعبدونها، ثم عبدتها العرب. وهنا ضاق نوح بقومه، وضلالهم الكثير، فدعا الله أن يزيدهم ضلالا جزاء
стр. 2453
عنادهم: لقد ارتكبوا كثيرا من الأخطاء، ولذلك أغرقهم الله بالطوفان، ثم أدخلوا في عذاب القبر، وعذاب النار، ولم يجدوا أحدا ينصرهم وينقذهم من عذاب الله.
وهكذا يكون جزاء كلّ كافر معاند، أن يحلّ به بطش الله القويّ الغالب: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) [الفجر] .
[الآيتان ٢٦- ٢٧] : وفي آخر السورة زفرات نبي مكلوم مكث ألف سنة، ثم قوبل بالجحود، فسأل ربّه أن يهلك جميع الكافرين، وألّا يترك منهم أحدا، وليس ذلك حبّا في الانتقام، ولكن رغبة في نظافة الأرض منهم، لأنّ بقاءهم كفّارا، يخشى منه أن يفتنوا المؤمنين، ويضلّوهم بالرغبة أو الرهبة ولا يخرج من أصلاب هؤلاء الكافرين إلّا فاجر كافر، فالإناء ينضح بما فيه.
[الآية ٢٨] : وفي آخر آية تبتّل نبي كريم بدعاء نديّ رضيّ، يطلب فيه مغفرة الله له ولوالديه، ولمن دخل في دعوته وآمن به، ولسائر المؤمنين والمؤمنات أمّا الظالمون فلا يستحقّون الهداية، التي أعرضوا عنها، بل يستحقون أن يزيدهم الله ضلالا إلى ضلالهم فمن أعرض عن الله سبحانه، سلب عنه تعالى الهدى والتوفيق، وتركه يتخبط في دياجير الظلام: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] .
المعنى الإجمالي للسورة
الهدف الرئيس للسورة، بيان دعوة نوح (ع) وحرصه على إيمان قومه، وقد حوت هذه الدعوة ما يأتي:
(أ) طلب تركهم للذنوب، وأنهم إذا فعلوا ذلك، أكثر الله لهم المال والبنين.
(ب) النظر في خلق السماوات والأرض، والأنهار والبحار.
(ج) النظر في خلق الإنسان، وأنه سبحانه يخلق في الأرض كما يخلق النبات، وأنّ الأرض مسخّرة له، يتصرّف فيها، جلت قدرته، كما يشاء.
وبيّنت السورة، كفر قوم نوح وعنادهم، وعقابهم في الدنيا والاخرة.
стр. 2454
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «نوح» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة نوح بعد سورة النحل، ونزلت سورة النحل بعد الإسراء وقبيل الهجرة فيكون نزول سورة نوح، في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) وتبلغ آياتها ثماني وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة: إنذار المشركين بما حصل لقوم نوح (ع) حينما عصوه. وبهذا تكون موافقة للسّور المذكورة قبلها في سياق الإنذار، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.
قصة نوح الآيات [١- ٢٨]
قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) ، فذكر تعالى أنه أرسل نوحا (ع) إلى قومه، لينذرهم قبل أن يعذّبهم على كفرهم وأن نوحا (ع) دعاهم إلى عبادة الله ﷻ ، ليغفر لهم ذنوبهم وكان كلّما دعاهم أصرّوا واستكبروا وأنه كان يكرر الدعوة، ويقيم لهم الأدلة على ألوهيّة الله
стр. 2455
سبحانه، إلى أن يئس نوح (ع) منهم ودعا ربه أن يهلكهم لأنه إن تركهم، يضلّوا عباده، ولا يلدوا إلا فاجرا كافرا. رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً (٢٨) .