على الكفر، وبعدهم عن قبول الحق.
لقد صبر الرسل، وصابروا، من أجل إبلاغ الدعوة إلى قومهم، وحملوا كلمة الله ناصعة نقية واضحة سليمة، وعرضوها أمام العيون والقلوب لتبصر وترى آثار قدرة الله وعظيم خلقه، وليكون إيمانها عن بيّنة ويقين، ولئلا يحتجّ إنسان يوم القيامة بأن الرسالة لم تبلغه قال تعالى:
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:
١٦٥] .
ومن هؤلاء الرسل، خمسة كانوا أكثر معاناة مع قومهم، وهم سيدنا نوح، وسيدنا ابراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى، وسيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام.
وقد كان جهادهم مع قومهم، آية في تحمّل البلاء والصبر على الإيذاء والعناد، قال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥] .
لقد صبر نوح (ع) دهرا طويلا على قومه، وألقي ابراهيم (ع) في النار، وأوذي موسى (ع) أبلغ الأذى فصبر، وحاول اليهود الإيقاع بالمسيح (ع) والإغراء بقتله فرفعه الله تعالى اليه، وكان خاتم الرسل محمد (ص) يتحمّل صنوف الأذى وألوان الاضطهاد في مكّة، ويتحمل نفاق المنافقين وكيد اليهود في المدينة. ولكنّ العاقبة كانت للمتقين. لقد أدّى الرسل واجبهم، وبلّغوا رسالتهم، ونجّاهم الله مع المؤمنين، ثم عاقب الجاحدين.
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) [الصافات] .
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٤] : أرسل الله نوحا (ع) ، ليدعو قومه إلى عبادة الله سبحانه وطاعته، وقد بلّغ نوح دعوة ربه إلى قومه، ولخّص دعوته في ثلاث كلمات: اعبدوا الله وحده واتقوه وآمنوا به عن يقين وأطيعوا رسولكم فيما يأمركم به، وينهاكم عنه.
وبهذا الإيمان تستحقّون مغفرة الله لكم، والبركة في أعماركم، ولا شكّ أنّ للطاعات مدخلا في راحة البال واستقرار العيش، وهدوء النفس، وهذا بلا ريب، يطيل هناءة العمر، ويجعله مباركا حافلا بالأعمال النافعة.
стр. 2452
[الآيات ٥- ٩] : تعبّر الآيات عن جهود نبيّ كريم، في دعوة قومه إلى الإيمان، فهو يؤدّي رسالته، وينهض بدعوة قومه ويناجي ربّه قائلا ما معناه:
لقد دعوت قومي إلى عبادتك والإيمان بك في الليل والنهار، وانتهزت كلّ فرصة مناسبة، لدعوتهم وإرشادهم ولكنّهم لم يستجيبوا لدعوة الله، وقابلوها بالجحود والعناد، وأغلقوا في وجه الدعوة قلوبهم، وسدّوا منافذ العلم إلى نفوسهم، فجعلوا أصابعهم في آذانهم، ليمنعوها من السمع، وغطّوا عيونهم بثيابهم ليمنعوها من الإبصار واستمروا في عنادهم وكفرهم.
وقد لوّن نوح (ع) في أساليب الدعوة، فدعاهم علنا في أماكن التجمّع فلم يستجيبوا، فدعا كل فرد على حدة، وحاول استمالة الأشخاص واقناعهم، فلم يلق قبولا.
[الآيات ١٠- ١٢] : وقد دعاهم إلى التوبة والإنابة، وطلب المغفرة من الله فإذا صدقوا في توبتهم غمرهم الله بالنعم، وأنزل عليهم المطر، ورزقهم الأموال والذّريّة، والبساتين النضرة والمياه الجارية.
[الآيات ١٣- ٢٠] : لم لا تعظّمون الله وهو خالق الأوّلين والآخرين في أطوار وجودهم، وجميع ما في الكون يدلّ على الله؟ فالسماوات السبع المتطابقة بعضها فوق بعض، والشمس والقمر، وخلق الإنسان ونموّه كما ينمو النبات، ثم عودته إلى الأرض بعد الموت، والأرض الممهّدة، المهيّأة للانتفاع بما في باطنها من كنوز ومعادن، وما في ظاهرها من زراعة وصناعة وتجارة، هذه المخلوقات كلّها تدلّ على الإله الخالق.
[الآيات ٢١- ٢٥] : في هذا المقطع نسمع آلام نبيّ كريم، قدم لقومه مختلف الحجج والبراهين، ولكنّ قومه قابلوا دعوته بالتكذيب والعصيان، واتّبعوا الخاسرين الهالكين، والزعماء المضللين، وبيّتوا أمرهم بالكيد لنوح ودعوته، وتواصوا بالبقاء على كفرهم ومألوفهم وعبادة أصنامهم، وخصّوا بالذكر الأصنام الخمس الكبار وهي:
ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وهي أصنام كان قوم نوح يعبدونها، ثم عبدتها العرب. وهنا ضاق نوح بقومه، وضلالهم الكثير، فدعا الله أن يزيدهم ضلالا جزاء
стр. 2453
عنادهم: لقد ارتكبوا كثيرا من الأخطاء، ولذلك أغرقهم الله بالطوفان، ثم أدخلوا في عذاب القبر، وعذاب النار، ولم يجدوا أحدا ينصرهم وينقذهم من عذاب الله.
وهكذا يكون جزاء كلّ كافر معاند، أن يحلّ به بطش الله القويّ الغالب: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) [الفجر] .
[الآيتان ٢٦- ٢٧] : وفي آخر السورة زفرات نبي مكلوم مكث ألف سنة، ثم قوبل بالجحود، فسأل ربّه أن يهلك جميع الكافرين، وألّا يترك منهم أحدا، وليس ذلك حبّا في الانتقام، ولكن رغبة في نظافة الأرض منهم، لأنّ بقاءهم كفّارا، يخشى منه أن يفتنوا المؤمنين، ويضلّوهم بالرغبة أو الرهبة ولا يخرج من أصلاب هؤلاء الكافرين إلّا فاجر كافر، فالإناء ينضح بما فيه.
[الآية ٢٨] : وفي آخر آية تبتّل نبي كريم بدعاء نديّ رضيّ، يطلب فيه مغفرة الله له ولوالديه، ولمن دخل في دعوته وآمن به، ولسائر المؤمنين والمؤمنات أمّا الظالمون فلا يستحقّون الهداية، التي أعرضوا عنها، بل يستحقون أن يزيدهم الله ضلالا إلى ضلالهم فمن أعرض عن الله سبحانه، سلب عنه تعالى الهدى والتوفيق، وتركه يتخبط في دياجير الظلام: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] .
المعنى الإجمالي للسورة
الهدف الرئيس للسورة، بيان دعوة نوح (ع) وحرصه على إيمان قومه، وقد حوت هذه الدعوة ما يأتي:
(أ) طلب تركهم للذنوب، وأنهم إذا فعلوا ذلك، أكثر الله لهم المال والبنين.
(ب) النظر في خلق السماوات والأرض، والأنهار والبحار.
(ج) النظر في خلق الإنسان، وأنه سبحانه يخلق في الأرض كما يخلق النبات، وأنّ الأرض مسخّرة له، يتصرّف فيها، جلت قدرته، كما يشاء.
وبيّنت السورة، كفر قوم نوح وعنادهم، وعقابهم في الدنيا والاخرة.
стр. 2454
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «نوح» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة نوح بعد سورة النحل، ونزلت سورة النحل بعد الإسراء وقبيل الهجرة فيكون نزول سورة نوح، في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) وتبلغ آياتها ثماني وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة: إنذار المشركين بما حصل لقوم نوح (ع) حينما عصوه. وبهذا تكون موافقة للسّور المذكورة قبلها في سياق الإنذار، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.
قصة نوح الآيات [١- ٢٨]
قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) ، فذكر تعالى أنه أرسل نوحا (ع) إلى قومه، لينذرهم قبل أن يعذّبهم على كفرهم وأن نوحا (ع) دعاهم إلى عبادة الله ﷻ ، ليغفر لهم ذنوبهم وكان كلّما دعاهم أصرّوا واستكبروا وأنه كان يكرر الدعوة، ويقيم لهم الأدلة على ألوهيّة الله
стр. 2455
سبحانه، إلى أن يئس نوح (ع) منهم ودعا ربه أن يهلكهم لأنه إن تركهم، يضلّوا عباده، ولا يلدوا إلا فاجرا كافرا. رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً (٢٨) .
стр. 2456
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «نوح» «١»
أقول: أكثر ما ظهر في وجه اتصالها بما قبلها، بعد طول الفكر، أنه سبحانه لمّا قال في (سأل) : إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ [المعارج] . عقّبه بقصة قوم نوح (ع) المشتملة على إبادتهم عن آخرهم، بحيث لم يبق منهم ديّار، وبدّل خيرا منهم، فوقع الاستدلال لما ختم به تبارك.
هذا مع تاخي مطلع السورتين في ذكر العذاب التي يوعد به الكافرين «٢» .
стр. 2457
المبحث الرابع مكنونات سورة «نوح» «١»
١- اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ [الآية ٢٨] .
قال سعيد بن جبير: يعني والده وجدّه. أخرجه أبن أبي حاتم.
واسم أبيه: لمك بوزن ضرب.
وجدّه متّوشلخ، بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية المضمومة، بعدها واو ساكنة، وفتح الشين المعجمة واللام، بعدها خاء معجمة.
стр. 2458
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «نوح» «١»
١- قال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) .
وقرئ بالتخفيف أيضا، والكبار أكبر من الكبير، والكبّار أكبر من الكبار.
كقولهم طوال وطوّال.
أقول: ولا نعرف هذه الأبنية في العربية بالتخفيف والتثقيل.
стр. 2459
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «نوح» «١»
قال تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) ، أي: لا تخافون لله عظمة.
و «الرجاء» هاهنا خوف، و «الوقار» عظمة. وقال الشاعر «٢» [من الطويل وهو الشاهد الثاني والسبعون بعد المائتين] :
إذا لسعته النّحل «٣» لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواسل «٤»
وقال تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) ، طورا علقة وطورا مضغة.
وقال تعالى: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [الآية ١٦] وإنّما هو، والله أعلم، على كلام العرب، وإنما القمر في السماء الدنيا، فيما ذكر كما تقول «أتيت بني تميم» وإنما أتيت بعضهم «٥» .
وقال تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) . بجعل «النّبات» المصدر، والمصدر «الإنبات» لأن هذا يدل على المعنى.
وقال تعالى: سُبُلًا فِجاجاً (٢٠) .
واحدها «الفجّ» وهو الطريق.
وقال سبحانه: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ [الآية ٢٤] ، لأن هذا حكاية من قول نوح (ع) دعاء عليهم.
стр. 2460
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «نوح» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الآية ٤] فإن كان المراد به تأخيرهم عن الأجل المقدّر لهم في الأزل، فهو محال لقوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [المنافقون: ١١] وقوله تعالى:
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ [الآية ٤] .
وإن كان المراد به تأخيرهم إلى مجيء الأجل المقدّر لهم في الأزل، فما فائدة تخصيصهم بهذا، وهم وغيرهم في ذلك سواء، على تقدير وجود الإيمان منهم، وعدم وجوده؟
قلنا: معناه ويؤخّركم عن العذاب، إلى منتهى آجالكم، على تقدير الإيمان، فلا يعذّبكم في الدنيا، كما عذّب غيركم من الأمم الكافرة فيها.
الثاني: أنّه، سبحانه، قضى أنهم إن آمنوا عمّرهم ألف سنة، وإن لم يؤمنوا أهلكهم بالعذاب لتمام خمسمائة سنة، فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى هذا الأجل.
فإن قيل: لم أمرهم بالاستغفار، والاستغفار إنما يصح من المؤمن دون الكافر؟
قلنا: معناه: استغفروا ربّكم من الشرك، بالتوحيد.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) . والحيوان ضد النبات، فكيف ينطلق على الحيوان أنه نبات؟
стр. 2461
قلنا. هو استعارة، للإنشاء والإخراج من الأرض، بواسطة آدم (ع) .
فإن قيل: لم دعا نوح (ع) على قومه بقوله، كما ورد في التنزيل: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا، مع أنه أرسل ليهديهم ويرشدهم؟
قلنا: إنما دعا عليهم بذلك، بعد ما أعلمه الله تعالى أنهم لا يؤمنون.
فإن قيل: لم قال نوح، كما ورد في التنزيل: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) وصفهم بالفجور والكفر في حال ولادتهم وهم أطفال وكيف علم أنهم لا يلدون إلا فاجرا كفارا؟
قلنا: إنّهم لا يلدون إلا من يفجر ويكفر إذا بلغ، وإنما علم ذلك بإعلام الله تعالى أو وصفهم بما يؤولون إليه من الفجور والكفر، وعلم ذلك بإعلام الله إياه.
стр. 2462
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «نوح» «١»
في قوله سبحانه: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) استعارة، لأنّ الوقار، هاهنا، وضع الحلم مجازا يقال: رجل وقور، بمعنى حليم.
فأما حقيقة الوقار الذي هو الرزانة والثّقل، فلا يجوز أن يوصف بها القديم سبحانه، لأنها من صفات الأجسام، وإنما يجوز وصفه تعالى بالوقار، على معنى الحلم كما ذكرنا.
والمعنى أنه يؤخّر عقاب المذنبين مع الاستحقاق، إمهالا للتوبة، وإنظارا للفيئة والرجعة. لأنّ الحليم في الشاهد، اسم لمن يترك الانتقام عن قدرة، ولا يسمى غير القادر إذا ترك الانتقام حليما، للعلّة الّتي ذكرناها.
وقوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) هاهنا أي لا تخافون. فكأنه سبحانه قال: ما لكم لا تخافون الله حلما؟ وإنما أخّر عقوبتكم، إمهالا لكم، وإيجابا للحجة عليكم. وإلّا فعقابه من ورائكم، وانتقامه قريب منكم.
وقد جاء في شعر العرب لفظ الرجاء، والمراد به الخوف. ولا يرد ذلك إلا وفي الكلام حرف نفي. لا يقال: فلان يرجو فلانا بمعنى يخافه، بل يقال: فلان لا يرجو فلانا. أي لا يخافه. وقال الهذلي أبو ذؤيب «٢» :
стр. 2463
إذا لسعته الدّبر «٢» لم يرج لسعها وحالفها في بيت نوب عواسل «٣» أراد لم يخف لسعها.
وقال الاخر «٤» :
لا ترتجي حين تلاقي الذائدا أخمسة لاقت معا أو واحدا أي لا تخاف. وقال بعض العلماء:
إنما كنوا عن الخوف بالرجاء في هذه المواضع، لأن الراجي لا يستيقن، فمعه طرف من المخافة. وقال بعضهم: الوقار هاهنا بمعنى العظمة، وسعة المقدرة. وأصل الوقار: ثبوت ما به يكون الشيء عظيما، من الحلم والعلم، اللذين يؤمن معهما الخرق والجهل.
ومن ذلك قول القائل: وقد وقر قول فلان في قلبي. أي ثبت واستقر، أو خدش وأثر.
وفي قوله سبحانه: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) استعارة، لأن حقيقة الإنبات إنما تجري على ما تطلعه من نباتها، وتخرجه عند ازدراعها. ولمّا كان سبحانه، يخرج البريّة من مضايق الأحشاء، إلى مفاسح الهواء، ويدرجهم من الصّغر إلى الكبر، وينقلهم من الهيئات والصور كل ذلك على وجه الأرض، فقد قال: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) .
وقال بعضهم، قد يجوز أن يكون المراد بذلك، خلق آدم ﵇ من الطين، وهو أصل الخليقة. فإذا خلقه سبحانه من طين الأرض، كان نسله مخلوقين منها، لرجوعهم إلى الأصل المخلوق من طينها. فحسن أن يقول سبحانه: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) أي استخرجكم من طين الأرض. و «نباتا» هاهنا، مصدر وقع مخالفا لما يوجبه بناء فعله وكان الوجه أن يكون: إنباتا. لأنّه في الظاهر مصدر أنبتكم. وقد قيل إنّ هناك فعلا محذوفا جرى المصدر عليه، فكأنه
стр. 2464
تعالى قال: والله أنبتكم من الأرض فنبتم نباتا. لأن أنبت يدل على نبت، من جهة أنه مضمّن به.
وفي قوله سبحانه: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً (٢٠) استعارة. والمراد بالبساط هاهنا: المكان الواسع المستوي. مشبّه بالبساط، وهو النمط الذي يمدّ على الاستواء، فيجلس عليه.
وقال الأصمعي «٥» : وبنو تميم خاصة يقولون بساط، بفتح الباء. وقال الشاعر «٦» :
ودون يد الحجّاج من أن ينالني بساط لأيدي الناعجات «٧» عريض وتصيير الأرض بساطا، كتصييرها فراشا ومهادا.
وهذه الألفاظ الثلاثة ترجع إلى معنى واحد.
стр. 2465
سورة الجنّ ٧٢
стр. 2466
المبحث الأول أهداف سورة «الجنّ» «١»
سورة الجن سورة مكية، آياتها ٢٨ آية، نزلت بعد سورة الأعراف.
وهي سورة تصحّح كثيرا من المعلومات الخاطئة لأهل الجاهلية عن الجن، فقد كانوا يزعمون أن محمّدا (ص) ، يتلقّى من الجن ما يقوله لهم عنها، فتجيء الشهادة من الجن أنفسهم بهذه القضايا التي يجحدونها ويجادلون فيها، وبتكذيب دعواهم في استمداد محمّد (ص) من الجن شيئا.
والجن لم يعلموا بهذا القرآن إلّا حينما سمعوه من محمّد (ص) ، فهالهم وراعهم ومسّهم منه ما يدهش ويذهل، فانطلقوا يحدّثون عن هذا الحدث العظيم، الذي شغل السماء والأرض، والإنس والجن والملائكة والكواكب، وترك آثاره ونتائجه في الكون كلّه، وهي شهادة لها قيمتها في النفس البشريّة حتما.
أوهام عن الجن
كان العرب يبالغون في أهمّية الجن، ويعتقدون أنّ لهم سلطانا في الأرض، فكان الواحد منهم، إذا أمسى بواد أو قعر، لجأ إلى الاستعاذة بعظيم الجن الحاكم لما نزل فيه من الأرض، فقال أعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه، ثم بات آمنا.
كذلك كانوا يعتقدون أنّ الجنّ تعلم الغيب، وتخبر به الكهّان، فينبئون بما يتنبّأون وفيهم من عبد الجنّ، وجعل بينهم وبين الله نسبا وزعم أن له
стр. 2467
سبحانه وتعالى زوجة منهم، تلد له الملائكة. وهكذا نجد كثيرا من الأوهام والأساطير، تغمر قلوب الناس ومشاعرهم، وتصوّراتهم عن الجن في القديم، ولا تزال هذه الأوهام، تسود بعض البيئات إلى يومنا هذا.
ونجد في الصف الاخر، منكرين لوجود الجنّ أصلا، يصفون أيّ حديث عن هذا الخلق المغيّب، بأنه حديث خرافة ...
وبين الإغراق في الوهم، والإغراق في الإنكار، يقرّر الإسلام حقيقة الجن، ويصحّح التصوّرات العامة عنهم، ويحرّر القلوب من خوفها، وخضوعها لسلطانهم الموهوم.
الجن في القرآن
تحدث القرآن الكريم عن الجن في عدد من السور، وعالج الأخطاء الشائعة عن الجن، وأثبت الحقيقة المتعلقة بالجن، وقدّم للإنسان صورة واضحة دقيقة متحرّرة من الوهم والخرافة، ومن التعسّف في الإنكار الجامح فالجنّ عالم نؤمن به، وبخصائصه، كما وردت في القرآن الكريم ولا يظهرون للعين، ولا يراهم الإنسان بحاسّة البصر.
والجنّ منهم الضّالّون المضلّون، ومنهم السذّج الأبرياء، الذين ينخدعون، ومنهم المستقيمون على الطريق القويم والمنهج السليم. وليس للجن معرفة بالغيب، وليس لهم قوة ولا حيلة مع قوة الله، وليس بينهم وبين الله صهر ولا نسب. وقد كان إبليس من الجن، ثم فسق عن أمر ربه، وتمحّض بالشرّ والفساد والإغراء. وقد خلق الجن من النار، كما خلق الإنسان من الطين. وقد سخّرت الجن لسليمان (ع) ، فمنهم من كان يبني له المساجد والمنازل والأبنية المختلفة، ومنهم من كان يغوص في البحر يستخرج له اللؤلؤ والياقوت والأحجار الكريمة، وسلّطه الله على المردة والخارجين على القانون، فكان يقيّدهم في السلاسل والأغلال، ويسخّرهم في الأعمال، ويرهقهم بألوان العذاب.
وقد جعل الله سبحانه السيطرة على الجن منحة خاصة لسليمان (ع) ، فقد سأل ربه ملكا لا يتهيّأ لأحد من بعده،
стр. 2468
فأعطاه الله ملك الريح والجن والشياطين والمردة:
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) [ص] .
«إن الكون من حولنا حافل بالأسرار، عامر بالأرواح، حاشد بالقوى، وهذه السورة من القرآن، كغيرها من السّور، تمنحنا جوانب من الحقائق في هذا الوجود، تعين على بناء تصور حقيقي صحيح للوجود، وما فيه من قوى وأرواح وحيوات تعجّ من حولنا، وتتفاعل مع حياتنا. وهذا التصوّر هو الذي يميّز المسلم، ويقف به وسطا بين الوهم والخرافة، وبين الادّعاء والتطاول، ومصدره هو القرآن والسنة، وإليهما يحاكم المسلم كلّ تصوّر آخر، وكلّ قول، وكلّ تفسير» «١» .
استماع الجن للقرآن
في كتب السنّة، ما يفيد أن الجن قد استمعت للقرآن عرضا دون قصد، فأسلمت وآمنت، وانطلقت تدعو قومها إلى الإسلام.
وفي روايات أخرى، أن النبي (ص) انطلق متعمّدا ليبلّغ دعوته إلى الجن.
وقد افتقده أصحابه ذات ليلة، فاشتدّ بهم القلق، وباتوا بشرّ ليلة بات بها قوم فلمّا أصبحوا جاءهم النبي (ص) من قبل حراء فقال: «أتاني داعي الجنّ فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن» .
والروايتان السابقتان واردتان في الصحيح إحداهما عن ابن عبّاس، يقول: إنّ النبي (ص) لم يعرف بحضور النفر من الجن، والرواية الثانية عن ابن مسعود، تقول إنهم استدعوه (ص) ، ويوفّق البيهقي بين الروايتين، بأنهما حادثان لا حادث واحد.
وفي رواية ثالثة لابن إسحاق: أنّ الجن استمعت إلى النبي (ص) ، ليلة عودته من الطائف قبل الهجرة.
ولعلّ الجنّ قد استمعت للنبي (ص)
стр. 2469
غير مرة، وكان في استماع الجن للنبي (ص) ، بمكّة قبل الهجرة، تطييبا لخاطره، وتصديقا لدعوته، وتحقيقا للحق بشأن الجن، وتصحيحا لمفاهيم الجاهلية عن الجن، وترشيدا للمسلمين ليكون إيمانهم عن بينة. وقد ساقت سورة الجنّ كثيرا من الحقائق عن الألوهيّة والعقيدة والوحدانية، وإخلاص العبادة لله سبحانه فهي سورة الجنّ، ولكنها توجيه وإرشاد وتعليم للخلق أجمعين.
أسماء السورة
نلاحظ أنّ السورة في القرآن، تسمّى بأغرب شيء فيها، أو أهمّ شيء فيها، فسورة البقرة اشتملت على قصة قتيل ضرب بقطعة من البقرة، فردّت إليه الحياة. وسورة آل عمران اشتملت على قصة مريم ابنة عمران، وسورة النساء اشتملت على ذكر أحكام النساء.
وسورة المائدة اشتملت على قصة المائدة التي نزلت من السماء استجابة لدعاء عيسى (ع) .
كما سمى الله سبحانه سور كتابه الكريم، بأسماء تبعث على النظر والاعتبار، وتوجب التفكير، فسمى بالأنعام وبالحشرات كالنمل والنحل والعنكبوت، وبما هو ألطف من ذلك كالنور كما سمى ببعض الأنبياء، كيوسف ويونس وهود ﵈ وببعض الأخلاق كالتوبة وببعض الكواكب العلوية كالشمس والقمر والنجم وببعض الأوقات كالليل والفجر والضحى وببعض المعادن كالحديد وببعض الأماكن كالبلد وببعض النبات كالتين وكل ذلك مما نراه.
وهنا، سمّى هذه السورة بعالم لا نراه، وهو عالم الجن، وهو عالم لم يعرف في الإسلام إلّا من طريق الوحي، وليس للعقل دليل عليه فالمؤمن يؤمن بالغيب، ويؤمن بالملائكة وبالجن، على نحو ما ورد في القرآن.
وسمّيت السورة سورة الجن، لأنّها تحدّثت عنهم، وبدأت بذكرهم، فقالت: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) .
مع آيات السورة
[الآيتان ١- ٢] : تطالعنا السورة، بأنّ الجنّ فوجئت باستماع القرآن
стр. 2470
الكريم، فقالوا لقومهم إنّا سمعنا كتابا بديعا يهدي إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم، فصدّقنا به، ولن نعود إلى ما كنّا عليه من الإشراك بالله.
[الآية ٣] : ثم نزّهوا ربّهم عن الزوجة والولد، فقالوا: علا ملك ربنا وسلطانه، أن يكون ضعيفا ضعف خلقه، الذين تضطرّهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو ملامسة يكون منها الولد وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله، جاءته من صهر مع الجن فجاءت الجنّ، تكذّب هذه الخرافة الأسطورية، في تسبيح لله وتنزيه.
[الآية ٤] : وأنّ الجهّال من الجن، كانوا يقولون قولا شططا بعيدا عن الصواب، بنسبة الولد والصاحبة إليه تعالى.
[الآية ٥] : وأنّهم، كانوا يستعظمون أن يجرأ أحد على الكذب على الله فلمّا قال لهم سفهاؤهم: إن لله صاحبة وولدا، صدّقوهم، لأنهم لم يتصوّروا أنهم يكذبون على الله.
[الآية ٦] : وأنّ رجالا من الإنس، كانوا يستعيذون في القفر برجال من الجن، فزادوا الجنّ بذلك طغيانا وغيّا وأنّهم لما استعاذوا بالجن خوفا منهم، ولم يستعيذوا بالله، استذّلوهم واجترءوا عليهم.
[الآية ٧] : ظنّت الطائفة الظالمة من الجن، أنّ الله لن يبعث رسولا إلى خلقه، يدعوهم إلى توحيده، والإيمان برسله، واليوم الاخر.
أو ظنّوا أن لن يبعث الله أحدا بعد الموت، وهذا الظنّ مخالف للاعتقاد في حكمة الله وكماله. وهؤلاء النفر من الجنّ المؤمن، يصحّحون لقومهم ظنّهم والقرآن، في حكايته عنهم، يصحّح للمشركين أوهامهم.
[الآيتان ٨- ٩] : كان الجن يحاولون الاتصال بالملإ الأعلى، واستراق شيء ممّا يدور فيه بين الملائكة، عن شؤون الخلائق في الأرض، ثم يوحون بما التقطوه لأوليائهم من الكهان والعرّافين، الذين يستغلّون الكثير من الحق، فيمزجونه بالكثير من الباطل، ويروّجونه بين جماهير الناس.
وبعد رسالة النبي محمد (ص)
стр. 2471
حاول الجن استراق السمع من السماء، فلم يتمكّنوا، لأنّ الحراسة شدّدت على السماء، ومن حاول استراق السمع ومعرفة الغيب، رجم بالشهب فقتلته، أو خبلته.
[الآية ١٠] : إن الجن لا تعلم شيئا عن الغيب المقدّر للبشر، ولا يدرون الحكمة من حراسة السماء بالشهب، ولا ماذا قدّر الله لعباده في الأرض، أعذابا أراد الله أن ينزله بهم، أم أراد بهم ربهم الهدى، بأن يبعث منهم رسولا مرشدا، يهديهم إلى الحق، والى طريق مستقيم.
[الآية ١١] : من الجن الصالح والطالح، ومنهم المسلم والجائر، فهم مثلهم مثل الإنسان في طبيعته، لديهم استعداد للخير والشرّ، إلّا من تمحّض منهم للشر، وهو إبليس وقبيله.
[الآية ١٢] : إن الله قادر علينا حيث كنا، فلا نفوته هربا فهم يقررون ضعف المخلوق أمام الخالق، ويشعرون بسلطان الله القاهر الغالب.
[الآية ١٣] : لمّا سمعنا القرآن صدّقنا به، وأقررنا بأنه من عند الله. ومن يصدق بالله وبما أنزله على رسله، فلا يخاف نقصا من حسناته، ولا هوانا ولا جورا لأنّ المؤمن في حماية الله وعونه ورعايته، وسينال جزاءه وافرا كاملا.
[الآية ١٤] : من الجن فريق مؤمن، أطاع الله واستقام على الهدى، وفريق قاسط جائر مائل عن الصواب. وقد وصل الفريق المؤمن إلى الصواب، حينما اختار الإسلام، وحرص على الرشد والاهتداء.
[الآية ١٥] : أمّا الجائرون عن سنن الإسلام، فشأنهم أن يكونوا حطبا لجهنّم، تتلظّى بهم وتزداد اشتعالا، كما تتلظّى النار بالحطب.
[الآية ١٦] : يلتفت القرآن في الخطاب، وينتقل من الحديث على لسان الجن، إلى مخاطبة الرسول (ص) والخلق أجمعين فيقول ما معناه:
لو استقام الإنس والجن على ملّة الإسلام، لوسّعنا عليهم أرزاقهم، ولبسطنا لهم خيرات الحياة.
[الآية ١٧] : وهذه النعم للاختبار والابتلاء، فمن شكر النعمة وأحسن
стр. 2472
التصرّف فيها استحق بقاءها ومن أعرض عن منهج الله، دخل في العذاب الشاقّ الذي يعلوه، ويغلبه ولا يطيق له حملا.
[الآية ١٨] : إنّ السجود، أو مواضع السجود، وهي المساجد، لا تكون إلا لله فهناك يكون التوحيد الخالص، ويتوارى كلّ ظلّ لأيّ كائن، ولكل قيمة، ولكل اعتبار وينفرد الجو للعبودية الخالصة لله.
[الآية ١٩] : لمّا قام محمد (ص) يعبد الله، كاد الجن يكونون جماعات بعضها فوق بعض، تعجّبا مما شاهدوا من عبادته، وسمعوا من قراءته، واقتداء أصحابه، قياما وركوعا وسجودا. وأخذوا ودهشوا من جلال ما سمعوا، وروعة ما شاهدوا وهو دليل على انشغال السماء والأرض والملائكة والجنّ بهذا الوحي، وعلى الجد الذي يتضمّنه: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) [الطارق] .
[الآية ٢٠] : قل يا محمّد للناس:
إنما أعبد الله وحده، ولا أشرك بعبادته صنما، ولا وثنا، ولا مخلوقا.
[الآية ٢١] : قل إني لا أملك لكم نفعا ولا ضرّا فالله وحده هو الذي يملك الضرّ، ويملك الخير.
[الآيتان ٢٢- ٢٣] : إنّي لا أجد ملجأ أو حماية من دون الله، إلّا أن أبلّغ هذا الأمر، وأؤدّي هذه الأمانة فهذا الأمر ليس أمري، وليس لي فيه إلّا التبليغ، ولا مفرّ لي من هذا التبليغ والرسالة ليست تطوّعا، وإنّما هي تكليف صارم جازم، لا مفرّ من أدائه، فالله من ورائه يقول سبحانه:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة:
٦٧] .
ومن يكذّب برسالات الله، فإن له نارا يصلاها، خالدا فيها إلى غير نهاية.
[الآية ٢٤] : وإذا كان المشركون، يركنون إلى القوة والعدد، ويقيسون قوّتهم بقوة محمد (ص) والمؤمنين القلائل الذين معه فسيعلمون حينما يرون ما يوعدون: أيّ الفريقين هو الضعيف المخذول، والقليل المهزول.
[الآية ٢٥] : ويتجرّد الرسول (ص) وينفض يده من أمر الغيب، فالعذاب
стр. 2473
الذي يتوعّد به الكافرين ليس له فيه يد، ولا يعلم له موعدا، ولا يدري:
أقريب هو أم بعيد، يجعل الله له أمدا ممتدّا، سواء عذاب الدنيا أو عذاب الاخرة، فكلّه غيب في علم الله.
[الآية ٢٦] : والله سبحانه هو المختصّ بالغيب، دون العالمين.
[الآية ٢٧] : والرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته، يطلعهم على جانب من غيبه، هو هذا الوحي: موضوعه وطريقته والملائكة الذين يحملونه، ومصدره، وحفظه في اللوح المحفوظ ... إلى آخر ما يتعلّق بموضوع رسالتهم، ممّا كان في ضمير الغيب، لا يعلمه أحد منهم.
وفي الوقت عينه، يحيط هؤلاء الرسل الكرام، بالأرصاد والحراس من الحفظة، للحفظ وللرقابة، يحمونه من وسوسة النفس وتمنّياتها ومن الضعف البشري في أمر الرسالة، ومن النسيان أو الانحراف، ومن سائر ما يعترض البشر من النقص والضعف.
والخلاصة: أنّه يدخل حفظة من الملائكة، يحفظون قوى الرسول الظاهرة والباطنة، من الشياطين ويعصمونه من وساوسهم.
[الآية ٢٨] : وهذه الحراسة الشديدة ليظهر الله للناس، أجمعين، أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم، غير مشوبة بتخليط من الجن أو من الجنون. وهو، سبحانه، محيط علما بجميع أحوال أولئك الوسائط، وهو، سبحانه، قد أحصى كل شيء عددا، فلا تقتصر إحاطته على ما لدى الرسل، بل يحيط بكل شيء إحصاء وعدّا، وهو أدق أنواع الإحاطة والعلم.
وبهذا الإيقاع الهائل الرهيب، تختم السورة التي بدئت بروعة الجن من سماع القرآن، وختمت بإحاطة الله الشاملة لمن يؤدون رسالته، وحمايته سبحانه لمن يبلغون دعوته وقد وسع علمه تعالى السماوات والأرض، وكل ما في الوجود.
المقصد الإجمالي للسورة
اشتملت سورة الجن على مقصدين:
١- حكاية أقوال صدرت عن الجن حينما سمعوا القرآن، كوصفهم له بأنه كتاب يهدي إلى الرشد، وأن الله
стр. 2474
سبحانه تنزّه عن الصاحبة والولد، وأنهم ما كانوا يظنون أنّ أحدا يكذب على الله، وأن رجالا من الإنس كانوا يستعيذون في القفر برجال من الجن، وأن الجن طلبوا خبر العالم العلوي فمنعوا، وأنهم لا يدرون ماذا يحل بالأرض من هذا المنع، وأن الجن منهم الأبرار ومنهم الفجار، ومنهم مسلمون وجائرون عادلون عن الحق.
٢- ما أمر النبي (ص) بتبليغه إلى الخلق، ككونه لا يشرك بربه أحدا، وأنه لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا، وأنّه لا يمنعه أحد من الله إن عصاه، وأنه (ص) لا يدري متى يكون وقت تعذيبهم، فالعلم لله وحده.
стр. 2475
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الجن» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الجنّ بعد سورة الأعراف، وكان نزولها في رجوع النبي (ص) من الطائف وكان قد سافر إليها، ليدعو أهلها في السنة العاشرة من البعثة، فيكون نزول سورة الجن، فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) وتبلغ آياتها ثماني وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة: ذكر قصة إيمان الجن، لما فيها من العظة والإنذار للمشركين وكذلك كان الغرض من ذكر قصة نوح (ع) في السورة السابقة، وهذا هو وجه المناسبة في ذكر هذه السورة بعدها.
قصة إيمان بعض الجن الآيات [١- ٢٨]
قال الله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) ، فذكر قصة إيمان بعض الجن في خمس عشرة آية منها ثم ذكر سبحانه أنه لو استقام المشركون على طريقة الإيمان، كما استقام من آمن من الجن لأسقاهم ماء غدقا وأن من يكفر به يسلكه عذابا صعدا
стр. 2476
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وأن النبي (ص) ، لمّا قام يدعوه تظاهروا عليه، وقد أمره أن يخبرهم بأنه إنما يدعو إلى ربّه ويقوم بما يجب له عليه، وهو لا يملك شيئا من كفرهم أو إيمانهم وبأنه لن يجيره منه، إلّا أن يبلّغهم ما أرسله به إليهم ثم ذكر أن من يعصيه سبحانه ويعصي رسوله، يخلّده في نار جهنم فإذا رأوا ما يوعدون منها، يعلمون أنهم أضعف ناصرا وأقل عددا. ثم أمره أن يخبرهم، بأنه لا يدري متى يكون ما يوعدون به من ذلك، لأنه من علم الغيب الذي اختص به الله سبحانه، ولا يطلع عليه الا من يرتضيه من رسله، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨) .
стр. 2477
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الجن» «١»
أقول: قد فكرت مدة في وجه اتصالها بما قبلها، فلم يظهر لي سوى أنه قال تعالى في سورة نوح:
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) . وقال في هذه السورة: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) . وهذا وجه بيّن في الارتباط «٢» .
стр. 2478
المبحث الرابع مكنونات سورة «الجن» «١»
١- سَفِيهُنا [الآية ٤] .
قال مجاهد: هو إبليس. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
стр. 2479
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الجن» «١»
١- وقال تعالى: كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) .
أي: ذوي مذاهب مختلفة، والقدد جمع قدّة من القدّ، كالقطعة من «قطع» .
أقول: والوصف ب قِدَداً (١١) ، أريد به البيان والتوكيد.
٢- وقال تعالى: وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) .
أقول: الهرب معروف، وهو مصدر هرب يهرب.
غير أن العربية المعاصرة عرفت «الهروب» ، الذي لم يؤثر في نص قديم.
٣- وقال تعالى: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) .
أقول: وقوله تعالى يَسْلُكْهُ عَذاباً أي: يدخله، وسلكه وأسلكه.
وأصل الفعل يتعدى إلى مفعول واحد، فلمّا تضمّن معنى «يدخل» تجاوزه إلى المفعول الثاني.
وأصل الفعل: من قولنا سلك الخيط في الإبرة.
٤- وقال تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) .
والقاسطون هم الكافرون الجائرون عن طريق الحق.
والقسط هو العدل، والفعل أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار وظلم. وهذا من غرائب الأفعال في الدلالة بين المجرّد والمزيد.
стр. 2480
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الجن» «١»
قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ [الآية ١] . فتحت ألف (أنه) لاعتبار الاسميّة.
وقال تعالى: وَشُهُباً [الآية ٨] وواحدها: الشّهاب.
стр. 2481
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الجن» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) ولم يقل سبحانه رسول الله أو نبي الله، والمراد به النبي محمّد (ص) ؟
قلنا: لأنه (ص) ، لم يكن في ذلك المقام مرسلا إليهم، بل اتفق مرورهم به وجوازهم عليه فلو قال تعالى رسول الله، أو نبي الله، لأوهم ذلك قصد أداء الرسالة إليهم.
فإن قيل: لم قال تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) مع أن الأمد اسم للغاية، والغاية تكون زمانا قريبا وزمانا بعيدا، ويؤيده قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) [آل عمران] ؟
قلنا: أراد بالقريب الحال، وبالمجعول له الأمد المؤجّل، سواء أكان الأجل قريبا أم بعيدا.
стр. 2482
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الجن» «١»
في قوله سبحانه: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) استعارة. والمراد بذلك، والله أعلم، كنا ضروبا مختلفة، وأجناسا مفترقة.
والطرائق: جمع طريقة. وهي، في هذا الموضع، المذهب والنحلة.
والقدد: جمع قدّة، وهي القطعة من الشيء المقدود طولا، مثل فلذة وفلذ، وقربة وقرب. وقد غلب على ما كان من القطع طولا لفظ القدّ، وعلى ما كان من القطع عرضا لفظ القطّ. فكأنه سبحانه شبّه اختلافهم في الأحوال، وافتراقهم في الآراء بالسّيور المقدودة، التي تتفرّق عن أصلها، وتتشعّب بعد ائتلافها.
وفي قوله سبحانه: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
(١٥) استعارة.
والمراد أنّ نار جهنّم، ونعوذ بالله منها، يستدام وقودها بهم، كما يستدام وقود النار بالحطب، لأنّ كلّ نار لا بدّ لها من حشاش يحشّها، ووقود يمدّها.
وفي قوله سبحانه: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) استعارة. واللّبد هاهنا، كناية عن الجماعات المتكاثرة، التي تظاهرت من الكفّار على النبي (ص) ، أي اجتمعوا عليه متألّبين، وركبوه مترادفين.
فكانوا كلبد الشّعر، وهي طرائقه وقطعه التي يركب بعضها بعضا.
وواحدتها لبدة. ومنه قيل: لبدة الأسد، وهي الشعر المتراكب على مناكبه. وذلك أبلغ ما شبّهت به
стр. 2483
الجموع المتعاظلة، والأحزاب المتآلفة.
وقال بعض أهل التأويل: المراد بذلك أن النبي (ص) ، لمّا صلّى الصبح ببطن نخلة منصرفا من حنين، وقد حضره الوفد من الجن، وخبرهم مشهور، كادوا يركبون منكبه، ويطئون أثوابه، لمّا سمعوا قراءته، استحسانا لها، وارتياحا إليها، وتعجّبا منها.
روي عن ابن عباس في هذا المعنى، وهو أغرب الأقوال، أنّ هذا الكلام من صلة كلام الجن لقومهم، لما رجعوا إليهم فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً كما ورد في التنزيل وذلك أن النبي (ص) ، لما قام ببطن نخلة يصلي بأصحابه، عجب الجن الحاضرون من طواعيتهم له، في الركوع والسجود والقيام والقعود فلما رجعوا إلى قومهم، قالوا في جملة ما قصّوه عليهم: وأنّه لما قام عبد الله يدعوه، أي يصلي له، كادوا يكونون عليه لبدا.
أي كاد أصحابه يركبونه تزاحما عليه، وتدانيا إليه، واحتذاء لمثاله، واستماعا لمقاله.
стр. 2484
سورة المزّمّل ٧٣
стр. 2485
المبحث الأول أهداف سورة «المزّمّل» «١»
سورة المزّمّل سورة مكية، آياتها ٢٠ آية، نزلت بعد سورة القلم.
إنها تحمل النداء الإلهيّ، للنبيّ الكريم، بقيام الليل، وقد جعله الله فريضة في حقّه، نافلة في حق أمته، قال تعالى:
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) [الإسراء] .
وفي كتب السنّة، ما يفيد أن السورة من أوائل ما نزل من القرآن الكريم فقد كان (ص) يعيش بين قومه في الجاهلية، ثم حبّب الله اليه الخلوة، ليتأمّل في ملكوت السماوات والأرض، وليعدّ الله هذه النفس الطيّبة لتحمّل أعباء الرسالة. ثم فجأه الوحي وهو في غار حراء، قال له جبريل:
اقرأ، قال النبي (ص) ما أنا بقارئ، ثلاث مرات، فقال جبريل، كما ورد في التنزيل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق] .
وقد عاد النبي (ص) إلى خديجة ﵂ وأخبرها الخبر، فقالت له: «أبشر يا ابن عمّ واثبت، فو الذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة» .
ثم فتر الوحي مدة عن النبي (ص) ، إلى أن كان بالجبل مرة أخرى، فنظر فإذا جبريل، فأدركته منه رجفة، حتى جثا وهوى إلى الأرض وانطلق إلى
стр. 2486
أهله وهو يرتجف ويقول: «زمّلوني، دثّروني» ففعلوا، وظل يرتجف ممّا به من الرّوع، وإذا جبريل يناديه، كما ورد في التنزيل: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) .
وسورة «المزّمّل» تعرض صفحة من تاريخ الدعوة الإسلامية. إنّها تنادي النبيّ الكريم، وتأمره بقيام الليل، والصلاة وترتيل القرآن، والذكر والخاشع المتبتّل، والاتكال على الله وحده، والصبر على الأذى، والهجر الجميل للمكذّبين، والتخلية بينهم وبين الجبّار القهّار.
وتنتهي السورة بلمسة الرفق والرحمة، والتخفيف والتيسير، والتوجيه للطاعات والقربات، والتلويح برحمة الله ومغفرته: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) .
والسورة ٢ مثّل صفحة من جهاد النبي الكريم، وآله وصحبه الأبرار في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه، وحشد جميع الطاقات من أجل هذه الدعوة. فقد قام النبي (ص) في مكة والمدينة، داعيا إلى الله صابرا محتسبا، مهاجرا، مجاهدا، مربّيا، ناشرا لدعوة الله بكل ما يملك، منذ خاطبه تعالى بالقرآن:
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) .
وكان قيام الليل هو الزاد الروحيّ، والتعبئة الإلهية لهذا القلب الكريم، حتى يصدع بالدّعوة، ويتحمّل في سبيلها كل بلاء، وليصبر ويصابر، وليحتسب كل جهد في سبيل الله:
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (١٠) .
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٤] : أمر الله تعالى رسوله الأكرم أن يقوم، من الليل، ثلثه أو نصفه أو ثلثيه فهو مخيّر في ذلك، وأن يقرأ القرآن الكريم على مهل وتؤدة، مع حضور القلب، لتدبّر معانيه، وفهم مقاصده.
[الآية ٥] : والقرآن الكريم يسّره الله تعالى للقراءة، ولكنه ثقيل في ميزان الحق، ثقيل بأثره في القلوب، ثقيل بقيمته الراجحة، ومعانيه الراقية وما فيه من تكاليف وأعباء.
[الآية ٦] : إنّ قيام الليل هو أكبر موافقة بين القلب واللسان، وأعدل قولا.
[الآية ٧] : وفي النهار متّسع لشئوون المعاش، ولك فيه تصرف في مهام أمورك، واشتغال بمشاغلك.
стр. 2487
[الآيتان ٨- ٩] : واتّجه إلى الله بالعبادة وحضور القلب، واذكره، وتضرّع إليه، في إنابة وطاعة وإخلاص سبحانه، ربّ الكون كلّه والتوكّل عليه هو التوكل الواجب في هذا الوجود.
[الآية ١٠] : واصبر على ما يقولون في حقّك وحقّ ربك، واهجرهم هجرا جميلا، بأن تجانبهم وتغضي عن زلّاتهم ولا تعاتبهم.
[الآية ١١] : ثم توعّد المشركين وتهدّدهم، وقال لنبيه: اترك عقابهم لي وحدي، فأنا كفيل بهم، هؤلاء الذين تنعّموا في نعمائي، أمهلهم وقتا قليلا، وسترى ما يحلّ بهم.
[الآية ١٢] : إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا أي قيودا ثقيلة توضع في أرجلهم، كلّما أرادوا أن يرتفعوا جذبتهم إلى أسفل، ثم هناك الجحيم.
[الآية ١٣] : والطعام ذو الغصّة، الذي يمزّق الحلوق والعذاب الأليم، جزاء مناسب لمن كفر بنعمة الله.
[الآية ١٤] : ويمتد الهول في يوم القيامة إلى الأرض، فتضطرب وتهتزّ وإلى الجبال فتتمزّق أجزاؤها، وتصير كالصوف المنفوش، أو كومة الرمل المهيلة، بعد أن كانت حجارة صمّاء متماسكة.
[الآيتان ١٥- ١٦] : ويلتفت القرآن الكريم إلى أهل مكة فيخاطبهم، ويهزّ قلوبهم هزّا، ويخلعها خلعا بعد مشهد الأرض والجبال، وهي ترتجف وتنهار، فيحذّرهم ممّا أصاب فرعون الجبّار، وقد أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ومضمون القول: لقد أرسلنا إلى فرعون رسولا، فعصاه، فأخذناه أخذا وبيلا وأرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم، فاحذروا أن تعصوه، فيصيبكم مثل ما أصاب فرعون.
[الآيتان ١٧- ١٨] : وهبوا أنكم لا تؤخذون في الدنيا، كما أخذ فرعون فكيف تتّقون عذاب يوم القيامة وهو هول يشيّب الولدان، وتنشق السماء من شدّته وكان وعد الله ثابتا مؤكّدا لا خلف فيه، وهو سبحانه فعّال لما يريد.
[الآية ١٩] : وأمام هول الاخرة يقول لهم ما معناه: إن هذه الآيات تذكرة وعبرة، فمن شاء اعتبر بها، واتّخذ طريقا إلى الله وهو آمن سالم، قبل مجيء هذا الهول العصيب.
стр. 2488
وفي الآية الأخيرة من السورة، نجد لمسة التخفيف النديّة، ودعوة التيسير الإلهي فقد لبّى النبيّ (ص) الدعوة إلى قيام الليل، ولبّى المسلمون الدعوة، وتجافت جنوبهم عن المضاجع، وقاموا الليل حتّى تورّمت أقدامهم من طول القيام وقد أشار القرآن الكريم إلى أنّ الله، سبحانه، يعلم أنّ الرسول (ص) يقوم الليل وأنّه سبحانه يرى تقلّبه (ص) في الساجدين وأنّه سبحانه يعلم أنكم لن تحصوا ساعات الليل إحصاء تاما، فإذا زدتم على المفروض ثقل ذلك عليكم وكلفتم ما ليس بفرض وإن نقصتم شقّ هذا عليكم، فتاب عليكم ورجع بكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى يسر وطلب إليكم أن تصلّوا ما تيسّر من الليل، على قدر طاقتكم.
وإن لهذا التخفيف حكمة أخرى، وهي أنه سبحانه علم أن سيكون منكم مرضى، وآخرون يسيحون في الأرض، يطلبون من فضل الله بالتجارة أو العلم، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، فقد علم الله تعالى أن سيأذن لكم في الانتصار ممّن ظلمكم بالقتال، فصلّوا ما تيسّر لكم من صلاة الليل، بدون تقيّد بقدر محدّد، وأقيموا الصلاة المفروضة، وآتوا الزكاة الواجبة، وتصدّقوا بعد ذلك قرضا لله، يبق لكم خيره، ويردّه الله إليكم أضعافا مضاعفة. وما تقدّموا لأنفسكم من صدقة، أو عمل صالح في الدنيا، تجدوا ثوابه عند الله يوم القيامة، خيرا ممّا أوتيتم في دار الدنيا، وأعظم منه أجرا واتّجهوا إلى الله مستغفرين، إن الله غفور رحيم.
إنّها لمسة الرحمة والتخفيف، بعد عام من الدعوة إلى القيام وقد خفّف الله سبحانه عن المسلمين فجعل قيام الليل لهم تطوّعا لا فريضة.
أمّا رسول الله (ص) فقد مضى على نهجه مع ربّه، لا يقلّ قيامه عن ثلث الليل، يناجي ربّه ويستمدّ منه العون والتوفيق، في أداء رسالته. وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) [هود] .
خلاصة أحكام السورة
أمر الله رسوله (ص) بما يأتي:
١- قيام ثلث الليل أو نصفه أو ثلثيه.
стр. 2489
٢- قراءة القرآن بتؤدة وتمهّل.
٣- ذكر ربه ليلا ونهارا، بالتحميد والتسبيح والصلاة.
٤- التوكّل على الله سبحانه، والاعتماد عليه.
٥- الصبر على ما يقول الكفّار فيه، من أنّه ساحر أو شاعر وأن يهجرهم هجرا جميلا بمجانبتهم ومداراتهم وأن يكل أمرهم إلى ربّهم فهو الذي يكافئهم، وسيرى عاقبة أمرهم.
٦- التخفيف من صلاة الليل، بعد أن شقّ ذلك عليهم لأعذار كثيرة والاكتفاء بما تيسّر من صلاة الليل ففي الصلاة المفروضة غنية للأمّة، مع إيتاء الزكاة ودوام الاستغفار.
стр. 2490
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المزّمّل» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة المزمّل بعد سورة القلم، وكان نزول سورة القلم فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة المزمّل في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) وتبلغ آياتها عشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة تهيئة النبي (ص) للدعوة، وقد اقتضى هذا أمره بالصبر عليهم وإنذاره لهم. وقد ناسبت، بهذا الإنذار، سياق السورة السابقة في إنذارها، ولهذا ذكرت بعدها.
تهيئة النبي (ص) للدعوة الآيات [١- ٢٠]
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) فأمره بقيام الليل، وترتيل القرآن ليستعين بهذا على ما سيلقي إليه من القول الثقيل، والتكليف الشاق وينشئ نفسا أشدّ موافقة لدعوته وأقوم قيلا ثم أمره سبحانه أن يداوم على ذكره، ويصبر على ما يقولون في حقه، وأن يتركه، ومن أبطرتهم النعمة منهم، فإنّه سيمهلهم ثمّ يذيقهم من عذابه أنكالا وجحيما وسيهلكهم،