أهله وهو يرتجف ويقول: «زمّلوني، دثّروني» ففعلوا، وظل يرتجف ممّا به من الرّوع، وإذا جبريل يناديه، كما ورد في التنزيل: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) .
وسورة «المزّمّل» تعرض صفحة من تاريخ الدعوة الإسلامية. إنّها تنادي النبيّ الكريم، وتأمره بقيام الليل، والصلاة وترتيل القرآن، والذكر والخاشع المتبتّل، والاتكال على الله وحده، والصبر على الأذى، والهجر الجميل للمكذّبين، والتخلية بينهم وبين الجبّار القهّار.
وتنتهي السورة بلمسة الرفق والرحمة، والتخفيف والتيسير، والتوجيه للطاعات والقربات، والتلويح برحمة الله ومغفرته: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) .
والسورة ٢ مثّل صفحة من جهاد النبي الكريم، وآله وصحبه الأبرار في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه، وحشد جميع الطاقات من أجل هذه الدعوة. فقد قام النبي (ص) في مكة والمدينة، داعيا إلى الله صابرا محتسبا، مهاجرا، مجاهدا، مربّيا، ناشرا لدعوة الله بكل ما يملك، منذ خاطبه تعالى بالقرآن:
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) .
وكان قيام الليل هو الزاد الروحيّ، والتعبئة الإلهية لهذا القلب الكريم، حتى يصدع بالدّعوة، ويتحمّل في سبيلها كل بلاء، وليصبر ويصابر، وليحتسب كل جهد في سبيل الله:
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (١٠) .
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٤] : أمر الله تعالى رسوله الأكرم أن يقوم، من الليل، ثلثه أو نصفه أو ثلثيه فهو مخيّر في ذلك، وأن يقرأ القرآن الكريم على مهل وتؤدة، مع حضور القلب، لتدبّر معانيه، وفهم مقاصده.
[الآية ٥] : والقرآن الكريم يسّره الله تعالى للقراءة، ولكنه ثقيل في ميزان الحق، ثقيل بأثره في القلوب، ثقيل بقيمته الراجحة، ومعانيه الراقية وما فيه من تكاليف وأعباء.
[الآية ٦] : إنّ قيام الليل هو أكبر موافقة بين القلب واللسان، وأعدل قولا.
[الآية ٧] : وفي النهار متّسع لشئوون المعاش، ولك فيه تصرف في مهام أمورك، واشتغال بمشاغلك.
стр. 2487
[الآيتان ٨- ٩] : واتّجه إلى الله بالعبادة وحضور القلب، واذكره، وتضرّع إليه، في إنابة وطاعة وإخلاص سبحانه، ربّ الكون كلّه والتوكّل عليه هو التوكل الواجب في هذا الوجود.
[الآية ١٠] : واصبر على ما يقولون في حقّك وحقّ ربك، واهجرهم هجرا جميلا، بأن تجانبهم وتغضي عن زلّاتهم ولا تعاتبهم.
[الآية ١١] : ثم توعّد المشركين وتهدّدهم، وقال لنبيه: اترك عقابهم لي وحدي، فأنا كفيل بهم، هؤلاء الذين تنعّموا في نعمائي، أمهلهم وقتا قليلا، وسترى ما يحلّ بهم.
[الآية ١٢] : إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا أي قيودا ثقيلة توضع في أرجلهم، كلّما أرادوا أن يرتفعوا جذبتهم إلى أسفل، ثم هناك الجحيم.
[الآية ١٣] : والطعام ذو الغصّة، الذي يمزّق الحلوق والعذاب الأليم، جزاء مناسب لمن كفر بنعمة الله.
[الآية ١٤] : ويمتد الهول في يوم القيامة إلى الأرض، فتضطرب وتهتزّ وإلى الجبال فتتمزّق أجزاؤها، وتصير كالصوف المنفوش، أو كومة الرمل المهيلة، بعد أن كانت حجارة صمّاء متماسكة.
[الآيتان ١٥- ١٦] : ويلتفت القرآن الكريم إلى أهل مكة فيخاطبهم، ويهزّ قلوبهم هزّا، ويخلعها خلعا بعد مشهد الأرض والجبال، وهي ترتجف وتنهار، فيحذّرهم ممّا أصاب فرعون الجبّار، وقد أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ومضمون القول: لقد أرسلنا إلى فرعون رسولا، فعصاه، فأخذناه أخذا وبيلا وأرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم، فاحذروا أن تعصوه، فيصيبكم مثل ما أصاب فرعون.
[الآيتان ١٧- ١٨] : وهبوا أنكم لا تؤخذون في الدنيا، كما أخذ فرعون فكيف تتّقون عذاب يوم القيامة وهو هول يشيّب الولدان، وتنشق السماء من شدّته وكان وعد الله ثابتا مؤكّدا لا خلف فيه، وهو سبحانه فعّال لما يريد.
[الآية ١٩] : وأمام هول الاخرة يقول لهم ما معناه: إن هذه الآيات تذكرة وعبرة، فمن شاء اعتبر بها، واتّخذ طريقا إلى الله وهو آمن سالم، قبل مجيء هذا الهول العصيب.
стр. 2488
وفي الآية الأخيرة من السورة، نجد لمسة التخفيف النديّة، ودعوة التيسير الإلهي فقد لبّى النبيّ (ص) الدعوة إلى قيام الليل، ولبّى المسلمون الدعوة، وتجافت جنوبهم عن المضاجع، وقاموا الليل حتّى تورّمت أقدامهم من طول القيام وقد أشار القرآن الكريم إلى أنّ الله، سبحانه، يعلم أنّ الرسول (ص) يقوم الليل وأنّه سبحانه يرى تقلّبه (ص) في الساجدين وأنّه سبحانه يعلم أنكم لن تحصوا ساعات الليل إحصاء تاما، فإذا زدتم على المفروض ثقل ذلك عليكم وكلفتم ما ليس بفرض وإن نقصتم شقّ هذا عليكم، فتاب عليكم ورجع بكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى يسر وطلب إليكم أن تصلّوا ما تيسّر من الليل، على قدر طاقتكم.
وإن لهذا التخفيف حكمة أخرى، وهي أنه سبحانه علم أن سيكون منكم مرضى، وآخرون يسيحون في الأرض، يطلبون من فضل الله بالتجارة أو العلم، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، فقد علم الله تعالى أن سيأذن لكم في الانتصار ممّن ظلمكم بالقتال، فصلّوا ما تيسّر لكم من صلاة الليل، بدون تقيّد بقدر محدّد، وأقيموا الصلاة المفروضة، وآتوا الزكاة الواجبة، وتصدّقوا بعد ذلك قرضا لله، يبق لكم خيره، ويردّه الله إليكم أضعافا مضاعفة. وما تقدّموا لأنفسكم من صدقة، أو عمل صالح في الدنيا، تجدوا ثوابه عند الله يوم القيامة، خيرا ممّا أوتيتم في دار الدنيا، وأعظم منه أجرا واتّجهوا إلى الله مستغفرين، إن الله غفور رحيم.
إنّها لمسة الرحمة والتخفيف، بعد عام من الدعوة إلى القيام وقد خفّف الله سبحانه عن المسلمين فجعل قيام الليل لهم تطوّعا لا فريضة.
أمّا رسول الله (ص) فقد مضى على نهجه مع ربّه، لا يقلّ قيامه عن ثلث الليل، يناجي ربّه ويستمدّ منه العون والتوفيق، في أداء رسالته. وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) [هود] .
خلاصة أحكام السورة
أمر الله رسوله (ص) بما يأتي:
١- قيام ثلث الليل أو نصفه أو ثلثيه.
стр. 2489
٢- قراءة القرآن بتؤدة وتمهّل.
٣- ذكر ربه ليلا ونهارا، بالتحميد والتسبيح والصلاة.
٤- التوكّل على الله سبحانه، والاعتماد عليه.
٥- الصبر على ما يقول الكفّار فيه، من أنّه ساحر أو شاعر وأن يهجرهم هجرا جميلا بمجانبتهم ومداراتهم وأن يكل أمرهم إلى ربّهم فهو الذي يكافئهم، وسيرى عاقبة أمرهم.
٦- التخفيف من صلاة الليل، بعد أن شقّ ذلك عليهم لأعذار كثيرة والاكتفاء بما تيسّر من صلاة الليل ففي الصلاة المفروضة غنية للأمّة، مع إيتاء الزكاة ودوام الاستغفار.
стр. 2490
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المزّمّل» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة المزمّل بعد سورة القلم، وكان نزول سورة القلم فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة المزمّل في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) وتبلغ آياتها عشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة تهيئة النبي (ص) للدعوة، وقد اقتضى هذا أمره بالصبر عليهم وإنذاره لهم. وقد ناسبت، بهذا الإنذار، سياق السورة السابقة في إنذارها، ولهذا ذكرت بعدها.
تهيئة النبي (ص) للدعوة الآيات [١- ٢٠]
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) فأمره بقيام الليل، وترتيل القرآن ليستعين بهذا على ما سيلقي إليه من القول الثقيل، والتكليف الشاق وينشئ نفسا أشدّ موافقة لدعوته وأقوم قيلا ثم أمره سبحانه أن يداوم على ذكره، ويصبر على ما يقولون في حقه، وأن يتركه، ومن أبطرتهم النعمة منهم، فإنّه سيمهلهم ثمّ يذيقهم من عذابه أنكالا وجحيما وسيهلكهم،
стр. 2491
كما أهلك فرعون حينما عصى رسوله، فأخذه أخذا وبيلا وهذه عظة لهم، ليدركوا أنفسهم قبل أن يحيق العذاب بهم ثم خفّف عليه وعلى أتباعه ما فرضه من قيام معظم الليل، ومداومة ترتيل القرآن، فكلّفهم من هذا بما يطيقون، ووعدهم عليه عظيم الأجر فقال سبحانه: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) .
стр. 2492
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المزّمّل» «١»
أقول: لا يخفى وجه اتّصال أوّلها:
قُمِ اللَّيْلَ [الآية ٢] . بقوله تعالى في آخر تلك: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن: ١٩] . وبقوله سبحانه: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [الجن: ١٨] «٢» .
стр. 2493
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «المزّمّل» «١»
١- وقال تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) .
وقوله تعالى: ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي النفس، التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض وترتفع.
أقول: ودلالة ناشِئَةَ اللَّيْلِ على النفس، من باب الصّفة التي حلّت محل الموصوف، فصارت نفسه.
٢- وقال تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (٧) ، أي: تصرّفا وتقلّبا في مهمّاتك وشواغلك، ولا تفرغ إلّا بالليل، فعليك بمناجاة الله سبحانه، التي تقتضي فراغ البال وانتفاء الشواغل.
٣- وقال تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) .
أقول: كان ينبغي، لو كان الكلام في غير القرآن، أن يكون المصدر «تبتّلا» ، ولكن عدل عنه إلى غيره، بسبب من مراعاة تناسب الفواصل.
стр. 2494
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «المزّمّل» «١»
قال تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) والأصل: المتزمّل، ولكن أدغمت التاء في الزاي والْمُدَّثِّرُ مثلها.
وقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) فقال السائل عن هذا: قد قال تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) فلم قال، سبحانه:
نِصْفَهُ؟ إنّما المعنى «أو نصفه أو زد عليه» لأن ما يكون في معنى تكلم به العرب بغير: «أو» ، تقول: «أعطه درهما درهمين ثلاثة» تريد: «أو درهمين أو ثلاثة» «٢» .
وقال تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) ومصدر تبتّل «التبتّل» كما قال سبحانه أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) [نوح] ، وقال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد الثالث والأربعون بعد المائتين] :
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتّباعا
وقال [من الرجز وهو الشاهد الثاني والأربعون بعد المائتين] :
يجري عليها أيّما إجراء
وذلك أنّها إنّما جرت لأنّها أجريت.
وقال تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقِ [الآية ٩]
стр. 2495
بالرفع على الابتداء «١» والجرّ على البدل «٢» .
وقال تعالى: مَهِيلًا (١٤) تقول:
«هلته» ف «هو مهيل» .
وقال تعالى: كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) بجعل يَجْعَلُ الْوِلْدانَ من صفة اليوم، من غير إضافة، لعلّة الإضمار.
وقال تعالى: أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ [الآية ٢٠] «٣» وقد قرئت بالجر «٤» وهو كثير، وليس المعنى عليه، فيما بلغنا، لأنّ ذلك يكون على «أدنى من نصفه» ، و «أدنى من ثلثه» وكان الذي افترض الثلث، أو أكثر من الثلث، لأنه قرأ: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) . وأمّا الذي قرأ بالجرّ، فقراءته جائزة، على أن يكون ذلك، والله أعلم، أي أنكم لم تؤدّوا ما افترض عليكم، فقمتم أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه ومن ثلثه.
وقال تعالى: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً [الآية ٢٠] ف «هو» و «أنتم» و «أنتما» وأشباه ذلك صفات للأسماء مضمرة كما وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) [الزّخرف] . وأمّا من قرأ:
(تجدوه عند الله خير) «٥» فقد جعلها اسما مبتدأ كما تقول «رأيت عبد الله أبوه خير منه»
стр. 2496
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «المزّمّل» «١»
إن قيل: ما معنى وصف القرآن بالثّقل في قوله تعالى إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) ؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها أنه كان يثقل نزول الوحي على النبي (ص) ، حتّى يعرق عرقا شديدا في اليوم الشاتي.
الثاني: أن العمل بما فيه من التكاليف، ثقيل شاق. الثالث: ثقيل في الميزان يوم القيامة. الرابع: أنّه ثقيل على المنافقين. الخامس: أنه كلام له وزن ورجحان، كما يقال للرجل العاقل:
رزين راجح. السادس: أنه ليس بسفساف، لأن السفساف من الكلام يكون خفيفا.
فإن قيل: لم قال تعالى السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [الآية ١٨] ولم يقل سبحانه منفطرة به، والسماء مؤنثة؟
قلنا: هو على النسبة: أي ذات انفطار. وقيل ذكّرت السماء على معنى السقف. وقيل معناه السماء شيء منفطر به. وقيل السماء تذكر وتؤنث.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ [الآية ٢٠] ولم يقل تعالى أن لن تحصوهما:
أي لن تعرفوا تحقيق مقادير ساعات الليل والنهار؟
قلنا: الضمير عائد إلى مصدر، يقدّر معناه: لن تحصوا تقديرهما.
стр. 2497
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «المزّمّل» «١»
في قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) استعارة: لأن القرآن كلام، وهو عرض من الأعراض، والثقل والخفّة من صفات الأجسام، والمراد بها صفة القرآن بعظم القدر، ورجاحة الفضل، كما يقول القائل:
فلان رصين رزين. وفلان راجح ركين، إذا أراد صفته بالفضل الراجح، والقدر الوازن.
وفي قوله سبحانه في إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) وقرئ:
(وطاء) «٢» استعارة. والمراد بناشئة الليل هاهنا، ما ينشأ فعله، أي يبتدأ به من عمل الليل، كالتهجّد في أثنائه، والتلاوة في آنائه.
من قرأ وطئا بالقصر فالمعنى فيه أن قيام الليل أشد وطأ عليك أي أصعب وأشق، كما يقول القائل: هذا الأمر شديد الوطأة علي. إذا وصف بلوغه منه وصعوبته عليه ومع أن عمل الليل أشد كلفة ومشقة فهو أقوم صلاة وقراءة، للمعنى الذي قدمنا ذكره.
ومن جعل «وطاء» هاهنا اسما لما يستوطأ ويفترش، كالمهاد وما يجري مجراه، فقد ذهب إلى أن عمل الليل أوعث مقاما، وأصعب مراما.
стр. 2498
وعندهم، أنّ كل ما ينشأ بالليل من قراءة، أو تهجّد، أو طروق، أو ترحّل أشقّ على فاعله، وأصعب على مستعمله، لأنّ الليل موحش هائل، ومخوف محاذر. فكل ما وقع فيه مما أومأنا إليه، كان كالنسيب له، والشبيه به.
وفي قوله سبحانه: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (٧) استعارة. والمراد بها المضطرب الواسع، والمجال الفاسح.
وذلك مأخوذ من السباحة في الماء، وهي الاضطراب في غمراته، والتقلّب في جهاته. فكأنه سبحانه قال: إن لك في النهار متصرّفا ومتّسعا، ومذهبا منفسحا، تقضي فيه أوطارك، وتبلغ آرابك.
وفي قوله سبحانه: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) استعارة. والمراد بها: أن الولدان الذين هم الأطفال، لو جاز أن يشيبوا لرائع خطب، أو طارق كرب، لشابوا في ذلك اليوم لعظيم أهواله، وفظاعة أحواله. وذلك كقول القائل: قد لقيت، من هذا الأمر، ما تشيب منه النواصي، كناية عن فظيع ما لاقى، وعظيم ما قاسى.
стр. 2499
سورة المدّثّر ٧٤
стр. 2500
المبحث الأول أهداف سورة «المدّثّر» «١»
سورة المدّثّر سورة مكية، آياتها ٥٦ آية، نزلت بعد سورة المزّمّل.
وينطبق على سورة المدّثّر، من ناحية سبب نزولها، ووقت نزولها، ما ينطبق على سورة المزّمّل فهناك روايات بأنها هي أول ما نزل بعد سورة العلق، ورواية أخرى بأنها نزلت بعد الجهر بالدعوة، وإيذاء المشركين للنبي (ص) .
ويمكن التوفيق بين هذه الروايات، بأنّ صدر سورة المدّثّر أول ما نزل من القرآن الكريم بعد سورة العلق، وهو من أوّل السورة إلى قوله تعالى:
وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) .
وأنّ الآيات التالية قد نزلت بعد الجهر بالدعوة، وربما كانت تعني شخصا معينا هو الوليد بن المغيرة «٢» .
وأيّا مّا كان السبب والمناسبة، فقد تضمّنت السورة في مطلعها ذلك النداء العلويّ، بانتداب النبي (ص) لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثّر والدفء، إلى الجهاد والكفاح والمشقة [الآيات من ١- ٧] .
ثم تضمّنت بعد هذا تهديدا ووعيدا للمكذّبين بالآخرة، وبحرب الله المباشرة، كما تضمّنت ذلك سورة المزّمّل سواء بسواء، [الآيات من ٨- ١٧] .
وتعيّن سورة المدثر أحد المكذّبين بصفته، وترسم مشهدا من مشاهد كيده، على نحو ما ورد في سورة
стр. 2501
القلم، وربما كان الشخص المعني هنا وهناك واحدا، وقد قيل إنّه الوليد بن المغيرة [الآيات ١٨- ٣٠] .
ثمّ تتحدّث السورة عن عالم الغيب، ووصف سقر، والملائكة القائمين عليها، وعددهم وامتحان الله لعباده بذلك العدد، وذلك في آية واحدة طويلة هي الآية ٣١.
ثمّ تتحدث عن مشاهد الكون، وأدلّتها على وجود الله [الآيات ٣٢- ٣٧] .
كما تعرض مقام المجرمين، ومقام أصحاب اليمين، حيث يعترف المكذّبون اعترافا طويلا، بأسباب استحقاقهم للارتهان، والقيد في يوم الجزاء والحساب، يعقب عليه بكلمة الفصل في أمرهم، الذي لا تنفعهم فيه شفاعة شافع [الآيات ٣٨- ٤٨] .
وفي ظلّ هذا المشهد المخزي، والاعتراف المهين، يفضي السّياق إلى استنكارا موقف المكذبين من الدعوة إلى التذكرة والنجاة من هذا المصير، ويرسم لهم مشهدا ساخرا، يثير الضحك والزراية، من نفارهم الحيواني الشّموس [الآيات ٤٩- ٥١] .
ويكشف السّياق عن حقيقة الغرور، الذي يساورهم فيمنعهم من الاستجابة لصوت المذكّر الناصح، ويبيّن أنّه الحسد للنبي (ص) ، والرغبة في أن يؤتى كل منهم الرسالة، والسبب الاخر هو قلّة التقوى [الآيتان ٥٢- ٥٣] .
وفي الختام يجيء التقرير الجازم الذي لا مجاملة فيه، وردّ الأمر كلّه إلى مشيئة الله سبحانه وقدره [الآيات ٥٤- ٥٦] .
وهكذا تمثّل السورة حلقة من حلقات الكفاح النفسي، الذي واجه به القرآن الجاهلية وتصوّراتها، في قلوب قريش، كما كافح العناد والكيد، والإعراض الناشئ عن العمد والقصد، بشتّى الأساليب. والمشابهات كثيرة بين اتجاهات هذه السورة، واتجاهات سورة المزّمّل، وسورة القلم، ممّا يدل على أنها جميعا نزلت متقاربة، لمواجهة حالات متشابهة.
وسورة المدّثّر قصيرة الآيات، سريعة الجريان، منوّعة الفواصل والقوافي، يتّئد إيقاعها أحيانا، ويجري لاهثا أحيانا، وبخاصّة عند تصوير مشهد هذا المكذّب، وهو يفكّر ويقدّر ويعبس
стр. 2502
ويبسر.. وتصوير مشهد سقر، لا تبقي ولا تذر، لوّاحة للبشر.
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٧] : بدأت السورة بنداء النبي الكريم (ص) ليقوم بأمر جليل هو إنذار البشرية، وتخليصها من الشرّ في الدنيا، ومن النار في الاخرة.
ثم يوجه الله سبحانه رسوله الأكرم في خاصة نفسه، بأن يكبّر ربه وحده، فهو سبحانه الكبير المتعالي، وهو القوي المتين، وهو على كل شيء قدير. ويوجّهه إلى التطهير بأنواعه، ويشمل طهارة الثوب، وطهارة البدن، وطهارة القلب، ليكون أهلا للتلقي عن الملأ الأعلى، ويوجهه إلى هجران الشرك، وموجبات العذاب والتحرّز، والتطهر من مس هذا الدّنس.
ويوجهه إلى إنكار ذاته، وعدم المن بما يقدمه من الجهد أو استكثاره أو استعظامه، فكلّ ما يقدّمه الإنسان من خير هو بتوفيق الله وعونه، وذلك يستحق الشكر لله لا المنّ والاستكثار.
ويوجهه سبحانه أخيرا إلى الصبر على الطاعة، والصبر على الأذى والتكذيب، وعدم الجزع من أذى المخالفين.
[الآيات ٨- ٣٠] : حينما ينفخ إسرافيل في الصّور، يواجه الكافرين يوم عسير، لا يسر فيه ولا هوادة، بل يجدون الحساب السريع والجزاء العادل والعقاب الرادع.
وقد روى ابن جرير الطبري أنّ الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة، حينما فكّر في تهمة يلصقها بالنبي (ص) ثم ادّعى أن النبي (ص) ساحر وقد كان الوليد يسمّى الوحيد، لأنه وحيد في قومه، فماله كثير، فيه الزرع والضّرع والتجارة، وله عشرة أبناء يشهدون المحافل والمجامع، أسلم منهم ثلاثة:
خالد وهشام وعمارة، وقد بسط الله له الرزق، وطال عمره مع الجاه العريض والرياسة في قومه، وكان يسمّى ريحانة قريش.
ويتّجه السياق إلى تهديد هذا المشرك، فيقول تعالى ما معناه: خلّ بيني وبين هذا المشرك، الذي أخرجته من بطن أمه وحيدا، لا مال له ولا ولد، ثمّ بسطت له الرزق والجاه العريض، فكفر بأنعم الله عليه.
لقد أعطيته المال الكثير، ورزقته بنين
стр. 2503
من حوله حاضرين شهودا، فهو منهم في أنس وعزوة، ومهّدت له الحياة ويسّرتها له تيسيرا ثمّ هو يطمع في مزيد من الثراء والجاه. كلا لن نزيده من نعمنا، بل سنذهب عنه كلّ ما أنعمنا به عليه، لأنّه كان معاندا ومعارضا لآيات القرآن الكريم سأكلّفه ما لا يطيق من كربة وضيق، كأنما يصعد في السماء، أو يصعد الجبال الوعرة الشاقة.
إنّه فكّر وتروّى: ماذا يقول في القرآن، وبماذا يصفه حينما سئل عن ذلك، ثمّ لعن كيف قدّر، ثم نظر إلى قومه في جدّ مصطنع، وقطّب وجهه عابسا، وقبض ملامح وجهه باسرا ليستجمع فكره، فقال: ما هذا القرآن إلّا سحر، ينقله محمّد عن السحرة، كمسيلمة وأهل بابل، وليس هذا من كلام الله، وإنّما هو من كلام البشر.
سأدخله سقر، وماذا تعلم عنها، إنّها شيء أعظم وأهول من الإدراك، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) فهي تكنس كنسا، وتبلغ بلعا وتمحو محوا، فلا يقف لها شيء، ولا يبقى وراءها شيء، ولا يفضل منها شيء، وهي لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) تلوّح الجلد فتحرقه وتغيّر لونه، على النار تسعة عشر، لا ندري:
أأفراد من الملائكة الغلاظ الشداد هم، أم صفوف، أم أنواع من الملائكة وصنوف.
[الآية ٣١] : ولم نجعل المدّبرين لأمر النار إلّا ملائكة، فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم.
وما جعلنا عددهم تسعة عشر إلّا امتحانا للذين كفروا، وليستيقن الذين أوتوا الكتاب بصحّة القرآن، لأنهم يرون أن ما يجيء فيه موافق لما في كتبهم. ويزداد الذين آمنوا ايمانا، وذلك بتصديق أهل الكتاب له.
وتستشعر قلوب المؤمنين بحكمة الله في هذا العدد، وتقديره الدقيق في الخلق. وتثبت هذه الحقيقة في قلوب أهل الكتاب، وقلوب المؤمنين، فلا يرتابون بعدها فيما يأتيهم من عند الله.
وليقول الذين في قلوبهم مرض النفاق، والكافرون: ماذا أراد الله بهذا العدد المستغرب استغراب المثل؟
كذلك يضلّ الله من يشاء من المنافقين والمشركين، لسوء استعدادهم، ويهدي من يشاء من المؤمنين، لتزكية نفوسهم، وتوجيه استعدادهم للخير، وما يعلم جموع
стр. 2504
خلق الله إلّا هو. وإنّ خزنة النار، وإن كانوا تسعة عشر، فإن لهم من الأعوان والجنود من الملائكة، ما لا يعلمه إلّا الله سبحانه، وما هذه السورة إلّا تذكرة للبشر.
[الآيات ٣٢- ٣٨] : كلا وحقّ القمر، والليل إذا تولّى، والصبح إذا تجلّى، إنّ الاخرة وما فيها، أو سقر والجنود التي عليها، هي إحدى الأمور الكبيرة العجيبة، المنذرة للبشر، بما وراءهم من الخطر ولكلّ نفس أن تختار طريقها، وأن تتقدم في سبيل الخير أو تتخلّف عنه.
[الآيات ٣٩- ٤٨] : تعرض هذه الآيات مقام أصحاب اليمين، فهم في جنّات يسأل بعضهم بعضا عن المجرمين.
ويقال لهم: أيّها المجرمون ما الذي أدخلكم في جهنّم؟ فيعترفون اعترافا طويلا مفصّلا، يتناول الجرائر الكثيرة التي انتهت بالمجرمين إلى سقر.
قالوا دخلنا جهنّم، لأننا لم نك من المؤمنين، ولم نك نطعم المساكين، وكنّا نخوض في الباطل مع الخائضين، وكنّا نكذّب بيوم الجزاء والحساب، حتّى جاءنا الموت الذي يقطع كلّ شكّ، وينهي كلّ ريب، فما تنفعهم بعد ذلك شفاعة الشافعين، لأنه يكون قد انقضى وقت الإمهال.
[الآيات ٤٩- ٥٦] : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) : إذا كان الحال في الاخرة سيكون كما وصفنا في الآيات السابقة، فما بالهم معرضين عن القرآن؟ كأنهم، في هربهم من سماع كلام الله ونفورهم منه، حمير نافرة، فرّت من أسد تطلب النجاة من بطشه.
تلك هيئتهم الظاهرة.
ثمّ يرسم القرآن نفوسهم من الداخل، وما يعتلج فيها من المشاعر فيبين أنّ الحسد هو الذي منعهم من الإيمان، بل يرغب كل منهم أن يكون في منزلة الرسول (ص) ، وأن يؤتى صحفا تنشر على الناس وتعلن، وإنّما حملهم على ذلك أنّهم لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافون أهوالها، وأن هذا القرآن تذكرة تنبّه وتذكّر، فمن أراد الانتفاع بالقرآن قرأه وانتفع به.
وما يهتدون إلّا بمشيئة الله، هو سبحانه أهل بأن يتّقى عذابه، وترجّى مغفرته، وهو سبحانه صاحب المغفرة يتفضّل بها على عباده وفق مشيئته.
стр. 2505
مقاصد السورة إجمالا
أمر النبي (ص) بدعوة الخلق إلى الإيمان، وتقرير صعوبة القيامة على أهل الكفر والعصيان، وتهديد الوليد بن المغيرة الذي منحه الله مالا وفيرا، وعشرة من البنين، وبسط له في العيش لكنّه قابل هذه النعم بالجحود والعناد.
وذكر (جل شأنه) كيف استهزأ الوليد برسول الله (ص) ، وكيف اتّهمه بالسحر، فأنذره تعالى بسقر ثمّ وصفها ووصف زبانية الجحيم، وعذاب أهل النار ثم ذكر تعالى الأبرار ونعيمهم، والمجرمين وصفاتهم، وهي البعد عن الصلاة والإيمان، والبخل بالمال، والخوض في إيذاء المؤمنين. لقد سلبوا هداية السماء، ففروا من سماع القرآن، فرار حمر الوحش إذا رأت أسدا. وحرمت قلوبهم بركة التقوى. والله تعالى هو الجدير بأن يتقيه العباد، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
стр. 2506
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المدّثّر» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة المدّثّر بعد سورة المزّمّل وكان الوحي قد انقطع بعد بدء نزوله مدّة، لم يتفق المؤرّخون عليها وأرجح أقوالهم أنها كانت أربعين يوما. وقد نزلت سورة المدّثّر بعد انقضاء هذه المدة. فيكون نزولها، فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وتبلغ آياتها ستا وخمسين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة: استنهاض النبي (ص) للدعوة، وقد اقتضى هذا أيضا إنذار المشركين بما ينتظرهم من العذاب، إذا لم يجيبوا ما يدعون إليه فكانت في هذا مثل السورة السابقة، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.
استنهاض النبي (ص) للدعوة الآيات [١- ٥٦]
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) فأمره أن ينهض للقيام بإنذارهم، ويكبّره، ويطهّر ثيابه، ويهجر الرجز، والمنّ على من يحسن
стр. 2507
إليه، ويصبر لما أمره بتبليغه. ثم ذكر سبحانه أنه إذا نقر في الناقور، كان يوم عسير عليهم وأمره أن يتركه ومن خلقه وحيدا، وجعل له مالا ممدودا وذكر أنه سيرهقه صعودا، لأنه زعم أن ما ينذر به سحر يؤثر وقد فصّل ما فصل في وعيده، إلى أن قال تعالى فيما أوعده به من سقر: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) ثم أنكر أن تكون لهم ذكرى، فأقسم بالقمر وما ذكر معه، أنها لهم إحدى الكبر، من دركات جهنم السبع، وأنها نذير للبشر فمن شاء أن يتقدّم إلى الخير فليتقدّم، ومن شاء أن يتأخّر عنه فليتأخّر فكل نفس مأخوذة بما كسبت إلا أصحاب اليمين، فهم في جنّات يتساءلون عمّا سلك المجرمين في سقر فيجيبونهم بأنهم لم يكونوا من المصلّين، إلى غير هذا مما يذكرونه من أفعالهم ثم أنكر عليهم (سبحانه) أن يعرضوا بعد هذا عن التذكرة، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) . وذكر أن كل واحد منهم يريد أن تنزل عليه صحيفة من السماء، تأمره باتّباع ما يدعى إليه ثم ردعهم عن هذه الإرادة، وذكر سبحانه أن عدم خوفهم من الاخرة هو السبب في إعراضهم عن الإيمان به، وردعهم أيضا عن هذا الإعراض، وذكر أنه تذكرة بليغة كافية فمن شاء ذكّره بها:
وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) .
стр. 2508
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المدّثّر» «١»
أقول: هذه السورة متاخية مع السورة التي قبلها في الافتتاح بخطاب النبي (ص) ، وصدر كليهما نازل في قصة واحدة. وقد ذكر عن ابن عباس في ترتيب نزول السّور: أن المدّثّر نزلت عقب المزّمّل. أخرجه ابن الضريس. وأخرجه غيره عن جابر بن زيد «٢» .
стр. 2509
المبحث الرابع مكنونات سورة «المدّثّر» «١»
١- ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) .
أخرج الحاكم»
عن ابن عبّاس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة.
٢- وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) .
قال أبو مالك، وسعيد بن جبير:
كانوا ثلاثة عشر ابنا. أخرجه ابن أبي حاتم «٣» .
стр. 2510
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المدّثّر» «١»
١- وقال تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) .
أقول: وقوله تعالى: نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) بيان عن حلول يوم القيامة.
(الناقور) : ما ينفخ فيه من أسماء الأدوات، وكثير من هذه الأسماء جاء على «فاعول» .
٢- وقال تعالى: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) .
أي: سأغشيه عقبة شاقّة المصعد.
أقول: وبناء فعول للأسماء معروف في العربية، فمنه الصّعود والهبوط والحدور وغير ذلك.
٣- وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) .
أقول: وقد جاء قوله أيضا: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) [الطور] .
وهذا يعني: أن «فعيل» بمعنى «مفعول» لا يستوي فيه المذكر والمؤنث دائما، فقد تلحقه الهاء، والآيتان شاهدان على ذلك. وليس من ذهب إلى أن «رهين» في الآيتين اسم وليس صفة بحجة.
стр. 2511
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المدّثّر» «١»
قرأ بعضهم قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) بالجزم «٢» على أنّها جواب النهي. والقراءة المثبتة في المصحف بالرفع، أي: ولا تمنن مستكثرا وهو أجود المعنيين.
قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) أي: معاندا.
وقال سبحانه: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) .
و «دبر» في معنى «أدبر» . يقولون: «قبّح الله ما قبل منه وما دبر» «٣» وقالوا «عام قابل» ، ولم يقولوا «مقبل» .
وقال تعالى: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) . فانتصب نَذِيراً لأنه خبر ل إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) ، أي لأنه خبر للمعرفة، وقد حسن عليه السكوت، فصار حالا، وهي «النذير» كما تقول «إنّه لعبد الله قائما» ، وقال بعضهم إنّما هو: «قم نذيرا فأنذر» .
وقال تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) أي: إنّ القرآن تذكرة.
стр. 2512
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المدّثّر» «١»
إن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى:
غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) بعد قوله سبحانه:
فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ.
قلنا: قيل معناه: أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا، كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. وقيل إنه تأكيد.
فإن قيل: ما فائدة التكرار في قوله تعالى: لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) ومعناهما واحد؟
قلنا: معناه لا تبقي للكفّار لحما، ولا تذر لهم عظما. وقيل معناه لا تبقيهم أحياء، ولا تذرهم أمواتا.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ [الآية ٣١] وما سبق من وصفهم، بالاستيقان وازدياد الإيمان، دلّ على انتفاء الارتياب والجمل كلّها متعلّقة بعدد خزنة النار.
والمعنى يستيقن الذين أوتوا الكتاب أن ما جاء به محمّد (ص) حق، حيث أخبر عن عدد خزنة النار بمثل ما في التوراة، ويزداد الذين آمنوا من أهل الكتاب إيمانا بالنبي (ص) والقرآن، حيث وجدوا ما أخبرهم به مطابقا لما في كتابهم؟
قلنا فائدته التأكيد، والتعريض أيضا بحال من عداهم من الشاكّين، وهم الكفّار والمنافقون فمعناه: ولا يرتاب هؤلاء كما ارتاب أولئك.
فإن قيل: لم قال تعالى: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [الآية ٣١] يعني حصر
стр. 2513
عدد الخزنة في تسعة عشر، وذلك ليس بمثل.
قلنا: هو استعارة، من المثل المضروب، ممّا وقع غريبا وبديعا في الكلام، استغرابا منهم لهذا العدد، واستبداعا له والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب، وأيّ حكمة قصد في جعل الخزنة تسعة عشر لا عشرين. الثاني: أنّ المثل هنا بمعنى الصفة، كما في قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] ماذا أراد الله بهذا العدد، صفة للخزنة.
فإن قيل: لم طابق قوله تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) ، وهو سؤال للمجرمين، قوله تعالى: يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) وهو سؤال عنهم، وإنما المطابق: يسألون المجرمين أو يتساءلون عن المجرمين ما سلكهم في سقر: أي يسأل أهل الجنة بعضهم بعضا عن أهل النار؟
قلنا. قوله تعالى: ما سَلَكَكُمْ [الآية ٤٢] ليس بيانا للتساؤل عنهم، وإنما هو حكاية قول المسؤولين عن المجرمين فالمسؤولون من أهل الجنّة ألقوا إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين وذلك أنّ المؤمنين إذا أخرجهم الله تعالى من النار، بعد ما عذّبهم بقدر ذنوبهم، وأدخلهم الجنّة، يسألهم بعض أصحاب اليمين عن حال المجرمين، وسبب تخليدهم، فيقول المسؤولون: قلنا لهم: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) وهؤلاء المؤمنون بعد إخراجهم من النار وإدخالهم الجنّة، صاروا من أصحاب اليمين. وقيل المراد بأصحاب اليمين، الملائكة ﵈. وقيل الأطفال، لأنهم لا يرتهنون بذنوب، إذ لا ذنوب لهم.
стр. 2514
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المدّثّر» «١»
في قوله سبحانه: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) استعارة على بعض التأويلات: وهو أن تكون الثياب هاهنا كناية عن النفس، أو عن الأفعال والأعمال الراجعة إلى النفس. قال الشاعر «٢» :
ألا أبلغ أبا حفص رسولا فدى لك من أخي ثقة إزاري قيل: أراد فدى لك نفسي. وكذلك قول الفرزدق:
سكّنت جروتها «٣» وقلت لها اصبري ... وشددت في ضيق المقام إزاري
أي شددت نفسي، وذمرت قلبي.
والإزار والثياب يتقارب معناهما.
وعلى هذا فسّروا قول امرئ القيس:
فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل «٤»
стр. 2515
أي نفسي من نفسك، أو قلبي من قلبك.
ويقولون: فلان طاهر الثياب، أي طاهر النفس، أو طاهر الأفعال. فكأنّه سبحانه قال: ونفسك فطهّر، أو أفعالك فطهّر.
وقد يجوز أن يكون للثياب هاهنا معنى آخر، وهو أن الله سبحانه سمّى الأزواج لباسا، فقال تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] واللّباس والثّياب بمعنى واحد. فكأنّه سبحانه أمره أن يستطهر النساء. أي يختارهن طاهرات من دنس الكفر، ودرن العيب، لأنهن مظانّ الاستيلاد، ومضامّ الأولاد.
وفي قوله سبحانه: وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) استعارة، والمراد بها انكشاف الصبح بعد استتاره، ووضوحه بعد التباسه، تشبيها بالرجل المسفر الذي قد حطّ لثامه، فظهرت مجالي وجهه، ومعالم صورته.
стр. 2516
سورة القيامة ٧٥
стр. 2517
المبحث الأول أهداف سورة «القيامة» «١»
سورة القيامة سورة مكية، آياتها ٤٠ آية، نزلت بعد سورة القارعة.
هي سورة تتحدث عن القيامة، وعن النفس اللوّامة وتحشد على القلب البشري، من الحقائق والمؤثّرات، والصور والمشاهد، ما لا قبل له بمواجهته ولا التفلّت منه.
ومن تلك الحقائق الكبيرة، التي تحشدها السورة في مواجهة القلب البشري، حقيقة الموت القاسية الرهيبة، التي تواجه كلّ حي، وتتكرّر كلّ لحظة، ويواجهها الكبار والصغار، والأغنياء والفقراء والأقوياء والضعاف، ويقف الجميع منها موقفا واحدا، هو الاستسلام والخضوع لقدرة العلي القدير إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) .
ومن تلك الحقائق، التي تعرضها السورة، حقيقة النشأة الأولى وأن من خلق الإنسان، من نطفة، قادر على أن يعيده مرة أخرى أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) .
ومن المشاهد المؤثرة، في السورة، مشهد القيامة، وقد وقف الجميع للحساب، وزاغت الأبصار، واشتدّ الهول، ولقي كل إنسان جزاءه: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) ...
إلخ.
ومن هذه المشاهد: مشهد المؤمنين المطمئنين إلى ربّهم، المتطلعين إلى وجهه الكريم، ومشهد الآخرين المقطوعي الصلة بالله:
стр. 2518
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) .
وهكذا يشعر القلب، وهو يواجه هذه السورة، أنه محاصر لا يستطيع الهروب، مأخوذ بعمله لا يستطيع الإفلات، لا ملجأ له من الله ولا عاصم. وهكذا تعالج السورة عناد المشركين وإصرارهم، وتشعر الإنسان بالجدّ الصارم الجازم، في شأن القيامة، وشأن النفس، وشأن الحياة المقدّرة بحساب دقيق. وقد لوّنت السورة وزاوجت بين حقائق الاخرة، وحقائق الخلق والإبداع، ومشاهد الموت والحساب، وتكفّل الله بشأن القرآن وحفظه. وتلك خصيصة من خصائص الأسلوب القرآني، حيث يخاطب القلب البشري بشتّى الأساليب والمؤثّرات والحقائق والمشاهد، ممّا يأخذ عليه كل طريق، ويقوده إلى الإذعان والتسليم.
مع آيات السورة
[الآيتان ١- ٢] : يقسم الله تعالى بيوم القيامة وعظمة هوله، وبالنفس التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات يقسم أن البعث حق.
[الآيتان ٣- ٤] : يردّ سبحانه على بعض المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، وقد كانت المشكلة الشعورية عند المشركين، صعوبة تصورهم لجمع العظام البالية، الذاهبة في التراب، المتفرّقة في الثرى، وإعادة بعث الإنسان حيا.
والنّص يؤكّد عملية جمع العظام، بما هو أرقى من مجرد جمعها، وهو تسوية البنان، وتركيبه في موضعه كما كان وهي كناية عن إعادة التكوين البشري بأدق ما فيه، حتّى يتمثل الإنسان بشرا سويّا، لا ينقصه حتّى تسوية أصابعه، وما حملت من خاصّيّات مميزة.
[الآيتان ٥- ٦] : لا يجهل ابن آدم أنّ ربه قادر على أن يجمع عظامه، ولكنه يريد أن يداوم على فجوره، ولا يتخلى عنه ومن ثم فهو يستبعد وقوع البعث، ويستبعد مجيء القيامة.
[الآيات ٧- ٩] : ذكر سبحانه، من علامات يوم القيامة، أمورا ثلاثة:
стр. 2519
١- فالبصر يخطف ويتقلّب سريعا سريعا، تقلّب البرق وخطفه.
٢- والقمر يخسف ويطمس نوره.
٣- والشمس تقترن بالقمر بعد افتراق، ويختل نظامها الفلكي المعهود، حيث ينفرط ذلك النظام الكوني الدقيق.
[الآيات ١٠- ١٢] : يتساءل الإنسان المرعوب، أين المفرّ من جهنّم؟ وهل من ملجأ منها؟
لا ملجأ ولا وقاية ولا مفر من قهر الله وأخذه فالرجعة إليه والمستقرّ عنده، لا مستقر عند سواه.
قال السّدّيّ: كانوا إذا فزعوا في الدّنيا تحصّنوا بالجبال، فقال الله لهم لا وزر يعصمكم مني.
[الآية ١٣] : يخبر الإنسان حين العرض والحساب بجميع أعماله قديمها وحديثها، أوّلها وآخرها، صغيرها وكبيرها.
وفي الحديث: «سبع يجري أجرها للعبد بعد موته وهو في قبره: من علّم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس ظلّا، أو بنى مسجدا، أو ورّق مصحفا، أو ترك وليّا يستغفر له بعد موته» .
[الآيتان ١٤- ١٥] : بل الإنسان على نفسه بصيرة، بل الإنسان حجة بيّنة على نفسه، وفي ذلك اليوم تنطق جوارحه بما فعل فسمعه وبصره ويداه ورجلاه، وجميع أعضائه تشهد عليه، ويتضح الحق، ولو جاء بالأعذار كلها.
[الآية ١٦] : تكفّل الله بالقرآن، وحيا وحفظا وجمعا وبيانا، وليس للرسول (ص) من أمره إلّا حمله وتبليغه.
وقد كان الرسول الأمين شديد اللهفة والحرص على استيعاب القرآن وحفظه، ممّا كان يدعوه إلى متابعة جبريل (ع) في التلاوة آية آية، وكلمة كلمة.
فلمّا نزلت هذه الآية، كان رسول الله (ص) إذا أتاه جبريل، أطرق وسكت، فإذا ذهب قرأه كما أمره الله.
[الآيات ١٧- ١٩] : إن علينا جمعه في صدرك الشريف، وقراءته على لسانك، فلن تنساه أبدا، بل نحن سنجمعه في صدور المؤمنين، ونحفظ قراءته. فإذا تلاه عليك الملك فاستمع
стр. 2520
له، ثم اقرأه كما أقرأك ثم إنّا بعد حفظه وتلاوته، نبينه لك ونلهمك معناه.
[الآيتان ٢٠- ٢١] : إنكم يا بني آدم خلقتم من عجل وطبعتم عليه، فتعجلون في كلّ شيء ومن ثمّ تحبون العاجلة، وتذرون الاخرة.
[الآيتان ٢٢- ٢٣] : في ذلك اليوم، يوم القيامة، ستكون هناك وجوه حسنة ناعمة، تنظر إلى جلال الله، وتتمتّع برضوانه، وهي متعة دونها كل متعة.
إن روح الإنسان لتستمتاع أحيانا بلمحة من جمال الإبداع الإلهي في الكون أو النفس، تراها في الليلة القمراء، أو الليل الساجي، أو الفجر الوليد، أو الظل المديد، أو البحر العباب، أو الصحراء المنسابة، أو الروض البهيج، أو الطلعة البهية، أو القلب النبيل، أو الإيمان الواثق، أو الصبر الجميل ... إلى آخر مطالع الجمال في هذا الوجود، فتغمرها النشوة، وتفيض بها السعادة. فكيف بها وهي تنظر إلى جمال ذات الله؟
وتستمتع بهذه السعادة الغامرة، التي لا يحيط بها وصف، ولا يتصوّر حقيقتها إدراك؟
[الآيتان ٢٤- ٢٥] : ووجوه الفجّار تكون يوم القيامة عابسة كالحة، مستيقنة أنّها ستصاب بداهية عظيمة تقصم ظهرها وتهلكها.
[الآيات ٢٦- ٣٠] : تعرض الآيات مشهد الاحتضار، حينما تبلغ الروح أعالي الصدر، وتشرف النفس على الموت، ويقول أهل المحتضر: من يرقيه للشفاء ممّا نزل به؟ والتمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا وأيقن المحتضر أنّ ما نزل به نذير الفراق من الدنيا والمال والأهل والولد. وبطلت كل حيلة، وعجزت كل وسيلة، والتوت ساقه بساقه فلا يقدر على تحريكهما. ويتبيّن الطريق الواحد، الذي يساق إليه كلّ حي في نهاية المطاف: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) .
إن المشهد يكاد يتحرّك وينطق، وكل آية ترسم حركة، إنه مشهد الموت الذي ينتهي إليه كلّ حي، الموت الذي يصرع الجبابرة، بالسهولة نفسها التي يصرع بها الأقزام، ويقهر المتسلّطين، كما يقهر المستضعفين، الموت الذي لا حيلة للبشر فيه، وهم مع هذا لا يتدبرون القوة القاهرة التي تجريه.
стр. 2521
[الآيات ٣١- ٣٣] : ورد أن هذه الآيات تعني شخصا معيّنا بالذات، قيل هو أبو جهل: (عمرو بن هشام) ، وكان يجيء أحيانا إلى رسول الله (ص) ، يسمع منه القرآن، ثم يذهب عنه فلا يؤمن ولا يطيع، ولا يتأدّب ولا يخشى. ويؤذي رسول الله (ص) بالقول، ويصدّ عن سبيل الله ثم يذهب مختالا بما فعل، فخورا بما ارتكب من الشر، كأنه لم يفعل شيئا يذكر، و (يتمطّى) أي يمط في ظهره ويتعاجب تعاجبا ثقيلا كريها.
وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوة إلى الله، يسمع ويعرض، ويتفنّن في الصّدّ عن سبيل الله، والأذى للدعاة.
[الآيتان ٣٤- ٣٥] : ويل لك مرة بعد أخرى، وأهلكك الله هلاكا أقرب لك من كلّ شر وهلاك وهو تعبير اصطلاحي يتضمن التهديد والوعيد، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) ، أي يتكرر هذا الدعاء عليك مرة أخرى.
روى قتادة «أن النبي (ص) أخذ بيد أبي جهل، فقال: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) ، فقال عدو الله:
أتوعدني يا محمّد، والله لا تستطيع أنت وربّك شيئا، وإنّي لأعزّ من مشى بين جبليها» . فأخذه الله يوم بدر بيد المؤمنين.
[الآية ٣٦] : أيحسب الكافر أن يترك مهملا، لا يؤمر ولا ينهى ولا يبعث ولا يجازى؟ لقد كانت الحياة في نظر القوم حركة لا علّة لها ولا هدف ولا غاية: أرحام تدفع، وقبور تبلع، وبين هاتين لهو ولعب، وزينة وتفاخر فلفتت الآية نظر الإنسان إلى التقدير والتدبير في حياته وأنّه لا بدّ من البعث والجزاء، ليتميّز الصالح من الطالح، والمؤمن من الكافر ثمّ يأتي ما بعدها بالدلائل الواقعية على هذا القول.
[الآيات ٣٧- ٣٩] : فما هذا الإنسان؟ مم خلق؟ وكيف كان؟
ألم يك نطفة صغيرة من الماء من منيّ يراق؟ ألم تتحول هذه النطفة إلى علقة ذات وضع خاص في الرحم، تعلق بجدرانه لتعيش وتستمدّ الغذاء؟
فمن ذا الذي ألهمها هذه الحركة؟ ومن ذا الذي وجّهها هذا الاتجاه؟
ثم من ذا الذي خلقها بعد ذلك الحين جنينا معتدلا منسق الأعضاء؟
مؤلّفا جسمه من ملايين الملايين من الخلايا الحيّة، وهو في الأصل خليّة
стр. 2522
واحدة مع بويضة؟
ومن ذا الذي قاد هذه الخلية، وهي خليقة صغيرة ضعيفة، لا عقل لها ولا مدارك ولا تجارب؟
ثمّ في النهاية: من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة الذّكر والأنثى؟.
إنّه لا مفر من الإحساس باليد اللطيفة المدبّرة، التي قادت النطفة المراقة في طريقها الطويل، حتى انتهت بها إلى ذلك المصير: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) .
[الآية ٤٠] : وفي ختام السورة يجيء هذا الاستفهام القوي الحاسم: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) ؟: أي أليس الذي أنشأ هذا الخلق السويّ، من هذه النطفة المراقة، بقادر على أن يعيده كما بدأه؟
أليس الفعّال، للتدبير والتقدير والنشأة الأولى، بقادر على البعث والإحياء مرة أخرى؟.
قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:
٢٧] .
وإذا سمع المؤمن هذه الآية الأخيرة من سورة القيامة فليقل: بلى قادر.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم، وصحّحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص) من قرأ منكم: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وانتهى إلى آخرها: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) ، فليقل بلى، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ومن قرأ: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) ، فانتهى إلى آخرها:
أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) ، فليقل بلى، ومن قرأ المرسلات فبلغ:
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ، فليقل آمنا بالله» .
مقصود السورة
بيان هول القيامة، وهيبتها، وبيان إثبات البعث وتأثير القيامة في أعيان العالم، حيث يزوغ البصر، ويظلم القمر، وتتكدّر الشمس، ويفزع الإنسان ويقول أين المفر؟
وفي ذلك اليوم سينال كل إنسان جزاء عمله.
وبيّنت السورة آداب سماع الوحي، والوعد باللقاء والرؤية وبيّنت هول الاحتضار، وقدرة الله تعالى على البدء والإعادة، وبعث الموتى وحسابهم وجزائهم، في قوله سبحانه: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) .
стр. 2523
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القيامة» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة القيامة بعد سبع سور من سورة النجم، وكان نزول سورة النجم فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة القيامة في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) . وتبلغ آياتها أربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات البعث وما يكون فيه من حساب وثواب وعقاب. وبهذا يكون سياقها في الإنذار والترهيب والترغيب أيضا، ويكون ذكرها مناسبا للسورة المذكورة قبلها.
إثبات البعث الآيات [١- ٤٠]
قال الله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) ، فذكر سبحانه أنه لا يقسم بهذا على بعثهم لأنه أظهر من أن يحتاج إلى قسم، وأنكر ما يستبعدون من جمع العظام بعد تفريقها ثم ذكر جلّ وعلا، أنه قادر على جمع العظام وتسوية البنان كما كان قبل الموت وأبطل ما يريدونه من مضيهم في فجورهم ثم ذكر، جلّت قدرته، أنهم يسألون مستبعدين: أيّان يوم القيامة؟
стр. 2524
وأجاب عن هذا بأنه إذا جاءت علامات هذا اليوم يتمنّون أن يفرّوا منه ولا مفرّ، وبأنه لا بد من مصيرهم إليه، لينبئ كل واحد بما قدّم وأخّر وتبصر كل نفس عملها في كتابها، فلا تقبل معذرة عنه. ثم ذكر، سبحانه، ما يكون من نهي الإنسان عن التعجل في قراءة كتابه قبل أن تجمع فيه أعماله وأمره أن ينتظر حتى يقرأ عليه، ثم يتبعه بالإقرار به. وذكر أن هذا التعجّل ناشئ من حبهم العاجلة ونسيانهم الاخرة وأنه، بعد عرض الأعمال، تكون وجوه أصحاب الحسنات ناضرة، وتكون وجوه أصحاب السّيئات باسرة.
ثم ختم السورة بأنه لا بدّ، بعد موتهم، من أن يساقوا إليه وليس معهم صدقة ولا صلاة، ولكن تكذيب وإعراض وكبر وذكر، جلّ وعلا، أن من هذا شأنه أولى له فأولى، ثم أولى له فأولى، وأنه يحسب أن يترك من غير بعث وحساب، وقد كان نطفة ثم علقة، فخلقه فسوّاه، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) .
стр. 2525
المبحث الثالث مكنونات سورة «القيامة» «١»
١- فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) .
قال مجاهد، وغيره: نزلت في أبي جهل. أخرجه ابن أبي حاتم.