← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

[الآيات ٣١- ٣٣] : ورد أن هذه الآيات تعني شخصا معيّنا بالذات، قيل هو أبو جهل: (عمرو بن هشام) ، وكان يجيء أحيانا إلى رسول الله (ص) ، يسمع منه القرآن، ثم يذهب عنه فلا يؤمن ولا يطيع، ولا يتأدّب ولا يخشى. ويؤذي رسول الله (ص) بالقول، ويصدّ عن سبيل الله ثم يذهب مختالا بما فعل، فخورا بما ارتكب من الشر، كأنه لم يفعل شيئا يذكر، و (يتمطّى) أي يمط في ظهره ويتعاجب تعاجبا ثقيلا كريها. وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوة إلى الله، يسمع ويعرض، ويتفنّن في الصّدّ عن سبيل الله، والأذى للدعاة. [الآيتان ٣٤- ٣٥] : ويل لك مرة بعد أخرى، وأهلكك الله هلاكا أقرب لك من كلّ شر وهلاك وهو تعبير اصطلاحي يتضمن التهديد والوعيد، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) ، أي يتكرر هذا الدعاء عليك مرة أخرى. روى قتادة «أن النبي (ص) أخذ بيد أبي جهل، فقال: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) ، فقال عدو الله: أتوعدني يا محمّد، والله لا تستطيع أنت وربّك شيئا، وإنّي لأعزّ من مشى بين جبليها» . فأخذه الله يوم بدر بيد المؤمنين. [الآية ٣٦] : أيحسب الكافر أن يترك مهملا، لا يؤمر ولا ينهى ولا يبعث ولا يجازى؟ لقد كانت الحياة في نظر القوم حركة لا علّة لها ولا هدف ولا غاية: أرحام تدفع، وقبور تبلع، وبين هاتين لهو ولعب، وزينة وتفاخر فلفتت الآية نظر الإنسان إلى التقدير والتدبير في حياته وأنّه لا بدّ من البعث والجزاء، ليتميّز الصالح من الطالح، والمؤمن من الكافر ثمّ يأتي ما بعدها بالدلائل الواقعية على هذا القول. [الآيات ٣٧- ٣٩] : فما هذا الإنسان؟ مم خلق؟ وكيف كان؟ ألم يك نطفة صغيرة من الماء من منيّ يراق؟ ألم تتحول هذه النطفة إلى علقة ذات وضع خاص في الرحم، تعلق بجدرانه لتعيش وتستمدّ الغذاء؟ فمن ذا الذي ألهمها هذه الحركة؟ ومن ذا الذي وجّهها هذا الاتجاه؟ ثم من ذا الذي خلقها بعد ذلك الحين جنينا معتدلا منسق الأعضاء؟ مؤلّفا جسمه من ملايين الملايين من الخلايا الحيّة، وهو في الأصل خليّة

стр. 2522

واحدة مع بويضة؟ ومن ذا الذي قاد هذه الخلية، وهي خليقة صغيرة ضعيفة، لا عقل لها ولا مدارك ولا تجارب؟ ثمّ في النهاية: من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة الذّكر والأنثى؟. إنّه لا مفر من الإحساس باليد اللطيفة المدبّرة، التي قادت النطفة المراقة في طريقها الطويل، حتى انتهت بها إلى ذلك المصير: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) . [الآية ٤٠] : وفي ختام السورة يجيء هذا الاستفهام القوي الحاسم: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) ؟: أي أليس الذي أنشأ هذا الخلق السويّ، من هذه النطفة المراقة، بقادر على أن يعيده كما بدأه؟ أليس الفعّال، للتدبير والتقدير والنشأة الأولى، بقادر على البعث والإحياء مرة أخرى؟. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧] . وإذا سمع المؤمن هذه الآية الأخيرة من سورة القيامة فليقل: بلى قادر. أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم، وصحّحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص) من قرأ منكم: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وانتهى إلى آخرها: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) ، فليقل بلى، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ومن قرأ: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) ، فانتهى إلى آخرها: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) ، فليقل بلى، ومن قرأ المرسلات فبلغ: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ، فليقل آمنا بالله» . مقصود السورة بيان هول القيامة، وهيبتها، وبيان إثبات البعث وتأثير القيامة في أعيان العالم، حيث يزوغ البصر، ويظلم القمر، وتتكدّر الشمس، ويفزع الإنسان ويقول أين المفر؟ وفي ذلك اليوم سينال كل إنسان جزاء عمله. وبيّنت السورة آداب سماع الوحي، والوعد باللقاء والرؤية وبيّنت هول الاحتضار، وقدرة الله تعالى على البدء والإعادة، وبعث الموتى وحسابهم وجزائهم، في قوله سبحانه: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) .

стр. 2523

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القيامة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة القيامة بعد سبع سور من سورة النجم، وكان نزول سورة النجم فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة القيامة في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) . وتبلغ آياتها أربعين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة إثبات البعث وما يكون فيه من حساب وثواب وعقاب. وبهذا يكون سياقها في الإنذار والترهيب والترغيب أيضا، ويكون ذكرها مناسبا للسورة المذكورة قبلها. إثبات البعث الآيات [١- ٤٠] قال الله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) ، فذكر سبحانه أنه لا يقسم بهذا على بعثهم لأنه أظهر من أن يحتاج إلى قسم، وأنكر ما يستبعدون من جمع العظام بعد تفريقها ثم ذكر جلّ وعلا، أنه قادر على جمع العظام وتسوية البنان كما كان قبل الموت وأبطل ما يريدونه من مضيهم في فجورهم ثم ذكر، جلّت قدرته، أنهم يسألون مستبعدين: أيّان يوم القيامة؟

стр. 2524

وأجاب عن هذا بأنه إذا جاءت علامات هذا اليوم يتمنّون أن يفرّوا منه ولا مفرّ، وبأنه لا بد من مصيرهم إليه، لينبئ كل واحد بما قدّم وأخّر وتبصر كل نفس عملها في كتابها، فلا تقبل معذرة عنه. ثم ذكر، سبحانه، ما يكون من نهي الإنسان عن التعجل في قراءة كتابه قبل أن تجمع فيه أعماله وأمره أن ينتظر حتى يقرأ عليه، ثم يتبعه بالإقرار به. وذكر أن هذا التعجّل ناشئ من حبهم العاجلة ونسيانهم الاخرة وأنه، بعد عرض الأعمال، تكون وجوه أصحاب الحسنات ناضرة، وتكون وجوه أصحاب السّيئات باسرة. ثم ختم السورة بأنه لا بدّ، بعد موتهم، من أن يساقوا إليه وليس معهم صدقة ولا صلاة، ولكن تكذيب وإعراض وكبر وذكر، جلّ وعلا، أن من هذا شأنه أولى له فأولى، ثم أولى له فأولى، وأنه يحسب أن يترك من غير بعث وحساب، وقد كان نطفة ثم علقة، فخلقه فسوّاه، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) .

стр. 2525

المبحث الثالث مكنونات سورة «القيامة» «١» ١- فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) . قال مجاهد، وغيره: نزلت في أبي جهل. أخرجه ابن أبي حاتم.

стр. 2526

المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «القيامة» «١» ١- قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) . والمراد: «قراءته» . ٢- وقال تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) . والفاعل مضمر يراد به النفس، ولم تذكر للعلم بها، وهي نظير قوله تعالى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) [الواقعة] . ٣- وقال تعالى: ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) . وقوله تعالى: يَتَمَطَّى (٣٣) ، أي: يتبختر، وأصله: يتمطّط أي يتمدّد، لأن المتبختر يمدّ خطاه، وقيل: هو من المطا، أي: الظهر لأنه يلويه.

стр. 2527

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «القيامة» «١» قال تعالى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) أي: على أن نجمع بنانه. أي: بلى نجمعها قادرين. وواحد «البنان» : بنانة. وقال: أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) أي: أين الفرار. وقال الشاعر [من المديد وهو الشاهد الثالث والسبعون بعد المائتين] : يا لبكر أنشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار؟ لأنّ كلّ مصدر يبنى هذا البناء فإنما يجعل «مفعلا» . وإذا أراد المكان قال (المفرّ) : وقد قرئت (أين المفرّ) لأنّ كلّ ما كان فعله على «يفعل» كان «المفعل» منه مكسورا نحو «المضرب» ، إذا أردت المكان الذي يضرب فيه. قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) أي: حسنة: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) يعني، والله أعلم، بالنظر إلى الله إلى ما يأتيهم من نعمه ورزقه. وقد تقول: «والله ما أنظر إلّا إلى الله وإليك» أي: أنتظر ما عند الله وما عندك. وقال تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) فجعله هو البصيرة كما تقول للرجل: «أنت حجّة على نفسك» . وقال تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) أي: فلم يصدّق ولم يصلّ. كما تقول «ذهب فلا جاءني ولا جاءك» . وقال تعالى: عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) وقرأ بعضهم (يحي الموتى) فأخفى

стр. 2528

وجعله بين الإدغام وغير الإدغام، ولا يستقيم أن يكون هاهنا مدغما لأنّ الياء الاخرة ليست تثبت على حال واحد، إذ تصير ألفا في قولك «يحيا» وتحذف في الجزم، فهذا لا يلزمه الإدغام، ولا يكون فيه إلّا الإخفاء، وهو بين الإدغام وبين البيان.

стр. 2529

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «القيامة» «١» فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) والقارئ على النبي (ص) إنّما هو جبرائيل (ع) ؟ قلنا: معناه فإذا جمعناه في صدرك، ويؤيّده قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) أي: إن علينا جمعه وضمّه في صدرك فلا تعجل بقراءته قبل أن يتمّ حفظه. وقيل إنما أضيفت القراءة إلى الله تعالى، لأن جبريل (ع) يقرأه بأمره كما تضاف الأفعال إلى الملوك والأمراء بمجرد الأمر، مع أن المباشر لها أعوانهم أو أتباعهم. فإن قيل: لم قال الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) والذي يوصف بالنظر الذي هو الإبصار والإدراك، إنما هو العين دون الوجه؟ قلنا: قيل إن المراد بالوجوه هنا السعداء وأهل الوجاهة يوم القيامة لا الوجه الذي هو العضو ولا أرى هذا الجواب مطابقا لقوله تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) لأن العبوس والقطوب إنما يوصف به الوجه الذي هو العضو، ومما يؤيد أن المراد بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) الأعضاء المعروفة قوله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) [المطففين] . فإن قيل: النطفة المنيّ، فما الحكمة في قوله تعالى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ؟

стр. 2530

قلنا: النطفة استعملت هنا بمعنى القطرة، لأن النطفة تطلق على الماء القليل والكثير ومنه الحديث «حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جوازا» أراد: بحر المشرق والمغرب.

стр. 2531

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «القيامة» «١» في قوله تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) ، استعارة. والمراد، والله أعلم، أن الإنسان حجة على نفسه في يوم القيامة، وشاهد عليها بما اقترفت من ذنب، واحتملت من وزر. وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) (وإن ألقى معاذيره) . أي هو، وإن تعلّق بالمعاذير، ولفّق الأقاويل، شاهد على نفسه بما يوجب العقاب، ويجرّ النكال. وقال الكسائي: المعنى: بل على نفس الإنسان بصيرة. فجاء على التقديم والتأخير. أي عليه من الملائكة رقيب يرقبه، وحافظ يحفظ عمله. وقال أبو عبيدة: جاءت هذه الهاء في بصيرة، والموصوف بها مذكّر، كما جاءت في علّامة، ونسّابة، ورواية، وطاغية. والمراد بها المبالغة في المعنى الذي وقع الوصف به. ووجه المبالغة في صفة الملك المحصي لأعمال المكلّف بأنه بصيرة، أنّ ذلك الملك يتجاوز علم الظواهر إلى علم السرائر، بما جعل الله تعالى له على ذلك من الأدلة، وأعطاه من أسباب المعرفة. فهو، للعلة التي ذكرناها، يوفي على كل رقيب حافظ، ومراع ملاحظ. والتأويل الاخر يخرج به الكلام عن حيّز الاستعارة. وهو أن تكون المعاذير هاهنا من أسماء السّتور، لأن أهل اليمن يسمّون السّتر بالمعذار، فكأن المراد أن الإنسان رقيب على نفسه، وعالم

стр. 2532

بمستسرّ غيبه، في ما يقارفه من معصية، أو يقاربه من ريبة، وإن ألقى ستوره مستخفيا، وأغلق أبوابه متواريا. وفي قوله سبحانه: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) استعارة على أكثر الأقوال. والمراد بها، والله أعلم، صفة الشّدّتين المجتمعتين على المرء من فراق الدنيا، ولقاء أسباب الاخرة. وقد ذكرنا فيما تقدم مذهب العرب في العبارة عن الأمر الشديد، والخطب الفظيع، بذكر الكشف عن الساق، والقيام عن ساق. فلا فائدة في تكرير ذلك وإعادته. وقد يجوز أن يكون السّاق هاهنا جمع ساقة كما قالوا: حاجة وحاج. وغاية وغاي وآية وآي. والساقة: هم الذين يكونون في أعقاب الناس يحفّزونهم على السير، وهذا في صفة أحوال الاخرة وسوق الملائكة السابقين بالكثرة، حتى يلتفّ بعضهم ببعض من شديد الحفز، وعنيف السير والسّوق. ومما يقوّي ذلك قوله تعالى: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) . والوجه الأول أقرب، وهذا الوجه أغرب.

стр. 2533

سورة الإنسان ٧٦

стр. 2534

المبحث الأول أهداف سورة «الإنسان» «١» سورة الإنسان سورة مكيّة، وقيل مدنية، آياتها ٣١، نزلت بعد سورة الرحمن. وقد اختلف في مكّيتها ومدنيّتها. وفي المصحف المتداول أنها مدنية، ولكن آيات السورة وسياقها وموضوعاتها تحمل الطابع المكّي، وهي أقرب إلى أن تكون مكّية. والمكّي من القرآن هو ما نزل بمكّة قبل الهجرة، والمدنيّ هو ما نزل بالمدينة بعد الهجرة. وهناك سور متفق على مكّيتها، وسور متفق على مدنيّتها، وسور مختلف فيها: من العلماء من يرى أنها مدنيّة، ومنهم من يرى أنها مكّية. ومن هذه السور سورة الإنسان. وقد غلب على السور المكّية الحديث عن الألوهيّة، والتحذير من عبادة الأصنام، والتذكير بالبعث والجزاء، ولفت الانظار إلى مشاهد الكون ونواميسه، وآيات الله في الآفاق، ودلائل القدرة الإلهية في الخلق والنفس. وغلب على السور المدنيّة وصف غزوات الرسول (ص) ، وحالات المجتمع المدنيّ، والحديث عن المنافقين واليهود، والعناية بتشريع الأحكام، ونظام المجتمع ودعائم الحكم السليم. والقرآن، في مجموعه، كتاب هداية، ودعوة إلى القيم، ومكارم الأخلاق، وحثّ على الإيمان بالله

стр. 2535

وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر، ودعوة إلى تهذيب النفس، وحث على الفضيلة والاستقامة، وتقوى الله ومراقبته. وهذه المعاني نجدها في السور المكّية والمدنيّة، وفي السور المختلف في مكّيتها ومدنيّتها، كسورة الإنسان. ولا نملك نحن إلّا أن نقول: سورة الإنسان سورة من القرآن الكريم، يختلف الترجيح في مكّيتها ومدنيّتها، ونرى أنّ أسلوبها أقرب إلى أسلوب القرآن المكّي، وبذلك تكون جميع سور جزء تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ سورا مكّية. تسلسل أفكار السورة سورة الإنسان نداء رخيّ نديّ للإنسان أن يتذكّر أصله الذي خلق منه، ويتذكّر فضل الله عليه، إذ خلقه بشرا سويا، ويسّر له طريق الخير والشر، ليختار بإرادته وكسبه، وعقله وطاقاته ومداركه. وبذلك تذكر السورة أصل الخلق، والمدارك والطاقات التي منحها الله للإنسان، وميّزه بهذا على جميع المخلوقات، فمنحه الإرادة والاختيار، والسمع والبصر، ليسمع ويرى ويفكّر ويتدبّر، ثمّ يختار بإرادته وكسبه وهذه ميزة خاصة بالإنسان وحده في هذا الكون. فالملاك مطيع طاعة مطلقة، والحيوان مزوّد بالإدراك من دون الاختيار، والكون كله مسخر بمشيئة الله، وخاضع لنواميسه خضوع القهر والغلبة. والإنسان زوّد بالعقل ليختار الطاعة لله أو المعصية، وهذا هو أساس الابتلاء والاختبار، فإن أطاع صار أهلا لرضوان الله وجنّته، وإن عصى صار أهلا لغضبه وناره. وقد ذكرت السورة عذاب أهل النار في آية واحدة، هي الآية الرابعة. واستسرسالات في وصف نعيم أهل الجنة وثوابهم، في الآيات [٥- ٢٢] ، أي في جزء كبير من السورة. ثمّ يتجه الخطاب إلى الرسول الأمين، لتثبيته على الدعوة، وتوجيهه إلى الصبر، وانتظار حكم الله في الأمر، والاتّصال بربّه، والاستمداد منه كلما طال الطريق، وذلك في الآيات [٢٣- ٢٦] .

стр. 2536

وفي الجزء الأخير من السورة، تذكير للكافرين باليوم الثقيل، الذي لا يحسبون حسابه، والذي يخافه الأبرار ويتّقونه، والتلويح لهم بهوان أمرهم على الله الذي خلقهم، ومنحهم ما هم فيه من القوّة، وهو قادر على الذهاب بهم، والإتيان بقوم آخرين، لولا تفضّله عليهم بالبقاء، لتمضي مشيئته في الابتلاء ويلوّح السياق في ختام السورة بعاقبة هذا الابتلاء، وذلك في الآيات [٢٧- ٣١] . مع آيات السورة [الآية الأولى] : قد أتى على هذا النوع، نوع الإنسان، زمن لم يكن موجودا حتى يعرف ويذكر. والحين طائفة من الزمان غير محدودة. وعن ابن عبّاس وابن مسعود: أنّ الإنسان هاهنا آدم، والحين المحدود، وذلك أنه مكث أربعين سنة طينا، إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئا مذكورا، بعد كونه كالمنسي «١» . [الآية ٢] : إنا خلقنا الإنسان من نطفة اختلط فيها ماء الرجل بماء المرأة، مريدين ابتلاءه واختباره، بالتكليف فيما بعد، إذا شبّ وبلغ الحلم، فجعلناه سميعا بصيرا، ليتمكّن من استماع الآيات، ومشاهدة الدلائل والتعقّل والتفكّر. ومقصود الآية: نحن نعامل الإنسان معاملة المختبر له: أيميل إلى أصله الأرضي فيكون حيوانا نباتيّا معدنيّا شهوانيّا، أم يكون إلهيّا معتبرا بالسمع والبصر والفكر؟ [الآية ٣] : بيّن الله للإنسان الطريق السوي، بإرسال الرسل وإنزال الكتاب، وهو بالخيار: إما أن يكون شاكرا لنعماء الله، فيسير في الطريق الواضح المرسوم، وإمّا أن يكون كافرا فيعرض ويكفر، ويختار الضلال على الهدى. [الآية ٤] : إنّا هيّأنا لمن كفروا بنعمتنا، سلاسل للأقدام، وأغلالا تشدّ بها أيديهم إلى أعناقهم، كما يفعل بالمجرمين في الدنيا، ونارا تتسعّر يلقى فيها بالمسلسلين المغلولين. ثمّ تصف الآيات بعد ذلك نعيم المتّقين، وصفا طويلا لم نجد مثله في سورة سابقة ويستمر هذا الوصف من

стр. 2537

الآية الخامسة إلى الآية الثانية والعشرين، أي ١٨ آية من مجموع آيات السورة وهي ٣١، أي أن أكثر من نصف السورة، يصف نعيم المتقين، وحليّهم وملابسهم وخدمهم، وما هم فيه من نعمة ورضوان وملك كبير. ولنسر مع هذه الآيات التي تصف نعيم المتقين. [الآيتان ٥- ٦] : إنّ شراب الأبرار في الجنّة ممزوج بالكافور، يشربونه في كأس تغترف من عين تفجّر لهم تفجيرا في كثرة ووفرة، وينتفعون بها كما يشاءون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان، يحبون وصولها إليه. قال مجاهد: يقودونها حيث شاءوا، وتتبعهم حيث مالوا «١» . [الآية ٧] : كانوا يوفون بالنذر فيفعلون ما اعتزموا من الطاعات، وما التزموا من الواجبات، أي أنهم يؤدون ما أوجبه الله عليهم بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بالنذر. وهم يستشعرون الخشية من يوم القيامة، ذلك يوم شديد عذابه، عظيم خطره، كالنار يتطاير شررها فيعمّ شرّها. [الآية ٨] : وكانوا يطعمون الطعام، ويقدّمون المعونة النافعة لكلّ مساكين عاجز عن الاكتساب، ولكل يتيم مات كاسبه، ولكل أسير لا يملك لنفسه قوّة ولا حيلة. [الآية ٩] : وحين يقدّمون الطعام والمعونة النافعة لكلّ مساكين عاجز عن الاكتساب، ولكلّ يتيم مات كاسبه، لا يترفّعون على عباد الله، ولا يشعرون بالاستعلاء والعظمة، بل يقدّمون المعونة في إخلاص وتجرّد لوجه الله، ولا ينتظرون شكرا ولا إعلانا. قال مجاهد وسعيد بن جبير: أمّا والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب «٢» . [الآية ١٠] : لقد أخرجوا الصدقة لوجه الله، ولسان حالهم يقول: إنّا نفعل ذلك ليرحمنا ربنا، ويتلقّانا بلطفه في يوم عبوس تعبس فيه الوجوه، قمطرير شديد العبوس. قال النسفي: «وصف اليوم بصفة

стр. 2538

أهله من الأشقياء، نحو نهارك صائم، والقمطرير شديد العبوس، الذي يجمع ما بين عينيه» «١» . [الآية ١١] : فحفظهم الله من شر ذلك اليوم، وكسا وجوههم نضرة ونضارة، وتنعّما، وفرحا، وسرورا. [الآية ١٢] : وجزاهم بصبرهم على الإيثار، والتزامهم بأمر الله جنّة يسكنونها، وحريرا يلبسونه. ثمّ تصف الآيات مساكن أهل الجنة، وشرابهم وأوانيه وسقاته، وما تفضّل به عليهم ربهم، من فاخر اللباس والحلي، وأصناف النعيم فتقول: [الآية ١٣] : هم في جلسة مريحة مطمئنة، الجو حولهم رخاء ناعم، دافئ في غير حر، نديّ في غير برد، فلا شمس تلهب النسائم، ولا زمهرير، أي: لا برد قارس. [الآية ١٤] : ظلال الجنة قريبة من الأبرار مظلّلة عليهم، وقطوفها وثمارها قريبة دانية في متناول أيديهم، ينالها القائم والقاعد والمتكئ. [الآيات ١٥- ١٩] : يطاف عليهم بانية من فضة بيضاء، في صفاء الزجاج، فيرى ما في باطنها من ظاهرها، ممّا لم تعهده الأرض في آنية الفضة، وهي بأحجام مقدّرة تقديرا، يحقّق المتاع والجمال. ثم هي تمزج بالزّنجبيل كما مزجت مرّة بالكافور، وهي كذلك تملأ من عين جارية تسمى سلسبيلا، لشدة عذوبتها واستساغتها للشاربين. وزيادة في المتاع، فإن الذين يطوفون بهذه الأواني والأكواب، هم غلمان صباح الوجوه، لا يفعل فيهم الزمن، ولا تدركهم السن، فهم مخلّدون في سن الصّباحة والصّبا والوضاءة، وهم هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور. [الآية ٢٠] : تحمل هذه الآية خطوط هذا النعيم، وتلقي عليه نظرة كاملة فاحصة، تلخّص وقعه في القلب والنظر. فإذا نظرت في الجنة رأيت نعيما عظيما، وملكا كبيرا لا يحيط به الوصف. [الآية ٢١] : ثم تخصص هذه الآية مظهرا من مظاهر النعيم، والملك الكبير فتقول: إن لباس أهل الجنة السّندس، وهو الحرير الرقيق،

стр. 2539

والإستبرق وهو الحرير السميك المبطن، وقد حلّوا أساور من فضّة وتدرج نعيمهم في الارتقاء إلى مدارج الكمال، حتى وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ [الآية ٢١] وأضاف السقي إلى ذاته للتشريف والتخصيص، شَراباً طَهُوراً (٢١) مبالغة في طهارته ونظافته بخلاف خمر الدنيا. فهو عطاء كريم من معط كريم، وهذه تضاف إلى قيمة ذلك النعيم. [الآية ٢٢] : ثم ختم وعدهم بالود والتكريم، فقال جلّ وعلا: إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢) . أي يقال لهؤلاء الأبرار هذا القول، زيادة في سرورهم، إنّ هذا الذي أعطيناكم من الكرامة، كان ثوابا على أعمالكم الصالحة، وكان عملكم في الدنيا مشكورا، حمدكم عليه ربّكم ورضيه لكم، فأثابكم بما أثابكم به من الكرامة. وهذا النطق من الملأ الأعلى، يعدل هذه المناعم كلّها، ويمنحها قيمة أخرى فوق قيمتها، لأنّها جزاء على عمل، وثواب لإنسان اختار الهدى والطريق المستقيم والعمل الصالح، فاستحقّ النعيم والتكريم. [الآية ٢٣] : وبعد أن بيّن الله سبحانه ما في الجنّة من نعيم، ذكّر نبيّه بنعمة الرسالة تسلية لفؤاده، وحثّا له على الصبر والثبات، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) : إنّ القرآن من عند الله أنزله منجّما مفصلا، في ثلاث وعشرين سنة، ليكون أسهل لحفظه وتفهمه ودراسته، ولتكون الأحكام آتية وفق الحوادث التي تجد في الكون، فتكون تثبيتا لإيمان المؤمنين وزيادة في تقوى المتقين. [الآية ٢٤] : اصبر على أمر الله واثبت على الحق، ولا تتبّع أحدا من الآثمين إذا دعاك إلى الإثم، ولا من الكافرين إذا دعاك إلى الكفر إنّ الأمور مرهونة بقدر الله، وهو يمهل الباطل ويملي للشر، كلّ أولئك لحكمة يعلمها، يجري بها قدره، وينفذ بها حكمه. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) . ونهيه (ص) عن طاعة الإثم والكفور، وهو لا يطيع واحدا منهما، إشارة إلى أن الناس محتاجون إلى مواصلة الإرشاد، لما ركّب في طباعهم من الشهوة الداعية إلى اجتراح السيّئات، وأن أحدا لو استغنى عن توفيق الله وإرشاده لكان

стр. 2540

أحقّ الناس بذلك هو الرسول المعصوم (ص) . [الآيتان ٢٥- ٢٦] : ودم على ذكره في الصباح والمساء، والخلوة والجلوة، وصلّ بعض الليل كصلاة المغرب والعشاء، واسجد له بالليل وسبّحه طويلا، لأنه مصدر القوة والعناية، وينبوع العون والهداية ومن وجد الله وجد كلّ شيء، فالصلة به سبحانه هي السعادة الكبرى، والعناية العظمى، والزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في طريق الحياة. [الآية ٢٧] : إنّ هؤلاء المشركين بالله يحبّون الدنيا، وتعجبهم زينتها، وينهمكون في لذّتها الفانية، ويتركون اليوم الثقيل، الذي ينتظرهم هناك بالسلاسل والأغلال والسعير، بعد الحساب العسير. والآية تثبيت للنبي (ص) والمؤمنين في مواجهة المشركين، إلى جانب أنّها تهديد ملفوف، لأصحاب العاجلة باليوم الثقيل. [الآية ٢٨] : يتلو ذلك التهديد التهوين من أمرهم عند الله ﷻ ، الذي أعطاهم ما هم فيه من قوة وبأس، وهو قادر على الذهاب بهم فهم لا يعجزونه بقوتهم، وهو الذي خلقهم وأعطاهم إيّاها، وهو قادر على أن يخلق أمثالهم في مكانهم، فإذا أمهلهم ولم يبدل أمثالهم فهو فضله ومنّته، وهو قضاؤه وحكمته. [الآية ٢٩] : إنّ هذه السورة بما فيها من ترتيب بديع، ونسق عجيب، ووعد ووعيد، وترغيب وترهيب، تذكرة وتبصرة لكل ذي عقل وبصيرة. فمن شاء الخير والنجاة لنفسه في الدنيا والاخرة، فليتقرّب إلى ربّه بالطاعة، وليصدّق بالقرآن والرسول الكريم فذلك هو الطريق إلى الله. [الآية ٣٠] : ويعقب على ذلك بإطلاق المشيئة، وردّ كل شيء إليها، ليكون الاتّجاه الأخير إليها، والاستسلام الأخير لحكمها. وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) أي وما تشاؤون اتّخاذ السبيل الموصلة إلى النجاة، ولا تقدرون على تحصيلها، إلّا إذا وفّقكم الله لاكتسابها، وأعدكم لنيلها. ذلك كي تعلم قلوب البشر أن الله هو الفاعل المختار، المتصرّف القهّار: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً (٣٠) بما يصلح العباد، حَكِيماً (٣٠) وضع كل انسان

стр. 2541

في موضعه من الهداية والضلال، فهو يعين المتقين على القيام بواجبهم، ويسلب عونه عن المشركين، فيتيهون في بيداء الضلال. [الآية ٣١] : يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ فيهديه ويوفّقه للطاعة بحسب استعداده، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١) وقد أملى لهم وأمهلهم، لينتهوا إلى هذا العذاب الأليم. وهذا الختام يلتئم مع المطلع، ويصور نهاية الابتلاء، الذي خلق الله له الإنسان من نطفة أمشاج، ووهبه السمع والأبصار، وهداه السبيل إما إلى جنة وإما إلى نار. مجمل ما تضمنته السورة اشتملت سورة الإنسان على خمسة مقاصد: ١- خلق الإنسان. ٢- جزاء الشاكرين والجاحدين. ٣- وصف النار وصفا قصيرا في آية واحدة، ووصف الجنّة وصفا مسهبا في ما يقرب من ١٨ آية. ٤- ذكر المنّة على رسول الله (ص) ، وأمره بالصبر وقيام الليل. ٥- المنّة على الخلق بإحكام خلقهم، وإضافة كلّيّة المشيئة إلى الله تعالى. أسماء السورة لهذه السورة ثلاثة أسماء: ١- سورة هَلْ أَتى لمفتتحها. ٢- سورة الإنسان لقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) . ٣- سورة الدهر لقوله تعالى: حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ.

стр. 2542

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الإنسان» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الإنسان بعد سورة الرحمن، وكان نزول سورة الرحمن فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة الإنسان في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) ، وتبلغ آياتها إحدى وثلاثين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة بيان أثر الشرائع في رفعة الإنسان. وقد اقتضى هذا أن يجري سياقها في شيء من الترغيب والترهيب، فأشبه سياقها بهذا سياق السورة المذكورة قبلها، ولهذا ذكرت بعدها. أثر الشرائع في رفعة الإنسان الآيات [١- ٣١] قال الله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) ، فذكر أن الإنسان لم يكن شيئا مذكورا قبل أن يرفع شأنه بما أنزله من شرائعه، وأنه، سبحانه، خلقه من نطفة مختلطة بالدم وغيره، ولم يزل ينقله من حال إلى حال حتى جعله سميعا بصيرا، وأنه، جلّ وعلا، هداه السبيل، فمنهم من اهتدى به ومنهم من كفر به فمن كفر به أعدّ له سلاسل وأغلالا وسعيرا، ومن آمن به يشرب

стр. 2543

من كأس كان مزاجها كافورا إلخ. ثم ذكر، تعالى، أنه نزّل القرآن بهذا على النبي (ص) ، وأمره أن يصبر لحكمه، ونهاه أن يطيع منهم آثما أو كفورا ثم أمره أن يذكره بكرة وأصيلا، وأن يسجد له جزءا من أول الليل، ويسبّح بعد هذا ليلا طويلا ثم ذكر له أن من نهاه عن طاعتهم يحبون العاجلة وينسون يوما ثقيلا، وأنه هو الذي خلقهم وشدّ أسرهم وإذا شاء بدّل أمثالهم تبديلا ثم ذكر أن هذه السورة تذكرة، فمن شاء اهتدى بها وأنهم لا يشاءون شيئا إلّا أن يشاءه، سبحانه، إنه كان عليما حكيما: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١) .

стр. 2544

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الإنسان» «١» أقول: وجه اتصالها بسورة القيامة في غاية الوضوح: فإنه تعالى ذكر في آخر تلك مبدأ خلق الإنسان من نطفة، ثمّ ذكر مثل ذلك في مطلع هذه السورة، مفتتحا بخلق آدم أبي البشر. ولمّا ذكر هناك خلقه منهما، قال: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) . ولما ذكر هناك خلقه منهما، قال هنا: فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) ، فعلّق به غير ما علق بالأول، ثمّ رتب عليه هداية السبيل، وتقسيمه إلى شاكر وكفور، ثمّ أخذ في جزاء كلّ. ووجه آخر: أنّه، لما وصف حال يوم القيامة في تلك السورة، ولم يصف فيها حال النّار والجنّة، بل ذكرهما على سبيل الإجمال، فصّلهما في هذه السورة، وأطنب في وصف الجنّة «٢» ، وذلك كله شرح لقوله تعالى هناك: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) . وقوله هنا: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً (٤) : شرح لقوله هناك: تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) . وقد ذكر هناك: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وذكر هنا في هذه السورة:

стр. 2545

إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا (٢٧) وهذا من وجوه المناسبة «٢» .

стр. 2546

المبحث الرابع مكنونات سورة «الإنسان» «١» ١- هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [الآية ١] . قال قتادة: هو آدم (ع) . أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .

стр. 2547

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الإنسان» «١» ١- وقال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [الآية ٢] . ونمط التركيب في قوله تعالى: نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ كنمط التركيب في قولهم: برمة أعشار، وبرد أكياش فقد وصف المفرد بهذه الصفات على «أفعال» ، فقالوا: هي ألفاظ مفردة غير جموع. على أنه سمع «مشج» مفرد أمشاج. ٢- عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الآية ٦] . أقول: والمعنى يشرب منها، ولا عبرة لما قيل ب «التضمين» أي: إن الباء تضمنت معنى «من» ، وذلك لأن كلام الله جرى على لغة العرب، والعرب قد تصرفت بلغتها تصرفا واسعا. ولله حكمة بالغة في وضع كلامه على هيئة لم يدركها البشر. ٣- وقال تعالى: وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) . أقول: من أجل حسن الأداء وتناسب الفواصل جاءت قَوارِيرَا (١٥) بالمد الناجم عن سقوط التنوين المفترض، فإذا ذهب السبب عادت «قوارير» غير ممدودة. ومن أجل شيء آخر وردت (سلاسلا) على الصورة التي جاءت عليها «قواريرا» في قوله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً (٤) .

стр. 2548

وذلك ليتناسب قوله سبحانه سَلاسِلَ (٤) مع قوله: وَأَغْلالًا وَسَعِيراً (٤) فالتناسب مقصود يقتضيه تجويد الأداء.

стр. 2549

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الإنسان» «١» قال تعالى: أَمْشاجٍ [الآية ٢] واحدها: «المشج» . وقال: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) كذلك إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ [مريم: ٧٥] بالنصب، كأن السياق لم يذكر «إمّا» . وإن شئت ابتدأت ما بعدها فرفعته. وقال تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الآية ٦] بالنصب من ثلاثة أوجه، إن شئت فعلى قوله يَشْرَبُونَ [الآية ٥] عَيْناً وإن شئت، فعلى يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً [الآية ٦] وإن شئت فعلى وجه المدح، كما يذكر لك الرجل فتقول أنت: «العاقل اللبيب» أي: ذكرت العاقل اللبيب. على «أعني عينا» . وقال تعالى: وَلا شُكُوراً، إن شئت جعلته جماعة «الشكر» وجعلت «الكفور» جماعة «الكفر» مثل «الفلس» و «الفلوس» . وإن شئت جعلته مصدرا واحدا في معنى جميع مثل: «قعد قعودا» و «خرج خروجا» . وقال تعالى: مُتَّكِئِينَ [الآية ١٣] على المدح، أو على: «جزاهم جنّة متّكئين فيها» على الحال وقد تقول «جزاهم ذلك قياما وكذلك وَدانِيَةً [الآية ١٤] على الحال أو على المدح، إنّما انتصابه بفعل مضمر. وقد يجوز في قوله تعالى وَدانِيَةً أن يكون على وجهين على «وجزاهم دانية ظلالها»

стр. 2550

تقول: «أعطيتك جيدا طرفاه» و «رأينا حسنا وجهه» . وقال: كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) ، بنصب العين على أربعة أوجه على «يسقون عينا» أو على الحال، أو بدلا من الكأس، أو على المدح والفعل مضمر. وقال بعضهم إن «سلسبيل» صفة للعين بالسلسبيل. وقال بعضهم: إنّما المراد: «عينا تسمّى سلسبيلا» أي: تسمى من طيبها، أي: توصف للناس كما تقول: الأعوجيّ» و «الأرحبيّ» و «المهريّ من الإبل» . وكما تنسب الخيل إذا وصفت إلى هذه الخيل المعروفة والمنسوبة، كذلك تنسب العين إلى أنها تسمّى سَلْسَبِيلًا (١٨) لأنّ القرآن يدل على كلام العرب. قال الشاعر وأنشدناه يونس «١» هكذا من الكامل وهو الشاهد الرابع والسبعون بعد المائتين: صفراء من نبع يسمّى سهمها من طول ما صرع الصّيود الصّيّب فرفع «الصيّب لأنه لم يرد «يسمى سهمها بالصيّب» إنما «الصيّب» من صفة الاسم والسهم. وقوله «يسمى سهمها» : يذكر سهمها. وقال بعضهم: لا بل هو اسم العين، وهو معرفة ولكن لما كان رأس آية، وكان مفتوحا، زيدت فيه الالف كما كانت قَوارِيرَا (١٥) . وفي قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً [الآية ٢٠] رَأَيْتَ لا تتعدى كما يقول: «ظننت في الدار خير» لمكان ظنّه، وأخبر بمكان رؤيته.

стр. 2551

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الإنسان» «١» إن قيل: لم قال الله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [الآية ٢] فوصف المفرد وهي النطفة بالجمع وهو الأمشاج جمع مشج، والأمشاج الأخلاط، والمراد أنه مخلوق من نطفة مختلطة من ماء الرجل والمرأة؟ قلنا: قال الزمخشري رحمة الله تعالى عليه: أمشاج لفظ مفرد لا جمع كقولهم: برمة أعشار، وبيت أكباش، وبر أهدام. وقال غيره الموصوف به أجزاء النطفة وأبعاضها. فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الآية ٢١] مع أن ذلك في الدنيا إنما هو عادة الإماء، ومن في مرتبتهنّ؟ قلنا: القرآن أول من خوطب به العرب، وكان من عادة رجالهم ونسائهم التحلي بالذهب والفضة منفردين ومجتمعين. الثاني: أنّ الاسم، وإن كان مشتركا بين فضة الدنيا والاخرة، ولكن شتان ما بينهما. قال النبي (ص) «المثقال من فضة الاخرة خير من الدنيا وما فيها» . وكذا الكلام في السندس والإستبرق وغيرهما مما أعده الله تعالى في الجنّة. فإن قيل: أيّ شرف لتلك الدار يسقي الله تعالى عباده الشراب الطهور فيها، مع أنه تعالى في الدنيا سقاهم ذلك، بدليل قوله تعالى: وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) [المرسلات] وقوله تعالى:

стр. 2552

وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) [الحجر] . قلنا: المراد به في الاخرة سقيهم بغير واسطة، وشتان ما بين الشرابين والآنيتين أيضا والمنزلتين. فإن قيل: في قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) الضمير لمشركي مكة بلا خلاف، فما معنى تقسيمهم إلى الإثم والكفور، وكلّهم آثم وكلّهم كفور؟ قلنا: المراد بالإثم عتبة بن ربيعة، فإنه كان ركّابا للمآثم متعاطيا لأنواع الفسوق والمراد بالكفور الوليد بن المغيرة، فإنه كان مغاليا في الكفر، شديد الشكيمة فيه مع أن كليهما آثم وكافر، والمراد به نهيه عن طاعتهم فيما كانوا يدعونه إليه من ترك الدعوة، وموافقتهم فيما كانوا عليه من الكفر والضلال. فإن قيل: ما معنى النهي عن طاعة أحدهما، ولماذا لم ينه عن طاعتهما؟ قلنا: قال بعضهم: إن «أو» هنا بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: أَوِ الْحَوايا [الأنعام: ١٤٦] . الثاني: أنه لو قال تعالى: ولا تطعهما، جاز له أن يطيع أحدهما، وأما إذا قيل له ولا تطع أحدهما كان منهيّا عن طاعتهما بالضرورة. فإن قيل: لم قال تعالى: نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) . والابتلاء متأخّر عن جعله سميعا بصيرا؟ قلنا: قال الفرّاء: فيه تقديم وتأخير تقديره فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. وقال غيره: معناه ناقلين له من حال إلى حال: نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة، فسمى ذلك ابتلاء من باب الاستعارة. فإن قيل: لم قال الله تعالى: قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ والقوارير اسم لما يتخذ من الزجاج؟ قلنا: معناه أن تلك الأكواب مخلوقة من فضة، وهي مع بياض الفضّة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها. قال ابن عباس ﵄: لو ضربت فضّة الدنيا حتى جعلتها جناح الذباب، لم ير الماء من ورائها. وقوارير الجنّة من فضّة ويرى ما فيها من ورائها. فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) ؟ قلنا: معناه تكوّنت، فهي من قوله

стр. 2553

تعالى: كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس] وكذا قوله تعالى: كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) . فإن قيل: لم شبه الله تعالى الولدان باللؤلؤ المنثور دون المنظوم؟ قلنا: إنما شبّههم باللؤلؤ المنثور لأنه أراد تشبيههم باللؤلؤ الذي لم يثقب بعد، لأنه إذا ثقب نقصت مائيّته وصفاؤه، واللؤلؤ الذي لم يثقب لا يكون إلّا منثورا. وقيل: إنّما شبههم الله تعالى باللؤلؤ المنثور، لأنّ اللؤلؤ المنثور على البساط أحسن منظرا من المنظوم. وقيل إنما شبههم باللؤلؤ المنثور، لانتشارهم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم وتفريقهم في الخدمة، بدليل قوله تعالى وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ [الآية ١٩] ولو كانوا وقوفا صفّا لشبهوا بالمنظوم. فإن: قيل لم قال الله تعالى هنا: وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ [الآية ٢٨] أي خلقهم، وقال تعالى في موضع آخر: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [النساء: ٢٨] ؟ قلنا: قال ابن عباس ﵄ والأكثرون: المراد به أنه ضعيف عن الصبر عن النساء، فلذلك أباح الله تعالى له نكاح الأمة كما سبق قبل هذه الآية. وقال الزجّاج: معناه أنه يغلبه هواه وشهوته، فلذلك وصف بالضعف. وأمّا قوله تعالى: وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ [الآية ٢٨] فمعناه ربطنا أوصالهم بعضها إلى بعض، بالعروق والأعصاب. وقيل المراد بالأسر العصعص، فإنّ الإنسان في القبر يصير رفاتا إلا عصعصه فإنه لا يتفتّت. وقال مجاهد: المراد بالأسر مخرج البول والغائط، فإنه يسترخي حتى يخرج منه الأذى، ثم ينقبض ويجتمع ويشتدّ بقدرة الله تعالى.

стр. 2554

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الإنسان» «١» في قوله سبحانه: وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) استعارة. وحقيقة الاستطارة من صفات ذوات الأجنحة. يقال: طار الطّائر، واستطرته أنا إذا بعثته على الطّيران. ويقولون أيضا من ذلك على طريق المجاز: استطار لهيب النّار، إذا انتشر وعلا، وظهر وفشا. فكأنه سبحانه قال: يخافون يوما كان شرّه فاشيا ظاهرا، وعاليا منتشرا. وفي قوله سبحانه: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) استعارة. لأن «العبوس» من صفة الإنسان القاطب المعبّس. فشبّه سبحانه ذلك اليوم لقوّة دلائله على عظيم عقابه، وأليم عذابه، بالرجل العبوس الذي يستدلّ بعبوسه وقطوبه على إرصاده بالمكروه، وعزمه على إيقاع الأمر المخوف. وأصل العبوس تقبيض الوجه، وهو دليل السخط، وضده الاستبشار والتطلّق وهما دليلا الرضا والخير. وكما سمّت العرب اليوم المحمود طلقا، فكذلك سمّت اليوم المذموم عبوسا. ويقال: يوم قمطرير وقماطر إذا كان شديدا ضرّه، طويلا شرّه. وفي قوله سبحانه: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤) استعارة. والمراد بتذليل القطوف، وهي عناقيد الأعناب وواحدها قطف «٢» أنها جعلت قريبة من أيديهم، غير ممتنعة على مجانيهم، لا يحتاجون إلى معاناة في

стр. 2555

اجتنائها، ولا مشقّة في اهتصار أفنانها، فهي كالظّهر الذلول الذي يوافق صاحبه، ويواتي راكبه. والتذليل هاهنا مأخوذ من الذّلّ بكسر الذال، وهو ضد الصعوبة. والذّل، بضم الذال، ضدّ العز والحميّة. وقوله سبحانه: إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا (٢٧) استعارة. وقد مضى الكلام على نظيرها فيما تقدّم. والمراد باليوم الثقيل هاهنا: استثقاله من طريق الشدّة والمشقّة، لا من طريق الاعتماد بالأجزاء الثقيلة. وقد يوصف الكلام بالثقيل على هذا الوجه، وهو عرض من الأعراض، فيقول القائل: قد ثقل عليّ خطاب فلان، وما أثقل كلام فلان.

стр. 2556

الفهرس سورة «التغابن» المبحث الأول أهداف سورة «التغابن» ٣ مع السورة ٤ روابط الأسرة ٥ المعنى الإجمالي للسورة ٧ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التغابن» ٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٩ الغرض منها وترتيبها ٩ الإنذار بعذاب الدنيا والاخرة ٩ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التغابن» ١١ المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «التغابن» ١٣ المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «التغابن» ١٥

стр. 2557

المبحث السادس المعاني المجازية في سورة «التغابن» ١٧. سورة «الطلاق» المبحث الأول أهداف سورة «الطلاق» ٢١ العناية بالأسرة ٢١ الطلاق ٢٢ مع السورة ٢٤ المعنى الإجمالي للسورة ٢٦ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الطلاق» ٢٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٩ الغرض منها وترتيبها ٢٩ حكم الطلاق والعدة ٢٩ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الطلاق» ٣١ المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «الطلاق» ٣٣ المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «الطلاق» ٣٥.

стр. 2558

سورة «التحريم» المبحث الأول أهداف سورة «التحريم» ٤١ قصة التحريم ٤٢ تحريم مارية ٤٤ تحريم العسل ٤٤ النبيّ (ص) يهجر نساءه ٤٥ اصطفاء الرسول (ص) ٤٦ مع السورة ٤٧ المعنى الإجمالي للسورة ٤٨ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التحريم» ٥١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٥١ الغرض منها وترتيبها ٥١ قصّة التحريم ٥١ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التحريم» ٥٣ المبحث الرابع مكنونات سورة «التحريم» ٥٥ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «التحريم» ٥٧ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «التحريم» ٥٩

стр. 2559

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «التحريم» ٦١ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «التحريم» ٦٥. سورة «الملك» المبحث الأول أهداف سورة «الملك» ٧١ مطلع السورة ٧١ مع آيات السورة ٧٢ المعنى الإجمالي للسورة ٧٦ أسماء السورة ٧٧ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الملك» ٧٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٧٩ الغرض منها وترتيبها ٧٩ الدعوة الى الإيمان بالله تعالى ٧٩ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الملك» ٨١ المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الملك» ٨٣ المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الملك» ٨٥

стр. 2560

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الملك» ٨٧ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الملك» ٨٩ «سورة «القلم» المبحث الأول أهداف سورة «القلم» ٩٥ مع آيات السورة ٩٥ قصة يونس ٩٩ المعنى الإجمالي للسورة ١٠٠ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القلم» ١٠٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٠٣ الغرض منها وترتيبها ١٠٣ تثبيت النبي (ص) ١٠٣ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «القلم» ١٠٥ المبحث الرابع مكنونات سورة «القلم» ١٠٧ المبحث الخامس لغة التنزيل في «سورة القلم» ١٠٩ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «القلم» ١١١
следующие страницы →