← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فإن قيل: لم قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً [الآية ٢٢٨] والزوج أحقّ بالرجعة، سواء أراد الإصلاح أو الإضرار بها، بتطويل العدّة؟ قلنا: المراد أنّ الرجعة أصوب وأعدل، إن أراد الزوج الإصلاح، وتركها أصوب وأعدل، إن أراد الإضرار. فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [الآية ٢٤٣] وقوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: ٥٦] . قلنا: المراد بالآية الأولى إماتة العقوبة مع بقاء الأجل، وبالآية الثانية الإماتة بانتهاء الأجل نظيره قوله تعالى في قصة موسى ﵇: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [الآية ٥٦] لأنّها كانت إماتة عقوبة، أو كان إحياؤهم آية لنبيّهم على ما عرف في قصّتهم، فصار كإحياء العزيز حين مرّ على قرية وآيات الأنبياء نوادر مستثناة، فكان المراد بالآية الثانية الموتة التي ليست بسبب آية نبي من الأنبياء أو إحياء قوم موسى آية له أيضا، فكان هذا جوابا عاما، مع أنّ في أصل السؤال نظرا، لأنّ الضمير في قوله تعالى: لا يَذُوقُونَ للمتّقين، والمقصود في قوله تعالى فِيها الجنّات، على ما يأتي بيانه في سورة الدخان، إن شاء الله على وجه يندفع به السؤال من أصله. فإن قيل: لم قال تعالى: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ [الآية ٢٤٧] والله تعالى لا يؤتي ملكه أحدا؟ قلنا: المراد بهذا الملك السلطنة، والرياسة التي أنكروا إعطاءها لطالوت وليس المراد بأنّه يعطي ملكه لأحد، لأنّ سياق الآية يمنعه. فإن قيل: لم قال تعالى في الماء: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ [الآية ٢٤٩] ولم يقل ومن لم يشربه، والماء مشروب لا مأكول؟ قلنا: طعم بمعنى أكل، وبمعنى ذاق، والذوق هو المراد هنا، وهو يعمّ. فإن قيل: لم خصّ موسى وعيسى ﵉ من بين الأنبياء بالذكر في قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ [الآية ٢٥٣] ؟

стр. 282

قلنا: لما أوتيا من الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة، مع الكتابين العظيمين المشهورين. فإن قيل: لم قال تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [الآية ٢٥٤] وفي يوم القيامة شفاعة الأنبياء وغيرهم بدليل قوله سبحانه: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الآية ٢٥٥] وقوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الأنبياء: ٢٨] وقوله تعالى: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] . قلنا: هذه الآيات لا تدل على وجود الشفاعة يوم القيامة، بل تدل على أنّها لا توجد ولا تنفع من غير إذنه تعالى، ولا توجد لغير مرضيّ عنده، وهذا لا يتعارض مع وجودها، بل المتعارض معه هو الإخبار عن وجودها، لا الإخبار عن إمكان وجودها، ولو سلّم، فالمراد به نفي شفاعة الأصنام والكواكب التي كانوا يؤمنون بها. ولهذا عرّض بذكر الكفّار، بقوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) وقيل: المراد، أنّه لا شفاعة في إثم ترك الواجبات، لأنّ الشّفاعة في الاخرة في زيادة الفضل لا غير، والخطاب مع المؤمنين في النفقة الواجبة وهي الزّكاة. فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ على وجه الحصر، وغيرهم ظالم أيضا؟ قلنا: لأنّ ظلمهم أشدّ، فكأنّه لا ظالم إلّا هم، نظيره قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] . فإن قيل لم قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [الآية ٢٥٧] بلفظ المضارع، ولم يقل أخرجهم بلفظ الماضي، والإخراج قد وجد، لأنّ الإيمان قد وجد؟ قلنا: لفظ المضارع فيه دلالة على استمرار ذلك الإخراج، من الله تعالى في الزمان المستقبل، في حقّ من آمن، بزيادة كشف الشبه ومضاعفة الهداية، وفي حقّ من لم يؤمن، ممّن قضى الله أنّه سيؤمن بابتداء الهداية وزيادتها، أيضا، ولفظ الماضي لا يدلّ على هذا المعنى. فإن قيل: متى كان المؤمنون في ظلمات الكفر، والكافرون في نور الإيمان ليخرجوا من ذلك؟

стр. 283

قلنا: الإخراج يستعمل بمعنى المنع عن الدخول، يقال لمن امتنع عن الدخول في أمر خرج منه وأخرج نفسه منه، وإن لم يكن دخله فعصمة الله تعالى المؤمنين عن الدخول في ظلمات الضلال، إخراج لهم منها وتزيين قرناء الكفّار لهم الباطل الذي يصدّونهم به عن الحقّ، إخراج لهم من نور الهدى ولأنّ إيمان رؤساء أهل الكتاب بالنبي ﵊ قبل أن يظهر كان نورا لهم، وكفرهم به بعد ظهوره خروج منه إلى ظلمات الكفر، ولأنّه لمّا ظهرت معجزاته ﵊، وكان موافقه ومتّبعه خارجا من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومخالفه خارجا من نور العلم إلى ظلمات الجهل. فإن قيل: لم انتقل إبراهيم (ع) إلى حجّة أخرى، وعدل عن نصرة الأولى، مع أنّه لم ينقطع بما عارضه به نمرود، من قتل أحد المجوسيين وإطلاق الاخر، فإن إبراهيم (ع) ما أراد هذا الإحياء والإماتة؟ قلنا: إمّا لأنّه رأى خصمه قاصر الفهم عن إدراك معنى الإحياء والاماتة التي أضافهما إبراهيم (ع) إلى الله تعالى، حيث عارض معارضة لطيفة، وعمي عن اختلاف المعنيين أو لأنّه علم أنّه فهم الحجة لكنه قصد التمويه والتلبيس على أتباعه وأشياعه فعدل إبراهيم (ع) إلى أمر ظاهر يفهمه كل أحد، ولا يقع فيه تمويه ولا تلبيس. فإن قيل: لم طبع الله على قلبه فلم يعارض بالعكس في طلوع الشمس؟ قلنا: لأنّه لو عارض به لم يأت الله بها من المغرب، لأنّ ذلك أمارة قيام الساعة، فلا يوجد إلّا قريبا من قيامها، ولأنّه وأتباعه كانوا عالمين أن طلوعها من المشرق سابق على وجوده، فلو ادّعاه لكذّبوه. فإن قيل: لم قال عزير ﵇ كما ورد في التنزيل- منكرا مستبعدا أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [الآية ٢٥٩] وهو نبيّ، والنبي لا تخفى عليه قدرة الله تعالى، على إحياء قرية خربة، وإعادة أهلها إليها؟ قلنا: لم يقله منكرا مستبعدا لعظيم قدرة الله تعالى، بل متعجبا من عظيم قدرته تعالى، أو طلبا لرؤية كيفية الإعادة، لأنّ كلمة «أنّى» بمعنى كيف أيضا. وقد نقل مجاهد أنّ المارّ على القرية القائل ذلك، كان رجلا كافرا

стр. 284

شاكّا في البعث، وإن كان الأول هو المشهور. فإن قيل: لم قال الله تعالى لإبراهيم ﵇ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [الآية ٢٦٠] وقد علم أنّه أثبت الناس إيمانا؟ قلنا: ليجيب بما أجاب به، فتحصل به الفائدة الجليلة، للسّامعين من طلبه لإحياء الموتى. فإن قيل: ما المقصود بقول إبراهيم (ع) كما ورد في التنزيل: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [الآية ٢٦٠] مع أنّ قلبه مطمئنّ بقدرة الله على الإحياء؟ قلنا: معناه ليطمئنّ قلبي، بعلم ذلك عيانا، كما اطمأن به برهانا أو ليطمئن بأنّك اتخذتني خليلا، أو بأني مستجاب الدعوة. فإن قيل: فما الحكمة في قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [الآية ٢٦٠] أي فضمّهنّ، ولفظ الأخذ مغن عنه؟ قلنا: الحكمة فيه تأمّلها ومعرفة أشكالها وصفاتها، لئلّا يلتبس عليه بعد الإحياء، فيتوهّم أنّه غيرها. فإن قيل: لم مدح الله سبحانه المتّقين بترك المنّ، ونهى عن المنّ أيضا، مع أنّه وصف نفسه بالمنّان، في نحو قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٦٤] ؟ قلنا: منّ بمعنى أعطى، ومنه المنّان في صفات الله تعالى. وقوله سبحانه: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنعم عليهم، ونحو ذلك قوله تعالى: فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [سورة ص: ٣٩] . أما وقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ [محمد: ٤] ، فهو من الإنعام بالإطلاق من غير عوض. المنّ هنا بمعنى الاعتداد بالنعمة، وذكرها واستعظامها، وهو المذموم. فإن قيل: قوله تعالى: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ [الحجرات: ١٧] من القسم الثاني. قلنا: ذلك اعتداد بنعمة الإيمان، فلا يكون قبيحا، بخلاف نعمة المال، ولأنه يجوز أن يكون من صفات الله تعالى ما هو مدح في حقّه، ذم في حقّ العبد كالجبّار، والمتكبّر، والمنتقم، ونحو ذلك. فإن قيل: لم قال تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ [الآية ٢٦٦] ثمّ قال فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [الآية ٢٦٦] ؟ قلنا: لمّا كان النخيل والأعناب أكرم

стр. 285

الشجر، وأكثرها منافع، خصّهما سبحانه بالذّكر وجعل الجنّة منهما، وإن كان فيها غير هما تغليبا لهما وتفضيلا. فإن قيل: قوله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [الآية ٢٧٣] يدلّ بمفهومه على أنّهم كانوا يسألون الناس برفق، فلم قال سبحانه: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [الآية ٢٧٣] . قلنا: المراد به نفي السؤال والإلحاف جميعا، كقوله تعالى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ [الآية ٧١] ، أو كقول الأعشى: لا يغمز الساق من أين ولا وصب معناه ليس بساقه أين، ولا وصب، فغمزها. فإن قيل: لم قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا [الآية ٢٧٥] ، ألحق الوعيد بأكله مع أنّ لابسه، ومدّخره، وواهبه، أيضا، في الإثم سواء؟ قلنا: لمّا كان أكثر الانتفاع والهمّ بالمال، إنّما هو الأكل، لأنه مقصود لا غناء عنه ولا بدّ منه، عبّر عن أنواع الانتفاع بالأكل كما يقال: أكل فلان ماله كلّه، إذا أخرجه في مصالح الأكل وغيره؟ فإن قيل: لم خص الأكل بذكر الوعيد، دون المطعم، وكلاهما آثم؟ قلنا: لأنّ انتفاعه الدنيويّ بالرّبا، أكثر من انتفاع المطعم. فإن قيل: لم قال تعالى: قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [الآية ٢٧٥] والكلام إذ ذاك في الربا، ومقصودهم تشبيهه بالبيع فقياسه إنّما الربا مثل البيع في حلّه؟ قلنا: جاءوا بالتمثيل على طريق المبالغة، وذلك أنّه بلغ من اعتقادهم استحلال الربا، أنّهم جعلوه أصلا في الحلّ والبيع، وفرعا كقولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفّه، إذا أرادوا المبالغة. فإن قيل: كيف قلتم إنّ أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وقد قال الله تعالى في حق آكل الربا: وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) ؟. قلنا: الخلود يستعمل بمعنى طول البقاء وإن لم يكن بصفة التأبيد، يقال: خلّد الأمير فلانا في الحبس، إذا طال حبسه، أو أنّ قوله تعالى: فَأُولئِكَ إشارة إلى من عاد إلى استحلال الربا،

стр. 286

بقوله جلّ وعلا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [الآية ٢٧٥] بعد نزول آية التحريم، وذلك يكون كافرا، والكافر مخلّد في النار. فإن قيل: إنظار المعسر، فرض بالنصّ، والتصدّق عليه تطوّع، فلم قال تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [الآية ٢٨٠] . قلنا: كلّ تطوّع كان محصّلا للمقصود من الفرض، بوصف الزيادة كان أفضل من الفرض كما أنّ الزهد في الحرام فرض، وفي الحلال تطوّع والزهد في الحلال أفضل، كما بيّنا كذلك هنا. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: بِدَيْنٍ وقوله تعالى: تَدايَنْتُمْ [الآية ٢٨٢] مغن عنه. قلنا: فائدته رجوع الضمير إليه في قوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ [الآية ٢٨٢] إذ لو لم يذكره لقال: فاكتبوا الدّين، فالأول أحسن نظما، أو لأنّ التداين مشترك بين الإقراض والمبايعة وبين المجازاة، وإنّما يميّز بينهما بفتح الدال وكسرها ومنه قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) [الفاتحة] ، أي الجزاء، ومنه أيضا قوله سبحانه يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) [الذاريات] ، فذكر الدّين ليتعيّن أيّ المعنيين هو المراد. فإن قيل: لم شرط السفر في الارتهان بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ [الآية ٢٨٣] ، وجواز الرهن لا يختصّ بالسفر؟ قلنا: لم يذكره سبحانه، لتخصيص الحكم به، بل لمّا كان السفر مظنّة عوز الكاتب، والشاهد الموثوق بهما أمر على سبيل الإرشاد، لحفظ مال المسافرين بأخذ الرهان. فإن قيل: ما الحكمة في ذكر القلب، في قوله تعالى: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [الآية ٢٨٣] مع أنّ الجملة هي الموصوفة بالإثم لا القلب وحده؟ قلنا: كتمان الشهادة، هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلمّا كان ذلك إثما مقترنا بالقلب، ومكتسبا له أسند إليه، لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، كما يقال: هذا ما أبصرته عيني، وسمعته أذني، ووعاه قلبي. فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ

стр. 287

اللَّهُ [الآية ٢٨٤] ، وما يحدّث به الإنسان نفسه لا يأثم به ما لم يفعله، إمّا لأنّه لا يمكن الاحتراز عنه في الوسع والطاقة، أو بالحديث المشهور فيه؟ قلنا: قيل أريد بالآية العموم، ثمّ نسخ بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الآية ٢٨٦] وقيل: لا نسخ فيه لأنّه خبر، لا أمر أو نهي، بل العموم غير مراد، وإنّما المراد ما يمكن الاحتراز عنه، وهو العزم القاطع والاعتقاد الجازم، لا مجرّد حديث النفس والوسوسة. ولأنّ السّياق أخبر عن المحاسبة لا عن المعاقبة، فهو سبحانه يوم القيامة يخبر العباد بما أبدوا وما أخفوا، ليعلموا إحاطة علمه بجميع ذلك ثم يغفر لمن يشاء فضلا، ويعذّب من يشاء عدلا، كما أخبر جلّ وعلا في الآية. فإن قيل: أيّ شرف للرسول (ص) ، في مدحه بالإيمان، مع أنّه في رتبة الرسالة ودرجتها، وهي أعلى من درجة الإيمان، فما الحكمة في قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ [الآية ٢٨٥] . قلنا: الحكمة فيه أن يبيّن للمؤمنين زيادة شرف الإيمان، حيث مدح به خواصّه ورسله ونظيره في سورة الصافات قوله تعالى في خاتمة ذكر كلّ نبيّ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) [الصافات] . فإن قيل: روي عن ابن عباس أنّه قرأ: (ملائكته وكتابه) [الآية ٢٨٥] فسئل عن ذلك، فقال كتاب أكثر من كتب فما وجهه؟ قلنا: قيل فيه إنّه أراد أن الكتاب جنس، والكتاب جمع، والجنس أكثر من الجمع، لأنّ حقيقته في الكل على ما ذهب إليه بعضهم ويردّ على هذا أن يقال: الكلام في الجمع المضاف، والمفرد المضاف للاستغراق عرفا وشرعا، كقوله لعبده: أكرم أصدقائي، وأهن أعدائي، وقوله: زوجاتي طوالق وعبيدي أحرار، بخلاف قوله: صديقي وعدوي وعبدي وامرأتي، فظهر أنّ الجمع المضاف أكثر. فإن قيل: إنّ «بين» لا تضاف إلّا إلى اثنين فصاعدا، فلم قال تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [الآية ٢٨٥] ؟ قلنا: أحد هنا بمعنى الجمع، الذي هو آحاد كقوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ [الحاقّة: ٤٧] فإنّه ثم بمعنى الجمع بدليل قوله تعالى: عَنْهُ حاجِزِينَ

стр. 288

[الحاقة: ٤٧] فكأنّه قال: لا نفرق بين آحاد من رسله كقولك: المال بين آحاد الناس، ولأنّ أحدا يصلح للمفرد المذكر والمؤنث، وتثنيتهما وجمعهما نفيا وإثباتا، تقول: ما رأيت أحدا إلّا بني فلان، أو إلّا بنات فلان سواء، وتقول إن جاءك أحد بكتابي فأعطه وديعتي، يستوي فيه الكلّ فالمعنى لا نفرّق بين اثنين منهم أو بين جماعة منهم، ومنه قوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ [الأحزاب: ٣٢] . فإن قيل: من أين دلّ قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [الآية ٢٨٦] على أنّ الأوّل في الخير، والثاني في الشر؟ قلنا: قيل هو من كسب واكتسبت، فإنّ الأول للخير والثاني للشر، وهذا الرأي ليس دقيقا، وليس لديه دليل، لقوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً [النساء: ١١٢] وقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) [المدّثّر] وقوله: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا [الشورى: ٣٤] وقوله: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً [الشورى: ٢٣] والاقتراف والاكتساب بمعنى واحد. وقيل: هو من «اللّام» و «على» ، وليس هذا الرأي بدليل أيضا، لقوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) [الرعد] وقوله تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: ٧] وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [الآية ١٥٧] . اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ «اللّام» و «على» عند الإطلاق يقتضيان ذلك، أو لأنّهما يستعملان لذلك عند تقاربهما، كما في هذه الآية، لا نفرّق بين ذكر الحسنة والسيئة، أو الحسن والقبيح، ويدلّ عليه قوله تعالى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [الأنعام: ١٦٤] أطلقه، وأراد به الشرّ بدليل ما بعده. وقولهم: الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك. وقولهم: فلان يشهد لك وفلان يشهد عليك. ويقول الرجل لصاحبه: هذا الكلام حجّة عليك لا لك، قال الشاعر: على أنّني راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا عليّ ولا ليا وأمّا قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [فصّلت: ٤٦] وإن كان مقيّدا، إلّا أنّ فيه دلالة أيضا، من جهة «اللّام» و «على» ، لأنّ القيد شامل للظرفية.

стр. 289

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «البقرة» «١» . ولكنّهم لما لم يعلموا هذه الآلات في مذاهب الاستدلال بها، كانوا كمن فقد أعيانها، ورمى بالآفات فيها. قال تعالى: وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [التوبة: ٨٧] «٢» كما قال سبحانه: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [الآية ٧] لأنّ الطبع من الطابع، والختم من الخاتم، وهما بمعنى واحد. وإنّما فعل سبحانه ذلك بهم عقوبة لهم على كفرهم. وقوله سبحانه: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [الآية ٧] استعارة أخرى. لأنّهم كانوا على الحقيقة ينظرون إلى الأشخاص، ويقلّبون الأبصار، إلّا أنّهم لمّا لم ينتفعوا بالنظر، ولم يعتبروا بالعبر وصف سبحانه أبصارهم بالغشي، وأجراهم مجرى الخوابط الغواشي، أو يكون تعالى كنّى هاهنا بالأبصار عن البصائر، إذا كانوا غير منتفعين بها، ولا مهتدين بأدلّتها. لأنّ الإنسان يهدى ببصيرته إلى طرق نجاته، كما يهدى ببصره إلى مواقع خطواته. وقوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [الآية ١٠] والمرض في الأجسام حقيقة وفي القلوب استعارة، لأنّه فساد في القلوب كما أنّه فساد في الحقيقة، وإن اختلفت جهة الفساد في الموضعين. وقوله سبحانه: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) وهاتان

стр. 290

استعارتان. فالأولى منهما إطلاق صفة الاستهزاء سبحانه، والمراد بها أنّه تعالى يجازيهم على استهزائهم بإرصاد العقوبة لهم، فسمّى الجزاء على الاستهزاء باسمه، إذ كان واقعا في مقابلته، والوصف بحقيقة الاستهزاء غير جائز عليه تعالى، لأنه عكس أوصاف الحليم، وضد طريق الحكيم، والاستعارة الأخرى قوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي يمدّ لهم كأنّه يخلّيهم والامتداد في عمههم، والجماع في غيّهم، إيجابا للحجّة، وانتظارا للمراجعة، تشبيها بمن أرخى الطّول للفرس أو الراحلة، ليتنفّس خناقها، ويتسع مجالها. وربما جعل قوله سبحانه: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [الآية ٩] «١» على أنّه مستعار في بعض الأقوال، وهو أن يكون المعنى أنّهم يمنّون أنفسهم ألّا يعاقبوا، وقد علموا أنّهم مستحقون للعقاب، فقد أقاموا أنفسهم بذلك مقام المخادعين، ولذلك قال سبحانه: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) «٢» . وقوله سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) وهذه استعارة. والمعنى أنّهم استبدلوا الغيّ بالرشاد، والكفر بالإيمان، فخسرت صفقتهم، ولم تربح تجارتهم. وإنّما أطلق سبحانه على أعمالهم اسم التجارة لما جاء في أول الكلام، بلفظ الشّرى تأليفا لجواهر النظام، وملاحمة بين أعضاء الكلام. وقوله سبحانه: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ [الآية ٢٠] . وهذه استعارة، والمراد يكاد يذهب بأبصارهم من قوة إيماضه وشدة التماعه. والدليل على ذلك قوله تعالى في الآية ٤٣ من سورة النّور: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ ومحصّل المعنى: تكاد أبصارهم تذهب عند رؤية البرق، فجعل تعالى الفعل للبرق دونها لمّا كان السبب في ذهابها.

стр. 291

وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً [الآية ٢٢] وهذه استعارة. لأنّه سبحانه شبّه الأرض في الامتهاد بالفراش، والسماء في الارتفاع بالبناء. وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [الآية ٢٩] أي قصد إلى خلقها كذلك. لأنّ الحقيقة في اسم الاستواء الذي هو تمام بعد نقصان، واستقامة بعد اعوجاج، من صفات الأجسام، وعلامات المحدثات. وقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ [الآية ٤٢] وهذه استعارة. والمراد بها: ولا تخلطوا الحقّ بالباطل، فتعمى مسالكه، وتشكل معارفه. وذلك مأخوذ من الأمر الملتبس، وهو المختلط المشتبه. ويقول القائل قد ألبس عليّ هذا الأمر: إذا انغلقت أبوابه عليه، وانسدّت مطالع فهمه. وقوله سبحانه: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [الآية ٦١] . وهذه استعارة والمراد بها صفة شمول الذّلّة لهم، وإحاطة المسكنة بهم، كالخباء المضروب على أهله، والرّواق «١» المرفوع لمستظلّه. وقوله تعالى: فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها [الآية ٦٦] أي للأمم التي تشاهدها، والأمم التي تكون بعدها، أو للقرى التي تكون أمامها، وللقرى التي تكون خلفها. ولقول العرب: كذا بين يديّ، كذا وجهان: أحدهما أن تكون بمعنى تقدّم الشيء للشيء. يقول القائل لغيره: أنا بين يديك. أي قريب منك. وقد مضى فلان بين يديك، أي تقدّم أمامك. وقوله تعالى في وصف الحجارة: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الآية ٧٤] وهذه استعارة. والمراد ظهور الخضوع فيها لتدبير الله سبحانه بآثار الصنعة وأحلام الصنعة. وقوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [الآية ٨١] وهذه استعارة فيها كناية عجيبة عن عظم الخطيئة، لأنّ الشيء لا يحيط بالشيء من جميع جهاته إلّا بعد أن

стр. 292

يكون سابغا غير قالص «١» ، وزائدا غير ناقص. وقوله تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ [الآية ٨٨] فيه استعارة على التأويلين جميعا. إما أن تكون «غلف» جمع أغلف، مثل أحمر وحمر، يقال سيف أغلف، أو تكون جمع غلاف، مثل حمار وحمر، وتخفّف فيقال حمر، وكذلك يجمع غلاف، فيقال: غلف وغلف بالتثقيل والتخفيف. قال أبو عبيدة: كل شيء في غلاف فهو أغلف، يقال: سيف أغلف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: إذا لم يختتن. فمن قرأ غلف، على جمع أغلف، فالمعنى أنّ المشركين قالوا: قلوبنا في أغطية عمّا يقوله، يريدون النبيّ (ص) . ونظير ذلك قوله سبحانه، حاكيا عنهم: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [فصّلت: ٥] . ومن يقرأ: (قلوبنا غلف) على جمع غلاف بالتثقيل والتخفيف، فمعنى ذلك: قالوا قلوبنا في أوعية فارغة لا شيء فيها. فلا تكثر علينا من قولك، فإنّا لا نعي منه شيئا. فكان قولهم هذا على طريق الاستعفاء من كلامه، والاحتجاز عن دعائه. وقوله سبحانه: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [الآية ٩٣] وهذه استعارة. والمراد بها صفة قلوبهم بالمبالغة في حبّ العجل، فكأنّها تشرّبت حبّه فمازجها ممازجة المشروب، وخالطها مخالطة الشيء الملذوذ. وحذف حبّ العجل لدلالة الكلام عليه، لأنّ القلوب لا يصحّ وصفها بتشرّب العجل على الحقيقة. وقوله سبحانه: بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) استعارة أخرى: لأنّ الإيمان على الحقيقة لا يصحّ عليه النطق، فالأمر إنّما يكون بالقول. فالمراد إذا بذلك- والله أعلم- أنّ الإيمان إنّما يكون دلالة على صدّ الكفر والضّلال، وترغيبا في اتّباع الهدى والرشاد، وأنّه لا يكون ترغيبا في سفاهة، ولا دلالة على ضلالة. فأقام تعالى ذكر الأمر هاهنا مقام الترغيب والدلالة، على طريق المجاز والاستعارة، إذ كان المرغّب في الشيء والمدلول عليه، قد يفعله كما يفعله المأمور به والمندوب إليه.

стр. 293

وقوله تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) هذه استعارة: لأنّ بيع نفوسهم على الحقيقة لا يتأتّى لهم. والمراد به- والله أعلم- أنّهم لمّا أوبقوا أنفسهم بتعلّم السحر، واستحقّوا العقاب على ما في ذلك من عظيم الوزر، كانوا كأنّهم قد رضوا بالسّحر ثمنا لنفوسهم، إذ عرّضوها بعمله للهلاك، وأوبقوها لدائم العقاب. وكانت كالأعلاق الخارجة عن أبدانهم بأنقص الأثمان، وأدون الأعواض. وقوله سبحانه: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [الآية ١١٢] أي أقبل على عبادة الله سبحانه، وجعل توجّهه إليه بجملته لا بوجهه دون غيره. والوجه هاهنا استعارة. وقوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [الآية ١١٥] أي جهة التقرب إلى الطريق الدالّة عليه، ونواحي مقاصده ومعتمداته الهادية اليه. وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [الآية ١٣٠] والتقدير: سفه نفسا، على أحد التأويلات. وهذه استعارة. لأنّه تعالى علّق السّفه بالنفس. وقولنا: نفس فلان سفيهة: مستعارة، وإنّما السّفه صفة لصاحب النفس لا للنّفس. وقوله تعالى: إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [الآية ١٣٣] أي ظهرت له علاماته، ووردت عليه مقدّماته، فهي استعارة. لأنّ الموت لا يصح عليه الحضور على الحقيقة. وقوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [الآية ١٣٨] أي دين الله، وجعله بمنزلة الصّبغ لأنّ أثره ظاهر، ووسمه لائح. وهذا من محض الاستعارة. وقوله سبحانه: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الآية ١٥٠] فهذه استعارة على قول من قال: إنّ الشطر هاهنا البعد. أي ولّ وجهك جهة بعده. إذ لا يصح أن تولّي وجهك جهة بعد المسجد على الحقيقة. وقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [الآية ١٦٨] أي لا تنجذبوا في قياده، لأنّ المنجذب في قياده «١» غيره

стр. 294

تابع لخطواته. وهذه من شرائف الاستعارة. فهي أبلغ عبارة عن التحذير من طاعة الشيطان فيما يأمر به، وقبول قوله فيما يدعو إلى فعله. وقوله تعالى: يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ [الآية ١٧٤] . وهذه استعارة. كأنّهم إذا أكلوا ما يوجب العقاب بالنار، كان ذلك المأكول مشبها بالأكل من النار. وقوله سبحانه فِي بُطُونِهِمْ: زيادة معنى، وإن كان كلّ آكل إنّما يأكل في بطنه، ذلك أنّه أفظع سماعا، وأشدّ إيجاعا. وليس قول الرجل للآخر: إنّك تأكل النار، مثل قوله: إنّك تدخل النار في بطنك. وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ [الآية ١٧٥] وقد مضى نظير ذلك، وأمثاله كثير في هذه السورة وغيرها. وقوله تعالى في ذكر النساء: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [الآية ١٨٧] واللباس هاهنا مستعار، والمراد به قرب بعضهم من بعض، واشتمال بعضهم على بعض، كما تشتمل الملابس على الأجسام «١» . وعلى هذا المعنى كنّوا عن المرأة بالإزار. وقوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ [الآية ١٨٧] وهذه استعارة، لأنّ خيانة الإنسان نفسه لا تصحّ على الحقيقة، وإنّما المراد أنّه سبحانه خفّف عنهم التكليف في ليالي الصيام، بأن أباحهم فيها مع أكل الطعام وشرب الشراب الإفضاء إلى النساء، ولو منعهم من ذلك لعلم أنّ كثيرا منهم يخلع عذار الصبر، ويضعف عن مغالبة النفس، فيواقع المعصية بغشيانه النساء، فيكون قد كسب نفسه العقاب، ونقصها الثوب فكأنّه قد خانها في نفي المنافع عنها، أو جرّ المضارّ إليها. وأصل الخيانة في كلامهم: النقص، فعلى هذا الوجه تحمل خيانة النفس. وقوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [الآية ١٨٧] . وهذه استعارة عجيبة.

стр. 295

والمراد بها على أحد التأويلات: حتّى يتبيّن بياض الصبح من سواد الليل. والخيطان هاهنا مجاز. وإنّما شبّها بذلك لأنّ خيط الصبح يكون في أوّل طلوعه مستدقّا خافيا، ويكون سواد الليل منقضيا مولّيا، فهما جميعا ضعيفان، إلّا أنّ هذا يزداد انتشارا، وهذا يزداد استتارا. وقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ [الآية ١٨٨] . . وقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [الآية ٢٤٥] . وهذه استعارة لأنّ الغنيّ بنفسه «١» لا يجوز عليه الاستقراض على حقيقته، ولكن المقرض في الشاهد لمّا كان اسما لمن أعطى غيره على أن يردّ عليه عوضه، أقام سبحانه توفية «٢» العوض عليه مقام ردّ القرض. وقوله سبحانه: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً [الآية ٢٥٠] فهذه استعارة. كأنّهم قالوا: أمطرنا صبرا، واسقنا صبرا وفي قوله تعالى: أَفْرِغْ، زيادة فائدة على القول: أنزل، لأنّ الإفراغ يفيد سعة الشيء وكثرته، وانصبابه. وقوله سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [الآية ٢٥٧] وهذه استعارة. والمراد بها إخراج المؤمنين من الكفر إلى الايمان ومن الغيّ إلى الرشاد، ومن عمياء «٣» الجهل إلى بصائر العلم. وكلّ ما في القرآن من ذكر الإخراج من الظّلمات إلى النور فالمراد به ما ذكرنا. وذلك من أحسن التشبيهات. لأنّ الكفر كالظلمة التي يتسكّع فيها الخابط، ويضلّ القاصد. والإيمان كالنور الذي يؤمّه الحائر، ويهتدي به الجائر، لأنّ عاقبة الإيمان مضيئة بالإيمان والثواب، وعاقبة الكفر مظلمة

стр. 296

بالجحيم والعذاب. وفي لسانهم وصف الجهل بالعمى والعمه، ووصف العلم بالبصر والجليّة. يقال: قد غمّ عليه أمره، وأظلم عليه رأيه، إذا كان جاهلا بما يرتئيه ويفعله. ويقال في نقيض ذلك: هو على الواضحة من أمره، والجليّة من رأيه. إذا كان عالما بما يورد ويصدر، فيما يأتي ويذر. وقوله سبحانه: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [الآية ٢٨٣] . وذلك مثل قوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [الآية ٢٢٥] لأنّ الإثم والكاسب صاحب القلب، دون القلب، على ما تقدّم من القول.

стр. 297

الفهرس تقديم أتصدير ج استهلال هـ مقدمة وإهداء ط مدخل ف سورة الفاتحة المبحث الأول أهداف سورة «الفاتحة» ٣ في أعقاب السورة ١٠ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفاتحة» ١٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٣ الغرض منها وترتيبها ١٣ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفاتحة» ١٥ المبحث الرابع مكنونات سورة «الفاتحة» ١٩

стр. 298

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفاتحة» ٢١ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الفاتحة» ٢٣ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الفاتحة» ٣٧ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الفاتحة» ٣٩. سورة البقرة المبحث الأول أهداف سورة «البقرة» ٤٣ قصة التسمية ٤٣ الأهداف العامة لسورة «البقرة» ٤٥ أصناف الخلق أمام دعوة الإسلام ٤٧ اليهود في المدينة ٤٨ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «البقرة» ٥١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٥١ الغرض منها وترتيبها ٥١ دعوة تنزيل القرآن ٥٢ الاستدلال على تنزيل القرآن ٥٢ الردّ على مقالة اليهود الأولى في القرآن ٥٢ الردّ على مقالتهم الثانية ٥٥ الردّ على مقالتهم الثالثة ٥٦ الردّ على مقالتهم الرابعة ٥٧

стр. 299

الردّ على مقالتهم الخامسة ٥٧ الردّ على مقالتهم السادسة ٥٨ الردّ على مقالتهم السابعة ٥٩ الردّ على مقالتهم الثامنة ٥٩ حكم القصاص ٦٢ حكم الوصية ٦٢ حكم الصيام ٦٢ تحريم الكسب الحرام ٦٣ حكم الأهلة ٦٣ حكم القتال ٦٣ حكم الحج والعمرة ٦٣ أحكام متفرّقة ٦٤ حكم الإيلاء والعدة والطلاق ٦٥ حكم الصلاة في الأمن والخوف ٦٥ حكم الوصية للأزواج ٦٥ حكم نفقة المطلقات ٦٦ الترغيب في الجهاد بالنفس والمال ٦٦ الخاتمة ٦٨ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «البقرة» ٧١ المبحث الرابع مكنونات سورة «البقرة» ٧٩ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «البقرة» ٩٥ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «البقرة» ١١٥

стр. 300

هذا باب من المجاز ١٤٧ هذا باب الاستثناء ١٤٩ هذا باب الدعاء ١٥٠ هذا باب الفاء ١٥٠ باب الاضافة ١٥٩ باب المجازاة ١٦٤ باب تفسير أنا وأنت وهو ١٦٦ باب الواو ١٧٠ باب اسم الفاعل ١٧١ باب من التأنيث والتذكير ١٧٥ باب أهل وآل ١٧٨ باب الفعل ١٨٠ باب زيادة «من» ١٨٣ باب من تفسير الهمز ١٨٤ باب إنّ وأنّ ١٩١ باب من الاستثناء ١٩٧ باب الجمع ١٩٩ باب اللام ٢٠١ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «البقرة» ٢٦١ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «البقرة» ٢٨١.

стр. 301

الجزء الثاني سورة آل عمران المبحث الأول أهداف سورة «آل عمران» «١» سورة آل عمران سورة مدنية كلها، وهي مائتا آية باتفاق. ومن سماتها البارزة وصف غزوة أحد وتسجيل أحداثها، وتقديم الدروس والعبر للمسلمين من خلالها في نحو خمسين آية، (من الآية ١٢١ إلى الآية ١٦٨) . وفي أعقاب غزوة أحد، فضل الشهادة ومنزلة الشهداء عند ربهم، وحديث عن غزوة حمراء الأسد، ودعوة إلى الصبر والثبات. وفي ختام السورة نجد لوحة رائعة من دعاء المؤمنين واستجابة الله رب العالمين. (١) قصة التسمية جاء ذكر عمران في هذه السورة مرتين في آيتين متتاليتين، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) وقد ذهب فريق من المفسرين إلى أن عمران، الذي سميت السورة باسمه، هو عمران أبو موسى. والراجح أنه عمران والد مريم، وكان بين العمرانين، فيما يقول الرواة، أمد طويل. ونحن، إذا تتبعنا أسماء السور في القرآن الكريم، نجدها تشير إلى أهمّ ما اشتملت عليه السورة وأغربه، فسورة

стр. 302

البقرة سمّيت بهذا الاسم لقصة عجيبة الشأن تتعلق ببقرة أمر بنو إسرائيل بذبحها، وكان ذلك سبيلا لمعرفة الجاني في حادثة قتل لم يعرف مرتكبها. وسورة المائدة سميت بهذا الاسم لقصة المائدة التي طلب الحواريّون إنزالها من السماء. وسورة النساء سميت بذلك لأنّ أهم ما عرضت له هو الأحكام التي أراد الله بها تنظيم أحوال النساء، وحفظ حقوقهنّ، وعدم الإضرار بهنّ، وهكذا. وسورة الأنعام عرضت لذكر الأنعام وأنواعها من الإبل والبقر والغنم. وسورة الأعراف عرضت لذكر الأعراف، وهو حاجز مرتفع بين الجنة والنار، عليه رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم. وسورة الأنفال عرضت لذكر الأنفال، وهي الغنائم وطريقة توزيعها. وسورة التوبة عرضت لذكر توبة الله على المؤمنين وعلى الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، ثم تاب الله عليهم ليتوبوا. وسورة يونس عرضت لذكر نبي الله يونس، وإيمان قريته كلها به. وسورة هود تعرّضت لذكر نبي الله هود ورسالته إلى قومه في قوله تعالى: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) [هود] . وتتابعت السورة تصف رسالات السماء إلى ثمود قوم صالح، وإلى مدين قوم شعيب، ورسالة إبراهيم ولوط وموسى إلى قومهم. وسورة يوسف دارت كلها تقريبا حول قصة يوسف ﵇ من بدايتها إلى نهايتها. وهكذا نجد أنّ الأساس العام في تسمية السور هو أهم شيء ذكر فيها، أو أغرب شيء تحدّثت عنه. وإذا رجعنا إلى تسمية السورة الثالثة «١» من القرآن بسورة آل عمران، وراعينا أننا، إذا قرأنا السورة من أولها إلى آخرها، لا نجد فيها شيئا غريبا أو مهمّا يتعلق بموسى وهارون، بل نجد أنّ أبرز ما فيها وأغرب شؤونها هو ما عنيت بتفصيله من شأن عيسى وأمه، لدعانا ذلك إلى موافقة رأي من رأى من

стр. 303

المفسرين أنّ عمران الذي سميت السورة بآله هو عمران أبو مريم، لا أبو موسى وهارون. فالسورة تذكر طبقات من اصطفاهم الله من آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران، لتبيّن للقوم، من أول الأمر، أنّ اصطفاء الله من آل عمران عيسى وأمه، ليس إلا كاصطفائه لغيرهما ممّن اصطفى، وأنّ ما ظهر على يد عيسى من خوارق العادات التي يتخذونها دليلا على ألوهيته أو نبوته أو حلول الله فيه، لم يكن إلا أثرا من آثار التكريم الذي جرت به سنّة الله في من يصطفي من الأنبياء والمرسلين. ويقوّي هذا أنّ الله يقول، عقب هذه الآية، بيانا لاصطفاء آل عمران: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً. وأنّه يقول في جانب مريم: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) . وهكذا نجد أنّ اصطفاء آل عمران ذكر أولا مجملا ضمن من اصطفى الله، ثم بيّن باصطفاء مريم أو عيسى. ومن هذا يتبين أنّ عمران الذي سمّيت السورة بآله هو أبو مريم، لا أبو موسى وهارون. (٢) مقاصد سورة آل عمران سورة آل عمران سورة مدنية، وليست من أوائل ما نزل بالمدينة، ولكنها نزلت بعد فترة طويلة من حياة المسلمين بها، وبعد أن تقلبت عليهم فيها أحوال من النصر والهزيمة في غزوات متعددة، واختلطوا اختلاطا واضحا بأهل الكتاب من يهود ونصارى، وجرى بينهم، من الحجاج والنقاش ما يتصل بالدعوة المحمدية وفروعها. وقد ذكرت فيها غزوات بدر وأحد وحمراء وبدر الأخيرة. وكانت هذه في شعبان من السنة الرابعة. وقد نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال التي تكفلت بالكلام على بدر. ونزلت بعدها سورة الأحزاب التي نزلت في آخر السنة الخامسة. العناية بأمرين عظيمين: ونحن، إذ نقرأ السورة، نجد أنّها عنيت بأمرين عظيمين:

стр. 304

أحدهما: تقرير الحق في قضية العالم الكبرى وهي مسألة الألوهية، وإنزال الكتب وما يتعلق بها من أمر الوحي والرسالة، وبيان وحدة الدين عند الله. والثاني: تقرير العلّة التي من أجلها ينصرف الناس في كل زمان ومكان عن التوجه إلى معرفة الحق والعمل على إدراكه والتمسك به «١» . الأمر الأول: قضية الألوهية وتقرير الحق فيها ولقد بدأت السورة بتقرير الأمر الأول فذكرت وحدانية الله، وأنه وحده هو الحي الذي لا يدركه الفناء، القيّوم الذي له الهيمنة والتدبير والقيام على شؤون الخلق بالإيجاد والتربية الجسمية والعقلية والإعزاز والإذلال. وقرّرت، في سبيل ذلك، علمه المحيط وقدرته النافذة القاهرة: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) . قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) . تقرر السورة هذا في كثير من أمثال هذه الآيات ثم تؤكد اصطفاء الله لبعض خلقه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [النساء/ ١٦٥] . يعرفون مهمتهم التي كلفهم الله إياها، وهي دعوة الخلق إلى الحق، وأنّهم أعقل وأحكم من أن يقولوا للناس اتخذونا آلهة من دون الله: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) .

стр. 305

وقد أخذ الله العهد على الرسل أن يصدق بعضهم بعضا في الحق ودعوة الناس إليه، وأن يصدق السابق منهم اللاحق. قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) . هذا هو العهد الذي حفظه عيسى (ع) وتوفّي عليه، وسيجيب به ربه يوم القيامة، وسيتبرأ المسيح ﵇ ممن عبده أو اتخذه إلها. وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة] . (٣) وحدة الدين عند الله أبرزت سورة آل عمران وحدة الدين عند الله وكررت هذه الحقيقة على لسان رسله جميعا: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ [الآية ٣] . قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) . وتقرر أن هذا هو الدين الذي جاء من عند الله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) . ثم تتجه السورة إلى الذين غلبت عليهم شقوتهم فحاربوا الله في دينه، وأعرضوا عن رسله، وأخذوا يناوئون الحق على وضوحه، فتذكر كثيرا من أساليب ضلالهم، وألوان شبههم، التي كانوا يعززون بها مراكزهم، ويحاولون بها فتنة المؤمنين عن دينهم، حسدا وبغيا لا طلبا للحق، ولا التماسا للهدى.

стр. 306

المسرفون في شأن عيسى (ع) وقد خصت السورة جماعة المسرفين في شأن عيسى (ع) الزاعمين له الألوهية والبنوّة أو الحلول، فذكرت السورة أن عيسى خلق بقدرة الله ليكون معجزة للبشرية ودليلا على تفرد الله بالألوهية. فقد خلق الله آدم بلا أب ولا أم ثم خلق حواء من أب وبلا أم، ثم خلق عيسى من أم وبلا أب. إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) . فظهور الخوارق والمعجزات أمر من سنّة الله في خلقه. فقد خلق الله يحيى لزكريا على كبر من أبيه، ويأس من أمه. وبشرت الملائكة زكريا بيحيى. وتعجب زكريا من هذه البشارة مع حالته، فرده الله إلى مشيئته: كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) . وهكذا كان شأن عيسى وجد بلا أب بمشيئة الله، وبشرت الملائكة به أمه بأمر الله، وعجبت مريم لهذه البشارة: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [مريم/ ٢٠] . فرد الله ذلك إلى مشيئته: قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) . ثم تعرض السورة بعد هذا أن الخوارق، التي ظهرت على يد عيسى، لم تكن إلا من سنة الله في تأييد رسله بالمعجزات الدالة على أنهم عباد الله، علّمهم الله الكتاب والحكمة وأن الله أرسله إلى بني إسرائيل بآيات من ربه. وعلى لسان عيسى يقول القرآن الكريم: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) . (٤) بيان أسباب انصراف الناس عن الحق المقصد الثاني من مقاصد سورة آل

стр. 307

عمران: بيان أسباب انصراف الناس عن الحق، وشرح أسباب العلة التي تستحوذ على عقول الناس، وتستولي على قلوبهم، فتصرفهم عن الاستماع للحق والالتفات إليه. وقد بينت السورة أن هذه العلة هي غرور الناس بما لهم من أموال وأولاد وجاه وسلطان، فقد كانوا يتصورون أن في إيمانهم بصاحب الدعوة الجديدة زلزلة لما لهم من جاه وسلطان، وأنهم في غنّى عن هذه الدعوة بما لهم من الأموال والأولاد. ويظنون أن ذلك كان لهم عن استحقاق ذاتي وأنه دائم لا يزول، ولا يؤثر فيه إيمان ولا كفر، وكثيرا ما حدّثنا القرآن عن مثل هذا الوهم الفاسد الذي خدع كثيرا من الناس فأضلهم وأعمى أبصارهم، قال تعالى: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦) [الكهف] . وقال سبحانه: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) [القصص] . وعلى هذا الأساس الذي أرشدنا الله إليه في كثير من آيات كتابه، أخذت سورة آل عمران تضرب على هذه العلة التي يتوارثها الجبارون، وترشد إلى أن حب المال والغرور بمتاع الحياة هما علة العلل، وهما الحائل بين الناس وبين الحياة الطيبة والإيمان الصادق. وفي ذلك تقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) . وجدير بالمسرفين في كل زمان ومكان أن يلتفتوا إلى أن الأموال التي ينفقونها في لذاتهم وشهواتهم وبسط سلطانهم على الناس بغير حق، لا بد أن تفسد عليهم في نهاية الأمر أخلاقهم

стр. 308

وعقولهم وتهدم ما بنوا من حضارات وما شيدوا من قصور. وبينما تعرض السورة أثر الافتتان وسوء عاقبة الغرور بالأموال والأولاد، نراها تقرر الحق في شأن حب الناس للأموال ومظاهر هذه الحياة. وتقول إنه شيء فطروا عليه، ولكنه ليس هو المقصد الأسمى من هذه الحياة، وإنما هو متاع وزينة، وهو في الوقت نفسه وسيلة للحصول على المتاع الخالد في الحياة الخالدة، إذا أحسن استعماله، قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) . ثم تصف هؤلاء الذين اتقوا والذين لهم ذلك الجزاء بأنهم هم الذين أدركوا الحق وأنفقوا ما آتاهم الله من مال ابتغاء مرضاة الله، وصبروا على ما انتابهم من بلايا ومحن ورجعوا إلى الله بالتوبة والاستغفار، قال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) . (٥) عظمة القرآن في تربية المؤمنين تمثل سورة آل عمران قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، إلى ما بعد غزوة أحد في السنة الثالثة، وما أحاط بهذه الحياة من ملابسات شتّى خلال هذه الفترة الزمنية، وفعل القرآن، إلى جانب الأحداث، في هذه الحياة وتفاعلها معه في مختلف الجوانب. والنصوص هي، من القوة والحيوية، بحيث تستحضر صورة هذه الفترة وصورة الحياة التي عاشتها الجماعة المسلمة، وصورة الاشتباكات والملابسات التي أحاطت بهذه الحياة. ويتنزل القرآن ليواجه الكيد والدس

стр. 309

ويبطل الفرية والشبهة ويثبّت القلوب والأقدام، ويوجه الأرواح والأفكار ويعقب على الحادث ويبرز فيه العبرة، ويبني التصور ويزيل عنه الأوهام، ويحذر الجماعة المسلمة من العدو الغادر، والكيد الماكر، ويقود خطاها بين الأشواك والمصايد والأحابيل، قيادة الخبير بالفطرة العليم بما تكنّ الصدور. وإذا أعدنا قراءة سورة آل عمران وقصة بدر وأحد فيها، أدركنا أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة في أي مكان وأي زمان، وهو دستور هذه الأمة في أي جيل ومن أي قبيل، وهو حادي الطريق وهادي السبيل على توالي القرون ... ذلك أنه خطاب الله الأخير لهذا الإنسان في جميع العصور. في هذه الفترة التي نزلت فيها السورة كانت الجماعة المسلمة في المدينة قد استقرت بعض الاستقرار في موطنها الجديد في مدينة الرسول (ص) ، وكانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش، وكان هذا النصر بظروفه التي تمّ فيها، والملابسات التي أحاطت به، تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة، ومن ثم اضطرّ رجل كعبد الله بن أبيّ بن سلول، من عظماء الخزرج، أن ينزل عن كبريائه وكراهته لهذا الدين ولنبيّه الكريم، وأن يكبت حقده وحسده للرسول الكريم، وأن ينضم منافقا للجماعة المسلمة وهو يقول: «هذا أمر قد توجه» ، أي ظهرت له وجهة هو ماض فيها لا يردّه عنها رادّ. بذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة أو نمت وأفرخت. وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين مثل ما يجد المنافقون بل أشد. ولذلك نزل القرآن الكريم يوضح حقيقة الألوهية، ويبيّن الحق في الرسالة، ثم يوضح العلة التي أعمت الناس عن رؤية الحق، وهي علة الغرور بالمال والولد. وقد استنفدت سورة آل عمران أكثر من نصفها في توضيح هذين المقصدين. ثم توجهت السورة إلى جماعة المؤمنين الذين جمعهم الحق، وتكوّنوا على أساس الرحمة بالخلق لتحذرهم

стр. 310

من دسائس المنافقين، وحيل المبطلين وخداع اليهود والمشركين، وتذكّرهم أن يظلوا إخوة معتصمين بحبل الله متحدين برباط الأخوّة والمودة، متضامنين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى تدوم لهم وحدتهم وتستقر دولتهم، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا. (٦) القرآن كتاب الوجود والخلود هذا القرآن هو كتاب الدعوة الإسلامية، هو روحها وباعثها، هو قوامها وكيانها، هو حارسها وراعيها، هو بيانها وترجمانها، هو دستورها ومنهجها، هو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة، كما يستمد منه الدعاة، وسائل العمل ومناهج الحركة وزاد الطريق.. ولكن ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسّنا، ونستحضر في تصورنا، أن هذا القرآن، خوطبت به أمة حية، ذات وجود حقيقي، ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة، ووجهت به حياة إنسانية حقيقية في هذه الأرض، وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية، وفي رقعة من الأرض كذلك، معركة تموج بالتطورات والانفعالات والاستجابة. وسيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن، ما دمنا نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهوّمة، لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه الإنسان والتي تواجه الأمة الإسلامية، في حين أن هذه الآيات قد نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية، ذات وجود واقعي حي، ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيا حيا نشأ عنه وجود ذو خصائص في حياة (الإنسان) بصفة عامة، وفي حياة الأمة الإسلامية بوجه خاص.

стр. 311

ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين، في حياة أمة معينة، في فترة من فترات التاريخ محددة، وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حوّلت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها، ولكنه، مع هذا، يعارض ويواجه، ويملك أن يواجه الحياة الحاضرة، وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية، وفي صراعها الراهن مع الأعداء من حولها، وفي معركتها كذلك في داخل الناس وفي عالم الضمير بالحيوية نفسها، والواقعية نفسها، التي كانت له هنالك يومذاك. وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا: هذا نجم قديم رجعي يحسن أن نستبدل به نجما جديدا تقدّميا. أو أن هذا الإنسان مخلوق قديم رجعي يحسن أن يستبدل به كائن آخر تقدمي لعمارة هذه الأرض. إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك، فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن، خطاب الله الأخير للإنسان. لقد عاش القرآن في ضمير الجماعة المسلمة، وأخذ بيدها خطوة خطوة، وسار معها وهي تتعثر وتنهض، وتحيد وتستقيم وتضعف وتقاوم، وتتألم وتحتمل وترقى في الدرج الصاعد في بطء ومشقة، في صبر ومجاهدة. تتجلى فيها خصائص الإنسان كلها، وضعف الإنسان كله، وطاقات الإنسان كلها. لقد واكب القرآن نصر المسلمين في بدر، وهزيمتهم في أحد، فكان القرآن في التربية السلوكية قد أعلمهم أن النصر من عند الله، وأن النصر سلاحه الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والثقة بالله والاعتماد عليه، والعمل الدائب المخلص. وفي أعقاب الهزيمة في أحد كان القرآن يبلسم الجراح، ويمسح الآلام، ويوضح أن الأيام دول، وأن الحرب سجال: يوم لك ويوم عليك. وكانت للقرآن دعوات متكررة في سورة آل عمران تحث على الصبر والمصابرة والرباط والمرابطة، وتبين شرف الشهادة وأجر المجاهدين وثواب الصابرين، فيقول سبحانه:

стр. 312

وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) . (٧) دروس من غزوة أحد لقد عنيت سورة آل عمران بمقصدين عظيمين استغرقا نصفها الأول، هما الصدق في الإيمان، وعدم الاغترار بزخارف الحياة. وفي النصف الثاني من هذه السورة نجد دروسا عملية عن أسرار النصر في بدر والهزيمة في أحد. تلفت السورة نظر المسلمين إلى موقعة بدر، وكيف انتصروا فيها بالإيمان والصبر والتقوى، مع قلتهم وضعفهم في المال والعدة، ومع كثرة أعدائهم ووفرة مالهم وقوة عددهم، فيقول سبحانه: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) . وتلفت السورة نظر المسلمين إلى موقعة أحد وفيها اعتمد المسلمون على قوتهم وكثرتهم، وخطف أبصارهم شيء من زخارف الدنيا. وفيها انهزموا بسبب مخالفة الرماة أوامر القيادة الحكيمة، وفيها أرجف الأعداء بموت الرسول، فتزلزلت أعصاب كثير من المؤمنين، وفيها أفصح المنافقون عن نياتهم، وفي ذلك كله تقول سورة آل عمران: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [الآية ١٥٢] . (والمعنى إذ تقتلونهم وتبطلون حسّهم بإذن الله) . حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) .

стр. 313

ويقول سبحانه: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) . ثم تنبه السورة إلى أن الشأن في أرباب الحق أن ينالهم من نصراء الباطل كثير من الأذى بالقول والعمل، وأن واجب المؤمنين أن يتلقوا كل ذلك الصبر والاحتمال. قال تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) . بعد هذا كله تختم السورة بأمرين عظيمين: أحدهما: رسم الطريق الذي يصل به الإنسان إلى معرفة الحق والإيمان به، فيقول سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) . والثاني: هذه النصيحة الغالية التي ما تمسكت بها أمة إلّا تركزت وسمت وعزّت، وما تخلت عنها أمة إلّا أصيبت بالضعف والانحلال والتدهور والانحطاط والذل والهوان، وتتمثل هذه النصيحة في الآية الأخيرة من سورة آل عمران: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) .

стр. 314

(٨) سنن الله ماضية وقوانينه عامة انتصر المسلمون في غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة نصرا كاملا باهرا بأيسر الجهد والبذل. فقد خرج ذلك العدد القليل من المسلمين غير مزودين بعدة ولا عتاد، إلا اليسير، فلاقوا ذلك الجحفل الضخم من قريش في عدتهم وعتادهم. ثم لم تلبث المعركة أن انجلت عن ذلك النصر المؤزّر الباهر. وكان هذا النصر في الواقعة الأولى التي يلتقي فيها جند الله بجند الشرك قدرا من الله ندرك اليوم طرفا من حكمته، ولعله كان لتثبيت الدعوة الناشئة وتمكينها بل لإثبات وجودها الفعلي على محك المعركة لتأخذ بعد ذلك طريقها. ولعلّه قد وقع، في نفوس المسلمين، من هذا النصر، أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره، وأنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق، أليسوا بالمسلمين؟ أليس أعداؤهم بالكافرين؟ وإذن فهو النصر لا محالة حيثما التقى المسلمون بالكافرين. غير أن سنّة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة والسذاجة. فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس وتكوين الصفوف، وإعداد العدة واتباع المنهج والتزام الطاعة والنظام، واليقظة لخوالج النفس ولحركات الميدان. وهذا ما أراد الله أن يعلمهم إياه بالهزيمة في (غزوة أحد) على النحو الذي تعرضه سورة آل عمران عرضا حيا مؤثرا عميقا، وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين، وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف المسلم على السواء. وحين نراجع غزوة أحد نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء، على رأسهم حمزة ﵁ وأرضاه، وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم، كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته، وتكسر سنه، ويسقط في الحفرة، ويغوص حلق المغفر في وجنته (ص) الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين. ويسبق استعراض (غزوة أحد) وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية

стр. 315

التصور الإسلامي من كل شائبة، ولتقرير حقيقة التوحيد جليّة ناصعة، والرد على الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب، سواء منها ما هو ناشئ من انحراف في معتقداتهم، وما يتعمدون إلقاءه في الصف المسلم من شبهات ماكرة لخلخلة الصف من وراء خلخلة العقيدة. وتذكر عدة روايات أن الآيات [١- ٨٣] نزلت في الحوار مع وفد نصارى نجران من اليمن، الذي قدم المدينة في السنة التاسعة للهجرة. ونحن نستبعد أن تكون السنة التاسعة زمن نزول هذه الآيات، فواضح، من طبيعتها وجوّها، أنها نزلت في الفترة الأولى من الهجرة حيث كانت الجماعة المسلمة بعد ناشئة، وكان لدسائس اليهود وغيرهم أثر شديد في كيانها وسلوكها. وسواء أصحّت رواية أن الآيات نزلت في وفد نصارى نجران، أم لم تصح، فإنه واضح، من الموضوع الذي تعالجه، أنها تواجه شبهات النصارى وخاصة ما يتعلق منها بعيسى (ع) ، وتدور حول عقيدة التوحيد الخالص كما جاء بها الإسلام، وتصحّح لهم ما أصاب عقائدهم من انحراف وخلط وتشويه، وتدعوهم إلى الحق الواحد الذي تضمنته كتبهم الصحيحة التي جاء القرآن يصدّقها. ومن مراجعة نصوص السورة يتبين المسلم أن هذا القرآن هو كتاب الحياة صحّح أوضاعها للمسلمين وصحح العقيدة، وناقش عقائد الآخرين، وحذّر المسلمين من كيد الأعداء ودسائسهم، وهذا القرآن مأدبة الله معروض للمسلمين، مفتوح للقارئين، دليل للحيارى ورحمة للضّالّين، وهداية للمسترشدين. إنه النور المبين، والركن الركين، والصراط المستقيم. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، لم تسمعه الجن حتى قالت: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) [الجن] . (٩) منهج القرآن في بناء العقيدة والدفاع عنها القارئ لسورة آل عمران يتضح له أن أعداء الأمة الإسلامية كانوا يحاربونها في عدة ميادين، منها ميدان المعركة،

стр. 316

ومنها ميدان الفكرة والإيمان وأنهم حاولوا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وتوهين إيمانهم لأنهم كانوا يدركون- كما يدركون اليوم تماما- أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من هذا المدخل، ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها، ولا تهزم إلا إذا هزمت روحها، ولا يبلغ أعداؤها منها شيئا وهي ممسكة بعروة الإيمان، مرتكنة إلى ركنه، سائرة على نهجه، حاملة لرايته، ممثلة لحزبه، منتسبة إليه، معتزة بهذا النسب وحده. ومن هنا يبدو أن أعدى أعداء هذه الأمة هو الذي يلهيها عن عقيدتها الإيمانية، ويحيد بها عن منهج الله وطريقه، ويخدعها عن حقيقة أعدائها وحقيقة أهدافهم البعيدة. إن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي، قبل كل شيء، معركة هذه العقيدة. وحتى حين يريد أعداؤها أن يغلبوها على الأرض والمحصولات والاقتصاد والخامات والطاقة، فإنهم يحاولون أولا أن يغلبوها على العقيدة، لأنهم يعلمون، بالتجارب الطويلة، أنهم لا يبلغون مما يريدون شيئا. والأمة المسلمة مستمسكة بعقيدتها، ملتزمة بمنهجها، مدركة لكيد أعدائها. ومن ثمّ يبذل هؤلاء الأعداء وعملاؤهم جهد الجبارين في خداع هذه الأمة عن حقيقة المعركة، ليفوزوا منها بعد ذلك بكل ما يريدون من استعمار واستغلال، وهم آمنون من عزمة العقيدة في الصدور. وكلما ارتقت وسائل الكيد لهذه العقيدة والتشكيك فيها والتوهين من عراها، استخدم أعداؤها هذه الوسائل المترقية الجديدة، ولكن للغاية القديمة نفسها: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [الآية ٦٩] . فهذه هي الغاية الثابتة الدفينة. لهذا كان القرآن يدفع هذا السلاح المسموم أوّلا. كان يأخذ الجماعة المسلمة بتثبيتها على الحق الذي هي عليه، وينفي الشبهات والشكوك التي يلقيها أهل الكتاب، ويجلو الحقيقة الكبيرة التي يتضمنها هذا الدين، ويقنع الجماعة المسلمة بحقيقتها وقيمتها في هذه الأرض، ودورها ودور العقيدة التي تحملها في تاريخ البشرية. وكان يأخذها بالتحذير من كيد الكائدين، ويكشف لها نيّاتهم المستترة ووسائلهم القذرة، وأهدافهم الخطرة، وأحقادهم على الإسلام والمسلمين.

стр. 317

وكان يأخذها بتقرير حقيقة القوى وموازينها في هذا الوجود، فيبيّن لها هزال أعدائها وهوانهم على الله، وضلالهم وكفرهم بما أنزل الله إليهم من قبل وقتلهم الأنبياء. كما يبين لها أن الله معها، وهو مالك الملك المعزّ المذلّ وحده بلا شريك. وأنه سيأخذ الكفار، ويقصد بهم هنا اليهود، بالعذاب والنّكال كما أخذ المشركين في بدر من عهد قريب. وكانت هذه التوجيهات تتمثل في نحو هذه النصوص من سورة آل عمران: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) . وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) . قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) . (١٠) أعداء يكيدون للإسلام القارئ لسورة آل عمران، والمتتبع لأهدافها، يتبين من خلالها عدة أمور: أولها: ضخامة الجهد الذي كان يبذله أهل الكتاب في المدينة وغيرها، وعمق الكيد وتنوع أساليبه، واستخدام جميع الوسائل لزعزعة العقيدة وخلخلة الصف المسلم من ورائها. ثانيها: ضخامة الآثار التي كان هذا الجهد يحدثها في النفوس وفي حياة الجماعة المسلمة، مما اقتضى هذا البيان الطويل المفصل المنوع المقاطع والأساليب. ثالثها: ما نلمحه اليوم من وراء القرون الطويلة، من أن هؤلاء الأعداء هم الذين يلاحقون هذه الدعوة وأصحابها في الأرض كلها، وهم الذين تواجههم هذه العقيدة وأهلها. ومن ثم اقتضت إرادة الله الحكيم الخبير أن يقيم هذا المشعل الهادي

стр. 318

الضخم البعيد المطارح، لتراه الأجيال المسلمة قويّا واضحا عميق التركيز على كشف الأعداء التقليديين لهذه الأمة ولهذا الدين. (١١) ثلاثة خطوط عريضة ولا يتحقق التعريف بسورة آل عمران حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها تتناثر نقطها في السورة كلها، وتتجمع وتتركز في مجموعها، حتى ترسم هذه الخطوط العريضة بوضوح وتوكيد. أول هذه الخطوط: بيان معنى الدين ومعنى الإسلام، فليس الدين هو كل اعتقاد في الله. وإنما هو صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه سبحانه، صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع، توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية. وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله. فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى، ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى. ومن ثم يكون الدين والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شؤون الحياة، والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر، واتّباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب، وهو في صميمه كتاب واحد، وهو في صميمه دين واحد ... ، هو الإسلام. بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء، والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل، كل في زمانه، متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة، والطاعة والاتّباع في منهج الحياة كله بلا استثناء. ويتكئ سياق السورة على هذا الخط، ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ملحوظ. نضرب له بعض الأمثلة بالآيات الآتية: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) . إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [الآية ١٩] . قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [الآية ٣١] . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢) . أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) .

стр. 319

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [الآية ٨٥] . ونصوص أخرى كثيرة تؤكد وحدانية الله، وأن الإسلام هو الدين الحق عند الله، وأن دعوة الرسل واحدة، وهدايتهم واحدة، هي الدعوة إلى توحيد الله وتدعيم الأخلاق، والحث على الفضائل، والتحذير من الرذائل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الآية ١١٠] . أما الخط الثاني الذي يركز عليه سياق السورة فهو تصوير حال المسلمين مع ربهم، واستسلامهم له، وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والاتباع الدقيق، ونضرب له بعض الأمثلة من آيات سورة آل عمران: يقول الله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) . ويقول سبحانه في بيان صدق المؤمنين وثقتهم بربهم وتوكّلهم عليه، حين سمعوا عن كثرة أعدائهم بعد غزوة حمراء الأسد، فلم يزدهم ذلك إلا ثقة ويقينا وإيمانا واعتمادا على الله بعد الأخذ بالعدّة والأسباب: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) . والخط الثالث العريض في سياق السورة هو التحذير من ولاية غير المؤمنين، والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير، وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله، ولا يتبعون

стр. 320

منهجه في الحياة. وهذه نماذج من هذا الخط العريض. لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) . لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) - مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) . هذه الخطوط الثلاثة متناسقة فيما بينها متكاملة في تقرير التصور الإسلامي، وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله، وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله الذي لا موقف لهم سواه. والنصوص في موضعها من السياق أكثر حيوية وأعمق إيحاء. لقد نزلت في معمعان المعركة، معركة العقيدة، ومعركة الميدان. المعركة داخل النفوس والمعركة في واقع الحياة. ومن ثم تضمنت ذلك الرصيد الحي العجيب من الحركة والتأثير والإيحاء، فلو أن قرآنا سيّرت به الجبال أو كلّم به الموتى لكان هذا القرآن، فإنه كتاب الحياة وكتاب الوجود وكتاب الخلود.
следующие страницы →