الفهرس
سورة «التغابن»
المبحث الأول أهداف سورة «التغابن» ٣ مع السورة ٤ روابط الأسرة ٥ المعنى الإجمالي للسورة ٧ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التغابن» ٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٩ الغرض منها وترتيبها ٩ الإنذار بعذاب الدنيا والاخرة ٩ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التغابن» ١١ المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «التغابن» ١٣ المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «التغابن» ١٥
стр. 2557
المبحث السادس المعاني المجازية في سورة «التغابن» ١٧.
سورة «الطلاق»
المبحث الأول أهداف سورة «الطلاق» ٢١ العناية بالأسرة ٢١ الطلاق ٢٢ مع السورة ٢٤ المعنى الإجمالي للسورة ٢٦ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الطلاق» ٢٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٩ الغرض منها وترتيبها ٢٩ حكم الطلاق والعدة ٢٩ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الطلاق» ٣١ المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «الطلاق» ٣٣ المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «الطلاق» ٣٥.
стр. 2558
سورة «التحريم»
المبحث الأول أهداف سورة «التحريم» ٤١ قصة التحريم ٤٢ تحريم مارية ٤٤ تحريم العسل ٤٤ النبيّ (ص) يهجر نساءه ٤٥ اصطفاء الرسول (ص) ٤٦ مع السورة ٤٧ المعنى الإجمالي للسورة ٤٨ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التحريم» ٥١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٥١ الغرض منها وترتيبها ٥١ قصّة التحريم ٥١ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التحريم» ٥٣ المبحث الرابع مكنونات سورة «التحريم» ٥٥ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «التحريم» ٥٧ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «التحريم» ٥٩
стр. 2559
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «التحريم» ٦١ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «التحريم» ٦٥.
سورة «الملك»
المبحث الأول أهداف سورة «الملك» ٧١ مطلع السورة ٧١ مع آيات السورة ٧٢ المعنى الإجمالي للسورة ٧٦ أسماء السورة ٧٧ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الملك» ٧٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٧٩ الغرض منها وترتيبها ٧٩ الدعوة الى الإيمان بالله تعالى ٧٩ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الملك» ٨١ المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الملك» ٨٣ المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الملك» ٨٥
стр. 2560
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الملك» ٨٧ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الملك» ٨٩ «سورة «القلم» المبحث الأول أهداف سورة «القلم» ٩٥ مع آيات السورة ٩٥ قصة يونس ٩٩ المعنى الإجمالي للسورة ١٠٠ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القلم» ١٠٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٠٣ الغرض منها وترتيبها ١٠٣ تثبيت النبي (ص) ١٠٣ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «القلم» ١٠٥ المبحث الرابع مكنونات سورة «القلم» ١٠٧ المبحث الخامس لغة التنزيل في «سورة القلم» ١٠٩ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «القلم» ١١١
стр. 2561
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «القلم» ١١٣ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «القلم» ١١٥.
سورة «الحاقة»
المبحث الأول أهداف سورة «الحاقّة» ١١٩ مع آيات السورة ١١٩ المعنى الإجمالي للسورة ١٢٣ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحاقّة» ١٢٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٢٥ الغرض منها وترتيبها ١٢٥ إثبات يوم القيامة ١٢٥ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحاقّة» ١٢٧ المبحث الرابع مكنونات سورة «الحاقّة» ١٢٩ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحاقّة» ١٣١ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحاقّة» ١٣٣
стр. 2562
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحاقّة» ١٣٥ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحاقّة» ١٣٧.
سورة «المعارج»
المبحث الأول أهداف سورة «المعارج» ١٤٣ تنوع أساليب القرآن ١٤٣ مع آيات السورة ١٤٤ مجمل ما تضمنته السورة ١٤٦ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المعارج» ١٤٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٤٧ الغرض منها وترتيبها ١٤٧ بيان قرب العذاب ١٤٧ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المعارج» ١٤٩ المبحث الرابع مكنونات سورة «المعارج» ١٥١ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المعارج» ١٥٣ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المعارج» ١٥٥
стр. 2563
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المعارج» ١٥٧ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المعارج» ١٥٩.
سورة «نوح»
المبحث الأول أهداف سورة «نوح» ١٦٣ فكرة السورة ١٦٣ أهداف الرسالات ١٦٣ مع آيات السورة ١٦٤ المعنى الإجمالي للسورة ١٦٦ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «نوح» ١٦٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٦٧ الغرض منها وترتيبها ١٦٧ قصة نوح ١٦٧ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «نوح» ١٦٩ المبحث الرابع مكنونات سورة «نوح» ١٧١ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «نوح» ١٧٣
стр. 2564
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «نوح» ١٧٥ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «نوح» ١٧٧ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «نوح» ١٧٩.
سورة «الجن»
المبحث الأول أهداف سورة «الجن» ١٨٥ أوهام عن الجن ١٨٥ الجن في القرآن ١٨٦ استماع الجن للقرآن ١٨٧ أسماء السورة ١٨٨ مع آيات السورة ١٨٨ المقصد الإجمالي للسورة ١٩٢ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الجن» ١٩٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٩٥ الغرض منها وترتيبها ١٩٥ قصة إيمان بعض الجن ١٩٥ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الجن» ١٩٧
стр. 2565
المبحث الرابع مكنونات سورة «الجن» ١٩٩ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الجن» ٢٠١ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الجن» ٢٠٣ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الجن» ٢٠٥ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الجن» ٢٠٧.
سورة «المزمل»
المبحث الأول أهداف سورة «المزمّل» ٢١١ مع آيات السورة ٢١٢ خلاصة أحكام السورة ٢١٤ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المزمّل» ٢١٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢١٧ الغرض منها وترتيبها ٢١٧ تهيئة النبي (ص) للدعوة ٢١٧ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المزمّل» ٢١٩
стр. 2566
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «المزمّل» ٢٢١ المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «المزمّل» ٢٢٣ المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «المزمّل» ٢٢٥ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «المزمّل» ٢٢٧.
سورة «المدثر»
المبحث الأول أهداف سورة «المدّثّر» ٢٣١ مع آيات السورة ٢٣٣ مقاصد السورة إجمالا ٢٣٦ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المدّثّر» ٢٣٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٣٧ الغرض منها وترتيبها ٢٣٧ استنهاض النبي (ص) للدعوة ٢٣٧ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المدّثّر» ٢٣٩ المبحث الرابع مكنونات سورة «المدّثّر» ٢٤١
стр. 2567
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المدّثّر» ٢٤٣ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المدّثّر» ٢٤٥ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المدّثّر» ٢٤٧ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المدّثّر» ٢٤٩.
سورة «القيامة»
المبحث الأول أهداف سورة «القيامة» ٢٥٣ مع آيات السورة ٢٥٤ مقصود السورة ٢٥٨ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القيامة» ٢٥٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٥٩ الغرض منها وترتيبها ٢٥٩ إثبات البعث ٢٥٩ المبحث الثالث مكنونات سورة «القيامة» ٢٦١ المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «القيامة» ٢٦٣
стр. 2568
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «القيامة» ٢٦٥ المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «القيامة» ٢٦٧ المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «القيامة» ٢٦٩.
سورة «الإنسان»
المبحث الأول أهداف سورة «الإنسان» ٢٧٣ تسلسل أفكار السورة ٢٧٤ مع آيات السورة ٢٧٥ مجمل ما تضمنته السورة ٢٨٠ أسماء السورة ٢٨٠ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الإنسان» ٢٨١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٨١ الغرض منها وترتيبها ٢٨١ أثر الشرائع في رفعة الإنسان ٢٨١ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الإنسان» ٢٨٣ المبحث الرابع مكنونات سورة «الإنسان» ٢٨٥
стр. 2569
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الإنسان» ٢٨٧ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الإنسان» ٢٨٩ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الإنسان» ٢٩١ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الإنسان» ٢٩٤..
стр. 2570
الجزء الحادي عشر
توضيح
ينبغي لنا الإشارة إلى أنّ بعض المباحث التي كانت مطّردة في المجلدات السابقة ستغيب عن هذا المجلد وما سيليه من مجلدات. ومردّ ذلك إلى أنّ طبيعة السور القرآنية الكريمة التي غابت عنها تلك المباحث، لا تستجيب لدواعي بعض العناوين فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنّ سورة قرآنية كريمة، لا تشتمل على معان لغوية غامضة، أو لا يكتنفها شيء من التغاير في الفهم والتحليل، لا تحتاج إلى مبحث «المعاني اللغوية» . وكذلك، فإن سورة قرآنية كريمة لا يتضمّن نصّها مجازا، لا تستجيب، وفاقا لنمط بيانها، إلى مبحث «المعاني المجازية» ... وقس على ذلك.
وغنيّ عن القول أنّ أصحاب المصادر والمراجع التي ارتكزت عليها هذه الموسوعة هم أهل معرفة ودراية، بل هم أهل الاختصاص في هذا الشأن ولم يتركوا هذه المباحث سهوا أو نشدانا لراحة، أو تخفيفا من عناء. وما كان لهم أن يغفلوها لو أنهم وجدوا ما يقتضيها ناهيك من أنّ بعض المباحث قد استوفت أغراضها في آيات متشابهات من سور تضمنتها المجلدات السابقة.
فصار الكلام عليها، في هذا المجلد وما يليه، من قبيل التكرار.
стр. 2571
سورة المرسلات ٧٧
стр. 2572
المبحث الأول أهداف سورة «المرسلات» «١»
سورة المرسلات سورة مكّية، آياتها خمسون آية، نزلت بعد سورة الهمزة.
وسورة المرسلات سورة قصيرة الآيات، عاصفة الملامح، شديدة الإيقاع، كأنها سياط لاذعة تلهب صدور المنكرين، توقف القلب البشري وقفة المحاكمة الرهيبة، فتواجهه بسيل من الاستفهامات والاستذكارات، والتهديدات، تنفذ إليه كالسهام المسنونة.
«وتعرض السورة عددا من المشاهد المتنوّعة عن الكون وخلق الإنسان واليوم الآخر، وعذاب المجرمين ونعيم المتّقين. وعقب كلّ مشهد تلفح المذنب لفحة من التهديد والوعيد، حين تقول وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) ويتكرر هذا التعقيب عشر مرات في السورة، وهو لازمة الإيقاع فيها، وهو أنسب تعقيب لملامحها الحادّة، ومشاهدها العنيفة، وإيقاعها الشديد، وهذه اللازمة تذكرنا باللازمة المكررة في سورة الرحمن، عقب عرض كل نعمة من نعم الله على العباد فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) . كما تذكرنا باللازمة المكررة في سورة القمر، عقب كل حلقة من حلقات العذاب:
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ وتكرارها هنا على هذا النحو يجعل للسورة سمة خاصة، وطعما مميّزا حادّا» «٢» .
стр. 2573
تسلسل أفكار السورة
تبدأ السورة بقسم عاصف ثائر، بمشهد الرياح أو الملائكة، يتبعه عشر جولات متتابعة، تثير في النفس طائفة من التأملات، والمشاعر، والخواطر، والتأثّرات والاستجابات.
١-[فالآيات ٨- ١٥] تصف مشاهد القيامة وتصوّر الانقلابات الكونيّة الهائلة في السماء والأرض.
وفي هذا اليوم تنتهي حسابات الرسل مع البشر، ويتبيّن الصادق من الكاذب.
٢-[والآيات ١٦- ١٩] تصف مصارع الغابرين، وتشير إلى سنن الله تعالى في المكذّبين، فكما أهلك قوم نوح بالغرق، وأهلك أمم عاد وثمود وفرعون، فهو يفعل ذلك بكل مكذّب برسالات السماء، وهدي الأنبياء.
٣-[والآيات ٢٠- ٢٤] تصف النشأة الأولى، وما تشير إليه من تقدير وتدبير.
٤-[والآيات ٢٥- ٢٨] تصف الأرض التي تضم أبناءها إليها، أحياء وأمواتا، وقد جهّزت لهم بالاستقرار والجبال والمياه. ٥-[والآيات ٢٩- ٣٤] تصف حال المكذّبين يوم القيامة، وما يلقونه من تقريع وتأنيب.
٦-[والآيات ٣٥- ٣٧] استطراد مع موقف المكذّبين، وبيان ألوان العذاب والهوان الذي يتعرّضون له.
٧-[والآيات ٣٨- ٤٠] تصف ضعف الإنسان، وفقدان حيلته، أمام الجمع والحشر والحساب والجزاء.
٨-[والآيات ٤١- ٤٥] تصف نعيم المتّقين، وطعامهم وشرابهم وتكريمهم.
٩-[والآيتان ٤٦- ٤٧] خطفة سريعة مع المكذّبين، في موقف التأنيب.
١٠-[والآيات ٤٨- ٥٠] وصف لحال المكذّبين، وامتناعهم عن الإيمان. والاستجابة لآيات القرآن.
وبعض هذه المشاهد قد سبق ذكره، وتكرّر وروده في القرآن الكريم، وفي السور المكية بوجه خاص. ولكنها تعرض هنا سريعة أخّاذة، لها رنين وجدّة في مشاهد جهنّم، وفي مواجهة المكذّبين بهذه المشاهد، وفي أسلوب
стр. 2574
العرض والخطاب كلّه ومن ثمّ تبرز شخصية خاصة للسورة حادّة الملامح، متنوّعة في أساليب الخطاب، متنقّلة من قسم إلى خبر إلى استفهام إلى أمر، فذلك كلام الله، ومن أحسن من الله حديثا؟
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٧] : يقسم الله تعالى بطوائف الملائكة، يرسلهنّ بالمعروف والإحسان، وأوامره الكريمة، فيعصفن عصف الرياح مسرعات وينشرن شرائعه في الأرض، فيفرقن بها بين الحقّ والباطل، ويلقين إلى أنبيائه ذكرا يريد تبليغهم إيّاه، عذرا للمحقّين، ونذرا للمبطلين يقسم بهذه الملائكة على أن ما توعدون من مجيء القيامة واقع لا محالة.
وقيل إن القسم في هذه الآيات بالرّياح، وآثارها في الكون، ونشرها السحاب في الأفق.
وقيل إن القسم في الآيات الثلاث الأولى بالرياح متتابعة كعرف الفرس، فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) الشديدة المهلكة، وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) التي تنشر المطر، فأقسم سبحانه بالرياح النافعة والضارة.
والقسم في الآيات [٤- ٦] بالملائكة: فإنها تنزل بأمر الله على الرسل، تفرق بين الحق والباطل، وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار.
ولعل من إعجاز القرآن أنّ الآية تشير إلى معنى وتحتمل معنى، وتستتبع معنى آخر ولعل هذا التجهيل والخلاف في مفهوم الآية مقصود لله سبحانه، ليكون أثرها أقوى في النفس.
وقد ذكر ابن جرير الطبري تفسير هذه الآيات، وعند تفسير وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) بيّن أن بعض المفسّرين قال هي الرياح، وبعضهم قال: هي المطر، وبعضهم قال: هي الملائكة.
ثم عقّب الطبري بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره أقسم بالناشرات نشرا، ولم يخصّص شيئا من ذلك دون شيء، فالرياح تنشر السحاب، والمطر ينشر الأرض، والملائكة تنشر الكتب، ولا دلالة من وجه يجب التسليم له، على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فدل ذلك
стр. 2575
على أن المراد بالآية كل ما كان ناشرا» «١» .
[الآيات ٨- ١٥] : يوم تطمس النجوم فيذهب نورها، وتفرج السماء أي تشقّ، وتنسف الجبال فهي هباء.
وإلى جانب هذا الهول في مشاهد الكون، تعرض السورة أمرا مؤجّلا، هو موعد الرسل لعرض حصيلة الدعوة والشهادة على الأمم، والقضاء والفصل بين كل رسول وقومه، يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ [المائدة/ ١٠٩] . وفي هذا اليوم عذاب وخزي لمن كذّب بالله ورسله وكتبه، وبكلّ ما ورد على ألسنة أنبيائه وأخبروا به.
[الآيات ١٦- ١٩] : تجول هذه الآيات في مصارع الأوّلين والآخرين، وفي ضربة واحدة تكشف مصارع الأوّلين، من قوم نوح ومن بعدهم، وتتكشّف مصارع الآخرين، ومن لفّ لفّهم. وعلى مد البصر تتبدّى المصارع والأشلاء، فهي سنّة الله التي لا تتبدّل، من سيادة الصالحين، وهلاك المجرمين. وفي الآخرة هلاك وعذاب شديد للمكذّبين. [الآيات ٢٠- ٢٤] : هذه الآيات جولة في الإنشاء والإحياء، مع التقدير والتدبير، فهي تصف خلق الإنسان من نطفة مراقة، تستقرّ في حرز مكين وهو الرّحم، حتى تصير جنينا مكتملا فَقَدَرْنا وقت ولادته فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [الآية ٢٣] ، نحن، على التدبير وإحكام الصنعة. وفي الآخرة عذاب شديد للمكذّبين بآيات الله وقدرته وحكمته.
[الآيات ٢٥- ٢٨] : وهذه الآيات جولة في خصائص الأرض، وتقدير الله فيها لحياة البشر، وإيداعها الخصائص الميسرة لهذه الحياة: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) «٢» تحتضن بنيها وتجمعهم أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) ، وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ [الآية ٢٧] ثابتات سامقات، تتجمّع على قممها السحب، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب، أفيكون هذا إلّا عن قدرة وتقدير، وحكمة وتدبير؟ .. أفبعد هذا يكذّب المكذّبون؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) .
[الآيات ٢٩- ٣٤] : تنتقل الآيات في وصف مشهد من مشاهد القيامة، والكفّار ينطلقون بعد طول احتباس إلى
стр. 2576
العذاب الذي كانوا يكذّبون به في الدنيا.
إنّه انطلاق خير منه الارتهان والاحتباس، انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) ، وهو دخان جهنّم يتشعّب لعظمه ثلاث شعب، وتمتدّ ألسنته إلى أقسام ثلاثة، بعضها أشد من بعض، ولكنه ظلّ خير منه الوهج لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) ، إنه ظلّ خانق حارّ لافح، وتسميته بالظّلّ من باب التهكّم والسخرية، فهو لا يظلّ من حرّ ذلك اليوم، ولا يقي من لهب جهنّم «١» .
إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) أي أن هذه النار يتطاير منها شرر متفرّق في جهات كثيرة، كأنه القصر عظما وارتفاعا، وكأنه الجمال الصفر لونا وكثرة وتتابعا وسرعة حركة وفي اللحظة التي يستغرق فيها الحس بهذا الهول، يجيء التعقيب المعهود: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) .
[الآيات ٣٥- ٣٧] : هذا يوم لا يتكلّمون فيه بحجّة نافعة تنقذهم ممّا هم فيه، ولو كانت لهم حجّة لما عذّبوا هذا العذاب، ولا يؤذن لهم بالاعتذار ولا يقبل منهم، فالهلاك لمن كذّب بعذاب يوم القيامة.
«وقد سئل ابن عبّاس ﵄ عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) [الزمر] ، فقال:
في ذلك اليوم مواقف، في بعضها يختصمون، وفي بعضها لا ينطقون، أو لا ينطقون بما ينفعهم فجعل نطقهم كلا نطق» «٢» والعرب تقول لمن ذكر ما لا يفيد: ما قلت شيئا.
[الآيات ٣٨- ٤٠] : هذا يوم الفصل
стр. 2577
لا يوم الاعتذار، وقد جمعناكم والأوّلين أجمعين، فإن كان لكم تدبير فدبّروه، وإن كانت لكم حيلة في دفع العذاب عنكم فاحتالوا لتخليص أنفسكم من العذاب. وفي هذا تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا، وإظهار لعجزهم وقصورهم حينئذ، فهم في صمت كظيم، وتأنيب أليم.
والويل الشديد في ذلك اليوم للمكذّبين بالبعث والجزاء.
[الآيات ٤١- ٤٥] : إنّ المتّقين في ظلال حقيقية، هي ظلال الأشجار على شواطئ الأنهار، فلا يصيبهم حرّ ولا قرّ، ويتمتّعون بما تشتهيه أنفسهم من الفواكه والمآكل الطيّبة. ومع التكريم الحسي يلقون ألوان التكريم المعنوي، فيقال لهم على مرأى ومسمع من الجموع: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) : جزاء بما عملتم في الدنيا من طاعة ربكم، واجتهدتم في ما يقرّبكم من رضوانه، فهل جزاء الإحسان في الدنيا إلّا الإحسان في الجنة؟.
وبمثل هذا الجزاء نجزي كل الذين يحسنون في أعمالهم وأقوالهم، وشأنهم الإحسان، ويقابل هذا النعيم الويل للمكذّبين.
[الآيتان ٤٦- ٤٧] : كلوا وتمتعوا قليلا في هذه الدار بقيّة أعماركم، وهي قليلة المدى إذا قيست بالآخرة، وهناك ستحرمون، وتعذّبون طويلا: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) .
[الآيات ٤٨- ٥٠] : وإذا قيل لهؤلاء المكذّبين اعبدوا الله وأطيعوه، لا يستجيبون ولا يمتثلون، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) بأوامر الله ونواهيه، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) : أي إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل على تجلّيها ووضوحها، فبأيّ كلام بعد هذا يصدّقون؟ والذي لا يؤمن بهذا الحديث الذي يهزّ الرواسي، وبهذه الهزّات التي تزلزل الجبال، لا يؤمن بحديث بعده أبدا، إنّما هو الشقاء والتعاسة والمصير البائس، والويل المدّخر لهذا الشقيّ المتعوس.
إن هذه السورة ببنائها التعبيري، وإيقاعها المتناسب، ومشاهدها العنيفة، ولذعها الحاد، حملة لا يثبت لها كيان، ولا يتماسك أمامها إنسان فسبحان الذي نزّل القرآن وأودعه ذلك السلطان.
стр. 2578
مقاصد السورة
من مقاصد سورة المرسلات ما يأتي:
١- القسم بالملائكة على أن البعث حقّ، وأنّ القيامة آتية.
٢- الإخبار عن هلاك القرون الماضية، ووعيد المكذّبين بالمصير نفسه.
٣- المنّة على الخلائق بنعمة الخلق والتكوين، وسائر النعم في الأنفس والآفاق. ٤- وصف عذاب المكذّبين بما تشيب من هوله الولدان.
٥- وصف نعيم المتّقين وما يلقونه من الكرامة في جنات النعيم، وبيان عظمة الخالق وكمال قدرته.
والحمد لله الذي بنعمته تكون الصالحات، وصلّ اللهمّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 2579
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المرسلات» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة المرسلات بعد سورة الهمزة، ونزلت سورة الهمزة بعد سورة القيامة، وكان نزول سورة القيامة فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة المرسلات في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) ، وتبلغ آياتها خمسين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة: إثبات وقوع ما يوعدون به من العذاب، وبهذا جاء سياقها في الإنذار والترهيب والترغيب، كما جاء سياق السورة السابقة ولهذا جاء ذكرها بعدها مناسبا لها.
إثبات وقوع العذاب الآيات [١- ٥٠]
قال الله تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فأقسم، سبحانه، بهذا على وقوع ما يوعدون به من العذاب، ثمّ ذكر أنّه إذا طمست النجوم وحصل غير هذا مما ذكره، فإنه يكون يوم الفصل في عذابهم وويل يومئذ لهم، ثم ذكر، جلّ وعلا، أنه كما أهلك الأولين
стр. 2580
والآخرين يهلكهم هم، وويل يومئذ لهم ثم ذكر أنه قد خلقهم من ماء مهين، وجعل الأرض كفاتا، إلى غير هذا مما يدل على قدرته على عذابهم.
ثم انتقل السياق إلى الترغيب بعد الترهيب، فذكر، سبحانه، أنّ المتقين في ظلال وعيون، إلى غير هذا مما ذكره في ترغيبهم، ثم عاد السياق إلى ترهيب المكذّبين، فأمرهم، على سبيل التهديد، أن يأكلوا ويتمتعوا، إنهم مجرمون وذكر أنهم، إذا قيل لهم اركعوا، لا يركعون: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) .
стр. 2581
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المرسلات» «١»
أقول: وجه اتّصالها بالسورة السابقة: أنّه تعالى، لمّا أخبر في خاتمتها، أنّه يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١) ، افتتح هذه بالقسم على أن ما يوعدون واقع، فكان ذلك تحقيقا لما وعد به هناك المؤمنين، وأوعد الظالمين. ثم ذكر وقته وأشرطه بقوله سبحانه:
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) إلى آخره.
ويحتمل أن تكون الإشارة بما يوعدون إلى جميع ما تضمنته السورة من وعيد للكافرين، ووعد للأبرار «٢» .
стр. 2582
المبحث الرابع مكنونات سورة «المرسلات» «١»
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، قال:
١- وَالْمُرْسَلاتِ [الآية ١] :
الملائكة «٢» .
وعن أبي صالح، أنه قال في: ٢- وَالنَّاشِراتِ [الآية ٣] .
٣- فَالْفارِقاتِ [الآية ٤] .
٤- فَالْمُلْقِياتِ [الآية ٥] :
الملائكة «٣» .
стр. 2583
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المرسلات» «١»
١- قال تعالى: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) .
قرئ: (جملت) بكسر الجيم بمعنى جمال (جمع جمل) ، و (جمالة) بالضم، وهي القلس «٢» للجسور أو السفينة.
وقرئ (جمالات) و (جمالات) بالضم والكسر، للقلوس.
стр. 2584
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المرسلات» «١»
قال تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) كلها قسم على إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) .
وقال: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) فأضمر الخبر والله أعلم.
وقال سبحانه: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) على الحال.
وقال تعالى: ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) بالرفع لأنه قطع من الكلام الأوّل، وإن شئت جزمته إذا عطفته على نُهْلِكَ
. وقال تعالى: وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) أي: جعلنا لكم ماء تشربون منه. وقال: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ [الإنسان/ ٢١] للشفة، وما كان للشفة فهو بغير ألف وفي لغة قليلة قد يقول للشفة أيضا «أسقيناه» قال لبيد «٢» [من الوافر، وهو الشاهد الخامس والسبعون بعد المائتين] :
سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال «٣» وقال تعالى: إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) ثم استأنف السياق:
стр. 2585
إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) أي: كالقصور «١» وقرأ بعضهم (كالقصر) أي: كأعناق الإبل.
وقال تعالى: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) ، بعض العرب يجمع «الجمال» على «الجمالات» «٢» كما تقول «الجزرات» وقرأ بعضهم (جمالات) «٣» وليس يعرف هذا الوجه.
وقال تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) فرفع «٤» ، ونصب بعضهم «٥» على قوله: «هذا الخبر يوم لا ينطقون» وكذاك هذا يَوْمُ الْفَصْلِ «٦» [الآية ٣٨] ، وترك التنوين للاضافة، كأنّ السياق: «هذا يوم لا نطق» وان شئت نوّنت اليوم إذا أضمرت فيه، كأنّك قلت «هذا يوم لا ينطقون فيه» .
стр. 2586
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المرسلات» «١»
إن قيل: قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) ينفي وجود الاعتذار منهم لأن الاعتذار إنما يكون بالنطق، فما فائدة نفي الاعتذار بعد نفي النطق؟
قلنا: معناه أنهم لا ينطقون، بعذر مقبول وحجة صحيحة، لا ابتداء ولا بعد أن يؤذن لهم في الاعتذار، فإنّ الأسير والجاني الخائف، عادة، قد لا ينطق لسانه بعذره وحجته، ابتداء، لفرط خوفه ودهشته، ولكن إذا أذن له في إظهار عذره وحجته، انبسط وانطلق لسانه، فكانت الفائدة في الجملة. الثاني: نفي هذا المعنى: أي لا ينطقون بعذر، ابتداء ولا بعد الإذن.
فإن قيل: قوله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ [غافر/ ٥٢] يدلّ على وجود الاعتذار منهم، فكيف التوفيق بينه وبين ما نحن فيه؟
قلنا: قيل: المراد، بتلك، الظالمون من المسلمين، وبما نحن فيه يراد الكافرون وآخر تلك الآية يضعف هذا الجواب: أي قوله تعالى: وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) [غافر] .
стр. 2587
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المرسلات» «١»
قوله سبحانه: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) هو استعارة. والمراد بطمس النجوم، والله أعلم، محو آثارها، وإذهاب أنوارها، وإزالتها عن الجهات التي كان يستدلّ بها، ويهتدى بسمتها. فصارت كالكتاب المطموس الذي أشكلت سطوره، واستعجمت حروفه.
والطمس في المكتوبات حقيقة.
وفي غيرها استعارة.
стр. 2588
سورة النّبأ ٧٨
стр. 2589
المبحث الأول أهداف سورة «النبأ» «١»
سورة «النبأ» سورة مكّية، آياتها أربعون آية، نزلت بعد سورة «المرسلات» .
تبدأ سورة النبأ بسؤال موح، مثير للاستهوال والاستعظام، وتضخيم الحقيقة التي يختلفون عليها، وهي أمر عظيم لا خفاء فيه ولا شبهة، ثم يأتي تهديدهم بأنهم سيعلمون حقيقة هذا النبأ [الآيات ١- ٥] .
ثم يلفت السياق الأنظار الى عدد من المشاهد والحقائق، المتمثّلة في خلق الأرض، وإرساء الجبال، وخلق الذكر والأنثى للتناسل والتكاثر وإشباع الرغبة وحاجة كل طرف الى الآخر، وخلق الليل سكنا، والنوم راحة وأمنا، والنهار سعيا ومعاشا، وخلق السماء والشمس، وإنزال المطر وإنبات النبات والبساتين [الآيات ٦- ١٦] .
ثم يعود السياق الى مشهد القيامة والبعث في [الآيات ١٧- ٢٠] ويصف جهنم وأهوالها وعذابها، وجحود أهلها وتكذيبهم بآيات الله [الآيات ٢١- ٣٠] .
ثم يصف نعيم المتّقين في الجنّة وصنوف التكريم والحسّ المعنويّ [الآيات ٣١- ٣٦] .
وتختم السورة بمشهد جليل، في يوم القيامة، يوم تقوم الملائكة صفّا، ويشتدّ الهول، ويلقى كل إنسان جزاء عمله [الآيات ٣٧- ٤٠] .
стр. 2590
مع آيات السورة
كان المشركون، كلّما اجتمعوا في ناد من أنديتهم، أخذوا يتحدّثون ويسأل بعضهم بعضا، ويسألون غيرهم، فيقولون: أساحر هو أم شاعر، أم كاهن، أم اعتراه بعض آلهتنا بسوء؟
ويتحدّثون في شأن القرآن: أسحر هو، أم شعر، أم كهانة؟ ويقول كلّ واحد ما شاء له هواه، والرسول سائر قدما في تبليغ رسالته، وأمامه مصباحه المنير الذي يضيء للناس سبيل الرشاد، وهو الكتاب الكريم. كما كانوا يتحدّثون في شأن البعث، ويأخذ الجدل بينهم كلّ مأخذ، فمنهم من ينكره البتّة، ويزعم أنه إذا مات انتهى أمره، وما هي إلّا أرحام تدفع، وأرض تبلع وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ.
ومنهم من كان يزعم أنّ البعث للأرواح دون الأجساد، لأنّ الأجساد تأكلها الأرض وتعبث بها يد البلى وربما لقي أحدهم بعض من آمن بالنبي (ص) ، فيسائله عن ذلك استهزاء وسخرية.
وفي هؤلاء وأشباههم نزلت هذه السورة، للرّدّ عليهم، وإقامة للحجّة على أن الله سبحانه قادر على أن يبعثهم بعد موتهم، وإن صاروا ترابا، أو أكلتهم السباع، أو أحرقتهم النيران، لأنّ الله أحصى كل شيء عددا، وأحاط بكلّ شيء علما.
معنى الآيات
[الآيات ١- ٣] : عن أي شيء يتساءل مشركو مكة؟ إنهم يتساءلون عن الخبر العظيم الشأن، وهو البعث أو نزول الوحي على النبيّ الأمين، الخبر الذي اختلفوا فيه فمن قائل إنه مستحيل، ومن شاكّ فيه متردّد يقول، كما ورد في التنزيل: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) [الجاثية] .
[الآيتان ٤ و ٥] : تردّ الآيتان على تساؤلهم وشكّهم، بالتهديد الملفوف، وهو أوقع من الجواب المباشر وأعمق في التأثير، وتقول: فليزدجروا عمّا هم فيه، فإنّهم سيعلمون عمّا قليل حقيقة الحال، إذا حلّ بهم العذاب والنّكال، وأن ما يتساءلون عنه، ويضحكون منه حقّ لا شكّ فيه، ولا ريب في وقوعه.
[الآيات ٦- ١٦] : تنتقل الآيات من موضوع النبأ العظيم، لتعرض أمام
стр. 2591
الأبصار والبصائر، مظاهر القدرة الإلهيّة في خلق هذا الكون، فتذكر تسعة مشاهد، يبصرونها بأعينهم، ولا يخفى عليهم شيء منها:
١- انبساط الأرض وتمهيدها لتحصيل المعاش، وإثراء الحياة.
٢- سموّ الجبال لتثبيت الأرض وحفظ التوازن.
٣- خلق الناس ذكورا وإناثا، ليتحقق الائتناس والتعاون، ويعم النفع.
٤- جعل النوم راحة للأجسام، وسكنا للأرواح، وانقطاعا عن الإدراك والنشاط.
٥- جعل الليل لباسا ساترا، يكون فيه السّبات والانزواء.
٦- جعل النهار معاشا، تحدث فيه الحركة والنشاط.
٧- ارتفاع السموات فوقنا، مع إحكام الوضع، ودقّة الصنع، وقوّة البناء وشدّته وتماسكه.
٨- وجود الشمس المنيرة المتوهجة، تسكب الأشعة والضوء والحرارة.
٩- نزول المطر وما ينشأ عنه من الحبّ والنبات، والجنات الألفاف، الكثيفة، الكثيرة الأشجار، الملتفّة الأغصان.
وتوالي هذه الحقائق والمشاهد على هذا النظام البديع، والتقدير المحكم، يوحي بأن وراء هذا الكون قوّة تدبّره، وحكمة تنظّمه، وتشعر بالخالق الحكيم القدير، الذي أبدع كلّ شيء خلقه، فتبارك الله أحسن الخالقين.
[الآيات ١٧- ٢٠] : الناس لم يخلقوا عبثا، ولن يتركوا سدى، والذي قدّر حياتهم ذلك التقدير المحكم، الذي يظهره المقطع الماضي من السياق، قد جعل لهم يوما مؤقّتا، للفصل والقضاء بينهم. في ذلك اليوم ينفخ إسرافيل (ع) في البوق، فيأتي الناس جميعا مسرعين، جماعات جماعات، والسماء المبنية المتينة فتحت، وانشقّت وتصدّعت على هيئة لا عهد لنا بها، فكانت طرقا وأبوابا.
والجبال الراسية الثابتة تصبح هباء مثارا في الهواء، ومن ثمّ فلا وجود لها، كالسراب الذي ليس له حقيقة.
[الآيات ٢١- ٣٠] : تمضي الآيات خطوة وراء النفخ والحشر، فتصوّر مصير الطغاة، وتذكر ما يأتي:
стр. 2592
إنّ جهنّم خلقت ووجدت مكانا مترصّدا للطاغين، ينتظر حضورهم، ويترقّب وصولهم. إنّ جهنّم مرجع الطغاة ومكان إيابهم وعودتهم. روى ابن جرير عن الحسن أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتّى يجتاز النار، فإن كان معه جواز نجا، وإلّا احتبس.
وسيمكث الطغاة في النار دهورا متلاحقة، يتبع بعضها بعضا، فكلّما انقضى زمن تجدّد لهم زمن آخر. إنّهم لن يذوقوا في جهنّم طعاما إلّا الحميم، وهو الماء المغلي، والغسّاق، وهو الصديد الذي يسيل من جراح أهل النار، جَزاءً وِفاقاً (٢٦) . قال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار إنّهم كانوا لا يتوقّعون الحساب، وكذّبوا بجميع البراهين الدّالّة على التوحيد والنبوّة والمعاد، وبجميع ما جاء في القرآن بينما كان الله يحصي عليهم كلّ شيء إحصاء دقيقا لا يفلت منه شيء، وسجّل أعمالهم في اللوح المحفوظ، أو كتبها في صحف أعمالهم. ويقال لهم على ألسنة خزنة جهنّم من باب التأنيب الميئس من كل رجاء: ذوقوا أشد العذاب بما كسبت أيديكم، ولن نزيدكم إلّا عذابا من جنسه.
[الآيات ٣١- ٣٦] : تعرض هذه الآيات المشهد المقابل، مشهد الأتقياء في النعيم، بعد مشهد الطغاة في الجحيم: إنهم يفوزون بالنعيم والثواب، ومن بعض مظاهره: الحدائق الكثيرة، والبساتين والأعناب، وَكَواعِبَ وهن الفتيات الناهدات، اللواتي استدارت أثداؤهن، أَتْراباً (٣٣) متوافقات السن والجمال، وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) مترعة بالشراب، ولا يجري بينهم حين يشربون لغو الكلام، ولا يكذّب بعضهم بعضا.
هذه النعم جزاء من الله على أعمالهم، وهي عطاء وتفضّل من الله على حسب أعمالهم، وفي الحديث الشريف:
«إنّكم تدخلون الجنّة بفضل الله، وتقتسمونها بحسب أعمالكم» .
[الآيات ٣٧- ٤٠] : هذا الجزاء السّابق للطّغاة وللتّقاة، من مالك السماوات والأرض، والمدبّر لشئونهما، والمالك لما بينهما من عوالم، وهو الرحمن، ومن رحمته يكون الجزاء العادل المناسب للأشرار وللأخيار، ومع الرحمة الجلال، فلا
стр. 2593
يملك أحد مخاطبته في ذلك اليوم المهيب.
يوم يقف جبريل والملائكة جميعا مصطفّين، لا يتكلّمون إجلالا لربّهم، ووقوفا عند أقدارهم، إلّا إذا أذن لهم ربّهم وقالوا صدقا وصوابا.
ذلك اليوم هو الحقّ الموعود به، فلا مجال للتساؤل والاختلاف في شأنه.
والفرصة لا تزال سانحة، فمن شاء عمل صالحا يقرّبه من ربّه، ويدنيه من ثوابه. إنّا نحذركم عذاب يوم القيامة، وهو قريب ليس بالبعيد، فجهنّم تنتظركم، وتترصّد لكم، على النحو الذي سمعتم، والدّنيا كلّها رحلة قصيرة، وكل آت قريب.
وفي ذلك اليوم يجد الإنسان جزاء عمله، ولقاء ما صنعه في الدنيا من الأعمال، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزّلزلة] . في ذلك اليوم يشعر الكافر بالندم والحسرة، فيقول: يا ليتني كنت ترابا أو حجرا، لا يجري عليه تكليف حتّى لا يعاقب هذا العقاب.
موضوعات السورة
اشتملت سورة النبأ على الموضوعات الآتية:
١- سؤال المشركين عن البعث، ورسالة محمد (ص) .
٢- تهديد المشركين إنكارهم إيّاه.
٣- إقامة الأدلّة على إمكان حصوله.
٤- أحداث يوم القيامة.
٥- ما يلاقيه المكذّبون من العذاب.
٦- فوز المتّقين بجنّات النعيم.
٧- أنّ هذا اليوم حقّ لا ريب فيه.
٨- ندم الكافر بعد فوات الأوان.
стр. 2594
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النبأ» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة النبأ بعد سورة المعارج، ونزلت سورة المعارج بعد الإسراء وقبيل الهجرة فيكون نزول سورة النبأ في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) وتبلغ آياتها أربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات البعث ، وقد اقتضى هذا تهديدهم على إنكارهم له، وترغيبهم في الإيمان به، فكان سياقها في هذا مشابها لسياق سورة المرسلات، وهذا هو وجه ذكرها بعدها.
إثبات البعث
الآيات [١- ٤٠] قال الله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) فذكر أنهم يتساءلون عمّا أخبرهم به من البعث، ويختلفون فيه بين منكر ومستبعد وشاكّ، وهدّدهم بأنّهم سيعلمون صدق هذا النبأ.
واستدل على قدرته عليه، بأنه، سبحانه، هو الذي جعل الأرض مهادا، إلى غير هذا مما يدل على كمال قدرته. ثمّ ذكر سبحانه أنّ لهذا النبأ وقتا معلوما، وأنّ له علامات كالنفخ في الصّور ونحوه وأنّ جهنم تكون فيه
стр. 2595
مرصادا للطاغين، فيلاقون فيها ما فصّله من العذاب وأنّ للمتّقين مفازا من حدائق وأعناب وغيرها. ثم ذكر أنه لا يملك أحد أن يخاطبه في ذلك اليوم، وأنه يقوم فيه الروح والملائكة صفّا لا يتكلمون إلا بإذنه، ولا يشهدون إلّا بالحق على عباده، فمن شاء أن يتّخذ إليه مآبا حسنا كان خيرا له. ثم ختمت السورة بقرب ما أنذرهم به، بقوله تعالى: نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
(٤٠) .