الأبصار والبصائر، مظاهر القدرة الإلهيّة في خلق هذا الكون، فتذكر تسعة مشاهد، يبصرونها بأعينهم، ولا يخفى عليهم شيء منها:
١- انبساط الأرض وتمهيدها لتحصيل المعاش، وإثراء الحياة.
٢- سموّ الجبال لتثبيت الأرض وحفظ التوازن.
٣- خلق الناس ذكورا وإناثا، ليتحقق الائتناس والتعاون، ويعم النفع.
٤- جعل النوم راحة للأجسام، وسكنا للأرواح، وانقطاعا عن الإدراك والنشاط.
٥- جعل الليل لباسا ساترا، يكون فيه السّبات والانزواء.
٦- جعل النهار معاشا، تحدث فيه الحركة والنشاط.
٧- ارتفاع السموات فوقنا، مع إحكام الوضع، ودقّة الصنع، وقوّة البناء وشدّته وتماسكه.
٨- وجود الشمس المنيرة المتوهجة، تسكب الأشعة والضوء والحرارة.
٩- نزول المطر وما ينشأ عنه من الحبّ والنبات، والجنات الألفاف، الكثيفة، الكثيرة الأشجار، الملتفّة الأغصان.
وتوالي هذه الحقائق والمشاهد على هذا النظام البديع، والتقدير المحكم، يوحي بأن وراء هذا الكون قوّة تدبّره، وحكمة تنظّمه، وتشعر بالخالق الحكيم القدير، الذي أبدع كلّ شيء خلقه، فتبارك الله أحسن الخالقين.
[الآيات ١٧- ٢٠] : الناس لم يخلقوا عبثا، ولن يتركوا سدى، والذي قدّر حياتهم ذلك التقدير المحكم، الذي يظهره المقطع الماضي من السياق، قد جعل لهم يوما مؤقّتا، للفصل والقضاء بينهم. في ذلك اليوم ينفخ إسرافيل (ع) في البوق، فيأتي الناس جميعا مسرعين، جماعات جماعات، والسماء المبنية المتينة فتحت، وانشقّت وتصدّعت على هيئة لا عهد لنا بها، فكانت طرقا وأبوابا.
والجبال الراسية الثابتة تصبح هباء مثارا في الهواء، ومن ثمّ فلا وجود لها، كالسراب الذي ليس له حقيقة.
[الآيات ٢١- ٣٠] : تمضي الآيات خطوة وراء النفخ والحشر، فتصوّر مصير الطغاة، وتذكر ما يأتي:
стр. 2592
إنّ جهنّم خلقت ووجدت مكانا مترصّدا للطاغين، ينتظر حضورهم، ويترقّب وصولهم. إنّ جهنّم مرجع الطغاة ومكان إيابهم وعودتهم. روى ابن جرير عن الحسن أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتّى يجتاز النار، فإن كان معه جواز نجا، وإلّا احتبس.
وسيمكث الطغاة في النار دهورا متلاحقة، يتبع بعضها بعضا، فكلّما انقضى زمن تجدّد لهم زمن آخر. إنّهم لن يذوقوا في جهنّم طعاما إلّا الحميم، وهو الماء المغلي، والغسّاق، وهو الصديد الذي يسيل من جراح أهل النار، جَزاءً وِفاقاً (٢٦) . قال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار إنّهم كانوا لا يتوقّعون الحساب، وكذّبوا بجميع البراهين الدّالّة على التوحيد والنبوّة والمعاد، وبجميع ما جاء في القرآن بينما كان الله يحصي عليهم كلّ شيء إحصاء دقيقا لا يفلت منه شيء، وسجّل أعمالهم في اللوح المحفوظ، أو كتبها في صحف أعمالهم. ويقال لهم على ألسنة خزنة جهنّم من باب التأنيب الميئس من كل رجاء: ذوقوا أشد العذاب بما كسبت أيديكم، ولن نزيدكم إلّا عذابا من جنسه.
[الآيات ٣١- ٣٦] : تعرض هذه الآيات المشهد المقابل، مشهد الأتقياء في النعيم، بعد مشهد الطغاة في الجحيم: إنهم يفوزون بالنعيم والثواب، ومن بعض مظاهره: الحدائق الكثيرة، والبساتين والأعناب، وَكَواعِبَ وهن الفتيات الناهدات، اللواتي استدارت أثداؤهن، أَتْراباً (٣٣) متوافقات السن والجمال، وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) مترعة بالشراب، ولا يجري بينهم حين يشربون لغو الكلام، ولا يكذّب بعضهم بعضا.
هذه النعم جزاء من الله على أعمالهم، وهي عطاء وتفضّل من الله على حسب أعمالهم، وفي الحديث الشريف:
«إنّكم تدخلون الجنّة بفضل الله، وتقتسمونها بحسب أعمالكم» .
[الآيات ٣٧- ٤٠] : هذا الجزاء السّابق للطّغاة وللتّقاة، من مالك السماوات والأرض، والمدبّر لشئونهما، والمالك لما بينهما من عوالم، وهو الرحمن، ومن رحمته يكون الجزاء العادل المناسب للأشرار وللأخيار، ومع الرحمة الجلال، فلا
стр. 2593
يملك أحد مخاطبته في ذلك اليوم المهيب.
يوم يقف جبريل والملائكة جميعا مصطفّين، لا يتكلّمون إجلالا لربّهم، ووقوفا عند أقدارهم، إلّا إذا أذن لهم ربّهم وقالوا صدقا وصوابا.
ذلك اليوم هو الحقّ الموعود به، فلا مجال للتساؤل والاختلاف في شأنه.
والفرصة لا تزال سانحة، فمن شاء عمل صالحا يقرّبه من ربّه، ويدنيه من ثوابه. إنّا نحذركم عذاب يوم القيامة، وهو قريب ليس بالبعيد، فجهنّم تنتظركم، وتترصّد لكم، على النحو الذي سمعتم، والدّنيا كلّها رحلة قصيرة، وكل آت قريب.
وفي ذلك اليوم يجد الإنسان جزاء عمله، ولقاء ما صنعه في الدنيا من الأعمال، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزّلزلة] . في ذلك اليوم يشعر الكافر بالندم والحسرة، فيقول: يا ليتني كنت ترابا أو حجرا، لا يجري عليه تكليف حتّى لا يعاقب هذا العقاب.
موضوعات السورة
اشتملت سورة النبأ على الموضوعات الآتية:
١- سؤال المشركين عن البعث، ورسالة محمد (ص) .
٢- تهديد المشركين إنكارهم إيّاه.
٣- إقامة الأدلّة على إمكان حصوله.
٤- أحداث يوم القيامة.
٥- ما يلاقيه المكذّبون من العذاب.
٦- فوز المتّقين بجنّات النعيم.
٧- أنّ هذا اليوم حقّ لا ريب فيه.
٨- ندم الكافر بعد فوات الأوان.
стр. 2594
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النبأ» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة النبأ بعد سورة المعارج، ونزلت سورة المعارج بعد الإسراء وقبيل الهجرة فيكون نزول سورة النبأ في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) وتبلغ آياتها أربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات البعث ، وقد اقتضى هذا تهديدهم على إنكارهم له، وترغيبهم في الإيمان به، فكان سياقها في هذا مشابها لسياق سورة المرسلات، وهذا هو وجه ذكرها بعدها.
إثبات البعث
الآيات [١- ٤٠] قال الله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) فذكر أنهم يتساءلون عمّا أخبرهم به من البعث، ويختلفون فيه بين منكر ومستبعد وشاكّ، وهدّدهم بأنّهم سيعلمون صدق هذا النبأ.
واستدل على قدرته عليه، بأنه، سبحانه، هو الذي جعل الأرض مهادا، إلى غير هذا مما يدل على كمال قدرته. ثمّ ذكر سبحانه أنّ لهذا النبأ وقتا معلوما، وأنّ له علامات كالنفخ في الصّور ونحوه وأنّ جهنم تكون فيه
стр. 2595
مرصادا للطاغين، فيلاقون فيها ما فصّله من العذاب وأنّ للمتّقين مفازا من حدائق وأعناب وغيرها. ثم ذكر أنه لا يملك أحد أن يخاطبه في ذلك اليوم، وأنه يقوم فيه الروح والملائكة صفّا لا يتكلمون إلا بإذنه، ولا يشهدون إلّا بالحق على عباده، فمن شاء أن يتّخذ إليه مآبا حسنا كان خيرا له. ثم ختمت السورة بقرب ما أنذرهم به، بقوله تعالى: نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
(٤٠) .
стр. 2596
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النبأ» «١»
أقول: وجه اتصالها بالسورة التي قبلها، سورة «المرسلات» : تناسبها معها في الجمل. ففي تلك: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) .
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) . إلى آخره.
وفي هذه: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) إلى آخره. فذلك نظير تناسب جمل:
«الضحى» و «ألم نشرح» ، بقوله تعالى في الضحى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) إلى آخره. وقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) ، مع اشتراك هذه السورة، والأربع التي قبلها، في الاشتمال على وصف يوم القيامة وأهواله، وعلى ذكر بدء الخلق، وإقامة الدليل على البعث.
وأيضا في سورة المرسلات: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) . وفي هذه السورة:
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) إلى آخره.
فكأن هذه السورة شرح ليوم الفصل، المجمل ذكره في السورة التي قبلها «٢» .
стр. 2597
المبحث الرابع مكنونات سورة «النبأ» «١»
١- يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[الآية ٤٠] .
قال أبو قاسم بن حبيب «٢» : رأيت في بعض التفاسير أنّ الكافر هنا إبليس. ذكره ابن عسكر.
стр. 2598
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «النبأ» «١»
قال تعالى: وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) وواحدها «اللّفّ» .
وقال تعالى: جَزاءً وِفاقاً (٢٦) أي: «وافق إهمالهم وفاقا» كما تقول:
«قاتل قتالا» .
وقال تعالى: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) لأن فعله على أربعة من باب «أفعلت» «إفعالا» . وعلى هذا القياس تقول: «قاتل» «قيتالا» وهو من كلام العرب. وقال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) بنصب (كل) ، وقد شغل الفعل بالهاء لأن ما قبله قد عمل فيه الفعل، فأجري عليه، وأعمل فيه فعل مضمر.
وقال تعالى: وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
[الآية ٤٠] فإن شئت جعلت التقدير «ينظر أيّ شيء قدّمت يداه» وتكون صفته (قدمت) وقال بعضهم:
«إنّما هو» ينظر إلى ما قدّمت يداه، فحذف «إلى» .
стр. 2599
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «النبأ» «١»
إن قيل: كيف اتصل قوله تعالى:
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) بما قبله؟
قلنا: لمّا كان النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه هو البعث والنشور، وكانوا ينكرونه، قيل لهم: ألم يخلق من وعد بالبعث والنشور هذه المخلوقات العظيمة العجيبة الدّالّة على كمال قدرته على البعث؟
فإن قيل: لو كان النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه ما ذكرتم لما قال الله تعالى: الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) :
لأنّ كفّار مكّة لم يختلفوا في أمر البعث، بل اتّفقوا على إنكاره؟
قلنا: كان فيهم من يقطع القول بإنكاره، وفيهم من يشكّ فيه ويتردّد فثبت الاختلاف لأنّ جهة الاختلاف لا تنحصر في الجزم بإثباته والجزم بنفيه.
الثاني: أنّ بعضهم صدّق به فآمن، وبعضهم كذّب به فبقي على كفره، فثبت الاختلاف بالنفي والإثبات.
الثالث: أن الضمير في يَتَساءَلُونَ وفي هُمْ عائد إلى الفريقين من المسلمين والمشركين وكلّهم كانوا يتساءلون عنه لعظم شأنه عندهم، فصدّق به المسلمون فأثبتوه، وكذّب به المشركون فنفوه.
فإن قيل: قوله تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) هو جزاء الشرط فأين الشرط و «شاء» وحده لا يصلح شرطا لأنه لا يفيد
стр. 2600
بدون ذكر مفعوله وإن كان المذكور هو الشرط، فأين الجزاء؟
قلنا: معناه فمن شاء النجاة من اليوم الموصوف، اتّخذ إلى ربّه مرجعا بطاعته. الثاني: أنّ معناه: فمن شاء أن يتّخذ إلى ربّه مآبا، كقوله تعالى:
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف/ ٢٩] أي فمن شاء الإيمان فليؤمن، ومن شاء الكفر فليكفر.
стр. 2601
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «النبأ» «١»
في قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) استعارتان. وقد مضى الكلام على الأولى منهما. أما معنى كون الجبال أوتادا، فلأنّ بها مساك الأرض وقوامها، واعتدالها وثباتها، كما يثبت البيت بأوتاده، والخباء على أعماده.
стр. 2602
سورة النّازعات ٧٩
стр. 2603
المبحث الأوّل أهداف سورة «النازعات» «١»
سورة النازعات سورة مكيّة، آياتها ٤٦ آية، نزلت بعد سورة النبأ.
وهي نموذج من نماذج هذا الجزء، لإشعار القلب البشريّ بحقيقة الآخرة، بهولها وضخامتها. وفي الطريق إلى ذلك تمهيد بمطلع غامض مثير، في إيقاع سريع [الآيات ١- ٥] . وعقب هذا المطلع الغامض الراجف الواجف، يجيء المشهد الأول من مشاهد ذلك اليوم في الآيات [٦- ١٤] . ثم يجري السياق في عرض حلقة من قصّة موسى (ع) مع فرعون، فيهدأ الإيقاع، ويسترخي شيئا مّا ليناسب جو الحكاية والعرض، وذلك في الآيات [١٥- ٢٦] .
ثمّ ينتقل الكلام من ساحة التاريخ إلى كتاب الكون المفتوح، ومشاهد الكون الهائلة، الشاهدة بالقوّة والتدبير، والتقدير للألوهيّة المنشئة للكون، المهيمنة على مصائره في الدنيا والآخرة، في تعبيرات قويّة الأثر، تأخذ بالألباب، وذلك في الآيات [٢٧- ٣٣] .
ثمّ يجيء مشهد الطّامّة الكبرى، وما يصاحبها من جزاء على ما كان في الحياة الدنيا، [الآيات ٣٤- ٤١] .
ثمّ يرتدّ الكلام إلى المكذّبين بهذه الساعة، الذين يسألون الرسول (ص) ، عن موعدها، يرتدّ إليهم بإيقاع يزيد من روعة الساعة وهولها وضخامتها، [الآيات ٤٢- ٤٦] .
стр. 2604
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٥] : أقسم الله تعالى بالملائكة، الذين ينزعون أرواح الكفار إغراقا، أي مبالغة في النزع وبالملائكة الذين يخرجون أرواح المؤمنين برفق، فيسبحون في إخراجها سبح الغواص، الذي يخرج الشيء من أعماق البحر، فيسبقون بأرواح الكفّار إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، أو يسبقون للإيمان أو للطاعة لأمر الله، فيدبّرون ما يوكل إليهم من الأمور.
وقيل: أقسم الله تعالى بالنجوم، تنزع في مداراتها وتتحرّك، وتنشط منتقلة من منزل إلى منزل، وتسبح سبحا في فضاء الله وهي معلّقة بهذا الفضاء، وتسبق سبقا في جريانها ودورانها، وتدبّر من النتائج والظواهر ما أوكله الله إليها، ممّا يؤثّر في حياة الأرض ومن عليها.
وقيل: النّازعات والنّاشطات والسّابحات والسّابقات هي النجوم والمدبّرات هي الملائكة. وجملة القول: أن هذه أوصاف لموصوفات، أقسم الله بها، لعظم شأنها وكل ما يصدق عليه الوصف، يصحّ أن يكون تفسيرا للآيات، وهذا من إعجاز القرآن الكريم.
[الآيات ٦- ٩] : اذكر يا محمّد يوم تضطرب الأرض، ويرتجف كل من عليها وتنشقّ السماء ويصعق كل من في السماوات ومن في الأرض إلّا من شاء الله وهذه هي الرّاجفة أو النفخة الأولى في الصور يتبع ذلك النفخة الثانية، التي يصحون عليها ويحشرون وهذه هي الرادفة «١» .
قلوب الكافرين تكون يوم القيامة شديدة الاضطراب، بادية الذّلّ، يجتمع عليها الخوف والانكسار، والرجفة والانهيار.
[الآيات ١٠- ١٤] : يقول الكافرون المنكرون للبعث: أصحيح أننا إذا متنا راجعون إلى الأرض أحياء كما كنّا؟
أنعود للحياة بعد تحلّل أجسادنا في التراب؟ إن صح هذا فهو الخسران
стр. 2605
الخالص، والرجعة الخاسرة، التي لم نحسب حسابها.
لا تستبعدوا ذلك أيّها الكافرون، فإنّما هي صحيحة واحدة ينفخ فيها إسرافيل (ع) في الصور، فإذا الناس جميعا أحياء على سطح أرض القيامة.
[الآيات ١٥- ٢٦] : تحكي هذه الآيات قصة موسى ﵇، وهي قصة تكررت في القرآن الكريم، لما لقيه موسى من شدّة المعاناة مع قومه، فأصبح نموذجا للصّبر والثبات. وفي الحديث الصحيح يقول النبي (ص) :
«يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا، فصبر» .
تقول الآيات:
وهل جاءك يا محمد خبر موسى وقصته العجيبة؟ حيث تفضّل الله عليه فناداه، وكلّمه من وراء حجاب، بالوادي المبارك من طور سيناء (طوى) «١» ، فقال له ما معناه: اذهب إلى فرعون فإنّه طغى وتجاوز الحد، فتلطّف معه في القول، وقل له: هل ترغب في أن تطهّر نفسك من الآثام التي انغمست فيها، وهل لك في الإيمان بالله، واستشعار الجلالة والجبروت وخشية عقاب الله وحسابه.
بيد أنّ هذا القول لم يفلح في هداية قلب الطاغية الجبار، فأظهر له موسى المعجزة الكبرى، وهي انقلاب العصا حية، وإخراج يده بيضاء بياضا ساطعا، يغلب ضوء الشمس. فأنكر فرعون رسالة موسى (ع) ، وعصى أمر ربّه، ثم أعرض عن موسى، وسعى في إيذائه، وحثّ الناس على مقاومة دعوته، ثم جمع السحرة الذين هم تحت إمرته وسلطانه، فقام فيهم يقول، كما ورد في التنزيل: فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) الذي لا يدانيه أحد في القوّة والعظمة، وما زال في عتوّه وتطاوله، حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر (بحر القلزم) عند خروجهم من مصر، فأغرق فيه هو وجنوده، تنكيلا به على ما صنع، وله في الآخرة عذاب السعير، وسيكون مثلا للأوّلين والآخرين. وفي قصة فرعون عبرة لمن له عقل يتدبّر به في عواقب الأمور، فيثوب إلى رشده ويتّقي ربه.
стр. 2606
[الآيات ٢٧- ٣٣] : يخاطب الله سبحانه منكري البعث، ويرشدهم إلى أنّ بعثهم هيّن على الله، بدليل ما يشاهدون من آثار قدرته في هذا الكون فيقول لهم ما معناه: هل أنتم أشدّ خلقا أم خلق السماء أصعب وأشقّ؟. إنكم لا تنازعون في أنّها أشدّ منكم خلقا، ومع ذلك لم نعجز عن إبداعها، فما الذي تستصعبونه من أمر بعثكم؟ والذي بنى السماء وأبدعها قادر على إعادتكم. قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) [غافر] .
لقد رفع الله (سمك) السماء أي بناءها وسمك كلّ شيء قامته وارتفاعه. والسماء مرفوعة في تناسق كامل، وتنسيق بين حركاتها وآثارها وتأثراتها، وقد جعل الله، سبحانه، ليلها مظلما بمغيب كواكبها، وأنار نهارها بظهور الضحى.
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) ، ودحو الأرض تميهدها، وبسط قشرتها بحيث تصبح صالحة للسير عليها، وتكوين تربة تصلح للإنبات: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) ، أي فجّر منها العيون والينابيع والأنهار، وأنبت فيها النبات، وثبّت الجبال في أماكنها وجعلها كالأوتاد، لئلّا تميد بأهلها، وتضطرب بهم: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) ، أي إنّما جعلنا ذلك كله ليتمتّع به الناس والأنعام. وليتنبّه الإنسان على عظمة التدبير والتقدير، فإنّ بناء السماء على هذا النحو، وإظلام الليل، وإضاءة النهار، وتمهيد الأرض، وإخراج النبات والماء، وإرساء الجبال لم يكن كلّ ذلك سدّى، وإنّما كان متاعا لكم ولأنعامكم.
وهذا المدبّر الحكيم سبحانه، وفّر لكم هذا الخير الكثير، لتتمتّعوا به ومن الحكمة والتدبير أن يكون هناك بعث وجزاء، لإثابة الطائع، ومعاقبة الطّغاة والعصاة.
[الآيات ٣٤- ٤١] : فإذا جاءت الداهية العظمى، التي تعلو على سائر الدواهي، وتشغل الإنسان عن ولده ونفسه، غطّت على كل شيء، وطمت على كل شيء. عندئذ يتذكّر الإنسان سعيه ويستحضره أمامه، حينما يرى
стр. 2607
أعماله مدوّنة في كتابه. وظهرت النار إلى مكان بارز، حتّى يراها كلّ ذي نظر، عندئذ تختلف المصائر والعواقب، فأمّا من تكبّر وعصى ربّه وجاوز حدّه، وآثر شهوات الحياة الدنيا على ثواب الآخرة، فالنّار مثواه ومستقرّه.
وأمّا من استحضر في قلبه دائما عظمة الله تعالى، ونهى النفس عمّا تهواه، وتميل إليه بحسب طبيعتها، فإنّ الجنّة ستكون له مستقرا ومقاما.
[الآيات ٤٢- ٤٦] : يسألك كفّار قريش والمتعنّتون من المشركين عن القيامة يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) : متى قيامها وظهورها؟
وأين موعدها؟
فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) : إنّها لأعظم من أن تسأل أو تسأل عن موعدها، فأمرها إلى ربّك، وهي من خاصّة شأنه، وليست من شأنك، إلى ربك ينتهي علم الساعة، فلا يعلم وقت قيامها غيره سبحانه، ولم يعط علمها لملك مكرّم، ولا لنبيّ مرسل. إنما أنت رسول مبعوث لتنذر من ينفعه الإنذار، وهو الذي يشعر قلبه بحقيقتها فيخشاها، ويعمل لها ويتوقعها.
وإذا جاءت الساعة، ورأوا أهوالها وحسابها وجزاءها، استهانوا بالدنيا ومتاعها وأعمارها، ورأوا الدنيا بالنسبة للآخرة قصيرة عاجلة، هزيلة ذاهبة، زهيدة تافهة.
وتنطوي الدنيا في نفوس أصحابها، فإذا هي عندهم عشية أو ضحاها فكأنما الدنيا ساعة من نهار، أفمن أجل ساعة من نهار، يضيّع الإنسان الجنّة والخلود في رضوانها؟
قال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) [الروم] أي أنّ الدنيا أو الحياة الفانية، ليست إلّا وقتا قصيرا بالنسبة للآخرة. قال تعالى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) [الأعلى] .
موضوعات سورة النازعات
١- إثبات البعث.
٢- مقالة المشركين في إنكاره، والردّ عليهم.
стр. 2608
٣- قصة موسى (ع) مع فرعون، وفيها عاقبة الطغاة.
٤- آيات الله في الآفاق.
٥- أهوال يوم القيامة.
٦- الناس في هذا اليوم فريقان:
سعداء وأشقياء. ٧- تساؤل المشركين عن الساعة وميقاتها.
٨- نهي الرسول (ص) عن البحث عنها.
٩- ذهول المشركين من شدّة الهول، والاستهانة بالدنيا حينما يرون الآخرة.
стр. 2609
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النازعات»
«١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة النازعات بعد سورة النبأ، ونزلت سورة النبأ بعد الإسراء وقبيل الهجرة فيكون نزول سورة النازعات في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وتبلغ آياتها ستا وأربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات البعث أيضا، فهي توافق سورة النبأ في الغرض المقصود منها، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.
إثبات البعث الآيات [١- ٤٦]
قال الله تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) فأقسم سبحانه، بما ذكره على أنهم سيبعثون وذكر جلّ شأنه أنه يوم ترجف الراجفة بعد بعثهم، تجفّ قلوبهم وتخشع أبصارهم ثم ذكر استبعادهم لبعثهم، وقولهم على سبيل الاستهزاء: إنه لو صح لكانت كرّتهم خاسرة، وأجاب بأنّ أمره لا يقتضي إلّا زجرة واحدة، فإذا هم بالساهرة أي (القيامة) ثم ذكر أن فرعون كذّب بهذا قبلهم، وكان أشدّ
стр. 2610
منهم، فأخذه بنكال الآخرة والأولى ثم ذكر أنهم ليسوا أشدّ خلقا من السماء وغيرها من خلقه حتى يعجز عن إعادتهم وأنه إذا جاء يوم القيامة يتذكّر كلّ إنسان ما عمله، وتكون الجحيم مأوى الطاغين، وتكون الجنة مأوى المتّقين ثم ذكر تعالى أنهم يسألون عن الساعة أيّان مرساها استهزاء بها، وأجاب بأنه لا يعلمها إلّا هو، وإنّما ينذر النبي (ص) بها من يخشاها:
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) .
стр. 2611
المبحث الثالث مكنونات سورة «النازعات»
«١» أخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح أنّه، بقوله:
١- وَالنَّازِعاتِ [الآية ١] ، ٢- ووَ النَّاشِطاتِ [الآية ٢] ، ٣- ووَ السَّابِحاتِ [الآية ٣] ، ٤- وفَالسَّابِقاتِ [الآية ٤] ، ٥- وفَالْمُدَبِّراتِ [الآية ٥] ، عنى الملائكة ٦- أما بقوله بِالسَّاهِرَةِ (١٤) ، فإن عثمان بن أبي العاتكة قال: إنه يعني بالسفح الذي بين جبل أريحا، وجبل حسان «٢» . أخرجه ابن أبي حاتم «٣» .
وقال وهب بن منبّه: هي بيت المقدس. أخرجه البيهقي في «البعث» «٤» .
وقال ابن عسكر:
قيل: هي أرض الشام «٥» .
وقيل: جبل بيت المقدس «٦» .
стр. 2612
٧- وقيل: هي جهنّم «١» .
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) .
هي قوله، كما ورد في التنزيل:
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) [القصص] .
قال عكرمة، وعبد الله بن عمرو:
قال، وكان بين الكلمتين «٢» أربعون سنة. أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 2613
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «النازعات»
«١» ١- وقال تعالى: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) .
والسّاهرة: الأرض البيضاء المستوية، سمّيت بذلك لأن السّراب يجري فيها.
وهذا من قولهم: عين ساهرة، جارية الماء، وفي ضدّها نائمة، قال الأشعث بن قيس: وساهرة يضحي السراب مجلّلا لأقطارها قد جبتها متلثّما ٢- وقال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) .
وقوله تعالى: الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) أي: الداهية التي تطمّ الدواهي، أي:
تعلو وتغلب.
أقول: والعبارة في الآية ممّا ورثناه في العربية المعاصرة.
стр. 2614
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «النازعات»
«١» قال تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) فأقسم، والله أعلم، على إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أو على: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) ، وَالنَّازِعاتِ [الآية ١] ، أو على وَالنَّازِعاتِ ل يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) فحذفت اللام وهو كما قال جل ذكره، وشاء أن يكون في هذا، وفي كلّ الأمور.
وقال تعالى: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً كأنه سبحانه أراد: «أنردّ إذا كنّا عظاما» .
وقال تعالى: إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) . فمن لم يصرفه «٢» جعله بلدة أو بقعة ومن صرفه «٣» جعله اسم واد أو مكان. وقال بعضهم: «لا بل هو مصروف وإنما يراد ب طُوىً (١٦) :
طوى من الليل، لأنّك تقول: «جئتك بعد طوى من الليل» ويقال «طوى» منوّنة مثل «الثّنى» وقال الشاعر «٤» [من
стр. 2615
البسيط وهو الشاهد السابع والسبعون بعد المائتين] :
ترى ثنانا إذا ما جاء بدأهم وبدأهم إن أتانا كان ثنيانا «٤» والثّنى: هو الشيء المثنيّ. وقال تعالى: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) . لأنّه حينما قال (أخذه) كأنه قال «نكّل له» فأخرج المصدر على ذلك. وتقول «والله لأصرمنّك تركا بيّنا» .
стр. 2616
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «النازعات»
«١» إن قيل: لم قال الله تعالى في الآيتين الأولى والثانية: وَالنَّازِعاتِ وَالنَّاشِطاتِ بلفظ التأنيث، وكذا ما بعده، والكلّ أوصاف الملائكة، والملائكة ليسوا إناثا؟
قلنا: هو قسم بطوائف الملائكة وفرقها، والطوائف والفرق مؤنثة.
فإن قيل: لم أضاف الله تعالى الأبصار إلى القلوب في قوله سبحانه:
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) ، أي ذليلة لمعاينة العذاب، والمراد بها الأعين بلا خلاف؟
قلنا: المراد أبصار أصحابها، بدليل قوله تعالى يَقُولُونَ [الآية ١٠] . فإن قيل: لم قال الله تعالى: فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) ، مع أن موسى ﵊ أراه الآيات كلّها، بدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ [طه/ ٥٦] وكلّ آية كبرى؟
قلنا: الإخبار في هذه الآية عن أوّل ملاقاته إيّاه، وإنّما أراه في أوّل ملاقاته العصا واليد، فأطلق عليهما الآية الكبرى لاتّحاد معناهما. وقيل أراد بالآية الكبرى العصا، لأنّها كانت المقدّمة، والأصل، والأخرى كالتّبع لها لأنه كان يتبعها بيده، فقيل له أدخل يدك في جيبك.
فإن قيل: لم أضاف الله تعالى الليل
стр. 2617
إلى السماء، بقوله جلّ وعلا: وَأَغْطَشَ لَيْلَها [الآية ٢٩] مع أن الليل إنّما يكون في الأرض لا في السماء؟
قلنا: أضافه إليها، لأنه أول ما يظهر عند غروب الشمس، إنّما يظهر من أفق السماء من موضع الغروب وأمّا قوله تعالى: وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) فالمراد به ضوء الشمس بدليل قوله تعالى:
وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) [الشمس] أي:
وضوئها، فلا إشكال في إضافته إليها.
стр. 2618
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «النازعات»
«١» في قوله سبحانه: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) استعارة: لأنّ المراد بالساهرة هاهنا، على ما قال المفسّرون، والله أعلم، الأرض.
قالوا إنما سمّيت ساهرة على مثال:
عيشة راضية، كأنه جاء على النسب: ذات السّهر وهي الأرض المخوفة. أي يسهر في ليلها، خوفا من طوارق شرّها.
وقيل أيضا: إنما سمّيت الأرض ساهرة لا تنام عن إنماء نباتها وزروعها فعملها في ذلك ليلا، كعملها فيها نهارا.
стр. 2619
سورة عبس ٨٠
стр. 2620
المبحث الأول أهداف سورة «عبس»
«١» سورة «عبس» سورة مكية، آياتها ٤٢ آية نزلت بعد سورة النجم وهي سورة تصحّح القيم الإنسانية، وتضع الأسس الإسلامية لأقدار الناس وأوزانهم، وتؤكّد أن قيمة الإنسان بعمله وسلوكه، ومقدار اتّباعه لهدى السماء قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات/ ١٣] .
وقد نزلت سورة عبس في عبد الله بن أمّ مكتوم، وأمّ مكتوم أمّ أبيه، وأبوه شريح بن مالك ربيعة الزهري.
«وذلك أنه أتى رسول الله (ص) ، وعنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم. فقال يا رسول الله أقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله، وكرّر ذلك وهو لا يعلم شغله بالقوم فكره رسول الله (ص) قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت فكان رسول الله (ص) بعد ذلك، يكرمه، ويقول:
إذا رآه، مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟
واستخلفه على المدينة مرتين» «٢» .
فقرات السورة
تعاتب الآيات الأولى النبي (ص) على إعراضه عن عبد الله بن أمّ مكتوم، وقد جاء يطلب الهدى،
стр. 2621
ويلحف في طلب العلم، [الآيات ١- ١٦] .
ويعالج المقطع الثاني جحود الإنسان، وكفره الفاحش لربّه، وهو يذكّره بمصدر وجوده وأصل نشأته، وتيسير حياته، وتولّي ربّه له في موته ونشره، ثمّ تقصير الإنسان بعد ذلك في أمر ربّه [الآيات ١٧- ٢٣] .
والمقطع الثالث يعالج توجيه القلب البشري إلى أمسّ الأشياء به، وهو طعامه وطعام حيوانه، وما وراء ذلك الطعام من تدبير الله وتقديره له:
[الآيات ٢٤- ٣٢] .
والمقطع الأخير يعرض الصّاخّة التي يشتد هولها، ويذهل الإنسان بها عمّا عداها، وتنقسم الوجوه إلى ضاحكة مستبشرة، وعابسة مغبرّة: [الآيات ٣٣- ٤٢] .
وتسكب السورة الإحساس بقدرة هذا الكتاب الخارقة على تغيير موازين الجاهلية، وتصحيح القيم، وتغيير المثل الأعلى، فبعد أن كان احترام الإنسان لجاهه أو ماله، أو منصبه ومركزه، أو مظاهر سطوته وجبروته وقوّته، أصبح المثل الأعلى في الإسلام طلب الحق والهدى، والتزام هدى السماء، ومراقبة الله والتزام أوامره، والعمل بأحكامه، وصدق الله العظيم: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات/ ١٣] . وتبين آية أخرى أن الله ﷻ يأمرنا بمكارم الأخلاق وينهانا عن المنكرات، فيقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [النحل] .
مع آيات السورة
[الآيتان ١ و ٢] : قطّب الرسول (ص) وجهه وأعرض، لأنّ الأعمى جاءه وقطع كلامه. وفي العدول عن الخطاب للغيبة التفات بلاغي، سرّه عدم توجيه اللوم والعتاب إلى الرسول (ص) . ثم التفت الى الخطاب بعد هاتين الآيتين، عند ما هدأت ثورة العتاب، وبدأ التلطّف.
[الآيتان ٣ و ٤] : وما يعلمك لعلّ هذا الرجل الأعمى الفقير يتطهر، ويتحقّق منه خير كبير، ويشرق قلبه بنور الايمان، فتنفعه الموعظة:
стр. 2622
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) [الزمر] .
[الآيات ٥- ٧] : أمّا من أظهر الاستغناء عنك وعن دينك، وعمّا عندك من الخير والإيمان، فأنت تتصدّى له، وتحفل بأمره، وأنت مبلّغ عن الله، عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولا يضيرك إعراضهم.
[الآيات ٨- ١٠] : وأمّا عبد الله بن أمّ مكتوم، الذي جاءك طائعا مختارا ساعيا يخشى ويتوفّى، فأنت تتشاغل عنه بهؤلاء الأشراف من قريش ثم تتصاعد نبرة العتاب لتبلغ حدّ الردع والزجر.
[الآيات ١١- ١٦] : (كلا) ، لا يكن ذلك أبدا.
إنّ هداية القرآن غالية عالية، فمن شاء اهتدى بها وتذكّر أحكامها، واتّعظ بها وعمل بموجبها. وهذا الوحي كريم على الله، كريم في كل اعتبار، منزّه عن النقص والضلالة، قد دوّن في صحف مكرّمة ذات شرف ورفعة، مطهّرة من النقائص والضلالات، تنزّل بواسطة الملائكة على الأنبياء، وهم يبلّغونها للناس. والملك سفير لتبليغ وحي السماء، والرسول سفير لتبليغ الدعوة إلى الناس، وهم كرام أبرار أطهار لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وقد بلّغ النبي الكريم وحي السماء، وغيّر كثيرا من المفاهيم السائدة، وجعل أسامة بن زيد أميرا على جيش به أجلّاء الصحابة، ووضع في نفوس أصحابه تقدير الناس بأعمالهم فقط لا بأحسابهم وأنسابهم يقول عمر بن الخطاب (رض) : «لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته» . ويقول عمر أيضا: «أبو بكر سيّدنا وأعتق سيّدنا» أي أنّ أبا بكر (رض) أعتق بلالا (رض) مؤذّن الرسول الأمين (ص) .
[الآيات ١٧- ٢٣] : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) دعاء على الكافر، فإنه ليستحقّ القتل على شدة كفره وجحوده، ونكرانه لنعم الله عليه، لماذا يتكبّر وهو مخلوق من أصل متواضع زهيد، يستمدّ كلّ قيمة من فضل الله ونعمته، ومن تقديره وتدبيره. لقد خلقه الله من نطفة، فمرّت النطفة بأطوار كثيرة، في بطن الأم، ومرّ هو
стр. 2623
بأطوار عدّة خارج بطنها، رضيعا فطفلا فشابّا فكهلا فشيخا. ثمّ يسّر الله له سبيل الهداية، ومنحه العقل والإرادة، ومكّنه من القدرة على الاختيار، وعرّفه عاقبة كلّ عمل ونتيجته قال تعالى:
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) [الإنسان] ، أي بيّنّا له الطريق ومنحناه القدرة على الاختيار، وبيّنا له سبيل الهدى والضلال، فإمّا أن يشكر ربه ويمتثل لأمره، وإمّا أن يكفر بنعمه ويخالف أمره حتّى إذا انتهت حياة الإنسان سلب الله روحه، ومنّ عليه بالموت وهو نعمة كبرى، ولولا الموت لأكل الناس بعضهم بعضا، ولضاقت الأرض بمن عليها. ومن نعم الله أن شرّع دفن الميت، وحفظه في باطن الأرض، حتّى لا يترك على ظهرها للجوارح والكواسر.
ومن نعم الله، أيضا، أن يبعث الموتى، وينشرهم ويخرجهم من قبورهم، لمكافأة الطائع ومعاقبة العاصي.
عجبا للإنسان الجاحد، فإنه بالرغم من النعم الظاهرة والباطنة، التي أحاطه الله تعالى بها، لم يمتثل ما أمره به.
[الآيات ٢٤- ٣٣] : فليتأمل الإنسان تدبير الله، لإمداده بأسباب الحياة والنموّ، ولينظر إلى ألصق شيء إليه، وألزم شيء له، وهو الطّعام، كيف يسّر الله الحصول عليه فقد أنزل له سبحانه المطر من السماء، فانتفعت به الأرض، وانشقّت عنه ثمانية أنواع من النبات هي:
١- الحبّ كالحنطة والشعير والأرزّ.
٢- العنب والفاكهة.
٣- القضب، وهو ما يؤكل من النبات رطبا وغضّا طريّا.
٤ و ٥- الزيتون والنخل، وفيهما من القيمة الغذائية الشيء الكثير، والبلح طعام الفقير وحلوى الغنيّ، وزاد المسافر والمقيم.
٦- بساتين ذات أشجار ضخمة مثمرة، وذات حوائط تحيط بها، غُلْباً (٣٠) جمع غلباء أي ضخمة عظيمة، ملتفّة الأشجار.
٧- وفاكهة يتمتّع الإنسان بأكلها، كالتّين والتّفّاح والخوخ وغيرها.
٨- والأبّ، أي مرعى الحيوان خاصة.
تلك قصّة الطّعام الذي أنبتته يد
стр. 2624
القدرة، ويسّرت لذلك المطر والرياح والشمس والهواء، وعديدا من العوامل والأسرار الخفيّة، حتّى قضيّة النبات، فيتمتّع بأكله الإنسان والحيوان.
[الآيات ٣٣- ٤٢] : فإذا جاءت القيامة التي تصخّ الآذان بسماع أهوالها، في ذلك اليوم يشتدّ الهول، وينشغل الإنسان بنفسه عن أقرب الناس إليه، ويفرّ من أخيه، وأمّه وأبيه، وزوجته وبنيه لقد اشتدّ الفزع النفسيّ ففرّ الإنسان ممّن يفديهم بنفسه في الدّار الدّنيا، وقد شغله خوف الحساب، ومشاهد القيامة، ومظهر البعث والحشر والجزاء، عن كلّ شيء.
في ذلك اليوم، ترى وجوها مستنيرة مشرقة، ترجو ثواب ربّها، مطمئنّة بما تستشعره من رضاه عنها وترى وجوها أخرى، يغشاها غبرة الحزن والحسرة، ويعلوها سواد الذلّ والانقباض، هؤلاء هم الذين جحدوا آيات ربّهم، ولم يؤمنوا بالله ورسله، وانتهكوا الحرمات، وتعدّوا حدود الله، فاستحقّوا كلمة العذاب.
مقاصد السورة
١- عتاب الرسول (ص) على ما حدث منه مع ابن أمّ مكتوم الأعمى.
٢- ذكر شرف القرآن، وبيان أنه موعظة لمن عقل وتدبّر.
٣- إقامة الأدلّة على وحدانية الله، بخلق الإنسان، والنظر في طعامه وشرابه.
٤- أهوال يوم القيامة.
٥- انقسام النّاس في الآخرة إلى سعداء وأشقياء.
стр. 2625
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «عبس» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «عبس» بعد سورة النجم، ونزلت سورة النجم فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة عبس في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) . وتبلغ آياتها اثنتين وأربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة، التسوية بين الناس في الدعوة، وكان عبد الله بن أمّ مكتوم أتى النبيّ (ص) وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام، فطلب منه أن يقرئه ويعلّمه ممّا علّمه الله، فعبس وأعرض عنه لقطعه كلامه، فنزلت هذه السورة عتابا له، وقد انتقل فيها من عتابه إلى سياق الترهيب والترغيب، فوافقت في هذا سياق سورة النازعات، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.
التسوية بين الناس في الدعوة الآيات [١- ٤٢]
قال الله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) فذكر سبحانه أن الرسول (ص) عبس للأعمى ولعلّه ينتفع بما يعظه به، وأنه تصدّى لمن استغنى فأبطره غناه وأطغاه وليس عليه
стр. 2626
شيء من أمره، وأعرض عمّن سعى إليه وهو يخشى ربه، ثمّ زجره عن العود إليه لأنه ليس عليه إلّا أن يبلّغ ويذكّر فمن شاء أن يتذكّر ذكره في صحف مكرّمة، ومن لم يشأ ذلك فلا قيمة له، وإن بلغ في الغنى ما بلغ. ثمّ عجب ممّن كفر من أولئك الصناديد واغترّ بغناه وهو لا يدري أنه خلقه من نطفة قذرة، فقدّره ويسّر له الخروج من الرّحم، ثمّ أماته فأقبره وصيّره إلى جيفة مذرة، ثمّ إذا شاء أنشره، وحاسبه على طغيانه وتكبّره فما أحقّه أن يرتدع عن ذلك، وهو لمّا يقض شيئا ممّا أمره ثم أمر الواحد منهم أن ينظر إلى طعامه الذي أبطره، فإنّه لم يحصل إلّا بعد أن صبّ الله المطر وشقّ الأرض، فأنبت فيها حبّا وعنبا وغيرهما، ممّا هو متاع لهم ولأنعامهم فإذا جاءت الصّاخّة (القيامة) ، يوم يفرّ المرء من أهله الذين كان يعتزّ بهم في دنياه، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
(٤٢) .
стр. 2627
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «عبس» «١»
أقول: وجه وضعها عقب النازعات مع تآخيهما في المقطع، لقوله تعالى هناك: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ [النازعات/ ٣٤] . وقوله سبحانه هنا: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) . وهما من أسماء يوم القيامة «٢» .
стр. 2628
المبحث الرابع مكنونات سورة «عبس» «١»
١- الْأَعْمى (٢) .
هو عبد الله بن أم مكتوم، كما أخرجه التّرمذي والحاكم عن عائشة ﵂ «٢» .
٢- أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) .
هو أميّة بن خلف. أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة وعن مجاهد.
وأخرج من وجه آخر عن مجاهد:
أنه عتبة بن ربيعة «٣» .
وأخرج من طريق العوفي، عن ابن عبّاس: أنّه عتبة، وأبو جهل، والعبّاس بن عبد المطلب «٤» .
стр. 2629
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «عبس» «١»
١- وقال تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) .
والأبّ المرعى لأنه يؤبّ، أي: يؤمّ وينتجع.
قال الزمخشري: «٢» وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سئل عن الأبّ فقال: أيّ سماء تظلّني، وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به؟
وعن عمر ﵁ أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبّ؟
ثم رفض عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلّف، وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأبّ، ثم قال: اتبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب، وما لا، فدعوه.
فإن قلت: فهذا يشبه النهي عن تتبّع معاني القرآن، والبحث عن مشكلاته.
قلت: لم يذهب إلى ذلك، ولكنّ القوم أكبر همتهم عاكفة على العمل، ولكن التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلّفا عندهم، فأراد أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه، واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أنّ الأبّ بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له، أو لأنعامه فعليك بما هو أهم، من النهوض بالشكر لله على ما تبيّن لك، ولم يشكل، ممّا عدّد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأبّ، ومعرفة النبات الخاص الذي هو
стр. 2630
اسم له، واكتف بالمعرفة الجمليّة إلى أن يتبيّن لك في غير هذا الوقت.
٢- وقال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) .
وصفت النفخة ب «الصّاخّة» مجازا لأن الناس يصخّون لها أي: يصيخون.
وهذا من باب أن المضاعف والأجوف من مادة واحدة، ولعل المضاعف أصل.