← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

شيء من أمره، وأعرض عمّن سعى إليه وهو يخشى ربه، ثمّ زجره عن العود إليه لأنه ليس عليه إلّا أن يبلّغ ويذكّر فمن شاء أن يتذكّر ذكره في صحف مكرّمة، ومن لم يشأ ذلك فلا قيمة له، وإن بلغ في الغنى ما بلغ. ثمّ عجب ممّن كفر من أولئك الصناديد واغترّ بغناه وهو لا يدري أنه خلقه من نطفة قذرة، فقدّره ويسّر له الخروج من الرّحم، ثمّ أماته فأقبره وصيّره إلى جيفة مذرة، ثمّ إذا شاء أنشره، وحاسبه على طغيانه وتكبّره فما أحقّه أن يرتدع عن ذلك، وهو لمّا يقض شيئا ممّا أمره ثم أمر الواحد منهم أن ينظر إلى طعامه الذي أبطره، فإنّه لم يحصل إلّا بعد أن صبّ الله المطر وشقّ الأرض، فأنبت فيها حبّا وعنبا وغيرهما، ممّا هو متاع لهم ولأنعامهم فإذا جاءت الصّاخّة (القيامة) ، يوم يفرّ المرء من أهله الذين كان يعتزّ بهم في دنياه، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) .

стр. 2627

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «عبس» «١» أقول: وجه وضعها عقب النازعات مع تآخيهما في المقطع، لقوله تعالى هناك: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ [النازعات/ ٣٤] . وقوله سبحانه هنا: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) . وهما من أسماء يوم القيامة «٢» .

стр. 2628

المبحث الرابع مكنونات سورة «عبس» «١» ١- الْأَعْمى (٢) . هو عبد الله بن أم مكتوم، كما أخرجه التّرمذي والحاكم عن عائشة ﵂ «٢» . ٢- أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) . هو أميّة بن خلف. أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة وعن مجاهد. وأخرج من وجه آخر عن مجاهد: أنه عتبة بن ربيعة «٣» . وأخرج من طريق العوفي، عن ابن عبّاس: أنّه عتبة، وأبو جهل، والعبّاس بن عبد المطلب «٤» .

стр. 2629

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «عبس» «١» ١- وقال تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) . والأبّ المرعى لأنه يؤبّ، أي: يؤمّ وينتجع. قال الزمخشري: «٢» وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سئل عن الأبّ فقال: أيّ سماء تظلّني، وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به؟ وعن عمر ﵁ أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبّ؟ ثم رفض عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلّف، وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأبّ، ثم قال: اتبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب، وما لا، فدعوه. فإن قلت: فهذا يشبه النهي عن تتبّع معاني القرآن، والبحث عن مشكلاته. قلت: لم يذهب إلى ذلك، ولكنّ القوم أكبر همتهم عاكفة على العمل، ولكن التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلّفا عندهم، فأراد أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه، واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أنّ الأبّ بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له، أو لأنعامه فعليك بما هو أهم، من النهوض بالشكر لله على ما تبيّن لك، ولم يشكل، ممّا عدّد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأبّ، ومعرفة النبات الخاص الذي هو

стр. 2630

اسم له، واكتف بالمعرفة الجمليّة إلى أن يتبيّن لك في غير هذا الوقت. ٢- وقال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) . وصفت النفخة ب «الصّاخّة» مجازا لأن الناس يصخّون لها أي: يصيخون. وهذا من باب أن المضاعف والأجوف من مادة واحدة، ولعل المضاعف أصل.

стр. 2631

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «عبس» «١» قال تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) وواحدهم «السّافر» مثل «الكافر» و «الكفرة» . وقال سبحانه: كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) وواحدهم «البارّ» و «البررة» جماعة «الأبرار» . وقال تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) معناه على وجهين: قال بعضهم: «على التعجّب» ، وقال بعضهم: «أيّ شيء أكفره» ؟ قال تعالى: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) تقول «الطريق هداه» أي: «هداه الطريق» .

стр. 2632

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «عبس» «١» إن قيل: لم قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) ثم قال : فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) ، ولم يقل «ذكرها» ؟ قلنا: الضمير المؤنث لآيات القرآن أو لهذه السورة، والضمير في قوله تعالى ذَكَرَهُ (١٢) راجع إلى القرآن. وقيل راجع إلى معنى التذكرة وهو الوعظ والتذكير لا إلى لفظها. فإن قيل: في قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ هذه الآية وقال: كل هذا قد عرفناه فما الأبّ؟ ثم قال: هذا لعمر الله التكلّف، وما عليك يا عمر أن لا تدري ما الأبّ، ثم قال: اتّبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب، وما لا، فدعوه وهذا شبيه النهي عن تتبّع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته؟ قلنا: لم يرد بقوله ما ذكرت، ولكنّ الصحابة ﵃ كانت أكثر هممهم عاكفة على العمل وكان الاشتغال بعلم لا يعمل به تكلّفا عندهم فأراد أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه، واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أن الأبّ بعض ما أنبته الله تعالى للإنسان متاعا له ولأنعامه، فكأنه قال: عليك بما هو الأهم، فالأهم، وهو الشكر على ما تبيّن لك ولم يشكل، ممّا عدد من نعمه تعالى، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأبّ معرفة النبات الخاص، واكتف بمعرفته منه جملة إلى

стр. 2633

أن يتبين لك في وقت آخر. وعن أبي بكر الصّدّيق ﵁، أنه سئل عن الأبّ فقال: أيّ سماه تظلّني وأيّ أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله بما لا علم لي به. وأكثر المفسّرين قالوا: الأبّ كل ما ترعاه البهائم.

стр. 2634

سورة التّكوير ٨١

стр. 2635

المبحث الأول أهداف سورة «التكوير» «١» سورة التكوير سورة مكية. آياتها ٢٩ آية نزلت بعد سورة المسد، وتشتمل على ثروة ضخمة من المشاهد، حينما تنتهي الحياة، ويختلّ نظامها، وينفرط عقد الكون، وتتناثر أجزاؤه، ويذهب عنه التماسك الموزون، والحركة المضبوطة، والصنعة المتينة. والسورة تشتمل على مقطعين اثنين، تعالج في كل مقطع منهما تقرير حقيقة ضخمة من حقائق العقيدة. الأولى: حقيقة القيامة، وما يصاحبها من انقلاب كونيّ هائل كامل، يشمل الشمس والنجوم، والجبال والبحار، والأرض والسماء، والأنعام والوحوش، كما يشمل بني الإنسان. والثانية: حقيقة الوحي، وما يتعلّق به من صفة الملك الذي يحمله، وصفة النبي (ص) الذي يتلقّاه، ثمّ شأن المخاطبين بهذا الوحي معه، ومع المشيئة الكبرى التي فطرتهم، وأنزلت لهم الوحي. مع آيات السورة بدأ سبحانه هذه السورة الكريمة بذكر يوم القيامة، وما يكون فيه من أحداث هائلة وحينما تقع هذه الأحداث تعلم كل نفس ما قدّمت من عمل، خيرا كان أو شرا. [الآية ١] : إذا كورت الشمس وسقطت وتدهورت، وانطفأت شعلتها، وانكمشت ألسنتها الملتهبة، وذهب ضوؤها، واختلّ نظام الكون.

стр. 2636

[الآية ٢] : وإذا تناثرت النجوم، وأظلم نورها، وذهب لألاؤها. [الآية ٣] : وإذا انفصلت الجبال عن الأرض، وسارت في الجوّ كما يسير السحاب، وتبع ذلك نسفها وبسّها وتذريتها في الهواء، كما جاء في سور أخرى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) [طه] . [الآية ٤] : وإذا تركت العشار وأهملت، و (العشار) : هي النوق الحبالى في شهرها العاشر، وهي أجود ما يملكه العربي وأثمنه فإذا انشغل الناس عنها بأهوال القيامة عطّلت وأهملت. [الآية ٥] : وإذا اجتمعت الوحوش الكاسرة، ذليلة هادئة قد نسيت غريزتها، مضت هائمة على وجوهها لا تأوي إلى جحورها، ولا تنطلق وراء فرائسها، وقد حشرها هول الموقف ذاهلة متغيّرة الطباع، فكيف بالناس في ذلك اليوم العصيب؟ [الآية ٦] : وإذا التهبت البحار وامتلأت نارا، أو فجّرت الزلازل ما بينها حتى اختلطت وعادت بحرا واحدا. [الآية ٧] : وإذا اقترنت الأرواح بأبدانها، أو إذا قرن كلّ شبيه بشبيهه، وضمّت كلّ جماعة من الأرواح المتجانسة في مجموعة. [الآيتان ٨ و ٩] : وإذا سئلت الموؤدة بين يدي قاتلها عن الذنب الذي قتلت به، ليكون جوابها أشدّ وقعا على الوائد، فإنها ستجيب أنها قتلت بلا ذنب جنته. وكان الوأد عند العرب الجاهليين يجري بصورة قاسية، إذ كانت تدفن البنت حية، أو تجلس المرأة عند المخاض فوق بئر محفورة فإذا كان المولود بنتا، رمت بها فيها وردمتها وإن كان ذكرا، قامت به معها وبعضهم كان إذا عزم على استبقاء ابنته، فإنه يمسكها إلى أن تقدر على الرعي، ثمّ يلبسها جبة من صوف أو شعر، ويرسلها الى البادية ترعى له إبله فلمّا جاء الإسلام سما بالمرأة وكرّمها، وليدة، وناشئة، وزوجة، وأمّا. حرّم وأد البنات، وشفع ذلك بالتشنيع على من يفعله، قال تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) [النحل] [الآية ١٠] :.

стр. 2637

وإذا نشرت صحف الأعمال، وكشفت وعرفت، فلم تعد مستورة بل صارت منشورة مشهورة. [الآية ١١] : وإذا السماء كشطت وأزيلت، فلم يبق غطاء ولا سماء. [الآيتان ١٢ و ١٣] : وإذا أوقدت النار، واشتد لهيبها، ووهجها وحرارتها وإذا أدنيت الجنّة من المتقين، تكريما وإيناسا لهم. [الآية ١٤] : عند ما تقع هذه الأحداث الهائلة في كيان الكون، وفي أحوال الأحياء والأشياء، تعلم كل نفس ما قدّمت من خير أو شر، وما تزوّدت به لهذا اليوم وما حملت معها للعرض، وما أحضرت للحساب. وهي لا تستطيع أن تغيّر فيه ولا أن تبدّل، فالدنيا عمل ولا حساب، والآخرة حساب ولا عمل. وهنا ينتهي المقطع الأول من السورة، وقد امتلأ الحس، وفاض، بمشاهد اليوم الذي يحصل فيه هذا الانقلاب. المقطع الثاني بعد أن ذكرت السورة من أحوال القيامة وأهوالها ما ذكرت، أتبعت ذلك ببيان أن ما يحدّثهم به الرسول (ص) ، هو القرآن الذي أنزل عليه وهو آيات بيّنات من الهدى وأنّ ما رميتموه به من المعايب كقولكم: إنه ساحر أو مجنون، أو كذّاب، أو شاعر، ما هو إلّا محض افتراء. [الآيتان ١٥ و ١٦] : يقسم الله تعالى قسما مؤكدا بالكواكب، بِالْخُنَّسِ (١٥) : التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية، الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) : التي تجري وتعود الى أماكنها. [الآية ١٧] : والليل إذا أدبر وولّى، وزالت ظلمته، أو إذا أقبل ظلامه. [الآية ١٨] : والصبح إذا أسفر، وظهر نوره، وفي ذلك بشرى للأنفس، بحياة جديدة في نهار جديد ومن الجمال في هذا التعبير إضفاء الحياة على النهار والوليد فإذا الصبح حيّ ينتفس. «وأكاد اجزم أن اللغة العربية لا تحتوي نظيرا لهذا التعبير عن الصبح: رؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتّح

стр. 2638

أنه بالفعل يتنفّس، ثم يجيء هذا التعبير، فيصوّر هذه الحقيقة التي يشعر بها» «١» . [الآيات ١٩- ٢٢] : وجواب القسم: أنّ هذا القرآن، وهذا الوصف لليوم الآخر إنما هو قول رسول كريم، وهو جبريل (ع) الذي حمل هذا القول وأبلغه، فصار قوله باعتبار تبليغه. ويذكر صفة هذا الرسول الذي اختير لحمل هذا القول وإبلاغه، فينعته بخمسة أوصاف هي: ١- كَرِيمٍ (١٩) أي عزيز على ربّه. ٢- ذِي قُوَّةٍ [الآية ٢٠] في الحفظ والبعد عن النسيان والخطأ. ٣- عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) أي ذي جاه ومنزلة عند ربّه. ٤- مُطاعٍ ثَمَّ [الآية ٢١] أي هناك في الملأ الأعلى، عند الله في ملائكته المقرّبين فهم يصدرون عن أمره ويرجعون اليه. ٥- أَمِينٍ (٢١) على وحي ربّه ورسالاته، قد عصمه تعالى من الخيانة فيما يأمره به، وجنّبه الزلل فيما يقوم به من الأعمال. هذه صفة الرسول المبلّغ وهو جبريل ﵇، أمّا الرسول الذي حمله إليكم وخاطبكم بالقرآن، فهو صاحبكم الذي عرفتموه حق المعرفة عمرا طويلا، وعرفتم عنه الصدق والأمانة، وليس مجنونا كما تدّعون. [الآية ٢٣] : ولقد رأى سيدنا محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، جبريل ﵇، وهو بالأفق الأعلى، عند سدرة المنتهى بالأفق المبين، أي رآه رؤية واضحة عند الأفق الواضح. [الآية ٢٤] : وليس محمد (ص) بالمتّهم على القرآن، وما فيه من قصص وأنباء وأحكام بل هو ثقة أمين لا يأتي به من عند نفسه، ولا يبدّل منه حرفا بحرف، ولا معنى بمعنى، إذ لم يعرف عنه الكذب في ماضي حياته، فهو غير متّهم في ما يحكيه عن رؤية جبريل (ع) ، وسماع الشرائع منه. [الآية ٢٥] : وليس القرآن قول شيطان، ألقاه على لسان محمد (ص) حين خالط عقله كما تزعمون، فالشياطين لا توحي بهذا النهج القويم.

стр. 2639

[الآية ٢٦] : ثم يسألهم مستنكرا: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) ؟ أي: فأيّ سبيل تسلكونها، وقد سدّت عليكم السبل، وأحاط بكم الحق من جميع جوانبكم، وبطلت مفترياتكم فلم يبق لكم سبيل تستطيعون الهرب منها. [الآية ٢٧] : ثم بيّن حقيقة القرآن، فقال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) ، أي ليس القرآن إلّا عظة للخلق كافّة، يتذكّرون بها ما غرز في طباعهم من حبّ الخير، وهو ذكر يستحضرهم حقيقة نشأتهم، وحقيقة وجودهم، وحقيقة الكون من حولهم، وهو أعظم عظة للعالمين جميعا. [الآيتان ٢٨ و ٢٩] : وإنّ على مشيئة المكلّف تتوقّف الهداية، فمن أراد الحق واتّجه بقلبه إلى الطريق القويم، هداه الله إليه ويسّر له أمره، وأمدّه بالعون والتوفيق. وبذلك يستقرّ في قلب كل إنسان، أنّ مشيئته طرف وخيط، راجع في أصله إلى مشيئة الله الكبرى، وإرادته المطلقة، فليلجأ كل إنسان إلى ساحة مولاه، وإلى عناية خالقه، فعنده سبحانه العون والتوفيق، والهدى والسداد: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) . موضوعات السورة ١- وصف أهوال القيامة. ٢- القسم بالنجوم وبالليل وبالصبح، على أنّ القرآن منزل من عند الله، بواسطة ملائكته. ٣- إثبات نبوّة محمد (ص) . ٤- بيان أن القرآن عظة وذكر، لمن أراد الهداية. ٥- مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، وليس لها استقلال بالعمل.

стр. 2640

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التكوير» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة التّكوير بعد سورة المسد، ونزلت سورة المسد بعد سورة الفاتحة، ونزلت سورة الفاتحة فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة التكوير في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وتبلغ آياتها تسعا وعشرين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة: إثبات الحساب على الأعمال، وما يتبع هذا من ثواب وعقاب وبهذا يكون سياقها أيضا في الترهيب والترغيب، ويكون ذكرها بعد السورة السابقة، لموافقتها لها في هذا السياق. إثبات الحساب على الأعمال الآيات [١- ٢٩] ذكر تعالى أنه إذا حصل تكوير الشمس، وما ذكره بعد التكوير مما يكون يوم القيامة، تعلم كل نفس ما أحضرت من خير أو شرّ، فتحاسب عليه وهو حاضر أمامها ثم أقسم سبحانه بالنجوم الخنّس وما ذكر معها، على أن أمر هذا الحساب قول رسول كريم هو «جبريل» (ع) وذكر أن صاحبهم محمدا (ص) ليس بمجنون،

стр. 2641

وأنه رأى «جبريل» بالأفق المبين، وأنه غير متّهم في ما أخبرهم به من ذلك الحساب، وأن ما أخبرهم به منه ليس بقول شيطان رجيم، فأين يذهبون مع هذا كلّه عنه ثم ذكر سبحانه أنّ هذا ليس إلّا تذكرة وهداية لمن شاء منهم أن يستقيم: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) .

стр. 2642

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التكوير» «١» أقول: لمّا ذكر في عبس: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) ، ذكر يوم القيامة كأنه رأي العين. وفي الحديث: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) [الانفطار] . وإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) [الانشقاق] «٢» .

стр. 2643

المبحث الرابع مكنونات سورة «التكوير» «١» ١- بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) . أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب (ع) قال: هي خمسة أنجم: زحل، وعطارد، والمشتري، وبهرام «٢» ، والزهرة ليس في الكواكب شيء يقطع المجرة غيرها. وأخرج عن ابن مسعود قال: هي بقر الوحش. وعن سعيد بن جبير قال: هي الظّباء «٣» . ٢- إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) . قال الضّحّاك، والرّبيع، والسّدّي، وغيرهم: جبريل (ع) أخرجه ابن أبي حاتم «٤» . وقال آخرون: هو محمد (ص) .

стр. 2644

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «التكوير» «١» ١- وقال تعالى: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) . وقرئ بالتخفيف: سجرت، وهو من سجر التنور إذا ملأته حطبا، والمعنى: وإذا البحار ملئت، وفجّر بعضها إلى بعض، حتى تعود بحرا واحدا. ٢- وقال تعالى: وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) . وقرأ ابن مسعود: قشطت، واعتقاب الكاف والقاف كثير. والمعنى كشفت وأزيلت. أقول: والفعل مما نعرف الآن في العامية الدارجة، وليس في الفصيحة المعاصرة. - وقال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) . وعسعس الليل، وسعسع، إذا أدبر.

стр. 2645

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «التكوير» «١» قال تعالى: وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) ، واحدتها «العشراء» مثل «النفساء» و «النفاس» للجميع. قال الشاعر «٢» : [من الرجز، وهو الشاهد الثامن والسبعون بعد المائتين] : ربّ شريب لك ذي حساس ... ريّان يمشي مشية النّفاس ويقال: «النّفاس» . وقال تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) «وأده» «يئده» «وأدا» مثل «وعده» «يعده» «وعدا» العين نحو الهمزة. وقال تعالى: سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وقرأ بعضهم (سألت) «٣» هي. وقال تعالى: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) لأنّ حرّها شدّد عليهم. وقرأ

стр. 2646

بعضهم «١» سُعِّرَتْ (١٢) خفيفة (سعرت) «٢» . وقال تعالى: الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) فواحدها «كانس» والجمع «كنّس» كما تقول: «عاطل» و «عطّل» . وقال تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) «٣» : «أي: ببخيل» وقرأ بعضهم (بظنين) «٤» أي: بمتّهم لأن بعض العرب يقول «ظننت زيدا» ف «هو ظنين» أي: اتّهمته ف «هو متّهم» . وقرأ بعضهم سُجِّرَتْ «٥» وخفّفها بعضهم «٦» ، واحتج ب وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) [الطور] والوجه التثقيل لأن ذلك إذا كسر جاء على هذا المثال يقال «قطّعوا» و «قتّلوا» ولا يقال للواحد «قطّع» يعني يده ولا «قتّل» .

стр. 2647

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «التكوير» «١» إن قيل: لم قال الله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) والسؤال إنما يحسن للقاتل لا للمقتول؟ قلنا: إنّما سؤالها لتبكيت قاتلها، وتوبيخه بما تقوله من الجواب، فإنّها تقول: قتلت بغير ذنب ونظيره في التبكيت والتوبيخ قوله تعالى لعيسى ﵇: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي [المائدة/ ١١٦] حتى قال، كما ورد في التنزيل: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة ١١٦] . فإن قيل: لم قال الله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) فأثبت العلم لنفس واحدة، مع أن كل نفس تعلم ما أحضرت يوم القيامة، بدليل قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [آل عمران ٣٠] ؟ قلنا: هذا ممّا أريد به عكس مدلوله، ومثله كثير في كلام الله تعالى وكلام العرب، كقوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) فإنّ ربّ هنا بمعنى كم للتكثير، وقوله تعالى حكاية عن موسى (ع) لقومه: وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصف/ ٥] وقول الشاعر: قد أترك القرن مصفرّا أنامله كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد «٢»

стр. 2648

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «التكوير» «١» قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) استعارة. والمراد، والله أعلم، أنها سئلت، لا لاستخراج الجواب منها، ولكن لاستخراج الجواب من قاتلها. ويكون ذلك على جهة التوبيخ للقاتل إذ قتل من لا يعرب عن نفسه، ولم يأت ذنبا يؤخذ بجريرته. وقيل معنى سئلت أي طلب بدمها، كما يقول القائل: سألت فلانا حقّي عليه، أي طالبته به. وإنّما سميت موؤودة للثّقل الذي يلقّى عليها من التراب، وتقول: آدني هذا الأمر أي أثقلني. ومنه قوله تعالى: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة/ ١٥٥] أي لا يثقله ذلك، كما يثقل أحدنا في الشاهد حفظ المتشعّبات وضبط المنتشرات. وفي قوله سبحانه: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) استعارتان، فهما جميعا في صفة النجوم. فأمّا الخنّس فالمراد بها التي تخنس نهارا، وتطلع ليلا. والخنّس جمع خانس، وهو الذي يقبع ويستسرّ، ويخفى ويستتر. وأمّا الكنّس فجمع كانس، وهو أيضا المتواري المستخفي، مشبّها بانضمام الوحشية إلى كناسها، وهو الموضع الذي تأوي إليه من ظلال شجر، وألفاف ثمر، وجمعه كنّس. فشبه سبحانه انقباع النجوم في بروجها، بتواري الوحوش في كنسها. وقوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨)

стр. 2649

وهذه من الاستعارات العجيبة. والتنفّس هاهنا عبارة عن خروج ضوء الصبح من عموم غسق الليل. فكأنّه متنفّس من كرب، أو متروّح من همّ. ومن ذلك قولهم: قد نفّس عن فلان الخناق. أي انجلى كربه، وانفسح قلبه. وقد يجوز أن يكون معنى إِذا تَنَفَّسَ أي إذا انشقّ وانصدع. من قولهم تنفّس الإناء إذا انشقّ، وتنفّست القوس إذا انصدعت. وهذا التأويل يخرج اللفظ من باب الاستعارة. وقد استقصينا الكلام على هذا المعنى، في كتابنا الكبير عند موضع اقتضى ذكره.

стр. 2650

سورة الانفطار ٨٢

стр. 2651

المبحث الأول أهداف سورة «الانفطار» «١» سورة «الانفطار» سورة مكية، وآياتها ١٩، نزلت بعد «النازعات» . وقد بدأت سورة «الانفطار» ، مثل سورة «التكوير» ، بالحديث عن أهوال القيامة، لكنّها تحدثت عنها بأسلوب مختصر، وإيقاع هادئ عميق، ويمكن تقسيم السورة الى ثلاث فقرات: الفقرة الأولى من بداية السورة إلى الآية الخامسة: وتتحدّث عن انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرة القبور كحالات مصاحبة لعلم كل نفس بما قدّمت وأخّرت، في ذلك اليوم الخطير. والفقرة الثانية من الآية ٦ إلى الآية ٨: وتبدأ بلمسة العتاب المبطّنة بالوعيد، لهذا الإنسان الذي يتلقّى من ربّه فيوض النعمة في ذاته وخلقته، ولكنّه لا يعرف للنعمة حقّها، لا يعرف لربّه قدره، ولا يشكره على الفضل والنعمة والكرامة. والفقرة الثالثة من الآية ٩ إلى الآية ١٩: تقرّر علة هذا الجحود والنكران، فهي التكذيب بالدين، أي بالحساب، وعن هذا التكذيب ينشأ كل سوء وكل جحود ومن ثمّ تؤكد هذا الحساب توكيدا، وتؤكّد عاقبته وجزاءه المحتوم، وتصوّر ضخامة يوم الحساب وهوله، وتجرّد النفوس من كل حول فيه، وتفرّد الله سبحانه بأمره الجليل. مع آيات السورة تبدأ السورة بتصوير نهاية العالم

стр. 2652

واختلال نظامه، وانفراط عقده، ويتمثّل ذلك في أمرين علويين وأمرين سفليين. أمّا الأمران العلويان، فهما انفطار السماء وانتثار الكواكب وأمّا الأمران السفليان، فهما تفجير البحار وبعثرة القبور. [الآية ١] : إذا انشقت السماء وتغيّر نظامها، فلم يبق نظام الكواكب على ما نرى، وهذا عند خراب العالم بأسره، قال تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) [الفرقان] . [الآية ٢] : وفي هذا اليوم تتساقط الكواكب وتتفرّق وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) ، أي تساقطت متفرّقة، والكواكب تجري الآن في أفلاكها بسرعات هائلة، وهي ممسكة في داخل مداراتها لا تتعدّاها، فإذا انشقّت السماء تبع ذلك سقوط الكواكب وانتثارها، وذهابها في الفضاء بددا، كما تذهب الذرّة التي تنفلت من عقالها. [الآية ٣] : وفي هذا اليوم تزول الحواجز بين البحار، فيختلط العذاب بالملح، وتغمر البحار اليابسة، وتطغى على الأنهار، كما يحتمل أن يكون تفجيرها تحويل مائها إلى عنصريه: الأوكسجين والهيدروجين. [الآية ٤] : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) أي أثيرت وقلب أعلاها أسفلها، وباطنها ظاهرها، ليخرج من فيها من الموتى أحياء للحساب والجزاء. [الآية ٥] : عند حدوث كل هذه الظواهر، تعلم كل نفس ما قدّمت من الطاعات، وما أخّرت من الميراث. [الآيات ٦- ٨] : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) أي شيء خدعك حتّى ضيّعت ما أوجب عليك ربّك، وصرت تقصّر في حقّه، وتتهاون في أمره، ويسوء أدبك في جانبه، وهو ربّك الكريم الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبرّه، فخلقك سويّا، معتدل القامة، متناسب الخلق، من غير تفاوت فيه، «فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود» » . فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) أي

стр. 2653

ركّبك في صورة هي من أعجب الصور وأتقنها وأحكمها، وقد كان قادرا أن يركّبك في أيّ صورة أخرى يشاؤها، فاختار لك هذه الصورة السويّة المعتدلة الجميلة. وإنّ الإنسان لمخلوق جميل التكوين، سويّ الخلقة، معتدل التصميم وإنّ عجائب الإبداع في خلقه، لأضخم من إدراكه هو، وأعجب من كل ما يراه حوله وأنّ الجمال والاعتدال ليظهر في تكوينه الجسدي، وفي تكوينه العقلي، وفي تكوينه الروحي سواء، وهي تتناسق في كيانه بجمال واستواء. وهناك مؤلّفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنساني العضوي، ودقّته وإحكامه وتؤكّد جلال القدرة المبدعة، التي أبدعت خلق الإنسان في أحسن تقويم، ويسّرت خلقه من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغة، ثمّ سوّته خلقا كاملا فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون/ ١٤] . «وهذه الأجهزة العامّة لتكوين الإنسان الجسدي.. الجهاز العظمى، والجهاز العضلي، والجهاز الجلدي، والجهاز الهضمي، والجهاز الدموي، والجهاز التنفّسي، والجهاز التناسلي، والجهاز اللمفاوي، والجهاز العصبي، والجهاز البولي، وأجهزة الذوق والشمّ والسمع والبصر كلّ منها عجيبة، لا تقاس إليها كل العجائب الصناعية، التي يقف الإنسان مدهوشا أمامها، وينسى عجائب ذاته، وهي أضخم وأعمق وأدق بما لا يقاس» «١» . وتقول مجلة العلوم الإنجليزية: «إنّ يد الإنسان في مقدمة العجائب الطبيعيّة الفذة، وإنه من الصعب جدّا، بل من المستحيل أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية، من حيث البساطة والقدرة وسرعة التكيّف، فحينما تريد قراءة كتاب تتناوله بيدك، ثم تثبته في الوضع الملائم للقراءة، وهذه اليد هي التي تصحح وضعه تلقائيا، وحينما تقلّب إحدى صفحاته تضع أصابعك تحت الورقة، وتضغط عليها بالدرجة التي تقلّبها بها، ثمّ يزول الضغط بقلب الورقة واليد تمسك القلم وتكتب به، وتستعمل كافّة الآلات التي تلزم الإنسان من ملعقة إلى السّكّين، إلى آلة

стр. 2654

الكتابة، وتفتح النوافذ وتغلقها، وتحمل كلّ ما يريده الإنسان واليدان تشتملان على سبع وعشرين عظمة، وتسع عشرة مجموعة من العضلات لكل منهما» «١» . «وإنّ جزءا من أذن الإنسان (الأذن الوسطى) هو سلسلة من نحو أربعة آلاف حنيّة (قوس) دقيقة معقّدة، متدرّجة بنظام بالغ، في الحجم والشكل. ويمكن القول بأن هذه الحنيّات تشبه آلة موسيقية، ويبدو أنها معدّة بحيث تلتقط وتنقل إلى المخ بشكل ما، كل وقع صوت أو ضجّة، من قصف الرعد إلى حفيف الشجر، فضلا عن المزيج الرائع من أنغام كلّ اداة موسيقية في الأوركسترا ووحدتها المنسجمة» «٢» . «ومركز حاسّة الإبصار في العين، التي تحتوي على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء، وهي أطراف الأعصاب، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلا ونهارا، والذي تعتبر حركته لا إراديّة ليمنع عنها الأتربة والذّرات والأجسام الغريبة، كما يكسر من حدّة الشمس بما تلقي الأهداب على العين من ظلال، وحركة الجفن علاوة على هذه الوقاية، تمنع جفاف العين. أمّا السائل المحيط بالعين، والذي يعرف باسم الدموع، فهو أقوى مطهّر..» «٣» . «وجهاز الذوق في الإنسان هو اللسان، ويرجع عمله الى مجموعات من الخلايا الذوقيّة القائمة في حلمات غشائه المخاطي ... » . «ويتكوّن الجهاز العصبي الذي يسيطر على الجسم سيطرة تامة من شعيرات دقيقة، تمرّ في كافة أنحاء الجسم، وتتّصل بشعيرات أكبر منها، وهذه بالجهاز المركزي العصبي، فإذا ما تأثّر أيّ جزء في الجسم، نقلت الشعيرات العصبية هذا الإحساس إلى المخ، حيث يمكنه أن يتصرّف.. «ونحن إذا نظرنا إلى الهضم على أنه عمليّة في معمل كيماوي، وإلى الطعام الذي نأكله على أنه موادّ غفل، فإنّنا

стр. 2655

ندرك توّا أنّه عملية عجيبة، إذ نهضم تقريبا كل شيء يؤكل ما عدا المعدة نفسها» «١» . وكلّ جهاز من أجهزة الإنسان الأخرى يقال فيه الشيء الكثير، فالإدراك العقلي، واختزان المعلومات، والإدراك الروحي لجلال الله، كلّها تدلّ على سعة عطاء الله وحكمته، وكرمه وفضله على الإنسان. [الآيات ٩- ١٢] : كلّا: ارتدعوا عن الاغترار بكرم ربّكم لكم. بل تكذّبون بالحساب والمؤاخذة والجزاء، وهذه هي علّة الغرور وعلّة التقصير، وإنّه لموكل بكم ملائكة يحفظونكم، ويسجّلون أقوالكم وأعمالكم، ويحصونها عليكم، وهؤلاء الملائكة كرام فلا تؤذوهم بما ينفّرهم من المعاصي وإنّ الإنسان ليحتشم ويستحي وهو بمحضر الكرام، من أن يسفّ أو يتبذّل، في لفظ، أو كلمة، أو حركة، أو تصرّف فكيف به حينما يشعر أنه في كلّ لحظاته، في حضرة حفظة من الملائكة كرام لا يليق أن يطلعوا منه إلا على كل كريم من الخصال أو الفعال؟. وهؤلاء الملائكة يكتبون كلّ شيء، ولا تخفى عليهم خافية من أعمالكم، فإنهم يعلمون ما تفعلون سرّا أو علنا والملائكة قوى من قوى الخير منهم الحفظة والكتبة، ومنهم من ينزل بالوحي على الرسل وقد أمدهم الله سبحانه بقوّة خاصة، يستطيعون بها إنجاز ما يوكل إليهم من مهام. وليس علينا أن نبحث عن كنه هؤلاء الحفظة، ولا عن كيفيّة كتابتهم لأعمالنا، ويكفي أن يشعر القلب البشريّ أنّه غير متروك سدى، وأنّ عليه حفظة كِراماً كاتِبِينَ (١١) يعلمون ما يفعله، ليرتعش ويستيقظ ويتأدّب. وهذا هو المقصود. [الآية ١٣] : إنّ الأبرار صدقوا في إيمانهم بأداء ما فرض عليهم، واجتناب ما نهوا عنه، سيكونون ممتّعين في نعيم الجنة. وليس البرّ مقصورا على الصلاة والصيام، ولكن البرّ عقيدة صادقة، وسلوك مستقيم، ويتمثل ذلك في القيام بالواجب، ومعاونة المحتاج، والاهتمام بأمر المسلمين، والحرص على نفع

стр. 2656

العباد، وكفّ الأذى، وصلة الرحم، وزيادة المريض، ومواساة البائس، وتعزية المحزون، والتخلّق بآداب الدّين. قال تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) [آل عمران] . [الآيات ١٤- ١٦] : إنّ الفجرة العصاة لفي نيران متأجّجة، يدخلونها يوم القيامة، بعد أن يحاسبوا على كل صغيرة وكبيرة، وما هم عن جهنّم بغائبين أبدا لخلودهم فيها. [الآيات ١٧- ١٩] : ولمّا كان يوم الدين هو موضوع التكذيب، فإنّ السياق يعود لتعظيمه وتضخيمه يقول تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) فهو فوق كلّ تصوّر، وفوق كلّ توقّع، وفوق كلّ مألوف وتكرار السؤال يزيد في وصف الهول ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) أي ثمّ عجيب منك أن تتهاون بنبإ هذا اليوم، وهوله الشديد. هو يوم لا تستطيع نفس أن تنفع نفسا أخرى، فكلّ نفس بهمّها وحملها عن كل من تعرف من النفوس، والأمر كله في ذلك اليوم لله وحده، فهو القاضي والمتصرّف فيه دون غيره. مقاصد السورة ١- وصف أهوال يوم القيامة. ٢- تقصير الإنسان في مقابلة الإحسان بالشّكران. ٣- بيان أعمال الإنسان، موكل بها كرام كاتبون. ٤- بيان أن الناس في هذا اليوم: إمّا بررة منعّمون، وإمّا فجرة معذّبون.

стр. 2657

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الانفطار» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الانفطار بعد سورة النازعات، ونزلت سورة النازعات بعد الإسراء، وقبيل الهجرة فيكون نزول سورة الانفطار في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وتبلغ آياتها تسع عشرة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة إثبات الحساب على الأعمال، وما يتبع هذا من ثواب وعقاب فيكون الغرض المقصود منها هو الغرض المقصود من سورة التكوير، وهذا هو وجه المناسبة بين السورتين. إثبات الحساب على الأعمال الآيات [١- ١٩] ذكر تعالى أنّه، إذا حصل انفطار السماء وما ذكر بعده، تعلم كل نفس ما قدمت وأخرت من أعمالها، فتثاب أو تعاقب عليه ثم نادى الإنسان ما غرّه بكرمه، وجرّأه على معصيته، وهو الذي خلقه، فسوّاه فعدله، فركّبه في أحسن صورة، ثمّ زجره عن غروره وذكر سبحانه أنّ هذا الإنسان يكذّب بالحساب، مع أن عليه حافظين يكتبون ما يعمله وأنه جلّ شأنه سيجازي الأبرار بالنعيم، والفجّار بالجحيم ثم

стр. 2658

سأل سبحانه الإنسان عن يوم الحساب، سؤال تهويل ما أدراه ما هو؟ وأجاب عنه فقال جلّ وعلا: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) .

стр. 2659

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الانفطار» «١» أقول: قد عرف مما ذكرت وجه وضعها هنا، مع زيادة تآخيهما في المقطع «٢» .

стр. 2660

المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «الانفطار» «١» قال تعالى فَعَدَلَكَ [الآية ٧] أي: كذا خلقك، ومنهم من يثقّلها، فمن ثقّل «٢» فقال: (عدّلك) ، فإنما على معنى «عدّل خلقك» و (عدلك) أي: عدل بعضك ببعضك فجعلك مستويا معتدلا، وهو في معنى «عدّلك» . وقال تعالى: خَلَقَكَ [الآية ٧] ورَكَّبَكَ [الآية ٨] كَلَّا [الآية ٩] وإن شئت قرأت: (خلقك) و (ركّبك) (كلّا) فأدغمت لأنهما حرفان مثلان. والمثلان يدغم أحدهما في صاحبه، وإن شئت، إذا تحرّكا جميعا، أن تسكّن الأول وتحرّك الآخر «٣» . وإذا سكن الأول لم يكن الإدغام وإن تحرك الأول وسكن الآخر، لم يكن الإدغام. وقال تعالى: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ [الآية ١٩] بجعل اليوم حينا كأنه سبحانه، والله أعلم، حين قال: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) قال ما معناه:

стр. 2661

«في حين لا تملك نفس» . وقرأ بعضهم (يوم لا تملك نفس) «١» بجعله تفسيرا لليوم الأول، كأنّ المعنى: «هو يوم لا تملك» .

стр. 2662

المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «الانفطار» «١» إن قيل: لأي فائدة تخصيص ذكر صفة الكرم، دون سائر صفاته، في قوله تعالى: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الآية ٦] ؟ قلنا: قال بعضهم: إنّما قال تعالى ذلك لطفا بعبده، وتلقينا له حجته وعذره، ليقول: غرّني كرم الكريم. وقال الفضيل ﵀: لو سألني الله تعالى هذا السؤال لقلت: غرّني ستورك المرخاة وروي أن عليا كرم الله وجهه صاح بغلام له مرات فلم يلبّه، ثم أقبل فقال: مالك لم تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك فاستحسن جوابه وأعتقه. ولهذا قالوا: من كرم الرجل، سوء أدب غلمانه. والحق أنّ الواجب على الإنسان أن لا يغترّ بكرم الله تعالى وجوده، في خلقه إيّاه، وإسباغه النعمة الظاهرة والباطنة عليه فيعصيه ويكفر نعمته اغترارا بتفضيله الأوّل، فإن ذلك أمر منكر خارج عن حدّ الحكمة، ولهذا قال رسول الله (ص) ، لمّا قرأها: غرّه جهله. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: غرّه حمقه وجهله. وقال الحسن: غره، والله، شيطانه الخبيث الذي زيّن له المعاصي، فقال له: افعل ما شئت، فإنّ ربّك كريم. فإن قيل: لم قال الله تعالى: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً [الآية ١٩] والنفوس المقبولة الشفاعة، تملك لمن شفعت فيه شيئا، وهو الشفاعة؟ قلنا: المنفي ثبوت النصرة بالملك

стр. 2663

والسلطنة، والشفاعة ليست بطريق الملك والسلطنة، فلا تدخل في النفي، ويؤيّده قوله تعالى: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) وقال مقاتل: المراد بالنفس الثانية الكافرة، والأصحّ، والله أعلم، أنه على العموم في النفسين.

стр. 2664

سورة المطفّفين ٨٣

стр. 2665

المبحث الأول أهداف سورة «المطفّفين» «١» سورة المطفّفين سورة مكية آياتها ٣٦ آية، وهي آخر سورة نزلت في مكّة. وهي سورة تعالج طغيان الغني، واستغلال الفقراء، وتحارب تطفيف الكيل والميزان، وتبيّن أنّ صحف أعمال الفجّار في أسفل سافلين، وأنّ كتاب أعمال الأبرار في أعلى عليّين كما وصفت السورة النعيم المقيم الذي يتمتّع به الأبرار في الجنّة، وبيّنت أن المجرمين كانوا يسخرون من المؤمنين في الدنيا وفي يوم القيامة يتغيّر الحال، فيسخر المؤمن من الكافر، ويتمتّع المؤمن بألوان النعيم. مقاطع السورة تتألّف سورة المطفّفين من أربعة مقاطع، يبدأ المقطع الأول منها بإعلان الحرب على المطفّفين، وتهديدهم بالجزاء العادل، عند البعث والحساب [الآيات ١- ٦] . ويتحدّث المقطع الثاني عن الفجّار في شدّة وردع وزجر، وتهديد بالويل والهلاك، ودمغ بالإثم والاعتداء وبيان لسبب هذا العمى، وعلة هذا الانطماس، وتصوير لجزائهم يوم القيامة، وعذابهم بالحجاب عن ربهم، كما حجبت الآثام في الأرض قلوبهم [الآيات ٧- ١٧] . والمقطع الثالث يعرض الصفحة المقابلة، صفحة الأبرار، ورفعة مقامهم، والنعيم المقرر لهم، ونضرته التي تفيض على وجوههم، والرحيق
следующие страницы →