«في حين لا تملك نفس» . وقرأ بعضهم (يوم لا تملك نفس) «١» بجعله تفسيرا لليوم الأول، كأنّ المعنى: «هو يوم لا تملك» .
стр. 2662
المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «الانفطار»
«١» إن قيل: لأي فائدة تخصيص ذكر صفة الكرم، دون سائر صفاته، في قوله تعالى: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الآية ٦] ؟
قلنا: قال بعضهم: إنّما قال تعالى ذلك لطفا بعبده، وتلقينا له حجته وعذره، ليقول: غرّني كرم الكريم.
وقال الفضيل ﵀: لو سألني الله تعالى هذا السؤال لقلت: غرّني ستورك المرخاة وروي أن عليا كرم الله وجهه صاح بغلام له مرات فلم يلبّه، ثم أقبل فقال: مالك لم تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك فاستحسن جوابه وأعتقه. ولهذا قالوا: من كرم الرجل، سوء أدب غلمانه. والحق أنّ الواجب على الإنسان أن لا يغترّ بكرم الله تعالى وجوده، في خلقه إيّاه، وإسباغه النعمة الظاهرة والباطنة عليه فيعصيه ويكفر نعمته اغترارا بتفضيله الأوّل، فإن ذلك أمر منكر خارج عن حدّ الحكمة، ولهذا قال رسول الله (ص) ، لمّا قرأها: غرّه جهله.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: غرّه حمقه وجهله. وقال الحسن: غره، والله، شيطانه الخبيث الذي زيّن له المعاصي، فقال له: افعل ما شئت، فإنّ ربّك كريم.
فإن قيل: لم قال الله تعالى: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً [الآية ١٩] والنفوس المقبولة الشفاعة، تملك لمن شفعت فيه شيئا، وهو الشفاعة؟
قلنا: المنفي ثبوت النصرة بالملك
стр. 2663
والسلطنة، والشفاعة ليست بطريق الملك والسلطنة، فلا تدخل في النفي، ويؤيّده قوله تعالى: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) وقال مقاتل: المراد بالنفس الثانية الكافرة، والأصحّ، والله أعلم، أنه على العموم في النفسين.
стр. 2664
سورة المطفّفين ٨٣
стр. 2665
المبحث الأول أهداف سورة «المطفّفين»
«١» سورة المطفّفين سورة مكية آياتها ٣٦ آية، وهي آخر سورة نزلت في مكّة.
وهي سورة تعالج طغيان الغني، واستغلال الفقراء، وتحارب تطفيف الكيل والميزان، وتبيّن أنّ صحف أعمال الفجّار في أسفل سافلين، وأنّ كتاب أعمال الأبرار في أعلى عليّين كما وصفت السورة النعيم المقيم الذي يتمتّع به الأبرار في الجنّة، وبيّنت أن المجرمين كانوا يسخرون من المؤمنين في الدنيا وفي يوم القيامة يتغيّر الحال، فيسخر المؤمن من الكافر، ويتمتّع المؤمن بألوان النعيم.
مقاطع السورة
تتألّف سورة المطفّفين من أربعة مقاطع، يبدأ المقطع الأول منها بإعلان الحرب على المطفّفين، وتهديدهم بالجزاء العادل، عند البعث والحساب [الآيات ١- ٦] .
ويتحدّث المقطع الثاني عن الفجّار في شدّة وردع وزجر، وتهديد بالويل والهلاك، ودمغ بالإثم والاعتداء وبيان لسبب هذا العمى، وعلة هذا الانطماس، وتصوير لجزائهم يوم القيامة، وعذابهم بالحجاب عن ربهم، كما حجبت الآثام في الأرض قلوبهم [الآيات ٧- ١٧] .
والمقطع الثالث يعرض الصفحة المقابلة، صفحة الأبرار، ورفعة مقامهم، والنعيم المقرر لهم، ونضرته التي تفيض على وجوههم، والرحيق
стр. 2666
الذي يشربون وهم على الأرائك ينظرون، وهي صفحة ناعمة وضيئة.
[الآيات ١٨- ٢٨] .
والمقطع الرابع يصف ما كان الأبرار يلقونه من استهزاء الفجار، وسخريتهم، وسوء أدبهم في دار الغرور ثم يقابل ذلك بما لقيه المؤمنون من التكريم، وما لقيه المجرمون من عذاب الجحيم في يوم الدين. [الآيات ٢٩- ٣٦] .
من أسباب نزول السورة
كان تطفيف الكيل منتشرا في مكّة والمدينة، وهو يعبّر عن جشع التّجار وطمعهم، ورغبتهم في بخس حق المشتري.
روي أنه كان بالمدينة رجل يقال له أبو جهينة، له كيلان أحدهما كبير والثاني صغير، فكان إذا أراد أن يشتري من أصحاب الزروع والحبوب والثمار، اشترى بالكيل الكبير وإذا باع للناس كال للمشتري بالكيل الصغير. هذا الرجل وأمثاله ممّن امتلأت نفوسهم بالطمع، واستولى عليهم الجشع والنهم، هم المقصودون بهذا الوعيد الشديد، وهم الذين توعّدهم النبي (ص) ، وتهدّدهم بقوله: «خمس بخمس، قيل يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلّا سلّط الله عليهم عدوّا وما حكموا بغير ما أنزل الله إلّا فشا فيهم الفقر وما ظهرت الفاحشة في قوم يتعامل بها علانية، إلّا فشا الطاعون والأوجاع التي لم تكن فيمن قبلهم ولا طفّف قوم المكيال والميزان إلّا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور الحكام وما منع قوم الزكاة إلّا حبس عنهم المطر» .
مع آيات السورة
[الآية ١] : هلاك وعذاب عظيم لهؤلاء الذين يبخسون الكيل والميزان والتطفيف، لغة، التقليل، فالمطفّف هو المقلّل حق صاحبه بنقصانه، لأنّه لا يكاد يسرق في المكيال، والميزان، إلّا الشيء اليسير الطفيف.
[الآية ٢] : إذا كان لهم عند الناس حقّ في شيء يكال أو يوزن، وأرادوا أخذه منهم لا يأخذونه إلّا تامّا كاملا.
[الآية ٣] : وإذا كان للناس حقّ عندهم في مكيل أو موزون، أعطوهم ذلك الحق مع النقص والخسارة.
ويلحق بالمطفّفين كل عامل لا يؤدّي
стр. 2667
عمله، وإنما يحرص على الأجر كاملا، ويلحق بهم من يتسلّم العمل كاملا، ويبخس حقّ العامل أو ينقص أجره، وكذلك كل من يقصر في أداء واجبه. وعن ابن عباس «الكيل أمانة، والوزن أمانة، والصلاة أمانة، والزكاة أمانة، فمن وفى وفى له، ومن طفّف فقد علمتم ما قاله الله في المطفّفين» .
[الآيتان ٤- ٦] : ألا يخطر ببال هؤلاء أنّ هناك يوما للبعث، تظهر فيه هذه الأعمال التي يخفونها على الناس، وأنهم سيبعثون في هذا اليوم الشديد الأهوال، الذي يقوم فيه الناس من قبورهم ليعرضوا على ربّ العالمين الذي خلقهم، ويعلم سرّهم وعلانيتهم.
[الآيات ٧- ٩] : إن للشر سجلّا دونت فيه أعمال الفجّار، وهو كتاب مسطور بيّن الكتابة. وهذا السّجلّ يشتمل عليه السجل الكبير المسمّى بسجّين كما تقول إن كتاب حساب قرية كذا في السّجلّ الفلانيّ المشتمل على حسابها، وحساب غيرها من القرى.
والفجّار هم المتجاوزون للحدّ في المعصية والإثم ولكلّ فاجر من هؤلاء الفجّار صحيفة وهذه الصحائف في السّجلّ العظيم المسمّى سجّين، وهو عظيم الشأن وهو كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) أي قد أثبتت فيه العلامات الدالة على الأعمال.
[الآيات ١٠- ١٣] : هلاك وعذاب عظيم لهؤلاء المكذّبين، الذين يكذّبون الرسول (ص) ، ولا يؤمنون بيوم الحساب والجزاء، الذي أخبرهم به عن ربّ العلمين.
وما يكذّب بهذا اليوم، إلّا من اعتدى على الحقّ، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الآثام، والإعراض عن الحق والهدى، ولذلك إذا تليت عليه آيات القرآن، أو أخبار البعث والجزاء أنكرها، وقال هذه أباطيل السابقين.
[الآية ١٤] : كَلَّا ليس كما يقولون بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) أي غطّى على قلوبهم ما كانوا يكسبونه من الإثم والمعصية والقلب الذي يتعوّد المعصية ينطمس ويظلم، ويرين عليه غطاء كثيف، يفقده الحساسية شيئا فشيئا، حتى يتبلّد ويموت.
стр. 2668
روى التّرمذيّ «١» ، والنسائي، وابن ماجة: «أنّ العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع، واستغفر، وتاب، صقل قلبه وإن عاد زيد فيها، حتّى تعلو، فهو الران، الذي قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) .
وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب يعمي القلب فيموت.
ثم يذكر السياق شيئا عن مصيرهم يوم القيامة، بقوله تعالى:
[الآيات ١٥- ١٧] : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) .
فهم في يوم القيامة مطرودون من رحمة الله، محرومون من رؤيته في الآخرة، ثم إنّهم يصلون عذاب جهنّم، مع التأنيب والتقريع على تكذيبهم الحق، وإنكارهم البعث والجزاء فيقال لهم: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) . [الآيات ١٨- ٢١] : إن كتاب الأبرار محفوظ في سجلّ ممتاز في أعلى مكان في الجنّة، وما أعلمك ما هذا المكان، فهو أمر فوق العلم والإدراك، كتاب مسطور فيه أعمالهم، وهو موضع مشاهدة المقرّبين من الملائكة، ومتعتهم بما فيه من كرائم الأفعال والصفات.
[الآيات ٢٢- ٢٨] : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) إنّ الأبرار المتّقين الذين يؤمنون بالله، ويعملون أنواع البر من القربات والطاعات، هؤلاء ينعمون بنعيم الجنة، وهم على الأسرّة في الحجال «٢» ينظرون إلى ما أعدّ لهم من النعيم وترى على وجوههم آثار النعمة وبهجتها، يسقون خمرا مختومة بالمسك، وهي لا تسكر كخمر الدنيا وفي ذلك النعيم فليتسابق المتسابقون، وليرغب الراغبون بالمبادرة الى طاعة ربهم، باتّباع أوامره واجتناب نواهيه.
وهذا الشراب المعدّ لهم ممزوج بشراب آخر ينصبّ عليهم من عين
стр. 2669
عالية، يشرب منها المقربون إلى رضوان ربهم. وقد سئل ابن عبّاس عن هذا فقال: هذا ممّا قال الله تعالى:
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السجدة] .
«وقصارى ما سلف، أنّه، سبحانه، وصف النعيم الذي أعدّه للأبرار في دار كرامته بما تتطلع اليه النفوس، وبما يشوّقها اليه، ليكون حضّا للذين يعملون الصالحات على الاستزادة من العمل، والاستدامة عليه وحثّا لهمم المقصرين، واستنهاضا لعزائمهم أن يحرصوا على التزوّد من العمل الصالح، ليكون لهم مثل ما لأولئك» «١» .
[الآيات ٢٩- ٣٣] : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) : كانوا يضحكون منهم استهزاء بهم وسخرية منهم، إمّا لفقرهم ورثاثة حالهم، وإمّا لضعفهم عن ردّ الذي، وإمّا لترفّعهم عن سفاهة السفهاء فكلّ هذا ممّا يثير ضحك الذين أجرموا، وهم يتّخذون المؤمنين مادّة لسخريتهم، أو فكاهتهم المرذولة.
وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ
(٣٠) يغمز بعضهم لبعض بعينه، أو يشير بيده، أو يأتي بحركة متعارف عليها بينهم للسخرية من المؤمنين، وإذا انقلب هؤلاء الضالّون إلى أهلهم، ورجعوا إلى بيوتهم، رجعوا إليها فكهين ملتذّين بحكاية ما يعيبون به أهل الايمان، إذ يرمونهم بالسّخافة وقلّة العقل، وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) أي وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم الى الضلال لأنهم نبذوا العقائد الفاسدة، وتركوا عبادة الأصنام. ولم يرسل الله، سبحانه، الكفّار رقباء على المؤمنين، ولا كلّفهم بمحاسبتهم على أفعالهم، فما لهم وهذا الوصف، وهذا التقرير.
روي أن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، جاء في نفر من المسلمين، فرآه بعض هؤلاء الكفّار، فسخروا منه وممّن معه، وضحكوا منهم، وتغامزوا بهم، ثمّ رجعوا إلى جماعتهم من أهل الشرك، فحدّثوهم بما صنعوا به، وبأصحابه.
والآيات ترسم مشهدا لسخرية
стр. 2670
المجرمين من المؤمنين، وقد يكون لنزولها سبب خاص، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ففي الآيات تعبير واقعي عن سخرية القويّ الفاجر من المؤمن الصابر، ممّا يدل على أن طبيعة الفجّار المجرمين واحدة، متشابهة، في موقفها من الأبرار، في جميع البيئات والعصور.
يقول الإمام محمد عبده: «من شأن القويّ المستعز بكثرة أتباعه وقدرته، أن يضحك ممن يخالفه في المنزع، ويدعوه إلى غير ما يعرفه وهو أضعف منه قوّة وأقلّ عددا كذلك كان شأن جماعة من قريش، كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأتباعهم وهكذا يكون شأن أمثالهم في كلّ زمان متى عمّت البدع، وتفرّقت الشيع، وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وجهل معنى الدين، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه، ولم يبق الا ظواهر لا تطابقها البواطن» «١» .
[الآيات ٣٤- ٣٦] : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) أي في يوم القيامة والكفّار محجوبون عن ربهم، يقاسون ألم هذا الحجاب يضحك المؤمنون، ضحك من وصل به يقينه الى مشاهدة الحق، فسرّ به وينكشف للمؤمنين ما كانوا يرجون من إكرام الله لهم، وخذلان أعدائهم، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) وهمّ على سررهم في الجنة ينظرون إلى صنع الله بأعدائهم، وإذلاله لمن كان يفخر عليهم، وتنكيله بمن كان يهزأ بهم، جزاء وفاقا. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) ؟ أي أنهم ينظرون ليتحقّقوا: هل جوزي الكفّار، بما كانوا يفعلون بهم في الدنيا وإنما سمّي الجزاء على العمل ثوابا، لأنه يرجع الى صاحبه نظير ما عمل من خير أو شر.
و (ثوّب) مثل أثاب، بمعنى جازى، يقع في الخير وفي الشر، وإن كان قد غلب الثواب في الخير. أي هل جوزي الكفّار بما كانوا يفعلون؟
مقاصد السورة
١- وعيد المطفّفين.
стр. 2671
٢- بيان أن صحائف أعمال الفجّار في أسفل سافلين.
٣- الإرشاد إلى أنّ صحائف أعمال الأبرار في أعلى علّيّين.
٤- وصف نعيم الأبرار، في مآكلهم ومشاربهم ومساكنهم. ٥- استهزاء المجرمين بالمؤمنين في الدنيا.
٦- تضاحك المؤمنين منهم يوم القيامة.
٧- نظر المؤمنين إلى المجرمين وهم يلقون جزاءهم وما أعدّ لهم من النّكال.
стр. 2672
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المطفّفين» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة المطفّفين بعد سورة العنكبوت، وهي آخر سورة نزلت بمكّة، فيكون نزولها بعد الإسراء وقبيل الهجرة.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) وتبلغ آياتها ستا وثلاثين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة تحريم التّطفيف في المكيال والميزان، وإنذار من يفعل ذلك، بأنه مبعوث لحساب لا تساهل فيه بتطفيف أو نحوه. وبهذا سار سياقها في الترهيب كما سارت السورة قبلها، وهذا هو وجه ذكرها بعدها.
تحريم التطفيف الآيات [١- ٣٦]
قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) فأنذر المطفّفين بالويل وذكر سبحانه أنهم الذين يستوفون إذا اكتالوا على الناس، وإذا كالوهم أو وزنوهم ينقصون والتطفيف البخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية ثمّ أنذرهم جلّ وعلا بأنهم مبعوثون ليوم عظيم، وبأن كتاب أعمالهم في سجّين، وهي الأرض السّفلى فإذا أتى هذا اليوم، فويل لهم
стр. 2673
على تكذيبهم به ... إلخ ثم انتقل السياق من هذا الترهيب إلى الترغيب، بذكر أنّ كتاب الأبرار في علّيّين، وهي السماء السابعة وذكر تعالى ما ذكر ممّا أعده لهم ثمّ ذكر أنّ أولئك المجرمين، كانوا يضحكون من هؤلاء الأبرار في الدنيا، وأنّ هؤلاء الأبرار يضحكون منهم في الآخرة، وهم على الأرائك ينظرون: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) .
стр. 2674
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المطفّفين» «١»
أقول: الفصل بهذه السورة، بين الانفطار والانشقاق، التي هي نظيرتها من خمسة أوجه: الافتتاح ب إِذَا السَّماءُ [الانفطار/ ١] والتخلص ب يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ [الانفطار/ ٦] ، وشرح حال يوم القيامة ولهذا ضمّت بالحديث السابق، والتناسب في المقدار، وكونها مكّيّة.
وهذه السورة مدنيّة، ومفتتحها ومخلصها غير مآلها، لنكتة ألهمنيها الله. وذلك أن السور الأربع، لمّا كانت في صفة حال يوم القيامة، ذكرت على ترتيب ما يقع فيه.
فغالب ما وقع في التكوير، وجميع ما وقع في الانفطار، وقع في صدر يوم القيامة، ثم بعد ذلك يكون الموقف الطويل، ومقاساة العرق والأهوال، فذكره في هذه السورة بقوله تعالى:
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) .
ولهذا ورد في الحديث: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» «٢» .
ثم بعد ذلك تحصل الشفاعة العظمى، فتنشر الكتب، فأخذ باليمين، وأخذ بالشمال، وأخذ من وراء الظهر، ثم بعد ذلك يقع الحساب.
هكذا وردت بهذا الترتيب الأحاديث فناسب تأخير سورة الانشقاق التي فيها إتيان الكتب
стр. 2675
والحساب «١» ، عن السورة التي قبلها، والتي فيها ذكر الموقف عن التي فيها مبادئ يوم القيامة.
ووجه آخر، وهو: أنه ﷻ لما قال في الانفطار: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) . وذلك في الدنيا، ذكر في هذه السورة حال ما يكتبه الحافظان، وهو: كتاب مرقوم جعل في علّيّين، أو في سجّين، وذلك أيضا في الدنيا، لكنّه عقّب بالكتابة، إمّا في يومه، أو بعد الموت في البرزخ كما في الآثار. فهذه حالة ثانية في الكتاب ذكرت في السورة الثانية. وله حالة ثالثة متأخّرة فيها، وهي أخذ صاحبه باليمين أو غيرها، وذلك يوم القيامة، فناسب تأخير السورة التي فيها ذلك، عن السورة التي فيها الحالة الثانية، وهي الانشقاق، فلله الحمد على ما منّ بالفهم لأسرار كتابه.
ثم رأيت الإمام فخر الدين قال في سورة المطفّفين أيضا: اتصال أوّلها بآخر ما قبلها ظاهر، لأنّه تعالى بيّن هناك أن يوم القيامة من صفته: لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار/ ١٩] وذلك يقتضي تهديدا عظيما للعصاة، فلهذا أتبعه بقوله سبحانه: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) .
стр. 2676
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «المطفّفين» «١»
١- قال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) .
التّطفيف: هو البخس في الكيل والوزن، لأنّ ما يبخس شيء طفيف حقير.
أقول: كأنّ المطفّف: هو الذي ينقص وضع الطفافة، وهي الزيادة بعد الكيل وفاء لما نقص منه في أثناء الكيل، وعلى هذا كان «المطفّف» من يمنع «الطّفافة» سرقة وغشّا، محاباة للبائع الذي يكيل لمصلحته، وكما يكون في الكيل يكون ذلك في الوزن.
ثم قال تعالى: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) .
والمعنى واضح، والأصل: كالوا لهم ووزنوا لهم ثم حذف وأوصل. ٢- وقال تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) .
وقوله تعالى: سِجِّينٍ، أي كتاب جامع هو ديوان الشّرّ، دوّن الله فيه أعمال الشياطين، وأعمال الكفرة، والفسقة من الجن والإنس وهو كتاب مرقوم مسطور بيّن الكتابة.
٣- وقال تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) .
وعلّيّون: علم لديوان الخير، الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثّقلين.
أقول: و «علّيون» مما ألحق بجمع المذكر السالم لا واحد له وهو ممّا يشير إلى أن هذا الجمع قد شمل طائفة
стр. 2677
كبيرة من الكلم، عاقلا كان أم غير عاقل.
وقالوا أيضا: العلّيّون الغرف العالية في الجنة.
٤- وقال تعالى: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) .
وقوله تعالى: تَسْنِيمٍ (٢٧) علم بعينها في الجنة. ٥- وقال تعالى: وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) .
أي: ملتذّين بذكرهم.
أقول: وجميع ما جاء من المعاني في (فكهين) ، في هذه الآية وغيرها، من أصل «الفاكهة» فاللذّة والتعجّب استفيدا من نعمة «الفاكهة» . وكذلك «الفكاهة» الشائعة في عصرنا.
стр. 2678
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «المطفّفين» «١»
قال تعالى: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أي: «إذا كالوا النّاس أو وزنوهم» ، فأهل الحجاز يقولون «كلت زيدا» و «وزنته» أي: «كلت له» و «وزنت له» .
قال تعالى: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ بجعله في الحين، كما تقول «فلان اليوم صالح» تريد به الآن في هذا الحين، وتقول هذا بالليل «فلان اليوم ساكن» أي: الآن، أي: هذا الحين، ولا نعلم أحدا قرأها جرا والجرّ جائز.
وقال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [الآية ١٤] تقول: «ران» «يرين» «رينا» .
وقال سبحانه: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا [الآية ٢٨] بجعله على يُسْقَوْنَ [الآية ٢٥] عَيْناً [الآية ٢٨] وإن شئت جعلته على المدح، فتقطع من أول الكلام، كأنك تقول: «أعني عينا» .
وقال تعالى: هَلْ ثُوِّبَ [الآية ٣٦] فإن شئت أدغمت «٢» وإن شئت لم تدغم، لأن اللام «٣» مخرجها بطرف اللسان قريب من أصول الثنايا، والثاء بطرف اللسان وأطراف الثنايا، إلّا أنّ اللام بالشّقّ الأيمن أدخل في الفم، وهي قريبة المخرج منها ولذلك قرئ
стр. 2679
بَلْ تُؤْثِرُونَ [الأعلى/ ١٦] فأدغمت اللام في التاء «١» ، لأنّ مخرج التاء والثاء قريب، من مخرج اللام.
стр. 2680
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «المطفّفين» «١»
إن قيل: لم لم يقل الله تعالى إذا اكتالوا أو اتّزنوا على الناس يستوفون كما قال سبحانه في مقابلة وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) .
قلنا: لأنّ المطفّفين كانت عادتهم، أنهم لا يأخذون ما يكال وما يوزن إلّا بالمكيال، لأن استيفاء الزيادة بالمكيال كان أمكن لهم، وأهون عليهم منه بالميزان، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكّنهم من البخس فيهما.
فإن قيل: لم فسّر «سجّينا» بكتاب مرقوم، فقال تعالى:
وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وكذا فسّر تعالى «علّيّين» به، مع أن سجّينا اسم للأرض السابعة، وهو فعّيل من السجن وعلّيّين اسم للجنة أو لأعلى الأمكنة، أو للسماء السابعة، أو لسدرة المنتهى؟
قلنا: قوله تعالى: كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وصف معنوي لكتاب الفجّار ولكتاب الأبرار لا تفسير لسجّين ولعلّيّين، تقديره: وهو كتاب مرقوم.
стр. 2681
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «المطفّفين» «١»
قوله سبحانه: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) استعارة، لأنّ الحجاب لا يطلق إلّا على من يصحّ عليه الظهور والبطون، والاستتار والبروز. وذلك من صفة الأجسام المحدثة، والأشخاص المؤلّفة.
والمراد بذكر الحجاب هاهنا، أنهم ممنوعون من ثواب الله سبحانه، مذودون عن دخول جنته، ودار مقامته. وأصل الحجب المنع. ومنه قولنا في الفرائض: الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس. أي يمنعونها من الثلث، ويردّونها إلى السدس. ومن ذلك أيضا قولهم:
حجب فلان عن باب الأمير. أي ردّ عنه، ودفع دونه. ويجوز أن يكون كذلك معنى آخر، وهو أن يكون المراد أنهم غير مقرّبين عند الله سبحانه بصالح الأعمال، واستحقاق الثواب. فعبّر سبحانه عن هذا المعنى بالحجاب. لأنّ المبعد المقصى يحجب عن الأبواب، ويبعد من الجناب.
стр. 2682
سورة الانشقاق ٨٤
стр. 2683
المبحث الأول أهداف سورة «الانشقاق» «١»
سورة الانشقاق سورة مكّيّة آياتها ٢٥ آية، نزلت بعد سورة الانفطار. وهي سورة هادئة الإيقاع يغلب عليها هذا الطابع، حتى في وصف مشاهد القيامة، التي عرضتها سورة التكوير في جوّ عاصف.
«وتطوف سورة الانشقاق بالقلب البشري في مجالات كونيّة وإنسانيّة شتّى، متعاقبة تعاقبا مقصودا، فمن مشهد الاستسلام الكوني، إلى لمسة لقلب الإنسان، إلى مشهد الحساب والجزاء، إلى مشهد الكون الحاضر وظواهره الموحية، إلى لمسة أخرى للقلب البشري، إلى التعجّب من حال الذين لا يؤمنون بعد ذلك كلّه، إلى التهديد بالعذاب الأليم، واستثناء المؤمنين من العذاب» «٢» .
مقاطع السورة
يمكن أن تقسم سورة الانشقاق إلى أربعة مقاطع: المقطع الأول: وفيه مطلع السورة، ذلك المطلع الخاشع الجليل، الذي يفيد نهاية الكون واستجابة السماء والأرض لأمر الله في خشوع وطواعية (وذلك في الآيات ١- ٥) .
والمقطع الثاني: يبيّن أن الإنسان محاسب على عمله، وسيجازى عليه، فالمؤمن يأخذ كتابه باليمين، ويلقى السرور وحسن الجزاء والكافر يأخذ
стр. 2684
كتابه من وراء ظهره، ويلقى الهلاك والسعير (وذلك في الآيات ٦- ١٥) .
والمقطع الثالث يعرض مشاهد الكون، في صورة تأخذ بالألباب (وذلك في الآيات ١٦- ١٩) .
والمقطع الرابع يتعجّب من حال هؤلاء الذين يعرضون عن الإيمان، ويهدّدهم بالجزاء العادل (وذلك في الآيات ٢٠- ٢٥) .
وهذه اللمسات المتعدّدة تطوف بالقلب البشريّ، وتنتقل بالنفس خلال مشاهد الآخرة والدنيا، والحساب والجزاء، في آيات قصيرة وحيّز محدود، ممّا لا يمكن لبشر أن يفعله ولكنّه القرآن الذي يسّره الله للذّكر، وأنزله لهداية العالمين.
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٥] : يصف الله ما يحدث من الأهوال يوم القيامة عند خراب الدنيا، فيذكر سبحانه أن السماء تنشقّ وتصبح ذات فروج وفتحات، وتنقاد هذه السموات لأمر ربّها وتخضع لتأثير قدرته، حينما يريد انشقاقها، فهي أشبه بالمطيع الذي يذعن لأمر سيده والأرض تسوّى وتبسط باندكاك جبالها وتخرج ما فيها من الموتى حتى لا يبقى بداخلها شيء وتنقاد كذلك لأمر ربها، وتخضع لتأثير قدرته، لأنها في قبضة القدرة الإلهية، تصرّفها في الفناء، كما صرفتها في الابتداء. وجواب «إذا» التي صدّرت بها السورة محذوف، وتقدير الكلام، والله أعلم: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) ترون جزاء ما عملتم من خير أو شر.
وخلاصة ذلك: وصف أحوال يوم القيامة، وفيه تبدّل الأرض غير الأرض، والسماوات غير السماوات ويبرز الناس للحساب، على ما قدّموا في حياتهم من عمل وعلينا أن نؤمن بذلك كله، ونكل علم حقيقته، ومعرفة كنهه الى الله تعالى.
[الآيات ٦- ١٥] : يا أيّها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحا تحمل عبئك، وتجهد جهدك، وتشقّ طريقك لتصل في النهاية إلى ربّك فإليه المرجع وإليه المآب، بعد الكدّ والكدح والجهاد، وفي يوم البعث ينكشف الالتباس، ويعرف كل عامل ما جرّ إليه عمله، والناس حينئذ صنفان:
١- الذي يعرض عليه سجلّ
стр. 2685
أعماله، ويتناول كتابه بيمينه، فإنه يحاسب أيسر الحساب، إذ تعرض عليه أعماله فيعرف بطاعته وبمعاصيه، ثم يثاب على ما كان منها طاعة، ويتجاوز له عما كان منها معصية.
عن عائشة (رض) قالت: «سمعت رسول الله (ص) يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حسابا يسيرا» فلمّا انصرف قلت: يا رسول الله، وما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» » .
فهذا هو الحساب اليسير الذي يلقاه من يؤتى كتابه بيمينه، ثم ينجو وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وأهله هم الناجون الذين سبقوه الى الجنة.
٢- وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) ، والذي ألفناه في تعبيرات القرآن من قبل هو كتاب اليمين، وكتاب الشمال، فهذه صورة جديدة:
صورة إعطاء الكتاب من وراء الظهر، وليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله، يعطاه كذلك من وراء ظهره، فهي هيئة الكاره المكره، الخزيان من المواجهة. والذي نخلص اليه، أنّ إيتاء الكتاب باليمين، أو باليسار أو من وراء الظهر، تصوير لحال المطّلع على أعماله في ذلك اليوم، فمن الناس من إذا كشف له عمله ابتهج واستبشر، وتناول كتابه بيمينه ومنهم من إذا انكشفت له سوابق أعماله عبس وبسر، وأعرض عنها وأدبر، وتمنّى لو لم تكشف له، وتناولها باليسار أو من وراء الظهر، وحينئذ يدعو ووا ثبوراه، أي يا هلاك أقبل، فإنّي لا أريد أن أبقى حيّا.
ولا يفعل الإنسان ذلك، إلّا إذا كان في شدّة التعاسة والشقاء، كما يقول المتنبي:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وتناول الكافر لكتابه بشماله أو من وراء ظهره علامة على سخط الله عليه، وهو يدعو على نفسه بالهلاك والويل، ويدخل نار جهنم التي سعّرت وأوقدت، ليحترق بنارها لأنه كان في الدنيا بين عشيرته من الكافرين، لاهيا في شهواته، منقادا لأهوائه، لا يخطر الموت على باله، ولا البعث،
стр. 2686
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) إلى ربه، ولن يرجع إلى بارئه ولو ظن الرجعة في نهاية المطاف، لقدّم بعض العمل، وادّخر شيئا للحساب.
بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) : أي بلى ليحورنّ وليرجعن إلى ربّه، وليحاسبنّه على عمله، فهو سبحانه كان مطّلعا على أمره، محيطا بحقيقته، عالما بحركاته وخطواته.
وتصوّر الآيات هذا التعيس، وهو مسرور بين أهله في حياة الدنيا القصيرة ولكنّه في الآخرة حزين يتمنّى الموت والهلاك، تقابلها صورة ذلك السعيد المؤمن، وهو ينقلب إلى أهله مسرورا، في حياة الآخرة المديدة، لقاء ما قدّم من سعي حميد، وعمل صالح.
وتعود الآيات إلى لمحات من الكون، تجمع بين الخشوع الساكن، والجلال المرهوب:
[الآيات ١٦- ١٩] : فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) والشفق هو الوقت الخاشع المرهوب بعد الغروب، وبعد الغروب تأخذ النفس روعة ساكنة عميقة، ويحسّ القلب معنى الوداع، وما فيه من أسى صامت، وشجّى عميق، كما يحس رهبة الليل القادم، ووحشة الظلام الزاحف، ويلفّه في النهاية خشوع، وخوف خفيّ، وسكون.
وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) : هو الليل وما جمع وما حمل من الظلام والنجوم، أو ما عمل فيه من التهجّد، أو ما جمع من مخلوقات كانت منتشرة بالنهار، فإذا جنّها الليل أوت إلى مأواها.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) : أي اكتمل واستدار وصار بدرا، وهو مشهد رائع للقمر في ليالي اكتماله، يفيض على الأرض بنوره الحالم الخاشع، الموحي بالصمت الجليل.
يقسم القرآن الكريم بهذه الأشياء التي إذا تدبّر الإنسان أمرها، استدلّ بجلالها وعظمة شأنها على قدرة مبدعها.
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) : أي لتلاقن أيها الناس أمورا بعد أمور، وأحوالا بعد أحوال من الموت والبعث والحشر، إلى أن تصيروا إلى ربّكم وهناك تلقون جزاء أعمالكم.
[الآيات ٢٠- ٢٥] : فلماذا لا
стр. 2687
يؤمنون بالبعث والنشور، وهم يرون آثار قدرة الله وبدائع صنعه، وما لهم لا يخضعون لآيات القرآن، وفيها من اللّمسات والموحيات ما يصل القلب البشري بالوجود الجميل، وببارئ الوجود الجليل، وإذا قرأ المؤمن هذه الآية، سجد لله سجود التلاوة، عند قوله: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) .
ولكنّ الكافرين قوم معاندون فالتكذيب طابعهم، والله أعلم بما يكنّون في صدورهم، ويضمّون عليه جوانحهم، من بغي وحسد، وإشراك بالله، وحقد للرسول (ص) ولذلك أمر الله نبيه (ص) أن يبشّرهم جميعا، بالعذاب المؤلم الموجع يوم القيامة ... ويا لها من بشرى لا تسرّ.
أما الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله (ص) ، وامتثلوا أوامر الله فعملوا الأعمال الصالحة، فلهم الأجر الحسن، والثواب الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول.
مقاصد السورة
١- وصف مشاهد القيامة.
٢- الإنسان كادح عامل في الدنيا، وسيلقى الجزاء في الآخرة.
٣- المؤمن يأخذ كتابه باليمين، فيجد السعادة والسرور.
٤- الكافر يأخذ كتابه من وراء ظهره، فيجد الشقاء والسعير.
٥- القسم بالشّفق والليل والقمر، تنبيها لجلالها وبديع صنعها.
٦- النّاس تنتقل من الحياة الى الموت ثمّ إلى البعث والحساب والجزاء، فهم ينتقلون في أحوالهم طبقة بعد طبقة، ليستقرّوا في نعيم مقيم، أو في عذاب أليم.
стр. 2688
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الانشقاق»
«١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الانشقاق بعد سورة الانفطار، ونزلت سورة الانفطار بعد الإسراء، وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة الانشقاق، في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وتبلغ آياتها خمسا وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
يقصد من هذه السورة، إثبات المعاد، وما يكون فيه من حساب وثواب وعقاب فهي أيضا في سياق الإنذار، والترهيب، والترغيب، كسورة المطفّفين وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.
إثبات المعاد الآيات [١- ٢٥]
ذكر سبحانه، أنه، إذا حصل انشقاق السماء، وما ذكر بعده يرى كل إنسان ما عمل وأنه كادح اليوم حتّى يلاقيه ثم فصّل ما يكون فيه من أخذ بعضهم كتابه بيمينه، ومحاسبته حسابا يسيرا، ومن أخذ بعضهم كتابه وراء ظهره ...
إلخ. ثم أقسم، جلّ وعلا، بالشفق وما ذكر معه، على أنهم سيركبون في الشّدّة طبقا بعد طبق، ووبّخهم على عدم إيمانهم مع هذه النّذر وذكر
стр. 2689
سبحانه أنهم يكذبون مع قيام هذه الدلائل، وهو أعلم مما يوعون في صدورهم ثم أمر جلّت قدرته، بتبشيرهم بعذاب أليم: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) .
стр. 2690
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الانشقاق»
«١» قد استوفي الكلام فيها في سورة المطفّفين.
стр. 2691
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الانشقاق» «١»
١- قال تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) .
أي: لن يرجع إلى الله تعالى، تكذيبا بالمعاد يقال: لا يحور ولا يحول.
أي لا يرجع ولا يتغيّر. أقول: والفعل «حار يحور» من الأفعال المعروفة في عاميّتنا في العراق، وليس في الفصيحة المعاصرة.
стр. 2692
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الانشقاق» «١»
قال تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) أي: وحقّ لها.
وقال سبحانه: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) تقول: «أوعيت في قلبي كذا وكذا» ، كما تقول: «أوعيت الزّاد في الوعاء» ، وتقول: «وعت أذني» قال تعالى: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
(١٢) [الحاقّة] .
وأمّا: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) فعلى معنى يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) على التقديم والتأخير.
стр. 2693
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الانشقاق» «١»
إن قيل: أين جواب إِذَا في قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) ؟
قلنا. فيه وجوه: أحدها أنه متروك لتكرّر مثله في القرآن. الثاني: أنه أَذِنَتْ [الآية ٢] والواو فيها زائدة.
الثالث: أنه محذوف تقديره بعد قوله تعالى: وَحُقَّتْ (٢) بعثتم أو جوزيتم أو لاقيتم ما عملتم، ودلّ على هذا المحذوف قوله تعالى: فَمُلاقِيهِ (٦) .
الرابع: أنّ فيه تقديما وتأخيرا تقديره:
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) .
стр. 2694
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الانشقاق» «١»
في قوله تعالى: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) استعارة.
والمراد بها بعث الأموات، وإعادة الرفات. فكأنّ الأرض كانت حاملا بهم فوضعتهم، أو حاملة لهم فألقتهم، فكانوا كالجنين المولود، والثّقل المنبوذ.
وفي قوله سبحانه: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) استعارة. ومعنى (وسق) هاهنا أي ضمّ وجمع. فكأنه يضم الحيوانات الإنسانية إلى مساكنهم، والحيوانات الوحشية إلى موالجها، والطيور إلى أوكارها ومواكنها «٢» فكأنّه ضمّ ما كان بالنهار منتشرا، وجمع ما كان متبدّدا متفرّقا. والأوساق مأخوذة من ذلك، لأنها الأحمال التي يجمع فيها الطعام، وما يجري مجراه ويقال: طعام موسوق أي مجموع في أوعيته.
وقد قيل: إنّ معنى (وسق) أي طرد. والوسيقة: الطريدة. فكأنّ الليل يطرد الحيوانات كلّها إلى مثاويها، ويسوقها إلى مخافيها.
وقوله سبحانه: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) استعارة على بعض التأويلات. والمراد بها لتنقلبنّ من حال شديدة إلى حال مثلها، من حال الموت وشدّته إلى حال الحشر وروعته.
стр. 2695
وقيل: لتركبنّ سنّة من كان قبلكم من الأمم.
وقيل: المراد بذلك تنقّل الناس في أحوال الأعمار، وأطوار الخلق والأخلاق. والعرب تسمّي الدواهي «بنات طبق» وربما سمّوا الداهية: أمّ طبق. قال الشاعر «١» :
قد طرّقت ببكرها أمّ طبق فنتجوها خبرا ضخم العنق موت الإمام فلقة من الفلق والفلق أيضا من أسماء الدواهي. واحدها فلقة.
وفي قوله سبحانه: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) استعارة. والمراد بها ما يسرّون في قلوبهم، ويكنّون في صدورهم.
يقول القائل أوعيت هذا الأمر في قلبي. أي جعلته فيه كما يجعل الزاد في وعائه، ويضمّ المتاع في عيابه «٢» فالقلوب أوعية لما يجعل فيها من خير أو شر، وعلم أو جهل أو باطل أو حق.
стр. 2696
سورة البروج ٨٥
стр. 2697
المبحث الأول أهداف سورة «البروج» «١»
سورة البروج سورة مكّيّة، آياتها ٢٢ آية، نزلت بعد سورة الشمس.
هذه السورة القصيرة تعرض حقائق العقيدة، وقواعد التصور الإيماني، وتمجّد الثبات على الحقّ، وتبشّر المؤمن بنصر الدنيا ونعيم الآخرة، وتهدّد الجبّارين المعتدين بنقمة الله ولعنته في الدنيا والآخرة.
أصحاب الأخدود
الأخدود: الشق في الأرض يحفر مستطيلا، وجمعه أخاديد، وأصحاب الأخدود قوم كافرون ذوو بأس وقوة، رأوا قوما من المؤمنين فغاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر فأبوا، فشقّوا لهم شقّا في الأرض وحشوه بالنار، وألقوهم فيه، وكان هؤلاء الغلاظ الأكباد على جوانب الشّقّ يشهدون الإحراق.
فقرات السورة
تبدأ الفقرة الأولى بالقسم، وتربط بين السماء ويوم القيامة، وبين حادث الأخدود، ونقمة الله على أصحابه في الآيات [١- ٤] .
٢- ثم تعرض الفقرة الثانية المشهد المفجع في لمحات خاطفة تظهر بشاعة الحادث، بدون تفصيل ولا تطويل، مع التلميح إلى عظمة العقيدة التي تعالت على فتنة الناس مع شدّتها، وانتصرت على النار وعلى الحياة ذاتها في الآيات [٥- ١٠] .
стр. 2698
٣- ثم يجيء التعقيب بعد ذلك بفوز المؤمنين، وبشدّة بطش الله بالمجرمين، وبقدرته وهيمنته على الكون، ثمّ اشارة سريعة الى سوابق من أخذ من الطغاة كفرعون وثمود في الآيات [١١- ٢٢] .
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٣] : يقسم الله سبحانه بالسماء ذات الكواكب، والنجوم الكثيرة، التي تنتشر في أرجائها، ويقسم بيوم القيامة، ويقسم بالشاهد والمشهود، والشاهد هو الملائكة تشهد على الناس يوم القيامة، والمشهود عليه هو الخلائق أو الأنبياء تشهد على أممهم يوم القيامة، أو بجميع ما خلق الله في هذا الكون مما يشهده الناس، ويرونه رأي العين.
وخلاصة ذلك أنه سبحانه أقسم بالعوالم كلها، ليلفت الناظرين إلى ما فيها من العظم والفخامة.
[الآية ٤] : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) أي أخذوا بذنوبهم، ونزل بهم نكال الدنيا وعذاب الآخرة.
ومن حديث ذلك أنه قد وقع إلى نجران من أرض اليمن، رجل ممّن كانوا على دين عيسى بن مريم (ع) ، فدعا أهلها الى دينه، وكانوا على اليهودية، وأعلمهم أنّ الله بعث عيسى (ع) بشريعة ناسخة لشريعتهم، فآمن به قوم منهم، وبلغ ذلك ذا نواس ملكهم، وكان يتمسك باليهودية، فسار إليهم بجنود من حمير، فلمّا أخذهم، خيّرهم بين اليهودية والإحراق بالنار، وحفر لهم حفيرة ثم أضرم فيها النار، وصار يؤتى بالرجل منهم فيخيّره: فمن جزع من النار، وخاف العذاب، ورجع عن دينه، ورضي اليهودية، تركه ومن استمسك بدينه، ولم يبال بالعذاب الدنيوي، لثقته بأن الله يجزيه أحسن الجزاء، ألقاه في النار.
ثم بيّن من أصحاب الأخدود فقال:
[الآية ٥] : النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) أي أن أصحاب الأخدود هم أصحاب النار، التي لها من الحطب الكثير ما يشتدّ به لهيبها، وجرم يكون حريقها عظيما.
[الآية ٦] : إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) أي قتلوا ولعنوا حينما أحرقوا المؤمنين بالنار، وهم قاعدون حولها يشرفون عليهم، وهم يعذّبون ويحرقون فيها.
[الآية ٧] :
стр. 2699
وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وهو تعبير يصوّر قسوة قلوبهم، وتمكّن الكفر منهم.
فإنّ التعذيب كان يجري بأمرهم، وكانوا يقعدون على مقربة من النار، ويشاهدون أطوار التعذيب وفعل النار في الأجسام بلذّة وسعار، كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع.
[الآيتان ٨ و ٩] : وما أنكر أصحاب الأخدود على هؤلاء الذين أحرقوهم بالنار إلا أنهم آمنوا بربهم، الموصوف بالغلبة والقهر، المحمود على نعمه وأفضاله، الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما، وهو رقيب على الجميع شاهد على أعمالهم وأحوالهم.
[الآية ١٠] : إنّ هناك جزاء عادلا في الآخرة. وهؤلاء الذين عذّبوا المؤمنين وأحرقوهم في الدنيا، ولم يندموا على ما فعلوا، سيلقون عقابهم في جهنم، وفي حريق شديد، لقد أحرقوا المؤمنين بنار الدنيا، وهي جزء يسير من نار الآخرة، إذ نارها شديدة ومعها غضب الله على العصاة.
[الآية ١١] : وهؤلاء المؤمنون الصادقون، يلقون جزاءهم في جنّات تجري من تحتها الأنهار، مع رضوان الله، وذلك هو الفوز الكبير. وبهذا يتمّ الأمر، وينال كل طرف جزاءه العادل، فالظالمون الطّغاة يلقون عذاب الحريق، والمؤمنون الصادقون يلقون الجنة ورضوانا من الله وذلك هو الفوز الكبير.
[الآيات ١٢- ١٦] : ان انتقام الله من الظالمين لشديد، فهو يمهلهم حتّى إذا أخذهم لم يفلتهم، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده يوم القيامة.
ثم ذكر سبحانه خمسة أوصاف من صفات الرحمة والجلال فقال:
١- وَهُوَ الْغَفُورُ [الآية ١٤] لمن يرجع اليه بالتوبة.
٢- الْوَدُودُ (١٤) كثير الود والعطاء والمحبة لمن أخلصوا له.
٣- ذُو الْعَرْشِ [الآية ١٥] ذو السلطان الكبير والقدرة الكاملة.
٤- الْمَجِيدُ (١٥) العظيم الكرم والفضل.
٥- فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) يفعل ما يشاء ويختار.
وهو صاحب الإرادة الطليقة والقدرة المطلقة وراء الأحداث، ووراء الحياة، ووراء كل شيء في الوجود.
[الآيتان ١٧ و ١٨] :
стр. 2700
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) الجنود تطلق تارة على العسكر، وتطلق تارة أخرى على الأعوان والمراد بهم هنا الجماعات الذين تجنّدوا على أنبياء الله واجتمعوا على أذاهم، هل أتاك حديثهم؟ وكيف فعل ربك بهم ما يريد.
فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) لقد أهلك الله فرعون وجنده، ونجا موسى ومن آمن معه وقصّة ثمود مع صالح معروفة، فقد عقرت ثمود الناقة التي جعلها الله لهم آية، وقد أهلكهم الله عن بكرة أبيهم، ونجّى صالحا ومن معه من المؤمنين.
وخلاصة ذلك: أنّ الكفّار في كلّ عصر متشابهون، وأنّ حالهم مع أنبيائهم لا تتغيّر ولا تتبدّل، فهم في عنادهم سواء، ولكنّ العاقبة دائما للمتّقين، وبطش الله شديد بالطغاة الظالمين.
[الآيات ١٩- ٢٢] : وفي الختام تقرّر السورة أنّ الكفّار في كل عصر يكذّبون الرسالات، وهم غافلون عما يحيط بهم من قهر الله وقدرته، وهو سبحانه محيط بهم وعالم بجميع أحوالهم، وسوف يؤاخذهم على عملهم، وهذا الذي كذّب به قومك كتاب شريف، متفرّد في النظم والمعنى، محفوظ من التحريف، مصون من التغيير والتبديل.
مقاصد السورة
١- إظهار عظمة الله وجليل صفاته.
٢- قصة أصحاب الأخدود.
٣- عاقبة المتّقين الجنّة والرضوان، ونهاية المعتدين الهلاك والحريق.
٤- يبيد الله الأمم الطاغية في كلّ حين، ولا سيّما الذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات.
٥- القرآن مجيد شريف، وكفى شرفا أنه كلام الله.