← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

سورة البروج ٨٥

стр. 2697

المبحث الأول أهداف سورة «البروج» «١» سورة البروج سورة مكّيّة، آياتها ٢٢ آية، نزلت بعد سورة الشمس. هذه السورة القصيرة تعرض حقائق العقيدة، وقواعد التصور الإيماني، وتمجّد الثبات على الحقّ، وتبشّر المؤمن بنصر الدنيا ونعيم الآخرة، وتهدّد الجبّارين المعتدين بنقمة الله ولعنته في الدنيا والآخرة. أصحاب الأخدود الأخدود: الشق في الأرض يحفر مستطيلا، وجمعه أخاديد، وأصحاب الأخدود قوم كافرون ذوو بأس وقوة، رأوا قوما من المؤمنين فغاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر فأبوا، فشقّوا لهم شقّا في الأرض وحشوه بالنار، وألقوهم فيه، وكان هؤلاء الغلاظ الأكباد على جوانب الشّقّ يشهدون الإحراق. فقرات السورة تبدأ الفقرة الأولى بالقسم، وتربط بين السماء ويوم القيامة، وبين حادث الأخدود، ونقمة الله على أصحابه في الآيات [١- ٤] . ٢- ثم تعرض الفقرة الثانية المشهد المفجع في لمحات خاطفة تظهر بشاعة الحادث، بدون تفصيل ولا تطويل، مع التلميح إلى عظمة العقيدة التي تعالت على فتنة الناس مع شدّتها، وانتصرت على النار وعلى الحياة ذاتها في الآيات [٥- ١٠] .

стр. 2698

٣- ثم يجيء التعقيب بعد ذلك بفوز المؤمنين، وبشدّة بطش الله بالمجرمين، وبقدرته وهيمنته على الكون، ثمّ اشارة سريعة الى سوابق من أخذ من الطغاة كفرعون وثمود في الآيات [١١- ٢٢] . مع آيات السورة [الآيات ١- ٣] : يقسم الله سبحانه بالسماء ذات الكواكب، والنجوم الكثيرة، التي تنتشر في أرجائها، ويقسم بيوم القيامة، ويقسم بالشاهد والمشهود، والشاهد هو الملائكة تشهد على الناس يوم القيامة، والمشهود عليه هو الخلائق أو الأنبياء تشهد على أممهم يوم القيامة، أو بجميع ما خلق الله في هذا الكون مما يشهده الناس، ويرونه رأي العين. وخلاصة ذلك أنه سبحانه أقسم بالعوالم كلها، ليلفت الناظرين إلى ما فيها من العظم والفخامة. [الآية ٤] : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) أي أخذوا بذنوبهم، ونزل بهم نكال الدنيا وعذاب الآخرة. ومن حديث ذلك أنه قد وقع إلى نجران من أرض اليمن، رجل ممّن كانوا على دين عيسى بن مريم (ع) ، فدعا أهلها الى دينه، وكانوا على اليهودية، وأعلمهم أنّ الله بعث عيسى (ع) بشريعة ناسخة لشريعتهم، فآمن به قوم منهم، وبلغ ذلك ذا نواس ملكهم، وكان يتمسك باليهودية، فسار إليهم بجنود من حمير، فلمّا أخذهم، خيّرهم بين اليهودية والإحراق بالنار، وحفر لهم حفيرة ثم أضرم فيها النار، وصار يؤتى بالرجل منهم فيخيّره: فمن جزع من النار، وخاف العذاب، ورجع عن دينه، ورضي اليهودية، تركه ومن استمسك بدينه، ولم يبال بالعذاب الدنيوي، لثقته بأن الله يجزيه أحسن الجزاء، ألقاه في النار. ثم بيّن من أصحاب الأخدود فقال: [الآية ٥] : النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) أي أن أصحاب الأخدود هم أصحاب النار، التي لها من الحطب الكثير ما يشتدّ به لهيبها، وجرم يكون حريقها عظيما. [الآية ٦] : إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) أي قتلوا ولعنوا حينما أحرقوا المؤمنين بالنار، وهم قاعدون حولها يشرفون عليهم، وهم يعذّبون ويحرقون فيها. [الآية ٧] :

стр. 2699

وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وهو تعبير يصوّر قسوة قلوبهم، وتمكّن الكفر منهم. فإنّ التعذيب كان يجري بأمرهم، وكانوا يقعدون على مقربة من النار، ويشاهدون أطوار التعذيب وفعل النار في الأجسام بلذّة وسعار، كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع. [الآيتان ٨ و ٩] : وما أنكر أصحاب الأخدود على هؤلاء الذين أحرقوهم بالنار إلا أنهم آمنوا بربهم، الموصوف بالغلبة والقهر، المحمود على نعمه وأفضاله، الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما، وهو رقيب على الجميع شاهد على أعمالهم وأحوالهم. [الآية ١٠] : إنّ هناك جزاء عادلا في الآخرة. وهؤلاء الذين عذّبوا المؤمنين وأحرقوهم في الدنيا، ولم يندموا على ما فعلوا، سيلقون عقابهم في جهنم، وفي حريق شديد، لقد أحرقوا المؤمنين بنار الدنيا، وهي جزء يسير من نار الآخرة، إذ نارها شديدة ومعها غضب الله على العصاة. [الآية ١١] : وهؤلاء المؤمنون الصادقون، يلقون جزاءهم في جنّات تجري من تحتها الأنهار، مع رضوان الله، وذلك هو الفوز الكبير. وبهذا يتمّ الأمر، وينال كل طرف جزاءه العادل، فالظالمون الطّغاة يلقون عذاب الحريق، والمؤمنون الصادقون يلقون الجنة ورضوانا من الله وذلك هو الفوز الكبير. [الآيات ١٢- ١٦] : ان انتقام الله من الظالمين لشديد، فهو يمهلهم حتّى إذا أخذهم لم يفلتهم، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده يوم القيامة. ثم ذكر سبحانه خمسة أوصاف من صفات الرحمة والجلال فقال: ١- وَهُوَ الْغَفُورُ [الآية ١٤] لمن يرجع اليه بالتوبة. ٢- الْوَدُودُ (١٤) كثير الود والعطاء والمحبة لمن أخلصوا له. ٣- ذُو الْعَرْشِ [الآية ١٥] ذو السلطان الكبير والقدرة الكاملة. ٤- الْمَجِيدُ (١٥) العظيم الكرم والفضل. ٥- فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) يفعل ما يشاء ويختار. وهو صاحب الإرادة الطليقة والقدرة المطلقة وراء الأحداث، ووراء الحياة، ووراء كل شيء في الوجود. [الآيتان ١٧ و ١٨] :

стр. 2700

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) الجنود تطلق تارة على العسكر، وتطلق تارة أخرى على الأعوان والمراد بهم هنا الجماعات الذين تجنّدوا على أنبياء الله واجتمعوا على أذاهم، هل أتاك حديثهم؟ وكيف فعل ربك بهم ما يريد. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) لقد أهلك الله فرعون وجنده، ونجا موسى ومن آمن معه وقصّة ثمود مع صالح معروفة، فقد عقرت ثمود الناقة التي جعلها الله لهم آية، وقد أهلكهم الله عن بكرة أبيهم، ونجّى صالحا ومن معه من المؤمنين. وخلاصة ذلك: أنّ الكفّار في كلّ عصر متشابهون، وأنّ حالهم مع أنبيائهم لا تتغيّر ولا تتبدّل، فهم في عنادهم سواء، ولكنّ العاقبة دائما للمتّقين، وبطش الله شديد بالطغاة الظالمين. [الآيات ١٩- ٢٢] : وفي الختام تقرّر السورة أنّ الكفّار في كل عصر يكذّبون الرسالات، وهم غافلون عما يحيط بهم من قهر الله وقدرته، وهو سبحانه محيط بهم وعالم بجميع أحوالهم، وسوف يؤاخذهم على عملهم، وهذا الذي كذّب به قومك كتاب شريف، متفرّد في النظم والمعنى، محفوظ من التحريف، مصون من التغيير والتبديل. مقاصد السورة ١- إظهار عظمة الله وجليل صفاته. ٢- قصة أصحاب الأخدود. ٣- عاقبة المتّقين الجنّة والرضوان، ونهاية المعتدين الهلاك والحريق. ٤- يبيد الله الأمم الطاغية في كلّ حين، ولا سيّما الذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات. ٥- القرآن مجيد شريف، وكفى شرفا أنه كلام الله.

стр. 2701

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «البروج» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة البروج بعد سورة الشمس، ونزلت سورة الشمس بعد سورة القدر، ونزلت سورة القدر بعد سورة عبس، وكان نزول سورة عبس فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة البروج في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وتبلغ آياتها اثنتين وعشرين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على تعذيب أهل مكّة لهم، وتذكيرهم بما جرى من التعذيب لمن آمن قبلهم وقد اقتضى هذا إنذار من يعذّبهم، فسارت به هذه السورة في سياق الإنذار كالسورة التي قبلها وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها. تثبيت المؤمنين على إيذاء المشركين الآيات [١- ٢٢] قال الله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) فأقسم بهذا على قتل أصحاب الأخدود من الأوّلين، وهم الذين حفروا أخاديد ووضعوا فيها

стр. 2702

نارا وألقوا فيها من آمن منهم ثمّ ذكر سبحانه أن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات من كفّار قريش، كما فتن هؤلاء من آمن منهم لهم عذاب جهنّم، وأن المؤمنين لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثم ذكّر جلّ وعلا أن بطشه شديد، إلى غير هذا مما ذكره من صفات نقمته ورحمته بعد ما ذكّر من عقابه وثوابه، ثم ذكّر النبي (ص) بما فعله بفرعون وثمود، وذكر أن هؤلاء المشركين مع هذا مستمرون في تكذيبهم، وهدّدهم بأنه محيط بهم، وذكّر أن ما أنذرهم به من ذلك إنّما هو قرآن مجيد: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) .

стр. 2703

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورتي «البروج» و «الطارق» «١» أقول: هما متآخيتان فقرنتا، وقدمت الأولى لطولها، وذكرتا بعد الانشقاق للمؤاخاة في الافتتاح بذكر السماء، ولهذا ورد في الحديث ذكر السموات مرادا بها السور الأربع «٢» كما قيل المسبّحات.

стр. 2704

المبحث الرابع مكنونات سورة «البروج» «١» أخرج ابن جرير عن أبي هريرة مرفوعا: ١- وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) : يوم القيامة. ٢- وَشاهِدٍ [الآية ٣] : يوم الجمعة. ٣- وَمَشْهُودٍ يوم عرفة. وقال النّخعي: الشاهد يوم النحر. وقال مجاهد: الشاهد: آدم (ع) . وقال الحسن والحسين ﵄. الشاهد: محمد (ص) . أخرج ذلك ابن أبي حاتم. وأخرج ابن جرير. عن عكرمة قال: الشاهد محمد، والمشهود يوم الجمعة. ٤- أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [الآية ٤] . أخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة، قال: كنّا نحدّث أنّ عليا قال: هم أناس كانوا بمدارع اليمن. وأخرج من طريق الحسن عنه قال: هم الحبشة «٢» .

стр. 2705

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «البروج» «١» موضع قسمها، والله أعلم، على: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) بإضمار اللام كما قال: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) [الشمس] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) [الشمس] أي: إن شاء الله «لقد أفلح من زكّاها» بإلقاء اللّام. وإن شئت على التقديم، كأنّ السياق: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) . وأما قوله تعالى: النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) فعلى البدل. وقال تعالى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) ف الْمَجِيدُ (١٥) جر كذلك على (العرش) «٢» والرفع على قوله ذُو «٣» وكذلك مَحْفُوظٍ (٢٢) جر على (اللّوح) «٤» ورفع على

стр. 2706

(القرآن) «١» وأما الْوَقُودِ (٥) فالحطب و «الوقود» الفعل وهو الاتّقاد» .

стр. 2707

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «البروج» «١» إن قيل: أين جواب القسم؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها أنه متروك. الثاني: أنه قوله تعالى: قُتِلَ [الآية ٤] أي لقد قتل: أي لعن. الثالث: أنه قوله تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) . الرابع: أنه محذوف تقديره: لتبعثنّ أو نحوه. الخامس: أنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا [الآية ١٠] .

стр. 2708

سورة الطّارق ٨٦

стр. 2709

المبحث الأول أهداف سورة «الطارق» «١» سورة الطارق سورة مكية، آياتها ١٧ آية، نزلت بعد سورة البلد. وهي سورة تشترك في خصائص سور هذا الجزء، التي تمثل طرقات متوالية على الحس، طرقات عنيفة قويّة عالية، وصيحات بقوم غارقين في النوم، تتوالى على حسّهم تلك الطرقات تناديهم: تيقظوا، تنبّهوا، انظروا، تفكّروا، تدبّروا: إن هناك إلها وحسابا وجزاء، وعذابا شديدا، ونعيما كبيرا. وبين المشاهد الكونية، والحقائق الموضوعية في السورة تناسق مطلق، دقيق ملحوظ، يتّضح من استعراض السورة في سياقها القرآني الجميل. مع آيات السورة [الآيات ١- ٤] : وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) : أي السماء ونجومها الثاقبة للظلام، النافذة من هذا الحجاب الذي يستر الأشياء. وقد كثر في القرآن الحلف بالسماء وبالشمس وبالقمر وبالليل، لأنّ في أحوالها وأشكالها ومسيرها ومطالعها ومغاربها، سمات القدرة وآيات الإبداع والحكمة. والطَّارِقِ: الذي يطرق ليلا، والنَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) هو النجم المضيء الذي يثقب الظلام، ويهتدى به في ظلمات البر والبحر، وهو الثريّا عند

стр. 2710

جمهرة العلماء، أو جنس الشهب التي يرجم بها الشياطين ويرى الحسن أنّ المراد كلّ كوكب، لأنّ له ضوءا ثاقبا لا محالة. يقسم بالسماء ونجمها الثاقب، أنّ كلّ نفس عليها من أمر الله رقيب إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) وفي هذا التعبير بهذه الصيغة معنى التوكيد، ما من نفس إلّا عليها حافظ يراقبها ويحصي عليها، ويحفظ عنها، وهو موكل بها بأمر الله. وقد خصّ النفس هنا لأنها مستودع الأسرار والأفكار، وهي التي يناط بها العمل والجزاء. [الآيات ٥- ٧] : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) . فلينظر الإنسان من أيّ شيء خلق، والى أيّ شيء صار، إنّه خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) خلق من هذا الماء الذي يجتمع من صلب الرجل، وهو عظام ظهره الفقارية، ومن ترائب المرأة وهي عظام صدرها العلويّة. ولقد كان هذا سرّا مكنونا في علم الله لا يعلمه البشر، حتّى كان القرن العشرون، حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته، وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية يتكوّن ماء الرجل، وفي عظام الصدر العلويّة يتكوّن ماء المرأة، حيث يلتقيان في قرار مكين، فينشأ منهما الإنسان. «وقد ثبت في علم الأجنّة أنّ البويضة ذات الخليّة الواحدة تصير علقة ذات خلايا عدّة، ثمّ تصير العلقة مضغة ذات خلايا أكثر عددا، ثمّ تصير المضغة جنينا صغيرا وزّعت خلاياه الى طبقات ثلاث، يخرج من كل طبقة منها مجموعة من الأنسجة المتشابهة في أوّل الأمر، فإذا تمّ نموّها كوّنت جسم الإنسان. «وما وراء هذه اللمحة الخاطفة عن صور الرحلة الطويلة العجيبة بين الماء الدافق والإنسان الناطق، حشود لا تحصى من العجائب والغرائب، في خصائص الأجهزة والأعضاء، تشهد كلها بالتقدير والتدبير، وتشي باليد الحافظة الهادية المعينة، وتؤكّد الحقيقة الأولى التي أقسم عليها بالسماء والطارق، كما تمهّد للحقيقة التالية، حقيقة النشأة الآخرة التي لا يصدّقها المشركون، المخاطبون أوّل مرة بهذه السورة» .

стр. 2711

[الآيات ٨- ١٠] : إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) : إنّ الذي قدر على خلق الإنسان وأنشأه ورعاه، لقادر على رجعه إلى الحياة بعد الموت، وإلى التجدّد بعد البلى فالنشأة الأولى تشهد بقدرته وحكمته، هذه النشأة البالغة الدقة والحكمة، تذهب كلّها عبثا إذا لم تكن هناك رجعة لتختبر السرائر، وتجزى جزاءها العادل. يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) تبلى: أي تختبر وتمتحن، والمراد تظهر. والسَّرائِرُ (٩) ما يسرّ في القلوب من العقائد والنّيّات، وما خفي من الأعمال، واحدها سريرة. وقال الأحوص: سيبقى لها في مضمر القلب والحشا سريرة ودّ يوم تبلى السرائر إنّ الله سبحانه قادر على إعادة الإنسان للحياة يوم تتكشّف السرائر، وتظهر الخفايا، ويتجرّد الإنسان من كل قوة ومن كل عون. فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) فلا يكون للإنسان قوّة ذاتيّة أو منعة من نفسه يمتنع بها، وما له من ناصر خارج ذاته ينصره ويحميه ممّا حتّم أن يقع عليه. والخلاصة: أنّ القوة التي بها يدافع الإنسان عن نفسه، إمّا من ذاته، وقد نفاها بقوله تعالى: فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ [الآية ١٠] ، وإمّا من غيره وقد نفاها بقوله: وَلا ناصِرٍ (١٠) . وبذلك يحشر الإنسان منفردا، مكشوف السرائر، متجرّدا من القوة والنصير. [الآيات ١١- ١٤] : يقسم الله بالسماء ذات المطر الذي ينزل منها، وقد كان أصله ماء الأرض فتبخّر وصعد إلى السماء، ثم رجع منها مطرا إلى الأرض، ليحييها بعد موتها ويقسم بالأرض التي تتشقّق عن النبات والعيون، يقسم بذلك على أنّ القرآن تنزيل من رب العالمين، وهو القول الفاصل بين الحق والباطل، وليس بالهزل ولا باللهو واللعب. أخرج التّرمذي والدارمي عن عليّ كرم الله وجهه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «إنّها ستكون فتن. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من

стр. 2712

جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي قال فيه الجن لمّا سمعوه: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجن] . من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن اعتصم به هدي الى صراط مستقيم» . [الآيات ١٥- ١٧] : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) . إنهم هؤلاء الذين خلقوا من ماء دافق، يمكرون مكرا شديدا، ويتآمرون على إطفاء نور القرآن، والله سبحانه يقابل كيدهم وتآمرهم بما يحبطه ويبطله، وشتّان ما بين عمل الإنسان وعمل الواحد الدّيّان فالمعركة ذات طرف واحد، وإن صوّرت ذات طرفين لمجرّد المشاكلة، انهم يكيدون ... وانا الله أكيد كيدا. أنا المنشئ المبدئ الهادي الحافظ الموجّه المعيد المبتلي القادر القاهر، خالق السماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، أنا الله أكيد كيدا، وفي هذا تهديد ووعيد للكافرين، وبشارة للمؤمنين بأن الله معهم يدبّر أمرهم وإذا كان الله معنا فمن علينا؟ فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) لا تستعجل نزول العذاب بهم، ولا تستبطئ نهايتهم، بل أمهلهم قليلا، وسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال. وفي الآيات إيناس للنبيّ (ص) وللمؤمنين، وبعث للطمأنينة في قلوبهم، وتأكيد لهم بأنّ عناية الله ترعاهم، وأنّ كيد الكافرين ضعيف، وأنّ العاقبة للمتقين: قال تعالى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) [لقمان] . مقاصد السورة ١- إثبات حفظ الله للإنسان ورعايته له. ٢- إقامة الأدلّة على أنّ الله قادر على بعث الخلق كرّة أخرى. ٣- أن القرآن منزل من عند الله سبحانه، وأن محمدا (ص) رسول الله. ٤- تهديد الكافرين بالعذاب والنّكال.

стр. 2713

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الطارق» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الطارق بعد سورة البلد، ونزلت سورة البلد بعد سورة ق، وكان نزول سورة ق فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة الطارق في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وتبلغ آياتها سبع عشرة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة إثبات حفظ الأعمال على كلّ نفس، وما يتبع هذا من حساب وعقاب، وبهذا توافق السورة السابقة في أنّها في سياق الإنذار أيضا، وقد ذكرت بعدها لهذه المناسبة. إثبات حفظ الأعمال الآيات [١- ١٧] قال الله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فأقسم بهذا على أن كل نفس عليها حافظ من الملائكة يحفظ أعمالها ثمّ أمر الإنسان أن ينظر في بدء خلقه ليعرف أنّه خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) ، يعني صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام الصدر والنّحر، وليعرف أيضا أنه قادر على

стр. 2714

رجعه ليحاسبه على أعماله ثم أقسم جلّ وعلا بالسماء ذات الرّجع أي المطر، والأرض ذات الصّدع أي الانشقاق عن النبات، أن ما أنذر به من هذا لقول فصل لا هزل فيه ثم ذكر سبحانه أنّهم يكيدون لدينه وأنه يكيد لهم كيدا: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) .

стр. 2715

المبحث الثالث مكنونات سورة «الطارق» «١» ١- النَّجْمُ [الآية ٣] . قيل: زحل. وقيل: الثّريّا. حكاه ابن عسكر «٢» .

стр. 2716

المبحث الرابع لكل سؤال جواب في سورة «الطارق» «١» إن قيل: أين جواب القسم؟ قلنا إِنْ كُلُّ نَفْسٍ [الآية ٤] . فإن بمعنى ما. ولمّا بالتشديد بمعنى: إلا فيكون المعنى ما كل نفس إلّا عليها حافظ ولما بالتخفيف ما فيه زائدة، وإن هي المخففة من الثقيلة، فيكون المعنى إن كل نفس لعليها حافظ. فإن قيل: ما وجه ارتباط قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ [الآية ٥] بما قبله؟ قلنا: وجهه أنه لما ذكر سبحانه أنّ على كل نفس حافظا أتبعه بوصية الإنسان بالنظر في أوّل أمره ونشأته الأولى، ليعلم أنّ من أنشأه قادر على إعادته ومجازاته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، فلا يملى على حافظه إلّا ما يسرّه في عاقبته. فإن قيل: ما الحكمة في الجمع بين مهّل و «أمهل» ومعناهما واحد؟ قلنا: التأكيد، وإنما خولف بين اللفظين طلبا للخفّة.

стр. 2717

المبحث الخامس المعاني المجازية في سورة «الطارق» «١» في قوله سبحانه: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) استعارة. لأنّ الطارق هاهنا كناية عن النجم. فحقيقة الطارق: الإنسان الذي يطرق ليلا. فلمّا كان النجم لا يظهر إلّا في حال الليل حسن أن يسمّى طارقا. وأصل الطّرق: الدقّ. ومنه المطرقة. قالوا: وإنّما سمّي الآتي بالليل طارقا، لأنّه يأتي في وقت يحتاج فيه إلى الدّقّ أو ما يقوم مقامه للتنبيه على طروقه، والإيذان بوروده. وفي قوله سبحانه: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) استعارة. وحقيقة هذا الماء أنه مدفوق لا دافق. ولكنه خرج على مثل قولهم: سرّ كاتم، وليل نائم. وقد مضت لهذه الآية نظائر كثيرة. وعندي في ذلك وجه آخر، وهو أنّ هذا الماء لمّا كان في العاقبة يؤول إلى أن يخرج منه الإنسان المتصرّف، والقادر المميز، جاز أن يقوى أمره فيوصف، بصفة الفاعل لا صفة المفعول، تمييزا له عن غيره من المياه المهراقة، والمائعات المدفوقة. وهذا واضح لمن تأمّله. وقوله سبحانه: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) استعارة. والمراد بها صفة السماء بأنها ترجع بدرور «٢» الأمطار، وتعاقب الأنواء،

стр. 2718

مرّة بعد مرة وتعطي الخير حالة بعد حالة. وقد قيل: إنّ الرّجع الماء نفسه. وأنشدوا للمتنخل «١» الهذلي يصف السيف: أبيض كالرّجع رسوب إذا ما ثاخ في محتفل يختلي والمراد بالأرض ذات الصّدع: انصداعها عن النبات، وتشقّقها عن الأعشاب وأنشد صاحب «العين» «٢» لبعض العرب: وجاءت سلتم لا رجع فيها ولا صدع فتحتلب الرّعاء فالرجع: المطر والصّدع: العشب، والسّلتم: السنة المجدبة.

стр. 2719

سورة الأعلى ٨٧

стр. 2720

المبحث الأول أهداف سورة «الأعلى» «١» سورة الأعلى سورة مكّيّة، آياتها ١٩ آية، نزلت بعد سورة التكوير. وهي أنشودة سماوية فيها تسبيح بحمد الله، وبيان دلائل قدرته، وإثبات الوحي الإلهي، وتقرير الجزاء في الآخرة، وبيان الوحدة بين الرسالات السماوية، واشتمال الرسالة المحمدية على اليسر والسماحة، وكل واحدة من هذه تحتها موحيات شتّى، ووراءها مجالات بعيدة المدى. وفي صحيح مسلم: أنّ رسول الله (ص) كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) ، وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) [الغاشية] ، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما. وفي رواية للإمام أحمد عن الإمام علي كرم الله وجهه: «أن رسول الله (ص) كان يحبّ هذه السورة، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) . مع آيات السورة [الآيات ١- ٥] : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) . التسبيح هو التمجيد والتنزيه، واستحضار معاني الصّفات الحسنى لله، والحياة بين إشعاعاتها وفيوضها، وإشراقاتها ومذاقاتها الوجدانية بالقلب والشعور. يقول الامام محمد عبده: «واسم الله

стр. 2721

هو ما يمكن لأذهاننا أن تتوجّه إليه به، والله يأمرنا بتسبيح هذا الاسم، أي تنزيهه عن أن يكون فيه ما لا يليق به من شبه المخلوقات أو ظهوره في واحد منها بعينه، أو اتّخاذه شريكا أو ولدا أو ما ينحو هذا النحو، فلا نوجه عقولنا إليه إلّا بأنه خالق كل شيء، المحيط علمه بدقائق الموجودات» . والخطاب في السورة موجّه إلى رسول الله (ص) ، وفيه من التلطّف والإيناس ما يجلّ عن التعبير، وقد كان (ص) ينفّذ هذا الأمر فور صدوره. وحينما نزل قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) [الواقعة] قال النبي (ص) : اجعلوها في ركوعكم، أي قولوا في الركوع: سبحان ربي العظيم، ولما نزل قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) قال النبي (ص) : اجعلوها في سجودكم، أي قولوا في السجود: سبحان ربي الأعلى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) الذي خلق كلّ شيء فسوّاه وأكمل صنعته، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه بلا تفاوت ولا اضطراب، كما تراه يظهر لك من خلق السماوات والأرض. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) أي قدّر لكلّ حيّ ما يصلحه مدة بقائه، وهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع بما فيه منفعة له، ووجه الهرب بما يخشى غائلته. «وكلّ شيء في الوجود سويّ في صنعته، كامل في خلقته، معدّ لأداء وظيفته، مقدّر له غاية وجوده، وهو ميسّر لتحقيق هذه الغاية من أيسر طريق. والأشياء جميعها مجتمعة كاملة التنسيق، ميسّرة لكي تؤدّي في تجمّعها دورها الجماعي، مثلما هي ميسّرة فرادى لكي تؤدّي دورها الفردي» . جاء في كتاب «العلم يدعو إلى الايمان» ما يأتي: «إنّ الطيور لها غريزة العودة إلى الوطن، فعصفور الهزار الذي عشّش ببابك يهاجر جنوبا في الخريف، ولكنّه يعود إلى عشّه في الربيع التالي، وفي شهر سبتمبر تطير أسراب من معظم الطيور إلى الجنوب، وقد تقطع في الغالب نحو ألف ميل فوق أرض البحار، ولكنّها لا تضل طريقها والنحلة تجد خليّتها مهما طمست الريح في هبوبها على الأعشاب والأشجار كل دليل يرى وأنت إذا تركت حصانك العجوز وحده فإنه يلزم الطريق مهما اشتدت ظلمة الليل، وهو يقدر أن يرى ولو في غير وضوح

стр. 2722

والبومة تستطيع أن ترى الفأر الدافئ اللطيف، وهو يجري على العشب البارد مهما تكن ظلمة الليل، ونحن نقلب الليل نهارا بإحداث إشعاع في تلك المجموعة التي نسمّيها الضوء» . «والكلب بما أوتي من أنف فضولي، يستطيع أن يحس الحيوان الذي مرّ» . «وسمك (السلمون) يمضي سنوات في البحر، ثم يعود إلى نهره الخاص به، والأكثر من ذلك أنّه يصعد إلى جانب النهر الذي يصبّ عنده النّهير الذي ولد فيه. فما الذي يجعل السمك يرجع الى مكان مولده بهذا التحديد؟» . إنه الله الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) . وقد سجل البشر كثيرا من إبداع الخلقة، في عوالم النبات والحشرات والطيور والحيوان، في هذا الوجود المشهود الذي لا نعرف عنه إلا أقلّ القليل، ووراءه عالم الغيب بما فيه من كمال وجلال فسبحان الله الخلاق العظيم. وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) والمرعى كلّ نبات، وما من نبات إلّا وهو صالح لخلق من خلق الله. فهو هنا أشمل ممّا نعهده من مرعى أنعامنا، فالله خلق هذه الأرض، وقدّر فيها أقواتها لكلّ حيّ يدب فوق ظهرها أو يختبئ في جوفها، أو يطير في جوّها، والنبات يتحايل على استخدام وكلاء لمواصلة وجوده، دونما رغبة من جانبهم، كالحشرات التي تحمل اللّقاح من زهرة الى أخرى، والرياح، وكل شيء يطير أو يمشي، ليوزّع بدوره. فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) والغثاء هو الهشيم، أو الهالك البالي، والأحوى: الذي يميل لونه إلى السواد، فهو سبحانه قد أحكم كل شيء خلقه، ما يبقى وما يفنى. «فنحن مأمورون أن نعرف الله جل شأنه، بأنه القادر العالم الحكيم، الذي شهدت بصفاته هذه آثاره في خلقه، التي ذكرها في وصف نفسه بقوله: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) إلخ، وأن لا ندخل في هذه الصفات معنى ممّا لا يليق به، كما أدخل الملحدون الذين اتّخذوا من دونه شركاء أو عرفوه بما يشبه به خلقه وإنّما توجّه إلينا الأمر بتسبيح الاسم، دون تسبيح الذات، ليرشدنا الى أن مبلغ جهدنا، ومنتهى ما تصل إليه عقولنا، أن نعرف الصفات

стр. 2723

بما يدلّ عليها أمّا الذات فهي أعلى وأرفع من أن تتوجّه عقولنا إليها إلّا بما نلحظ من هذه الصفات التي تقوم عليها الدلائل، وترشد إليها الآيات، ولهذا أمرنا بتسبيح اسمه تكليفا لنا بما يسعه طوقنا، والله أعلم» . [الآيتان ٦ و ٧] : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ سننزل عليك كتابا تقرأه، ولا تنسى منه شيئا بعد نزوله عليك. وهي بشرى للنبي (ص) ، تريحه وتطمئنه على هذا القرآن العظيم الجميل الحبيب إلى قلبه، الذي كان يندفع بعاطفة الحبّ له، وبشعور الحرص عليه، وبإحساس التبعة العظمى فيه، إلى ترديده آية آية وراء جبريل، وتحريك لسانه به خيفة أن ينسى حرفا منه، حتّى جاءته هذه البشائر المطمئنة بأنّ ربّه سيتكفّل بهذا الأمر عنه. إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الآية ٧] أن تنساه بنسخ تلاوته وحكمه، أما ما لا ينسخ فإنّه محفوظ في قلبك. إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وكأنّ هذا تعليل لما مرّ في هذا المقطع من الإقرار والحفظ والاستثناء، فكلّها ترجع إلى حكمة يعلمها من يعلم الجهر وما يخفى، ويطّلع على الأمر من جوانبه جميعا، فيقرّر فيها ما تقتضيه حكمته، المستندة إلى علمه بأطراف الأمر جميعا. [الآية ٨] : وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) أي نوفّقك للشريعة السمحة التي يسهل على النفوس قبولها، ولا يصعب على العقول فهمها. يسر الشريعة الإسلامية يسّر الله سبحانه القرآن للقراءة وللعمل بأحكامه، ويسّر الشريعة، ويسّر الأحكام وجعلها في طاقة الناس، ولا حرج فيها ولا عنت، قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) [القمر] . وقال سبحانه: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج/ ٧٨] . وقال تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة/ ٦] . وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة/ ٢٨٦] . وكان النبيّ (ص) سهلا سمحا مؤلّفا محبّبا، وما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فكان أبعد الناس عنه، وكان سلوك النبي (ص)

стр. 2724

وهديه يعبّران عن اختيار اليسر، وقلة التكلف في اللباس والطعام والفراش وكل أمور الحياة، فكان (ص) يلبس لكل موطن ما يناسبه، فلبس العمامة والقلنسوة في السلم، ولبس المغفر وغطى رأسه ووجهه بحلقات الحديد في الحرب. جاء في «زاد المعاد» لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزيه عن هديه (ص) في ملابسه: «والصواب أنّ أفضل الطرق طريق رسول الله (ص) ، التي سنها وأمر بها ورغب فيها وداوم عليها، وهي أنّ هديه في اللباس أن يلبس ما تيسّر من اللباس من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتّان تارة، ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر، ولبس الجبة والقباء، والقميص والسراويل، والإزار والرداء، والخف والنعل، وأرخى الذؤابة من خلفه تارة وتركها تارة ... إلخ» . وقال عن هديه (ص) في نومه وانتباهه: «كان ينام على فراشه تارة، وعلى النطع «١» تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رماله، وتارة على كساء أسود» . وقال في هديه في الطعام: «وكذلك كان هديه (ص) وسيرته في الطعام، لا يردّ موجودا، ولا يتكلّف مفقودا، فما قرّب إليه شيء من الطيّبات إلّا أكله، وما عاب طعاما قط: إن اشتهاه أكله، وإلّا تركه. فقد أكل الحلوى والعسل- وكان يحبّهما- وأكل الرّطب والتمر، وأكل الثريد بالسمن وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطيخ بالرطب، وأكل التمر بالزبد- وكان يحبه-، ولم يكن يردّ طيّبا ولا يتكلّفه، بل كان هديه أكل ما تيسّر، فإن أعوزه صبر ... إلخ» . والأحاديث النبوية التي تحضّ على اليسر والسماحة، والرفق في تناول الأمور كثيرة جدا يصعب تقصيها، منها قوله (ص) : «إنّ هذا الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه» ، أخرجه البخاري. «لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد عليكم فإن قوما شدّدوا على أنفسهم فشدّد عليهم» أخرجه أبو داود.

стр. 2725

«إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» أخرجه البخاري. وفي التعامل يقول (ص) : «رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى وإذا اقتضى» أخرجه البخاري. «المؤمن يألف ويؤلف» ، أخرجه الدارقطني. «إن أبغض الرجال الى الله الألدّ الخصم» ، أخرجه الشيخان. وسيرة الرسول (ص) كلّها صفحات من السماحة واليسر، والهوادة واللين، والتوفيق إلى اليسر في تناول الأمور جميعا. «اختلف معه أعرابيّ، فأخذ النبيّ الأعرابيّ إلى بيته وزاده في العطاء حتّى رضي، وأعلن عن رضاه أمام الصحابة أجمعين» . ولقد كان النبيّ كريم النفس، ميسّرا لحمل الرسالة في أمانة ويسر، ومودّة ورحمة، وعطف على الناس وحكمة، قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء] وقال سبحانه: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) [التوبة] . وكان ﵊ رحمة مهداة، فقد حارب لصدّ العدوان، وتبليغ الدعوة، ومنع الاضطهاد والفتنة عن الضعفاء والمستضعفين ومع ذلك كان آية في الإنسانية، فكان ينهى عن قتل النساء والأطفال، وينهى عن الغدر والخيانة، ويحثّ على الوفاء بالعهد في السلم والحرب، ولا عجب فقد جمع المكارم والمحامد، وصدق الله العظيم إذ قال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم] . [الآية ٩] : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) لقد يسّره الله لليسرى، لينهض بالأمانة الكبرى، ليذكّر الناس فلهذا أعدّ، ولهذا بشّر، فذكّر حيثما وجدت فرصة للتذكير، ومنفذا للقلوب ووسيلة للبلاغ. قال النيسابوري في تفسير الآية: إن تذكير العالم واجب في أوّل الأمر، وأمّا التكرير فالضابط فيه هو العرف، فلعلّه إنّما يجب عند رجاء حصول المقصود، فلهذا أردف بالشرط حيث قال تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) . وقال الإمام محمد عبده: «وليس الشرط قيدا في الأمر فقد أجمع أهل الدين- سلفهم وخلفهم- على أنّ

стр. 2726

الأمر بالتذكير عامّ، نفعت الذكرى أم لم تنفع، وعمله (ص) شاهد على ذلك» . [الآية ١٠] : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) ، ذلك الذي يستشعر قلبه التقوى فيخشى غضب الله وعذابه، فإذا ذكّر ذكر، وإذا بصّر أبصر، وإذا وعظ اعتبر. [الآيتان ١١ و ١٢] : وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) أي ويبتعد عن هذه التذكرة، المعاند المصرّ على الجحود عنادا واستكبارا، حتى مات قلبه وشقيت روحه، فسيلقى النار الكبرى، وهي نار جهنم، وهي كبرى إذا قيست بنار الدنيا، أي هي كبرى لشدّتها ومدّتها وضخامتها، حيث يمتد بقاؤه فيها، فلا هو ميت يجد طعم الراحة، ولا هو حي فيحيا حياة السعادة. تقول العرب: لمن ابتلي بمرض أقعده: لا هو حيّ فيرجى، ولا ميت فينعى. [الآيتان ١٤ و ١٥] : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) ، قد أدرك الفلاح من تطهّر من كلّ رجس ودنس، وأيقن بالحقّ وسعد بالإيمان، فهو في فلاح وسعادة بذكره اسم الله، وبصلاته وخشوعه لله، واعتماده عليه فهو في فلاح في الدنيا لأنّه عاش موصولا بالله، مؤدّيا للصلاة، مراقبا مولاه، وهو في فلاح في الآخرة، بنجاته من النار الكبرى، وفوزه بالنعيم والرضا. [الآيتان ١٦ و ١٧] : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) ، بل أنتم، لقصر أنظاركم، تؤثرون الفانية على الباقية. والحال أنّ الآخرة أفضل من الدنيا في نوعها، وأبقى في أمدها، ولو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لوجب إيثار ما يبقى على ما يفنى فكيف الحال والدنيا من خزف يفنى، والآخرة من ذهب يبقى. [الآيتان ١٨ و ١٩] : إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) ، أصول هذه الشريعة العادلة، وقواعد المؤاخذة والحساب، وما ورد في هذه السورة من أصول العقيدة الكبرى، هو الذي في الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى، فدين الله واحد، وإنّما تتعدّد صوره ومظاهره. ومجمل ذلك أنّ الرسول (ص) ما

стр. 2727

جاء إلّا مذكّرا بما نسيته الأجيال من شرائع المرسلين، وداعيا إلى وجهها الصحيح، الذي أفسده كرّ الغداة ومرّ العشيّ، كما طمس معالمه اتّباع الأهواء، واقتفاء سنن الآباء والأجداد. مقاصد سورة الأعلى ١- تسبيح الله وتنزيهه وبيان قدرته. ٢- وعد الرسول بحفظ القرآن وعدم نسيانه. ٣- وعده بالتوفيق الى الطريقة السهلة الميسرة في الدعوة. ٤- تكليفه أن يذكر الناس. ٥- الناس صنفان امام الدعوة: (أ) مستجيب ناج. (ب) ومعرض هالك. ٦- قواعد العدل وأصول الشريعة متشابهة في القرآن وفي الكتب السماوية السابقة.

стр. 2728

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأعلى» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الأعلى بعد سورة التكوير، وكان نزول سورة التكوير فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة الأعلى في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) وتبلغ آياتها تسع عشرة آية. الغرض منها وترتيبها نزلت هذه السورة في أوائل ما نزل من السّور بمكة، والغرض منها بيان منهاج الدعوة، ليرغّب الناس في الإيمان بها ويحذّرهم من مخالفتها، فسلكت بهذا مسلك الإنذار والترغيب والترهيب كما سلكته السورة السابقة، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها. منهاج الدعوة الآيات [١- ١٩] قال الله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) فأجمل منهاج الدعوة في ثلاثة أمور: تنزيهه عمّا لا يليق به من الشرك ونحوه، وإنزال القرآن ليكون أصلا لتلك الدعوة، والهداية للشريعة اليسرى الصالحة للناس جميعا. ثمّ أمر النبي (ص) أن يعظ بهذا من تنفعه العظة، وذكر أنّه سيتّعظ بها من يخشاه، ويتجنّبها الأشقى الذي يصلى

стр. 2729

النار الكبرى، ثمّ ذكر أن من يعرض عنها يؤثر الحياة الدنيا عليها مع أن الآخرة خير وأبقى، وأن ما ذكره من هذا موجود في الصحف الأولى: صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) .

стр. 2730

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأعلى» «١» أقول: في سورة الطارق ذكر خلق النبات والإنسان في قوله تعالى: وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) ، وقوله: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) إلى إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) . وذكره في هذه السورة في قوله سبحانه: خَلَقَ فَسَوَّى (٢) . وقوله في النبات: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) . وقصة النبات في هذه السورة أبسط، كما أنّ قصة الإنسان هناك أبسط. نعم، ما في هذه السورة أعمّ، من جهة شموله للإنسان وسائر المخلوقات.

стр. 2731

المبحث الرابع لكل سؤال جواب في سورة «الأعلى» «١» إن قيل: لم قال الله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) مع أنه كان (ص) مأمورا بالذكرى، نفعت أو لم تنفع؟ قلنا: معناه إذ نفعت. وقيل: معناه قد نفعت. وقيل: إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. وذكر الماوردي أنّها بمعنى «ما» ، وكأنه أراد معنى ما الظرفية و «إن» بمعنى «ما» الظرفية ليس بمعروف. وإن قيل: لم قال الله تعالى: لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) . مع أن الحيوان لا يخلو عن الاتصاف بأحد هذين الوصفين؟ قلنا: معناه لا يموت موتا يستريح به، ولا يحيا حياة ينتفع بها. وقال ابن جرير رحمة الله تعالى عليه: تصعد نفسه إلى حلقومه ثم لا تفارقه فيموت، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا، والله أعلم.

стр. 2732

سورة الغاشية ٨٨

стр. 2733

المبحث الأول أهداف سورة «الغاشية» «١» سورة «الغاشية» سورة مكّيّة، وآياتها ٢٦ آية نزلت بعد سورة الذاريات، وهي سورة قصيرة الآيات، متناسقة الفواصل، تطوف بالقلب البشري أمام الآخرة وأحوالها، فأصحاب الجحيم يلقون أشدّ ألوان الألم والعذاب، وأهل الجنة يتمتّعون بألوان النعيم، وصنوف التكريم، ثم تعرض أمام الناظرين مشاهد الكون، وآيات الله المبثوثة في خلائقه، المعروضة للجميع. ثم تذكّر الناس بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف، ذلك كله بأسلوب عميق الإيقاع، هادئ، ولكنه نافذ رصين، ولكنه رهيب. مع آيات السورة [الآية ١] : الغاشية هي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها، وتغمرهم بأهوالها، والمراد منها هنا يوم القيامة، وقد سبق في هذا الجزء وصف القيامة بالطّامة والصّاخّة، وسيأتي وصفها بالقارعة، بما يناسب طبيعة التذكير والتهديد للمعاندين. والاستفهام هنا لتعظيم الأمر وتقريره، أي هل سمعت قصة يوم القيامة وما يقع فيه؟ وعن عمر بن ميمون، قال: مر النبي (ص) على امرأة تقرأ: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) فقام يستمع ويقول: «نعم قد جاءني» .

стр. 2734

والخطاب مع ذلك عام لكل من يسمع القرآن. [الآيات ٢- ٧] : إن وجوه الكفّار في هذا اليوم تكون ذليلة، لما يظهر عليها من الحزن والكآبة، وسوف يلقون تعبا وإرهاقا في النار، بسبب أعمالهم السيّئة، وسيدخلون النار المتأجّجة التي تلتهمهم، وإذا عطشوا من شدة حرّها، وطلبوا ما يطفئ ظمأهم، سقوا مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ: أي من ينبوع شديد الحرارة، وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) [الكهف] . وليس لهم طعام في النار إلّا من ضريع، والضريع: شجر ذو شوك لائط بالأرض، فإذا كان رطبا سمّي بالشّبرق، وإذا جني صار اسمه الضريع. ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سامّ، والأكل منه لون من ألوان العذاب الشديد، يضاف الى ذلك الغسلين والغسّاق، وباقي الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع. [الآيات ٨- ١١] : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) . هنا وجوه يبدو عليها النعيم، ويفيض منها الرضى، وجوه تنعم بما تجد، وتشعر بالرضى عن عملها، حينما ترى رضى الله عنها، وهذا النعيم في جنة عالية المقام، مرتفعة على غيرها من الأماكن، لأنّ الجنّة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، كما أن النّار دركات بعضها أسفل من بعض. لا يسمع أهل الجنة لغوا ولا باطلا، وإنّما يعيشون في جو من السكون والهدوء، والسلام والاطمئنان، والودّ والرضى، والنجاء والسمر بين الأحبّاء، والتنزّه والارتفاع عن كل كلمة لاغية، لا خير فيها ولا عافية، وهذه وحدها نعيم وسعادة وتوحي الجملة بأن المؤمنين في الأرض حينما ينأوون عن اللغو والباطل، إنّما ينعمون بطرف من حياة الجنة، ويتشبّهون بأهلها. [الآية ١٢] : فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) ، والعين الجارية: الينبوع المتدفّق، والمياه الجارية متعة للنفس وللنظر، وقد افتخر بمثلها فرعون فقال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) [الزخرف] . [الآية ١٣] : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وفيها سرر عالية المكان والمقدار،

стр. 2735

ليرى المؤمن وهو عليها ما خوّله الله من النعم. [الآية ١٤] : وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) مصفوفة مهيّأة للشرب، لا تحتاج الى طلب ولا إعداد. [الآية ١٥] : وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) . والنمارق الوسائد والحشايا، قد صفّت بعضها الى بعض، للاتّكاء في ارتياح. [الآية ١٦] : وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) و (الزرابيّ) البسط (أي السّجاجيد) (مبثوثة) أي مبسوطة أو مفرقة هنا وهناك، كما تراه في بيوت أهل النعمة. ذلك كلّه لتصوير النعمة والرفاهية واللذة، وتقريبها لتصوّر الناس في الدنيا، وإلّا فنعيم تلك الدار نعيم لا يشبهه في هذه الدار نعيم، فمتاع الدنيا قليل، ومتاع الآخرة لا شبيه له ولا مثيل، وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) [الزخرف] . فيها النعيم والرضى فيها السرور بالنجاة، والأنس برضوان الله فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. [الآية ١٧] : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) . يلفت القرآن الأنظار الى دلائل قدرة الله سبحانه، وبديع صنعته، فلينظر الإنسان إلى الجمال كيف خلقت؟ وليتدبّر كيف وجدت على هذا النحو المناسب لوظيفتها، المحقّق لغاية خلقها، المتناسق مع بيئتها ووظيفتها جميعا. إنّ الناس لم يخلقوها، وهي لم تخلق نفسها، فلا يبقى إلّا أن تكون من إبداع المتفرّد بصنعته، التي تدل عليه وتقطع بوجوده، كما تشي بتدبيره وتقديره. [الآية ١٨] : وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) أفلا ينظرون إليها كيف رفعت؟ من ذا رفعها بلا عمد، ونثر فيها النجوم بلا عدد، وجعل فيها هذه البهجة وهذا الجمال؟ [الآية ١٩] : وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) والجبل ملجأ وملاذ، وأنيس وصاحب، ومشهد يوحي إلى النفس الإنسانية جلالا واستهوالا، حيث يتضاءل الإنسان إلى جواره ويستكين، ويخشع للجلال السّامق الرّزين، «ونصب الجبال إقامتها علما للسّائر، وملجأ من الجائر، وهي في
следующие страницы →