المبحث الرابع لكل سؤال جواب في سورة «الأعلى» «١»
إن قيل: لم قال الله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) مع أنه كان (ص) مأمورا بالذكرى، نفعت أو لم تنفع؟
قلنا: معناه إذ نفعت. وقيل: معناه قد نفعت. وقيل: إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. وذكر الماوردي أنّها بمعنى «ما» ، وكأنه أراد معنى ما الظرفية و «إن» بمعنى «ما» الظرفية ليس بمعروف. وإن قيل: لم قال الله تعالى: لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) . مع أن الحيوان لا يخلو عن الاتصاف بأحد هذين الوصفين؟
قلنا: معناه لا يموت موتا يستريح به، ولا يحيا حياة ينتفع بها. وقال ابن جرير رحمة الله تعالى عليه: تصعد نفسه إلى حلقومه ثم لا تفارقه فيموت، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا، والله أعلم.
стр. 2732
سورة الغاشية ٨٨
стр. 2733
المبحث الأول أهداف سورة «الغاشية» «١»
سورة «الغاشية» سورة مكّيّة، وآياتها ٢٦ آية نزلت بعد سورة الذاريات، وهي سورة قصيرة الآيات، متناسقة الفواصل، تطوف بالقلب البشري أمام الآخرة وأحوالها، فأصحاب الجحيم يلقون أشدّ ألوان الألم والعذاب، وأهل الجنة يتمتّعون بألوان النعيم، وصنوف التكريم، ثم تعرض أمام الناظرين مشاهد الكون، وآيات الله المبثوثة في خلائقه، المعروضة للجميع.
ثم تذكّر الناس بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف، ذلك كله بأسلوب عميق الإيقاع، هادئ، ولكنه نافذ رصين، ولكنه رهيب.
مع آيات السورة
[الآية ١] : الغاشية هي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها، وتغمرهم بأهوالها، والمراد منها هنا يوم القيامة، وقد سبق في هذا الجزء وصف القيامة بالطّامة والصّاخّة، وسيأتي وصفها بالقارعة، بما يناسب طبيعة التذكير والتهديد للمعاندين. والاستفهام هنا لتعظيم الأمر وتقريره، أي هل سمعت قصة يوم القيامة وما يقع فيه؟
وعن عمر بن ميمون، قال: مر النبي (ص) على امرأة تقرأ: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) فقام يستمع ويقول: «نعم قد جاءني» .
стр. 2734
والخطاب مع ذلك عام لكل من يسمع القرآن.
[الآيات ٢- ٧] : إن وجوه الكفّار في هذا اليوم تكون ذليلة، لما يظهر عليها من الحزن والكآبة، وسوف يلقون تعبا وإرهاقا في النار، بسبب أعمالهم السيّئة، وسيدخلون النار المتأجّجة التي تلتهمهم، وإذا عطشوا من شدة حرّها، وطلبوا ما يطفئ ظمأهم، سقوا مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ: أي من ينبوع شديد الحرارة، وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) [الكهف] . وليس لهم طعام في النار إلّا من ضريع، والضريع: شجر ذو شوك لائط بالأرض، فإذا كان رطبا سمّي بالشّبرق، وإذا جني صار اسمه الضريع. ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سامّ، والأكل منه لون من ألوان العذاب الشديد، يضاف الى ذلك الغسلين والغسّاق، وباقي الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
[الآيات ٨- ١١] : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) . هنا وجوه يبدو عليها النعيم، ويفيض منها الرضى، وجوه تنعم بما تجد، وتشعر بالرضى عن عملها، حينما ترى رضى الله عنها، وهذا النعيم في جنة عالية المقام، مرتفعة على غيرها من الأماكن، لأنّ الجنّة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، كما أن النّار دركات بعضها أسفل من بعض.
لا يسمع أهل الجنة لغوا ولا باطلا، وإنّما يعيشون في جو من السكون والهدوء، والسلام والاطمئنان، والودّ والرضى، والنجاء والسمر بين الأحبّاء، والتنزّه والارتفاع عن كل كلمة لاغية، لا خير فيها ولا عافية، وهذه وحدها نعيم وسعادة وتوحي الجملة بأن المؤمنين في الأرض حينما ينأوون عن اللغو والباطل، إنّما ينعمون بطرف من حياة الجنة، ويتشبّهون بأهلها.
[الآية ١٢] : فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) ، والعين الجارية: الينبوع المتدفّق، والمياه الجارية متعة للنفس وللنظر، وقد افتخر بمثلها فرعون فقال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) [الزخرف] .
[الآية ١٣] : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وفيها سرر عالية المكان والمقدار،
стр. 2735
ليرى المؤمن وهو عليها ما خوّله الله من النعم.
[الآية ١٤] : وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) مصفوفة مهيّأة للشرب، لا تحتاج الى طلب ولا إعداد.
[الآية ١٥] : وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) .
والنمارق الوسائد والحشايا، قد صفّت بعضها الى بعض، للاتّكاء في ارتياح.
[الآية ١٦] : وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) و (الزرابيّ) البسط (أي السّجاجيد) (مبثوثة) أي مبسوطة أو مفرقة هنا وهناك، كما تراه في بيوت أهل النعمة. ذلك كلّه لتصوير النعمة والرفاهية واللذة، وتقريبها لتصوّر الناس في الدنيا، وإلّا فنعيم تلك الدار نعيم لا يشبهه في هذه الدار نعيم، فمتاع الدنيا قليل، ومتاع الآخرة لا شبيه له ولا مثيل، وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) [الزخرف] .
فيها النعيم والرضى فيها السرور بالنجاة، والأنس برضوان الله فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. [الآية ١٧] : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
(١٧) .
يلفت القرآن الأنظار الى دلائل قدرة الله سبحانه، وبديع صنعته، فلينظر الإنسان إلى الجمال كيف خلقت؟
وليتدبّر كيف وجدت على هذا النحو المناسب لوظيفتها، المحقّق لغاية خلقها، المتناسق مع بيئتها ووظيفتها جميعا. إنّ الناس لم يخلقوها، وهي لم تخلق نفسها، فلا يبقى إلّا أن تكون من إبداع المتفرّد بصنعته، التي تدل عليه وتقطع بوجوده، كما تشي بتدبيره وتقديره.
[الآية ١٨] : وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) أفلا ينظرون إليها كيف رفعت؟ من ذا رفعها بلا عمد، ونثر فيها النجوم بلا عدد، وجعل فيها هذه البهجة وهذا الجمال؟
[الآية ١٩] : وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) والجبل ملجأ وملاذ، وأنيس وصاحب، ومشهد يوحي إلى النفس الإنسانية جلالا واستهوالا، حيث يتضاءل الإنسان إلى جواره ويستكين، ويخشع للجلال السّامق الرّزين، «ونصب الجبال إقامتها علما للسّائر، وملجأ من الجائر، وهي في
стр. 2736
الأغلب نزهة للناظر» ، وأمان وحفظ لتوازن الأرض، قال تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [الأنبياء/ ٣١] وقال سبحانه: وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) [النبأ] أي وسيلة لحفظ نظام الأرض من الزلازل والبراكين وغيرها.
[الآية ٢٠] : وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) والأرض مسطوحة أمام النظر، ممهّدة للحياة والسير والعمل، والناس لم يسطحوها كذلك، فقد سطحت قبل أن يكونوا هم، أفلا ينظرون إليها؟ ويتدبّرون ما وراءها، ويسألون من سطحها ومهّدها هكذا للحياة تمهيدا؟
«وقد أيقظ القرآن الحس، ولفت النظر، إلى مشهد كلّي يضم منظر السماء المرفوعة، والأرض المبسوطة، وفي هذا المدى المتطاول تبرز الجبال منصوبة السّنان، لا رأسية ولا ملقاة، وتبرز الجمال منصوبة السّنام: خطّان أفقيان، وخطان رأسيّان، في المشهد الهائل، في المساحة الشاسعة، وهي لوحة متناسقة الأبعاد والاتّجاهات، على طريقة القرآن في عرض المشاهد، وفي التعبير بالتصوير على وجه الإجمال» . والآن بعد الجولة الأولى في عالم الآخرة، والجولة الثانية في مشاهد الكون المعروضة، يخاطب القرآن النبيّ الكريم، بقول الله تعالى:
[الآيات ٢١- ٢٤] : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) .
فعظهم يا محمّد بآيات القرآن، وذكّرهم بالدعوة إلى الإله الواحد القهّار فالإنسان بفطرته ميسّر للإذعان بقدرة الله ﷻ وبديع صنعته وإنّما قد تتحكّم الغفلات، فتحتاج النفوس إلى مذكّر يردّها إلى الحقّ والصواب.
إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) أي إنما بعثت للتذكير فحسب، وليس عليك هداهم إن عليك إلا البلاغ، وتبليغ الدعوة وترك الناس أحرارا في اعتقادهم، فلا إكراه في الدين، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) والمسيطر:
المتسلّط، فأنت لا تجبرهم على الايمان. قال تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥) [ق] .
فمن تولّى عن الحق، وكفر بآيات
стр. 2737
الله، وأنكر الدعوة، فإنّ حسابه، إلى الله المطّلع على القلوب، وصاحب السلطان على السرائر، وسوف يعذّبه الله العذاب الأكبر في الآخرة، وقد يضمّ إلى عذاب الآخرة عذاب الدنيا.
[الآيتان ٢٥ و ٢٦] : إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) وتختم السورة بهذا الإيقاع المناسب، لتؤكّد دور الرسول في البلاغ. أمّا الجزاء والحساب فسيكون في يوم الدين، يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، إن إلينا إيابهم ورجوعهم، ثمّ إنّ علينا وحدنا حسابهم وجزاءهم، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) [آل عمران] . قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) [الأنبياء] .
مقاصد السورة
١- وصف أهل النار وأهل الجنة.
٢- وصف مشاهد الكون وبدائع الصنعة الإلهية.
٣- تحديد مهمّة الرسول (ص) بالبلاغ والدعوة إلى الهداية.
стр. 2738
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الغاشية» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الغاشية بعد سورة الذاريات، ونزلت سورة الذاريات بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة الغاشية في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) ، وتبلغ آياتها ستا وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة تفصيل الثواب والعقاب في يوم القيامة، وهذا هو سياق الإنذار والترهيب والترغيب، وبهذا تشبه هذه السورة سورة الأعلى في سياقها، وتكون هناك مناسبة في ذكرها بعدها.
تفصيل الثواب والعقاب الآيات [١- ٢٦]
قال الله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) فسأل سؤال تهويل عما يكون في يوم القيامة، وأجاب عنه بأنه يكون فيها وجوه خاشعة عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية إلخ إلخ ووجوه ناعمة، لسعيها راضية، في جنة عالية إلخ ثمّ أمرهم سبحانه أن ينظروا كيف خلق الإبل ورفع السماء، إلى غير هذا مما ذكره ليستدل به على قدرته على بعثهم،
стр. 2739
ليلقوا ما ذكره من عقابهم وثوابهم ثمّ أمر النبي (ص) أن يقتصر على تذكيرهم بهذا، ولا يهمّه أن يؤمنوا أو يكفروا لأنه ليس بمسيطر عليهم، ولكن من كفر منهم فيعذّبهم العذاب الأكبر: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) .
стр. 2740
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الغاشية» «١»
أقول: لما أشار سبحانه في سورة الأعلى بقوله تعالى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) إلى قوله: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) ، إلى المؤمن والكافر، والنار والجنة إجمالا، فصّل ذلك في هذه السّورة، فبسط صفة النار والجنة مستندة إلى أهل كلّ منهما، على نمط ما هنالك، ولذا قال هنا: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) ، في مقابل: َْشْقَى
(١١) هناك وقال هنا: تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) إلى: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) ، في مقابل: يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) هناك. ولما قال هناك في الآخرة:
خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) وبسط هنا صفة الجنة أكثر مما بسط صفة النار، تحقيقا لمعنى الخيرية.
стр. 2741
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الغاشية» «١»
قال تعالى: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) .
والضّريع: نبات أخضر منتن. أقول: وما زال القرويّون في العراق يصفون طعامهم كالتمر والسمك بأنه «مضرّع» أي: منتن فاسد.
стр. 2742
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الغاشية» «١»
واحد «نمارق» في الآية ١٥:
النمرقة.
وقال تعالى: لاغِيَةً/ ١١ [الآية ١١] أي:
لا تسمع كلمة لغو، وجعلها (لاغية) .
والحجة في هذا أنّك تقول: «فارس» لصاحب الفرس، و «دارع» لصاحب الدّرع، و «شاعر» لصاحب الشّعر. وقال الشاعر «٢» [من مجزوء الكامل وهو الشاهد الثامن والسبعون بعد المائتين] :
أغررتني وزعمت أنّك ... لابن بالصّيف تامر «٣»
أي: صاحب لبن، وصاحب تمر.
стр. 2743
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الغاشية» «١»
فإن قيل: لم قال الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) مع أن جميع أبدانهم أيضا تصلى النار؟
قلنا: الوجه يطلق ويراد به جميع البدن، كما في قوله تعالى وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه/ ١١١] وقيل:
إنّ المراد بالوجوه هنا الأعيان والرؤساء، كما يقال: هؤلاء وجوه القوم، ويا وجه العرب: أي ويا وجيههم، ويؤيّد هذا القول ما روي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن المراد به الرهبان وأصحاب الصوامع.
فإن قيل: كيف ارتبط قوله تعالى:
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) بما قبله، وأيّ مناسبة بين السماء والإبل والجبال والأرض حتّى جمع بينهما؟
قلنا: لما وصف الله تعالى الجنّة بما وصف، عجب من ذلك الكفار، فذكّرهم بعجائب صنعه. وقال قتادة:
لمّا ذكر ارتفاع سرر الجنة قالوا: كيف نصعدها؟ فنزلت هذه الآية: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ [الآية ١٧] اعتبار كيف (خلقت) للنهوض بالأثقال وحملها إلى البلاد البعيدة، وجعلت تبرك حتّى تحمل وتركب عن قرب ويسر، ثمّ تنهض بما حملت، فليس في الدّواب ما يحمل عليه وهو بارك ويطيق النهوض إلا هي، وسخّرت لكل من قادها حتّى الصبيّ الصغير، ولمّا
стр. 2744
جعلت سفائن البر أعطيت الصبر على احتمال العطش عشرة أيام فصاعدا، وجعلت ترعى كلّ نبات في البراري والمفاوز ممّا لا يرعاه سائر البهائم، وإنّما لم يذكر الفيل والزّرافة وغيرهما ممّا هو أعظم من الجمل لأن العرب لم يروا شيئا من ذلك ولا كانوا يعرفونه، ولأنّ الإبل كانت أنفس أموالهم وأكثرها لا تفارقهم ولا يفارقونها وإنما جمع بينها وبين ما بعدها لأن نظر العرب قد انتظم هذه الأشياء في أوديتهم وبواديهم، فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم وكثرة ملابستهم ومخالفتهم ومن فسّر الإبل بالسحاب والماء، قصد بذلك طلب المناسبة بطريق تشبيه الإبل بالسحاب في السير وفي النّشط أيضا في بعض الأوقات، لا أنه أراد أن المراد من الإبل السحاب حقيقة وقد جاء في أشعار العرب تشبيه السحاب بالإبل كثيرا، وقد شبّهه ابن دريد أيضا بالسحاب في قصيدته. وقرأ أبيّ بن كعب وعائشة ﵄ الإبل بتشديد اللام. قال أبو عمرو وهو اسم للسحاب الذي يحمل الماء، والله أعلم.
стр. 2745
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الغاشية» «١»
في قوله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) استعارة.
والمراد بالوجوه هاهنا أرباب الوجوه.
ومثل ذلك قوله تعالى: في السورة التي يذكر فيها القيامة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) [القيامة] . والدليل على ما قلنا إضافته سبحانه النظر إليها، والنّظر إنما يصح من أربابها لا منها:
لأنه تعالى قال عقب ذلك: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) [القيامة] وكذلك قوله تعالى هاهنا:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) ، والرّضا والسّخط إنما يوصف به أصحاب الوجوه. فانكشف الكلام على الغرض المقصود.
وقوله تعالى: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) استعارة. وقد مضت لها نظائر كثيرة جدّا فيما تقدّم من كلامنا. أي لا تسمع فيها كلمة ذات لغو. فلمّا كان صاحب تلك الكلمة يسمّى لاغيا بقولها، سمّيت هي لاغية، على المبالغة في وصف اللّغو الذي فيها.
وقال بعضهم: معنى ذلك: لا يسمع فيها نفس حالفة على كذب، ولا ناطقة برفث. لأنّ الجنة لا لغو فيها ولا رفث، ولا فحش ولا كذب.
стр. 2746
سورة الفجر ٨٩
стр. 2747
المبحث الأول أهداف سورة «الفجر» «١»
سورة «الفجر» سورة مكّيّة، آياتها ٣٠ آية، نزلت بعد سورة «الليل» . تبدأ السورة بالقسم، فتقسم بالفجر، والليالي العشر، والشفع والوتر، على أن الإسلام حقّ، وأنّ البعث والحساب حق. وقد ضربت أمثلة بمن أهلكه الله تعالى من المعاندين كعاد وثمود، وذكرت تصوّرات الإنسان غير الإيمانيّة، وسوء فهمه لاختبار الله له بهذه النعم. ثم ردّت على هذه التصوّرات، ببيان الحقيقة التي تنبع منها هذه التصورات الخاطئة، وهي الجحود والأثرة وحبّ المال والمتعة.
ثمّ وصفت مشهدا عنيفا مخيفا من مشاهد الآخرة، ويظهر فيها جلال الله سبحانه، وتظهر الملائكة للحساب، وتظهر جهنّم أمام العصاة وفي الختام نداء نديّ رخيّ للنفس المطمئنة، بأن تعود الى رضوان الله وجنته.
ومن هذا الاستعراض السريع، تبدو الألوان المتعدّدة في مشاهد السورة، كما يبدو تعدّد نظام الفواصل، وتغيّر حروف القوافي، بحسب تنوّع المعاني والمشاهد.
[فالآيات ١- ٥] تنتهي بالراء مثل وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) والآيات [٦- ١٤] تنتهي بحرف الدال مثل أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) .
[والآيتان ١٥ و ١٦] : تنتهيان بحرف النون، والآيات الباقية متنوّعة فيها الميم والتاء والهاء.
стр. 2748
والقسم الأول من السورة فيه نداوة الفجر وجماله. وفضل الليالي العشر، وثواب الشفع والوتر من الصلاة.
والقسم الثاني ينتهي بالدال، وفيه بيان القوة في الانتقام من الظالمين.
وقد ذكر الفيروزآبادي أن معظم مقصود السورة ما يأتي: «تشريف العيد وعرفة، وعشر المحرّم، والإشارة الى هلاك عاد وثمود وأضرابهم، وتفاوت حال الإنسان في النعمة، وحرصه على جمع الدنيا والمال الكثير، وبيان حال الأرض في القيامة، ومجيء الملائكة، وتأسّف الإنسان يومئذ على التقصير والعصيان وأنّ مرجع العبد المؤمن عند الموت إلى الرحمن والرّضوان ونعيم الجنان» .
مع آيات السورة
[الآية ١] : أقسم الله بالفجر، وهو الوقت الذي يدبر فيه الليل، ويتنفّس الصباح في يسر وفرح وابتسام، وإيناس ودود نديّ، ويستيقظ الوجود رويدا رويدا.
[الآية ٢] : وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) قيل هن العشر الأوائل من المحرّم، وقيل العشر الأواخر من رمضان، وفيها ليلة القدر، وقيل هي العشر الأوائل من ذي الحجة وفيها يوم عرفة وعيد الأضحى.
[الآية ٣] : وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) أي الزوج والفرد من الأعداد، والشفع والوتر من الصلاة، أو أيّام التشريق وفيها رمي الجمار بمنى، فمن شاء رمى في يومين ومن شاء مكث ثلاثة أيام.
واليومان: شفع، والثلاثة: وتر، قال تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة/ ٢٠٣] .
[الآية ٤] : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) أي يسرى فيه، كما يقال ليل نائم، أي ينام فيه. وقيل معنى وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) أي ينصرم وينقضي مسافرا بعيدا، ويسري راحلا، وأصله يسري فحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها في الوصل، وحذفت الياء، مع الكسرة في الوقف.
[الآية ٥] : هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) : أي هل في ما أقسمت به، من جمال الفجر، وجلال الأيّام العشر، وثواب الشفع والوتر، ولطف الليل إذا يسر، مقنع لذي لبّ وعقل.
وسمّي العقل حجرا لأنه يمنع صاحبه عن الشر، ويحجره عمّا لا يليق.
стр. 2749
[الآيات ٦- ٨] : ألم تعلم يا محمّد، أو ألم تعلم أيّها المخاطب، كيف فعل ربّك بعاد، وهم الذين أرسل إليهم هود ﵇ فكذّبوه، ومن قبيلة عاد «إرم» وكانوا طوال الأجسام، أقوياء الشكيمة، يقطنون ما بين عمان وحضرموت واليمن، وكانوا بدوا ذوي خيام تقوم على عماد، وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش، فقد كانت قبيلة عاد أقوى قبيلة في وقتها وأميزها:
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) في ذلك الأوان.
[الآية ٩] : وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وكانت ثمود تسكن بالحجر، في شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام، وقد قطعت الصخر وشيّدته قصورا، كما نحتت في الجبال ملاجئ ومغارات.
[الآية ١٠] : وَفِرْعَوْنَ [الآية ١٠] وهو حاكم مصر في عهد موسى ﵇، وهو صاحب المباني العظيمة والهياكل الضخمة، التي تمثّل شكل الأوتاد المقلوبة. وقيل الأوتاد تعني القوّة والملك الثابت، لأنّ الوتد هو ما تشدّ إليه الخيام لتثبيتها، واستعمل هنا مجازا إشارة إلى بطشه، وحكمه الوطيد الأركان.
وقد جمع الله، سبحانه، في هذه الآيات القصار، مصارع أقوى الجبارين، الذين عرفهم التاريخ.
[الآيات ١١- ١٤] : الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) أي هؤلاء الذين سلف ذكرهم، من عاد وثمود وفرعون وجنده، جميعا تجاوزوا الحدّ وكفروا بنعمة الله عليهم، وأكثروا في البلاد الفساد، وارتكاب المعاصي، فكفروا وقتلوا وظلموا، فأنزل الله عليهم العذاب بشدّة مع توالي ضرباته.
وقد شبه الله تعالى ما يصبّه عليهم من ضروب العذاب بالسّوط، من قبل أنّ السّوط يضرب به في العقوبات، وما وقع بهم من ألوان العذاب، كان عقوبة لأنواع الظلم والفساد. إنّ الله يرى ويحسب ويحاسب، ويجازي وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم، وقد سجّل الله عليهم أعمالهم كما يسجّل الراصد الذي يرقب فلا يفوته شيء.
[الآيتان ١٥ و ١٦] : إنّ الإنسان إذا اختبره الله : فوسّع عليه في الرزق، وبسط له في النعمة، ظنّ
стр. 2750
غرورا أنّ الله راض عنه، وتخيّل أنه لن يحاسبه على ظلمه وأفعاله.
وإذا امتحنه بالفقر فضيّق عليه رزقه وقتره، فلم يوسع عليه، فيقول إنّ ربي أذلّني بالفقر، ولم يشكر الله على ما وهبه له، من سلامة الجوارح، وما رزقه من الصّحة والعافية.
قال الإمام محمد عبده: «وأنت ترى أنّ أحوال الناس إلى اليوم لا تزال كما ذكر الله في هذه الآية الكريمة، فإنّ أرباب السلطة والقوة يظنون أنهم في أمن من عقاب الله، ولا يعرفون شيئا من شرعه يمنعهم عن عمل ممّا تسوق إليه شهواتهم، وإنّما يذكرون الله بألسنتهم، ولا تتأثّر قلوبهم بهذا الذكر.
وقريب من هذه المعاني قوله تعالى:
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) [المعارج] .
«تعلم أن المخاطبين بهذه الآيات كانوا يزعمون أنهم على شيء من دين إبراهيم (ع) ، أو أنهم كانوا يدّعون أنّ لهم دينا يأمرهم وينهاهم، ويقرّبهم إلى الله زلفى، فإذا سمعوا هذا التهديد وذلك الوعيد، وسوست لهم نفوسهم بأن هذا الكلام إنّما ينطبق على أناس ممّن سواهم أمّا هم، فلم يزالوا من الشاكرين الذاكرين غير الغافلين» ، فالله ﷻ يردّ عليهم زعمهم ويقيم لهم دليلا واضحا على كذب ما تحدّثهم به أنفسهم، ويقول:
[الآية ١٧] : كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) أي لو كان غنيّكم لم يعمه الطّغيان، وفقيركم لم يطمس بصيرته الهوان، لشاطرتم اليتيم إحساسه، فواسيتموه وعطفتم عليه، حتّى ينشأ كريم النفس.
[الآية ١٨] : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وقد كان مجتمع مكّة مجتمع التكالب على جمع المال بكافّة الطرق، فورثت القلوب القسوة والبخل، وانصرفت عن رحمة اليتيم، وعن التعاون على رحمة المسكين.
[الآية ١٩] : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) والتراث هو الميراث الذي يتركه من يتوفّى، أي إنّكم تشتدّون في أكل الميراث حتّى تحرموا صاحب الحقّ حقّه.
[الآية ٢٠] : وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) وتميلون إلى جمع المال ميلا شديدا، يصل الى حدّ الشراهة.
стр. 2751
«وخلاصة ذلك: أنتم تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، إذ لو كنتم ممّن غلب عليهم حب الآخرة لانصرفتم عمّا يترك الموتى ميراثا لأيتامهم، ولكنّكم تشاركونهم فيه، وتأخذون شيئا لا كسب لكم فيه، ولا مدخل لكم في تحصيله وجمعه ولو كنتم ممّن استحبّوا الآخرة، لما ضربت نفوسكم على المال، تأخذونه من حيث وجدتموه من حلال أو من حرام. فهذه أدلّة ترشد إلى أنّكم لستم على ما ادّعيتم من صلاح وإصلاح، وأنكم على ملّة إبراهيم خليل الرحمن» .
[الآيات ٢١- ٢٤] : كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) ، ودكّ الأرض تحطيم معالمها وتسويتها، وهو أحد الانقلابات الكونيّة، التي تقع في يوم القيامة.
يرد الله عن مقالتهم وفعلهم، وينذرهم أهوال القيامة، إذا دكّت الأرض وأصبحت هباء منبثّا، وزلزلت زلزالا شديدا، وتجلّت عظمة الله سبحانه، ونزلت ملائكة كلّ سماء فيصطفّون صفّا بعد صفّ، بحسب منازلهم ومراتبهم، وكشفت جهنّم للناظرين، بعد أن كانت غائبة عنهم، قال تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) [النازعات] .
حينئذ تذهب الغفلة، ويندم الإنسان على ما فرّط في حياته الدنيا، ويتذكّر معاصيه، ويتمنّى أن يكون قد عمل صالحا في دنياه، لينفعه في حياته الآخرة، التي هي الحياة الحقيقية.
«وترى من خلال هذه الآيات، مشهدا ترتجف له القلوب وتخشع له الأبصار، والأرض تدكّ دكّا، والجبّار المتكبّر يتجلّى ويتولّى الحكم والفصل، وتقف الملائكة صفّا صفّا، ثمّ يجاء بجهنّم فتقف متأهّبة هي الأخرى» «١» .
وتتبع الحسرة والذكرى الأليمة من فرّط في حقوق الله، فيتذكّر بعد فوات الأوان، ويتمنّى أن يكون قد عمل الصالحات.
[الآيتان ٢٥ و ٢٦] : فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) الوثاق: الشّدّ بالأغلال.
في هذا اليوم العصيب نرى لونا متفردا من ألوان العذاب، لقد كان
стр. 2752
الجبّارون يملكون أن يعذّبوا من خالفهم في الدنيا، لكن العذاب اليوم في الآخرة لا يملكه إلا الله، وهو سبحانه القهّار الجبّار. الذي يعذّب يومئذ عذابه الفذّ الذي لا يملك مثله أحد، والذي يوثق وثاقه الفذّ، ويشدّ المجرمين بالأغلال شدا لا يملك مثله أحد.
وعذاب الله ووثاقه يفصّلهما القرآن في مواضع أخرى، وفي مشاهد كثيرة، ولكنّه يجملهما هنا، حيث يصفهما بالتفرّد بلا شبيه من عذاب الخلق جميعا ووثاقهم، وكأنّ الآية تشير إلى ظلم عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد، وتنبّه إلى أنّ عذاب الطغاة ووثاقهم للنّاس مهما اشتدّ في الدنيا، فسوف يعذّب الطغاة ويوثّقون، عذابا ووثاقا وراء التصوّرات والظنون.
وفي وسط هذا الهول المروّع، وهذا العذاب، والوثاق الذي يتجاوز كل تصوّر، تنادى النفس المؤمنة من الملأ الأعلى:
[الآيات ٢٧- ٣٠] : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) ، ينادي الله، ، النفس الثابتة على الحق، أن تعود الى جوار الله، راضية عن سعيها، مرضيّا عنها، فتدخل مع العباد الصالحين، ومع الرفقة المؤمنين، حيث يدخلون جميعا جنة الله، في تكريم ورضوان.
وفي هذا النداء الرّضيّ ما يمسح آلام هذه النفس، وما يشعرها بالغبطة مع عباد الله، وجنة الله ورضوانه، فنعم الجزاء، ونعم الثواب، وحسنت مرتفقا.
خلاصة أهداف السورة
تشتمل سورة الفجر على الأهداف والمقاصد الآتية:
١- القسم على أنّ عذاب الكافرين واقع لا محالة.
٢- ضرب المثل بالأمم البائدة كعاد وثمود.
٣- كثرة النّعم على إنسان ليست دليلا على إكرام الله له، ولا البلاء دليلا على إهانته وخذلانه.
٤- وصف يوم القيامة وما فيه من أهوال.
٥- تمنّي الأشقياء العودة إلى الدنيا.
٦- كرامة النفوس الراضية المرضيّة، وما تلقاه من النعيم بجوار ربّه.
стр. 2753
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفجر» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الفجر بعد سورة الليل، ونزلت سورة الليل بعد سورة الأعلى، ونزلت سورة الأعلى فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة الفجر في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وتبلغ آياتها ثلاثين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إثبات عذاب الكافرين، وقد جاء أكثرها في إنذارهم وتهديدهم، إلى أن ختمت بشيء من الترغيب لتجمعهما معا، وبهذا يشبه سياقها سياق سورة الغاشية، ويكون ذكرها بعدها مناسبا لها.
إثبات العذاب الآيات [١- ٣٠]
أقسم تعالى بالفجر وما ذكر بعده على أنهم سيعذبون، وانتقل من إثباته بالقسم إلى إثباته بما حصل لأسلافهم من عاد وثمود وفرعون ثمّ ذكر سبحانه أنه لهم بالمرصاد، فلا يريد منهم إلّا السعي للمصلحة العامّة في الدّنيا والآخرة وأمّا هم، فلا يريد الواحد منهم إلّا مصلحته الخاصّة، فإذا أكرمه ونعّمه رضي، وإذا أقتر عليه سخط، ثمّ يبلغ في الحرص إلى حدّ
стр. 2754
أنّه لا يكرم اليتيم، ولا يحضّ على طعام المسكين، ويجمع المال من حيث يتهيّأ له من حلال أو حرام وسيعرف عاقبة ذلك إذا جاء يوم القيامة، فيومئذ يندم على ما فعل، ويرى عذابا لا يعذّبه أحد، ووثاقا لا يوثقه أحد أمّا النفس المطمئنة، فيقال لها: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) .
стр. 2755
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفجر» «١»
أقول: لم يظهر لي من وجه ارتباطها سوى أنّ أوّلها كالإقسام على صحّة ما ختم به السورة التي قبلها، من قوله ﷻ : إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) [الغاشية] . وعلى ما تضمّنه من الوعد والوعيد. كما أنّ أوّل «الذاريات» قسم على تحقيق ما في «ق» ، وأول «المرسلات» قسم على تحقيق ما في «عمّ» . هذا، مع أنّ جملة: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) هنا، مشابهة لجملة أَفَلا يَنْظُرُونَ [الآية ١٧] في سورة الغاشية «٢» .
стр. 2756
المبحث الرابع مكنونات سورة «الفجر» «١»
أخرج سعيد بن منصور عن ابن عبّاس قال:
١- وَالْفَجْرِ (١) .
المحرّم، هو فجر السنة «٢» .
٢- وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) .
هي عشر الأضحى. كما أخرجه أحمد والنّسائي عن جابر مرفوعا. وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس «٣» .
وأخرج عنه أيضا أنّها العشر الأواخر «٤» من رمضان.
٣- فَأَمَّا الْإِنْسانُ [الآية ١٥] .
قال ابن جريح: نزلت في أمية بن خلف أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 2757
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفجر» «١»
١- قال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) .
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) .
حذفت الياء من يَسْرِ (٤) اكتفاء بالكسرة، ذلك أمر يقتضيه تناسب الفواصل والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) ...
وقوله تعالى: «حجر» أي: عقل.
أقول: ومن المفيد أن نشير إلى أنّ «الحجر» و «الحصاة» من كلمات العقل. ألا يكون هذا لأن العقل وصف عندهم بالرزانة والرسوخ فاستعير له شيء من مادة صلبة قويّة هي الحجر والحصى! لعل شيئا من هذا! وليس كما قالوا لأن العقل «يحجر» عن التهافت فيما لا ينبغي.
وعندي أن الفعل «حجر» ، بمعنى:
منع ونهى «ولد» بعد استعارة كلمة «الحجر» للعقل، والله أعلم.
стр. 2758
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الفجر» «١»
قال تعالى: بِعادٍ (٦) إِرَمَ [الآية ٧] فجعل بعضهم إِرَمَ «٢» اسم عاد وبعضهم قرأ بِعادٍ (٦) فأضافه إلى إِرَمَ «٣» فإمّا أن يكون اسم أبيهم إضافة إليهم، وإمّا بلدة والله أعلم. وقال تعالى: فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الآية ١٦] . وقرأ بعضهم (قدّر) «٤» مثل (قتّر) وأمّا (قدر) فمعناه: يعطيه بالقدر.
стр. 2759
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الفجر» «١»
إن قيل: لم نكّرت الليالي العشر دون سائر ما أقسم به الله تعالى، ولم لم تعرّف بلام العهد وهي ليال معلومة فإنّها ليالي عشر ذي الحجّة في قول الجمهور؟
قلنا: لأنّها مخصوصة من بين جنس الليالي العشر بفضيلة ليست لغيرها، فلم يجمع بينها وبين غيرها بلام الجنس، وإنما لم تعرّف بلام العهد لأنّ التنكير أدلّ على التفخيم والتعظيم، بدليل قوله تعالى: فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الحج/ ٣٤] ونظيره قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) [البلد] بالتعريف، ثم قال تعالى: وَوالِدٍ بالتنكير، والمراد به آدم وإبراهيم أو محمد صلى الله عليهم أجمعين، ولأنّ الأحسن أن تكون اللّامات كلّها متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الإلغاز والتعمية، وهي في الباقي للجنس.
فإن قيل: لم ذم الله تعالى الإنسان على قوله: رَبِّي أَكْرَمَنِ [الآية ١٥] مع أنه صادق فيما قال، لأن الله تعالى أكرمه بدليل قوله تعالى فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ [الآية ١٥] ثم إنّ هذا تحدّث بالنعمة، وهو مأمور به؟
قلنا: المراد به أن يقول ذلك مفتخرا على غيره، متطاولا به عليه، معتقدا استحقاق ذلك على ربّه، كما في قوله تعالى: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
стр. 2760
[القصص/ ٧٨] ، مستدلا به على علوّ منزلته في الدّار الآخرة وكل ذلك منهيّ عنه. وأمّا إذا قاله على وجه الشكر والتحدّث بنعمة الله، فليس بمذموم ولا منهيّ عنه.
فإن قيل: لم قال الله تعالى في الجملة الأولى: فَأَكْرَمَهُ [الآية ١٥] ولم يقل في الجملة الثانية «فأهانه» ؟
قلنا: لأنّ بسط الرزق إكرامه لأنّه إنعام وإفضال من غير سابقة، وقبضه ليس بإهانة لأنّ ترك الإنعام لا يكون إهانة بل هو واسطة بين الإكرام والإهانة، فإنّ المولى قد يكرم عبده وقد يهينه، وقد لا يكرمه ولا يهينه وتضييق الرزق ليس إلّا عبارة عن ترك إعطاء القدر الزائد، ألا ترى أنه يحسن أن تقول: زيد أكرمني إذا أهدى لك هدية، ولا يحسن أن تقول: أهانني إذا لم يهد لك؟
فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ [الآية ٢٢] والحركة والانتقال على الله محالان لأنهما من خواصّ الكائن في جهة؟
قلنا: قال ابن عبّاس ﵄: وجاء أمر ربك لأنّ في القيامة تظهر جلائل آيات الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
[النحل/ ٣٣] وقيل معناه وجاء ظهور ربّك لضرورة معرفته يوم القيامة ومعرفة الشيء بالضرورة تقوم مقام ظهوره ورؤيته فمعناه: زالت الشكوك وارتفعت الشّبه كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشكّ فيه.
стр. 2761
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الفجر» «١»
في قوله سبحانه: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) استعارة. والمراد بسرى الليل دوران فلكه، وسيران نجومه حتى يبلغ غايته، ويسبق في قاصيته، ويستخلف النهار موضعه.
وفي قوله سبحانه: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) استعارة. والمراد وفرعون ذي الملك المتقرّم «٢» والأمر المتوطّد، والأسباب المتمهّدة التي استقرّ بها بنيانه، وتمكّن سلطانه، كما تثبت البيوت بالأوتاد المضروبة، والدعائم المنصوبة. وقد مضى نظير ذلك. وقوله سبحانه: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) هو من مكشوفات الاستعارة. والمراد بها العذاب المؤلم، والنّكال المرمض. لأنّ السّوط في عرف عادة العرب يكون على الأغلب سببا للعقوبات الواقعة، والآلام الموجعة.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون معنى سَوْطَ عَذابٍ أي أوقع عذاب يخالط اللحوم والدماء، فيسوطها سوطا، إذا حرّك ما فيها وخلطه. فالسّوط على هذا القول هاهنا مصدر وليس باسم.
стр. 2762
سورة البلد ٩٠
стр. 2763
المبحث الأول أهداف سورة «البلد» «١»
سورة «البلد» آياتها عشرون، نزلت بعد سورة «ق» .
وقد اشتملت على تعظيم البلد الحرام، والرسول الأمين، وتكريم آدم وذريته، وبيان أن الإنسان خلق في معاناة ومشقة، في حمله وولادته ورسالته في الحياة، وحسابه في الآخرة.
وجابهت السورة أحد المشركين، وكشفت سوء أفعاله، ورسمت الطريق الأمثل للوصول إلى رضوان الله.
مع آيات السورة
[الآية ١] : لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) : أقسم الله بمكّة، وفيها البيت الحرام والكعبة، وعندها قبلة المسلمين، وفيها زمزم والمقام، والأمن والأمان، قال تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [المائدة/ ٩٧] . معنى قياما: قواما، أي يقوم عندها أمر الدين، حيث يقدم الحجيج فيطوفون ويسعون، ويؤدّون المناسك، ويشاهدون مهبط الوحي، ويصير الرجل آمنا بدخوله الحرم:
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران/ ٩٧] .
وقد ذكر القرآن تكريم مكّة في آيات كثيرة، فقد ولد بها النبي (ص) ، وبدأ بها نزول الوحي، ومنها انبثق فجر الإسلام، وإليها يحجّ الناس، قال تعالى:
стр. 2764
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) [الشورى] .
[الآية ٢] : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وأنت مقيم بهذا البلد، يكرم الله تعالى نبيه محمدا (ص) ، الذي جعله خاتم المرسلين، وأرسله هداية للعالمين، وجعل مولده بمكّة وهذا الميلاد يزيد مكّة شرفا وتعظيما: لأن أفضل خلق الله يقيم بها، ويحل بين شعابها، ويتنقّل بين أماكنها داعيا الى دين الله، حاملا وحي السماء، وهداية الناس.
[الآية ٣] : وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) أقسم الله بآدم وذريته لكرامتهم على الله، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء/ ٧٠] وقيل: كل والد ومولود، «والأكثرون على أنّ الوالد إبراهيم وإسماعيل ﵉، والولد محمد (ص) ، كأنه أقسم ببلده ثمّ بوالده ثمّ به» .
[الآية ٤] : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) (الكبد) : المشقّة والتّعب، أي أوجدت الإنسان في تعب ومعاناة في هذه الحياة، فهو في مشقة متتابعة (من وقت احتباسه في الرحم إلى انفصاله، ثمّ إلى زمان رضاعه، ثم إلى بلوغه، ثمّ ورود طوارق السّرّاء وبوارق الضّرّاء، وعلائق التكاليف، وعوائق التمدّن والتعيّش عليه إلى الموت، ثم إلى البعث، من المساءلة وظلمة القبر ووحشته، ثم إلى الاستقرار في الجنة أو النار، من الحساب والعتاب والحيرة والحسرة) ونظير الآية قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) [الانشقاق] وقوله سبحانه:
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك/ ٢] .
[الآيات ٥- ١٠] : أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) . (لبدا) : أي كثيرا، (النجدين) : الطريقين، وهما طريقا الخير والشر.
روي أن هذه الآيات نزلت في بعض صناديد قريش، الذين كان رسول الله (ص) ، يكابد منهم ما يكابد، وهو أبو الأشدّ أسيد بن كلدة الجمحي، وكان مغترّا بقوّته البدنيّة، وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة. وسواء أكانت هذه الآيات نزلت في أحدهما أم في غيرهما فإنّ معناها عام.
стр. 2765
والمعنى: أيظنّ ذلك الصنديد في قومه، المفتون بما أنعمنا عليه، أن لن يقدر أحد على الانتقام منه، وأن لن يكون هناك حساب وجزاء، فتراه يجحد القيامة، ويتصرّف تصرّف القويّ القادر، فيطغى ويبغي، ويبطش ويظلم، ويفسق ويفجر، دون أن يتحرّج، وهذه هي صفات الإنسان الذي يتعرّى قلبه من الايمان.
ثمّ إنه إذا دعي للخير والبذل يقول:
أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (٦) وأنفقت شيئا كثيرا، فحسبي ما أنفقت وما بذلت، أيحسب أنّ عين الله لا تراه، وتعلم أن ما أعطاه الله له أكثر ممّا أنفقه، وتعلم أنه إنّما أنفق رياء وسمعة، وطلبا للمحمدة بين الناس.
ثمّ بيّن الله، سبحانه، جلائل نعمه على هذا الإنسان، وعلى كل إنسان فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) يبصر بهما المرئيات، وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) ليعبّر عمّا في نفسه، وليتمكّن من الأكل والشراب، والنفخ والنطق.
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) ليختار أيّهما شاء، ففي طبيعته الاستعداد لسلوك طريق الخير أو طريق الشر، لأن الله منحه العقل والتفكير، والارادة والاختيار، وميّزه على المخلوقات جميعها، فالكون كله خاضع لله خضوع القهر والغلبة، والإنسان هو المتميّز بالاختيار والحرية، ليكون سلوكه متّسما بالمسؤولية.
مفردات الآيات ١١- ٢٠:
اقتحم الشيء: دخل فيه بشدة.
العقبة: هي الطريق الوعرة في الجبل يصعب سلوكها.
المسغبة: المجاعة.
مقربة: قرابة.
متربة: يقال ترب الرجل إذا افتقر.
المرحمة: الرحمة.
أصحاب الميمنة: السعداء.
أصحاب المشأمة: الأشقياء.
مؤصدة: مطبقة عليهم، من أوصدت الباب إذا أغلقته.
[الآيات ١١- ١٣] : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) بعد أن بيّن السياق جليل نعم الله تعالى على الإنسان، وبخاصة الأغنياء، أخذ يحثّ أغنياء مكة على صلة الرحم، والعطف على المساكين، والمشاركة في عتق الرقاب، والتخفيف عن العبيد والإماء.
стр. 2766
وقد بدأت الآيات بالحثّ والتحريض على اقتحام العقبة، ثمّ استفهم عنها في أسلوب يراد به التفخيم والتهويل، ثم أجاب بأنها فك رقبة، وهي عتق العبد أو الإعانة على عتقه، والمشاركة في نقله من عالم الأرقّاء الى عالم الأحرار.
[الآية ١٤] : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) أو إطعام في أيام عوز ومجاعة.
[الآية ١٥] : يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) :
إطعام يتيم في يوم المجاعة.
[الآية ١٦] : أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) أو إطعام مسكين عاجز عن الكسب، لصقت بطنه بالتراب من شدة فقره.
[الآية ١٧] : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) ، أي جمع الى الصفات المتقدّمة الإيمان الصادق، والصبر الجميل وحثّ الناس عليه والوصية به، والتواصي بالرحمة والعطف.
ونلحظ أن التواصي بالصبر أمر زائد على الصبر، ومعناه إشاعة الثبات واليقين والطمأنينة بين المؤمنين.
وكذلك التواصي بالمرحمة، فهو أمر زائد على المرحمة، ويتمثّل في إشاعة الشعور بواجب التراحم، في صفوف الجماعة، من طريق التواصي به، والتحاض عليه، واتّخاذه واجبا جماعيا فرديا في الوقت ذاته، يتعارف عليه الجميع، ويتعاون عليه الجميع. فمعنى الجماعة قائم في هذا التوجيه، لأنّ الإسلام دين جماعة، ومنهج أمة، مع وضوح التبعة الفردية والحساب الفردي فيه وضوحا كاملا.
[الآية ١٨] : أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) أولئك الذين يقتحمون العقبة، كما وصفها القرآن وحدّدها، هم أصحاب الميمنة، وأهل الحظ والسعادة، وهم أصحاب اليمين الفائزون.
[الآية ١٩] : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا وجحدوا دلائل قدرتنا، وأنكروا آيات الله العظام، من بعث وحساب، ونشور وجزاء، وكذّبوا بآيات القرآن هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) هم أصحاب الشمال، أو هم أصحاب الشؤم والنحس والخسران.
[الآية ٢٠] : عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) يصلون نارا مطبقة عليهم، ومغلقة أبوابها لا يستطيعون الفرار منها،
стр. 2767
وسيخلدون فيها.
هذه هي الحقائق الأساسية في حياة الكائن الإنساني، وفي التصوّر الإيماني، تعرض في هذه السورة الصغيرة، بهذه القوة وبهذا الوضوح، وهذه هي خاصّيّة التعبير القرآني الفريد.
مقاصد السورة
١- القسم بمكّة وبالنبيّ الكريم بيانا لفضله.
٢- ما ابتلي به الإنسان في الدنيا من النّصب والتعب.
٣- اغترار الإنسان بقوته.
٤- تعداد أنعم الله على الإنسان، كالعين واللسان والعقل والفكر.
٥- بيان سبيل النجاة الموصلة إلى السعادة.
٦- كفران الآيات سبيل الشقاء.
стр. 2768
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «البلد» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة البلد بعد سورة «ق» ، ونزلت سورة «ق» فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة البلد في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وتبلغ آياتها عشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة ذمّ الحرص على الدنيا، وإنذار من يحرص عليها بأنه من أصحاب المشأمة، وتبشير من لا يحرص عليها بأنه من أصحاب الميمنة، وهذا هو وجه ذكرها بعد السورة السابقة، لأنها تأخذ في سياقها، وتسلك في الترغيب والترهيب مسلكها.
ذم الحرص على الدنيا الآيات [١- ٢٠]
قال الله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) .
فأقسم بمكّة وما ذكر بعدها على أنّ الإنسان خلق في تعب وشدّة، وأنكر عليه أن يغترّ بقوّته وهذه حاله في الدنيا، وأن يستكثر ما ينفقه من القليل فيها، كأنّه يحسب أنه لا يرى ما ينفقه، ثم ذكر جلّ وعلا أنه أنعم عليه بنعمة البصر والكلام والعقل ليتبصّر بها،
стр. 2769
ويقتحم عقبة الحرص على الدنيا ببذل المال في فكّ رقبة، أو إطعام في مجاعة، ويجمع إلى هذا أن يكون من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر والمرحمة، وأولئك أصحاب الميمنة، والذين كفروا هم أصحاب المشأمة: عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) .
стр. 2770
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «البلد» «١»
أقول: وجه اتصالها بما قبلها، أنه لمّا ذمّ فيها من أحبّ المال، وأكثر التراث، ولم يحضّ على طعام المسكين، ذكر في هذه السورة الخصال التي تطلب من صاحب المال، من فك الرقبة، والإطعام في يوم ذي مسغبة «٢» .