الفهرس
سورة «المرسلات» المبحث الأول أهداف سورة «المرسلات» ٣ تسلسل أفكار السورة ٤ مع آيات السورة ٥ مقاصد السورة ٩.
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المرسلات» ١١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١١ الغرض منها وترتيبها ١١ إثبات وقوع العذاب ١١.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المرسلات» ١٣.
المبحث الرابع مكنونات سورة «المرسلات» ١٥.
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المرسلات» ١٧
стр. 2802
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المرسلات» ١٩.
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المرسلات» ٢١.
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المرسلات» ٢٣.
سورة «النبأ» المبحث الأول أهداف سورة «النبأ» ٢٧ مع آيات السورة ٢٨ معنى الآيات ٢٨ موضوعات السورة ٣١.
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النبأ» ٣٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٣٣ الغرض منها وترتيبها ٣٣ إثبات البعث ٣٣.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النبأ» ٣٥.
المبحث الرابع مكنونات سورة «النبأ» ٣٧.
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «النبأ» ٣٩
стр. 2803
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «النبأ» ٤١.
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «النبأ» ٤٣.
سورة «النازعات» المبحث الأول أهداف سورة «النازعات» ٤٧ مع آيات السورة ٤٨ موضوعات سورة النازعات ٥١.
المبحث الثاني ٥٣ ترابط الآيات في سورة «النازعات» ٥٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٥٣ الغرض منها وترتيبها ٥٣ إثبات البعث ٥٣.
المبحث الثالث مكنونات سورة «النازعات» ٥٥.
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «النازعات» ٥٧.
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «النازعات» ٥٩.
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «النازعات» ٦١
стр. 2804
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «النازعات» ٦٣.
سورة «عبس» المبحث الأول أهداف سورة «عبس» ٦٧ فقرات السورة ٦٧ مع آيات السورة ٦٨ مقاصد السورة ٧١.
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «عبس» ٧٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٧٣ الغرض منها وترتيبها ٧٣ التسوية بين الناس في الدعوة ٧٣.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «عبس» ٧٥.
المبحث الرابع مكنونات سورة «عبس» ٧٧.
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «عبس» ٧٩.
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «عبس» ٨١ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «عبس» ٨٣.
стр. 2805
سورة «التكوير» المبحث الأول أهداف سورة «التكوير» ٨٧ مع آيات السورة ٨٧ المقطع الثاني ٨٩.
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التكوير» ٩٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٩٣ الغرض منها وترتيبها ٩٣ إثبات الحساب على الأعمال ٩٣.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التكوير» ٩٥.
المبحث الرابع مكنونات سورة «التكوير» ٩٧.
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «التكوير» ٩٩.
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «التكوير» ١٠١.
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «التكوير» ١٠٣.
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «التكوير» ١٠٥
стр. 2806
سورة «الانفطار» المبحث الأول أهداف سورة «الانفطار» ١٠٩ مع آيات السورة ١٠٩ مقاصد السورة ١١٤.
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الانفطار» ١١٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١١٥ الغرض منها وترتيبها ١١٥ إثبات الحساب على الأعمال ١١٥.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الانفطار» ١١٧.
المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «الانفطار» ١١٩.
المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «الانفطار» ١٢١.
سورة «المطفّفين» المبحث الأول أهداف سورة «المطفّفين» ١٢٥ مقاطع السورة ١٢٥ من أسباب نزول السورة ١٢٦ مع آيات السورة ١٢٦ مقاصد السورة ١٣٠
стр. 2807
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المطفّفين» ١٣٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٣٣ الغرض منها وترتيبها ١٣٣ تحريم التطفيف ١٣٣.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المطفّفين» ١٣٥.
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «المطفّفين» ١٣٧.
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «المطفّفين» ١٣٩.
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «المطفّفين» ١٤١.
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «المطفّفين» ١٤٣.
سورة «الانشقاق» المبحث الأول أهداف سورة «الانشقاق» ١٤٧ مقاطع السورة ١٤٧ مع آيات السورة ١٤٨ مقاصد السورة ١٥١.
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الانشقاق» ١٥٣
стр. 2808
تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٥٣ الغرض منها وترتيبها ١٥٣ إثبات المعاد ١٥٣.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الانشقاق» ١٥٥.
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الانشقاق» ١٥٧.
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الانشقاق» ١٥٩.
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الانشقاق» ١٦١.
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الانشقاق» ١٦٣.
سورة «البروج» المبحث الأول أهداف سورة «البروج» ١٦٧ أصحاب الأخدود ١٦٧ فقرات السورة ١٦٧ مع آيات السورة ١٦٨ مقاصد السورة ١٧٠.
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «البروج» ١٧١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٧١
стр. 2809
الغرض منها وترتيبها ١٧١ تثبيت المؤمنين ١٧١.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورتي «البروج» و «الطارق» ١٧٣.
المبحث الرابع مكنونات سورة «البروج» ١٧٥.
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «البروج» ١٧٧.
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «البروج» ١٧٩.
سورة «الطارق» المبحث الأول أهداف سورة «الطارق» ١٨٣ مع آيات السورة ١٨٣ مقاصد السورة ١٨٦.
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الطارق» ١٨٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٨٧ الغرض منها وترتيبها ١٨٧ إثبات حفظ الأعمال ١٨٧.
المبحث الثالث مكنونات سورة «الطارق» ١٨٩
стр. 2810
المبحث الرابع لكل سؤال جواب في سورة «الطارق» ١٩١.
المبحث الخامس المعاني المجازية في سورة «الطارق» ١٩٣.
سورة «الأعلى» المبحث الأول أهداف سورة «الأعلى» ١٩٧ مع آيات السورة ١٩٧ يسر الشريعة الإسلامية ٢٠٠ مقاصد سورة الأعلى ٢٠٤.
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأعلى» ٢٠٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٠٥ الغرض منها وترتيبها ٢٠٥ منهاج الدعوة ٢٠٥.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأعلى» ٢٠٧.
المبحث الرابع لكل سؤال جواب في سورة «الأعلى» ٢٠٩.
سورة «الغاشية» المبحث الأول أهداف سورة «الغاشية» ٢١٣
стр. 2811
مع آيات السورة ٢١٣ مقاصد السورة ٢١٧.
المبحث الثاني ٢١٩ ترابط الآيات في سورة «الغاشية» ٢١٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢١٩ الغرض منها وترتيبها ٢١٩ تفصيل الثواب والعقاب ٢١٩.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الغاشية» ٢٢١.
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الغاشية» ٢٢٣.
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الغاشية» ٢٢٥.
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الغاشية» ٢٢٧.
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الغاشية» ٢٢٩.
سورة «الفجر» المبحث الأول أهداف سورة «الفجر» ٢٣٣ مع آيات السورة ٢٣٤ خلاصة أهداف السورة ٢٣٨
стр. 2812
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفجر» ٢٣٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٣٩ الغرض منها وترتيبها ٢٣٩ إثبات العذاب ٢٣٩.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفجر» ٢٤١.
المبحث الرابع مكنونات سورة «الفجر» ٢٤٣.
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفجر» ٢٤٥.
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الفجر» ٢٤٧.
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الفجر» ٢٤٩.
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الفجر» ٢٥١.
سورة «البلد» المبحث الأول أهداف سورة «البلد» ٢٥٥ مع آيات السورة ٢٥٥ مقاصد السورة ٢٥٩
стр. 2813
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «البلد» ٢٦١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٦١ الغرض منها وترتيبها ٢٦١ ذم الحرص على الدنيا ٢٦١.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «البلد» ٢٦٣.
المبحث الرابع مكنونات سورة «البلد» ٢٦٥.
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «البلد» ٢٦٧.
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «البلد» ٢٦٩.
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «البلد» ٢٧١.
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «البلد» ٢٧٣.
سورة «الشمس» المبحث الأول أهداف سورة «الشمس» ٢٧٧ مع آيات السورة ٢٧٧ مقاصد السورة ٢٨٠
стр. 2814
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الشمس» ٢٨١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٨١ الغرض منها وترتيبها ٢٨١ الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي ٢٨١.
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الشمس» ٢٨٣.
المبحث الرابع مكنونات سورة «الشمس» ٢٨٥.
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الشمس» ٢٨٧.
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الشمس» ٢٨٩.
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الشمس» ٢٩١.
سورة «الليل» المبحث الأول أهداف سورة «الليل» ٢٩٥ مع آيات السورة ٢٩٥ مقاصد السورة ٢٩٨.
المبحث الثاني ٢٩٩ ترابط الآيات في سورة «الليل» ٢٩٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٩٩
стр. 2815
الغرض منها وترتيبها ٢٩٩ الترغيب في البذل والتحذير من البخل ٢٩٩.
المبحث الثالث مكنونات سورة «الليل» ٣٠١.
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الليل» ٣٠٣.
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الليل» ٣٠٥.
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الليل» ٣٠٧
стр. 2816
الجزء الثاني عشر
توضيح
ينبغي لنا الإشارة إلى أن بعض المباحث التي كانت مطّردة في المجلدات السابقة ستغيب عن هذا المجلد. ومردّ ذلك إلى أنّ طبيعة السور القرآنية الكريمة التي غابت عنها تلك المباحث، لا تستجيب لدواعي بعض العناوين فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنّ سورة قرآنية كريمة، لا تشتمل على معان لغوية غامضة، أو لا يكتنفها شيء من التغاير في الفهم والتحليل، لا تحتاج إلى مبحث «المعاني اللغوية» . وكذلك، فإن سورة قرآنية كريمة لا يتضمّن نصّها مجازا، لا تستجيب، وفاقا لنمط بيانها، إلى مبحث «المعاني المجازية» ...
وقس على ذلك.
وغنيّ عن القول أنّ أصحاب المصادر والمراجع التي ارتكزت عليها هذه الموسوعة هم أهل معرفة ودراية، بل هم أهل الاختصاص في هذا الشأن ولم يتركوا هذه المباحث سهوا أو نشدانا لراحة، أو تخفيفا من عناء. وما كان لهم أن يغفلوها لو أنهم وجدوا ما يقتضيها ناهيك من أنّ بعض المباحث قد استوفت أغراضها في آيات متشابهات من سور تضمنتها المجلدات السابقة.
فصار الكلام عليها، في هذا المجلد، من قبيل التكرار.
стр. 2817
سورة الضّحى ٩٣
стр. 2818
المبحث الأول أهداف سورة «الضّحى» «١»
سورة «الضحى» سورة مكّية، آياتها إحدى عشرة آية، نزلت بعد سورة «الفجر» .
والسورة بموضوعها، وتعبيرها ومشاهدها، لمسة من حنان، ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وتسكب الرّضا والأمل، إنها كلّها خالصة للنبي (ص) . كلها نجاء له من ربه وتسرية وتسلية وترويح وطمأنة.
ورد في روايات كثيرة، أن الوحي فتر عن رسول الله (ص) ، وأبطأ عليه جبريل (ع) فقال المشركون: إنّ إله محمّد ودّعه وقلاه. عندئذ نزلت هذه السورة، نزل هذا الفيض من الود والحب، والرحمة والإيناس والقربى، والطمأنينة واليقين.
وَالضُّحى (١) أي وحي الضحى، وهو وقت ارتفاع الشمس، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) أي سكن، والمراد سكون الناس والأصوات فيه. أقسم الله سبحانه بالضحى الرائق، الذي ينتشر فيه الضوء والنور، وتخف فيه حدة الشمس وأقسم بالليل الساكن الهادئ، ليربط بين القسم وجوابه وهو: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) ، ما تركك ربّك ولا جفاك كما زعم المشركون، وهو ربّك وراعيك وكافلك. وللدّار الاخرة خير لك من هذه الدنيا، ولسوف يعطيك ربك من الكمالات، وظهور الأمر، وبقاء الذكر ما يجعلك ترضى.
стр. 2819
وضمّ الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشقّ له من اسمه ليجلّه فذو العرش محمود وهذا محمّد ويمضي سياق السورة في تذكير الرسول (ص) بنعم الله عليه فيقول:
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآواك إليه، وعطف عليك القلوب؟
ولقد كنت ضالا غير عالم بمعالم النبوة وأحكام الشريعة، متحيّرا لا تجد طريقا واضحا مطمئنّا، لا في ما عند أهل الجاهلية، ولا في ما عند أتباع الأنبياء الذين حرّفوا وبدّلوا، ثمّ هداك الله بالأمر الذي أوحى به إليك، وعلّمك أحكام الشريعة والرسالة، ولقد كنت فقيرا فأغناك الله بكسبك، وبمال خديجة، وبما أفاء عليك من الربح في التجارة.
وبمناسبة ما ذكره الله سبحانه من النّعم، يوجّه الرسول (ص) ويوجه المسلمين من ورائه الى رعاية كلّ يتيم، وإلى كفاية كل سائل، وإلى التحدّث بنعم الله التي لا تحصى، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) ، أي فلا تغلبه على ماله لضعفه، فتسلبه إياه، وأمّا السائل فلا تزجره. وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) : وحدّث الناس بما عندك من علم، بسبب إنعام الله عليك بالنبوّة، وكن هاديا دائما إلى طريق الفوز والفلاح.
والتحدّث بالنّعمة صورة من صور الشكر للمنعم، يكملها البر بالعباد، وهو المظهر العملي للشكر، ولذلك يقول أبو حامد الغزالي: «شكر النعمة هو استغلالها فيما خلقت له» .
فشكر نعمة البصر: التأمل في ملكوت السماوات والأرض، وغضّ البصر عن المحرّمات.
وشكر نعمة السمع: سماع الحق والعلم والقرآن، والامتناع عن سماع الزور والإثم.
وشكر نعمة اليد: أن تكتب بها العلم والحق، وأن تساعد بها، وأن تضرب بها في سبيل الله، وأن تجاهد أعداء الدين، وألّا تؤذي بها أحدا من المستضعفين.
ونلاحظ أن البيئة العربية في الجاهلية كانت تجحد حق الضعيف، وتهمل اليتيم والمساكين، وترى أن السيف هو القوة القادرة، وهو الحكومة المنفذة، حتى جاء الإسلام بأحكامه العادلة، وشريعته السمحة، فدعا إلى الحق
стр. 2820
والعدل، والتحرّج والتقوى، والوقوف عند حدود الله، الذي يحرس حدوده ويغار عليها، ويغضب للاعتداء على حقوق عباده الضعاف، الذين لا يملكون قوّة ولا سيفا، يذودون به عن هذه الحقوق.
مقاصد سورة الضحى
١- القسم بالضحى والليل، على أن الله ما قلا رسوله وما تركه.
٢- وعد الرسول بأنه سيكون في مستقبل أمره خيرا من ماضيه.
٣- تذكيره بنعمة الله عليه فيما مضى، وأنه سيواليها عليه.
٤- طلب الشكر منه على هذه النعم.
стр. 2821
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الضحى» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الضحى بعد سورة الفجر، ونزلت سورة الفجر فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة الضحى في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) وتبلغ آياتها إحدى عشرة آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة تثبيت النبي (ص) وإيناسه، وكان الوحي قد أبطأ عليه بعد نزوله، فقلق لإبطائه وحزن، وقد ذكر سبحانه في تثبيت الرسول (ص) أنه ﵊ كان يتيما فآواه، وفقيرا فأغناه، ثمّ أمره بمواساة اليتيم والفقير، وبهذا أشبهت سورة الضحى سورة الليل في بعض سياقها.
تثبيت النبي (ص)
قال الله تعالى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) فأقسم بالضحى، وما بعده أنه لم يودعه، ولم يقله بإبطاء الوحي عليه، وضمن له حسن العاقبة، وأنه سيعطيه حتّى يرضى ثمّ أمره أن يذكر ماضيه في يتمه وأمّيّته وفقره، ويذكر حاله الآن
стр. 2822
في زوج صالحة بعد يتم، ورسالة كريمة بعد أمِّيّة، وغنى بعد فقر، ليرضى ويقابل ذلك بالشكر، ثمّ بيّن له شكره بقوله: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) .
стр. 2823
المبحث الثالث لكل سؤال جواب في سورة «الضحى» «١»
إن قيل: لم وصف (ص) بالضّالّ، والنبي (ص) معاذ الله أن يكون ضالا:
أي كافرا لا قبل النبوة ولا بعدها، والضالّ أكثر ما ورد في القرآن بمعنى الكافر؟
قلنا: المراد به هنا أنه تعالى وجده ضالًّا عن معالم النبوّة وأحكام الشريعة فهداه إليها، هذا قول الجمهور.
الثاني: أنه ضل وهو صغير في شعاب مكة فرده الله تعالى إلى جده عبد المطلب. الثالث: أن معناه ووجدك ناسيا فهداك إلى الذكر، لأنّ الضلال جاء بمعنى النسيان، ومنه قوله تعالى:
أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (ج) [البقرة: ٢٨٢] .
فإن قيل: لو كان الضلال بمعنى النسيان، لما جمع بينهما في قوله تعالى: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [طه:
٥٢] .
قلنا: لا ندّعى أنه حيث ذكر كان بمعنى النسيان، فهو في تلك الآية بمعنى الخطأ، وقيل بمعنى الغفلة.
الرابع: أن معناه: ووجدك جاهلا فعلّمك.
فإن قيل: لم منّ سبحانه عليه بإخراجه من الفقر إلى الغنى، بقوله تعالى: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) ؟
قلنا: قال ابن السائب، واختاره الفرّاء: أنه لم يكن غناه بكثرة المال، ولكن الله أرضاه بما آتاه، ولم يكن ذلك الرضا قبل النبوة وذلك حقيقة الغنى، ويؤيّده قوله (ص) : «الغنى غنى
стр. 2824
القلب» . وقال غيره: المراد به أنه أغناه بمال خديجة عن مال أبي طالب، والمراد به الإغناء بتسهيل ما لا بد منه وتيسيره، لا الإغناء بفضول المال الذي لا يجامع صفة الفقر.
стр. 2825
المبحث الرابع المعاني المجازية في سورة «الضحى» «١»
قوله تعالى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) فيه استعارة. ومعنى سجى، أي سكن. والليل لا يسكن، وإنما تسكن حركات الناس فيه، فأجرى سبحانه صفة السكون عليه لمّا كان السكون واقعا فيه. وقد مضى الكلام على نظائر ذلك.
стр. 2826
سورة الشّرح ٩٤
стр. 2827
المبحث الأول أهداف سورة «الشرح» «١»
سورة «الشرح» سورة مكّيّة، آياتها ٨ آيات، نزلت بعد سورة الضحى.
مجمل ما تضمّنته السورة
١- هيأ الله نبيّه لتلقّي الرسالة الكريمة، وأفاض عليه من نعمه الجزيلة، فشرح صدره بما أودع فيه من العلوم والحكم، حتّى حمل أعباء النبوّة، وجعل أمر التبليغ عليه سهلا هيّنا.
٢- قرن الله اسم النبي (ص) ، باسم الله العظيم في الشهادة والأذان والإقامة والتشهّد.
٣- بين الله سبحانه أن ما يصيب النبي صلوات الله وسلامه عليه من شدة، سيعقبها اليسر والفرج.
٤- طلب الله تعالى من نبيه الأمين، إذا ما انتهى من تعليم الناس وإرشادهم، أن يشغل نفسه بعبادة الله.
٥- أمره ألا يسأل أحدا غيره، لأنه هو السيّد القادر وحده على إجابة دعوة العبد السائل.
مع السورة
نزلت سورة الشرح بعد سورة الضحى، وكأنّها تكملة لها، فيها مظاهر الرعاية والعناية الإلهية، وفيها البشرى باليسر والفرج: ألم نفسح صدرك لهذه الدعوة ونيّسر لك أمرها؟
وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) : ووضعنا عنك عبئك الذي أثقل ظهرك حتى كاد يحطمه من ثقله،
стр. 2828
وضعناه عنك بشرح صدرك له فخفّ وهان، وبتيسيرك وتوفيقك للدعوة ومداخل القلوب.
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) : رفعناه في الملأ الأعلى، ورفعناه في الأرض، ورفعناه في هذا الوجود جميعا، ورفعناه فجعلنا اسمك مقرونا باسم الله، كلّما تحركت به الشفاه: لا إله إلا الله محمّد رسول الله. قال مجاهد في معناه: «أي لا أذكر إلا ذكرت معي» .
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) ومع الشدة فرجا، ومع قلة ذات اليد السهولة والغنى، فخذ في أسباب اليسر والتيسير، فإذا فرغت من مهمّة تبليغ الرسالة، فانصب واتعب في القيام بواجبات العبادة لنا: وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) واجعل رغبتك إليه سبحانه، ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التغابن: ١٣] .
«وتنتهي سورة الشرح كما انتهت سورة الضحى، وقد تركت في النفس شعورين ممتزجين:
الشعور بعظمة الود الحبيب الجليل، الذي ينسم على روح الرسول (ص) ، من ربّه الودود الرحيم، والشعور بالعطف على شخصه (ص) . ونحن نكاد نلمس ما كان يساور قلبه الكريم، في هذه الآونة، التي اقتضت ذلك الود الجميل.
إنها الدعوة، هذه الأمانة الثقيلة، وهذا العبء الذي ينقض الظهر، وهي مع هذا وهذا مشرق النور الإلهي ومهبطه، ووصلة الفناء بالبقاء والعدم بالوجود» .
стр. 2829
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الشرح» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الشّرح بعد سورة الضّحى، ونزلت سورة الضحى فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة الشرح في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) . وتبلغ آياتها ثماني آيات.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة تثبيت النبي (ص) وإيناسه أيضا، فهي توافق سورة الضحى في الغرض المقصود منها، ولهذا ذكرت بعدها، ويروى عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يريان أن السورتين سورة واحدة.
تثبيت النبي (ص) الآيات [١- ٨]
قال الله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) ، فذكر أنه شرح له صدره بالرسالة، وأنه وضع عنه بها ما كان يثقله قبل البعثة من الحيرة في أمر الناس وضلالهم، وأنه رفع بها ذكره على من سبقه من الرسل، ثم ذكر له أن مع العسر الذي يجده من إعراض قومه يسرا، ثم أمره بما يجعله يصبر على أذاهم فقال: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) .
стр. 2830
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الشرح» «١»
أقول: هي شديدة الاتّصال بسورة الضحى، لتناسبهما في الجمل. ولهذا ذهب بعض السلف إلى أنهما سورة واحدة بلا بسملة بينهما «٢» . قال الإمام: والذي دعاهم إلى ذلك هو:
أن قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ كالعطف على: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) [الضحى] «٣» .
قلت: وفي حديث الإسراء أن الله تعالى قال: «يا محمد، ألم أجدك يتيما فاويت، وضالا فهديت، وعائلا فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر الا ذكرت» الحديث أخرجه ابن أبي حاتم «٤» وفي هذا أوفى دليل على اتصال السورتين معنى.
стр. 2831
المبحث الرابع لكل سؤال جواب في سورة «الشرح» «١»
إن قيل: ما الحكمة في زيادة ذكر لك وعنك، والكلام تامّ بدونهما؟
قلنا: فائدته الإبهام ثمّ الإيضاح، وهو نوع من أنواع البلاغة، فلمّا قال تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) فهم أنّ ثمّ مشروحا له، ثم قال:
صَدْرَكَ (١) فأوضح ما علم مبهما بلفظ لك، وكذا الكلام في: وَوَضَعْنا عَنْكَ.
فإن قيل: قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) وكلمة مع للمصاحبة والقران، فما معنى اقتران العسر واليسر؟
قلنا: سبب نزول هذه الآية أنّ المشركين عيّروا رسول الله (ص) وأصحابه (رض) بالفقر والضائقة التي كانوا فيها، فوعدهم الله تعالى يسرا قريبا من زمان عسرهم، وأراد تأكيد الوعد لتسليتهم وتقوية قلوبهم، فجعل اليسر الموعود كالمقارن للعسر في سرعة مجيئه.
فإن قيل: ما معنى قول ابن عمر وابن عباس (رض) وابن مسعود (رض) : لن يغلب عسر يسرين، ويروى ذلك عن النبي (ص) أيضا؟
قلنا: هذا عمل على الظاهر وبناء على قوّة الرجاء، وإنّ وعد الله لا يحمل إلا على أحسن ما يحتمله اللفظ وأكمله وأما حقيقة القول فيه فهو أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تأكيدا
стр. 2832
للأولى، كما في قوله تعالى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) [المرسلات] . وما أشبهه، وكما في قولك: جاءني رجل جاءني رجل وأنت تعني واحدا في الجملتين، فعلى هذا يتّحد العسر واليسر، أو يكون تعريف العسر لأنه حاضر معهود، وتنكير اليسر لأنه غائب مفقود، وللتفخيم والتعظيم ويحتمل أن تكون الجملة الثانية وعدا مستأنفا فيتعدد اليسر حينئذ على ما قيل.
وعن معنى: «لن يغلب عسر يسرين» قلنا: كأنّه نزل ما فيه من التفخيم والتعظيم بالتنكير منزلة التثنية، لأن المعنى يسرا وأىّ يسر، وأما من فسره بيسرين فإنه قال: أحد اليسرين ما تيسّر من الفتوح في زمن النبي (ص) .
والثاني ما تيسّر بعده في زمن الخلفاء.
وقيل هما يسر الدنيا ويسر الاخرة، كقوله تعالى: هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة: ٥٢] وهما حسن الظفر وحسن الثواب.
стр. 2833
المبحث الخامس المعاني المجازية في سورة «الشرح» «١»
في قوله سبحانه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) مجاز واستعارة، لأن النبي (ص) لا يجوز أن ينتهي عظم ذنبه إلى حال إنقاض الظّهر، وهو صوت تقعقع العظام من ثقل الحمل.
لأن هذا القول لا يكون إلّا كناية عن الذنوب العظيمة، والأفعال القبيحة.
وذلك غير جائز على الأنبياء ﵈، في قول من لا يجيز عليهم الصغائر ولا الكبائر، وفي قول من يجيز عليهم الصغائر دون الكبائر. لأن الله سبحانه قد نزّههم عن موبقات الآثام، ومسحقات الأفعال، إذ كانوا أمناء وحيه، وألسنة أمره ونهيه، وسفراؤه إلى خلقه.
فنقول: إن المراد هاهنا بوضع الوزر ليس على ما يظنه المخالفون من كونه كناية عن الذنب، وإنّما المراد به ما كان يعانيه النبي (ص) من الأمور المستصعبة في أداء الرسالة، وتبليغ النذارة «٢» ، وما كان يلاقيه ﵇ من مضارّ قومه، ويتلقّاه من مرامي أيدي معشره. وكلّ ذلك حرج في صدره، وثقل على ظهره. فقرّره الله سبحانه بأنه أزال عنه تلك المخاوف
стр. 2834
كلّها، وحطّ عن ظهره تلك الأعباء بأسرها، وأداله من أعدائه «١» ، وفضّله على أكفائه، وقدّم ذكره على كل ذكر، ورفع قدره على كل قدر، حتى أمن بعد الخيفة، واطمأنّ بعد القلقلة.
стр. 2835
سورة التّين ٩٥
стр. 2836
المبحث الأول أهداف سورة «التين» «١»
سورة التين سورة مكية، آياتها ٨ آيات، نزلت بعد سورة البروج.
والحقيقة الرئيسة التي تعرضها سورة التين، هي حقيقة الفطرة القويمة التي فطر الله الإنسان عليها.
يقسم الله سبحانه على هذه الحقيقة، بالتين والزيتون وطور سينين، وهذا البلد الأمين.
وقد كثرت أقوال المفسّرين في التين والزيتون، فقيل هما جبلان بالشام، وقيل: هما هاتان الثمرتان اللتان نعرفهما بحقيقتهما، وقد أقسم الله تعالى بهما لأنهما عجيبتان من بين الأشجار المثمرة.
وَطُورِ سِينِينَ (٢) هو الطور الذي نودي موسى (ع) من جانبه، وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) ، هو مكّة بيت الله الحرام.
لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة، بانتصاب قامته، وأحسن وجهه، واستجماعه لخواصّ الكائنات في تركيبه.
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) : أي ثمّ كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة الله عليه، أن رددناه أسفل سافلين، حيث تصبح البهائم أرفع منه وأقوم، لاستقامتها على فطرتها، وإلهامها تسبيح ربها، وأداء وظيفتها على هدى بينما هو المخلوق في أحسن تقويم يجحد ربه، ويرتكس مع هواه.
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)
стр. 2837
فطرة واستعدادا، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) ، حينما ينحرف بهذه الفطرة، عن الخطّ الذي هداه الله اليه، وبيّنه له.
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، فلهم أجر دائم غير مقطوع، ولا منقوص، ولا ممنون.
فمن يكذّبك بالدين بعد ظهور هذه الحقيقة؟ وبعد إدراك قيمة الإيمان في حياة البشرية؟
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) :
أليس الله بأعدل العادلين، حينما يحكم في أمر الخلق على هذا النحو؟ أو أليست حكمة الله بالغة؟
والعدل واضح والحكمة بارزة، ومن ثم ورد في الحديث المرفوع: إذا قرأ أحدكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) فأتى آخرها: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) ، فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
مجمل ما تضمنته السورة
أقسم الله تعالى، بأنه أحسن خلق الإنسان، فجعله منتصب القامة، متّسق الأعضاء والخواصّ، وقد يردّه إلى أرذل العمر، فيصير ضعيفا هرما.
أو أنه فطر الإنسان أحسن فطرة نفسا وبدنا وعقلا، إلّا أنه تمشّيا مع رغباته الأثيمة، ونزواته الشريرة انحطّت منزلة بعض أفراده، فصيّرهم الله الى منازل الخزي والهوان واستثنى الله تعالى من هذا المصير، أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير منقطع وأشارت السورة أيضا إلى أن الله تعالى هو أعدل الحاكمين، وأعلى المدبّرين حكما.
стр. 2838
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التين» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة التين بعد سورة البروج، ونزلت سورة البروج فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء فيكون نزول سورة التين في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وتبلغ آياتها ثماني آيات.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة، إثبات أن الإسلام دين الفطرة، وتوبيخ من يكذّب به وينحرف عنه وبهذا ناسبت هذه السورة سورة الشرح، لأنها كانت في تثبيت النبي (ص) على تكذيب قومه له، وانحرافهم عن دينه.
الإسلام دين الفطرة الآيات [١- ٨]
قال الله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ، فأقسم بهذا، على أنه خلق الإنسان في أوّل أمره، في أكمل عقل ودين وعلم وذكر سبحانه أن هذا الإنسان انحرف عن هذا، فردّه أسفل سافلين، إلّا من استقام في دينه، فلهم أجر غير ممنون ثمّ وبّخه على انحرافه، وهدّده بقوله تعالى: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) .
стр. 2839
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التين» «١»
أقول: لمّا تقدّم، في سورة الشمس: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) [الشمس] فصّل في هذه السورة بقوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إلى آخره.
وأخّرت هذه السورة، لتقدّم ما هو أنسب بالتقديم، من السور الثلاث «٢» ، واتّصالها بسورة البلد لقوله تعالى:
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) وأخّرت لتقدّم ما هو أولى بالمناسبة، مع سورة الفجر «٣» .
من اللطائف
نقل الشيخ تاج الدين بن عطاء الله السكندري في «لطائف المنن» عن الشيخ أبي العباس المرسي، قال قرأت مرة وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) ، إلى أن انتهيت إلى قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) ففكّرت في معنى هذه الآية، فألهمني الله أنّ معناها: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددناه أسفل سافلين نفسا وهوى «٤» .
стр. 2840
قلت: تظهر من هذه المناسبة وضعها بعد أَلَمْ نَشْرَحْ. فإنّ تلك أخبر فيها عن شرح صدر النبي (ص) ، وذلك يستدعي كمال عقله وروحه، فكلاهما في القلب الذي محلّه الصدر وعن خلاصه من الوزر الذي ينشأ من النفس والهوى، وهو معصوم منهما، وعن رفع الذّكر، حيث نزّه مقامه عن كل موهم.
فلمّا كانت هذه السورة في هذا العلم الفرد من الإنسان، أعقبها بسورة مشتملة على بقيّة الأناسي، وذكر ما خامرهم في متابعة النفس والهوى.