← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

المبحث الأول أهداف سورة «التين» «١» سورة التين سورة مكية، آياتها ٨ آيات، نزلت بعد سورة البروج. والحقيقة الرئيسة التي تعرضها سورة التين، هي حقيقة الفطرة القويمة التي فطر الله الإنسان عليها. يقسم الله سبحانه على هذه الحقيقة، بالتين والزيتون وطور سينين، وهذا البلد الأمين. وقد كثرت أقوال المفسّرين في التين والزيتون، فقيل هما جبلان بالشام، وقيل: هما هاتان الثمرتان اللتان نعرفهما بحقيقتهما، وقد أقسم الله تعالى بهما لأنهما عجيبتان من بين الأشجار المثمرة. وَطُورِ سِينِينَ (٢) هو الطور الذي نودي موسى (ع) من جانبه، وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) ، هو مكّة بيت الله الحرام. لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة، بانتصاب قامته، وأحسن وجهه، واستجماعه لخواصّ الكائنات في تركيبه. ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) : أي ثمّ كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة الله عليه، أن رددناه أسفل سافلين، حيث تصبح البهائم أرفع منه وأقوم، لاستقامتها على فطرتها، وإلهامها تسبيح ربها، وأداء وظيفتها على هدى بينما هو المخلوق في أحسن تقويم يجحد ربه، ويرتكس مع هواه. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)

стр. 2837

فطرة واستعدادا، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) ، حينما ينحرف بهذه الفطرة، عن الخطّ الذي هداه الله اليه، وبيّنه له. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، فلهم أجر دائم غير مقطوع، ولا منقوص، ولا ممنون. فمن يكذّبك بالدين بعد ظهور هذه الحقيقة؟ وبعد إدراك قيمة الإيمان في حياة البشرية؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) : أليس الله بأعدل العادلين، حينما يحكم في أمر الخلق على هذا النحو؟ أو أليست حكمة الله بالغة؟ والعدل واضح والحكمة بارزة، ومن ثم ورد في الحديث المرفوع: إذا قرأ أحدكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) فأتى آخرها: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) ، فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. مجمل ما تضمنته السورة أقسم الله تعالى، بأنه أحسن خلق الإنسان، فجعله منتصب القامة، متّسق الأعضاء والخواصّ، وقد يردّه إلى أرذل العمر، فيصير ضعيفا هرما. أو أنه فطر الإنسان أحسن فطرة نفسا وبدنا وعقلا، إلّا أنه تمشّيا مع رغباته الأثيمة، ونزواته الشريرة انحطّت منزلة بعض أفراده، فصيّرهم الله الى منازل الخزي والهوان واستثنى الله تعالى من هذا المصير، أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير منقطع وأشارت السورة أيضا إلى أن الله تعالى هو أعدل الحاكمين، وأعلى المدبّرين حكما.

стр. 2838

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التين» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة التين بعد سورة البروج، ونزلت سورة البروج فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء فيكون نزول سورة التين في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وتبلغ آياتها ثماني آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة، إثبات أن الإسلام دين الفطرة، وتوبيخ من يكذّب به وينحرف عنه وبهذا ناسبت هذه السورة سورة الشرح، لأنها كانت في تثبيت النبي (ص) على تكذيب قومه له، وانحرافهم عن دينه. الإسلام دين الفطرة الآيات [١- ٨] قال الله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ، فأقسم بهذا، على أنه خلق الإنسان في أوّل أمره، في أكمل عقل ودين وعلم وذكر سبحانه أن هذا الإنسان انحرف عن هذا، فردّه أسفل سافلين، إلّا من استقام في دينه، فلهم أجر غير ممنون ثمّ وبّخه على انحرافه، وهدّده بقوله تعالى: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) .

стр. 2839

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التين» «١» أقول: لمّا تقدّم، في سورة الشمس: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) [الشمس] فصّل في هذه السورة بقوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إلى آخره. وأخّرت هذه السورة، لتقدّم ما هو أنسب بالتقديم، من السور الثلاث «٢» ، واتّصالها بسورة البلد لقوله تعالى: وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) وأخّرت لتقدّم ما هو أولى بالمناسبة، مع سورة الفجر «٣» . من اللطائف نقل الشيخ تاج الدين بن عطاء الله السكندري في «لطائف المنن» عن الشيخ أبي العباس المرسي، قال قرأت مرة وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) ، إلى أن انتهيت إلى قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) ففكّرت في معنى هذه الآية، فألهمني الله أنّ معناها: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددناه أسفل سافلين نفسا وهوى «٤» .

стр. 2840

قلت: تظهر من هذه المناسبة وضعها بعد أَلَمْ نَشْرَحْ. فإنّ تلك أخبر فيها عن شرح صدر النبي (ص) ، وذلك يستدعي كمال عقله وروحه، فكلاهما في القلب الذي محلّه الصدر وعن خلاصه من الوزر الذي ينشأ من النفس والهوى، وهو معصوم منهما، وعن رفع الذّكر، حيث نزّه مقامه عن كل موهم. فلمّا كانت هذه السورة في هذا العلم الفرد من الإنسان، أعقبها بسورة مشتملة على بقيّة الأناسي، وذكر ما خامرهم في متابعة النفس والهوى.

стр. 2841

المبحث الرابع مكنونات سورة «التين» «١» أخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: ١- وَالزَّيْتُونِ (١) . دمشق «٢» ٢- وَالزَّيْتُونِ: بيت المقدس. وعن قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: جبل عليه بيت المقدس «٣» . وعن الرّبيع: جبل عليه التّين والزّيتون. وعن محمد بن كعب: التين جبل أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيليا «٤» . ومن طريق العوفي، عن ابن عبّاس: التين: مسجد نوح الذي على الجودىّ. وعن عكرمة: في هذا عشرون قولا. ٣- الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) : مكّة. وأخرج ابن عساكر عن عمرو بن الدّرفس «٥» الغسّاني قال: والتين مسجد دمشق كان بستانا لهود (ع) ، فيه تين والزيتون مسجد بيت المقدس.

стр. 2842

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «التين» «١» قال تعالى: وَطُورِ سِينِينَ (٢) وواحدها «السّينينة» «٢» . وقال سبحانه: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ [الآية ٧] ، بجعل (ما) للإنسان. وفي هذا القول يجوز «ما جاءني زيد» في معنى «الذي جاءني زيد» .

стр. 2843

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «التين» «١» فإن قيل: ما وجه الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) . قلنا: قال الأكثرون: المراد بالإنسان هنا الجنس، وبردّه أسفل سافلين بإدخاله النار، فعلى هذا يكون الاستثناء متّصلا ظاهر الاتّصال، ويكون قوله تعالى: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، قائما مقام معنى قوله تعالى فلا نردّهم أسفل سافلين، وأمّا على قول من فسّر أسفل سافلين بالهرم والخرف، وقال: السافلون هم الضعفاء، والزّمنى «٢» ، والأطفال، والشيخ الهرم أسفل هؤلاء كلهم، فعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا بمعنى لكن، ومعنى قوله تعالى: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، أي غير مقطوع بالهرم، والضعف الحاصل من الكبر: أي إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال شبابهم وقوّتهم، فإنّهم إذا عجزوا عن العمل كتب لهم ثواب ما كانوا يعملونه من الطاعات والحسنات إلى وقت موتهم وهذا معنى قول ابن عباس (رض) : من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وقال بعض العلماء: الذين آمنوا وعملوا الصالحات في شبابهم وقوّتهم، فإنهم لا يردون إلى الخرف وأرذل العمر، وإن عمّروا طويلا وتمسّك بظاهر قول ابن عباس ﵄.

стр. 2844

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «التين» «١» في قوله سبحانه: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) استعارة، والمراد بها انعكاس صحة أحوال الإنسان، ورجوعه بعد الشباب إلى الهرم، وبعد الصحة إلى السقم، وبعد الحفظ إلى النسيان، وبعد الزيادة إلى النقصان، فكأنّه قد حطّ من عال إلى سافل، وردّ إلى أرذل العمر، لكي لا يعلم من بعد علم شيئا.

стр. 2845

سورة العلق ٩٦

стр. 2846

المبحث الأول أهداف سورة «العلق» «١» سورة العلق سورة مكية، عدد آياتها ١٩ آية، وهي أول ما نزل من القرآن الكريم. اقْرَأْ [الآية ١] : أي ما يوحى إليك، ويتلى. بِاسْمِ رَبِّكَ [الآية ١] : مبتدئا، ومستعينا باسمه تعالى. عَلَقٍ (٢) : واحده علقة، وهي قطعة من الدم جامدة، هي أصل البويضة، في القاموس: علقت المرأة حبلت. الْأَكْرَمُ (٣) : له كمال الكرم. عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) جعل الكتابة وسيلة العلم. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) : أوجد فيه قوة إدراك المعلومات، وطاقات تحصيلها، ويسّر له الدرس. كَلَّا [الآية ٦] : للزجر والردع. لَيَطْغى (٦) : يتجاوز حدود ما شرع، فيكفر ويظلم. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) : أي بسبب غناه، فأبطرته النعم. الرُّجْعى (٨) : الرجوع والمصير إلى الله. الَّذِي يَنْهى (٩) : إشارة الى أبي جهل. عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) : يريد النبي (ص) . أَرَأَيْتَ [الآيات ٩ و ١١ و ١٣] : استخبارية، بمعنى أخبرني.

стр. 2847

لَنَسْفَعاً [الآية ١٥] : لنأخذنّه بعنف. بِالنَّاصِيَةِ (١٥) : مقدّم شعر الرأس. نادِيَهُ (١٧) : مجتمع القوم، والمراد من به. الزَّبانِيَةَ (١٨) : ملائكة العذاب. وَاقْتَرِبْ (١٩) : تقرّب إلينا بالطاعة. [الآيات ١- ٥] : ورد في كتب الصحيح أن النبي (ص) ، كان يتعبّد في غار حراء، فجاءه الملك فضمّه ضمّا شديدا حتى بلغ منه الجهد ثلاث مرات، ثمّ قال كما ورد في التنزيل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) . اقرأ باسم الله وقدرته، الذي أحكم الخلق، وهو بديع السماوات والأرض، خلق الإنسان من دم متجمّد، يعلق بجدار الرحم، فسوّاه من نطفة إلى علقة، إلى مضغة، إلى عظام، فكسى العظام لحما ثمّ أنشأه خلقا آخر، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) [المؤمنون] . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) ، الذي له الكمال في زيادة كرمه على كلّ كريم، ينعم على عباده بالنعم، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة. ومن الله يستمد الإنسان كلّ ما علم، وكلّ ما يعلم. والله سبحانه هو الذي خلق وهو الذي علّم فمنه البدء والنشأة، ومنه التعليم والمعرفة. وقد كان (ص) ، أكمل الخلق ذكرا لله وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا وعلى جنبه، وفي مشيته وركوبه، وسيره ونزوله، وسفره وإقامته، ولقد كان واجب كل إنسان أن يعرف ربّه ويشكره، ولكن الذي حدث غير هذا. [الآيات ٦- ٨] : كلا إنّ الإنسان ليتجاوز الحدّ في التعدي، أن رأى نفسه مستغنيا، إنّ إلى ربّك الرجوع والحساب، فليس هناك مرجع سواه، إليه جلّت قدرته يرجع الغنيّ والفقير، والصالح والشرير، ومنه النشأة، وإليه المصير. وكان أبو جهل يقول: لو رأيت محمّدا ساجدا لوطئت عنقه، فأنزل الله قوله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أي أرأيت أبا جهل ينهى محمدا (ص) عن الصلاة. أرأيت إن كان هذا الذي يصلّي على الهدى أو

стр. 2848

أمر بالتقوى، ثمّ ينهاه من ينهاه مع أنّه على الهدى، آمر بالتقوى؟. أرأيت إن كان ذلك الناهي مكذّبا بالحق، متولّيا عنه: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) ويطّلع على أحواله، ويرى نهيه للعبد المؤمن إذا صلّى، وسيؤاخذه على ذلك، وقد وردت روايات صحيحة تفيد أنّ أبا جهل نهى النبي (ص) عن الصلاة، فأغلظ له الرسول (ص) القول، فقال أبو جهل: أتهدّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا أي مجلسا يجتمع فيه القوم والأعوان. [الآيات ١٥- ١٩] : وأمام مشهد الطغيان، يجيء التهديد الحاسم الرادع الأخير: كَلَّا لئن لم يرجع عمّا هو فيه، لنقبضنّ على ناصيته، ولنجذبنّها جذبا شديدا عنيفا، فهي ناصية كذّبت الحقّ، وأخطأت الطريق، فليدع أهل ناديه لينتصروا له وليمنعوه منّا سندعو الزبانية الشداد الغلاظ، كلا: لا تطع هذا الطاغي، واسجد لربك واقترب منه، بالطاعة والعبادة، فهو الحصن والملجأ، وهو نعم المولى ونعم النصير. مقاصد سورة العلق تشتمل سورة العلق على المقاصد الآتية: ١- حكمة الله تعالى: في خلق الإنسان من قطعة لحم علقت بجدار الرحم، ثمّ تكوينه خلقا كاملا، يبسط سلطانه على كثير من الكائنات. ٢- من كرم الله وإنعامه: أنه علّم الإنسان البيان، وأفاض عليه الكثير من النّعم، ممّا جعل له القدرة على غيره ممّا في الأرض. ٣- لقد غفل الإنسان عن هذه النعم، فإذا رأى نفسه غنيّا صلف وتجبّر واستكبر.

стр. 2849

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «العلق» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها سورة العلق أوّل ما نزل من القرآن عند جمهور المفسّرين وذهب آخرون إلى أنّ الفاتحة هي أوّل ما نزل منه، ثمّ سورة العلق. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) . وتبلغ آياتها تسع عشرة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة: إعلام النبي (ص) بالدعوة، ليقوم بتبليغها لمن أرسل إليهم، وهي دعوة الدّين الذي ذكر في السورة السابقة، أنّه الفطرة التي فطر الناس عليها وهذا هو وجه المناسبة في ذكر هذه السورة بعدها. إعلام النبي بالدعوة الآيات [١- ١٩] قال الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) فأمر تعالى نبيه أوّلا أن يقرأ ما أوحي إليه من دعوة التوحيد ليتعلّمها ثمّ أمره ثانيا أن يقرأها ليبلّغها الناس وذكر من صفاته أوّلا: أنه جلّ وعلا خلق الإنسان من علق، وثانيا: أنه سبحانه هو الأكرم الذي كان من أهمّ نعمه على الإنسان، تعليمه القراءة والكتابة، ليهذّب نفسه ويعلّمه ما لم يعلم، ثم سجّل، على هذا الإنسان،

стр. 2850

أنه لم يقابل نعمه بالشكر، بل أطغاه الغنى وأبطره وهدّده بأنّ إليه الرّجعى، ليعاقبه على طغيانه ثم ذكر من طغيانه أنه ينهى عن الصلاة إليه، وأنه يكذّب ويعرض عن دعوته ثم هدّده بأنه سيأخذ بناصيته إلى النار وأمره أن يدعو حينئذ أعوانه لنصرته، وأين هم من الزبانية اللذين سيدعوهم سبحانه لعذابه ثم ختمت السورة بنهي النبي (ص) عن طاعة هذا الإنسان، وأمره بالمضي، في دعوته، فقال تعالى: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) .

стр. 2851

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «العلق» «١» أقول: لمّا تقدّم في سورة التين بيان خلق الإنسان في أحسن تقويم، بيّن هنا أنه تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) وذلك ظاهر الاتّصال، فالأوّل بيان العلّة الصورية، وهذا بيان العلة المادية «٢» .

стр. 2852

المبحث الرابع مكنونات سورة «العلق» «١» ١- كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) إلى آخر السورة. نزلت في أبي جهل «٢» .

стр. 2853

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «العلق» «١» ١- وقال تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) . والمراد أهل النادي، وهذا كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أي: أهلها ومثله قول جرير: لهم مجلس صهب السّبال أذلّه على من يعاديهم أشدّاء فاعلم

стр. 2854

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «العلق» «١» قال تعالى: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) ثم قال سبحانه: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) فهي بدل منها، والخبر أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) . وقال سبحانه: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) ف (ناديه) هاهنا عشيرته، وإنما هم أهل النادي، والنادي مكانه ومجلسه. وأما (الزّبانية) فقال بعضهم: واحدهم «الزباني» وقال بعضهم: «الزابن» «٢» سمعت «الزابن» من عيسى ابن عمر. وقال بعضهم «الزبنية» . والعرب لا تكاد تعرف هذا، وتجعله من الجمع الذي لا واحد له مثل «أبابيل» تقول: «جاءت إبلي أبابيل» أي: فرقا. وهذا يجيء في معنى التكثير مثل «عباديد» و «شعارير» .

стр. 2855

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «العلق» «١» إن قيل: أين مفعول خلق في الآية الأولى؟ قلنا: يحتمل وجهين: أحدهما أن لا يقدر له مفعول، بل يكون المراد الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه كما قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك: ١٤] في أحد الوجهين، وقولهم: فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع. الثاني: أن يكون مفعوله مضمرا، تقديره: الذي خلق كلّ شيء، ثم أفرد الإنسان بالذكر تشريفا له وتفضيلا. فإن قيل: لم قال تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) على الجمع ولم يقل: من علقة؟ قلنا: لأن الإنسان في معنى الجمع، بدليل قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [العصر] ، والجمع إنّما خلق من جمع علقة لا من علقة. فإن قيل: هذا الجواب يردّه قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ [الحج: ٥] . قلنا: المراد فإنّا خلقنا أباكم من تراب، ثمّ خلقنا كل واحد من أولاده من نطفة. وقيل إنّما قال تعالى: مِنْ عَلَقٍ (٢) رعاية للفاصلة الأولى وهي خلق.

стр. 2856

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «العلق» «١» كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) . هذه استعارة، لأنّ صفة الناصية بالكذب والخطأ مجاز، والمراد بذلك صاحب الناصية، وذلك نظير قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) [الغاشية] وقد مضى الكلام على هذا المعنى، وجاء في الآية إبدال النكرة من المعرفة، وهو قليل في القرآن والكلام، لأنّ الناصية الأولى معرفة، والناصية الثانية نكرة وهي بدل من الأولى.

стр. 2857

سورة القدر ٩٧

стр. 2858

المبحث الأول أهداف سورة «القدر» «١» سورة القدر سورة مكية، آياتها ٥ آيات نزلت بعد سورة عبس. والحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة، التي سجّلها الوجود كله، في فرح وغبطة وابتهال، ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى، ليلة بدء نزول القرآن الكريم على قلب محمد (ص) ، ليلة ذلك الحدث العظيم، الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعا، العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري. هي ليلة نزل فيها قرآن ذو قدر، على نبيّ ذي قدر، لأمّة ذات قدر. هي ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك. قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥] . وقد وردت في تعيين هذه الليلة آثار كثيرة، منها ما ورد في البخاري أن رسول الله (ص) قال: «إنّي رأيت ليلة القدر، ثم نسيتها، أو أنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان» . ويتوقّع طلبها في أوتار العشر الأواخر، أي ليلة ٢١، ٢٣، ٢٥، ٢٧، ٢٩ وفي كثير من الروايات أنّها ليلة ٢٧ رمضان. وعظمة هذه الليلة مستمدّة من نزول القرآن الكريم فيها، ذلك الكتاب

стр. 2859

الخالد الذي وصل الأرض بالسماء، وكان هداية رب العباد للعباد، وكان النور والهدى، والسلامة والسلام للخلق أجمعين. المفردات: لَيْلَةِ الْقَدْرِ (٢) : القدر: الشرف والقيامة والمقام. وَما أَدْراكَ: المراد بالاستفهام تقرير عظيم شأنها. خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) : ثواب العبادة فيها، خير من ألف شهر، والعدد لا يفيد التحديد، وإنما يفيد التكثير فهي خير من آلاف الشهور في حياة البشر. وَالرُّوحُ: جبريل (ع) . سَلامٌ هِيَ: خير كلّها. حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) : لا تزال الملائكة متنزّلة بالرحمة والمغفرة، حتى مطلع الفجر. [الآية ١] : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) نزل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ، إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم نزل منجّما على ثلاث وعشرين سنة، وبدأ الإنزال في ليلة مقدّرة، لها شرفها عند الله، وزادها شرفا بدء نزول القرآن فيها. [الآية ٢] : وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) : إن شأنها لعظيم، عظمة لا تقدّر، ففيها فاض النور على الوجود كلّه، وأسبغ الله تعالى فيها السلام والبشرى على البشرية، بما تضمّنه هذا القرآن، من عقيدة وتصوّر، وشريعة وآداب تشيع السلام في الأرض والضمير. [الآية ٣] : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) أي هي، بما نزل فيها من ذكر وقرآن وهداية، أفضل من ألف شهر، من شهور الجاهلية أو العبادة والعمل الصالح فيها أفضل من العبادة في ألف شهر. روي عن مجاهد أنّ النبيّ (ص) ، ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فتعجّب المسلمون من ذلك، فأنزل الله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) . [الآية ٤] : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) . تنزّل الملائكة وجبريل الأمين في هذه

стр. 2860

الليلة، بالسلام والأمان، والرحمة لعباد الله، وتنزّل بأمر الله وتقديره، من أجل كلّ أمر، قضاه الله لتلك السنة إلى عام قابل. [الآية ٥] : سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) : هي سلام وأمان وثواب موصول، وعبادة مضاعفة الثواب إلى طلوع الفجر. وفي الصحيحين: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» . فهي ليلة التجرّد والإخلاص لله ليلة نزول القرآن، وعبادة الرحمن ليلة تغمر الملائكة الأرض بالسلام والأمان من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.

стр. 2861

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القدر» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة القدر بعد سورة عبس، ونزلت سورة عبس، فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة القدر في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وتبلغ آياتها خمس آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة بيان فضل الليلة التي أنزل فيها القرآن، وهذا للتنويه بشأنه في اختيار تلك الليلة لنزوله ولا تخفى مناسبة هذا لذكر ابتداء نزوله في سورة العلق، ولهذا ذكرت بعدها هذه السورة. فضل ليلة نزول القرآن الآيات [١- ٥] قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) فذكر سبحانه أنه أنزله في هذه الليلة وذكر أنها خير من ألف شهر وأنّ الملائكة، تتنزّل فيها بما قدّر من خير أو شرّ ثم ختمها سبحانه، بقوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) .

стр. 2862

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «القدر» «١» قال الخطابي «٢» لمّا اجتمع أصحاب النبي (ص) على القرآن، ووضعوا سورة القدر عقب العلق، استدلوا بذلك على أنّ المراد بهاء الكناية في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) الإشارة إلى قوله سبحانه اقْرَأْ [العلق: ١] . قال القاضي أبو بكر بن العربي. وهذا بديع جدا «٣» .

стр. 2863

المبحث الرابع مكنونات سورة «القدر» «١» ١- فيها أقوال كثيرة تزيد على الأربعين، وحاصلها أقوال عشرة: ليالي العشر الأخيرة «٢» وليلة أول الشهر، ونصفه، والسابعة عشرة، وثلاثة تليها، ونصف شعبان، وقيل: بالإبهام، والتنقّل كلّ عام، في كلّ رمضان، وفي كلّ السنة، فهذه عشرة أقوال «٣» .

стр. 2864

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «القدر» «١» قال تعالى: سَلامٌ هِيَ [الآية ٥] ، أي: هي سلام، يريد: مسلّمة. وقال سبحانه: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) ، أي طلوع الفجر والمصدر هاهنا لا يبنى إلّا على «مفعل» .

стр. 2865

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «القدر» «١» إن قيل: ما معنى قوله تعالى: مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) وتنزّلهم من الأمر لا معنى له. قلنا: «من» هنا بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١] وقوله تعالى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ [غافر: ١٥] ، أي لكلّ أمر قضاه الله تعالى، في تلك السنة من ليلة القدر، إلى مثلها: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ به من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وقيل إلى الأرض.

стр. 2866

سورة البيّنة ٩٨

стр. 2867

المبحث الأول أهداف سورة «البيّنة» «١» سورة البيّنة سورة مدنية، آياتها ٨ آيات نزلت بعد سورة الطلاق. تعرض السورة أربع حقائق تاريخية وإيمانية: الحقيقة الأولى: هي أنّ بعثة الرسول (ص) كانت ضرورية، لتحويل الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين، عمّا كانوا قد انتهوا إليه من الضلال والاختلاف، وما كانوا ليتحوّلوا عنه بغير هذه البعثة. قال تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) . الحقيقة الثانية: أنّ أهل الكتاب لم يختلفوا في دينهم عن جهل، ولا عن غموض فيه، وإنّما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم، وجاءتهم البيّنة: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) . الحقيقة الثالثة: أنّ الدّين في أصله واحد، وقواعده بسيطة واضحة، لا تدعو الى التفريق والاختلاف في ذاتها وطبيعتها البسيطة اليسيرة: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) . الحقيقة الرابعة: أنّ الذين كفروا من بعد ما جاءتهم البيّنة هم شرّ البريّة، وأنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم

стр. 2868

خير البريّة، ومن ثم يختلف جزاء هؤلاء عن هؤلاء اختلافا بيّنا. المفردات: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الآية ١] : اليهود والنصارى. وَالْمُشْرِكِينَ [الآية ١] : عبدة الأصنام. مُنْفَكِّينَ [الآية ١] : منتهين عمّا هم عليه. الْبَيِّنَةُ (١) : الحجّة الواضحة، أو محمد (ص) الموعود به في كتبهم. رَسُولٌ [الآية ٢] : بدل من البيّنة، وعبّر عنه بالبيّنة للإشارة إلى ظهور أمره، ووضوح دينه. صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) : مبرّأة من الزور والضلال، والمراد بها القرآن. فِيها [الآية ٣] : في صحف القرآن. كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) : مضمون الكتاب السماوية الأخرى، وهي بلا شك لها قيمتها. وَما تَفَرَّقَ [الآية ٤] : اختلفوا إلى طوائف في الدين. مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) : يتحقّق الموعود برسالة محمد (ص) . وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) . وَما أُمِرُوا: أي في كتبهم. مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: جاعلين الدّين، خالصا لله. حُنَفاءَ: مائلين عن زائف العقائد، إلى الإسلام دين الحق. الْبَرِيَّةِ [الآيتان ٦ و ٧] : الخليقة. جَنَّاتُ عَدْنٍ [الآية ٨] : بساتين خلد، ومقام أبدي. الْأَنْهارُ [الآية ٨] : المراد الأنهار الموعود بها، من لبن وعسل، وخمر «١» . خَشِيَ رَبَّهُ (٨) : خافه في الدّنيا فأطاعه، ونجا في الاخرة من عذابه. مع آيات السورة [الآية ١] :

стр. 2869

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) : كانت الأرض في حاجة ماسّة إلى رسالة جديدة، كان الفساد قد عمّ أرجاءها كلّها، بحيث لا يرتجى لها صلاح، إلا برسالة جديدة، ومنهج جديد، وحركة جديدة، وكان الكفر قد تطرّق إلى عقائد أهلها جميعا، سواء في ذلك أهل الكتاب الذين عرفوا الديانات السماويّة من قبل ثم حرّفوها، والمشركون في الجزيرة العربية، وفي خارجها. وما كانوا لينفكّوا، ويتحوّلوا عن هذا الكفر الذي صاروا إليه، إلّا بهذه الرسالة الجديدة، وإلّا على يد رسول، يكون هو ذاته بيّنة واضحة، فارقة فاصلة. [الآية ٢] : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) أي محمّد (ص) ، وهو بدل من البيّنة، يقرأ عليهم من صفحات كتابه المطهّرة، وآياته المقدّسة، ما يشتمل على المضمون الصحيح لكتبهم المنزّلة على أنبيائهم، موسى وعيسى وغيرهما، عليهم جميعا الصلاة والسلام. [الآية ٣] : فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) : يطلق الكتاب على الموضوع، كما تقول كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة.. أي يشتمل القرآن على موضوعات وحقائق قيّمة تحتاج إليها البشرية، ولا تصلح إلّا بها. كان الفساد قد استشرى في الأرض، وطمست معالم الحق، وبهتت حقائق الأديان، وانسحب رجال الدّين من ميدان الحياة، واستبدّ الحكّام والملوك، وعظمت نكايات اليهود بالنصارى، واشتدّ تدبير الكيد من النصارى لليهود. واختلف المسيحيون حول طبيعة المسيح (ع) ، وعذّب الحكام طوائف المخالفين. [الآية ٤] : وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) فلم يكن ينقصهم العلم والبيان، وإنّما كان يجرفهم الهوى والانحراف. [الآية ٥] : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) . وهذه هي قاعدة دين الله على الإطلاق، عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك وأهله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) وهذا هو الدين الذي جاء في الكتاب

стр. 2870

القيّمة، «وقصارى ما سلف أن أهل الكتاب افترقوا في أصول الدين وفروعه، مع أنهم ما أمروا إلّا بأن يعبدوا الله، ويخلصوا له في عقائدهم وأعمالهم، وألّا يقلدوا فيها أبا ولا رئيسا، وأن يردّوا إلى ربّهم وحده كلّ ما يعرض لهم من خلاف» «٢» [الآية ٦] : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) . لقد كانت الرسل تتوالى كلّما فسدت الأرض، لتردّ الناس إلى الإصلاح. أما وقد شاء الله أن يختم الرسالات إلى الأرض بهذه الرسالة الأخيرة الجامعة، الشاملة الكاملة، فقد تحدّد الموقف أمام الجميع بصفة قاطعة. فمن كفر بهذه الرسالة أو أشرك بالله، فهو في نار جهنم يصلى نارها، وهو من شرار الخلق، جزاء إعراضه عن دعوة الحق، وعن رسالة الله. [الآية ٧] : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) . أمّا من اهتدى قلبه للإيمان، وكان إيمانه عن يقين وصدق، فأتبع الإيمان بالأعمال الصالحات، من عبادة وخلق، وعمل وتعامل، والتزام بشريعة الله والحفاظ عليها، أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ وهم صفوة الله من خلقه، الذين منحهم الهدى، ويسّر لهم العمل بأحكام هذا الدين. قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] . [الآية ٨] : جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) . لقد أحسن الله جزاءهم في جنّات إقامة دائمة تجري من تحتها الأنهار، في جمال ونعمة ولذّة دائمة وأسمى من ذلك سعادتهم برضا الله عنهم، ومحبّته لهم، ثمّ اطمئنانهم ورضاهم العميق عن ربّهم، وثوابه ونعيمه. وذلك كلّه متوقّف على خشية الله، والخوف منه والالتزام بأمره. ملخّص السورة لمّا بعث الله سيدنا محمدا (ص) تغيّر حال اليهود والنصارى والمشركين، فمنهم من آمن به، ومنهم

стр. 2871

من تردّد في صحة الدين، ومنهم من عاند وتكبّر، مع أن الله تعالى ما أمرهم إلّا ليعبدوه مخلصين له الدّين، ولكنّ الفساد كان قد استشرى بين أتباع الدّيانات السابقة، وكانت البيّنة الواضحة والنور الهادي هو بعثة محمد (ص) ، وقد أوضح الله تعالى أنّ من كفر به سيصلى نار جهنّم، وأن من آمن به سيتمتّع برضوان الله في جنات النعيم.

стр. 2872

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «البيّنة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة البيّنة بعد سورة الطلاق ونزلت سورة الطلاق، فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك فيكون نزول سورة البيّنة في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) وتبلغ آياتها ثماني آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة: بيان فضل القرآن. وقد كانت السورة السابقة في بيان فضل الليلة التي أنزل فيها فجاءت هذه السورة بعدها، لبيان فضله في نفسه. بيان فضل القرآن الآيات [١- ٨] قال الله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) ، فذكر سبحانه أن أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا منفكّين عمّا هم عليه، حتى تأتيهم البيّنة على فساده، وأنّ هذه البيّنة قد جاءهم بها رسول يتلوها عليهم، وهي صحف مطهّرة، فيها سور قيّمة، وأنّ أهل الكتاب لم يختلفوا في أمرها، إلّا بعد أن قامت الحجّة بها عليهم، لأنهم لم يؤمروا فيها إلّا بإخلاص العبادة له

стр. 2873

سبحانه، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وذلك هو الدين القيّم، الذي بعث الأنبياء به ثم أخذت السورة في الترهيب والترغيب فذكرت أنّ أولئك الكافرين في نار جهنم، وأنهم شر البريّة، وأن المؤمنين خير البريّة جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) .

стр. 2874

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «البيّنة» «١» أقول: هذه السورة واقعة موقع العلّة لما قبلها، كأنه لما قال سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ [القدر ١] ، قيل: لم أنزل؟ فقيل. لأنه لم يكن الذين كفروا منفكّين عن كفرهم، حتى تأتيهم البيّنة، وهو رسول من الله يتلو صحفا مطهّرة. وذلك هو المنزّل. وبذلك تشتد المناسبة بين هذه السورة وبين ما قبلها.

стр. 2875

المبحث الرابع لكل سؤال جواب في سورة «البيّنة» «١» إن قيل: المراد بالرسول هنا محمد (ص) بلا خلاف، فلم قال تعالى يَتْلُوا صُحُفاً [الآية ٢] وظاهره يدلّ على قراءة المكتوب من الكتاب، وهو منتف في حقّه (ص) ، لأنّه كان أمّيا؟ قلنا: المراد يتلو ما في الصحف عن ظهر قلبه، لأنه هو المنقول عنه بالتواتر. فإن قيل: ما الفرق بين الصحف والكتاب، حتّى قال تعالى: صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ؟ قلنا: الصحف القراطيس، وقوله تعالى: مُطَهَّرَةً: أي من الشرك الباطل، وقوله تعالى: فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) أي مكتوبة مستقيمة، ناطقة بالعدل والحق، يعني الآيات والأحكام. فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) . أي النبي (ص) أو القرآن، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وهم ما زالوا متفرّقين يكفّر كلّ فريق منهم الاخر، قبل مجيء البيّنة وبعدها؟ قلنا: المراد به تفرّقهم عن تصديق النبيّ (ص) والإيمان به قبل أن يبعث، فإنّهم كانوا مجتمعين على ذلك، متّفقين عليه بأخبار التوراة والإنجيل فلمّا بعث إليهم تفرّقوا فمنهم من
следующие страницы →