← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

من تردّد في صحة الدين، ومنهم من عاند وتكبّر، مع أن الله تعالى ما أمرهم إلّا ليعبدوه مخلصين له الدّين، ولكنّ الفساد كان قد استشرى بين أتباع الدّيانات السابقة، وكانت البيّنة الواضحة والنور الهادي هو بعثة محمد (ص) ، وقد أوضح الله تعالى أنّ من كفر به سيصلى نار جهنّم، وأن من آمن به سيتمتّع برضوان الله في جنات النعيم.

стр. 2872

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «البيّنة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة البيّنة بعد سورة الطلاق ونزلت سورة الطلاق، فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك فيكون نزول سورة البيّنة في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) وتبلغ آياتها ثماني آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة: بيان فضل القرآن. وقد كانت السورة السابقة في بيان فضل الليلة التي أنزل فيها فجاءت هذه السورة بعدها، لبيان فضله في نفسه. بيان فضل القرآن الآيات [١- ٨] قال الله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) ، فذكر سبحانه أن أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا منفكّين عمّا هم عليه، حتى تأتيهم البيّنة على فساده، وأنّ هذه البيّنة قد جاءهم بها رسول يتلوها عليهم، وهي صحف مطهّرة، فيها سور قيّمة، وأنّ أهل الكتاب لم يختلفوا في أمرها، إلّا بعد أن قامت الحجّة بها عليهم، لأنهم لم يؤمروا فيها إلّا بإخلاص العبادة له

стр. 2873

سبحانه، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وذلك هو الدين القيّم، الذي بعث الأنبياء به ثم أخذت السورة في الترهيب والترغيب فذكرت أنّ أولئك الكافرين في نار جهنم، وأنهم شر البريّة، وأن المؤمنين خير البريّة جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) .

стр. 2874

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «البيّنة» «١» أقول: هذه السورة واقعة موقع العلّة لما قبلها، كأنه لما قال سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ [القدر ١] ، قيل: لم أنزل؟ فقيل. لأنه لم يكن الذين كفروا منفكّين عن كفرهم، حتى تأتيهم البيّنة، وهو رسول من الله يتلو صحفا مطهّرة. وذلك هو المنزّل. وبذلك تشتد المناسبة بين هذه السورة وبين ما قبلها.

стр. 2875

المبحث الرابع لكل سؤال جواب في سورة «البيّنة» «١» إن قيل: المراد بالرسول هنا محمد (ص) بلا خلاف، فلم قال تعالى يَتْلُوا صُحُفاً [الآية ٢] وظاهره يدلّ على قراءة المكتوب من الكتاب، وهو منتف في حقّه (ص) ، لأنّه كان أمّيا؟ قلنا: المراد يتلو ما في الصحف عن ظهر قلبه، لأنه هو المنقول عنه بالتواتر. فإن قيل: ما الفرق بين الصحف والكتاب، حتّى قال تعالى: صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ؟ قلنا: الصحف القراطيس، وقوله تعالى: مُطَهَّرَةً: أي من الشرك الباطل، وقوله تعالى: فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) أي مكتوبة مستقيمة، ناطقة بالعدل والحق، يعني الآيات والأحكام. فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) . أي النبي (ص) أو القرآن، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وهم ما زالوا متفرّقين يكفّر كلّ فريق منهم الاخر، قبل مجيء البيّنة وبعدها؟ قلنا: المراد به تفرّقهم عن تصديق النبيّ (ص) والإيمان به قبل أن يبعث، فإنّهم كانوا مجتمعين على ذلك، متّفقين عليه بأخبار التوراة والإنجيل فلمّا بعث إليهم تفرّقوا فمنهم من

стр. 2876

آمن، ومنهم من كفر. وقال بعض العلماء: المراد بالبيّنة ما في التوراة والإنجيل من الإيمان بنبوّته (ص) ، ويؤيّد هذا القول، أنّ أهل الكتاب أفردوا بالذكر في هذا التفرّق، مع وجود التفرّق من المشركين أيضا، بعد ما جمعوا مع المشركين في أوّل السورة، فلا بد أن يكون مجيء البيّنة أمرا يخصّهم ومجيء النبيّ (ص) والقرآن العزيز لا يخصّهم.

стр. 2877

سورة الزّلزلة ٩٩

стр. 2878

المبحث الأول أهداف سورة «الزّلزلة» «١» سورة الزلزلة سورة مدنية آياتها ٨ آيات، نزلت بعد سورة النساء. إنها سورة تهزّ القلب هزّا عنيفا، يشترك في هذه الهزّة الموضوع والمشهد، والإيقاع اللفظي، وصيحة قويّة مزلزلة للأرض ومن عليها، فما يكادون يفيقون حتى يواجههم الحساب، والوزن، والجزاء، في بضع فقرات قصار وهذا هو طابع الجزء كلّه، يتمثّل في هذه السورة تمثّلا قويا. المفردات زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الآية ١] اهتزّت واضطربت بعنف وشدة. زِلْزالَها (١) : المقدّر لها، وذلك عند النفخة الثانية. أَثْقالَها (٢) : ما في باطنها من الموتى. الْإِنْسانُ [الآية ٣] : الكافر، أو كلّ إنسان. ما لَها (٣) : ماذا أصابها من شدّة ما يرى. تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) : ما كان فيها من أعمال العباد من خير أو شرّ. بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) : تحدّث بالأخبار بوحي من الله بما تقول. يَصْدُرُ النَّاسُ [الآية ٦] : يرجعون إلى ربّهم. أَشْتاتاً [الآية ٦] : جمع شتيت أي متفرقين. مِثْقالَ [الآيتان ٧ و ٨] : المثقال ما

стр. 2879

يوزن به، ومثقال الشيء ميزانه من مثله. ذَرَّةٍ [الآيتان ٧ و ٨] : مثل في تناهي الصّغر. يَرَهُ [الآيتان ٧ و ٨] : المراد يجازى به. مع آيات السورة [الآيات ١- ٥] : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) . تصف الآيات مشهد القيامة حينما تضطرب اضطرابا شديدا وترتجف الأرض الثابتة ارتجافا وتزلزل زلزالا وتنفض ما في جوفها نفضا وتخرج ما يثقلها من الكنوز، والدّفائن، والأموات وهو مشهد يخلع القلوب، ويهزّ كلّ ثابت، ويخيّل للسامعين أنّهم يترنّحون ويترجّحون، والأرض من تحتهم تهتزّ وتمور. ومثال هذا ما نراه في حياتنا من جبال النار الثائرة (البراكين) ، كما حدث في إيطاليا سنة ١٩٠٩ م من ثوران بركان فيزوف، وابتلاعه مدينة مسينا، ولم يبق من أهلها أحدا. فإذا شاهد الإنسان القيامة بأهوالها، والأرض تتحرّك في زلزال عنيف، وتخرج ما فيها فإنّه يتساءل من هول ما يرى: وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) ؟ وهو سؤال المتحيّر الذي يرى ما لم يعهد، وكأنّه يتمايل على ظهرها ويترنّح معها ويحاول أن يمسك بأي شيء يشدّه ويثبته، وكلّ ما حوله يمور مورا شديدا. يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) في ذلك اليوم تنطق الأرض بلسان الحال أي أنّ حالها وما يقع فيها من الاضطراب والانقلاب، وما لم يعهد له نظير من الخراب، تعلّم السائل وتفهمه الخبر، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) وأمرها أن تمور مورا، وأن تزلزل زلزالها، وأن تخرج أثقالها ... تحدّث أخبارها فهذا الحال حديث واضح عمّا وراءه، من أمر الله ووحيه إليها. [الآية ٦] : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) في ذلك اليوم، الذي يحدث الله فيه الزّلزلة والهول، يقوم الناس من القبور أشتاتا متفرّقين، فالمحسنون فريق، والمسيئون فريق، وكل إنسان يرى جزاء عمله.

стр. 2880

[الآيتان ٧- ٨] : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) فمن يعمل من الخير أدنى عمل وأصغره فإنّه يجد جزاءه ومن يعمل من الشّرّ، ولو قليلا، فإنّه يجد جزاءه. مقاصد السورة اشتملت هذه السورة الكريمة على ثلاثة مقاصد: ١- اضطراب الأرض يوم القيامة، ودهشة الناس حينئذ. ٢- ذهاب الناس لموقف العرض والحساب، أشتاتا متفرّقين ليروا أعمالهم. ٣- يكافأ الإنسان على عمله من خير، وإن كان مثقال ذرة، ومقدار نملة ويجازى على ما عمل من شرّ مهما كان صغيرا.

стр. 2881

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الزّلزلة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الزّلزلة بعد سورة النساء، ونزلت سورة النساء، فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك فيكون نزول سورة الزلزلة في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وتبلغ آياتها ثماني آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة الترغيب في الخير، والتحذير من الشر وهذا يناسب ما ختمت به السورة السابقة، من أنّ الكافرين هم شر البريّة، والمؤمنين هم خير البرية، فجاءت هذه السورة بعدها، للترغيب في طريق المؤمنين من الخير، والتحذير من طريق الكافرين من الشر. الترغيب في الخير والتحذير من الشر الآيات [١- ٨] قال الله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) فذكر سبحانه أنه إذا حصل زلزال الأرض، وإخراجها دفائنها، وسأل الإنسان عن حالها، أجابته بأنه سبحانه أوحى لها بهذا، لتؤذن بقيام

стр. 2882

الاخرة، فيصدر النّاس أشتاتا ليروا أعمالهم: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .

стр. 2883

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الزّلزلة» «١» أقول: لمّا ذكر في آخر سورة «البيّنة» : أنّ جزاء الكافرين جهنّم، وجزاء المؤمنين جنّات، فكأنّه قيل: متى يكون ذلك؟ فقيل: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) . أي حين تكون زلزلة الأرض إلى آخره. هكذا ظهر لي، ثمّ لمّا راجعت تفسير الإمام الرازي، ورأيته ذكر نحوه حمدت الله كثيرا. وعبارته: ذكروا في مناسبة هذه السورة لما قبلها، وجوها منها: أنّه تعالى لمّا قال: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ [البيّنة: ٨] فكأنّ المكلّف قال: ومتى يكون ذلك يا ربّ؟ فقال جلّ وعلا: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الآية ١] . ومنها: أنّه لمّا ذكر سبحانه فيها وعيد الكافرين، ووعد المؤمنين، أراد أن يزيد في وعيد الكافرين فقال تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الآية ١] . ونظيره: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦] . ثمّ ذكر جلّ وعلا ما للطائفتين، فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: ١٠٦] إلى آخره. ثمّ جمع بينهما هنا في آخر السورة، بذكر الذي يعمل الخير والشر.

стр. 2884

المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «الزّلزلة» «١» قال تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) أي: أوحى إليها.

стр. 2885

المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «الزّلزلة» «١» ما معنى إضافة الزلزال، الذي هو المصدر، إلى الأرض، في قوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) ؟ قلنا: معناه الزلزال الذي تستوجبه في حكمة الله تعالى ومشيئته في ذلك اليوم، وهو الزلزال الذي ليس بعده زلزال، ونظيره قولك: أكرم التقيّ إكرامه وأهن الفاسق إهانته تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة، ويجوز أن يكون المراد بالإضافة الاستغراق، ومعناه: زلزالها كله الذي هو ممكن لها. فإن قيل: لم قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) على العموم فيهما، وحسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيّئات المؤمن معفوّ عنها، مغفورة باجتناب الكبائر، فكيف تثبت رؤية كل عامل جزاء عمله؟ قلنا: معناه: فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يكون من فريق السعداء، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يكون من فريق الأشقياء، لأنه جاء بعد قوله تعالى: يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً [الآية ٦] . وذكر مقاتل، أنّها نزلت في رجلين من أهل المدينة، كان أحدهما يستقلّ أن يعطي السائل الكسرة أو التمرة، ويقول: إنّما نؤجر على ما نعطيه ونحن نحبّه، وكان الاخر يتهاون بالذنب اليسير ويقول: إنّما أوعد الله النار على الكبائر.

стр. 2886

المبحث السادس المعاني المجازية في سورة «الزّلزلة» «١» في قوله سبحانه: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) استعارتان إحداهما قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) . والأثقال، هنا، كناية عن الأموات، لأنّهم كانوا ثقلا على ظهر الأرض في حال الحياة. أجري عليهم هذا الاسم لهم، عند حصولهم في بطونها بعد الوفاة، أو يكونون إنّما سمّوا أثقالا، لأنّهم في بطن الأرض بمنزلة الأجنّة في بطون الأمّهات، وإذا جاز أن يسمّى الجنين حملا، جاز أن يسمى ثقلا، لأنّ المعنى واحد قال تعالى: فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما [الأعراف: ١٨٩] أي صار ما في بطنها من الجنين ثقلا لها. قالت الخنساء «٢» : أبعد ابن عمرو من ال الشّريد ... حلّت به الأرض أثقالها أي زيّنت به موتاها. وقال أبو عبيدة إذا كان الميّت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كانت فوقه فهو ثقل عليها، فتسمية الأموات بالأثقال تكون على أحد هذين الوجهين: وإمّا أن تكون هي المثقلة به، وأمّا أن يكون هو المثقل بها. وقال غيره: معنى قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢)

стр. 2887

أي لفظت، إلى ظهرها، ما فيها من مدافن الأموات والمكنون إلى ظهرها. والاستعارة الأخرى قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) والمراد بذلك ما يظهر فيها من دلائل انقطاع أحوال الدنيا، وإقبال أشراط الاخرة، فيكون ما يظهره الله تعالى فيها من ذلك، قائما مقام الأخبار، ونائبا عن النطق باللسان وهذا، كما جاء في قول من قال: «سل الأرض من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» . فكأنّ الأرض تحدّث من يسأل عن أمرها، بأنّ الله تعالى أوحى لها بأن تكون على تلك الصفة التي ظهرت منها، ومعنى أَوْحى لَها أي أوحى إلى ملائكته ﵈، بأن يظهروا فيها تلك الأشراط، ويحدّثوا بها تلك الأعلام، فلذلك قال: أَوْحى لَها ولو كان الوحي خاصة لها، لكان الوجه أن يقال «أوحى إليها» ، وقد قال بعضهم أَوْحى لَها «وأوحى إليها» بمعنى واحد، والاعتماد على القول الذي قدّمناه، لأنّ الوحي يتضمّن أوامر ومخاطبات، ولا يجوز أن يؤمر ولا يخاطب، إلّا العاقل المميّز، والمجيب السامع، وليس الوحي إلى الأرض جاريا مجرى الوحي إلى النحل، في قوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [النحل: ٦٨] ، لأنّ المراد عندنا بذلك، أنّه سبحانه ألهمها ما أراد منها، وهي ما يصحّ فيه، ذلك لأنّها حيوان متصرّف، والأرض لا يصحّ فيها ذلك، لأنّها جماد خامد.

стр. 2888

سورة العاديات ١٠٠

стр. 2889

المبحث الأول أهداف سورة «العاديات» «١» سورة العاديات سورة مكّيّة، آياتها ١١ آية نزلت بعد سورة العصر. تصف سورة العاديات الحرب بين كفّار مكّة والمسلمين، وتبدأ بمشهد الخيل العادية الضابحة، القادحة للشرر بحوافرها، المغيرة مع الصباح، المثيرة للنقع وهو الغبار، الداخلة في وسط العدوّ فجأة تأخذه على غرّة، وتثير في صفوفه الذعر والفرار، يليه مشهد ما في النفس، من الكنود والجحود والأثرة والشّحّ الشديد. ثم يعقبه مشهد لبعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور وفي الختام ينتهي النقع المثار، وينتهي الكنود والشّحّ، وتنتهي البعثرة والجمع، الى نهايتها جميعا. ويعود الأمر إلى الله سبحانه: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) . المفردات العاديات: الخيل التي تعدو مسرعة. الضّبح: صوت أنفاس الخيل حين الجري. الموريات قدحا: هي الخيل تضرب بحوافرها الأرض، فتقدح نارا. يقال: أورى الزّناد، إذا أخرج النار على هيئة شرار. المغيرات صبحا: خيل الغزاة تغير صباحا. الإثارة: التهييج وتحريك الغبار. النقع: الغبار.

стр. 2890

فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) : توسّطن جمعا من الكفار ففرقنه وهزمنه. الكنود: جحود النعم. لَشَهِيدٌ (٧) : يشهد على جحود لسان حاله بأقواله وأفعاله. الْخَيْرِ: المال. لَشَدِيدٌ (٨) : لكثير الحرص عليه. بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) : أخرج ما فيها من الموتى. وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) وأبرز المكنون في الصدور، وظهرت الأسرار. لَخَبِيرٌ (١١) : بالغ علمه بكل شيء. مع آيات السورة [الآيات ١- ٥] : وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) . يقسم الله سبحانه بخيل المعركة، ويصف حركاتها واحدة واحدة، منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري، قارعة للصّخر بحوافرها، حتّى توري الشرر منها، مغيرة في الصباح الباكر لمفاجأة العدو، مثيرة للنقع والغبار، وهي تتوسّط صفوف الأعداء على غرّة، فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب. [الآيات ٦- ٨] : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) . يقسم سبحانه، على أن الإنسان كنود جحود، كفور بنعمة الله، يعدّ المصائب وينسى النعم. «وروي عن النبي (ص) : (الكنود الذي يأكل وحده ويضرب عبده، ويمنع رفده) ، كأنّه لا يعطي ممّا أنعم الله به عليه، ولا يرأف بعباد الله كما رأف الله به، فهو كافر بنعمة ربه. غير أنّ الآية عامة، والمراد منها ذكر حالة من حالات الإنسان التي تلازمه في أغلب أفراده» «١» إلّا من عصمهم الله، وهم الذين روّضوا أنفسهم على فعل الفضائل، وترك الرذائل. وسرّ هذه الجملة، أنّ الإنسان

стр. 2891

يحصر همّه فيما حضره، وينسى ماضيه، وما عسى أن يستقبله، فإذا أنعم الله عليه بنعمة، غرّته، ومنعه البخل والحرص من عمل الخير. وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) : وإن أعماله كلّها لتشهد بذلك، وانه ليعترف بذلك بينه وبين نفسه أو أن الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) : وإن الإنسان بسبب حبه للمال، وتعلّقه بجمعه وادّخاره، لبخيل، شديد في بخله، ممسك مبالغ في إمساكه، متشدّد فيه. ومن ثمّ تجيء اللفتة الأخيرة في السورة، لعلاج الكنود والشحّ والأثرة، مع عرض مشهد من مشاهد الاخرة. [الآيات ٩- ١١] : أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) . وهو مشهد عنيف مثير: بعثرة لما في القبور، بعثرة بهذا اللفظ العنيف المثير، وتحصيل لأسرار الصدور، التي ضنّت بها، وخبّأتها بعيدا من العيون، تحصيل بهذا اللفظ القاسي ومفعول «يعلم» محذوف، لتذهب النفس في تخيله كل مذهب. أي أفلا يعلم الكنود الحريص، ما يكون حاله في الاخرة يوم تكشف السرائر؟ أفلا يعلم ظهور ما كان يخفى من قسوة وتحيّل؟ أفلا يعلم أنّه سيحاسب عليه؟ أفلا يعلم أنه سيوفّى جزاء ما كفر بنعمة ربه؟ وتختم السورة بعدل الجزاء، وشهادة الخبير، بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) . فالمرجع إلى ربّهم، وإنّه سبحانه لخبير بهم (يومئذ) وبأحوالهم وبأسرارهم، والله خبير بهم في كل وقت وفي كل حال وإنّما خص هذا اليوم بذلك، لأن هذه الخبرة يعقبها الحساب والجزاء. كما قال تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا [آل عمران: ١٨١] مع أنّ كتابة أقوالهم حاصلة فعلا، والمراد سنجازيهم بما قالوا جزاء يستحقونه. إن السورة قطعة رائعة، لعرض سلوك الإنسان، والوصول به الى مرحلة الجزاء، في أسلوب قوي آسر

стр. 2892

معنى ولفظا، على طريقة القرآن المبين. المعنى الاجمالي للسورة ١- القسم بخيل الغزاة والمجاهدين. ٢- بيان حال الإنسان، إذا خلا قلبه من الايمان. ٣- ذمّ الشّح والبخل وجحود النعمة. ٤- عرض صورة من مشاهد البعث والحساب والجزاء.

стр. 2893

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «العاديات» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة العاديات بعد سورة العصر، ونزلت سورة العصر بعد سورة الشّرح ونزلت سورة الشرح، فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة فيكون نزول سورة العاديات في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) وتبلغ آياتها إحدى عشرة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة: بيان ميل الإنسان إلى الشّرّ، وتحذيره من عقابه يوم الحشر، وهذا فيه مناسبة للغرض المقصود من سورة الزّلزلة، ولهذا ذكرت هذه السورة بعدها. ميل الإنسان إلى الشر الآيات [١- ١١] قال الله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) الآيات إلى قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) فأقسم سبحانه بالعاديات، وما ذكر بعدها، على أن الإنسان من طبعه الامتناع عن الخير، وأنّه يشهد بذلك على نفسه، وأنّه أيضا شديد الحب للمال، فلا ينفق منه في الخير ثمّ هدّده جلّ وعلا بأنه يعلم ذلك، إذا بعثه من قبره، فيعاقبه عليه وختمها تعالى بقوله: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) .

стр. 2894

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «العاديات» «١» أقول: لا يخفى ما بين قوله تعالى في الزلزلة: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) [الزلزلة] وقوله في هذه السورة: إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ [الآية ٩] . من المناسبة والعلاقة «٢» .

стр. 2895

المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «العاديات» «١» وقال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) . والكنود الكفور.

стр. 2896

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «العاديات» «١» قال تعالى: فَوَسَطْنَ بِهِ [الآية ٥] وقرأ بعضهم (فوصطن) «٢» .

стр. 2897

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «العاديات» «١» إن قيل: لم قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) مع أنه تعالى خبير بهم في كلّ زمان، فما وجه تخصيص ذلك اليوم؟ قلنا: معناه أنّ ربهم سبحانه، مجازيهم يومئذ على أعمالهم، فالعلم مجاز عن المجازاة، ونظيره قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ [النساء: ٦٣] معناه يجازيهم على ما فيها، لأن علمه شامل لما في قلوب كل العباد، ويقرب منه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [غافر: ١٦] .

стр. 2898

سورة القارعة ١٠١

стр. 2899

المبحث الأول أهداف سورة «القارعة» «١» سورة القارعة سورة مكية، آياتها إحدى عشرة آية، نزلت بعد سورة قريش. القارعة اسم من أسماء القيامة، كالحاقّة والصّاخّة والطّامّة والغاشية، وسمّيت قارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها. والسورة كلها عن هذه القارعة، حقيقتها، وما يقع فيها، وما تنتهي إليه، فهي تعرض مشهدا من مشاهد القيامة. والمشهد المفروض هنا مشهد هول، تتناول آثاره الناس والجبال، فيبدو الناس في ظله صغارا ضئالا على كثرتهم، فهم كالفراش المبثوث، مستطارون مستخفّون في حيرة الفراش، الذي يتهافت على الهلاك، وهو لا يملك لنفسه وجهة، ولا يعرف له هدفا. وتبدو الجبال التي كانت ثابتة راسخة، كالصوف المنفوش، تتقاذفه الرياح، وتعبث به حتى الأنسام. عندئذ يرجح وزن المؤمن وتثقل درجته، فيعيش عيشة راضية، ويخفّ ميزان الكافر، وتهوي منزلته، فيصطلي بنار حامية. معاني المفردات الْقارِعَةُ يوم القيامة. وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ استفهام عن حقيقتها قصد به تهويل أمرها. كَالْفَراشِ الحشرات الصغيرة التي تندفع على غير هدى نحو الضوء.

стр. 2900

الْمَبْثُوثِ المنتشر المتفرق، وهو مثل في الحيرة والجهل بالعاقبة. كَالْعِهْنِ الصوف. الْمَنْفُوشِ الذي نفشته بيدك أو بالة اخرى، ففرقت شعراته بعضها عن بعض. ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بكثرة الحسنات. خَفَّتْ مَوازِينُهُ بقلة الحسنات وكثرة السيئات. فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ أي مرجعه الذي يأوي إليه هاوية، أي مهواة سحيقة يهوي فيها. مع آيات السورة [الآيات ١- ٣] : الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) القارعة: أي القيامة بدأ بها قرعا للأذهان بهولها. مَا الْقارِعَةُ (٢) ، استفهام عن حقيقتها، قصد به تهويل أمرها، كأنها، لشدة ما يكون فيها، ممّا تفزع له النفوس وتدهش له العقول، يصعب تصوّرها. وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) : أي شيء يعرفك بها؟ زيادة في تعظيم تلك الحادثة العظيمة، كأن لا شيء يحيط بها، ويفيدك برسمها، ثم أخذ يعرفها بزمانها وما يكون للناس فيه. [الآية ٤] : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) أي يكون الناس من حيرتهم وذهولهم كالفراش الهائم على وجهه، المنتشر في الفضاء لا يدري ماذا يصنع، قال تعالى في آية أخرى: كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر: ٧] . [الآية ٥] : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) أي تصبح في صور الصوف المنفوش، فلا تلبث أن تذهب وتتطاير، وفي سورة النبأ قال تعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) . [الآيتان ٦- ٧] : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) ، أي من ثقلت موازينه برجحان كفّة حسناته على سيئاته، فهو في الجنة. ويقال ثقل ميزان فلان إذا كان له قدر ومنزلة رفيعة، كأنه إذا وضع في ميزان كان له رجحان. وإنما يكون المقدار والقيامة لأهل الأعمال الصالحة، والفضائل الراجحة، فهؤلاء يجزون النعيم الدائم والعيشة الراضية. [الآيتان ٨- ٩] :

стр. 2901

وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) يقال خفّ ميزان فلان، أي سقطت قيمته، فكأنّه ليس بشيء، حتى لو وضع في كفّة ميزان لم يرجح بها على أختها ومن كان في الدنيا كثير الشر قليل فعل الخير، يجترئ على المعاصي، ويفسد في الأرض، فإنه لا يكون شيئا في الاخرة، ولا ترجح له كفّة ميزان لو وضع فيها. ويرى بعض المفسرين أن الذي يوزن هو الصحف، التي تكتب فيها الحسنات والسيئات. وأن الحسنات تمثّل وتقابل بالنور والخير، وأنّ السيّئات تمثّل وتقابل بالظلام والشر. وأن من كثر خيره كان ناجيا، ومن كثر شرّه كان هالكا. وهذا الميزان نؤمن به ونفوض حقيقة المراد منه إلى الله تعالى، فلا نسأل كيف يزن؟ ولا كيف يقدّر؟ فهو أعلم بغيبه ونحن لا نعلم. قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) [الأنبياء] . فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) : مرجعه الذي يأوي اليه كما يأوي الولد الى أمه، أي فمسكنه ومأواه النار. ١٠- وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) أي ما الذي يخبرك بما هي تلك الهاوية، وأي شيء تكون؟ ١١- نارٌ حامِيَةٌ (١١) هي نار ملتهبة بلغت النهاية في الحرارة، يهوي فيها ليلقى جزاء ما قدم من عمل. مقاصد السورة ١- وصف أهوال يوم القيامة ومشاهده. ٢- وزن الأعمال، ورجحان كفة المؤمن، وخفة كفة الفاجر. ٣- السعداء يدخلون الجنّة، والأشقياء يذهبون الى النار.

стр. 2902

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «القارعة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة القارعة بعد سورة قريش، ونزلت سورة قريش بعد سورة التين، ونزلت سورة التين فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة القارعة في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وتبلغ آياتها إحدى عشرة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة إثبات وزن الأعمال يوم القيامة، فهي في سياق الترغيب والترهيب كسورة العاديات، ولهذا ذكرت بعدها. وزن الأعمال يوم القيامة الآيات [١- ١١] قال الله تعالى: الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) ، الآيات ... ، فذكر أن القارعة هي القارعة: لأنها تفوق كل القوارع في الهول والشدة، وأنها تكون يوم ينتشر الناس بعد البعث من القبور، فيجمعون لوزن أعمالهم، فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، ومن خفّت موازينه فأمّه هاوية وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) .

стр. 2903

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «القارعة» «١» قال الإمام: لما ختم الله سبحانه السورة السابقة بقوله: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) فكأنه قيل: وما ذاك؟ فقال: هي القارعة. قال: وتقديره: ستأتيك القارعة على ما أخبرت عنه، بقوله جلّ وعلا: إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) [العاديات] .

стр. 2904

المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «القارعة» «١» قال تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) . من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة: هوت أمّه لأنه إذا هوى أي سقط وهلك فقد هوت أمه ثكلا وحزنا. قال كعب: هوت أمّه ما يبعث الصّبح غاديا وماذا يردّ الليل حين يؤوب

стр. 2905

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «القارعة» «١» قال تعالى: كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ وواحدها: «العهنة» مثل: «الصوف» و «الصّوفة» وأما قوله: ما هِيَهْ (١٠) بالهاء، فلأن السكت عليها بالهاء، لأنها رأس آية.

стр. 2906

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «القارعة» «١» إن قيل: لم قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) أي رجحت سيّئاته على حسناته فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) أي فمسكنه النار، وأكثر المؤمنين حسناتهم راجحة على سيّئاتهم؟ قلنا: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) لا يدل على خلوده فيها، فيسكن المؤمن بقدر ما تقتضيه ذنوبه، ثم يخرج منها إلى الجنة: وقيل المراد بخفة الموازين خلوّها من الحسنات بالكلية، وتلك موازين الكفّار.

стр. 2907

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «القارعة» «١» في قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) استعارة. وهاوية هنا من أسماء النار، كأنها تهوي بأهلها الى قعرها وإنّما جعلت أمّه لضمّها له واشتمالها عليه ويشبه ذلك قوله تعالى: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) [الحديد] . وقد فسّر ذلك سبحانه بقوله: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) . وقال بعضهم: بل سميت هاوية لهويّ المعذّبين في قعرها، فكان ظاهر الفعل لها وحقيقته لغيرها. كما قال تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) . والمراد مرضيّة ونظائر ذلك كثيرة وقال بعضهم: إنّما خرج ذلك على مخرج كلام العرب، لأنهم يقولون للواقع في المكروه، والمرتكس في الأمر: هوت أمّ فلان. ويقولون: ويل أم فلان، ويعنون: هوت أي سقطت في مهواة، وهو مثل قولهم ظلّت وهلكت، لأنّ هلاك ولدها كهلاكها. وقال كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار: هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا وماذا يواري الليل حين يؤوب وقال بعضهم معنى ذلك هوت أمّ رأسه، وإذا هوت أمّ رأسه وهي معظم دماغه، فقد هوى سائره وهلك.

стр. 2908

سورة التّكاثر ١٠٢

стр. 2909

المبحث الأول أهداف سورة «التكاثر» «١» سورة «التكاثر» سورة مكّيّة، آياتها ثماني آيات، نزلت بعد سورة «الكوثر» . من أسباب النزول أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بريدة قال: «نزلت: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) في قبيلتين من الأنصار هما بنو حارثة وبنو الحرث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: أفيكم مثل فلان وفلان، وقالت الأخرى مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء ثمّ قالوا: انطلقوا بنا الى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: أفيكم مثل فلان وفلان وتشير إلى القبر، ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله هذه السورة» . المفردات أَلْهاكُمُ شغلكم. التَّكاثُرُ التباهي والتفاخر بالكثرة في الأموال والأولاد والأهل والعشيرة. زُرْتُمُ الْمَقابِرَ صرتم إليها ودفنتم فيها. كَلَّا كلمة يراد بها الزجر والردع. سَوْفَ تَعْلَمُونَ خطأ ما أنتم فيه من التكاثر والتباهي وكرّر الجملة للتأكيد. لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ المراد ما ألهاكم ذلك عن الاخرة والعمل لها. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ تفسير للوعيد السابق المكرر. عَيْنَ الْيَقِينِ عين هي اليقين نفسه.

стр. 2910

هذه السورة صيحة بالقلب البشري الغارق في التفاخر والتكاثر بالدنيا ومظاهرها، وتنبيه له الى أن ما تفاخر به الى زوال، وأن الدنيا قصيرة، وأن الغاية الى حفرة ضيّقة، وهناك ترى الحقيقة الباقية، واليقين المؤكّد، وتسأل عن هذه الألوان المتنوعة من الملذات، وعن سائر ألوان النعيم، عن الشباب والمال والجاه والصحة والعافية ماذا عملت بها. «وروي يسأل عن التنعم الذي شغله الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، وعن الحسن: يسأل عمّا زاد عن كنّ يؤويه، وثوب يواريه، وكسرة تقوّيه» . مع آيات السورة [الآيتان ١- ٢] : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) أيّها السادرون الغافلون. أيّها اللّاهون المتكاثرون بالأموال والأولاد وأعراض الحياة، وأنتم مفارقون، أيّها المخدوعون بما أنتم فيه عمّا يليه. أيّها التاركون ما تتكاثرون به وتتفاخرون، إلى حفرة ضيّقة لا تكاثر فيها ولا تفاخر، استيقظوا وانظروا. فقد شغلكم حبّ الكثرة والفخر حتّى هلكتم، وصرتم من الموتى ورأيتم الحساب والجزاء. وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال: «أتيت النبي (ص) وهو يقرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) قال: يقول ابن آدم مالي ومالك، يا بن آدم ليس لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» . [الآيتان ٣- ٤] : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) أي ازدجروا عن مثل هذا التكاثر والتفاخر، والجأوا إلى التناصر على الحق، والتكاتف على أعمال البر، والتضافر على ما فيه حياة الأفراد والجماعات، من تقويم الأخلاق، والتعاون على الخير والمعروف. وإنكم سوف تعلمون سوء مغبّة ما أنتم عليه. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) وهو تكرير للوعيد لتأكيد الزجر والتوبيخ، كما يقول الإنسان لآخر: أقول لك لا تفعل، ثم أقول لك لا تفعل. [الآية ٥] : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) أي ارتدعوا عن تغريركم بأنفسكم، فإنّكم لو تعلمون عاقبة
следующие страницы →