ومنها ميدان الفكرة والإيمان وأنهم حاولوا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وتوهين إيمانهم لأنهم كانوا يدركون- كما يدركون اليوم تماما- أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من هذا المدخل، ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها، ولا تهزم إلا إذا هزمت روحها، ولا يبلغ أعداؤها منها شيئا وهي ممسكة بعروة الإيمان، مرتكنة إلى ركنه، سائرة على نهجه، حاملة لرايته، ممثلة لحزبه، منتسبة إليه، معتزة بهذا النسب وحده.
ومن هنا يبدو أن أعدى أعداء هذه الأمة هو الذي يلهيها عن عقيدتها الإيمانية، ويحيد بها عن منهج الله وطريقه، ويخدعها عن حقيقة أعدائها وحقيقة أهدافهم البعيدة.
إن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي، قبل كل شيء، معركة هذه العقيدة. وحتى حين يريد أعداؤها أن يغلبوها على الأرض والمحصولات والاقتصاد والخامات والطاقة، فإنهم يحاولون أولا أن يغلبوها على العقيدة، لأنهم يعلمون، بالتجارب الطويلة، أنهم لا يبلغون مما يريدون شيئا.
والأمة المسلمة مستمسكة بعقيدتها، ملتزمة بمنهجها، مدركة لكيد أعدائها.
ومن ثمّ يبذل هؤلاء الأعداء وعملاؤهم جهد الجبارين في خداع هذه الأمة عن حقيقة المعركة، ليفوزوا منها بعد ذلك بكل ما يريدون من استعمار واستغلال، وهم آمنون من عزمة العقيدة في الصدور. وكلما ارتقت وسائل الكيد لهذه العقيدة والتشكيك فيها والتوهين من عراها، استخدم أعداؤها هذه الوسائل المترقية الجديدة، ولكن للغاية القديمة نفسها:
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [الآية ٦٩] .
فهذه هي الغاية الثابتة الدفينة. لهذا كان القرآن يدفع هذا السلاح المسموم أوّلا. كان يأخذ الجماعة المسلمة بتثبيتها على الحق الذي هي عليه، وينفي الشبهات والشكوك التي يلقيها أهل الكتاب، ويجلو الحقيقة الكبيرة التي يتضمنها هذا الدين، ويقنع الجماعة المسلمة بحقيقتها وقيمتها في هذه الأرض، ودورها ودور العقيدة التي تحملها في تاريخ البشرية.
وكان يأخذها بالتحذير من كيد الكائدين، ويكشف لها نيّاتهم المستترة ووسائلهم القذرة، وأهدافهم الخطرة، وأحقادهم على الإسلام والمسلمين.
стр. 317
وكان يأخذها بتقرير حقيقة القوى وموازينها في هذا الوجود، فيبيّن لها هزال أعدائها وهوانهم على الله، وضلالهم وكفرهم بما أنزل الله إليهم من قبل وقتلهم الأنبياء. كما يبين لها أن الله معها، وهو مالك الملك المعزّ المذلّ وحده بلا شريك. وأنه سيأخذ الكفار، ويقصد بهم هنا اليهود، بالعذاب والنّكال كما أخذ المشركين في بدر من عهد قريب.
وكانت هذه التوجيهات تتمثل في نحو هذه النصوص من سورة آل عمران:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) .
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) .
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) .
(١٠) أعداء يكيدون للإسلام
القارئ لسورة آل عمران، والمتتبع لأهدافها، يتبين من خلالها عدة أمور:
أولها: ضخامة الجهد الذي كان يبذله أهل الكتاب في المدينة وغيرها، وعمق الكيد وتنوع أساليبه، واستخدام جميع الوسائل لزعزعة العقيدة وخلخلة الصف المسلم من ورائها.
ثانيها: ضخامة الآثار التي كان هذا الجهد يحدثها في النفوس وفي حياة الجماعة المسلمة، مما اقتضى هذا البيان الطويل المفصل المنوع المقاطع والأساليب.
ثالثها: ما نلمحه اليوم من وراء القرون الطويلة، من أن هؤلاء الأعداء هم الذين يلاحقون هذه الدعوة وأصحابها في الأرض كلها، وهم الذين تواجههم هذه العقيدة وأهلها.
ومن ثم اقتضت إرادة الله الحكيم الخبير أن يقيم هذا المشعل الهادي
стр. 318
الضخم البعيد المطارح، لتراه الأجيال المسلمة قويّا واضحا عميق التركيز على كشف الأعداء التقليديين لهذه الأمة ولهذا الدين.
(١١) ثلاثة خطوط عريضة
ولا يتحقق التعريف بسورة آل عمران حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها تتناثر نقطها في السورة كلها، وتتجمع وتتركز في مجموعها، حتى ترسم هذه الخطوط العريضة بوضوح وتوكيد.
أول هذه الخطوط: بيان معنى الدين ومعنى الإسلام، فليس الدين هو كل اعتقاد في الله. وإنما هو صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه سبحانه، صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع، توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية. وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله. فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى، ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى. ومن ثم يكون الدين والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شؤون الحياة، والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر، واتّباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب، وهو في صميمه كتاب واحد، وهو في صميمه دين واحد ... ، هو الإسلام. بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء، والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل، كل في زمانه، متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة، والطاعة والاتّباع في منهج الحياة كله بلا استثناء. ويتكئ سياق السورة على هذا الخط، ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ملحوظ. نضرب له بعض الأمثلة بالآيات الآتية:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) .
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [الآية ١٩] .
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [الآية ٣١] .
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢) .
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) .
стр. 319
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [الآية ٨٥] .
ونصوص أخرى كثيرة تؤكد وحدانية الله، وأن الإسلام هو الدين الحق عند الله، وأن دعوة الرسل واحدة، وهدايتهم واحدة، هي الدعوة إلى توحيد الله وتدعيم الأخلاق، والحث على الفضائل، والتحذير من الرذائل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الآية ١١٠] .
أما الخط الثاني الذي يركز عليه سياق السورة فهو تصوير حال المسلمين مع ربهم، واستسلامهم له، وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والاتباع الدقيق، ونضرب له بعض الأمثلة من آيات سورة آل عمران:
يقول الله تعالى:
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) .
ويقول سبحانه في بيان صدق المؤمنين وثقتهم بربهم وتوكّلهم عليه، حين سمعوا عن كثرة أعدائهم بعد غزوة حمراء الأسد، فلم يزدهم ذلك إلا ثقة ويقينا وإيمانا واعتمادا على الله بعد الأخذ بالعدّة والأسباب:
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) .
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) .
والخط الثالث العريض في سياق السورة هو التحذير من ولاية غير المؤمنين، والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير، وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله، ولا يتبعون
стр. 320
منهجه في الحياة. وهذه نماذج من هذا الخط العريض.
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) .
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) - مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) .
هذه الخطوط الثلاثة متناسقة فيما بينها متكاملة في تقرير التصور الإسلامي، وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله، وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله الذي لا موقف لهم سواه.
والنصوص في موضعها من السياق أكثر حيوية وأعمق إيحاء. لقد نزلت في معمعان المعركة، معركة العقيدة، ومعركة الميدان. المعركة داخل النفوس والمعركة في واقع الحياة.
ومن ثم تضمنت ذلك الرصيد الحي العجيب من الحركة والتأثير والإيحاء، فلو أن قرآنا سيّرت به الجبال أو كلّم به الموتى لكان هذا القرآن، فإنه كتاب الحياة وكتاب الوجود وكتاب الخلود.
стр. 321
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «آل عمران» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال، وكان نزولها في السنة الثالثة من الهجرة بعد غزوة أحد، فتكون من السور التي نزلت بين غزوة بدر وصلح الحديبية. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لذكر قصة آل عمران فيها. وهي قصة امرأته وابنتها مريم، وتدخل فيها قصة عيسى أيضا، ويبلغ عدد آياتها مائتي آية.
الغرض منها وترتيبها
نزل صدر هذه السورة في وفد نصارى نجران، وكانوا قد وفدوا على النبي (ص) ، فدخلوا عليه المسجد وعليهم ثياب الحبرات وأردية الحرير، مختتمين بالذهب، ومعهم بسط فيها تماثيل، ومسوح، جاءوا بها هدية له، فقبل المسوح ولم يقبل البسط، ثم جادلوه في الدين، وانضموا بهذا إلى أحبار اليهود في الشغب على الإسلام، فجاء صدر هذه السورة في تصوير ذلك الجدال الذي دار بينهم، وقد جاء أغلبه في جدال النصارى مع النبي (ص) ، وجاء قليل منه في جدال اليهود معه، وقد أشبهت سورة آل عمران سورة البقرة في ذلك الجدال، كما أشبهتها أيضا في طولها، ولهذا جعلت بعدها.
وقد مهّد السياق في أول السورة لذلك الجدال ببيان ما يجب لله من الأوصاف، ثم انتقل من هذا إلى الرد على مقالاتهم في ذلك الجدال. ثم
стр. 322
انتقل من الرد على مقالاتهم إلى تثبيت المؤمنين وتحذيرهم من التأثر بها. ثم انتقل من هذا إلى تثبيت المؤمنين بعد هزيمتهم في غزوة أحد. وقد استغلوها أيضا في التأثير عليهم، ثم ختمت السورة بالتنويه بالمؤمنين كما ختمت سورة البقرة.
وقد قصد من ابتداء هذه السورة ببيان ما يجب لله تعالى من الأوصاف أن يكون هذا أساسا للجدال مع وفد نجران في شأن عيسى (ع) .
ما يجب لله سبحانه من الأوصاف الآيات [١- ٦]
قال الله تعالى: الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) فذكر أنه يجب له أن يكون واحدا حيا قيّوما، ومهّد بهذا لما سيذكره من نفي الألوهية عن عيسى في الجدال مع وفد نجران، ثم ذكر أنه نزّل القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتب، وأنزل التوراة والإنجيل من قبله هدى للناس، وأنزل الفرقان وهو البرهان الذي لا بد منه مع النقل، ومهد بهذا أيضا لذلك الجدال، ليرجع فيه إلى ما اتفقت عليه هذه الكتب من التوحيد، وإلى تأييد العقل لها في ذلك، ثم ذكر مما يجب له أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه يصورنا في الأرحام كيف يشاء لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) .
الرد على مقالة النصارى الأولى الآيات [٧- ١٨]
ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [الآية ٧] . فرد على مقالتهم الأولى وهي قولهم: يا محمد، ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ فقال: بلى. فقالوا: حسبنا. فرد عليهم بأن القرآن منه محكم، ومنه متشابه، وأن المتشابه يجب تأويله بما يوافق المحكم، فالذين في قلوبهم زيغ يتّبعون المتشابه ويؤولونه بما يوافق أهواءهم. والراسخون في العلم يؤولونه ذلك التأويل السابق، أو يفوضون الأمر فيه لله تعالى، ثم حذّر الأولين من عذابه الذي لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم منه شيئا، كما لم تغن أموال آل فرعون شيئا عنهم، وأنذرهم بأنهم سيغلبون وإن اغتروا بأموالهم وقوتهم، وساق لهم ما جرى
стр. 323
في غزوة بدر عبرة يعتبرون بها، فقد غلب المسلمون فيها، على قلتهم، قريشا على كثرة عددها، ثم ذكر أنهم قد زيّن لهم حبّ أموالهم، وإنما هي متاع الحياة الدنيا، ولا قيمة لها بجانب ما أعد الله للمؤمنين من نعيم الآخرة.
ثم ختم ذلك بتقرير أن تفرّده بالألوهية معروف قد شهد به في كتبه، وهذا في قوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) .
الرد على مقالتهم الثانية الآيات [١٩- ٦٤]
ثم قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [الآية ١٩] . فذكر الرد على مقالتهم الثانية، وكان النبي (ص) قد قال لهم: أسلموا فقالوا: قد أسلمنا.
فقال لهم: كذبتم، يمنعكم من الإسلام ادّعاؤكم أن لله ولدا، وعبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير. وقد احتجوا أمامه على ألوهية عيسى بأنه كان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، إلى غير ذلك مما ذكروه، وعلى أنه ابن الله بأنه لم يكن له أب يعلم، فرد عليهم ذلك أوّلا بإثبات أن الدين عنده هو الإسلام له وحده، لا ما هم عليه من جعله ثالث ثلاثة، وقد نزل كتابهم بذلك فحرفوه وبدلوا آياته، فإن حاجّوا في ذلك بمثل ما ذكروه فإنما هي شبه واهية لا قيمة لها، وعلى النبي (ص) والمسلمين أن يمضوا في إسلامهم ولا يلتفتوا إلى تلك الشبه الواهية. فإذا أسلم أهل الكتاب ومشركو العرب كإسلامهم، فقد اهتدوا وإن تولّوا، فلا عذر لهم بعد تبليغهم. ثم ذكر ما ينفي الإيمان به عن أهل الكتاب، من كفرهم بآياته، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وأوعدهم بما أعدّ لهم من عذابه، ثم ذكر من كفرهم أنهم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، فيتولّون عنه وهم معرضون، وأنهم يزعمون أن النار لا تمسّهم إلا أياما معدودات بقدر أيام الخلق، ثم أوعدهم بأنه سيجمعهم ويعاقبهم على ما كسبوا من ذلك الكفر، ثم أمر النبي (ص) أن يذكر لهم أنه مالك الملك وحده، يعز من يشاء من خلقه، ويذل من يشاء منهم، فلا يمتاز أهل الكتاب بشيء على غيرهم، ثم أكد هذا بأنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميّت ويخرج الميت من الحي،
стр. 324
ويرزق من يشاء بغير حساب، ثم نهى المؤمنين أن يغتروا بهم ويوالوهم.
وذكر أن من يفعل ذلك فليس منه في شيء، وأنه يعلم ما يخفونه من ذلك وما يظهرونه. فإذا كانوا يحبونه، فليتبعوا رسوله ويوالوه وحده، وليطيعوه هو ورسوله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢) .
ثم رد عليهم ثانيا بذكر قصة عيسى (ع) على حقيقتها من أولها إلى آخرها، فذكر اصطفاءه لآبائه الأولين، من آدم إلى نوح إلى آل إبراهيم إلى آل عمران على العالمين. ثم ذكر ما كان من أمر أمه مريم وكفالة زكريا لها، وقصّ خبرها مع زكريا وخبر زكريا إذ وهب له يحيى، ثم ذكر مريم وإخبار الملائكة لها بأن الله اصطفاها على نساء العالمين، وبأنه يبشّرها بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم، يخلقه منها بأمره، ويعلّمه الكتاب والحكمة، ويرسله إلى بني إسرائيل، فيخلق لهم من الطين طيرا بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ثم ذكر ما كان من أمر بني إسرائيل معه إلى أن أرادوا قتله وصلبه فرفعه الله.
ولما وصل بذلك إلى نهاية قصته، ذكر أن ما قصّه فيها، من الآيات والذكر الحكيم، لا يقبل غيره في أمر عيسى، وأن مثل عيسى، إذ خلقه من غير أب، كمثل آدم إذ خلقه من تراب، وهذا هو الحق في أمر عيسى، وليس أمره فيه بأعجب من أمر آدم، فإذا حاجّوا النبي (ص) بعد هذا في أمره فليدعهم هم وأبناءهم ونساءهم لمباهلتهم هو وأبناؤه ونساؤه فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين. ثم ذكر أن ما جاء به في أمر عيسى هو القصص الحق، وأنه ما من إله إلا الله، فإن تولّوا بعد ذلك فهم مفسدون لا طلّاب حق، ثم ختم ذلك بدعوتهم إلى التوحيد الذي اتفقت عليه الرسالات قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) .
الرد على مقالتهم الثالثة الآيات [٦٥- ٧٨]
ثم قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ، فذكر الرد على
стр. 325
مقالتهم الثالثة، وهي قول النصارى إن إبراهيم كان على ديننا. وكذلك قال اليهود مثل قولهم، فرد عليهم بأن التوراة والإنجيل لم ينزلا إلا بعده، فلا يعقل أن يكون يهوديّا أو نصرانيّا. وإذا كان لهم وجه أن يحاجّوه في مخالفة شريعة القرآن لما يعلمونه من شريعتهم، فإنه لا وجه لهم أن يحاجوه بمخالفتها لشريعة إبراهيم وهم لا يعلمونها، ثم قرر لهم أن إبراهيم كان حنيفا مسلما ولم يك من المشركين كما أشرك النصارى بتأليه المسيح، وأن أولى الناس به الذين اتّبعوه ممن لم يحرّف دينه من أهل الكتاب، ومن النبي وأتباعه من المؤمنين، ثم ذكر أن أهل الكتاب يودون أن يضلّوا المسلمين بهذه المقالات، وما يضلّون المسلمين بهذه المقالات، وما يضلّون إلا أنفسهم وهم لا يشعرون ثم وبّخهم على كفرهم بآياته وهم يعلمون صدقها بما عندهم من البشارات بها، وعلى أنهم لا يريدون بهذه المقالات إلا أن يلبسوا الحق بالباطل وهم يعلمون. ثم ذكر نوعا آخر من تلبيساتهم أقبح من هذه المقالات، وهو إظهار بعضهم الإيمان بالقرآن أول النهار، والكفر به آخره ليؤثّر بهذا في أتباعه، وذكر أنهم يتواصون عند إظهار هذا الإيمان الكاذب ألّا يخلصوا فيه، ولا يؤمنوا إلا بنبي يقرر شرائعهم. ثم رد عليهم بأمر النبي (ص) أن يذكر لهم أن الهدى هدى الله لا هداهم، فلا يليق بهم أن يفعلوا هذا، لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا أو يحاجوهم به عند ربهم، ويأمره أن يذكر لهم أن الفضل بيده يؤتيه من يشاء وليس وقفا عليهم. ثم ذكر أن هذه الأثرة فيهم في أمور الدين قد تعدّت بكثير منهم إلى أمور الدنيا.
فمنهم من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك إلا ما دمت عليه قائما، لأنهم يعتقدون أن الله سبحانه لم يجعل عليهم سبيلا في الأميين من العرب، وهم يكذبون بذلك عليه، لأنه يحب الوفاء بالعهد لكل الناس، والذين لا يوفون بعهدهم لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة. ثم ذكر أن منهم من يستبيح في سبيل ذلك ما هو أقبح مما سبق، فيكتبون بأيديهم ما يدل على أن النبي (ص) ليس هو النبيّ المبشّر به، ويقولون هو من عند الله وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) .
стр. 326
الرد على مقالتهم الرابعة الآيات [٧٩- ٩٢]
ثم قال تعالى: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [الآية ٧٩] . فذكر الرد على مقالتهم الرابعة، وهي زعمهم أن عيسى (ع) كان يدّعي الألوهية، ويأمر قومه بعبادته، فرد عليهم بأنه ما كان لبشر أن يؤتيه الكتاب والحكمة والنبوة ثم يأمر الناس بمثل ذلك، فيصير بهم إلى الكفر بعد الإسلام الذي كانوا عليه من قبله، ثم ذكر أن هذا الإسلام كان ميثاقه على النبيين وأتباعهم أن يصدّقوا الرسول المنتظر الذي يجيء به، فمن تولّى عنه بعد ذلك يكون فاسقا. ثم أنكر عليهم أن يبغوا غير هذا الإسلام، لأنه دين الفطرة الذي يؤمن به كل من في السماوات والأرض من العقلاء وغيرهم طوعا وكرها، إذ يخضعون جميعا لله وحده. ثم أمر النبي (ص) أن يذكر لهم أنه هو الدين الذي أنزل على إبراهيم والأنبياء بعده من ذريته، وأنه يؤمن بهم جميعا ولا يفرّق بينهم، وأن من يتّبع غير الإسلام الذي دعوا إليه فلن يقبل منه، ثم ذكر أن مثل هؤلاء القوم الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهادتهم أن الرسول المنتظر حق، لا ترجى هدايتهم، وأن جزاءهم على ذلك اللعنة الخالدة والعذاب الشديد، وأن من تاب منهم بعد ذلك وأصلح فإن الله يغفر له ما سبق منه، وأن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا بعد ظهور الإسلام كفرا لن تقبل توبتهم، ولن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا إذا تقرّب به إلى الله مع كفره، ولو افتدى به يوم القيامة لم ينفعه، فلن ينالوا البرّ حتى ينفقوا في دنياهم مما يحبون وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) .
الرد على مقالتهم الخامسة الآيات [٩٣- ٩٩]
ثم قال تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) . فذكر الرد على مقالتهم الخامسة، وهي قولهم للنبي (ص) : إنك تدّعي أنك على ملّة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل مع أنها حرام في تلك الملة؟ وقد رد عليهم بأن ذلك كان حلالا في ملّة
стр. 327
إبراهيم إلى أن حرّمه إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، على نفسه، فبقيت تلك الحرمة في أولاده، وذكر أن التوراة تشهد بذلك عليهم، ثم أمرهم بعد هذا أن يتبعوا ما جاء به النبي (ص) من ملة إبراهيم، وذكر أن البيت الحرام الذي يتوجه المسلمون إليه من بناء إبراهيم وابنه إسماعيل، وفيه آيات بينات، مقام إبراهيم وأمن الناس عنده وفرض الحج إليه على الناس جميعا. ثم وبخهم على كفرهم بآياته بعد هذا كله، إلى أن قال: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) .
تثبيت المؤمنين بعد رد مقالاتهم الآيات [١٠٠- ١٢٠]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) ، فأخذ يثبّت المؤمنين ويحذرهم من التأثر بمقالاتهم، وذكر أنهم إن يطيعوهم يردوهم إلى الكفر بعد إيمانهم، ولا يليق بهم أن يعودوا إلى الكفر بعد هدايتهم. ثم أمرهم أن يتقوه حقّ تقواه فلا يسمعوا لأعدائه، وأن يعتصموا بحبله جميعا ولا يعودوا إلى ما كانوا عليه من التفرق، وأن يذكروا نعمته عليهم إذ كانوا أعداء فألّف بينهم، وأن يجعلوا منهم أمة متحدة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولا تكون كأهل الكتاب الذين ضلّوا فجعلوا يدعون إلى الكفر، فاستحقوا عذاب الله في يوم تبيضّ فيه وجوه المؤمنين، وتسودّ وجوه الكافرين، ثم نوّه بشأن ما يتلوه من هذه الآيات الداعية إلى خير الناس، وذكر أن له ما في السماوات وما في الأرض وإليه ترجع الأمور كلها، ليحاسب الناس على خيرها وشرها.
ثم ذكر أن المؤمنين كانوا بهذه الهداية خير أمة أخرجت للناس، وأن أهل الكتاب لو آمنوا مثلهم لكان خيرا لهم، لأن أكثرهم فاسقون يفسدون في الأرض، ثم ذكر أنهم ضعاف لا يضرونهم إلا بمثل تلك المقالات، وأن اليهود منهم قد ضربت عليهم الذلة إلا أن يدخلوا في عهدهم، ثم ذكر أنهم ليسوا في هذا سواء، لأن منهم قوما انقطعوا لعبادته، ولم يدخلوا في ما دخل فيه جمهورهم من كفرهم، وذكر
стр. 328
أنه لن يضيع عنده ما يفعلونه من خير، ثم ذكر أن الكافرين منهم لن تغني عنهم أموالهم شيئا من عذابه، وأن مثل ما ينفقون في ملاذهم كمثل ريح فيها صرّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فلم تبق منه شيئا.
ثم نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة منهم بعد أن حذّرهم من إطاعتهم، لأنهم يضمرون لهم العداوة، ولا يليق بهم أن يحبوهم وهم لا يحبونهم، وإن تمسسهم حسنة تسؤهم، وإن تصبهم سيئة يفرحوا بها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) .
تثبيت المؤمنين بعد أحد الآيات [١٢١- ١٨٩]
ثم قال تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) ، فذكر هزيمة المؤمنين في غزوة أحد، وهي المصيبة التي ذكر أن أهل الكتاب فرحوا بإصابتهم بها، وقد حاولوا أن يؤثروا بها في إيمانهم، كما حاولوا أن يؤثروا في هذا الإيمان بمقالاتهم، فأمرهم أن يذكروا إذ غدا النبي (ص) يبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال، وإذ همّت طائفتان منهم أن تفشلا في أول القتال بتأثير المنافقين من اليهود والمشركين، وكان المنافقون قد انهزموا عمدا ليؤثروا فيهم، ثم ذكر لهم أنّه نصرهم ببدر، وهم في ذلة وقلة، والمشركون في عزة وكثرة، ليخطّئهم في تأثرهم بانهزام المنافقين، ثم ذكر أنه نصرهم في بدر ليكون بشرى لهم ولتطمئن قلوبهم به، وليقطع طرفا من المشركين أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم. فالأمر في ذلك له وحده يتصرف فيهم كما يشاء، وهو الذي له ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
ثم ذكر بعد هذا تحريم الربا على المؤمنين، لأنه هو الذي كان يصل بينهم وبين اليهود، فأراد أن يقطع هذه الصلة بينهم بعد أن ظهرت في هذه الغزوة عداوتهم، لينقذهم من دسائسهم وتحكّمهم فيهم بأموالهم، ولينهض بهم في هذه المحنة التي حلّت بهم، وكان اليهود يقرضونهم بالربا الفاحش الذي أفقرهم وأضعفهم، وقد بدأ بهذا التدبير اهتماما بعد ذكر هذه الغزوة، ثم أمرهم أن يسارعوا إلى مغفرة تمحو ما حصل
стр. 329
من مخالفاتهم فيها، وتوصلهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، وهم الذين ينفقون في السّرّاء والضّرّاء، إلى غير ذلك مما ذكره من أوصافهم. ثم ذكر لهم أنه قد حصلت سنن من قبلهم فيما بين المؤمنين والمكذبين انتهت بهلاك المكذبين، وذكر أن في هذا بيانا وهدى وموعظة لهم، ونهاهم أن يهنوا ويحزنوا لما أصابهم وهم الأعلون، وإذا كانوا قد مسّهم قرح في غزوة أحد، فقد مس المشركين قرح مثله في غزوة بدر، والأيام دول بين الناس، ومثل هذا يميز الله به بين المؤمنين الصادقين وغيرهم، ويتخذ به شهداء يكونون قدوة في الشهادة لمن بعدهم، وقد كانوا يتمنون الشهادة فقد رأوها في إخوانهم وهم ينظرون. ثم ذكر لهم أن محمدا (ص) ما هو إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل، ووبخهم على فرارهم إلى المدينة حينما أشيع أنه قد قتل، وذكر أن كل نفس لها أجل لا يقدمه القتال ولا يؤخره الفرار، وأن من يرد ثواب الدنيا فيفرّ من القتال يؤته منها ويحرمه ثواب الآخرة، ومن يرد ثواب الآخرة يؤته منها ولا يحرمه ثواب الدنيا، ثم ذكر أن كثيرا من الأنبياء قاتل معهم ربّيّون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، فنصرهم الله على أعدائهم، وآتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. ثم أخذ يحذر المؤمنين من إطاعة الكافرين في التأثير عليهم بهزيمتهم، لأنهم قالوا لهم: لقد وعدكم النصر ولو كان صادقا ما هزمتم. فذكر لهم أنه مولاهم وهو خير الناصرين، وأنه سيلقي في قلوب الكافرين الرّعب مع انتصارهم في أحد فلا ينتصرون بعده، وأنه صدقهم وعده في أحد فنصرهم في أول الأمر، ولم يهزموا إلا بعد أن خالف الرّماة أمره، فلم يثبت إلا قليل منهم في أماكنهم التي أمروا بالثبات فيها ولو نصروا، وتركها أكثرهم إلى جمع الغنائم فأخذوا من ورائهم، ثم ذكر أنهم انهزموا بعد هذا لا يلوون على أحد ولا يسمعون دعاء النبي (ص) لهم بالرجوع إليه، فأثابهم الله غمّ أحد بدل غم المشركين في بدر، لكيلا يحزنوا على ما فاتهم ولا ما أصابهم. ثم ذكر أنه بعد هذا ثبّت قلوب الذين ثبتوا مع النبي (ص) فصمدوا للمشركين، وأن الذين انهزموا أهمتهم أنفسهم وظنوا بالله غير الحق فيما وعدهم به، وردّدوا ما قاله المنافقون في هزيمتهم، وما كان ذلك
стр. 330
منهم إلّا زلة من الشيطان وقد عفا عنهم.
ثم رجع إلى تحذيرهم من أولئك الكافرين، وكانوا يقولون لهم: لو تركتم الغزو وأقمتم عندنا كما أشرنا عليكم ما متّم وما قتلتم، فأمر المؤمنين ألا يسمعوا لهم ولا يشاركوهم في مقالهم، ليكون ذلك حسرة في قلوبهم. وذكر أن كل إنسان يحيا ويموت على حسب ما قدّر له، وأن من يقتل أو يموت في سبيله، فله عنده خير من أموالهم التي يحرصون على الحياة من أجلها، وأنه لا بد من حشر كل من يموت أو يقتل ليلقى جزاءه على ما قدّم.
ثم ذكر أن لين النبي (ص) لهم بعد ما حصل منهم كان بما فطره الله عليه من الرحمة، وأمره أن يعفو عنهم ويستغفر لهم، وأن يستمر في مشاورته لهم وإن أخطئوا في هذه المرة. فإذا عزم بعد المشاورة فليتوكل عليه لأن النصر بيده، وإذا أراد نصرهم فلا غالب له، وإذا أراد أن يخذلهم فلا ناصر لهم.
ثم ذكر أنه ما كان لنبي أن يغلّ في الغنائم ويحتجزها لنفسه، حتى يبادر رماتهم إليها ويكشفوا ظهرهم لعدوهم، وما يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة، ثم توفّى كل نفس ما كسبت ولا يكون من غلى كمن لم يغلّ، لأنه لا يصح أن يكون من اتبع رضوانه بترك الغول كمن غلّ فباء بسخط منه ثم ذكر أنه قد منّ عليهم بأن بعث فيهم رسولا منهم يطهر هم من الرذائل ويعلمهم ما ينفعهم. ومن هذا شأنه لا يمكن أن يغلّهم في غنائم.
وذكر أنّه يلومهم على استكثارهم لمن قتلوا منهم بعد أن قتلوا أضعافهم من المشركين في بدر، وقد قالوا في استكثارهم (أنّى هذا) فأجابهم بأنه من عند أنفسهم لما حصل منهم من المخالفات، وأنه حصل بإذنه ليميز المؤمنين من المنافقين الذين أبوا أن يقاتلوا، وقالوا فيمن قتل من المسلمين لو أطاعونا ما قتلوا، وقد أمر النبي (ص) أن يجيبهم بأن يدفعوا عن أنفسهم الموت إن كانوا صادقين في زعمهم أنهم لو أطاعوهم نجوا من القتل، ثم نهى النبي (ص) والمسلمين أن يحسبوا هؤلاء الشهداء أمواتا، وذكر أنهم أحياء عنده، وأنهم فرحون بما آتاهم من فضله، وأنهم مستبشرون
стр. 331
بنجاة إخوانهم الذين ثبتوا في القتال، واستجابوا للنبي (ص) من بعد ما أصابهم القرح، وكان قد طلب منهم الذهاب وراء المشركين، حين بلغه أنهم أرادوا أن يرجعوا إليهم ثانيا ليقضوا عليهم، فلما علموا أن المسلمين يطلبونهم رجعوا عن عزمهم، وقد وعدهم على ذلك عظيم الأجر، وذكر أن بعض الناس ثبطوهم عن طلب المشركين وخوفوهم منهم فلم يسمعوا لهم، وأنهم مضوا في طلبهم ثم انقلبوا بنعمة منه وفضل، إلى غير ذلك مما ذكره في أمرهم.
ثم نهى النبي (ص) أن يحزن لمسارعة المنافقين واليهود في مناصرة الكفر، لأنهم لن يضرّوا الله شيئا، وإنما يجنون على أنفسهم الحرمان من الثواب في الآخرة، ولهم فيها عذاب عظيم، ثم نهاهم أن يحسبوا أن إملاءه لهم خير لأنفسهم، لأنه إنما يملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين. ثم ذكر أنه ما كان ليترك المؤمنين على ما كانوا عليه حتى يميز الخبيث من الطيب بهذه المحنة، وأنه ما كان ليطلعهم على غيب القلوب، ولكنه يجتبي من رسله من يشاء للاطّلاع على ذلك الغيب، فيجب عليهم أن يؤمنوا بما يخبرونهم به من أسرارهم. ثم نهى الذين يبخلون من المنافقين بالجهاد بأموالهم أن يحسبوه خيرا لهم، لأنهم سيطوّقون ما بخلوا به في آخرتهم. وذكر أن ميراث السماوات والأرض من أموالهم وغيرها له دون غيره، فلا يصح لهم أن يبخلوا بها عليه. ثم ذكر أنه سمع ما تهكم به اليهود منهم حين طلبوا إلى بذل أموالهم إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [الآية ١٨١] ، وأنه سيكتب ما قالوا من ذلك وما حصل منهم قديما من قتل الأنبياء بغير حق، ثم يذيقهم عليه في الآخرة عذاب الحريق، ثم ذكر أنهم تعللوا في ذلك بأنه عهد إليهم ألّا يؤمنوا ويجاهدوا إلا مع رسول يأتيهم بقربان تأكله نار تنزل من السماء، وكذبهم في ما تعللوا به بأنهم قد جاءتهم رسلهم بذلك فكذبوهم وقتلوهم. ثم ذكر أنهم إذا كذّبوه فليس هو بأول من كذّب من الرسل، فقد كذّب رسل من قبله جاءوا بالمعجزات والكتب والكتاب المنير، ثم هدّدهم بأن كل نفس ذائقة الموت، وإنما يوفّون أجورهم يوم القيامة، فالفائز من فاز في ذلك اليوم، ولا قيمة للحياة الدنيا التي يحرصون عليها.
стр. 332
ثم ذكر للمؤمنين أنهم سيختبرون في أموالهم وأنفسهم بالجهاد بعد أحد، وأنهم سيسمعون من أهل الكتاب والمنافقين أذى كثيرا كما سمعوا في هذه الغزوة، وأنهم، إذا صبروا على ذلك وداروهم، فإن ذلك من عزم الأمور، وصواب التدبير. ثم ذكر لأهل الكتاب أنه قد أخذ عليهم الميثاق أن يبينوا ما عندهم من البشارات بالنبي المنتظر، ثم نهى النبيّ (ص) أن يحسب الذين يفرحون منهم بما أوتوا من التلبيس والكيد للمسلمين ويحبون مع هذا أن يحمدوهم بمفازة من عذاب الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب أليم وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) .
الخاتمة الآيات [١٩٠- ٢٠٠]
ثم قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) . فختم السورة بالتنويه بالمؤمنين بعد أن انتهى من المعاندين من أهل الكتاب والمنافقين، فذكر أن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب من المؤمنين. وهم الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، إلى غير هذا مما ذكره من أفعالهم وأقوالهم. ثم ذكر ما وعدهم به أن يكفّر عنهم سيئاتهم، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عنده، وذكر ما أوعد به أولئك الكافرين على غرورهم بدنياهم وترك التفكر في آياته، وأنهم يتمتعون بذلك قليلا ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. ثم عاد إلى وعد المؤمنين فذكر أن لهم من تلك الجنات نعيما خالدا لا يزول، وذكر أن من أهل الكتاب الذين لم يقعوا في ذلك الغرور من هو مثل أولئك المؤمنين في إيمانهم وخشوعهم، وأن لهم أيضا أجرهم في آخرتهم، ثم ختم ذلك بأمر المؤمنين بالصبر على ما بيّنه من الأذى في هذه السورة فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) .
стр. 333
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «آل عمران»
«١» قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها.
قال الإمام: لما كانت هذه السورة قرينة سورة البقرة، وكالمكملة لها، افتتحت بتقرير ما افتتحت به تلك، وصرّح في منطوق مطلعها بما طوي في مفهوم تلك «٢» .
وأقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات.
أحدها: مراعاة القاعدة التي قررتها، من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة التي قبلها، وذلك هنا في عدة مواضع.
منها: ما أشار إليه الإمام، فإن أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه. وقال في آل عمران: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [الآية ٣] . وذلك بسط وإطناب، لنفي الريب عنه.
ومنها: أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملا، وقسمه هنا إلى آيات محكمات، ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله «٣» .
ومنها: أنه قال في الآية ٤ من سورة البقرة: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وقال هنا:
стр. 334
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ مفصلا. وصرح بذكر الإنجيل هنا، لأن السورة خطاب للنصارى، ولم يقع التصريح به في سورة البقرة بطولها، وإنما صرح فيها بذكر التوراة خاصة، لأنها خطاب لليهود.
ومنها: أن ذكر القتال وقع في سورة البقرة مجملا بقوله المكرر في الآيتين ١٩٠ و ٢٤٤: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقوله في الآية ٢١٦: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ. وفصلت هنا قصة أحد بكاملها «١» .
ومنها: أنه أوجز في الآية ١٥٤ من سورة البقرة ذكر المقتولين في سبيل الله بقوله: أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ وزاد هنا: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ- فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ (١٦٩) . وذلك إطناب عظيم.
ومنها: أنه قال في البقرة: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ [الآية ٢٤٧] .
وقال هنا: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) ، فزاد إطنابا وتفصيلا.
ومنها: أنه حذر من الربا في البقرة، ولم يزد على لفظ الربا إيجازا «٢» . وزاد هنا قوله: أَضْعافاً مُضاعَفَةً [الآية ١٣٠] ، وذلك بيان وبسط.
ومنها: أنه قال في البقرة: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ [الآية ١٩٦] ، وذلك إنما يدل على الوجوب إجمالا. وفصله هنا بقوله:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [الآية ٩٧] ، وزاد: بيان شرط الوجوب بقوله:
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [الآية ٩٧] . ثم زاد: تكفير من جحد وجوبه بقوله:
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) .
ومنها: أنه قال في البقرة في أهل الكتاب: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ [الآية ٨٣] ، فأجمل القليل.
وفصله هنا بقوله:
стр. 335
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) .
ومنها: أنه قال في البقرة: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) . فدل بها على تفضيل هذه الأمة على اليهود تعريضا لا تصريحا، وكذلك قوله في سورة البقرة: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [الآية ١٤٣] . في تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم بلفظ فيه يسير إبهام، وأتى في هذه بصريح البيان فقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [الآية ١١٠] .
فقوله: كُنْتُمْ، أصرح في قدم ذلك من جعلناكم. ثم زاد وجه الخيرية بقوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الآية ١١٠] «١» .
ومنها: أنه قال في البقرة: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ [الآية ١٨٨] . وبسط الوعيد هنا بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ [الآية ٧٧] .
وصدّره بقوله: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [الآية ٧٥] .
فهذه عدة مواضع وقعت في البقرة مجملة، وفي آل عمران مفصّلة.
الوجه الثاني: أن بين هذه السورة وسورة البقرة اتحادا، وتلاحما مؤكّدا، لما تقدم من أن البقرة بمنزلة إزالة الشبهة، ولهذا تكرر هنا ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقيقة الكتاب: من إنزال الكتاب، وتصديقه للكتب التي قبله، والهدى إلى الصراط
стр. 336
المستقيم «١» . وتكررت في البقرة آية:
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ [الآية ١٣٦] بكمالها، ولذلك أيضا ذكر في هذه ما هو تال لما ذكر في تلك، أو لازم في تلك، أو ملازم له.
فذكر هناك خلق الناس، وذكر هنا تصويرهم في الأرحام «٢» . وذكر هناك مبدأ خلق آدم، وذكر هنا مبدأ خلق أولاده «٣» . وألطف من ذلك: أنه افتتح البقرة بقصة آدم حيث خلقه من غير أب ولا أم، وذكر في هذه نظيره في الخلق من غير أب، وهو عيسى (ع) «٤» ، ولذلك ضرب له المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم، لأنها أول السور، وآدم أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل، وهذه كالفرع والتتمة لها، فمختصة بالإعراب [والبيان] .
ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا، وأنكروا وجود ولد بلا أب، ففوتحوا بقصة آدم، لتثبت في أذهانهم، فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشبهها من جنسها.
ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم في قوله: كَمَثَلِ آدَمَ [الآية ٥٩] . والمقيس عليه لا بد من أن يكون معلوما، لتتم الحجة بالقياس، فكانت قصة آدم والسورة التي هي فيها جديرة بالتقدم.
ومن وجوه تلازم السورتين: أنه قال في البقرة في صفة النار: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [الآية ٢٤] ، ولم يقل في الجنة: أعدت للمتقين مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معا «٥» ، وقد ورد ذلك في سورة آل عمران بقوله جل وعلا: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) . فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة.
стр. 337
وبذلك يعرف أن تقديم آل عمران على النساء أنسب من تقديم النساء عليها.
وأمر آخر استقرأته، وهو: أنه إذا وردت سورتان بينهما تلازم واتحاد، فإن السورة الثانية تكون خاتمتها مناسبة لفاتحة الأولى للدلالة على الاتحاد.
وفي السورة المستقلة عما بعدها يكون آخر السورة نفسها مناسبا لأولها. وآخر آل عمران مناسب لأول البقرة، فإنها افتتحت بذكر المتقين، وأنهم المفلحون، وختمت آل عمران بقوله:
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الآية ٢٠٠] .
وافتتحت البقرة بقوله: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [الآية ٤] وختمت آل عمران بقوله: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ [الآية ١٩٩] . ف لله الحمد على ما ألهم.
وقد ورد أنه لما نزلت: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة/ ٢٤٥] .
قال اليهود: يا محمد، افتقر ربّك، فسأل القرض عباده، فنزل قوله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [الآية ١٨١] «١» . فذلك أيضا من تلازم السورتين.
ووقع في البقرة حكاية عن إبراهيم:
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ [الآية ١٢٩] . ونزل في هذه:
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ [الآية ١٦٤] . وذلك أيضا من تلازم السورتين.
стр. 338
المبحث الرابع مكنونات سورة «آل عمران» «١»
٥٨- قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [الآية ١٢] .
هم يهود بني قينقاع «٢» .
٥٩- فِئَةٌ تُقاتِلُ [الآية ١٣] .
هم أهل بدر، ثلاث مائة وثلاثة عشر «٣» .
٦٠- وَأُخْرى كافِرَةٌ [الآية ١٣] .
كانوا ألفا. أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود.
وأخرج عن الربيع قال: كانوا تسع مائة وخمسين.
٦١- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ [الآية ٢٣] .
سمّي منهم: النّعمان «٤» بن عمرو، والحارث بن زيد، أخرجه ابن جرير «٥» وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
٦٢- وَآلَ عِمْرانَ [الآية ٣٣] .
أراد: موسى وهارون.
وقيل: عيسى وأمّه. حكاه الكرماني، ورجّحه ابن عسكر والسّهيلي.
٦٣- امْرَأَتُ عِمْرانَ [الآية ٣٥] .
стр. 339
أخرج ابن المنذر، عن عكرمة أن اسمها حنّة «١» . وقال ابن إسحاق:
اسمها حنّة بنت قابوذ «٢» وقيل:
فاقوذ بن قبيل «٣» . أخرجه ابن جرير.
٦٤- فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [الآية ٣٩] .
قال السّدّي: جبريل. أخرجه ابن جرير.
٦٥- وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [الآية ٤٠] .
اسمها: إشياع بنت فاقوذ.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن شعيب الجبائي «٤» قال: كان اسمها أشيع.
٦٦- إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ [الآية ٤٤] .
أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ، عن سعيد بن إسحاق الدمشقي في قوله:
إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ قال: على نهر بحلب يقال له قويق «٥» .
٦٧- مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [الآية ٣٩] .
قال ابن عباس: عيسى بن مريم.
أخرجه ابن أبي حاتم «٦» .
٦٨- كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [الآية ٤٩] .
هو الخفاش. أخرجه ابن جرير [عن ابن جريج] .
٦٩- الْحَوارِيُّونَ [الآية ٥٢] .
سمي منهم: قطرش، ويعقويس، ولحيس، واندراييس، وقيلس، وابن ثلما، ومتنا، ويوقاس، ويعقوب ابن حلقيا، ويداوسيس، وقياسا، ويودس، وكدمابوطا، وسرجس، وهو الذي ألقي عليه شبهه. أخرج ذلك ابن جرير عن ابن إسحاق «٧» .
стр. 340
٧٠- وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا [الآية ٧٢] .
وقال السّدّي: هم اثنا عشر حبرا من اليهود. أخرجه ابن جرير. وسمي منهم: عبد الله بن الضّيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف «١» . أخرجه ابن جرير عن ابن عباس.
٧١- إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ [الآية ٧٧] .
قال عكرمة: نزلت في أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب.
٧٢- كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ [الآية ٨٦] .
سمّي منهم: الحارث بن سويد الأنصاري. أخرجه عبد الرزاق عن مجاهد، وابن جرير عن السّدّي.
وأخرج عن عكرمة: أنها نزلت في اثني عشر رجلا، منهم: أبو عامر الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووحوح بن الأسلت.
زاد ابن عسكر: وطعمة بن أبيرق.
٧٣- إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [الآية ١٠٠] .
قال زيد بن أسلم «٢» : عنى به شاس بن قيس اليهودي. أخرجه ابن جرير.
قال السّهيلي: هم عمرو بن شاس، وأوس بن قبطي، وجبار بن صخر.
٧٤- مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ [الآية ١١٣] .
قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم معهم من يهود. أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: هم عبد الله بن سلام، وأخوه ثعلبة بن سلام، وسعية «٣» ، ومبشر، وأسيد، وأسد ابنا كعب.
٧٥- إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ [الآية ١٢٢] .
стр. 341
هما: بنو حارثة، وبنو سلمة.
أخرجه البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله «١» .
٧٦- إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ١٤٩] .
قال السّدّي: يعني أبا سفيان بن حرب. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
٧٧- وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [الآية ١٥٤] .
هم المنافقون. أخرجه البخاري «٣» والترمذي، وغيرهما عن أبي طلحة.
٧٨- يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [الآية ١٥٤] .
قال ذلك عبد الله بن أبيّ. أخرجه ابن جرير «٤» ، عن ابن جريج.
٧٩- يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [الآية ١٥٤] .
قال ذلك معتّب بن قشير. أخرجه ابن أبي حاتم، وغيره عن الزّبير.
و «٥» : عبد الله بن أبيّ. أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن «٦» .
٨٠- إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ [الآية ١٥٥] .
أخرج ابن مندة في «الصّحابة» «٧» من طريق الكلبي، عن أبي صالح «٨» . عن ابن عباس في قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال نزلت في عثمان «٩» . ورافع بن المعلّى، وخارجة بن زيد.
стр. 342
زاد عكرمة: والوليد بن عقبة، وأبي حذيفة بن عتبة، وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان، أخوين من زريق.
أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير «١» ، وابن المنذر.
٨١- وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ [الآية ١٥٦] .
قال ذلك عبد الله بن أبيّ. أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد.
٨٢- وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا [الآية ١٦٧] .
القائل ذلك: عبد الله والد جابر بن عبد الله الأنصاري.
والمقول لهم: عبد الله بن أبيّ، وأصحابه. أخرجه ابن جرير عن السّدّي.
٨٣- الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا [الآية ١٦٨] .
قال الرّبيع وغيره «٢» : نزلت في عبد الله بن أبيّ وأصحابه.
أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير.
٨٤- وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [الآية ١٦٩] .
قال أبو الضّحى «٣» : نزلت في قتلى أحد وهم سبعون: أربعة من المهاجرين، وسائرهم من الأنصار.
أخرجه «٤» سعيد بن منصور.
٨٥- الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [الآية ١٧٢] .
سمّي منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزّبير، وسعد، وطلحة، وابن عوف، وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلا.
стр. 343
أخرجه ابن جرير «١» من طريق العوفي عن ابن عباس.
وسمّى عكرمة: جابر بن عبد الله.
أخرجه ابن جرير.
٨٦- الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [الآية ١٧٣] .
قائل ذلك أعرابيّ من خزاعة.
أخرجه ابن مردويه عن أبي رافع.
وقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم:
ركب من عبد القيس. أخرجه ابن جرير.
وقال السّهيلي: نعيم بن مسعود الأشجعي.
٨٧- لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [الآية ١٨١] .
قائل ذلك: فنحاص اليهودي من بني مرثد.
أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن جرير عن السّدّي.
وأخرج «٢» عن قتادة: أنه حييّ بن أخطب.
قال ابن عسكر: وقيل: هو كعب بن الأشرف.
٨٨- لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا [الآية ١٨٨] .
قال ابن عباس: يعني فنحاص، وأشيع، وأشباههما من الأخبار.
أخرجه ابن جرير.
٨٩- مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ [الآية ١٩٣] .
قال محمد بن كعب «٣» : هو القرآن.
стр. 344
وقال ابن جريج: هو محمد (ص) .
أخرجهما ابن أبي حاتم وغيره «١» .
٩٠- وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [الآية ١٩٩] .
نزلت في النّجاشي. كما أخرجه النّسائي من حديث أنس، وابن جرير «٢» من حديث جابر.
وقال ابن جريج: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. أخرجه ابن جرير.
стр. 345
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «آل عمران»
«١» ١- اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) .
أقول: القيّوم من أسماء الله- وكذلك القيّام، وهو الذي لا ندّ له. والقيّوم: فيعول، فهو قيووم، فأعلّت الواو، وأبدلت ياء، وأدغمت فيها. وكأنّ القيّوم مبالغة القائم. وأكثر ما جاء على فيعول يفيد الوصف ف «يوم صيخود» : شديد الحرّ، و «أتان قيدود» : طويلة.
وقد يأتي علما، نحو طيفور، وهو طويئر، واسم أبي يزيد البسطامي، وسيحون اسم نهر في ما وراء النهر.
وميسون اسم الزبّاء الملكة، وبنت بحدل أم يزيد بن معاوية.
ومن الأعلام الحديثة: صيهود وشيبوب.
٢- وقال تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ.
أقول: لقد انتهت الآية الثالثة كما في المصحف الشريف بكلمة الإنجيل، وكان يمكنها أن تنتهي بقوله تعالى:
مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ، لأنها متعلقة بها، متصلة بالمعنى محتاجة إلى ذلك.
غير أن هذه التكملة الضرورية كانت من الآية ٤، في حين كان يمكن الآية الرابعة أن تبدأ بقوله تعالى: وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ، ولكن بسبب من الحرص على أن تكون الآيات متناسبة في طولها كان ما هو ثابت في المصحف.
٣- وقال تعالى:
стр. 346
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [الآية ٧] .
جاء في «لسان العرب» ، مادة «شبه» :
وفي التنزيل العزيز: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ.
قيل: معناه يشبه بعضها بعضا.
قال أبو منصور: وقد اختلف المفسرون في تفسير قوله: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فروي عن ابن عباس أنه قال: المتشابهات: الم، الر، وما اشتبه على اليهود من هذه ونحوها.
قال أبو منصور: وهذا لو كان صحيحا عن ابن عباس كان مسلّما له، ولكن أهل المعرفة بالأخبار وهّنوا إسناده، وكان الفرّاء يذهب إلى ما روي عن ابن عباس.
وروي عن الضحّاك أنه قال:
المحكمات ما لم ينسخ، والمتشابهات ما قد نسخ.
وقال غيره:
المتشابهات: هي الآيات التي نزلت في ذكر القيامة والبعث، ضرب قوله تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ] .
وضرب قوله جلّ وعلا:
يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) [الواقعة] .
فهذا الذي تشابه عليهم، فأعلمهم الله الوجه الذي ينبغي أن يستدلوا به على أن هذا المتشابه عليهم كالظاهر لو تدبّروه، فقال تعالى:
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس] .
أي: إذا كنتم أقررتم بالإنشاء والابتداء فما تنكرون من البعث والنشور، وهذا قول كثير من أهل
стр. 347
العلم، وهو بيّن واضح، ومما يدلّ على هذا القول قوله :
فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [الآية ٧] .
أي: أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله أنّ تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلّا الله ، والدليل على ذلك قوله:
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف/ ٥٣] يريد قيام الساعة وما وعدوا من البعث والنشور.
وأما قوله سبحانه: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [البقرة/ ٢٥] فإنّ أهل اللغة قالوا: معنى «متشابها» يشبه بعضه بعضا في الجودة والحسن.
وقال المفسرون: «متشابها» يشبه بعضه بعضا في الصورة، ويختلف في الطعم، ودليل المفسرين قوله تعالى من الآية نفسها: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ.
وفي الحديث في صفة القرآن:
«آمنوا بمتشابهه واعملوا بمحكمه» ، المتشابه: ما لم يتلقّ معناه من لفظه، وهو على ضربين:
أحدهما إذا ردّ إلى المحكم عرف معناه. والآخر ما لا سبيل إلى معرفة حقيقته، فالمتتبّع له مبتغ للفتنة لأنه لا يكاد ينتهي إلى شيء تسكن نفسه إليه.
أقول: لقد صرفت لغة القرآن مادة «تشابه» إلى مصطلح علمي من مصطلح التنزيل، ابتعادا عن الأصل في قولنا:
تشابه الشيئان مثل اشتبها، أي: أشبه كل واحد منهما صاحبه.
٤- وقال تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ [الآية ٩] .
قال الزمخشري «في الكشاف ١/ ٣٣٩» :
جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ، أي:
تجمعهم لحساب يوم، أو لجزاء يوم كقوله تعالى:
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [التغابن/ ٩] .
وقرئ: (جامع الناس) ، على الأصل.
أقول: والقراءة الشهيرة والمثبتة في التنزيل العزيز هي بإضافة «جامع» إلى الناس. وهذا يعني أنه، سبحانه، سيجمعهم في يوم لا ريب فيه، وهو قيام الساعة.
والدلالة على الاستقبال، وهذا يخالف ما ذهب إليه النحويون كما سنبيّن:
стр. 348
قال النحويون:
لا يخلو اسم الفاعل من أن يكون مقرونا ب «أل» أو مجرّدا، فإن كان مجرّدا عمل عمل فعله، من الرفع والنصب إن كان مستقبلا أو حالا، نحو:
هذا ضارب زيدا الآن، أو غدا، وإنما عمل لجريانه على الفعل الذي هو بمعناه، وهو المضارع. ومعنى جريانه عليه أنه موافق له في الحركات والسكنات، لموافقة «ضارب» ليضرب، فهو مشبه للفعل الذي هو بمعناه لفظا ومعنى.
وإن كان بمعنى الماضي لم يعمل لعدم جريانه على الفعل الذي هو بمعناه، فهو مشبه له معنى لا لفظا، فلا تقول: «هذا ضارب زيدا أمس» بل يجب إضافته، فتقول: «ضارب زيد أمس» ، وأجاز الكسائي إعماله، وجعل منه قوله تعالى:
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف/ ١٨] ، فذراعيه منصوب بباسط وهو ماض، وخرّجه غيره على أنه حكاية حال ماضية.
وقالوا:
وإذا وقع اسم الفاعل صلة للألف واللام، عمل ماضيا ومستقبلا وحالا، لوقوعه موقع الفعل، إذ حقّ الصلة أن تكون جملة فتقول هذا الضارب زيدا الآن أو غدا أو أمس، هذا هو المشهور من قول النحويين. وزعم جماعة ومنهم الرمّاني: أنه إذا وقع صلة للألف واللام، لا يعمل إلّا ماضيا ولا يعمل مستقبلا ولا حالا ...
أقول: وعلى هذا يكون اسم الفاعل في قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ دالّا على المضي لأنه أضيف إلى (الناس) ، ولكن الحقيقة أنه دالّ على الاستقبال، ومع ذلك كانت الإضافة.
وهذا يدل على أن استقراء النحاة غير واف، فلم يستوفوا ما ورد في لغة التنزيل.
ومثل هذا ما ورد في هذه السورة نفسها، وهو قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية/ ١٨٥] .
فالدلالة على المستقبل حاصلة، ومع ذلك أضيف اسم الفاعل.
وقرأ اليزيدي: (ذائقة الموت) على
стр. 349
الأصل. وقرأ الأعمش: (ذائقة الموت) بطرح التنوين مع النصب كقول أبي الأسود:
فذكّرته ثم عاتبته ... عتابا رقيقا وقولا جميلا
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا
وقد أضيف اسم الفاعل (ذائقة) إلى (الموت) في آيتين أخريين هما:
[الأنبياء/ ٣٥، والعنكبوت/ ٥٧] .
٥- وقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [الآية ١٨] .
قال الزمخشري في «الكشاف ١/ ٣٤٣» :
قائِماً بِالْقِسْطِ، مقيما للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض، والعمل على السويّة فيما بينهم. وانتصابه على أنه حال مؤكّدة منه كقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً [البقرة/ ٩١] .
فإن قلت لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكبا لم يجز؟ قلت إنما جاز لعدم الإلباس كما جاز في قوله:
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً [الأنبياء/ ٧٢] أن انتصاب نافِلَةً حال عن يعقوب ...
أقول: هذه المشكلات اللغوية التاريخية من النماذج التي تقدمها لغة القرآن، والتي تدل على أن لبناء العربية أسلوبا قد أحكم إحكاما لأداء المعاني، فهو طورا واضح بيّن، وطورا فيه إشكال، وجماع هذا أمر يقتضيه البيان القرآني.
٦- وقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [الآية ١٩] .
قال الزمخشري في «الكشاف ١/ ٣٤٥» :
« ... إن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين.
وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدي إليه، كإجازة الرؤية أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام، وهذا بيّن جليّ كما ترى ...
وقد رد الشيخ محمد عليان على قولة الزمخشري من أن الإسلام هو
стр. 350
العدل والتوحيد فقال في حاشيته:
«قوله: «فقد آذن أن الإسلام هو العدل تعسف لا يقتضيه النظم الكريم، لكن دعا إليه التعصب ... وبالجملة فالعدل والتوحيد لم ينحصرا في مذهب المعتزلة» .
٧- وقال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [الآية ٢٠] .
القول في «اتّبعن» أن الأصل هو «اتبعني» بالياء التي هي ياء المتكلم.
فلم اجتزئ بالنون المكسورة عن مدة الياء التي يقتضيها المعنى، كما يقتضيها سنن العربية؟ ولم خرج خط المصحف على الأصل؟
لن يكون القول بأن خط المصحف توقيف لا يقاس عليه، جوابا عن هذين السؤالين على صدق هذا القول وأصالته.
وأرى أن لغة القرآن قد أصابت كل الإصابة في هذا الرسم، ذلك أن المسألة ليست مسألة رسم خاصة بلغة التنزيل، بل إنها مسألة تتصل بإجادة النظم والحفاظ على نسق موقّع موزون، يخدم الكلمة في بنائها الخاص، كما يخدمها في مجاورتها لما بعدها. ألا ترى أن الاجتزاء بهذا المدّ القصير الذي توفره الكسرة بعد النون عن المد الطويل الذي يتحقق بالياء، يخدم الآية من قوله: فَإِنْ حَاجُّوكَ، فيجنّبها شيئا من الطول، وبذلك يحسن الوقف، والوقف هنا شيء جائز لأرباب التلاوة الفنية، والوقف أحسن من الوصل على جوازه. كل ذلك من تمام حسن الأداء لهذه اللغة الشريفة المختارة.
ولو أنك استقريت النماذج الكريمة في آي القرآن التي صير فيها إلى المدّ، وإلى قصره ابتغاء حسن الأداء لوجدت من ذلك الشيء الكثير الذي يثبت أن العربية في القرآن، على إصابتها الفائقة في المعاني، والتحليق في مدارج الفكر، قد عنيت باللفظ وبنائه عناية توفر الحسن والجمال والفن والإبداع.
ألا ترى أن الهاء من «فيه» محركة بالكسرة، وأنها في «عنه» محركة بالضمة، ولكنك تجد هذه الهاء في «به» محركة بالكسرة تتبعها في الرسم المصحفي ياء صغيرة؟
إن هذه الياء الصغيرة بعد الهاء من ( «به» ي) ، إشارة إلى القارئ: أنه ملزم
стр. 351
أن يطيل قليلا جدا من الكسرة بعد الهاء، بحيث يتولد من ذلك شيء من مدّ طويل. كل هذا يرمي إلى أن تجوّد التلاوة فيتأتّى من ذلك عربيّة فائقة الأداء ناصعة البيان.
ثم إنّ هذا يظهر أن للعربية نظاما في أصوات المد واللين، قصيرها وطويلها، وأن هذا النظام أداة حكيمة في مجيء هذه اللغة رشيقة البناء في مفرداتها وجملها، فقد يقصر الصوت حتى يؤول إلى حركة هي الفتحة والكسرة والضمة، وقد يطول فيكون أصوات المد التي تدعى ألفا وواوا وياء «١» .
على أن طول ما يدعى ب «الحركات» ليس ثابتا، فقد يختلف نفر عن آخر في هذا الطول، وقد تختلف الفتحة في طولها عن نظيرتها الفتحة الأخرى في الكلمة الواحدة، ومثل ذلك يقال في الكسرة والضمة، ألا ترى أن الضمة في «حسام» غير الضمة في «كسر» المبنيّ للمجهول.
وإذا كان الناس متفاوتين في إخراج هذه الأصوات القصيرة بحسب طولها، فهم متفاوتون أيضا في إعطاء شيء من هذه الفتحة إلى شيء من تلك الكسرة.
وهم متفاوتون أيضا في الأصوات الطويلة، فقد يختلف اثنان في مدّ كلمة «شاعر» مثلا، فبعضهم يمد الفتح فيكون الألف، وآخر يقصر الفتح قليلا، فيحمل الضيم على كسرة «العين» فتطول قليلا «٢» .
ومن أجل حسن الأداء يصار إلى القصر كما أشرنا في أصوات اللين، ألا ترى أن «يا» ، أداة النداء يتحقق فيها المدّ كاملا، إذا وليها صوت متحرك فتقول: «يا عبد الله» ، ولكنها تقصر كثيرا حتى تتحول إلى صوت قصير هو الفتحة إذا وليها صوت ساكن نحو: «يا ابن مالك» .
ولقد كان مقدار المدّ مظهرا من مظاهر اللهجات الخاصة في العربية الواسعة الرقعة. وما أظن أن كلمة «سلسل» ، وكلمة «سلسال» ، وهما بمعنى، إلّا شيء من هذا.
стр. 352
ثم ألا ترى أن طائفة من العرب في عصرنا يقولون «عمود» ، وآخرين يقولون: «عامود» في نطقهم الدارج.
٨- وقال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) .
تشتمل هذه الآية على فقر متسقة النظام، متساوقة يكاد يتصل بعضها ببعض، وهذا النظام يتيح لمن يتلو أن يعمد إلى ضرب من التقسيم يسعفه بوقفات إن شاء، لا تنال من الوحدة الموضوعية التي تجعل من هذه الأقسام ما يأخذ بعضها برقاب بعض.
ومثل هذا يتحقق في الآية اللاحقة ٢٧:
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) .
قلت: إن هذه الفقر تتيح لمن يتلو أن يقف وقفات، إن أحسّ أنّ الوقف يحسن في تجويد التلاوة، والوقف جائز، على أنه أحسن من الوصل، وقد يكون العكس، وهو جواز الوقف في حين يكون الوصل أولى.
هذا كله من الرّخص فسحة للقارئ في تجويد التلاوة المحكمة.
٩- وقال تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [الآية ٣٧] .
أقول: لا بد من وقفة على الفعل «دخل» ، واستعماله في لغة التنزيل.
لقد دلّ استقراؤنا للآيات التي اشتملت على هذا الفعل أنه لا بد أن يتطلب ما يتعلق به من الأسماء التي تفيد «المكانية» . وفي هذه الحالة، يصل الفعل إلى مدخوله من غير أداة واسطة كحروف الخفض، ولنجتزئ من الآيات الكثيرة التي تفيد هذه الخصوصية بالآيات التي سنوردها:
قال تعالى:
١- وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها [القصص/ ١٥] .
٢- أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [البقرة/ ٢١٤] .
٣- لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب/ ٥٣] .
٤- ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) [الحجر] .
стр. 353
ومثل هذه الآيات آيات أخرى استعمل فيها الفعل هذا الاستعمال.
وقد يطوى ذكر المكان الذي يصير إليه الداخل، فيكون الدخول على الآدميين، وهنا لا بد من حرف الجر «على» كما في الآيات التي نوردها:
وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ [يوسف/ ٦٩] .
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ [ص/ ٢٢] .
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) [الرّعد] .
وقد يظهر المكان المدخول فيه مع ذكر الآدميين كقوله تعالى:
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [الآية ٣٧] .
وقد استعمل فعل الدخول في بضع آيات، قاصرا لازما غير متصل بمتعلق به كقوله تعالى:
كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها.
[الأعراف/ ٣٨] .
وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا [الأحزاب/ ٥٣] .
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف/ ٦٧] .
ومن غير شك أن المتعلق وهو الاسم المكاني، أو المدخول عليهم من الآدميين قد طوي ذكره في هذه الآية لعدم الحاجة إليه، وعلى هذا فالاستعمال واحد.
هذا كله يتصل باستعمال فعل الدخول في المحسوسات من الأسماء الدالة على الأمكنة والظروف المكانية، واستعماله في الدخول على العاقل من الآدميين، فإذا كان الدخول في الأمور العقلية، أو ما يدعى بأسماء المعاني فالاستعمال يختلف، وذلك أن الفعل يتطلب في هذه الحال حرف الجر «في» أو «الباء» كقوله تعالى:
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) [النصر] .
وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ [المائدة/ ٦١] .
وقد يحمل على استعمال الفعل في الأمور المعنوية قوله تعالى:
فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) [الفجر] .
والمراد بالدخول في العباد الاتصال بهم والعيش بينهم فجاز استعمال «في» ، في حين عطف عليه قوله:
стр. 354
وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) وذلك لأن المدخول فيه من الأسماء الدالة على المكان.
ومن المفيد أن نشير إلى أن استعمال هذا الفعل يجاوز حقيقته مجازا لعلاقة من العلاقات، فيصير الدخول بالزوج أي: المرأة بمعنى البناء بها، والتزوج منها كقوله تعالى:
فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ [النساء/ ٢٣] .
١٠- قال تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) .
أقول: لا أريد أن أعرض لمكر بني إسرائيل، وكيف قابلهم الله على مكرهم جزاء وعقوبة، ولكني أود أن أقف على المكر ومعناه، وكيف ساغ أن ينسب إلى الله، جلّ شأنه.
قال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) [النمل] .
قال أهل العلم بالتأويل: المكر من الله تعالى جزاء سمّي باسم مكر المجازى، كما قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى/ ٤٠] .
فالثانية ليست بسيّئة في الحقيقة، ولكنها سمّيت سيئة لازدواج الكلام، وكذلك قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [البقرة/ ١٩٤] .
فالأول ظلم، والثاني ليس بظلم، ولكنه سمّي باسم الذّنب ليعلم أنّه عقاب عليه وجزاء به، ويجري مجرى هذا القول قوله تعالى:
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[النساء/ ١٤٢] .
وفي حديث الدعاء: «اللهم امكر لي ولا تمكر بي» .
قال ابن الأثير: مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه.
أقول:
هذه حقيقة المكر، وهذه حقيقة نسبته إلى الله، جلّ وعزّ، ولم يلتفت أهل العربية في عصرنا إلى حسن استعمال هذه الكلمة في لغة التنزيل، بل ظلّت الكلمة على ما نعرف من دلالة الخديعة والاحتيال.
١١- وقال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [الآية ١١٢] .
الفعل «ثقف» بهذه الدلالة عرفته لغة التنزيل في ست آيات، في أربع منها جاء مبنيا للمعلوم، وفي اثنتين ورد
стр. 355
مبنيا للمجهول، والآية التي ذكرناها إحدى هاتين، والفعل فيها بمعنى الوجود. وقد كنا أشرنا إلى هذا بإيجاز كما في الآية ١٩١ من سورة البقرة:
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: حيث وجدتموهم وقوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا بمعنى أينما وجدوا.
أقول:
لم يبق هذا الفعل بهذه الدلالة في العربية المعاصرة، على أننا لا نجده بهذه الدلالة في العربية القديمة، ولم يرد من ذلك إلا بيت واحد ذكره أهل المعجمات غير منسوب إلى قائل. إن هذا يعني أن لغة القرآن قد أكدت هذا الفعل بهذا المعنى الواضح.
أما دلالة الفعل الأخرى فهي قولنا:
ثقف الشيء ثقفا وثقافا وثقوفة، أي:
حذقه.
ورجل بيّن الثّقافة وهو ثقف وثقف إذا كان ضابطا لما يحويه قائما به.
وثقف الخلّ ثقافة فهو ثقف وثقيف، أي: حذق وحمض جدا. والثّقافة والثّقافة: العمل بالسيف.
والثّقاف: ما تسوّى به الرماح، وتثقيفها تسويتها.
أقول:
هذا أكثر ما أثر في العربية من هذه الكلمة فما حالها اليوم. لعل من حياة المواد اللغوية، والمسيرة التي تنتابها، ما يذكّرنا بمختلف نماذج الكائن الحي في دنيانا هذه، فمن نشأة وحياة واستمرار إلى نكوص وانزواء ففناء، أو إلى استحالة أخرى تقطع الصلة بين الأول والآخر. ولعل من هذا أيضا ما كتب لمادة «الثقافة» في عصرنا هذا.
إن «الثقافة» ، في موادنا اللغوية المعاصرة، كلمة ذات مدلول كبير واسع، يتصل بالحضارة والفكر والعلم والخلق وسائر ضروب السلوك البشري. ولعل من الصعب أن يصار إلى تعريفها تعريفا يستوفى فيه ما يجب أن يشتمل عليه. وما كان لهذه الكلمة أن تنال ما نالته لولا الأثر الأجنبي، الذي عرض لما يحزبنا نحن العرب في شؤون الفكر والعلم، وسائر مواد الحضارة المعاصرة.
إن هذا الأثر الأجنبي هو ما نعانيه من الرغبة في ترجمة المعاني الأجنبية، وأخصّ منها الغربية في عصرنا الحديث. لقد واجه أهل الفكر في عصرنا مادة: وعرفوا شيئا من