← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «القارعة» «١» إن قيل: لم قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) أي رجحت سيّئاته على حسناته فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) أي فمسكنه النار، وأكثر المؤمنين حسناتهم راجحة على سيّئاتهم؟ قلنا: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) لا يدل على خلوده فيها، فيسكن المؤمن بقدر ما تقتضيه ذنوبه، ثم يخرج منها إلى الجنة: وقيل المراد بخفة الموازين خلوّها من الحسنات بالكلية، وتلك موازين الكفّار.

стр. 2907

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «القارعة» «١» في قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) استعارة. وهاوية هنا من أسماء النار، كأنها تهوي بأهلها الى قعرها وإنّما جعلت أمّه لضمّها له واشتمالها عليه ويشبه ذلك قوله تعالى: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) [الحديد] . وقد فسّر ذلك سبحانه بقوله: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) . وقال بعضهم: بل سميت هاوية لهويّ المعذّبين في قعرها، فكان ظاهر الفعل لها وحقيقته لغيرها. كما قال تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) . والمراد مرضيّة ونظائر ذلك كثيرة وقال بعضهم: إنّما خرج ذلك على مخرج كلام العرب، لأنهم يقولون للواقع في المكروه، والمرتكس في الأمر: هوت أمّ فلان. ويقولون: ويل أم فلان، ويعنون: هوت أي سقطت في مهواة، وهو مثل قولهم ظلّت وهلكت، لأنّ هلاك ولدها كهلاكها. وقال كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار: هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا وماذا يواري الليل حين يؤوب وقال بعضهم معنى ذلك هوت أمّ رأسه، وإذا هوت أمّ رأسه وهي معظم دماغه، فقد هوى سائره وهلك.

стр. 2908

سورة التّكاثر ١٠٢

стр. 2909

المبحث الأول أهداف سورة «التكاثر» «١» سورة «التكاثر» سورة مكّيّة، آياتها ثماني آيات، نزلت بعد سورة «الكوثر» . من أسباب النزول أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بريدة قال: «نزلت: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) في قبيلتين من الأنصار هما بنو حارثة وبنو الحرث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: أفيكم مثل فلان وفلان، وقالت الأخرى مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء ثمّ قالوا: انطلقوا بنا الى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: أفيكم مثل فلان وفلان وتشير إلى القبر، ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله هذه السورة» . المفردات أَلْهاكُمُ شغلكم. التَّكاثُرُ التباهي والتفاخر بالكثرة في الأموال والأولاد والأهل والعشيرة. زُرْتُمُ الْمَقابِرَ صرتم إليها ودفنتم فيها. كَلَّا كلمة يراد بها الزجر والردع. سَوْفَ تَعْلَمُونَ خطأ ما أنتم فيه من التكاثر والتباهي وكرّر الجملة للتأكيد. لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ المراد ما ألهاكم ذلك عن الاخرة والعمل لها. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ تفسير للوعيد السابق المكرر. عَيْنَ الْيَقِينِ عين هي اليقين نفسه.

стр. 2910

هذه السورة صيحة بالقلب البشري الغارق في التفاخر والتكاثر بالدنيا ومظاهرها، وتنبيه له الى أن ما تفاخر به الى زوال، وأن الدنيا قصيرة، وأن الغاية الى حفرة ضيّقة، وهناك ترى الحقيقة الباقية، واليقين المؤكّد، وتسأل عن هذه الألوان المتنوعة من الملذات، وعن سائر ألوان النعيم، عن الشباب والمال والجاه والصحة والعافية ماذا عملت بها. «وروي يسأل عن التنعم الذي شغله الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، وعن الحسن: يسأل عمّا زاد عن كنّ يؤويه، وثوب يواريه، وكسرة تقوّيه» . مع آيات السورة [الآيتان ١- ٢] : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) أيّها السادرون الغافلون. أيّها اللّاهون المتكاثرون بالأموال والأولاد وأعراض الحياة، وأنتم مفارقون، أيّها المخدوعون بما أنتم فيه عمّا يليه. أيّها التاركون ما تتكاثرون به وتتفاخرون، إلى حفرة ضيّقة لا تكاثر فيها ولا تفاخر، استيقظوا وانظروا. فقد شغلكم حبّ الكثرة والفخر حتّى هلكتم، وصرتم من الموتى ورأيتم الحساب والجزاء. وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال: «أتيت النبي (ص) وهو يقرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) قال: يقول ابن آدم مالي ومالك، يا بن آدم ليس لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» . [الآيتان ٣- ٤] : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) أي ازدجروا عن مثل هذا التكاثر والتفاخر، والجأوا إلى التناصر على الحق، والتكاتف على أعمال البر، والتضافر على ما فيه حياة الأفراد والجماعات، من تقويم الأخلاق، والتعاون على الخير والمعروف. وإنكم سوف تعلمون سوء مغبّة ما أنتم عليه. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) وهو تكرير للوعيد لتأكيد الزجر والتوبيخ، كما يقول الإنسان لآخر: أقول لك لا تفعل، ثم أقول لك لا تفعل. [الآية ٥] : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) أي ارتدعوا عن تغريركم بأنفسكم، فإنّكم لو تعلمون عاقبة

стр. 2911

أمركم، لشغلكم ذلك عن التكاثر، وصرفكم إلى صالح الأعمال وأنّ ما تدعونه علما ليس في الحقيقة بعلم، وإنّما هو وهم وظنّ، لا يلبث أن يتغير، لأنّه لا يطابق الواقع، والجدير أن يسمّى علما إنّما هو علم اليقين المطابق للواقع بناء على العيان والحس، أو الدليل الصحيح الذي يؤدّيه العقل، أو النقل الصحيح عن المعصوم (ص) . [الآية ٦] : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) : ولا شك في رؤيتها، والمراد برؤية الجحيم ذوق عذابها، ثم أكد هذا المضمون بقوله تعالى: [الآية ٧] : ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) أي لترونّها رؤية هي اليقين بنفسه، مهما كانت نسبتكم أو مجدكم، فلن ينجيكم منها سوى أعمالكم. [الآية ٨] : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) لتسألن عنه من أين نلتموه؟ وفيم أنفقتموه؟ أمن طاعة وفي طاعة؟ أم من معصية وفي معصية؟ أمن حلال وفي حلال؟ أم من حرام وفي حرام؟ هل شكرتم؟ هل أدّيتم حقّ النعيم؟ هل شاركتم الفقير والمساكين؟ هل استأثرتم وبخلتم ومنعتم صاحب الحق حقه؟ لتسألنّ عمّا تتكاثرون به وتتفاخرون ... فهو عبء تستخفّونه في غمرتكم ولهوكم، ولكنّ وراءه ما وراءه من همّ ثقيل. روي أن رسول الله (ص) قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها» . أهداف سورة التكاثر ١- ذم الانشغال بمظاهر الحياة. ٢- التذكير بالموت والقبر والحساب. ٣- زجر الغافلين والعابثين وتذكيرهم بيوم الدين. ٤- لن ينقذهم من النار جاه ولا سلطان، لن ينفعهم سوى العمل الصالح. ٥- الحساب على النعيم حق، فيجب أن يكون النعيم حلالا طيبا.

стр. 2912

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التكاثر» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة التّكاثر بعد سورة الكوثر، ونزلت سورة الكوثر بعد سورة العاديات، ونزلت سورة العاديات فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة التكاثر في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) وتبلغ آياتها ثماني آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة تحريم التفاخر بالأموال والأولاد، وبيان أنّ هذا التفاخر هو الذي ألهى قريشا عن قبول الدعوة، وبهذا تكون هذه السورة في سياق الترهيب، وهو من سياق السورة السابقة، وهذا هو وجه المناسبة في ذكر هذه السورة بعدها. تحريم التفاخر الآيات [١- ٨] قال الله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) فوبّخهم على إلهاء التفاخر بالأموال والأولاد لهم عن قبول الدعوة، ثم هدّدهم بأنهم سوف يعلمون ما يعاقبون به، وذكر أنهم لو يعلمون ذلك يقينا لرأوه الجحيم، ثم هدّدهم بأنّهم سيرونها عين اليقين: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) .

стр. 2913

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التكاثر» «١» أقول: هذه السورة واقعة موقع العلّة لخاتمة ما قبلها، كأنه لما قال تعالى هناك: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) [القارعة] . قيل: لم ذلك؟ فقال جلّ وعلا: لأنكم أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) . فاشتغلتم بدنياكم، وملأتم موازينكم بالحطام، فخفّت موازينكم بالآثام ولهذا أعقبها بسورة العصر، المشتملة على أن الإنسان في خسر، إلّا من آمن وعمل صالحا، وتواصى بالحق وتواصى بالصبر وفي ذلك بيان للفارق بين تجارة الدنيا الفانية وتجارة الاخرة الخالدة ولهذا أعقبها بسورة الهمزة، المتوعّد فيها من جمع مالا وعدّده، يحسب أن ماله أخلده. فانظر إلى تلاحم هذه السور الأربع، وحسن اتساقها «٢» .

стр. 2914

المبحث الرابع لكل سؤال جواب في سورة «التكاثر» «١» إن قيل: أين جواب كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) ؟ قلنا: هو محذوف تقديره: لو تعلمون الأمر يقينا لشغلكم عن التكاثر والتفاخر، ثم ابتدأ السياق بوعيد آخر، فقال سبحانه لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) . فإن قيل: كلّ أحد لا يخلو عن نيل نعيم في الدنيا، ولو مرّة واحدة، فما النعيم الذي يسأل عنه العبد؟ قلنا: فيه سبعة أقوال: أحدها أنه الأمن والصّحة. الثاني: أنّه الماء البارد. الثالث: أنّه خبز البر والماء العذب. الرابع: أنّه مأكول ومشروب لذيذان. الخامس: أنه الصحة والفراغ. السادس: أنه كل لذة من لذات الدنيا. السابع: أنه دوام الغداء والعشاء. وقيل إن السؤال خاصّ بالكفّار، والصحيح أنه عامّ في كلّ إنسان وفي كل نعيم، فالكافر يسأل توبيخا والمؤمن يسأل عن شكرها، ويؤيّد هذا ما جاء في الحديث أنه (ص) قال: «يقول الله تعالى: ثلاث لا أسأل عبدي عن شكرهنّ، وأسأله عمّا سوى ذلك: بيت يكنّه، وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللّباس» .

стр. 2915

المبحث الخامس المعاني المجازية في سورة «التكاثر» «١» في قوله سبحانه: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) هذه استعارة على بعض الأقوال، وهو أن يكون المراد: ثمّ لترونّها بعين اليقين، ثم نزعت الباء فنصبت العين، ويكون ذلك من باب قول الشاعر: كما عسل الطّريق الثعلب أي في الطريق، وقال بعضهم: معنى ذلك على مثال قولهم عين الشيء أي حقيقته. وشاهد ذلك قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) [الحاقة] . وقال بعضهم معنى «عين اليقين» أي حاضر اليقين، ومنه قولهم في المثل: «تطلب أثرا بعد عين» أي غائبا بعد حاضر، وعلى ذلك قول الأعشى «٢» ومن لا يصدّع له همّة فيجعلها بعد عين ضمارا والضمار الغائب، والعين الحاضر، ومنه الحديث في زكاة الضّمار أي الغائب والنّسيئة.

стр. 2916

سورة العصر ١٠٣

стр. 2917

المبحث الأول أهداف سورة «العصر» «١» سورة «العصر» سورة مكية، آياتها ثلاث، نزلت بعد سورة «الشرح» . «وفي هذه السورة الصغيرة، يتمثّل منهج كامل للحياة البشرية، كما يريدها الله تعالى. وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح صورة وأدقها. إنها تضع الدستور الإسلاميّ كلّه في كلمات قصار، وتصف الأمة المسلمة: حقيقتها ووظيفتها في آية واحدة، هي الآية الثالثة من السورة. وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلّا الله. والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي هذه: أنه على امتداد الزمان في جميع العصور، وامتداد الإنسان في جميع الدهور، ليس هنالك إلّا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناج، هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده وتوضح معالمه. إن العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، وبذلك يصبح الإيمان قوّة دافعة، وحركة وعملا، وبناء وتعميرا يتّجه إلى الله سبحانه. أمّا التواصي بالحق والصبر، فيبرز صورة الأمة المسلمة متضامنة متضامّة، خيِّرة واعية، قائمة على حراسة الحق والخير، متواصية بالحق والصبر في مودّة وتعاون وتاخ.

стр. 2918

المفردات الْعَصْرِ اسم للدهر أي الزمن الذي يحياه الإنسان، وقيل أقسم الله جلّ وعلا بصلاة العصر لفضلها، أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى. خُسْرٍ هلاك لسوء تصرفه وكثرة آثامه. تَواصَوْا تناصحوا وتعاهدوا. بِالْحَقِّ الواجب من فعل الطاعات وترك المحرّمات. [الآيتان ١- ٢] : وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) أقسم الله بالزمن وهو ماض لا يقف، متغيّر لا يقرّ، على أنّ الإنسان الذي يهمل إيمانه ومرضاة ربّه إنسان خاسر مهما كان رابحا من مظاهر الحياة، لأنه قد خسر الجنة وخسر الكمال المقدّر له فيها، وخسر مرضاة الله وطاعته. [الآية ٣] : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) . المؤمن يدرك أنه جسد وروح، وهو ذو قلب وعقل، وذو عواطف وجوارح وسعادته في نموّ هذه القوى نموّا متناسقا. وفي دور الخلافة الرشيدة للمسلمين تعاونت قوة الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المالية، في تنشئة الإنسان الكامل، وفي ظهور المدينة الصالحة. وكانت حكومة المسلمين من أكبر حكومات العالم قوة وسياسة وسيادة، تزدهر فيها الأخلاق والفضيلة مع التجارة والصناعة، ويساير الرقيّ الروحيّ التقدم المادي والحضاري. وخلاصة السورة أن الناس جميعا في خسران إلّا من اتّصفوا بأربعة أشياء: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحقّ، والتواصي بالصبر. «وهذه السورة حاسمة في تحديد الطريق أنّه الخسر إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) . طريق واحد لا يتعدد، طريق الإيمان والعمل الصالح، وقيام الجماعة المسلمة، التي تتواصى بالحقّ وتتواصى بالصّبر، وتقوم متضامنة على حراسة الحق، مزوّدة بزاد الصبر. إنه طريق واحد، ومن ثمّ كان الرجلان من أصحاب رسول الله (ص) إذا التقيا، لم يتفرّقا حتّى يقرأ أحدهما

стр. 2919

على الاخر سورة وَالْعَصْرِ (١) ثمّ يسلّم أحدهما على الاخر» . لقد كانا يتعاهدان على الإيمان والعمل الصّالح، والتّناصح بالحقّ والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والصّبر والتحمّل في سبيل الدعوة إلى الهدى والرّشاد. خلاصة أهداف السورة ١- جنس الإنسان في خسر وضياع. ٢- النجاة لمن آمن وعمل صالحا، وحثّ على الفضيلة والحقّ، وتحلّى بالثّبات والصّبر.

стр. 2920

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «العصر» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة العصر، بعد سورة الشّرح، ونزلت سورة الشرح فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة العصر في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) وتبلغ آياتها ثلاث آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة الترغيب في العمل الصالح، وقد أتى هذا في مقابلة ما كان منهم من التّفاخر بالأموال والأولاد، ولهذا ذكرت سورة العصر بعد سورة التكاثر. الترغيب في العمل الصالح [آيات السورة كلّها] قال الله تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) والمراد بالعصر الدهر أو الليل والنهار، أو وقت العصر أو صلاته، ثم استثني من ذلك الحكم على الإنسان: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) .

стр. 2921

المبحث الثالث لكل سؤال جواب في سورة «العصر» «١» إن قيل: الاستثناء الذي في السورة لا يدل على أن المؤمنين الموصوفين في ربح، مع أن الاستثناء إنّما سيق لمدحهم، بمضادّة حالهم لحال من لم يتناوله الاستثناء؟ قلنا: إن الاستثناء، وإن لم يدلّ بصريحه على أنهم في أعظم ربح، ولكن اتّصافهم بتلك الصفات الأربع الشريفة يدل على أنهم في أعظم ربح، مع أنّا لو قدّرنا أنّهم ليسوا في ربح، فالمضادّة حاصلة أيضا لأنهم ليسوا في خسر بمقتضى الاستثناء.

стр. 2922

سورة الهمزة ١٠٤

стр. 2923

المبحث الأول أهداف سورة «الهمزة» «١» سورة «الهمزة» سورة مكية، آياتها تسع آيات، نزلت بعد سورة «القيامة» . المفردات وَيْلٌ خزي وهلاك وعذاب، وهو لفظ لا يستعمل الا في الذم والقدح. هُمَزَةٍ من ينتقص الناس بالقول. لُمَزَةٍ (١) : من يؤذي الناس بالفعل، فكلاهما طعّان عيّاب. الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) : شغف بجمع المال وعدّه والتكاثر فيه، ولا ينفقه ولا ينتفع به. يَحْسَبُ: يظنّ. أَخْلَدَهُ (٣) : حقّق له الخلود في الدنيا. لَيُنْبَذَنَّ: ليطرحنّ. الْحُطَمَةِ (٤) : من أسماء النار لتحطيم المعذّبين فيها. الْمُوقَدَةُ (٦) : المستعرة. تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) : القلوب التي استقرت فيها العقائد الفاسدة. مُؤْصَدَةٌ (٨) : مغلقة مطبقة. فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) : قيل هي القيود والأثقال، وقيل العمد التي تتخذ لإيصاد أبواب جهنم على من فيها. فكرة السورة تعكس هذه السورة صورة من الصور الواقعية، في حياة الدعوة في عهدها

стр. 2924

الأول، وهي في الوقت ذاته نموذج يتكرر في كل بيئة، صورة اللئيم الصغير النفس الذي يؤتى المال، فتستطير نفسه به، حتى ما يطيق نفسه، ويروح يشعر أن المال هو القيامة العليا في الحياة، القيامة التي تهون أمامها جميع القيم وجميع الأقدار: أقدار الناس، وأقدار المعاني، وأقدار الحقائق. كما يروح يحسب أن هذا المال إله قادر على كل شيء، لا يعجز عن دفع شيء، حتى دفع الموت وتخليد الحياة. ومن ثمّ ينطلق في هوس بهذا المال، يعدّده ويستلذّ تعداده، وتنطلق في كيانه نفخة فاجرة، تدفعه إلى الاستهانة بأقدار الناس، وهمزهم ولمزهم، وانتقاص قدرهم، وتحقير شأنهم. وهي صورة لئيمة من صور النفوس البشرية، حين تخلو من المروءة. والإسلام يكره هذه الصورة الهابطة، وقد نهى القرآن عن السخرية واللمز في مواضع شتى، إلّا أن ذكرها هنا، بهذا التشنيع، يوحي بأنه كان يواجه حالة واقعية من بعض المشركين تجاه رسول الله (ص) وتجاه المؤمنين، فجاء الردّ عليها في صورة الردع والتهديد والوعيد. أسباب النزول قال عطاء والكلبي: نزلت هذه السورة في الأخنس بن شريق، كان يلمز الناس ويغتابهم، وبخاصة رسول الله (ص) . وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي (ص) من ورائه، ويطعن فيه في وجهه. وقال محمد بن إسحاق صاحب السيرة: ما زلنا نسمع أنّ هذه السورة نزلت في أمية بن خلف. مع آيات السورة [الآية ١] : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) : ويل وعذاب شديد لكل سبّاب عيّاب، ينتقص الناس بالإشارة والحركة، والقول والفعل، وبناء الصفة على «فعلة» يفيد كثرة وقوع الفعل، وجريانه مجرى العادة. وعن مجاهد وعطاء: الهمزة الذي يطعن الإنسان في وجهه، واللّمزة: الذي يطعنه في غيابه. [الآية ٢] : الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) إن ما دعا هذا وأمثاله الى الحط

стр. 2925

من أقدار الناس ظنّه الخاطئ بأنه، إذ يجمع المال، ويبالغ في عدّه والمحافظة عليه، إنّما هو أمر يرفع قدره، ويضمن له منزلة رفيعة، يستطيع بها أن يطلق لسانه في أعراض الناس، وأن يؤذيهم بالقول والفعل. [الآية ٣] : يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) : أنّ حبه للمال أنساه الموت والمال فهو يأنس بماله، ويظن أن هذا المال الذي أجهد نفسه في جمعه، وبخل به حتّى على نفسه، إنّما يحميه من الموت ويورثه الخلود. [الآية ٤] : كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) : لقد قابل القرآن بين كبريائه وتعاليه على الناس، وبين جزائه في الحطمة، التي تحطم كل ما يلقى إليها، فتحطم كيانه وكبرياءه. [الآية ٥] : وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) ؟: سؤال للتهويل والتعظيم، أي: أي شيء أعلمك بها، فإنّ هذه الحطمة ممّا لا يحيط بها عقلك، ولا يقف على كنهها علمك، ولا يعرف حقيقتها إلّا خالقها، . [الآية ٦] : نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) : إنّها النار التي تنسب الى الله الذي خلقها، وهي موقدة لا تخمد أبدا، ثمّ وصف هذه النار بعدة صفات فيها تناسق تصويري يتفق مع أفعال «الهمزة اللّمزة» . [الآية ٧] : الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) : إنها تصل الى الفؤاد، الذي ينبعث منه الهمز واللمز، وهي تتغلّب على الأفئدة وتقهرها، فتدخل في الأجواف حتّى تصل الى الصدور فتأكل الأفئدة والقلب أشدّ أجزاء الجسم تألّما، فإذا استولت عليه النار فأحرقته فقد بلغ العذاب بالإنسان غايته. والنار لا تصل إلى الفؤاد إلّا بعد أن تأكل الجلود واللحوم والعظام، ثمّ تصل إلى القلوب، والأفئدة موطن الإحساس والاعتقاد. ومن كلمات عمر بن الخطاب للكفار: «حرق الله قلوبكم» أي أصابكم بأشدّ ألوان المحن والألم. [الآية ٨] : إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) : إنّها مطبقة عليهم لا يخرجون منها ولا يستطيعون الفرار أو الهرب، قال تعالى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها [الحج: ٢٢] .

стр. 2926

[الآية ٩] : فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) : العمد جمع عمود وهو معروف، والممدّدة المطوّلة أي أنه أطبقها، وأغلقها في عمد طويلة تمد على أبوابها بعد أن تؤصد، وهو تصوير لشدة الإطباق وإحكامه، وتأكيد لليأس من الخلاص. قال مقاتل: إن الأبواب أطبقت عليهم، ثمّ شدت بأوتاد من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح. اللهم أجرنا من النار، ومن عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار بفضلك يا عزيز يا غفّار. أهداف السورة ١- من الناس من يرى مثله الأعلى في جمع المال والتعالي على العباد، وهو نموذج. ٢- الويل والعذاب ينتظران كلّ عيّاب وسبّاب. ٣- المال نعمة من الله، ولكنّ العمل الصالح هو الوسيلة النافعة. ٤- البخيل بالمال المتعالي على العباد له نار متّقدة تحرق جسمه وتصل إلى فؤاده. ٥- هذه النار مغلقة عليه، يظلّ حبيسا فيها أبد الآبدين.

стр. 2927

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الهمزة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الهمزة بعد سورة القيامة، ونزلت سورة القيامة فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة الهمزة في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) . وتبلغ آياتها تسع آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة تحريم الاغترار بالمال وما يجرّه من تنقيص الناس، وهي، في هذا، تشبه السورتين المذكورتين قبلها ولهذا ذكرت بعد السورة السابقة لمناسبتها لها في سياقها. تحريم الاغترار بالمال الآيات [١- ٩] قال الله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) ، فذكر أن الويل لكل عيّاب في النّاس بأفعاله أو أقواله، لأنه جمع من المال ما لم يجمعه غيره فتعالى به عليه، ثمّ هدّده بالنّبذ أي الطرح في الحطمة، وذكر أنها ناره الموقدة، وأنها تطّلع على الأفئدة، أي يبلغ ألمها إليها، وأنّها عليهم مؤصدة، أي مطبقة مغلقة فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) .

стр. 2928

المبحث الثالث مكنونات سورة «الهمزة» «١» أخرج ابن أبي حاتم عن عثمان بن عمر قال: ما زلنا نسمع أن: ١- وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ. نزلت في أبيّ بن خلف. وأخرج عن السّدّي قال: نزلت في الأخنس بن شريق. وأخرج عن مجاهد: في جميل بن فلان» . وعن ابن جريج قال: قال ناس إنه الوليد بن المغيرة «٣» .

стр. 2929

المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الهمزة» «١» ١- قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) . أقول: أصل الهمز الكسر كالهزم، واللمز: الطعن. والمراد الكسر من أعراض الناس والغضّ منهم. وبناء «فعلة» كهمزة ولمزة، يدل على أن ذلك عادة منه، فهو يهمز ويلمز الناس على دأبه وعادته. ومثله يقال: ضحكة أي: كثير الضحك على الناس. وقرئ: همزة ولمزة بسكون الميم، أي: يأتي بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه.

стр. 2930

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الهمزة» «١» قال تعالى: الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) من «العدّة» . وقال: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) أي: هو وماله. وقال مُؤْصَدَةٌ من «أأصد» «يؤصد» وبعضهم يقول: «أوصد» فذلك لا يهمزها مثل «أوجع» فهو «موجع» ومثله «أأكف» و «أوكف» يقالان جميعا.

стр. 2931

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الهمزة» «١» إن قيل: ما الفرق بين الهمزة واللّمزة؟ قلنا: قيل إنّهما بمعنى واحد لا فرق بينهما، وإنما الثاني تأكيد للأول. وقيل إنهما مختلفان، فقيل الهمزة المغتاب، واللّمزة العيّاب. وقيل الهمزة العيّاب في الوجه، واللّمزة في القفا، وقيل الهمزة الطعّان في الناس، واللمزة الطعّان في أنساب الناس. وقيل الهمزة يكون بالعين، واللمزة باللسان. وقيل عكسه، فهذه ستة أقوال.

стр. 2932

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الهمزة» «١» في قوله سبحانه: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) . استعارات عدة منها قوله تعالى: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) . والحطمة اسم من أسماء النار نعوذ بالله منها. وانما سميت بذلك، والله أعلم، لكثرة أكلها للواقعين فيها يقال رجل حطمة إذا كان كثير الأكل. وهذه من صفات المبالغة. وقد يجوز أن يكون معنى ذلك أنها تحطم كلّ ما يقع فيها، أي تكسره وتأتي عليه. ومنها قوله تعالى: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) . والمراد بذلك: أنّ ألمها ومضضها «٢» يصلان إلى الأفئدة والقلوب ويبلغان منها كلّ مبلغ، ويطبقان كلّ موضع، فكأنّها بذلك مطّلعة عليها ومخالطة. ويقول القائل: اطّلعت على أرض بني فلان: إذا بلغها. وقد يجوز أيضا أن يكون لذلك معنى آخر، وهو أن شعب النار تدخل من أفواههم حتّى تصل إلى أفئدتهم وقلوبهم، ويكون ذلك أبلغ في المضض وأعظم للألم، وقد قال بعضهم في ذلك معنى آخر، وهو أن يكون المراد أنّ الله تعالى يخلق في النار علما تطّلع به على معرفة ضمائر المعاقبين، فتوصل الآلام إليهم على قدر مراتبهم في الذنوب: إن كانوا من

стр. 2933

مفارقي الملّة، أو من يجري مجراهم من أهل القبلة. ويكون الاطّلاع هنا بمعنى العلم. كما قال تعالى: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) [مريم] . والمراد: أعلم الغيب؟ ومن ذلك قول القائل اطّلعت من فلان على معنى قبيح، أو معتقد جميل، أي علمت ذلك منه. ومن استعارات هذه السورة الكريمة قوله تعالى: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) . والمراد مطبقة كما يطبق باب البيت على من فيه. يقال أصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته. ومن الاستعارات، أيضا، قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف: ١٨] أي بالباب الذي يؤصد على أحد الأقوال. ومنها قوله تعالى: فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) . وقرئ عمد بضم العين والميم، والمراد بذلك أنّها مطلّة عليهم، وثابتة لهم، كما يطل الخباء المضروب بانتصابه، ويثبت بتمديد أعماده وأطنابه ويشبه ذلك قوله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [الكهف: ٢٩] وقد تكلّمنا عليه فيما تقدّم.

стр. 2934

سورة الفيل ١٠٥

стр. 2935

المبحث الأول أهداف سورة «الفيل» «١» سورة «الفيل» سورة مكية آياتها خمس آيات نزلت بعد سورة «الكافرون» . وهي سورة تشير الى قدرة الله الغالبة، وحمايته للبيت الحرام، وقد ولد النبي (ص) عام الفيل، وكان حادث الفيل إرهاصا بميلاده، وبيانا لعناية الله بهذا البيت. قصّة أصحاب الفيل بلغت معرفة العرب لحادث الفيل، وشهرته عندهم: أنهم كانوا يؤرخون به فيقولون: ولد فلان عام الفيل، وحدث كذا لسنتين خلتا من عام الفيل، ونحو ذلك. وجملة ما تشير إليه الروايات المتعددة: أن الحاكم الحبشي لليمن، في الفترة التي خضعت فيها اليمن لحكم الحبشة، بعد طرد الحكم الفارسي منها، ويسمّى أبرهة الأشرم، كان قد بنى كنيسة في اليمن باسم ملك الحبشة، وجمع لها كل أسباب الفخامة، ليصرف بها العرب عن حج البيت الحرام، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا، وقيل أجّجت رفقة من العرب نارا، فحملتها الريح فأحرقت الكنيسة، فغضب أبرهة، وأقسم ليهدمنّ الكعبة، فخرج من الحبشة، ومعه فيل اسمه محمود، وكان قويّا عظيما، واثنا عشر فيلا غيره وسار بجيشه إلى مكّة، وانتصر على كل من قاومه من العرب، حتى وصل إلى

стр. 2936

المغمّس بالقرب من مكّة، ثم أرسل إلى أهل مكة يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنّما أتى لهدم البيت، ففزعوا منه، وانطلقوا إلى شعف الجبال «١» ينتظرون ما هو فاعل. وأرسل أبرهة إلى سيّد مكّة ليقابله. قال ابن إسحاق: «وكان عبد المطّلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم، وهو يومئذ سيّد مكّة، فقدم الى أبرهة، فلمّا رآه أبرهة أجلّه وأعظمه، وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، وأجلسه معه إلى جانبه، ثمّ قال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ قال حاجتي: أن يرد عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال ذلك، قال أبرهة لترجمانه قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلّمتني، أتكلّمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه؟ قال له عبد المطلب: إني أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربّا سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال أنت وذاك، فردّ عليه إبله. ثمّ انصرف عبد المطلب الى باب الكعبة فأمسك بحلقه، وقام معه نفر من قريش، يدعون الله ويستنصرونه. فأما أبرهة، فوجّه جيشه وفيله لما جاء له، فبرك الفيل دون مكة لا يدخلها. وجهدوا في حمله على اقتحامها فلم يفلحوا. ثم كان ما أراده الله من إهلاك الجيش وقائده، فأرسل عليهم جماعات من الطير، تحصبهم بحجارة من طين وحجر، فتركتهم كأوراق الشجر الجافة الممزّقة، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم، يسقط أنملة أنملة، حتى قدموا به صنعاء، فما مات حتّى انشق صدره عن قلبه، كما تقول الروايات. «وكان بين عام الفيل وبين المبعث نيّف وأربعون سنة. وكان قد بقي بمكّة من شاهد تلك الواقعة، وقد بلغت حد التواتر حينئذ، فما ذاك إلّا إرهاص للرسول (ص) » . وسئل أبو سعيد الخدري عن الطير

стр. 2937

فقال حمام مكة منها، وقيل جاءت عشية ثم صبّحتهم هلكى، وعن عكرمة: من أصابته أصابه الجدري، وهو أول جدري ظهر في الأرض. وقد ذهب الأستاذ الإمام محمد عبده الى أن الذي أهلك الجيش «هو انتشار داء الجدري والحصبة بين أفراده، وقد نشأ هذا الداء من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش، بواسطة فرق عظيمة من الطير، ممّا يرسله الله مع الريح. فهي أشبه بالميكروبات الفتّاكة التي تعصف بالجسم» . فالأستاذ الإمام يريد أن يجعل هذه المعجزة الخارقة للعادة، أمرا متّفقا مع المعهود في حياة الناس، فيرجع الهزيمة الى انتشار وباء الحصبة أو الجدري، حتّى يتسنّى له إقناع العقول، وفي الوقت نفسه يتخلّص مما ورد في بعض الروايات من المبالغة في وصف هذه الطير، والحجارة التي حملتها في رجليها وفمها. ونرى أن الأولى عدم إخضاع الآيات لمألوف الناس، وما يحدث في واقع حياتهم، لأنّ الآيات تخبر عن خارقة وقعت بقدرة الله القادر، الذي يقول للشيء كن فيكون. وإذا سلّمنا أنّ الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة، وأنّ الله أرسل طيرا غير معهودة، فإن ذلك يكون أدعى إلى تحقيق العبرة الظاهرة، المكشوفة لجميع الأنظار، في جميع الأجيال، حتّى ليمنّ الله بها على قريش بعد البعثة، ويضربها مثلا على رعاية الله لحرماته، وغيرته عليها. «فممّا يتناسق مع جو هذه الملابسات كلّها، أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود، بكلّ مقوّماته وبكلّ أجزائه. ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر، في حادث هو في ذاته وبملابساته مفرد فذّ» . ثمّ إنّ إصابة الجيش بالوباء، وعدم اصابة أحد من العرب القريبين منه، أمر خارق للعادة. وما دامت المسألة خارقة، فلم العناء لحصرها في صورة معيّنة، مألوفة للناس. مع أن السورة تفيد أنّ أمرا خاصّا، قد أرسله الله على أصحاب الفيل. إنّنا لا يجوز أن نواجه النصوص القرآنية، بمقرّرات عقلية سابقة، بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص، لنتلقّى منها مقرّراتنا الإيمانيّة، ومنها نكوّن قواعد منطقنا وتصوّراتنا.

стр. 2938

«وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن العقل ليس وحده هو الحكم في مقرّرات القرآن ومتى كانت المدلولات التعبيرية مستقيمة واضحة، فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف نصوغ منها قواعد تصوّرها ومنطقها، تجاه مدلولاتها، وتجاه الحقائق الكونية الأخرى» . مع آيات السورة [الآية ١] : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) ؟ ألم تنظر أو ألم تعلم عن الحالة التي وقع عليها عمل الله الذي يتولّى أمرك، بأصحاب الفيل، الذين حاولوا هدم البيت الحرام والخطاب هنا للرسول (ص) ، وهو، وإن لم يشهد تلك الواقعة، لكنه شاهد آثارها، وسمع بالتواتر أخبارها، فالعلم بها مساو، في قوّة الثبوت، للعلم الناشئ عن الرؤية والمشاهدة. [الآية ٢] : أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) ؟ لقد دبّروا كيدا للبيت الحرام ببناء الكنيسة وصرف وجوه الحجّاج إليها، فضلّل الله كيدهم بأن أوقع الحريق فيها، وكادوه ثانيا بإرادة هدم البيت، فضلّل الله كيدهم بإرسال الطير عليهم. ومعنى تضليل كيدهم، أي إضاعته وإبطاله، يقال: ضلّل كيده إذا جعله ضالا ضائعا، ومنه قولهم لامرئ القيس: الملك الضّلّيل، لأنه ضلّل ملك أبيه أي ضيّعه. [الآية ٣] : وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) أبابيل: جماعات أو طوائف على هيئة أسراب. أي أرسل الله عليهم فرقا من الطير. [الآية ٤] : تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) السجّيل: الطين الذي تحجّر، أو الحجارة المحروقة، أي أرسل الله عليهم جندا من جنوده، وكم لله من جنود لا يعلمها إلا هو، لقد أرسل الله على أبرهة وجنده جيشا من الطير، أسلحتهم حجارة صغيرة في مناقيرها، ترمي الجندي بها، فتنفذ من أعلى جسمه إلى أسفله، فتنهرئ لحومهم، وتتساقط متناثرة عن أجسادهم. [الآية ٥] : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) العصف: ورق الزرع

стр. 2939

الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد، تفتّه الريح وتأكله المواشي. وقال الفرّاء: هو أطراف الزرع، وقيل: هو الحبّ الذي أكل لبّه وبقي قشره. ووصف العصف بأنه مأكول، أي فتيت طحين، حين تأكله الحشرات وتمزّقه، أو حين يأكله الحيوان فيمضغه ويطحنه، وهي صورة حسّية للتمزيق بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير. وذهب مقاتل وقتادة وعطاء، عن ابن عبّاس، أن معنى «عصف مأكول» : أي نبات أكلته الدواب وصار روثا، الا أنه جاء على أدب القرآن، كقوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ [المائدة: ٧٥] . أهداف السورة ١- بيان قدرة الله وحمايته لبيته. ٢- لفت الأنظار الى ما صنعه بأصحاب الفيل. ٣- لقد ضل كيدهم، وخاب سعيهم. ٤- أرسل الله عليهم جماعات من الطيور في شكل أسراب. ٥- أصابتهم الطير بحجارة مخلوطة بالطّين تحمل الهلاك والدمار. ٦- انتهى الجيش الى ضياع وهزيمة منكرة كما ينتهي الزرع المأكول إلى روث مهمل ضائع.

стр. 2940

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفيل» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الفيل بعد سورة «الكافرون» ، ونزلت سورة «الكافرون» بعد سورة الماعون، ونزلت سورة الماعون بعد سورة التّكاثر، وكان نزول سورة التكاثر فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة الفيل في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لإيرادها في قصة أصحاب الفيل، وتبلغ آياتها خمس آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة بيان قصة أصحاب الفيل من الحبشة مع قريش في مكّة، لتكون عظة لمن يغترّ بماله وقوّته من قريش، وبهذا تظهر المناسبة بين هذه السورة والسورة السابقة. قصة أصحاب الفيل [١- ٥] قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) ، فذكر ما فعله بأصحاب الفيل حينما أقبلوا لتخريب الكعبة، مغترّين بقوّتهم وضعف أهل الكعبة، وأنه أرسل عليهم طيرا أبابيل أي كثيرة متفرّقة يتبع بعضها بعضا، وأنّها كانت ترميهم بحجارة من سجّيل، أي طين مطبوخ كما يطبخ الآجرّ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) .

стр. 2941

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفيل» «١» ظهر لي في وجه اتّصالها: أنه تعالى لما ذكر حال الهمزة اللّمزة، الذي جمع مالا وعدّده وتعزّز بماله وتقوّى، عقّب ذلك بذكر قصّة أصحاب الفيل، الذين كانوا أشدّ منهم قوة، وأكثر أموالا وعتوّا، وقد جعل كيدهم في تضليل، وأهلكهم بأصغر الطير وأضعفه، وجعلهم كعصف مأكول، ولم يغن عنهم مالهم ولا عزّهم ولا شوكتهم، ولا فيلهم شيئا. فمن كان تعزّزه وتقوّيه بالمال وحده، وهمز الناس بلسانه، يكون أقرب إلى الهلاك، وأدنى إلى الذّلّة والمهانة.

стр. 2942

المبحث الرابع مكنونات سورة «الفيل» «١» ١- بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) . قال سعيد بن جبير: هو أبو الكيسوم. أخرجه أبن أبي حاتم. وأخرج ابن جرير عن قتادة: أنّ قائد الجيش اسمه أبرهة الأشرم من الحبشة. ٢- طَيْراً أَبابِيلَ (٣) . أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة وغيرهما: أنها العنقاء.

стр. 2943

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفيل» «١» ١- قال تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) . الطير من أسماء الجمع، وهو مفرد في اللفظ. وقد وصف ب «أبابيل» وهو جمع إبّالة، وهي الحزمة الكبيرة. وشبّهت جماعات الطير بالأبابيل لتضامّها. وقيل: أبابيل مثل عبابيد وشماطيط لا واحد لها.

стр. 2944

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الفيل» «١» إن قيل: ما معنى «الأبابيل» ، وهل هو واحد أم جمع؟ قلنا: معناها: جماعات في تفرقة أي حلقة حلقة، وقيل: التي يتبع بعضها بعضا. وقيل: الكثيرة. وقيل: المختلفة الألوان. وقال الفرّاء وأبو عبيدة: لا واحد لها. وقيل واحدها أبال وأبيل.

стр. 2945

سورة قريش ١٠٦
следующие страницы →