← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفيل» «١» ظهر لي في وجه اتّصالها: أنه تعالى لما ذكر حال الهمزة اللّمزة، الذي جمع مالا وعدّده وتعزّز بماله وتقوّى، عقّب ذلك بذكر قصّة أصحاب الفيل، الذين كانوا أشدّ منهم قوة، وأكثر أموالا وعتوّا، وقد جعل كيدهم في تضليل، وأهلكهم بأصغر الطير وأضعفه، وجعلهم كعصف مأكول، ولم يغن عنهم مالهم ولا عزّهم ولا شوكتهم، ولا فيلهم شيئا. فمن كان تعزّزه وتقوّيه بالمال وحده، وهمز الناس بلسانه، يكون أقرب إلى الهلاك، وأدنى إلى الذّلّة والمهانة.

стр. 2942

المبحث الرابع مكنونات سورة «الفيل» «١» ١- بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) . قال سعيد بن جبير: هو أبو الكيسوم. أخرجه أبن أبي حاتم. وأخرج ابن جرير عن قتادة: أنّ قائد الجيش اسمه أبرهة الأشرم من الحبشة. ٢- طَيْراً أَبابِيلَ (٣) . أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة وغيرهما: أنها العنقاء.

стр. 2943

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفيل» «١» ١- قال تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) . الطير من أسماء الجمع، وهو مفرد في اللفظ. وقد وصف ب «أبابيل» وهو جمع إبّالة، وهي الحزمة الكبيرة. وشبّهت جماعات الطير بالأبابيل لتضامّها. وقيل: أبابيل مثل عبابيد وشماطيط لا واحد لها.

стр. 2944

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الفيل» «١» إن قيل: ما معنى «الأبابيل» ، وهل هو واحد أم جمع؟ قلنا: معناها: جماعات في تفرقة أي حلقة حلقة، وقيل: التي يتبع بعضها بعضا. وقيل: الكثيرة. وقيل: المختلفة الألوان. وقال الفرّاء وأبو عبيدة: لا واحد لها. وقيل واحدها أبال وأبيل.

стр. 2945

سورة قريش ١٠٦

стр. 2946

المبحث الأول أهداف سورة «قريش» «١» سورة «قريش» سورة مكّيّة، آياتها أربع آيات، نزلت بعد سورة «التين» . وهي امتداد لسورة الفيل، فقد حفظ الله هذا البيت من كيد المعتدين «وكان لحادث الفيل أثر مضاعف، في زيادة حرمة البيت عند العرب في أنحاء الجزيرة جميعها، وزيادة مكانة أهله وسدنته من قريش، مما ساعدهم على أن يسيروا في الأرض آمنين: حيثما حلّوا، وجدوا الكرامة والرعاية. وشجّعهم ذلك على إنشاء خطّين عظيمين من خطوط التجارة، عن طريق القوافل، إلى اليمن في الجنوب، وإلى الشام في الشمال، وإلى تنظيم رحلتين تجاريتين ضخمتين: إحداهما إلى اليمن في الشتاء، والثانية إلى الشام في الصيف» . وكانت حالة الأمن مضطربة في شعاب الجزيرة، يفتخر الناس فيها بالصعلكة والسلب والإغارة والنهب، ويعتدون على قوافل التجارة إلّا أنّ حرمة البيت في أنحاء الجزيرة قد كفلت لجيرانه الأمن والسلامة، وجعلت لقريش منزلة ظاهرة بين العرب، وفتحت أمامها أبواب الرزق الواسع المكفول في أمان وسلامة وطمأنينة، وألفت نفوسهم هاتين الرحلتين الآمنتين الرابحتين، فصارتا لهم عادة وإلفا. وقد امتنّ الله على قريش بحادثة الفيل وحماية البيت، وامتن عليهم بالأمان والحماية لهم، وسعة الرزق ورغد العيش من ربح التجارة، وبلادهم قفرة، وهم طاعمون هانئون من فضل الله.

стр. 2947

مع آيات السورة لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) . المفردات لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إلاف الشيء وإلفه لزومه والعكوف عليه، وقريش اسم للقبائل العربية من ولد النّضر بن كنانة، وأصل الكلمة تصغير للقرش، وهو نوع من السمك مشهور، ويمتاز بقوّته على سائر الأسماك، كما امتازت قريش على سائر القبائل لخدمة البيت الحرام. رِحْلَةَ الشِّتاءِ كانت إلى اليمن. وَالصَّيْفِ أي ورحلة الصيف وكانت إلى الشام يتاجرون فيها ويمتارون. المعنى: ألفت قريش واعتادت، أن ترحل إلى ما جاورها من البلاد، سعيا وراء الرزق، وجلبا لمعايشهم، وترويجا لتجارتهم. والله سبحانه يمتنّ عليهم بذلك، ويقول لهم: من أجل إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي كفل لهم الأمن فجعل نفوسهم تألف الرحلة، وتنال من ورائها ما تنال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وأنقذهم من المجاعات التي تنزل بهم وبأمثالهم من سكان البراري، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ العدو، أو كوارث الحياة. وكان الأصل بحسب ما هم فيه من ضعف، وبحسب حالة البيئة، من حولهم، أن يكونوا في خوف، فآمنهم من هذا الخوف. فليشكر قومك يا محمد ربّهم على هذه النعم، وليؤمنوا بربوبيّته، وليقرّوا بعبوديّتهم، وليعبدوه بما هو أهل له من العبادة. وقريب من هذه السورة قوله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) [القصص] . أهداف السورة ١- من نعم الله على قريش أن منحهم الهيبة والأمان، فألفوا رحلة الشتاء والصيف.

стр. 2948

٢- من الواجب أن يعترفوا بفضل الله عليهم في حماية بيته، وحماية تجارتهم. ٣- يجب عليهم أن يعبدوا ربّهم وأن يستجيبوا لدعوة النبيّ الكريم، فإنّه رسول رب العالمين.

стр. 2949

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «قريش» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة قريش بعد سورة التين، ونزلت سورة التين فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة قريش في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) وتبلغ آياتها أربع آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة الامتنان على قريش برحلة الشتاء والصيف للتجارة، وقد جعلوا ممّا جمعوا بها من المال سبب بطر، فلم يقوموا لله بحقه عليهم فيها، وبهذا يتصل سياق هذه السورة بسياق ما قبلها من السور، وتظهر المناسبة في ذكرها بعد سورة الفيل، فضلا عن أنها تتعلّق بقريش أيضا. الامتنان على قريش برحلة الشتاء والصيف الآيات [١- ٤] قال الله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) ، فامتنّ عليهم بإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، وكانت رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام ثمّ أمرهم أن يعبدوا ربّ هذا البيت أي الكعبة: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) .

стр. 2950

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «قريش» «١» هي شديدة الاتصال بما قبلها، لتعلّق الجار والمجرور في أوّلها بالفعل في آخر تلك «٢» .

стр. 2951

المبحث الرابع مكنونات سورة «قريش» «١» ١- رِحْلَةَ الشِّتاءِ [الآية ٢] . إلى اليمن. ٢- وَالصَّيْفِ (٢) . إلى الشام «٢» .

стр. 2952

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «قريش» «١» ١- قال تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) . والمعنى: لتؤالف قريش الرحلتين فتتصلا ولا تنقطعا. واللام متصلة بالسورة التي قبلها، أي: أهلك الله أصحاب الفيل، لتؤالف قريش رحلتيها بأمان. أقول: والإيلاف بهذه الخصوصية من الكلم الخاص ذات الفائدة التاريخية، لصلتها بأحداث خاصّة في حقبة معينة.

стр. 2953

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «قريش» «١» لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) أي: فعل ذلك لإيلاف «٢» قريش [أي] لتألّف «٣» ، ثم أبدل فقال: إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) .

стр. 2954

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «قريش» «١» إن قيل: بأي شيء تتعلق اللام في قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) ؟ قلنا: قيل إنها متعلّقة باخر السورة التي قبلها: أي فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش والمعنى أنه أهلك أصحاب الفيل الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيهابوهم ويحترموهم، فينتظم لهم الأمر في رحلتهم ولا يجترئ أحد عليهم. وقيل معناه أهلكهم لتألف قريش رحلة الشتاء والصيف بهلاك من كان يخيفهم ويمنعهم. وقيل إنها متعلقة بما بعدها، وهو قوله تعالى: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، معناه أنّ نعم الله تعالى عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الظاهرة. وقيل هي لام التعجب معناه أعجبوا لإيلاف قريش وذلك نظير اللّام التي ابتدأ بها أبو العلاء المعري بيتا من اللزوميات وعلّقها بمقدّر. يقول في هذا البيت: لأمواه الشبيبة كيف غضنه وروضات الصّبا في اليبس إضنه أي: أعجب لأمواه الشبيبة ... وكانت لقريش في كل سنة رحلتان للتجارة التي بها معاشهم، رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام. ثم قيل الإيلاف هنا مصدر بمعنى الإلف، تقول: آلفته إيلافا بالمد، كما تقول: ألفته إلفا بالقصر

стр. 2955

كلاهما متعدّ إلى مفعول واحد، فيكون لإيلاف قريش لإلف قريش: أي لحبّهم الرحلتين. وقيل آلف بالمد متعدّ إلى مفعولين، يقال ألف زيد المكان وآلف زيد عمرا المكان، فيكون معنى الآية لإيلاف الله تعالى قريشا الرحلتين فعلى هذا الوجه يكون المصدر مضافا إلى المفعول، وعلى الوجه الأول يكون مضافا إلى الفاعل. وأما تكرار إضافة المصدر في قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ فقيل إنّ الثاني بدل من الأول. وقيل إنه للتأكيد كما تقول: أعطيتك المال لصيانة وجهك، صيانته عن ذل السؤال.

стр. 2956

سورة الماعون ١٠٧

стр. 2957

المبحث الأول أهداف سورة «الماعون» «١» سورة «الماعون» سورة مكّيّة باياتها الثلاث الأولى، ومدنية بالآيات الأخر، وهي أربع آيات نزلت بعد سورة «التكاثر» . وهي سورة ذات معنى أصيل في الشريعة، تعالج حقيقة ضخمة مضمونها: أنّ هذا الدين ليس مظاهر وطقوسا، ولكنه عقيدة صادقة، ويقين ثابت، وإخلاص لله. ويتمثّل هذا اليقين بسلوك نافع، وحياة مستقيمة. كما أن هذا الدين ليس أجزاء وتفاريق موزّعة منفصلة، وإنما هو منهج متكامل، تتعاون عباداته وشعائره في تحقيق الخير للفرد والجماعة. مفردات السورة أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) : الخطاب موجّه للنبيّ ابتداء، والمراد بالدّين الحساب والجزاء. يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) : يظلمه ويمنعه حقّه، أو يزجره وينهره لو قصده لعون أو مساعدة. يَحُضُّ: الحضّ هو الحثّ على الشيء والترغيب فيه بشدّة. فَوَيْلٌ: الويل الهلاك والعذاب، وقيل اسم لواد في جهنّم شديد العذاب. الْماعُونَ (٧) : المراد بالماعون الزكاة، ومن معانيه المعروف والماء، وكل ما ينتفع به، أو كل مستعار بين

стр. 2958

الجيران من فأس وقدر ودلو، ونحو ذلك. مع آيات السورة [الآية ١] : أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) أي هل عرفت ذلك الذي يكذّب بما وراء إدراكه من الأمور الإلهية، والشؤون الغيبية بعد أن ظهر له الدليل القاطع، والبرهان الساطع. قال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان، كان ينحر جزورين في كل أسبوع، فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بعصاه، وقال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة، والإتيان بالأفعال القبيحة. وعن السّدّي: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في أبي جهل. وحكى الماوردي: أنه كان وصيّا ليتيم فجاءه وهو عريان، يسأله شيئا من مال نفسه، فدفعه ولم يعبأ به، فأيس الصبي. فقال له أكابر قريش استهزاء: قل لمحمّد يشفع لك، فجاء الى النبي (ص) والتمس منه الشفاعة، وكان النبي (ص) لا يردّ محتاجا، فذهب معه الى أبي جهل، فقام أبو جهل ورحّب به وبذل المال لليتيم، فعيّرته قريش وقالوا له صبأت. فقال لا والله ما صبأت، ولكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة، خفت، إن لم أجبه، أن يطعنها فيّ. وقال كثير من المفسّرين: إنّه عامّ لكلّ من كان مكذّبا بيوم الدين. [الآية ٢] : فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) ، أي فذلك المكذّب بالدّين هو الذي يدعّ اليتيم، ويزجره زجرا عنيفا، لقد خلا قلبه من الرحمة، وامتلأ بالكبر والغطرسة، ولذلك أهان اليتيم وآذاه، واليتم مظهر من مظاهر الضعف، فقد فقد الأب الذي يحميه، والعائل الذي يحنو عليه، ومن واجب المجتمع أن يتعاون على إكرامه، والأخذ بيده حتى ينشأ عزيزا كريما. إن كل فرد معرّض لأن يفاجئه الموت وأن يترك أولاده يتامى، فليعامل اليتيم بما يحب أن يعامل به أولاده لو كانوا يتامى. قال تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٩) [النساء] . وقد تكرّرت وصايا القرآن برعاية اليتيم، والمحافظة على ماله، والتحذير من تضييع حقّه، ورد ذلك في السور

стр. 2959

المكّيّة والسور المدنيّة. ففي هذه الآيات، وفي سورة الضحى، وهي من أوائل ما نزل من القرآن، وصيّة باليتيم. وفي صدر سورة النساء المدنيّة تفصيل واف لرعاية اليتيم، بدأ بقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) . وقد وردت عدّة وصايا باليتيم في الآية السادسة، والعاشرة، والسادسة والعشرين من سورة النساء. كما تكررت الوصيّة باليتيم في آيات القرآن، وأحاديث النبي (ص) . فقال ﵊: «خير بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه» . [الآية ٣] : وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) أي ولا يحث غيره على إطعام المساكين، قال الإمام محمد عبده: «وهو كناية عن الذي لا يجود بشيء من ماله على الفقير، المحتاج إلى القوت الذي لا يستطيع كسبا» . وليس المساكين هو الذي يطلب منك أن تعطيه وهو قادر على قوت يومه، بل هذا هو الملحف الذي يجوز الإعراض عنه، وتأديبه بمنعه ما يطلب، وإنما جاء بالكناية ليفيدك أنه إذا عرضت حاجة المساكين، ولم تجد ما تعطيه، فعليك أن تطلب من الناس أن يعطوه، وفيه حثّ للمصدّقين بالدين على إغاثة الفقراء ولو بجمع المال من غيرهم، وهي طريقة الجمعيات الخيرية، فأصلها ثابت في الكتاب بهذه الآية، وبنحو قوله تعالى في سورة الفجر: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) . ونعم الطريقة هي لإغاثة الفقراء، وسد شيء من حاجات المساكين. «إن حقيقة التصديق بالدين ليست كلمة تقال باللسان، وإنّما هي تحوّل في القلب، يدفعه الى الخير والبر بإخوانه في البشرية، المحتاجين إلى الرعاية والحماية، والله لا يريد من الناس كلمات، إنّما يريد منهم معها أعمالا تصدقها، وإلا فهي هباء، لا وزن لها عنده ولا اعتبار. وليس أصرح من هذه الآيات الثلاث، في تقرير هذه الحقيقة، التي تمثّل روح هذه العقيدة، وطبيعة هذا الدين أصدق تمثيل» . [الآيتان ٤- ٥] : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) أي إذا عرفت أن المكذّب

стр. 2960

بالدين هو الذي أقفر قلبه من الرحمة، وأجدب من العدل والمكرمة، «فويل لأولئك الذين يصلّون، ويؤدّون ما يسمى صلاة في عرفهم من الأقوال والأفعال، وهم مع ذلك ساهون عن صلاتهم، أي غافلة قلوبهم عمّا يقولون وما يفعلون، فهو يركع في ذهول عن ركوعه، ويسجد في لهو عن سجوده» . وإنّما هي حركات اعتادها، وأدعية حفظها، ولكنّ قلبه لا يعيش معها، ولا يعيش بها، وروحه لا تستحضر حقيقة الصلاة، وحقيقة ما فيها. [الآية ٦] : الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) أي يفعلون ما يرى للناس فقط، ولا يستشعرون من روح العبادة ما أوجب الله على النفوس أن تستشعره. «إنّهم يصلّون رياء للنّاس لا إخلاصا لله، هم ساهون عن صلاتهم وهم يؤدّونها، ساهون عنها لم يقيموها، والمطلوب هو إقامة الصلاة لا مجرد أدائها، وإقامتها لا تكون إلّا باستحضار حقيقتها، والقيام لله وحده بها» . [الآية ٧] : وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) أي يمنعون المساعدة عن المستحقّ لها، أو يمنعون ما اعتاد الناس قضاءه وتداوله فيما بينهم، تعاونا وتازرا، ولا يمنعه إلا كلّ شحيح يكره الخير. «إنّهم يمنعون المعونة والبر والخير عن إخوانهم في البشريّة، يمنعون الماعون عن عباد الله، ولو كانوا يقيمون الصلاة حقّا لله، ما منعوا العون عن عباده، فهذا هو محك العبادة الصادقة المقبولة عند الله» . «وأكثر المفسّرين على أنّ الماعون اسم جامع لما لا يمنع في العادة، ويسأله الفقير والغني في أغلب الأحوال، ولا ينسب سائله إلى لؤم، بل ينسب مانعه إلى اللؤم والبخل، كالفأس والقدر والدلو والغربال والقدّوم، ويدخل فيه الماء والملح والنار، لما روي: ثلاثة لا يحل منعها: الماء والنار والملح. وقد تسمّى الزّكاة ماعونا، لأنه بسببها يؤخذ من المال ربع العشر، وهو قليل من كثير. قال العلماء: ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله ممّا يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ذلك، ولا يقتصر على قدر الضرورة، وقد يكون منع هذه الأشياء محظورا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار» . إن الشرائع السماوية إنّما أنزلت

стр. 2961

لتهذيب الضمير، ونقاء القلوب، وصفاء النفوس، وتقويم السلوك، وبذلك تسمو الحياة، ويسود الحب والتالف، والإخاء والتكافل الجميل. أهداف السورة ١- الدين ليس رسوما وطقوسا، ولكنه عقيدة صادقة وسلوك مستقيم. ٢- الدين الحق صلاة خاشعة، ورعاية لليتيم، وحماية للمساكين، ومساعدة للمحتاجين. ٣- المكذّب بالدين له سمات وصفات هي: إذلاله لليتيم، عدم رحمة المساكين، الانشغال عن الصلاة، الرياء والنفاق، منع العون والمعونة عن المحتاج إليها.

стр. 2962

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الماعون» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الماعون بعد سورة التكاثر، ونزلت سورة التكاثر فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة الماعون في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في آخرها: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) . والماعون هو الزكاة. وقيل العارية، وقيل ما لا يحلّ منعه مثل الماء والملح والنار وأشباه ذلك، وتبلغ آياتها سبع آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة ذم البخل بالمال، وبيان أنه لا فائدة معه في الصلاة، وبهذا تشبه هذه السورة ما قبلها من السور في سياقها، وهذا هو وجه ذكرها بعد سورة قريش. ذم البخل بالمال الآيات [١- ٧] قال الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) ، فسأل بهذا عن الذي يكذّب بالدّين، وأجاب بأنه الذي يدعّ اليتيم أي يدفعه بعنف وجفوة عن حقّه، أو يترك مواساته، ولا يحضّ على طعام المساكين، ثمّ هدد من يصلّي مع هذا الإثم، وذكر أنهم بصلاتهم يراءون وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) .

стр. 2963

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الماعون» «١» أقول لما ذكر تعالى في سورة قريش: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ [الآية ٤] . ذكر هنا ذمّ من لم يحضّ على طعام المساكين. ولما قال هناك: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) [قريش] ، ذكر هنا من سها عن صلاته «٢» .

стр. 2964

المبحث الرابع مكنونات سورة «الماعون» «١» ١- أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) . الجزاء والحساب، أي: هل عرفته.

стр. 2965

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الماعون» «١» قال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي [الآية ١] تقرأ بالهمز وغير الهمز «٢» وهما لغتان، تحذف الهمزة لكثرة استعمال هذه الكلمة. وقال: فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) أي: «يدفعه عن حقّه» تقول: «دععته» «أدعّه» «دعّا» .

стр. 2966

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الماعون» » إن قيل: لم توعّد الله الساهي عن الصلاة، والحديث ينفي مؤاخذته، وهو قوله (ص) «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان» ؟ قلنا: المراد بالسهو هنا التغافل عنها، والتكاسل في أدائها، وقلّة الالتفات إليها وذلك فعل المنافقين أو الفسقة الشياطين من المسلمين وليس المراد ما يتفق فيها من السهو بوسوسة الشيطان أو حديث النفس ممّا لا صنع للعبد فيه ولا اختيار، وهو المراد في الحديث. وكان النبي (ص) يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره، ولهذا قال تعالى: عَنْ صَلاتِهِمْ [الآية ٥] ولم يقل في صلاتهم، وعن أنس ﵁ أنه قال: الحمد لله على أن لم يقل في صلاتهم.

стр. 2967

سورة الكوثر ١٠٨

стр. 2968

المبحث الأول أهداف سورة «الكوثر» «١» سورة «الكوثر» سورة مكّيّة، آياتها ثلاث، نزلت بعد سورة «العاديات» . وهي سورة خالصة لرسول الله (ص) ، فقد كان أعداؤه يملكون المال والجاه والسلطان، ويعيّرونه بأنّ أتباعه من الفقراء، وكانوا يرون أن أبناءه الذكور يموتون صغارا، فيعيّرونه بأنه أبتر، لا عقب له من الذكور، وكانت هذه الأقاويل تلقى من يستمع إليها ويردّدها، في بيئة تئد البنات، وتحتكم إلى السيف والقوّة، وترى الفقر سبّة ومنقصة، فنزلت هذه السورة تدافع عن النبي الكريم، وتفيد أن الله أعطاه من الخير الكثير، لقد أعطاه الله النبوّة والهدى، وأيّده بالصحابة الأوفياء، وجعل سيرته عطرة منتشرة، وشريعته باقية خالدة، وآلاف الملايين تردد ذكره، وتشهد له بالرسالة: وضمّ الإله اسم النبيّ إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد وشقّ له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمّد المفردات الْكَوْثَرَ (١) : الخير الكثير. فَصَلِّ لِرَبِّكَ: فاعبد ربك الذي أعزك وشرفك. وَانْحَرْ (٢) : لوجهه وباسمه إذا نحرت، مخالفا لعبدة الأوثان. شانِئَكَ: مبغضك.

стр. 2969

الْأَبْتَرُ (٣) : المنقطع من كل خير. مع آيات السورة [الآية ١] : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) ، والكوثر صيغة مبالغة من الكثرة، ومعناه الشيء البالغ من الكثرة حدّ الإفراط. وهو مطلق غير محدود. ورد أن سفهاء قريش، ممّن كانوا يتابعون الرسول (ص) ودعوته بالكيد والمكر، وإظهار السخرية والاستهزاء، من أمثال العاص بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، وأبي لهب، وأبي جهل وغيرهم، كانوا يقولون عن النبي (ص) أنه أبتر، يشيرون بهذا إلى موت الذكور من أولاده، وقال أحدهم: دعوه فإنه سيموت بلا عقب، وينتهي أمره. فنزلت هذه السورة لتشير الى عطاء الله للنبيّ الكريم، وهو عطاء كثير لا حدّ له. وقد وردت روايات من طرق كثيرة، تفيد أن الكوثر نهر في الجنة، أوتيه رسول الله (ص) . «وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم وابن عساكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رض) أنه قال: «الكوثر الخير الذي أعطاه الله تعالى إيّاه» . قال أبو بشر، قلت لسعيد: فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة، قال: النهر الذي في الجنة، من الخير الذي أعطاه الله إيّاه، ﵊ ويروى هذا الجواب عن ابن عباس نفسه أيضا» . وفي تفسير النيسابوري أنه وردت عدة أقوال في معنى الكوثر، القول الأول: الخير الكثير، إلّا أن أكثر المفسّرين خصّوه فحملوه على أنه نهر في الجنة. القول الثاني: أنّ الكوثر أولاده من نسل فاطمة، أي أن الله يعطيه منها نسلا يبقون إلى آخر الزمان. القول الثالث: الكوثر علماء أمته فهم رحمة إلى يوم القيامة. وروي أن الكوثر هو النبوّة والرسالة، وكونه خاتم المرسلين. كما روي أنّ الكوثر هو تيسير القرآن وتخفيف الشرائع، وقيل هو الإسلام، وقيل هو التوحيد، وقيل هو العلم والحكمة، وقيل هو الفضائل الكثيرة التي وهبه الله تعالى إيّاها. «فقد أسرى به ليلا، وانشقّ له

стр. 2970

القمر، وكثر الزاد ببركة دعائه، وأطعم الخلق الكثير من الطعام القليل، وأعطاه الله القرآن هدى ورحمة للعالمين» . [الآية ٢] : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) أي فاجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك ذاكرا اسم الله، مخلصا لله في صلاتك ونحرك. كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) [الأنعام] . «والأكثرون على أن المقصود بالصلاة هنا جنس الصلاة، لإطلاق اللفظ، وقال الآخرون إنّها صلاة عيد الأضحى، لاقترانها بقوله تعالى وَانْحَرْ (٢) وكانوا يقدّمون الأضحية على الصلاة فأمروا بتأخيرها عنها، والواو تفيد الترتيب استحسانا وأدبا وان لم تفده قطعا» . [الآية ٣] : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) أي أن مبغضك كائنا من كان، هو المقطوع ذكره من خير الدنيا والاخرة. إنّهم لم يبغضوه لشخصه فقد كان الصادق الأمين، ولكنهم أبغضوه لما يحمله لهم من الرسالة والهدى، فاثروا أهواءهم، وتخبّطوا في ضلالهم، حتى خذلهم الله وقطع أثرهم «فقد جرّهم الخذلان الى غاية الخسران، ولم يبق لهم إلّا سوء الذكر لبعضهم، والنسيان التام لبقيتهم، بخلاف النبي (ص) ، ومن اهتدى بهديه، فإن ذكرهم لا يزال رفيعا، وأثرهم لا يزال باقيا في نفوس الصالحين» . مقصود الصورة ١- أعطى الله محمدا (ص) الخير الكثير، فرفع ذكره وأعلى شأنه، ونصر دعوته، وبارك في أمّته. ٢- ينبغي إخلاص الصلاة والعبادة والنحر لله . ٣- من أبغض النبي ودعوته انقطع أثره وباء بالخذلان، بينما بقي ذكر النبي (ص) ودعوته على مرّ الأزمان.

стр. 2971

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الكوثر» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الكوثر بعد سورة العاديات، ونزلت سورة العاديات فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة الكوثر في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) وتبلغ آياتها ثلاث آيات. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة تفضيل أمر الدّين على المال والولد، وقد فضّل في هذه السورة ما أعطيه النبي (ص) من ذلك، على المال والولد، الذي كانت تتفاخر قريش به وتحرص عليه، ولهذا أمره بعد الامتنان عليه بذلك بالصلاة شكرا عليه، وببذل المال الذي أعطي أفضل منه، فالمناسبة بين هذه السورة وسورة قريش ما بينهما من هذه المقابلة، وقد ذكرت بينهما سورة الماعون للمناسبة السابقة. تفضيل الدين على المال والولد الآيات [١- ٣] قال الله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فامتنّ على النبي (ص) بأنه أعطاه الكوثر، وهو الدّين الكثير النفع، ثمّ أمره أن يصلّي له شكرا عليه وينحر للفقراء، حتى لا يكون مثل من

стр. 2972

يصلي ويمنع الماعون في السورة السابقة، ثم ختم السورة ببيان أن ما أعطيه من ذلك يخلد له من الذّكر ما لا يخلده المال والولد الذي كانت قريش تقول عن النبي إنه أبتر بسببه، فقال تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) .

стр. 2973

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الكوثر» «١» قال الإمام فخر الدين: هي كالمقابلة قبلها، لأن السابقة وصف الله سبحانه فيها المنافقين بأربعة أمور: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة. وذكر في هذه السورة في مقابلة البخل: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) أي: الخير الكثير. وفي مقابلة ترك الصلاة: فَصَلِّ أي دم عليها. وفي مقابلة الرياء: لِرَبِّكَ. أي: لرضاه، لا للناس. وفي مقابلة منع الماعون: وَانْحَرْ وأراد به: التّصدّق بلحوم الأضاحي. قال فاعتبر هذه المناسبة العجيبة.

стр. 2974

المبحث الرابع مكنونات سورة «الكوثر» «١» فسّر: ١- الْكَوْثَرَ. في الأحاديث الصحيحة المتواترة بأنّه نهر في الجنة «٢» . ٢- إِنَّ شانِئَكَ. قال ابن عبّاس: هو أبو جهل. وقال عطاء: هو أبو لهب. وقال عكرمة: العاصي بن وائل. وفي رواية عن ابن عبّاس: كعب بن الأشرف. وقال شمر بن عطية: عقبة بن أبي معيط. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.

стр. 2975

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الكوثر» «١» قال تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) تقول: «شنئته» ف «أنا أشنؤه شنآنا» .

стр. 2976

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الكوثر» «١» إن قيل: ما الكوثر؟ قلنا: فيه قولان: أحدهما، وهو قول ابن عباس ﵄، أنه الخير الكثير: «فوعل» من الكثرة كقولهم: رجل نوفل: أي كثير النوافل، ومنه قول الشاعر: وأنت كثير يا ابن مروان طيّب ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا قيل لأعرابية رجع ابنها من سفر: كيف آب ابنك؟ قالت آب بكوثر. ولقد أعطي النبي (ص) خيرا كثيرا، فإنه أوتي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. ومنهم من فسّر هذا الخير الكثير بالنبوّة، ومنهم من فسّره بالعلم والحكمة، ومنهم من فسّره بالقرآن. والقول الثاني: أن الكوثر اسم نهر في الجنّة، وهو قول أكثر المفسّرين، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله (ص) أنه قال: «الكوثر نهر وعدنيه ربّي في الجنّة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة» وعنه (ص) أيضا في الحديث أنه قال: «بينا أنا أسير في الجنّة فإذا بنهر حافّتاه قباب اللؤلؤ المجوّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربّك، فضرب الملك بيده فإذا طينه المسك الأذفر «٢» » ، وروي عن صفته أنه أحلى من العسل، وأشدّ بياضا من اللّبن،

стр. 2977

وأبرد من الثلج، وألين من الزّبد، حافّتاه الزّبرجد «١» ، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء، لا يظمأ من شرب منه أبدا» .

стр. 2978

سورة الكافرون ١٠٩

стр. 2979

المبحث الأول أهداف سورة «الكافرون» «١» سورة «الكافرون» سورة مكية، آياتها ٦ آيات، نزلت بعد سورة الماعون. وهي سورة تصدح بالحقيقة، وترفض أنصاف الحلول، وتعلن أنّ الإسلام إسلام، وأنّ الكفر كفر، ولن يلتقيا. أسباب النزول روي أن الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد المطلب، وأميّة بن خلف، في جماعة آخرين، من صناديد قريش وساداتهم، أتوا النبي (ص) فقالوا له: هلمّ يا محمّد، فاتّبع ديننا ونتّبع دينك، ونشركك في أمرنا كلّه تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة فإن كان الذي جئت به خيرا، كنّا قد شاركناك فيه، وأخذنا حظا منه وإن كان الذي بأيدينا خيرا، كنت قد شاركتنا في أمرنا، وأخذت حظّك منه. فقال معاذ الله أن نشرك به غيره وأنزل الله تعالى، ردّا على هؤلاء، هذه السورة فغدا رسول الله (ص) إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم ثم قرأ عليهم، حتى فرغ من السورة، فيئسوا منه، وآذوه وصحبه، حتى اضطرّ الى الهجرة الى المدينة «٢» . المفردات ما تَعْبُدُونَ (٢) : من الأصنام وغيرها.

стр. 2980

دِينُكُمْ: أي الشرك بعبادة الأصنام. وَلِيَ دِينِ (٦) : دين التوحيد. فكرة السورة لم يكن العرب يجحدون الله سبحانه، ولكن كانوا لا يعرفونه بحقيقته التي وصف بها نفسه، وهي أحد فرد صمد. فكانوا يشركون به، ولا يعبدونه حقّ عبادته كانوا يشركون به هذه الأصنام، التي يرمزون بها إلى أسلافهم من الصالحين أو العظماء، أو يرمزون بها إلى الملائكة، ويقولون: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] . وكانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم (ع) وأنّهم أهدى من أهل الكتاب، الذين كانوا يعيشون معهم في الجزيرة. ولحسم هذه الشبهات، نزلت هذه السورة بهذا الجزم، وبهذا التوكيد، توضح أنّهم كافرون مشركون، قد نبذوا التوحيد، وخرجوا عن جادّة الصواب فلن يعبد النبي (ص) ما يعبدون من أصنام وأوثان. قال تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) [الزمر] . مع آيات السورة [الآية ١] : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) : قل لهم يا أيّها الكافرون، نادهم باسمهم وحقيقتهم، وصفهم بوصفهم، أنهم ليسوا على دين وليسوا بمؤمنين، وإنّما هم كافرون. [الآية ٢] : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) : فعبادتي غير عبادتكم، ومعبودي غير معبودكم، وأنا لا أعبد أصنامكم، ولا أسجد لآلهتكم، وإنما أعبد إلها واحدا منزّها عن النظير المثيل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى] . [الآية ٣] : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وإنّكم لكاذبون في دعواكم أنّكم تعبدون الله، لأنّ الذي تزعمونه ربّا تتّخذون له الشفعاء، وتجعلون له زوجة من الجن تلد له الملائكة «٢» ،
следующие страницы →