المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الكوثر» «١»
إن قيل: ما الكوثر؟
قلنا: فيه قولان: أحدهما، وهو قول ابن عباس ﵄، أنه الخير الكثير: «فوعل» من الكثرة كقولهم: رجل نوفل: أي كثير النوافل، ومنه قول الشاعر:
وأنت كثير يا ابن مروان طيّب ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا
قيل لأعرابية رجع ابنها من سفر:
كيف آب ابنك؟ قالت آب بكوثر. ولقد أعطي النبي (ص) خيرا كثيرا، فإنه أوتي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. ومنهم من فسّر هذا الخير الكثير بالنبوّة، ومنهم من فسّره بالعلم والحكمة، ومنهم من فسّره بالقرآن. والقول الثاني: أن الكوثر اسم نهر في الجنّة، وهو قول أكثر المفسّرين، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله (ص) أنه قال:
«الكوثر نهر وعدنيه ربّي في الجنّة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة» وعنه (ص) أيضا في الحديث أنه قال: «بينا أنا أسير في الجنّة فإذا بنهر حافّتاه قباب اللؤلؤ المجوّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربّك، فضرب الملك بيده فإذا طينه المسك الأذفر «٢» » ، وروي عن صفته أنه أحلى من العسل، وأشدّ بياضا من اللّبن،
стр. 2977
وأبرد من الثلج، وألين من الزّبد، حافّتاه الزّبرجد «١» ، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء، لا يظمأ من شرب منه أبدا» .
стр. 2978
سورة الكافرون ١٠٩
стр. 2979
المبحث الأول أهداف سورة «الكافرون» «١»
سورة «الكافرون» سورة مكية، آياتها ٦ آيات، نزلت بعد سورة الماعون.
وهي سورة تصدح بالحقيقة، وترفض أنصاف الحلول، وتعلن أنّ الإسلام إسلام، وأنّ الكفر كفر، ولن يلتقيا.
أسباب النزول
روي أن الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد المطلب، وأميّة بن خلف، في جماعة آخرين، من صناديد قريش وساداتهم، أتوا النبي (ص) فقالوا له: هلمّ يا محمّد، فاتّبع ديننا ونتّبع دينك، ونشركك في أمرنا كلّه تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة فإن كان الذي جئت به خيرا، كنّا قد شاركناك فيه، وأخذنا حظا منه وإن كان الذي بأيدينا خيرا، كنت قد شاركتنا في أمرنا، وأخذت حظّك منه. فقال معاذ الله أن نشرك به غيره وأنزل الله تعالى، ردّا على هؤلاء، هذه السورة فغدا رسول الله (ص) إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم ثم قرأ عليهم، حتى فرغ من السورة، فيئسوا منه، وآذوه وصحبه، حتى اضطرّ الى الهجرة الى المدينة «٢» .
المفردات
ما تَعْبُدُونَ (٢) : من الأصنام وغيرها.
стр. 2980
دِينُكُمْ: أي الشرك بعبادة الأصنام.
وَلِيَ دِينِ (٦) : دين التوحيد.
فكرة السورة
لم يكن العرب يجحدون الله سبحانه، ولكن كانوا لا يعرفونه بحقيقته التي وصف بها نفسه، وهي أحد فرد صمد. فكانوا يشركون به، ولا يعبدونه حقّ عبادته كانوا يشركون به هذه الأصنام، التي يرمزون بها إلى أسلافهم من الصالحين أو العظماء، أو يرمزون بها إلى الملائكة، ويقولون:
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] .
وكانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم (ع) وأنّهم أهدى من أهل الكتاب، الذين كانوا يعيشون معهم في الجزيرة.
ولحسم هذه الشبهات، نزلت هذه السورة بهذا الجزم، وبهذا التوكيد، توضح أنّهم كافرون مشركون، قد نبذوا التوحيد، وخرجوا عن جادّة الصواب فلن يعبد النبي (ص) ما يعبدون من أصنام وأوثان. قال تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) [الزمر] .
مع آيات السورة
[الآية ١] : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) : قل لهم يا أيّها الكافرون، نادهم باسمهم وحقيقتهم، وصفهم بوصفهم، أنهم ليسوا على دين وليسوا بمؤمنين، وإنّما هم كافرون.
[الآية ٢] : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) : فعبادتي غير عبادتكم، ومعبودي غير معبودكم، وأنا لا أعبد أصنامكم، ولا أسجد لآلهتكم، وإنما أعبد إلها واحدا منزّها عن النظير المثيل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى] .
[الآية ٣] : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وإنّكم لكاذبون في دعواكم أنّكم تعبدون الله، لأنّ الذي تزعمونه ربّا تتّخذون له الشفعاء، وتجعلون له زوجة من الجن تلد له الملائكة «٢» ،
стр. 2981
وتنسبون إليه ما يتنزّه عنه الله سبحانه.
فهذا الذي تعبدونه لن يكون إلها مستحقا للعبادة.
[الآية ٤] : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) : تكرير وتوكيد للفقرة الأولى، في صيغة الجملة السمية، وهي أدلّ على ثبات الصّفة واستمرارها، وقد كرّر نفي عبادته آلهتهم، قطعا لأطماعهم وتيئيسا لهم.
[الآية ٥] : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) تكرار لتوكيد الفقرة الثانية، كي لا تبقى مظنّة ولا شبهة ولا مجال لمظنة أو شبهة بعد هذا التوكيد المكرر، بكلّ وسائل التكرار والتوكيد.
قال أبو مسلم الأصفهاني معناه: (لا أنا عابد عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتي) .
وخلاصة ما سلف: الاختلاف التام في المعبود، والاختلاف البيّن في العبادة، فلا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة. عبادتي خالصة لله وحده، وعبادتكم مشوبة بالشرك، مصحوبة بالغفلة عن الله تعالى: فلا تسمّى على الحقيقة عبادة.
[الآية ٦] : لَكُمْ دِينُكُمْ. مختصّ بكم لا يتعدّاكم إليّ، فلا تظنّوا أني عليه، أو على شيء منه.
وَلِيَ دِينِ (٦) أي ديني هو دين خاصّ بي، وهو الذي أدعو إليه، ولا مشاركة بينه وبين ما أنتم عليه.
خلاصة السورة ١- إنّ التوحيد منهج، والشرك منهج آخر، ولا يلتقيان.
٢- المؤمن لا يسجد للصنم، ولا يعبد ما يعبده الكافر.
٣- الكافر لا يعبد الله، بل ضلّ طريقه إلى عبادته.
٤- المؤمن واضح صادق، فلن يعبد عبادة الكافر، كما أنّ الكافر لا يعبد عبادة المؤمن.
٥- سيلقى المؤمن ثوابه وسيلقى الكافر جزاءه.
стр. 2982
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الكافرون» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الكافرون» بعد سورة الماعون، ونزلت سورة الماعون، فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة «الكافرون» في ذلك التاريخ أيضا. وكان رهط من قريش ذهبوا إلى النبي (ص) فقالوا له: يا محمد، هلمّ اتّبع ديننا ونتّبع دينك.
فنزلت هذه السورة في شأنهم.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وتبلغ آياتها ست آيات.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السور متاركة الكفار، بعد أن ذهبت السورة السابقة في دعوتهم كلّ مذهب، فهي كالختام للسور التي ذكرت قبلها، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.
متاركة الكفار الآيات [١- ٦]
قال الله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) فأمر النبي (ص) أن يخبرهم بأنه لا يعبد ما يعبدون، وأنهم لا يعبدون ما يعبد، وكرّر هذا مرة ثانية توكيدا له، ثم ختمه بقوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) .
стр. 2983
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الكافرون» «١»
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما قال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ [الكوثر:
٢] ، أمره أن يخاطب الكافرين بأنه لا يعبد إلا ربّه، ولا يعبد ما يعبدون، وجاء التكرار توكيدا لذلك، وانفصل الرسول (ص) منهم، على أن لهم دينهم وله دينه.
стр. 2984
المبحث الرابع مكنونات سورة «الكافرون» «١»
١- نزلت في الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأميّة بن خلف. كما أخرجه ابن أبي حاتم «٢» عن سعيد بن ميناء «٣» .
стр. 2985
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الكافرون» «١»
في قوله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ (لا) تجري مجرى (ما) فرفعت على خبر الابتداء.
стр. 2986
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الكافرون» «١»
إن قيل: لم قال الله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) ولم يقل «من» مع أنه القياس؟
قلنا: فيه وجهان: أحدهما أنه إنما وردت «ما» ، رعاية للمقابلة في قوله تعالى: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) الثاني: أن «ما» مصدرية: أي لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي. وقال الزمخشري: إنّما قال تعالى «ما» لأن المراد الصفة كأنّ المعنى: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، وقال غيره:
«ما» في الكل بمعنى الذي، والعائد محذوف.
فإن قيل: ما الحكمة في التكرار؟
قلنا: فيه وجهان: أحدهما أنه للتأكيد، وقطع أطماعهم فيما طلبوه منه. الثاني: أن الجملتين الأوليين لنفي العبادة في الحال والجملتين الأخريين لنفي العبادة في الاستقبال، فلا تكرار فيه. وهذا قول ثعلب والزّجّاج والخطاب، لجماعة علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون. وقال الزمخشري، مما يرد الوجه الثاني، وذلك أنه قال تعالى:
(لا أعبد) أريد به العبادة في المستقبل، لأن (لا) لا تدخل إلّا على مضارع في معنى الحال، فالجملتان الأوليان لنفي العبادة في المستقبل، والجملتان الأخريان لنفي العبادة في الماضي، فقوله تعالى: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) أي ما عهدتم من عبادة الأصنام في الجاهلية، فكيف يرجى مني بعد الإسلام، وقوله تعالى:
стр. 2987
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) أي ما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته.
ويردّ على قوله: و «الجملتان الأخريان لنفي العبادة في الماضي» أنّ اسم الفاعل المنوّن، العامل عمل الفعل، لا يكون إلا بمعنى الحال أو الاستقبال، و «عابد» ، هنا، عامل في «ما» وكذلك عابدون، وجوابه أنّه على الحكاية، كما قال تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف: ٨] فإن قيل: لم لم يقل تعالى: ولا أنتم عابدون ما عبدت، بلفظ الماضي، كما قال سبحانه: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) ؟
قلنا: لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل بعثه (ص) وهو ما كان يعبد الله تعالى قبل بعثه بل بعد بعثه. ويرد على هذا التقدير: أن أعظم العبادة التوحيد، وكلّ الأنبياء كانوا موحّدين بعقولهم قبل البعثة. وقال بعض العلماء: إنّما جاء الكلام مكرّرا لأنه ورد جوابا لسؤالهم مناوبة، وكان سؤالهم مكررا، فإنهم قالوا: يا محمد تعبد آلهتنا كذا مدة، ونعبد إلهك كذا مدة، ثم تعبد آلهتنا كذا مدة، ونعبد إلهك كذا مدة، فورد الجواب مكرّرا ليطابق السؤال، وهذا قول حسن لطيف.
стр. 2988
سورة النّصر ١١٠
стр. 2989
المبحث الأول أهداف سورة «النصر» «١»
سورة النصر سورة مدنية وآياتها ٣ آيات.
ومع صغرها فإنها حملت البشرى لرسول الله (ص) بنصر الله والفتح، ودخول الناس في دين الله أفواجا، ثم طلبت منه التسبيح والحمد والاستغفار.
المفردات
وَالْفَتْحُ (١) : المراد به فتح مكة.
أَفْواجاً (٢) : زمرا وجماعات.
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [الآية ٣] : ونزّهه وقدّسه.
وَاسْتَغْفِرْهُ: ممّا قد يكون منك، وهو لتعليمنا.
تَوَّاباً (٣) : كثير المتاب والغفران لمن تاب.
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [الآية ١] وأظهرك على أعدائه، وفتح لك مكّة، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ [الآية ٢] فوجا بعد فوج ... فنزه ربّك، حامدا إيّاه على ما أولاك من النّعم والمنّة، واستغفر الله، لحظة الانتصار، من الزهو والغرور والتقصير إنه كان، ولم يزل، توّابا كثير القبول للتوبة، يحبّ التوّابين، ويحب المتطهّرين.
ولمّا دخل النبي (ص) مكّة فاتحا منتصرا، انحنى على راحلته، حتى أوشك أن يسجد عليها وهو يقول:
تائبون، آئبون، حامدون، لربنا شاكرون.
стр. 2990
سورة التوديع
سورة النصر تحمل بين طياتها إتمام الرسالة، وأداء الأمانة، والاستعداد للّحاق بالرفيق الأعلى.
قال البيضاوي: تسمى سورة التوديع.
ويقال إن عمر لمّا سمعها بكى، وقال: الكمال دليل الزوال.
وروي أن العبّاس بكى لمّا قرأها رسول الله (ص) ، فقال ﵊ ما يبكيك؟ قال نعيت إليك نفسك، فقال النبي (ص) : إنّها لكما تقول، وإنّما ذلك لأنّ فيها تمام الأمر، كما في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] .
وجاء في رواية للبخاري: أن عمر ﵁ سأل أشياخ بدر فقال: ما تقولون في قول الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) ، حتى ختم السورة، فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال:
أكذلك تقول يا ابن عبّاس؟ قلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت هو أجل رسول الله (ص) أعلمه له. قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) فذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلّا ما تقول.
وفي رواية الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله (ص) يكثر في آخر أمره من قوله «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب اليه» .
المبحث الأول مقصود السورة
١- عند الفتح الأكبر، ودخول الناس في دين الإسلام، ينبغي شكر الله والاستغفار من كل تقصير، فإنّ باب الله مفتوح وهو صاحب الطّول، ويقبل التوبة من جميع التائبين.
٢- وفي السورة، إيذان بأداء النبي (ص) للرسالة العظمى، وانتهاء المهمّة الكبرى، وتوجيه له أن يستعد للموت بالاستغفار والتوبة وشكر الله والتسبيح بحمده.
стр. 2991
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النصر» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة النصر بعد سورة التوبة، وهي آخر ما نزل من القرآن بالمدينة، وكان نزولها في حجّة الوداع بمنى، فيكون نزولها في السنة العاشرة من الهجرة. وكان هذا بعد أن أتمّ النبي (ص) دعوته، وأخذ الناس يدخلون أفواجا في دينه.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وتبلغ آياتها ثلاث آيات.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة الوعد بالنصر، ونشر الدين في الناس، بعد متاركة أولئك الكفار في السورة السابقة، وهذا هو وجه المناسبة في ذكر هذه السورة بعدها.
الوعد بالنصر ونشر الدين الآيات [١- ٣]
قال تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) فوعد النبي (ص) بالنصر، والفتح، ونشر الدين في الناس، وأمره بتسبيحه واستغفاره شكرا له على ذلك، واستجلابا لعفوه عما يكون قد حصل منه، وختم ذلك بقوله: إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) .
стр. 2992
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النصر» «١»
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه قال في آخر ما قبلها: وَلِيَ دِينِ (٦) فكان فيه إشعار بأنه خلص له دينه، وسلّمه من شوائب الكفّار والمخالفين، فعقّب السياق ببيان وقت ذلك، وهو مجيء الفتح والنصر، فإن الناس حينما دخلوا في دين الله أفواجا، فقد تمّ الأمر، وذهب الكفر، وخلص دين الإسلام ممّن كان يناوئه، ولذلك كانت السورة إشارة إلى وفاته (ص) «٢» .
وقال الإمام فخر الدين: كأنه تعالى يقول: لما أمرتك في السورة المتقدّمة بمجاهدة جميع الكفّار، بالتبري منهم، وإبطال دينهم، جزيتك على ذلك بالنصر والفتح وتكثير الأتباع.
قال: ووجه آخر، هو: أنه لما أعطاه الكوثر، وهو الخير الكثير، ناسب تحميله مشقّاته وتكاليفه، فعقّبها سبحانه، بمجاهدة الكفّار، والتبري منهم. فلما امتثل ذلك، أعقبه بالبشارة بالنصر والفتح، وإقبال الناس أفواجا إلى دينه، وأشار إلى دنوّ أجله، فإنه ليس بعد الكمال إلّا الزوال.
стр. 2993
المبحث الرابع المعاني اللغوية في سورة «النصر» «١»
قال تعالى: يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) واحدهم: الفوج.
وقال سبحانه: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: «يكون تسبيحك بالحمد» لأن «التسبيح» هو ذكر. فالمعنى: «يكون ذكرك بالحمد على ما أعطيتك من فتح مكّة وغيره» . يقول الرجل: «قضيت سبحتي من الذكر» .
стр. 2994
المبحث الخامس لكل سؤال جواب في سورة «النصر» «١»
إن قيل: أيّ مناسبة بين الأمر بالاستغفار وما قبله، فإن مجيء الفتح والنصر، يناسب الشكر والحمد، لا الاستغفار والتوبة؟
قلنا: قال ابن عباس ﵄، لما نزلت هذه السورة، علم النبي (ص) أنه نعيت إليه نفسه. وقال الحسن: أعلم النبي (ص) أنه قد اقترب أجله، فأمر بالتسبيح والاستغفار والتوبة. ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح، فكان يكثر من قوله: سبحانك اللهم، اغفر لي إنّك أنت التوّاب الرحيم. وعن ابن مسعود ﵁، أنّ هذه السورة تسمى سورة التوديع. وروي أن النبي (ص) عاش بعد نزولها سنتين.
стр. 2995
سورة المسد ١١١
стр. 2996
المبحث الأول أهداف سورة «المسد» «١»
سورة المسد سورة مكية وآياتها خمس، نزلت بعد سورة الفاتحة.
وتسمى سورة تبّت، وسورة أبي لهب، وسورة المسد لذكر كل ذلك فيها.
مقصود السورة
قال الفيروزآبادي: مقصود السورة تهديد أبي لهب على الجفاء والإعراض، وضياع كسبه وأمره، وبيان ابتلائه يوم القيامة، وذمّ زوجه في إيذاء النبي (ص) ، وبيان ما هو مدّخر لها من سوء العاقبة.
المفردات
تَبَّتْ [الآية ١] : التّبّ: الهلاك والبوار، وهو دعاء عليه.
أَبِي لَهَبٍ [الآية ١] : هو عبد العزّى بن عبد المطلب عمّ النبي (ص) ، ومن أشدّ الناس إيذاء له، وللمسلمين.
ما أَغْنى [الآية ٢] : ما نفعه ولا أفاده، لا في الدنيا ولا في الاخرة.
وَما كَسَبَ (٢) : المراد به الولد، لأن الولد من كسب أبيه، أو المال والجاه.
ذاتَ لَهَبٍ (٣) : لتأجّجها واستعارها.
وَامْرَأَتُهُ [الآية ٤] : هي أمّ جميل بنت حرب أخت أبي سفيان.
الْحَطَبِ (٤) : المراد، الأشواك
стр. 2997
التي كانت تلقيها في طريق النبي (ص) ، والمؤمنين إيذاء لهم أو هو كناية عن إلقاء الفتنة بين النبي (ص) والمشركين.
جِيدِها [الآية ٥] : عنقها.
مَسَدٍ (٥) : هو الليف، أي في عنقها حبل من ليف، تجمع فيه الحطب وتحزمه.
مع السورة
سورة المسد، وتسمّى أيضا سورة أبي لهب، وأبو لهب، واسمه: عبد العزّى بن عبد المطّلب، هو عم النبي (ص) وإنما سمّي أبا لهب لإشراق وجهه، وكان هو وامرأته «أم جميل» ، من أشدّ الناس إيذاء لرسول الله (ص) وللمؤمنين به.
أخرج البخاري بإسناده عن ابن عبّاس ﵄، أن النبي (ص) خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى: «يا صباحاه» ، فاجتمعت إليه قريش، فقال: أرأيتم إن حدّثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا نعم، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا. فأنزل الله السورة: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) والتّباب الهلاك والبوار والقطع و «تبّت» الأولى دعاء، و «تبّت» الثانية تقرير لوقوع هذا الدعاء:
هلكت نفس أبي لهب، وقد هلك ما نفعه ماله، وما كسبه بماله من الربح والجاه سيدخل نارا ذات لهب، ونجد هنا تناسقا في اللفظ، فجهنّم هنا ذات لهب، يصلاها أبو لهب.
ومضمون السورة: خسر أبو لهب، وضلّ عمله، وبطل سعيه الذي كان يسعاه، للصدّ عن دين الله ولم يغن عنه ماله الذي كان يتباهى به، ولا جدّه واجتهاده في ذلك فإن الله أعلى كلمة رسوله، ونشر دعوته، وأذاع ذكره.
وسيعذّب أبو لهب يوم القيامة بنار ذات شرر ولهيب وإحراق شديد، أعدّها الله لمثله من الكفّار والمعاندين، فوق تعذيبه في الدنيا، بإبطال سعيه، ودحض عمله وستعذّب معه امرأته التي كانت تعاونه على كفره وجحده، وكانت عضده في مشاكسة رسول الله (ص) وإيذائه، وكانت تمشي بالنميمة للإفساد، وإيقاد نار الفتنة والعداوة.
стр. 2998
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) أي وستعذّب أيضا بهذه النار امرأته أروى بنت حرب، أخت أبي سفيان بن حرب، جزاء لها على ما كانت تجترحه من السعي بالنميمة، إطفاء لدعوة رسول الله (ص) . والعرب تقول لمن يسعى في الفتنة ويفسد بين الناس: هو يحمل الحطب بينهم، كأنّه بعمله يحرق ما بينهم من صلات وقيل إنها كانت تحمل حزم الشوك والحسك والسعدان، وتنثرها بالليل في طريق رسول الله (ص) لإيذائه.
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) في عنقها حبل ممّا مسّد به من الحبال، أي أحكم فتله وقد صوّرها الله تعالى بصورة من تحمل تلك الحزمة من الشوك، وتربطها في جيدها، كبعض الحطّابات الممتهنات، احتقارا لها، واحتقارا لبعلها، حينما اختارت ذلك لنفسها.
وجملة أمرها: أنّها في تكليف نفسها المشقّة الفادحة للإفساد بين الناس، وإيقاد نيران العداوة بينهم، بمنزلة حاملة الحطب، التي في جيدها حبل خشن تشدّ به ما تحمله إلى عنقها، حين تستقل به وهذه أبشع صورة تظهر بها امرأة، تحمل الحطب وهي على تلك الحال.
«ويروي بعض العلماء، أن المراد بيان حالها وهي في نار جهنّم، إذ تكون على الصورة التي كانت عليها في الدنيا، حينما كانت تحمل الشوك، إيذاء لرسول الله (ص) فهي لا تزال تحمل حزمة من حطب النار، ولا يزال في جيدها حبل من سلاسلها، ليكون جزاؤها من جنس عملها، فقد روي عن سعيد بن المسيّب، أنه قال: كانت لأم جميل قلادة فاخرة، فقالت:
لأنفقنّها في عداوة محمد فأعقبها الله في جيدها حبلا من مسد النار» «١» .
«وكل امرأة، تمشي بالفتنة والفساد بين الناس، لتفرّق كلمتهم، وتذهب مذاهب السوء، فلها نصيب من هذا العذاب، وجزء من هذا النكال» «٢» .
стр. 2999
مضمون السورة
١- هلاك لأبي لهب وأيّ هلاك.
٢- لن ينفعه ماله وجاهه، ولا سلطانه وأولاده.
٣- سيصطلي بنار جهنّم، ويحترق بلهيبها.
٤- ويكون معه زوجه في صورة مهينة مزرية، إذ تحمل الحطب، وفي عنقها حبل من ليف أشبه بالمرأة المهينة، أو الحمارة الكادحة.
стр. 3000
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المسد» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سور المسد، بعد سورة الفاتحة ونزلت سورة الفاتحة، فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة فيكون نزول سورة المسد، في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في آخرها: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) وتبلغ آياتها خمس آيات.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة، إنذار الكافر بالهلاك، بعد وعد المؤمنين بالنصر، في السورة السابقة وهذا هو وجه المناسبة في ذكر هذه السورة بعدها.
إنذار الكافر بالهلاك الآيات [١- ٥]
قال الله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [الآية ١] فأنذر أبا لهب بهلاك ماله ونفسه والمراد منه كلّ كافر ألهاه ماله عن الاستجابة للنبي (ص) ثمّ ذكر أنّ ماله لا يدفع عنه شيئا ممّا أوعد به، وأنّه سيصلى نارا في الاخرة بعد هلاكه، وأنّ امرأته ستكون حمّالة حطب جهنم فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) .
стр. 3001
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المسد» «١»
قال الإمام: وجه اتصالها بما قبلها:
أنه لما قال تعالى في سورة الكافرون:
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) فكأنه قيل:
إلهي، وما جزائي؟ فقال الله له: النصر والفتح. فقال: وما جزاء عمي الذي دعاني إلى عبادة الأصنام؟ فقال تعالى:
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [الآية ١] .
وقدّم الوعد على الوعيد، ليكون النصر معلّلا بقوله تعالى في «الكافرون» : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) . ويكون الوعيد راجعا إلى قوله جلّ وعلا في السورة المذكورة:
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) [الكافرون] ، على حد قوله سبحانه: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: ١٠٦] .
قال: فتأمّل في هذه المجانسة الحافلة بين هذه السور مع أن سورة النصر من أواخر ما نزل بالمدينة «٢» ، و «الكافرون» و «تبّت» من أوائل ما نزل بمكّة «٣» ليعلم، أنّ ترتيب هذه السور من الله، وبأمره.
قال: ووجه آخر، وهو: أنه لما قال تعالى في «الكافرون» : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) كأنه قيل: يا إلهي، ما جزاء المطيع؟ قال: حصول النصر والفتح.
فقيل وما ثواب العاصي؟ قال: الخسارة في الدنيا، والعقاب في العقبى، كما دلّت عليه سورة تبّت.
стр. 3002
المبحث الرابع مكنونات سورة «المسد» «١»
١- أَبِي لَهَبٍ [الآية ١] .
اسمه عبد العزّى.
٢- وَامْرَأَتُهُ [الآية ٤] .
هي أمّ جميل، العوراء بنت حرب، أخت أبي سفيان صخر بن حرب.
وقال ابن دحية في «التنوير» : اسمها العواة. كذا في «مسند الحميدي» «٢» وقيل اسمها أروى.
стр. 3003
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المسد» «١»
١- قال تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [الآية ١] .
التّباب الهلاك، والجملة في الآية تفيد الدعاء على أبي لهب بالهلاك.
٢- وقال تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) .
ونصب حَمَّالَةَ على الذّم، وفي ذلك استغناء عن الفعل، وهذا ضرب جيد من ضروب الإيجاز.
стр. 3004
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المسد» «١»
قال تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) بنصب حَمَّالَةَ على الذّمّ كأنّ المعنى «ذكرتها حمّالة الحطب» ويجوز أن تكون حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) نكرة نوي به التنوين.
وقرئت بالرفع (حمّالة) على أنّها صفتها «٢» والقراءة بالنصب هي المثبتة في المصحف الشريف.
стр. 3005
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المسد» «١»
إن قيل: لم ذكره الله تعالى بكنيته دون اسمه، مع أن ذلك إكرام واحترام؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها أنه يجوز أنه لم يعرف له اسم، ولم يشتهر إلّا بكنيته، فذكره بما اشتهر به، لزيادة تشهيره بدعوة السوء عليه. الثاني أنّه نقل أنه اسمه عبد العزّى، وهو كان عبد الله لا عبد العزّى، فلو ذكره باسمه لكان خلاف الواقع. الثالث: أنّه ذكره بكنيته لموافقة حاله لكنيته، فإنّ مصيره إلى النار ذات اللهب، وإنّما كنّي بذلك لتلهّب وجنتيه وإشراقهما.
стр. 3006
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المسد» «١»
في قوله سبحانه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) استعارة، والتّباب الخسران المؤدّي إلى الهلاك، وإنّما وصف سبحانه يدي أبي لهب بالتّباب، وإن كان هو المراد بذلك، لأنّ الأعمال في الأكثر إنّما تكون بالأيدي على ما تقدم من القول في بعض الفصول المتقدّمة، فلما فعل فعلا يؤدّي الى الخسار، ويفضي إلى البوار، جاز نسب ذلك إلى يديه، كما يقال هذا ما صنعت يداك وذق ما جنت يداك، وقد تقدّم الكلام على ذلك، والمراد باليدين هنا، المال والملك. يقال: فلان قليل ذات اليد، أي قليل المال والملك، فكأنّه تعالى أخبر بهلاك ماله وملكه، ثم قال تعالى: وَتَبَّ (١) أي هلك هو أيضا، لأنّه كان يدلّ «٢» بكثرة أمواله، وسعة أحواله، فإذا خرج عن ملكه قرب من هلكه، ودليل ذلك قوله تعالى: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) ويكون هلاك ماله حكما، لا غرما، لأنّه إذا كان مجموعا من غير حلّه، ومأخوذا من غير وجهه، كان هالكا بائرا، وإن كان سالما وافرا.
وفي قوله سبحانه: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) . استعارة على أحد
стр. 3007
الأقوال، وهو أن يكون المراد بحمّالة الحطب هنا، أنها تجمع على ظهرها الآثام، وتحتقب الأوزار، من قولهم فلان يحتطب على ظهره إذا فعل ما يجرّ به الآثام إلى نفسه. ومن ذلك سمّي الوزر، لأنه الذنب، الذي كان فاعله احتمل بفعله ثقلا على ظهره، ويكون ذكر الحبل هنا من تمام المعنى، الذي أشرنا إليه أيضا، لأنه تعالى لمّا ذكر الحطب على التأويل الذي ذكرناه، جاء بذكر الحبل معه لأن الحبل يجمع فيه الحاطب ما يحتطبه ويضم المحتقب ما يحتقبه وقيل إنّها كانت تمشي بالنميمة بين الناس، فلذلك قيل لها حمّالة الحطب، والمعنى يؤول إلى ما قلناه أوّلا، لأنّها تستحق على فعل النميمة عقابا، فكأنّها احتطبت الإثم على ظهرها من هذه الجهة، فكانت النميمة سببا في استحقاقها العقوبة وقيل أيضا إنها كانت تحمل الشوك على ظهرها، فتلقيه في طريق رسول الله (ص) ، ليستضرّ به في ممشاه عليه، وهذا التأويل يخرج الكلام من باب الاستعارة. وقال ابو عبيدة: المسد عند العرب حبل من أخلاط، وجمعه أمساد، وأنشد الراجز «١»
ومسد أمر من أيانق ... صهب «٢» عناق «٣» ذات مخّ زاهق
قيل إن المسد الليف الذي تفتل منه الحبال، أو أن المسد اسم للفتل نفسه وإنما قال تعالى حبل من فتل، تمييزا للحبل المفتول، ممّا يقع عليه هذا الاسم، لأنه يقال حبل الذراع وحبل العاتق، فإذا قيل من مسد، علم أنّه من الحبال المعهودة، وقيل إن المسد حبل من حديد، وإن ذلك يجعل في عنقها عند دخولها النار، وأخبر عمرو بن أبي
стр. 3008
عمرو الشيباني عن أبيه، أنّ المسد محور البكرة، إذا كان من حديد، فهذا مفسّر لقول من ذهب إلى هذا الوجه، وإذا كان الحبل الذي في جيدها من حديد، فهو السلسلة، فقد قال تعالى:
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) [غافر] .
стр. 3009
سورة الإخلاص ١١٢
стр. 3010
المبحث الأول أهداف سورة «الإخلاص» «١»
سورة الإخلاص سورة مكية، آياتها أربع آيات نزلت بعد سورة الناس.
وتشتمل هذه السورة على أهم أركان الإسلام التي قامت عليها رسالة النبي (ص) وهذه الأركان ثلاثة:
الأول: توحيد الله وتنزيهه.
والثاني: بيان الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات.
والثالث: أحوال النفس بعد الموت، وملاقاة الجزاء من ثواب وعقاب، وصفة اليوم الاخر وما فيه من بعث، وحشر، وحساب، وجزاء، وصراط، وميزان، وجنة، ونار.
وأول هذه الأركان هو التوحيد والتنزيه لإخراج العرب وغيرهم من الشرك والتشبيه، ولهذا ورد في الحديث أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن، لاشتمالها على التوحيد وهو أصل أصول الإسلام.
وفي كتب التفسير: أن هذه السورة نزلت جوابا للمشركين حينما سألوا رسول الله (ص) ، أن يصف لهم ربّه، ويبيّن لهم نسبه، فوصفه لهم ونزّهه عن النسب، إذ نفى عنه أن يكون والدا، أو مولودا، أو يكون له شبيه، ومثيل.
الرَّحِيمِ [الآية ١] ضمير تفسّره الجملة التالية اللَّهُ أَحَدٌ (١) ، وهو يدلّ على فخامة ما يليه، بإبهامه، ثم تفسيره، ممّا يزيده تقريرا.
اللَّهُ أَحَدٌ (١) : (الله) علم:
دالّ على الذات العليّة دلالة مطلقة،
стр. 3011
تجمع معاني أسمائه الحسنى كلّها، وما تصوّره من التقديس، والتمجيد، والتعظيم، والربوبية، والجلال، والكمال.
أَحَدٌ (١) صفة تقرّر وحدانية الله من كل الوجود، فهو واحد في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي عبادته أمّا أحديّته أو وحدانيّته في ذاته، فمعناها أنّه يستقل بوجوده عن وجود الكائنات والمخلوقات فوجودها حادث بعد عدم، وهي محتاجة إلى علّة توجدها، وتظل قائمة عليها، حافظة وجودها، طوال ما كتب لها من بقاء. أما وجود الله سبحانه، فوجود أزلي، وجود لذاته، ومنه انبثق كل الوجود، إنّه واجب الوجود الذي لا أوّل لوجوده، ولا آخر، والفرد الذي لا تركيب في ذاته.
اللَّهُ أَحَدٌ (١) فلا إله سواه، ولا شريك معه وكانوا قد عبدوا آلهة متعدّدة مثل الشمس، والقمر، واللّات، والعزّى، ومناة، ونسر.
وكان منهم من اتّخذ إلهين: إلها للنور وإلها للظلمة، ومن قال إن الله ثالث ثلاثة من الالهة. أعلن القرآن الكريم النكير على من اتخذ إلها غير الله تعالى، وقرر القرآن أنه سبحانه، لا شريك له، ولا مثيل إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (١١٦) [النساء] .
ووحدانيّة الصّفات تعني تنزيه الله سبحانه فيها عن صفات المخلوقين من البشر، وغير البشر فهو ﷻ ، متفرّد بصفاته تفرده بذاته لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] ، لا في الذات ولا في الصفات. وقد تعدّدت صفات الله في القرآن، ولأنها ذاتية دعاها أسماء، إذ يقول جلّ شأنه: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الأعراف: ١٨٠] .
ويقول: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الحشر:
٢٤] . وهذه الصفات، منها ما يصوّر عظمة الله وجلاله مثل: العظيم، المتعال، الحميد، المجيد، القدّوس، ذي الجلال والإكرام. ومنها ما يصوّر خلق الكون وصنع الوجود مثل:
البارئ، المصوّر، الخالق، البديع.
ومنها ما يصوّر القدرة الإلهية مثل:
القوي، القادر، القهّار، المهيمن.
ومنها ما يصوّر العلم الرباني مثل:
العليم الحكيم، الخبير. ومنها ما يصوّر
стр. 3012
رحمة الله بعباده مثل: الرؤوف، الرحمن، الرحيم ... إلى غير ذلك من صفات قد تلتقي بصفات البشر، ولكنّها تختلف عنها في الجنس والنوع، هي وكل ما يتّصل بالذات الإلهية.
ووحدانيّة الله في أفعاله: هي التفرّد في خلق الكون، والقيام عليه، وتدبير نظامه المحكم، بقوانين ماثلة في جميع الأشياء، يقول الحق سبحانه: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) [ق] .
وهذا الكون العظيم، بنظامه البديع، وناموسه الرائع، يدلّ دلالة واضحة على وحدانية الله، وتفرّده بالألوهية.
قال تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] . وقال سبحانه:
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) [المؤمنون] .
ومضمون هذه الآيات، أنه لو تعددت الالهة في الكون، لفسد نظام السماوات والأرض، ولاختلّ تماسكها القائم على وحدة نظام، ووحدة تسيير وبما أن الكون، لم يفقد نظامه، ولا تماسكه، فدل ذلك على نفي تعدّد الالهة، وثبتت وحدانية الحقّ، سبحانه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) .
اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) .
(الصمد) : المقصود في الحوائج وحده، فهو الملاذ، وهو الملجأ، وهو المستعان، وهو المستغاث، ولا حول ولا طول لسواه، إنّه الخالق، الصانع، الحافظ، الوهّاب، النافع، الضارّ كلّ شيء بيده جلّت قدرته، وفي قبضته يعطي، ويمنع يبسط ويقبض يثيب ويعاقب وكل شيء في الكون متّجه إليه، يتلقّى منه الوجود إنه المحيي المميت، الذي يهب كل حي حياته وكلّ حيّ بل كلّ كائن، ينقاد إليه شاعرا بضعفه وعجزه وأنه محتاج إلى برّه وتفقّده له فهو الكالئ، الحافظ، بالليل والنهار، وعلى مر الزمان. وهو
стр. 3013
الراعي المربّي الذي يفتقر إليه كل شيء في الوجود، وينقاد بأزمّته. وفي ذلك يقول جل ذكره: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) [النحل] .
قال الإمام محمد عبده: «وقوله تعالى: اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) : يشعر بأنه [سبحانه هو] الذي ينتهي إليه الطلب مباشرة، بدون واسطة ولا شفيع، وهو في ذلك يخالف عقيدة مشركي العرب، الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء، وكثير من أهل الأديان الأخرى، يعتقدون بأنّ لرؤسائهم منزلة عند الله، ينالون بها التوسّط لغيرهم في نيل مبتغاهم، فيلجئون إليهم أحياء وأمواتا، ويقومون بين أيديهم، أو عند قبورهم، خاشعين خاضعين، كما يخشعون لله بل أشدّ خشية» «١» .
وقد نفى القرآن كل وساطة بين العبد وربه، وبيّن أن باب الله مفتوح على مصراعيه، للضارعين والتائبين والسائلين، فهو سبحانه قريب من عباده، لا يحتاج إلى وساطة أو شفاعة، قال تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) [البقرة] . وبذلك نرى، أن الله سبحانه يرفع كلّ حجاب بينه وبين عباده، ليتجهوا إليه بالمسألة حينما تنزل بهم بعض الخطوب، أو حينما تصيبهم بعض الفواجع، أو حينما يلتمسون أي مقصد من مقاصد الدنيا، أو مقاصد الاخرة. قال تعالى:
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] وقال سبحانه: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) [الأعراف] .
وعلى ذلك، فالإسلام ينكر بيع صكوك الغفران، لأن المغفرة بيد الله وحده.
وينكر الإسلام الاعتراف بالذنب لرجل الدين، حتى تصحّ التوبة، ويمحي الذنب، إذ أساس الإسلام، أن الله وحده هو المقصود في كلّ شيء:
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [الشورى: ٢٥- ٢٦] .
стр. 3014
وقد جعل الدّين الدعاء مخّ العبادة، لأن الدّعاء اعتراف ضمني بقدرة الله تعالى وعظمته، وأنه سبحانه الخالق، البارئ، الرازق، الفعّال لما يريد وأن بيده الخير، والأمر، والنفع، والضرّ، وأنه مسبب الأسباب. وللدعاء آداب منها:
التوبة النصوح، وأكل الحلال، وأداء الفرائض، واجتناب الحرمات، والتزام التضرّع، والخضوع في مناجاة الله ودعائه، واليقين الكامل بأن الله تعالى هو النافع الضار، لا رادّ لقضائه ولا معقّب لأمره: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس] .
وتمكينا لهذه العقيدة الإسلامية في النفوس، علّم رسول الله (ص) ابن عمه عبد الله بن عبّاس- وهو غلام صغير، وقد كان راكبا خلفه- كلمات ينفعه الله بهنّ في الدنيا والاخرة:
«فعن عبد الله بن عباس قال: كنت رديف النبي (ص) على بغلته فقال لي:
يا غلام، هل أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ في الدنيا والاخرة؟ قلت: نعم يا رسول الله علّمني. فقال لي: يا غلام:
احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن يضرّوك بشيء ما ضرّوك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفّت الصحف» رواه أحمد والتّرمذي، وهو حديث صحيح.
وحيث يعلم المؤمن هذه الحقيقة، ويحيى في فكره وقلبه صمدية الله تعالى، فإنه لا يرجع في أمر من أموره إلّا إليه سبحانه، ولا يتقرّب بأيّ قربى إلّا قربى تدنيه من طاعة ربّه ومرضاته وتثبيتا لحقيقة صمديّة الخالق، من حقائق صفات الألوهية، قال سبحانه:
اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) ، أي الله هو الغني في ذاته، وفي صفاته، غنى تامّا، وهو الذي يصمد إليه أي: يرجع إليه في كل أمر صغر أو كبر.
قال أبو هريرة في تفسير كلمة الصمد: هو المستغني عن كلّ أحد، المحتاج إليه كلّ أحد.
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) : لَمْ يَلِدْ لم يتخذ ولدا
стр. 3015
وَلَمْ يُولَدْ (٣) ليس له والد يكنى به.
والقرآن بهذا ينزّه الله العلي العظيم، عن شبهه بالآدميين الفانين، الذين يوجدون بعد عدم، ويعيشون وينجبون الولد والأولاد، ثم تشتعل رؤوسهم شيبا، ويبلغون من الكبر عتيّا، ثمّ يموتون. وبذلك يكون الإنسان والدا ومولودا في آن واحد. أما الله سبحانه، فتعالى علوّا كبيرا، عن أن يلد أو يولد، فهو منزّه عن مجانسة الآدميين، في اتخاذ الصاحبة، أو الزوجة، واتّخاذ الأولاد. قال تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) [الأنعام] .
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) :
الكفو (أو الكفؤ) معناه المكافئ، والمماثل في العمل والقدرة، وهو نفي لما يعتقده بعض المبطلين، من أنّ لله ندّا في أفعاله يعاكسه في أعماله، على نحو ما يعتقده بعض الوثنيين في الشيطان مثلا، فقد نفى سبحانه بهذه السورة، جميع أنواع الشرك، وقرّر جميع أصول التوحيد والتنزيه.
«وقد جعل الله سبحانه الآية الأخيرة خاتمة للايات قبلها، فبعد أن قرر جلّ وعلا وحدانيته، وعظيم سلطانه، وأنّه ملاذ الكون ومخلوقاته، وأنّه منزه عن مشابهة الإنسان، ومماثلته لتفرّده بقدمه وأزليّته، قال في صيغة عامّة إنّه ليس له مثيل، ولا نظير من الخلق، في أيّ صفة، ولا في أيّ فعل، ولا في أيّ شيء من الأشياء» «٢» .
وقد سفّه القرآن في مواطن كثيرة، من جعلوا لله أندادا من المخلوقات، وبيّن أنه سبحانه الصانع الأعظم، وما من كائن إلّا ويفتقر إليه في وجوده، وفي معنى سورة الإخلاص يقول الله سبحانه: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢)